Полный текст (633 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
لُزُوم العقد قَالَ لَهُ إِن لم يحلف لي أَنَّك تُعْطِينِي حَقي يَوْم كَذَا وَإِلَّا لزمك الطَّلَاق فَإِن لم تحلف أخذت السّلْعَة مِنْك وَذَلِكَ بعد إِذْ أدّى المُشْتَرِي الكلفة السُّلْطَانِيَّة فَإِن هَذِه الْيَمين لَا تَنْعَقِد وَلَا طَلَاق عَلَيْهِ إِذا لم يُعْط
وَلَو قَالَ كنت قد استثنيت فَقلت إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَقَالَ لم تقل شَيْئا فَالْقَوْل قَول الْحَالِف فِي هَذِه الْحَال أَنه اسْتثْنِي لِأَنَّهُ مظلوم والمظلوم لَهُ الِاسْتِثْنَاء وَله التَّعْرِيض وَالْقَوْل قَوْله فِي ذَلِك
وَلَو قَالَ إِن خرجت بِغَيْر إذني فَأَنت طَالِق فَهُوَ على كل مرّة لِأَن خرجت فعل وَالْفِعْل نكرَة وَهِي فِي سِيَاق الشَّرْط تعم نَحْو قَوْله تَعَالَى فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَكَذَا إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق يَقْتَضِي تَعْلِيق الْمُسَمّى على تحقق الشَّرْط فَهُوَ على كل مرّة تعطيه ألفا وَهَذَا الْمُسَمّى مَوْجُود فِي جَمِيع أَفْرَاده فَيَقَع الطَّلَاق بِهِ إِذا وجد فَلَو أَعطَتْهُ مَا ينقص ع ن ألف ثمَّ أَعطَتْهُ الْألف وَقع الطَّلَاق لَكِن الْعُمُوم تَارَة يكون على سَبِيل الْبَدَل وَهُوَ الْعُمُوم الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِيهِ تَعْلِيق الطَّلَاق لَا يَقْتَضِي التّكْرَار وَتارَة تكون على سَبِيل الْجمع وَهُوَ الْعُمُوم على سَبِيل الِاسْتِغْرَاق وَهُوَ يَقْتَضِي التّكْرَار تَعْلِيق الطَّلَاق هَذَا الْجَواب هُوَ الصَّوَاب
وَقيل إِنَّه إِذا أذن لَهَا فِي الْخُرُوج انْحَلَّت يَمِينه بِنَاء على القَوْل بِأَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي لَا تعم إِلَّا إِذا أكدت ب من تَحْقِيقا أَو تَقْديرا نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ محتجا بقول سيبيوه إِنَّه يجوز أَن تَقول مَا رَأَيْت رجلا بل رجلَيْنِ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فرق بَين الصيغتين فِي الْجَوَاز فَقَط فَإِن قَوْله مَا رَأَيْت من رجل إِنَّمَا هُوَ نَص فِي الْجِنْس لِأَن حرف من للْجِنْس وَأما نَحْو مَا رَأَيْت رجلا فَهُوَ ظَاهر فِي الْجِنْس يَقْتَضِي الْعُمُوم وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ مَعَ القرنية نفي الْجِنْس الْوَاحِد فَيجوز للمتكلم أَن لَا يُرِيد بِكَلَامِهِ ذَلِك كَمَا
стр. 527
يُرِيد بِهِ سَائِر الِاحْتِمَالَات المرجوحة فَإِذا قَالَ إِن خرجت إِلَّا بإذني وَنوى خُرُوجًا وَاحِدًا نَفعه ذَلِك وحملت يَمِينه عَلَيْهِ وَلَو كَانَ السَّبَب يَقْتَضِي ذَلِك مثل أَن تطلب مِنْهُ الْخُرُوج إِلَى لِقَاء الْحجَّاج فَيَقُول إِن خرجت بِغَيْر اذني فَأَنت طَالِق فَهُوَ كَمَا لَو حلف لَا يتغذى إِذا دعى إِلَى غداء فَفِيهِ قَولَانِ هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد الصَّوَاب أَنه يقْتَصر على ذَلِك الْغَدَاء لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من كَلَام النَّاس عرفا وَالْفرق بَينه وَبَين أَلْفَاظ الشَّارِع أَن الْعبْرَة فِي كَلَام الشَّارِع بِعُمُوم لَفظه لَا بِخُصُوص سَببه ذَلِك أَن هُنَاكَ تعَارض قصد التَّخْصِيص وَقصد التأسيس بالحكم فيرجح التأسيس لِأَن كَلَام الشَّارِع مَنْصُوب لَهُ وَهُوَ مُوجب اللَّفْظ وَهنا لم يعرف أَن غَرَض الْحَالِف تأسيس الْمَنْع من الْفِعْل فَسلمت دلَالَة التَّخْصِيص عَن معَارض فَظهر أَن قَوْله إِن خرجت بِغَيْر إذني مثل قَوْله إِن خرجت إِلَّا أَن آذن لَك هَذَا خُرُوج مُقَيّد وَهَذَا خُرُوج مُطلق كَقَوْلِه لَا أتغذى أَو لَا أخرج وَمَعَ ذَلِك فان تطلق نكرَة وَهَذِه الْأَفْعَال كلهَا للْعُمُوم عِنْد الْإِطْلَاق لِأَنَّهَا نكرَة فِي سِيَاق غير مُوجب فَيحمل عَلَيْهِ إِذا نَوَاه وَكَانَ مَعَ السَّبَب للخصوص على أصح الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا ظَاهر فِي قُلُوب النَّاس
فصل
وَمن حلفه مخدومه أَنه مَتى رأى أحدا خانه يُعلمهُ فخانه أحد فَإِنَّهُ اطلع عَلَيْهِ استوفى حَقه مِنْهُ أَو عاقبه بِمَا يسْتَحق من غير عدوان وَجب على الَّذِي عرف بالقضية أَن يطلعه وينصحه وَلَو لم يحلفهُ فَكيف إِذا حلفه وبأثم إِذا سكت عَن هَذِه النَّصِيحَة
وَمن سحر فَبلغ بِهِ السحر أَن لَا يعلم مَا يَقُول فَلَا طَلَاق لَهُ
وَمن كَانَت عِنْده وَدِيعَة فتصرفت فِيهَا زَوجته فَطلب صَاحب الْوَدِيعَة
стр. 528
وديعته فَقَالَ لزوجته أعْطِيه الْوَدِيعَة فَقَالَت تصرفت فِيهَا فَحلف أَنه لَا بُد أَن يُعْطِيهِ الْوَدِيعَة وَإِلَّا كَانَت طَالقا وَلَا يروح إِلَّا بوديعته وَكَانَ قد رأى الْوَدِيعَة فِي الْبَيْت فعجزت الزَّوْجَة عَن إحضارها وَرَاح الرجل وَلم يَأْخُذ الْوَدِيعَة فَإِذا كَانَت الْوَدِيعَة مَعْدُومَة فَلَا حنث عَلَيْهِ لِأَن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مُمْتَنع وَلَا يَحْنَث فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَلِأَنَّهُ اعْتقد وجودهَا فَتبين ضِدّه فَلَا يَحْنَث فِي مثل ذَلِك على الصَّحِيح
وَمن رأى معجنة طين فَقَالَ على الطَّلَاق مَا تَكْفِي فكفت فَلَا يعود إِلَى مثل هَذَا الْيَمين فَإِن فِيهَا خلافًا لَكِن الْأَظْهر أَنه لَا يَحْنَث
وَإِذا حلف على زَوجته لَا تفعل شَيْئا وَلم تعلم أَنه حلف أَو علمت ونسيت ففعلته فَلَا حنث عَلَيْهِ وَله أَن يصدقها إِن كَانَت صَادِقَة عِنْده
وَإِذا حلف لَا يفعل شَيْئا لسَبَب فَزَالَ السَّبَب أَو أكره فعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لم يَحْنَث وَإِن كَانَ السَّبَب بَاقِيا وَأَرَادَ فعل الْمَحْلُوف فخالع زَوجته خلعا صَحِيحا ثمَّ فعله بعد أَن بَانَتْ بِالْخلْعِ لم يَحْنَث وَإِن كَانَ الْخلْع لأجل الْيَمين فَفِيهِ نزاع مَشْهُور وَالصَّحِيح أَن خلع الْيَمين لَا يَصح كالمحلل لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ الْفرْقَة وَهل يَقع بخلع الْيَمين طَلْقَة رَجْعِيَّة أم لَا يَقع بِهِ شَيْء فِيهِ نزاع مَشْهُور وَالصَّحِيح أَنه لَا يَقع بِهِ شَيْء بِحَال لَكِن إِذا أفتاه مفت بِهِ وَفعله مُعْتَقدًا أَن النِّكَاح قد زَالَ وَأَنه لَا حنث عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يقْصد مُخَالفَة يَمِينه فَلَا حنث عَلَيْهِ وَأكْثر الْعلمَاء يَقُولُونَ إِن يَمِينه بَاقِيَة مِنْهُم مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الْمَشْهُور وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَفِي القَوْل الآخر أَن الْيَمين تنْحَل إِذا حصل بَينه وَبَين زَوجته بينونة وَيجوز للمستفتي أَن يستفتى فيمَ ثل هَذِه الْمسَائِل من يفته بِأَن لَا حنث عَلَيْهِ وَلَا يجب على أحد أَن يُطِيع أحد فِي كل مَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَإِذا أفتاه من يجوز
стр. 529
استفتاؤه جَازَ أَن يعْمل بفتواه وَلَو كَانَ ذَلِك القَوْل لَا يُوَافق الْمَذْهَب الَّذِي ينتسب هُوَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يلزتم قَول إِمَام بِعَيْنِه فِي جَمِيع أيمانه
وَمن حلف بالحرام أَن لَا يخرج فُلَانَة من بَيته فَخرجت فمذهب أَحْمد أَنه لَا طَلَاق عَلَيْهِ وَإِن نوى الطَّلَاق بل تُجزئه كَفَّارَة يَمِين فِي قَول وَكَفَّارَة ظِهَار فِي آخر وَكَفَّارَة الْيَمين أظهر
وَإِذا اتهمَ زَوجته وَقَالَ أَنْت أخذت الْفضة فَحَلَفت أَنَّهَا مَا أَخَذتهَا فَقَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ وجد أَنَّهَا لم تكن أخذت شَيْئا فَذكر أَنه هُوَ أَخذهَا وَإِن كَانَ قد نوى أَنْت طَالِق إِن كنت أخذتيها فَلَا حنث عَلَيْهِ وَإِن اعْتقد أَنَّهَا أَخَذتهَا فَطلقهَا لأجل ذَلِك ثمَّ تبين أَنَّهَا لم تأخذها فَفِيهِ نزاع الْأَظْهر أَنه لَا يَقع
وَكَذَلِكَ لَو نقل عَنْهَا أَنَّهَا فعلت فَاحِشَة فَطلقهَا يَنْوِي أَنَّهَا طَالِق لأجل مَا فعلت فَبَان أَنَّهَا لم تفعل فَلَا حنث وَإِن كَانَ لم ينْو وَلَكِن السَّبَب ذَلِك فَفِيهِ نزاع فَلَا بُد من اعْتِبَار لفظ الْحَالِف وَنِيَّته وَسبب يَمِينه
وَإِذا كَانَ الْحَالِف يعْتَقد أَن الْمُخَاطب لَا يفعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ باعتقاده أَنه لَا يُخَالِفهُ إِذا حلف عَلَيْهِ وَلَا يحنثه لكَون الْحَالِف متزوجا بقريبته وَلَا يخْتَار تطليقها وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب فَحلف عَلَيْهِ وَتبين أَنه كَانَ غالطا فِي اعْتِقَاده فِيهِ وَأَنه يخْتَار أَنه يطلقهَا وَلَا يُبَالِي بِهِ فَفِيهِ نزاع
إِذا اعْتقد فِي معِين صفة فَحلف لأجل تِلْكَ الصّفة ثمَّ تبين بِخِلَافِهِ فالأشبه أَنه لَا يَقع طَلَاق كَمَا لَو لَقِي امْرَأَة ظَنّهَا أَجْنَبِيَّة فَقَالَ أَنْت طَالِق ثمَّ تبين أَنَّهَا زَوجته فَفِيهِ نزاع وَالْأَظْهَر لَا طَلَاق عَلَيْهِ إِذْ الِاعْتِبَار بِمَا قَصده وَهُوَ إِنَّمَا قصد مَوْصُوفا لَيْسَ هُوَ هَذَا الْمعِين
وَإِذا طَلقهَا طَلْقَة بَائِنَة بِلَا عوض فَفِيهِ نزاع قيل يَقع وَاحِدَة بَائِنَة
стр. 530
وَقيل بل رَجْعِيَّة وَقيل ثَلَاث وَالصَّحِيح أَنه لَا يَقع بِهِ إِلَّا وَاحِدَة والنزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ رَجْعِيَّة وَأَبُو حنيفَة وَاحِدَة بَائِنَة
وَإِذا حلف لَا يسكن بِبَيْت أَبِيه فزارهم وحابس عِنْدهم أَيَّامًا لم يَحْنَث لِأَن الزِّيَارَة لَيست سُكْنى بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وَطَلَاق السَّكْرَان فِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَغَيره وَالْأَشْبَه بِالْكتاب وَالسّنة أَنه لَا يَقع وَثَبت ذَلِك عَن عُثْمَان ﵁ وَلم يثبت عَن صَحَابِيّ خلَافَة وَهُوَ قديم قَول الشَّافِعِي وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَهُوَ قَول كَبِير من السّلف وَالْفُقَهَاء وَالثَّانِي يَقع وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَزعم طَائِفَة من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي السَّكْرَان الَّذِي قد يفهم ويغلط فَأَما الَّذِي ثمَّ سكره بِحَيْثُ لَا يفهم مَا يَقُول وَلَا مَا يُقَال لَهُ فَلَا يَقع بِهِ قولا وَاحِدًا لِأَن الْأَئِمَّة الْكِبَار جعلُوا النزاع فِي الْجمع
فصل
إِذا حلف بِالطَّلَاق أَو غَيره أَنه لَا يدْخل دَار فلَان وَلَا يَأْكُل طَعَامه وَلَا يطَأ زَوجته ثمَّ فعل وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال انْحَلَّت يَمِينه وَلم يَحْنَث بعد ذَلِك بِفعل الْبَوَاقِي بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَمن حلف بِالطَّلَاق فَقيل لَهُ استثن فَقَالَ إِن شَاءَ الله فَلَا جنث عَلَيْهِ بِخِلَاف الَّذِي أوقع الطَّلَاق وَقَالَ إِن شَاءَ الله فَإِن ذَلِك لَا يرفعهُ سَوَاء كَانَ قد نوى الِاسْتِثْنَاء قبل فَرَاغه من الْيَمين أَو بعده هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الإِمَام أَحْمد وَكثير من السّلف وَسنة الرَّسُول ﷺ أَن يطوف على نِسَائِهِ وَقَوله للْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر واستثناء سُهَيْل بن بَيْضَاء وَغَيره تدل على أَن الْيَمين تنْحَل بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُقَارن للْيَمِين
стр. 531
وَمن اعْتَادَ الْكَذِب فَصَارَ إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا اؤتمن خَان فَهُوَ مُنَافِق وَالْمُنَافِق شَرّ من الْكَافِر فَإِذا قَالَ رجل الَّذِي يكذب النَّصْرَانِي خير مِنْك وَقصد أَن النَّصْرَانِي الَّذِي لَا يكذب خير من هَذَا الْكتاب مَعَ أَن دين الْإِسْلَام هُوَ الْحق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فَإِن الْكَذِب أساس النِّفَاق وَمن لَا يكذب خير مِمَّن يكذب وَإِذا حلف بِالطَّلَاق ليعطينه كَذَا فعجز عَنهُ فَلَا حنث عَلَيْهِ إِذا كَانَت نِيَّته أَن يُعْطِيهِ مَعَ الْقُدْرَة
فصل
صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من كَانَ حَالفا فليحف بِاللَّه أَو ليصمت وَمن حلف بِغَيْر الله فقد أشرك فَلَيْسَ لأحد أَن يحلف لَا بِملك وَلَا نَبِي وَلَا غير ذَلِك من الْمَخْلُوقَات وَلَا يحلف إِلَّا باسم من أَسمَاء الله أَو صفة من صِفَاته وَقد روى من حلف بالأمانة فَلَيْسَ منا فَمن حلف بالأمانة لَا يدْرِي مَا حلف بِهِ أَو عني بِهِ مخلوقا فقد أَسَاءَ وَإِن أَرَادَ بهَا صفة من صِفَات الله نَحْو وَأَمَانَة الله أَو عصمته جَازَ ذَلِك
وَهل الْحلف بِغَيْر الله محرم أَو مَكْرُوه على قَوْلَيْنِ الأول أصح وَكَانَ السّلف يعذرُونَ من يحلف بِالطَّلَاق وكل مَا سوى الله يدْخل فِي مثل الْكَعْبَة والكرسي وَالْمَلَائِكَة والنبيين والملوك ونعمة السُّلْطَان أَو الشَّيْخ أَو تربة أَبِيه وَنَحْو ذَلِك وَلَكِن فِي الْخلف برَسُول الله ﷺ نزاع وَكَثْرَة الْحلف مَكْرُوه وَلَكِن قد يسْتَحبّ إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة شَرْعِيَّة كَمَا أَمر الله نبيه ﷺ ﴿قل إِي وربي إِنَّه لحق﴾ ﴿قل بلَى وربي لتبعثن﴾ قل إِي ﴿وربي لتأتينكم﴾
وَمن حلف على رجل لَا بُد أَن يعْطى فلَانا كَذَا يعْتَقد أَن ذَلِك الشَّيْء عِنْده مَوْجُود بِحَيْثُ لَو علم أَنه قد عدم لما خلف ثمَّ تبين أَن ذَلِك الشَّيْء قد عدم
стр. 532
فَلَا حنث عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حلف على مُسْتَحِيل نَحْو لأطيرن أَو لأشربن مَاء الْكوز وَلَا مَاء فِيهِ وَهَذَا لَا يَحْنَث فِيهِ عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء
وَله مَأْخَذ آخر وَهُوَ أَنه حلف يعْتَقد شَيْئا فَتبين بِخِلَافِهِ
وَمن اتهمه زَوجته بِوَطْء جَارِيَته فَعرض وَحلف أَنه مَا وَطئهَا فَلهُ ذَلِك كَمَا جرى لعبد الله بن رَوَاحَة ﵁ إِذا حلف لزوجته وَأقَام لَهَا الدَّلِيل على ذَلِك أَنه لَيْسَ جنبا فَأَنْشد لَهَا شعرًا يوهمها أَنه قُرْآن وَهُوَ
شهِدت بِأَن وعد الله حق وَأَن النَّار مثوى الْكَافرين وَأَن الْعَرْش فَوق المَاء طَاف وَفَوق الْعَرْش رب الْعَالمين وَذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ فَضَحِك وَقَالَ إِن امْرَأَتك لفقيهة فَهَذَا قد أظهر لَهَا أَنه يقْرَأ الْقُرْآن وَمثل هَذَا لَو فعله الرجل لغير عذر كَانَ حَرَامًا بالِاتِّفَاقِ
وَإِذا قَالَ لزوجته إِن ابرأتيني من نَفَقَة الْأَوْلَاد وَأخذت الْأَوْلَاد بِالْكَفَالَةِ وَنَحْو ذَلِك من الْعبارَات فَأَنت طَالِق فالتزمت بِمَا قَالَ من الْإِنْفَاق فَإِنَّهُ يَقع بِهِ الطَّلَاق فَإِن امْتنعت ألزمت بذلك كَمَا تلْزم بِغَيْرِهِ من الْحُقُوق
стр. 533
كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور
أصل عقد النّذر مَكْرُوه لما فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِن النّذر لَا يَأْتِي بِخَير وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل لَكِن إِن نذر طَاعَة الله لزمَه الْوَفَاء بِهِ وَمن نذر أَن يعْصى الله فا يَعْصِهِ فقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه وَمن نذر أَن يَعْصِي الله فَلَا يَعْصِهِ وَمن نذر للقبور زيتا أَو شمعا وَنَحْوه فقد جعله الْعلمَاء من قسم الْمعْصِيَة الَّذِي لَا يجوز الْوَفَاء بِهِ فَفِي السّنَن أَنه ﷺ قَالَ لعن الله زوارات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا السرج والمساجد رَوَاهُ أهل اسنن وَابْن جبان فِي صَحِيحه وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَكَذَلِكَ لَو نذر لبيت شيخ أَو شَجَرَة زيتا أَو خلوقا أَو نَحْو ذَلِك فَلَا يجوز بِلَا نزاع بل هَذَا من جنس عبَادَة الْأَوْثَان وَقد بلغ عمر ﵁ أَن قوما يأْتونَ الشَّجَرَة الَّتِي بَايع النَّبِي ﷺ تحتهَا بيعَة الرضْوَان يَوْم الْحُدَيْبِيَة فقطعها وَقد كَانَ للمشركون شَجَرَة يعلقون عَلَيْهَا أسلحتهم يسمونها ذَات أنواط فَقَالَ الْمُسلمُونَ لرَسُول الله ﷺ اجْعَل لنا ذَات أنواط فَقَالَ الله أكبر قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قوم مُوسَى ﴿اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة﴾ ثمَّ قَالَ لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ الحَدِيث فَلَا يجوز أَن يتَّخذ شَيْء من الْقُبُور والْآثَار وَالْأَشْجَار والأحجار وَنَحْوهَا بِحَيْثُ يُرْجَى نَفعه وبركته بِالنذرِ لَهُ والتمسح بِهِ أَو تَعْلِيق شَيْء عَلَيْهِ أَو تخليقه بل كَانَ هَذَا من جنس الشّرك وَأما نذر الزَّيْت وَنَحْوه لِلْمَسْجِدِ لإضاءته فَهُوَ من الْبر على أَن لَا يكون مَبْنِيا على قبر
وَأما الْوَقْف على قُبُور الْأَنْبِيَاء فَإِن كَانَ وَقفا على بِنَاء الْمَسَاجِد عَلَيْهَا وَإِيقَاد المصابيح فقد تقدم حكمه وَأَنه مَعْصِيّة لَا يحل الْوَفَاء بِهِ وَأَنه من عمل الْمُشْركين
وَالَّذين يَقُولُونَ إِن من الْعلمَاء من وقف على مَدِينَة النَّبِي ﷺ يُرِيدُونَ بذلك أَنه وقف على قبر فَهُوَ خطأ مِنْهُم فِي فهم الْعبارَة فَإِن هَذَا إِنَّمَا
стр. 534
هُوَ وقف على من بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَلَيْسَ لذَلِك اخْتِصَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَمِيع مَا يصرفهُ الْمُسلمُونَ من الْأَمْوَال فِي أَنْوَاع الْوَقْف وَغَيره إِنَّمَا هُوَ بِأَمْر النَّبِي ﷺ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾
وكل مَا ينذر لَهُ أَو يعظم بعض من الْأَحْجَار أَو الْقُبُور أَو الْأَشْجَار وَنَحْوهَا يجب أَن يزَال لِأَنَّهُ يحصل للنَّاس بِهِ ضَرَر عَظِيم فِي دينهم كَمَا كسر الْخَلِيل ﵇ الْأَصْنَام وكما حرق مُوسَى عَلَيْهِ اسلام الْعجل وكما كسر رَسُول الله ﷺ الْأَصْنَام وحرقها لما فتح مَكَّة وَكتب أَبُو مُوسَى إِلَى عمر ﵁ لما فتحُوا تستر ووجدوا على سَرِير بِبَيْت مَالهَا جسم دانيال وَكَانَ أهل تستر يستسقون بِهِ فَكتب إِلَيْهِ عمر أحفر بِالنَّهَارِ ثَلَاثَة عشر قبرا وادفنه لَيْلًا فِي وَاحِد مِنْهَا وعمها لِئَلَّا يفتن النَّاس بِهِ
وَمن قَالَ أَنه يشفى بِمثل نَذره لهَذِهِ الْأَشْيَاء فَهُوَ كَاذِب بل يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِنَّهُ مكذب لله وَرَسُوله فقد ثَبت أَنه ﷺ قَالَ إِن النّذر لَا يَأْتِي بِخَبَر فَمن قَالَ إِنَّه يَأْتِي بِخَير عرف ذَلِك فَإِن أصر فقد شاق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيكسر مَا يُوقد عِنْدهَا من السرج أَو يدْفع إِلَى من ينْتَفع بِهِ من الْمُسلمين
وَالنّذر الْمُطلق مثل قَوْله لله على كَذَا وَالْوَقْف الْمُطلق وَالْكَفَّارَة لَا يصرف ذَلِك كُله إِلَى غنى بل إِلَى من يسْتَحقّهُ من مستحقي الزَّكَاة
وَلَو نذر لشيخ معِين على وَجه الاستغاثة بِهِ طُولِبَ قَضَاء الْحَاجة مِنْهُ فَإِنَّهُ نذر مَعْصِيّة لَا يجوز الْوَفَاء بِهِ وَهل عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين على قَوْلَيْنِ بِخِلَاف من كَانَ قَصده الصَّدَقَة عَلَيْهِ فِي حَيَاته فَقَط لَا يعدمونه لفقره إحسانا إِلَيْهِ لله تَعَالَى فَإِن إِلَّا يقبض الْهِبَة فَإِن قبلهَا فَلَا كَلَام وَإِن لم يقبلهَا فَلَا شَيْء على الْوَاهِب كَمَا لَو حلف ليهبن فلَانا فَلم يقبل فَإِن أَصْحَابنَا وَغَيرهم قَالُوا إِذا حلف لَا يهب
стр. 535
وَلَا يتَصَدَّق فَفعل وَلم يقبل الْمَوْهُوب لَهُ لم يَحْنَث فَهَذَا فِي النَّفْي وَأما فِي الْإِثْبَات فَإِذا حلف لَا يهب فإمَّا أَن يجرى مجْرى الْإِثْبَات أَو يُقَال يحمل على الْإِجْمَال كَمَا يفرق فِي لفظ النِّكَاح وَغَيره بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات وَقد قَالُوا فِي الطَّلَاق إِذا وهب امْرَأَته أَهلهَا فَلم يقبلوها لم يَقع شَيْء وَفِيه نظر وكما لَو نذر عتق معِين فَمَاتَ لِأَن مُسْتَحقّ النّذر إِذا كَانَ مَيتا لم يسْتَحقّهُ غَيره
فصل
وَمن نذر لقبر من قُبُور النَّصَارَى فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب بل كل من عظم شَيْئا من شَعَائِر الْكفَّار مثل الْكَنَائِس أَو قُبُور القسيسين أَو عظم الْأَحْيَاء مِنْهُم يَرْجُو بركتهم فَإِنَّهُ كَافِر يُسْتَتَاب
وَأما إِذا نذر للْمُسلمين وَلم يعرف صَاحبه فَإِنَّهُ يصرف فِي مصَالح الْمُسلمين
وَإِذا قَالَ إِن فعلت كَذَا فعلي أَن أعتق عَبِيدِي أَو مَالِي صَدَقَة وَنَحْوه من أَلْفَاظه الِالْتِزَام فيجزئه كَفَّارَة يَمِين بِخِلَاف قَوْله الْعتْق يلزمين فَفِيهِ نزاع
وَإِذا أعتقت جاريتها ونيتها أَن تعتقها إِذا كَانَت مُسْتَقِيمَة فَبَانَت زَانِيَة جَازَ لَهَا بيعهَا وَإِن أعتقتها مُطلقًا لَزِمَهَا
وَمن نذر صوما مَشْرُوعا وَعجز لكبر أَو مرض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ كَانَ لَهُ أَن يفْطر وَيكفر كَفَّارَة يَمِين أَو يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا أَو يجمع بَين الْأَمريْنِ على ثَلَاثَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره أحوطها الثَّالِث وَإِن كَانَ عَجزه لمرضى يُرْجَى بُرْؤُهُ فَإِنَّهُ يفْطر وَيَقْضِي بدل مَا أفطر وَهل عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين فِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَغَيره وَإِن كَانَ يُمكنهُ الصَّوْم لَكِن يُضعفهُ عَن وَاجِب مثل الْكسْب الْوَاجِب فَلهُ أنيفطر ثمَّ إِن أمكنه الْقَضَاء قضى وَإِلَّا فَهُوَ كالشيخ الْكَبِير
وَأما صَوْم رَجَب وَشَعْبَان فَفِيهِ نزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره قيل هُوَ مَشْرُوع فَيجب الْوَفَاء بِهِ وَقيل بل يكره فيفطر بعض رَجَب
стр. 536
بَاب فِي آدَاب القَاضِي
يجوز للحنفي الْحَاكِم أَن يَسْتَنِيب شافعيا يحكم بِاجْتِهَادِهِ وَإِن خَالف اجْتِهَاد مستنيبه وَلَو شَرط عَلَيْهِ أَن يحكم بقول مستنيبه لم يجز هَذَا الشَّرْط وَأَيْضًا إِذا رأى المستنيب قَول بعض الْأَئِمَّة أرجح من بعض لم يجز لَهُ أَن يحكم بالمرجوح بل عَلَيْهِ أَن يحكم بالراجح فَكيف لَا يكون لَهُ أَن يَسْتَنِيب من يحكم بالراجح وَإِن خَالف قَول إِمَامه وَلَيْسَ على الْخلق لَا الْقُضَاة وَلَا غَيرهم أَن يطيعوا أحدا فِي كل مَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَمن سَوَاء من الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك فَيجوز لكل من الْحُكَّام أَن يَسْتَنِيب من يُخَالِفهُ فِي مذْهبه ليحكم بِمَا أنزل الله
وَمن بَاشر الْقَضَاء مَعَ عدم الْأَهْلِيَّة المسوغة للولاية وأصر على ذَلِك عَاملا بِالْجَهْلِ وَالظُّلم فَهُوَ فَاسق وَلَا يجوز أَن يولي خطْبَة وَلَا تنفذ أَحْكَامه وَلَا عقوده كَمَا نفذ أَحْكَام الْعَالم الْعَادِل بل من الْعلمَاء من يردهَا كلهَا وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد وَمن الْعلمَاء من ينفذ مَا وَافق الْحق لمسيس الْحَاجة وَلما يلْحق النَّاس من الضَّرَر وَالْحق يجب اتِّبَاعه سَوَاء قَامَ بِهِ الْبر أَو الْفَاجِر وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَهُوَ الرَّاجِح
وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن الْحَاكِم لَيْسَ لَهُ أَن يقبل الرِّشْوَة سَوَاء حكم بِحَق أَو بباطل وَلَا يحكم لنَفسِهِ وَلَيْسَ للْحَاكِم أَن يكون لَهُ وَكيل يعرف أَنه وَكيله يتجر لَهُ فِي بِلَاد عمله وَإِذا عرف أَن الْحَاكِم بِهَذِهِ المثابة فَإِنَّهُ ينْهَى عَن ذَلِك فَإِن انْتهى وَإِلَّا استبدل بِهِ من هُوَ أصلح مِنْهُ إِن أمكن وَإِذا فصل الْحُكُومَة بَينه وَبَين غَرِيمه حَاكم نَافِذ الحكم فِي الشَّرْع لعلمه وَدينه لم يكن لغريمه أَن يحاكم عِنْد حَاكم آخر
وَإِذا قَالَ الْحَاكِم ثَبت عِنْدِي فَهَل هُوَ حكم فِيهِ وَجْهَان
стр. 537
وَفِي قبُول شَهَادَة الْفَرْع مَعَ إِمْكَان حُضُور الأَصْل نزاع وَالْقَوْل بِهِ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
وَحَدِيث معَاذ لما بَعثه النَّبِي ﷺ إِلَى الْيَمين الَّذِي قَالَ لَهُ فِيهِ فَإِذا لم تَجِد فِي سنة رَسُول الله قَالَ حكمت برأيي طعن فِيهِ جمَاعَة وروى فِي مسانيد وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاسْتدلَّ بِهِ طوائف من الْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول فِي كتبهمْ وروى من طرق
وَبِكُل حَال يجوز اجْتِهَاد الرَّأْي للْقَاضِي والمفتي إِذا لم يجد فِي الْحَادِثَة نصا من الْكتاب أَو السّنة كَقَوْل جَمَاهِير السّلف وأئمة الْفُقَهَاء كمالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي عبيد وَغَيرهم وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بدلائل مثل كتاب عمر إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَفِيه اعرف الْأَشْبَاه والنظائر وَقس الْأُمُور بِرَأْيِك وَقد تكون تِلْكَ الْحُكُومَة فِي الْكتاب وَالسّنة على وَجه خَفِي لم يُدْرِكهُ أَو تكون مركبة من مقدمتين من الْكتاب وَالسّنة لكنه لم يتفطن لذَلِك فَيجوز لَهُ أَن يجْتَهد بِرَأْيهِ حِينَئِذٍ لكَونه لم يجد تِلْكَ الْحُكُومَة فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة وَإِن كَانَت فيهمَا ثمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿تَجدوا مَاء﴾ فقد يكون المَاء تَحت الأَرْض وَهُوَ لَا يعرف وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن﴾ وَقَوله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾
وَالْقِيَاس الَّذِي يسوغ مثل أَن يرد الْقَضِيَّة إِلَى نظيرها الثَّابِت بِالْكتاب وَالسّنة أَو لم يفهم عِلّة الحكم الَّتِي حكم الشَّارِع لأَجلهَا ويجدها فِي الصُّورَة الَّتِي فِي النَّص وَهَذَا من قِيَاس التَّعْلِيل وَالْأول قِيَاس التَّمْثِيل وَلَيْسَ لَهُ أَن يحكم بِمَا شَاءَ وَمن جوز ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلَيْسَ هَذَا مُخْتَصًّا بمعاذ
وَلَيْسَ للْحَاكِم منع النَّاس مِمَّا أَبَاحَهُ الله وَرَسُوله مثل أَن يمْنَع أَن يُزَوّج الْمَرْأَة وَليهَا أَو يمْنَع الشُّهُود أَو غَيرهم من كِتَابَة مهرهَا أَو كِتَابَة عقد بيع أَو إِجَارَة
стр. 538
أَو أقرار أَو غير ذَلِك وَإِن كَانَ الْكَاتِب مرتزقا بذلك وَإِذا منع القَاضِي ذَلِك ليصل إِلَيْهِ مَنَافِع هَذِه الْأُمُور كَانَ هَذَا من المكس نَظِير من يسْتَأْجر حانوتا فِي الْقرْيَة على أَن لَا يَبِيع غَيره وَإِن كَانَ إِنَّمَا يمْنَع الْجَاهِل لِئَلَّا يعْقد عقدا فَاسِدا فالطريق أَن يفعل كَمَا فعل الْخُلَفَاء الراشدون من تَعْزِير من يعْقد نِكَاحا فَاسِدا كَمَا فعله عمر وَعُثْمَان ﵄ فَلَيْسَ من تزوج بِغَيْر ولي وفيمن تزوج فِي الْعدة
وَهل يجب على الشَّخْص أَن يلْتَزم مذهبا بِعَيْنِه يَأْخُذ بِعَزَائِمِهِ ورخصه فِيهِ نزاع فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه لَا يجب على أحد أَن يُقَلّد شخصا بِعَيْنِه وَلَا يلْتَزم مذهبا بِعَيْنِه فِيمَا يُوجِبهُ ويحرمه وَنهى الْعلمَاء عَن اتِّبَاع رخص الْمَذْهَب لِأَن هَذَا يَعْنِي يقْضِي إِلَى الانحلال وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَنْزِيل الشَّخْص الْوَاحِد الْمعِين منزلَة رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ غير جَائِز لَكِن من عجز عَن الِاجْتِهَاد جَازَ لَهُ التَّقْلِيد وَهل يجب عَلَيْهِ فِي أَعْيَان الْمُفْتِينَ فيقلد أعلمهم وأدينهم أم يُقَلّد من شَاءَ على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا
وَالِاجْتِهَاد يقبل التجزئة والانقسام بل قد يكون الرجل مُجْتَهدا فِي مَسْأَلَة أَو صنف من الْعلم وَيكون غير مُجْتَهد فِي مَسْأَلَة أَو صنف آخر بل أَكثر من عِنْده تَمْيِيز من المتوسطين إِذا نظر فِي مسَائِل النزاع وَتَأمل مَا اسْتدلَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ بتأمل حسن وَنظر تَامّ ترجح عِنْده أحد الْقَوْلَيْنِ وَلَكِن قد يشق عَلَيْهِ الِاكْتِفَاء بنظره فَالْوَاجِب على مثل هَذَا أَن يتبع قولا تَرْجِيح عِنْده من غير دَعْوَى مِنْهُ للِاجْتِهَاد بل هُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد أَن يتبع قولا ترجح عِنْده من غير دَعْوَى مِنْهُ للِاجْتِهَاد بل هُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد فِي أَعْيَان المفتيين وَالْأَئِمَّة وَإِذا ترجح عِنْده أَن أحدهم أعلم قَلّدهُ وَلَا شكّ أَن معرفَة الحكم بدليله الحكم بدليله أيسر وَأسلم من الْجَهْل والتقلد وَاتِّبَاع الْهوى فَإِذا جَوَّزنَا للرجل أَن يُقَلّد الشَّخْص فِيمَا يَقُوله الِاعْتِقَاد أَنه أعلم فَلِأَن يجوز لَهُ أَن يُقَلّد صَاحب القَوْل الَّذِي تبين لَهُ رُجْحَان قَوْله بالأدلة الشَّرْعِيَّة أولى وَأَحْرَى
стр. 539
وَقد قَالَ بعض أهل الْكَلَام يجب على كل أحد أَن يجْتَهد فِي كل مَسْأَلَة تنزل بِهِ وَلَا يُقَلّد أحدا من الْأَئِمَّة وَهَذَا قَول ضَعِيف بل خطأ وَالْأَئِمَّة على خِلَافه فَإِن أَكثر آحادا الْعَامَّة يعجز عَن معرفَة الِاسْتِدْلَال فِي كل مَسْأَلَة يحْتَاج إِلَى مَعْرفَتهَا بل أَكثر المشتغلين بالتفقه يعجز عَن ذَلِك وَهَؤُلَاء المجتهدون المشهورون كَانَ لَهُم من الِاجْتِهَاد فِي معرفَة الْأَحْكَام وَإِظْهَار الدّين للْأمة مَا فَضلهمْ الله تَعَالَى بِهِ على غَيرهم وَمن ظن أَنه يعرف الْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة بِدُونِ مَعْرفَتهَا بِمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأمثالهم فَهُوَ غالط مخطىء فَإِن كَانَ لَا بُد من معرفَة الِاجْتِمَاع وَالِاخْتِلَاف فَلَا بُد من معرفَة مَا يسْتَدلّ بِهِ الْمُخَالف وَمَا استخرجوه من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا وَنَحْوه لَا يعرف إِلَّا بِمَعْرِِفَة أَقْوَال أهل الِاجْتِهَاد وَأَعْلَى هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة ﵃ فَمن ظن أَنه يَأْخُذ من الْكتاب وَالسّنة بِدُونِ أَن يقْتَدى بالصحابة وَيتبع غير سبيلهم فَهُوَ من أهل الْبدع والضلال وَمن خَالف مَا أجمع عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ فَهُوَ ضال وَفِي تكفيره نزاع وتفصيل
стр. 540
وَمن ادّعى الْعِصْمَة لأحد فِي كل مَا يَقُوله بعد الرَّسُول ﷺ فَهُوَ ضال وَفِي تكفيره نزاع وتفصيل وَمن قلد من يسوغ لَهُ تَقْلِيده فَلَيْسَ لَهُ أَن يَجْعَل قَول متبوعة أصح من غَيره بالهوى بِغَيْر هدى من الله وَلَا يَجْعَل متبوعة محنة للنَّاس فَمن وَافقه وَالَاهُ وَمن خَالفه عَادَاهُ فَإِن هَذَا حُرْمَة الله وَرَسُوله بِاتِّفَاق الْمُؤمنِينَ بل يجب على الْمُؤمنِينَ أَن يَكُونُوا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ ﴿تبيض وُجُوه أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَتسود وُجُوه أهل الْبِدْعَة والفرقة﴾
وَفِي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
فصل
أَوْلِيَاء الله هم الْمُؤْمِنُونَ المتقون كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم على دَرَجَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا دَرَجَة الْمُقْتَصِدِينَ أَصْحَاب الْيَمين الَّذين يؤدون الْوَاجِبَات ويتركون الْمُحرمَات
وَالثَّانيَِة دَرَجَة السَّابِقين المقربين وهم الَّذين يؤدون الْفَرَائِض والنوافل ويتركون الْمَحَارِم والمكاره وَإِن كَانَ لَا بُد لكل عبد من تَوْبَة واستغفار يكمل بذلك مقَامه فَمن كَانَ عَالما بِمَا أمره الله بِهِ وَمَا نَهَاهُ عَنهُ عَاملا بِمُوجب ذَلِك كَانَ من أَوْلِيَاء الله سَوَاء كَانَت لبسته فِي الظَّاهِر لبسه الْعلمَاء أَو الْفُقَرَاء أَو الْجند أَو
стр. 541
التُّجَّار أَو الصناع أَو الفلاحين لَكِن إِن كَانَ مَعَ ذَلِك متقرا إِلَى الله بالنوافل كَانَ من المقربين وَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك دَاعيا غَيره إِلَى الله هاديا لِلْخلقِ كَانَ أفضل من غَيره من أَوْلِيَاء الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس للْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء لِأَن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بِخَط وافر فضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب رَوَاهُمَا أهل السّنَن
إِذا تبين ذَلِك فَمن كَانَ جَاهِلا بِمَا أمره الله بِهِ وَمَا نَهَاهُ عَنهُ لم يكن من أَوْلِيَاء الله وَإِن كَانَ فِيهِ زهادة وَعبادَة لم يَأْمر الله بهما وَرَسُوله كالزهد وَالْعِبَادَة الَّتِي كَانَت فِي الْخَوَارِج والرهبان وَنَحْوهم كَمَا أَن من كَانَ عَالما بِأَمْر الله وَنَهْيه وَلم يكن عَاملا بذلك لم يكن من أَوْلِيَاء الله بل قد يكون فَاسِقًا فَاجِرًا كَمَا قَالَ ﷺ مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كالأثرجة طعمها طيب وريحها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن مثل التمرة طعمها وَلَا ريبح لَهَا وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا
وَيُقَال مَا اتخذ الله وليا جَاهِلا أَي جَاهِلا بِمَا أمره بِهِ وَنَهَاهُ عَنهُ فَأَما من عرف مَا أَمر الله وَمَا نهى عَنهُ وَعمل بذلك فَهُوَ الْوَلِيّ لله وَإِن لم يقْرَأ الْقُرْآن كُله وَإِن لم يحسن أَن يُفْتى النَّاس وَيَقْضِي بَينهم
فَأَما الَّذِي يرائي بِعَمَلِهِ الَّذِي لَيْسَ بمشروع فَهَذَا بِمَنْزِلَة الْفَاسِق الَّذِي ينتسب إِلَى الْعلم وَيكون علمه من الْكَلَام الْمُخَالف لكتاب الله وَسنة رَسُوله فَكل من هذَيْن الصِّنْفَيْنِ بعيد عَن ولَايَة الله تَعَالَى بِخِلَاف الْعَالم الْفَاجِر الَّذِي يَقُول مَا يُوَافق الْكتاب وَالسّنة وَالْعَابِد الْجَاهِل الَّذِي يقْصد بِعِبَادَتِهِ الْخَيْر فَإِن كلا من هذَيْن مُخَالف لأولياء الله من وَجه دون وَجه فقد يكون فِي الرجل بعض خِصَال أَوْلِيَاء
стр. 542
الله دون بعض وَقد يكون فِيمَا ذكر مَعْذُورًا بخطأ أَو نِسْيَان وَقد لَا يكون مَعْذُورًا
وَمن قَالَ إِن الْأَوْلِيَاء أفضل من جَمِيع الْخلق فَقَوله أظهر عِنْد جَمِيع أهل الْملَل من أَن يشك فِي كذبه بل هُوَ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه بَاطِل فان الرُّسُل أفضل الْأَنْبِيَاء وأولو الْعَزْم كنوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أفضل من سَائِر الْمُسلمين وَإِن مُحَمَّد ﷺ سيد وَله آدم وَلَيْسَ يحْتَاج هَذَا أَن يثبت بِحَدِيث وَلَا أثر فقد رتب الله خلقه فَقَالَ ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ فرتبهم على أَربع طَبَقَات
وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن من سبّ نَبيا فقد كفر وَمن سبّ أحد من الْأَوْلِيَاء الَّذين لَيْسُوا بِأَنْبِيَاء فَإِنَّهُ لَا يكفر إِذا إِذا كَانَ سبه مُخَالفا لأصل من أصُول الْإِيمَان مثل أَن يتَّخذ ذَلِك السب دينا وَقد علم أَنه لَيْسَ بدين وعَلى هَذَا ينبنى النزاع فِي تَكْفِير الرافضة
وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن أمة مُحَمَّد ﷺ خير الْأُمَم وَأَن خير هَذِه الْأمة أَصْحَاب نَبينَا ﷺ وأفضلهم السَّابِقُونَ الْأَولونَ وأفضلهم أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃
وَمن كَانَ رَسُولا فقد اجْتمعت فِيهِ ثَلَاثَة أَصْنَاف الرسَالَة والنبوة وَالْولَايَة وَمن كَانَ نَبيا فقد اجْتمع فِيهِ الصفتان وَمن كَانَ وليا فقد لم يكن فِيهِ إِلَّا صفة وَاحِدَة وَمن كَانَ لكتاب الله أتبع فَهُوَ بِولَايَة الله أَحَق
وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مُوسَى أفضل من الْخضر فَمن قَالَ إِن الْخضر أفضل فقد كفر وَسَوَاء قيل إِن الْخضر نَبِي أَو ولي وَالْجُمْهُور على أَنه لَيْسَ بِنَبِي بل أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل الَّذين ابتعوا التَّوْرَاة وَذكرهمْ الله تَعَالَى كداود وَسليمَان أفضل من الْخضر بل على قَول الْجُمْهُور أَنه لَيْسَ بِنَبِي فَأَبُو بكر وَعمر
стр. 543
رَضِي الله عَنْهُمَا أفضل مِنْهُ وَكَونه يعلم مسَائِل لَا يعلمهَا مُوسَى لَا يُوجب أَن يكون أفضل مِنْهُ مُطلقًا كَمَا أَن الهدهد قَالَ لِسُلَيْمَان ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ لم يكن أفضل من سُلَيْمَان وكما أَن الَّذين كَانُوا يُلَقِّحُونَ النّخل لما كَانُوا أعلم بتليقحه من النَّبِي ﷺ لم يجب من ذَلِك أَن يَكُونُوا أفضل مِنْهُ ﷺ وَقد قَالَ لَهُم أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم أما مَا كَانَ من أَمر دينكُمْ فَإِلَيَّ وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ كَانُوا يتعلمون مِمَّن هم دونهم علم الدّين الَّذِي هُوَ عِنْدهم وَقد قَالَ ﷺ لم يبْق بعدِي من النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَمَعْلُوم أَن ذُرِّيتهمْ فِي الْعلم أفضل مِمَّن حصلت لَهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَغَايَة الْخضر أَن يكون عِنْده من الْكَشْف مَا هُوَ جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة فَكيف يكون أفضل من نَبِي فَكيف بالرسول فَكيف بِأولى الْعَزْم
فصل
وَمن تعبد بِالصَّمْتِ أَو بِالْقيامِ بالشمس أَو بِالْجُلُوسِ أَو بالعرى وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ ضال يجب أَن يُنكر عَلَيْهِ
وَأما السَّلَام على الشَّيْخ عقيب الْأَذَان أَو كسْوَة قَبره بالثياب فقد اتّفق الْأَئِمَّة على أَنه يُنكر إِذا فعل بقبور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ ذَلِك فَكيف بِقَبْر مَجْنُون وضال من ضلال الصُّوفِيَّة
وَكَذَلِكَ من ترك أكل المخبز أَو شرب المَاء تزهدا فِي الدُّنْيَا وتقربا إِلَى الله فَهُوَ جَاهِل مُبْتَدع ضال عَاص لله وَلِرَسُولِهِ نَاقص الْعقل مصاب أَو مخادع وَالْغَالِب على من يفعل ذَلِك أَن يكون كذابا يتحق هُوَ وَمن يعظمه على ذَلِك الْعقُوبَة البليغة
وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي الصمت هَل هُوَ حرَام أَو مَكْرُوه وَالتَّحْقِيق أَنه إِذا طَال وتضمن ترك الْوَاجِب صَار حَرَامًا كَمَا قَالَ الصّديق رَضِي الله عَنهُ
стр. 544
فصل
وَأما التَّوْبَة النصوح فقد قَالَ عمر بن الْخطاب وَغَيره من السّلف هُوَ أَن يَتُوب ثمَّ لَا يعود وَمن تَابَ ثمَّ عَاد فَعَلَيهِ أَن يَتُوب مرّة ثَانِيَة ثمَّ إِن عَاد فَعَلَيهِ أَن يَتُوب وَكَذَلِكَ كلما أذْنب وَلَا ييأس من روح الله وَإِن لم تكن التَّوْبَة نصُوحًا فَلَعَلَّهُ إِذا عَاد إِلَى التَّوْبَة مرّة بعد مرّة من الله عَلَيْهِ فِي آخر الْأَمر بتوبة نصوح والتائب إِذا كَانَت نِيَّته خَالِصَة مَحْضَة لم يشبها قصد آخر فَإِنَّهُ لَا يعود إِلَى الذَّنب فَإِنَّهُ إِنَّمَا يعود لِبَقَايَا غش كَانَت فِي نَفسه وَقد قيل إِنَّه قد يعود من تَابَ تَوْبَة نصُوحًا وَقد يُقَال إِن الأول أرجح فَإِن الْإِيمَان إِذا خالطت حلاوته بشاشة الْقُلُوب لم يسخطه أبدا وَالْقلب إِذا بَاشر حَقِيقَة الْإِيمَان لمي تَركه وَهَذَا أصل تنَازع فِيهِ النَّاس وَهُوَ أَنه من ختم لَهُ بِسوء هَل يقان إِنَّه كَانَ فِي أصل عمله غش فَعَاد إليهأو كَانَ عمله الأول خَالِصا لَا غش فِيهِ ثمَّ انْقَلب وانتكس على قَوْلَيْنِ وَالتَّوْبَة من هَذَا
والاستقراء يدل على أَنه إِذا خلص الْإِيمَان إِلَى الْقلب لم يرجع عَنهُ وَلَكِن قد يحصل لَهُ اضْطِرَاب ويلقى الشَّيْطَان فِي قلبه وساوس وخطرات وَيُوجد فِيهِ هما وأمثال ذَلِك كماشكى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا إِن إحدنا ليجد فِي نَفسه مَا لِأَن يَحْتَرِق حَتَّى يصير حَمْحَمَة أَو يخر من السَّمَاء أحب إِلَيْهِ من أَن يتَكَلَّم بِهِ فَقَالَ أَو قد وجدتموه فَقَالُوا نعم فَقَالَ ذَلِك صَرِيح الْإِيمَان وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي رد كَيده إِلَى الوسوسة والْحَدِيث فِي مُسلم فكراهة هَذِه الوساوس هِيَ صَرِيح الْإِيمَان والتائب فِي نَفسه مَعَ الْهم والوساوس والميل مَعَ كَرَاهَته لذَلِك وَيَقُول قلبه مَالا يُخرجهُ ذَلِك عَن كَونه تَوْبَة نصُوحًا قَالَ الإِمَام أَحْمد الْهم همان هم خطرات وهم إِصْرَار وَكَانَ هم يُوسُف هم خطرات فَترك مَا هم بِهِ
стр. 545
لله فَكَتبهُ الله لَهُ حَسَنَة وَلم يكْتب عَلَيْهِ سَيِّئَة وَكَانَ هم امْرَأَة الْعَزِيز هم إِصْرَار فَكَذبت وأرادت وظلمت لأجل مرادها
وَقد تنَازع النَّاس فِي الْعَزْم الْجَازِم هَل يُؤَاخذ بِهِ بِدُونِ الْعَمَل على قَوْلَيْنِ وَالصَّوَاب أَن الْعَزْم الْجَازِم مَتى اقْترن بِهِ الْقُدْرَة والارادة فَلَا بُد من وجود الْعَمَل فَإِذا كَانَ العازم قَادِرًا وَلم يفعل مَا عزم عَلَيْهِ فَلَيْسَ عزمه جَازِمًا فَيكون من بَاب الْهم الَّذِي لَا يُؤَاخذ الله بِهِ وَلِهَذَا من عزم عَليّ مَعْصِيّة فعل مقدماتها وَلَو أَنه يخطو خطْوَة بِرجلِهِ أَو ينظر نظرة بِعَيْنِه فَإِذا عجز عَن إِمَام مَقْصُوده بِمَا يُعَاقب لِأَنَّهُ فعل مَا قدر عَلَيْهِ وَترك مَا عجز عَنهُ
فصل
وَلم يكن من عَادَة الصَّحَابَة ﵃ أَن يقومُوا للنَّبِي ﷺ لما كَانُوا يعلمُونَ من كَرَاهَته لذَلِك وَلَا كَانَ يقوم بَعضهم لبَعض وروى أَنه كَانَ يقوم لمن قدم من مغيبه فالقيام لمثل القادم من سفر لَا بَأْس بِهِ وَقد رخص فِي الْقيام للامام الْعَادِل وَالْوَالِد وَنَحْو ذَلِك وروى أَنه قَامَ لعكرمة بن أبي جهل وجعفر بن أبي طَالب لما قدما عَلَيْهِ من السّفر وَقَالَ للْأَنْصَار قومُوا إِلَى سيدكم يَعْنِي سعد بن معَاذ ﵁ وَلِهَذَا فرقوا بَين الْقيام إِلَيْهِ لتلقيه كَمَا قَالَ سعد ﵁ لم يقم لي أحد من الْأَنْصَار إِلَّا طَلْحَة وَبَين الْقيام لَهُ وَهُوَ أَن يكون قَاعِدا وهم قيام فَهَذَا لَا يجوز
وَالَّذِي يَنْبَغِي للنَّاس أَن يعتادوا السّنة فِي ترك الْقيام المتكرر للقاء وَلَكِن إِذا اعْتَادَ النَّاس الْقيام وَقَامَ من لَا يرى كرامته إِلَّا بِالْقيامِ لَهُ وَإِذا ترك ذَلِك توهم بغضه وإهانته وتولد من ذَلِك عَدَاوَة وَشر فالقيام لَهُ على هَذَا الْوَجْه لَا بَأْس بِهِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ
فَأَما تَقْبِيل الْيَد فَلم يَكُونُوا يعتادونه إِلَّا قَلِيلا وَلما قدمُوا عَلَيْهِ صلى الله
стр. 546
عَلَيْهِ وَسلم مُؤنَة قبلوا يَده وَقَالُوا نَحن الغرارون قَالَ بل أَنْتُم الْعَكَّارُونَ وَقبل أَبُو عُبَيْدَة يَد عمر وَرخّص أَكثر الْفُقَهَاء أَحْمد وَغَيره لمن فعل ذَلِك على وَجه التدين لَا على وَجه التَّعْظِيم للدنيا وَكره ذَلِك آخَرُونَ كمالك وَغَيره وَقَالَ سُلَيْمَان بن حَرْب هِيَ السَّجْدَة الصُّغْرَى
وَأما ابْتِدَاء مد الْيَد للنَّاس ليقلبوها وقصده لذَلِك فينهى عَن ذَلِك بِلَا نزاع كَائِنا من كَانَ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمقبل المبتدىء بذلك وَفِي السّنَن قَالُوا يَا رَسُول الله يلقى أَحَدنَا أَخَاهُ أفينحنى لَهُ قَالَ لَا قَالُوا فَيلْزمهُ ويعانقه قَالَ لَا قَالُوا فيصافحه قَالَ نعم
وَنَهْيه لأبي ذَر عَن تولي الحكم وَترك الْولَايَة على مَال الْيَتِيم لما رَآهُ ضَعِيفا لَا أَنه نَهَاهُ مُطلقًا
وَأما سُؤال الْولَايَة فقد ذمه ﷺ وَأما سُؤال يُوسُف وَقَوله ﴿اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض﴾ فَلِأَنَّهُ كَانَ طَرِيقا إِلَى أَن يَدعُوهُم إِلَى الله ويعدل بَين النَّاس وَيرْفَع عَنْهُم الظُّلم وَيفْعل من الْخَيْر مالم يَكُونُوا يفعلوه مَعَ أَنهم لم يَكُونُوا يعْرفُونَ حَاله وَقد علم بتعبير الرُّؤْيَا مَا يؤول إِلَيْهِ حَال النَّاس فَفِي هَذِه الْأَحْوَال وَنَحْوهَا مَا يُوجب الْفرق بَين مثل هَذِه الْحَال وَبَين مَا نهى عَنهُ
وَأَيْضًا فَلَيْسَتْ هَذِه إِمَارَة مَحْضَة إِنَّمَا هِيَ أَمَانَة وَقد يُقَال هَذَا شرع من قبلنَا
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي سُؤال الانسان الْقَضَاء وَنَحْوه فَقَالَ أَكْثَرهم يكره وَإِن كَانَ صَالحا لَهُ وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا وَقَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن يسْأَل إِذا كَانَ مُتَعَيّنا لَهُ وَرُبمَا قيل إِذا كَانَت ولَايَته أفضل لَهُ وَأما الإِمَام فَيَنْبَغِي أَن لَا يُولى من سَأَلَ الْولَايَة أَن يُولى الْمُسْتَحق بِغَيْر سُؤال
стр. 547
فصل
أما عترة النَّبِي ﷺ الْأَقْرَبين الَّتِي قَالَ الله فِيهَا ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ فَقيل إِنَّهَا قُرَيْش كلهَا لِأَنَّهَا لما نزلت هَذِه الْآيَة عَم قُريْشًا بالنذارة ثمَّ خص الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب
وَأما اسْم الشّرف فَلَيْسَ هُوَ من الْأَسْمَاء الَّتِي علق الشَّارِع بهَا حكما حَتَّى يكون وَحده متلقى من جِهَة الشَّارِع
وَأما الشريف فِي اللُّغَة فَهُوَ خلاف والضعيف كَمَا قَالَ ﷺ إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَد وَمن رَأسه النَّاس وشرفوه كَانَ شريفهم فالشريف هُوَ من لَهُ الرياسة وَالسُّلْطَان لَكِن لما كَانَ أهل الْبَيْت أَحَق من أهل الْبيُوت الْأُخْرَى بالشرف صَار من كَانَ من أهل الْبَيْت يُسمى شريفا فَأهل الْعرَاق لَا يسمون شريفا إِلَّا من كَانَ من بني الْعَبَّاس وَكثير من أهل الشَّام وَغَيرهم لَا يسمون شريفا إِلَّا من كَانَ علويا
وَأما أَحْكَام الشَّرِيعَة الَّتِي علقت فَهِيَ مَذْكُورَة باسم النَّبِي ﷺ وباسم أهل بَيته وَذَوي الْقُرْبَى وَهَذِه الْأَسْمَاء الثَّلَاثَة تتَنَاوَل جَمِيع بني هَاشم لَا فرق بَين ولد الْعَبَّاس وَولد أبي طَالب وَغَيرهم وأعمام النَّبِي ﷺ الَّذين بقيت ذُرِّيتهمْ الْعَبَّاس وَأَبُو طَالب والحرث بن عبد الْمطلب وَأَبُو لَهب فَمن كَانَ من ذُرِّيَّة الثَّلَاثَة الأولى حرمت عَلَيْهِم الزَّكَاة واستحقوا من الْخمس بِاتِّفَاق وَأما ذُرِّيَّة أبي لَهب فَفِيهِ خلاف بَين الْفُقَهَاء لكَون أبي لَهب خرج عَن بني هَاشم لما نصروا النَّبِي ﷺ ومنعوه مِمَّن كَانَ يُرِيد أَذَاهُ من قُرَيْش وَدخل مَعَ بني هَاشم بَنو عبد الْمطلب وَلِهَذَا جَاءَ عُثْمَان بن عَفَّان وَجبير بن مطعم ﵄ إِلَى النَّبِي ﷺ حِين أعْطى من خمس خَيْبَر
стр. 548
لبني هَاشم وَبني الْمطلب فَقَالَا يَا رَسُول الله أما إخوالنا بَنو هَاشم فَلَا ننكر فَضلهمْ لِأَنَّك مِنْهُم وَأما بَنو الْمطلب فَإِنَّمَا هم وَنحن مِنْك بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فَقَالَ إِنَّهُم لم يفارقونا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شَيْء وَاحِد
وَأفضل الْخلق النَّبِيُّونَ ثمَّ الصديقون ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ الصالحون وَأفضل كل صنف أَتْقَاهُم كَمَا قَالَ ﷺ لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لعجمي على عَرَبِيّ وَلَا لأبيض على أسود وَلَا للأسود على أَبيض إِلَّا بالتقوى هَذَا فِي الْأَصْنَاف الْعَامَّة
وَأفضل الْخلف فِي الطَّبَقَات الْقرن الَّذين بعث فيهم رَسُول الله ﷺ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ
وَأما فِي الْأَشْخَاص فأفضلهم النَّبِي ﷺ ثمَّ إِبْرَاهِيم ﵇
فَتبين أَن الشّرف لَيْسَ لبني هَاشم خَاصَّة بل يتنوع بِحَسب عرف المخاطبين ومقاصدهم وَأما الْمُسَمّى بِهَذَا اللَّفْظ فَيُقَال من الْأَحْكَام مَا تشترك فِيهِ قُرَيْش كلهَا نَحْو الْإِمَامَة الْكُبْرَى فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ الْإِمَامَة فِي قُرَيْش مَا بَقِي من النَّاس اثْنَان وَقَالَ النَّاس تبع لقريش فِي هَذَا الْأَمر وَكَذَلِكَ لقريش مزية كَمَا قَالَ إِن الله اصْطفى بني إِسْمَاعِيل من ولد ابراهيم وَاصْطفى كنَانَة من بني إِسْمَاعِيل وَاصْطفى قُريْشًا من كنَانَة وَاصْطفى بني هَاشم من قُرَيْش وَاصْطَفَانِي من بني هَاشم وَمن الاحكام مَا يخْتَص ببني هَاشم أَو بني هَاشم مَعَ بني الْمطلب دون سَائِر قُرَيْش كالاستحقاق من خمس الْغَنَائِم وَتَحْرِيم الصَّدَقَة ودخولهم فِي الصَّلَاة إِذا صلى على آل مُحَمَّد وَثُبُوت المزية على غَيرهم وَمن كَانَت أمة قرشية دون أَبِيه لم يسْتَحق الْإِمَامَة الَّتِي اخْتصّت بهَا قُرَيْش وَمن أمة هاشمية أَو غير فاطمية وَأَبوهُ لَيْسَ بهاشمي وَلَا مطلبي فَلَا يسْتَحق من
стр. 549
الْخمس كَمَا يسْتَحق بَنو هَاشم وَإِن كَانَ ينتسب إِلَيْهِم نسبا مُطلقًا فَلهُ نوع امتياز لكَونه أمه مِنْهُم
وَأما الْأَوْلَاد العترة فَلهم من الِاخْتِصَاص بِقدر مَا لَهُم من النّسَب لكَون أحدهم أفضل من غَيرهم
وَبِكُل حَال فَهَذِهِ الخصائص لَا توجب أَن يكون الرجل بِنَفسِهِ أفضل من غَيره لأجل نسبه الْمُجَرّد بل التَّفَاضُل عِنْد الله بالتقوى كَمَا قَالَ ﷺ إِن آل بني فلَان لَيْسُوا لي بأولياء إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ فَمن كَانَ الْإِيمَان وَالتَّقوى أفضل كَانَ عِنْد الله أفضل مِمَّن هُوَ دونه فِي ذَلِك وأولاهم برَسُول الله ﷺ وَإِن كَانَ غَيره أقرب نسبا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن الْولَايَة الإيمانية الدِّينِيَّة أعظم وأوثق صلَة من الْقَرَابَة النسبية وَالله أعلم
فصل
وَإِذا طلبا حاكمين أُجِيب من طلب الَّذِي لَهُ الْولَايَة على مَحل النزاع إِذا كَانَ الحاكمان عَدْلَيْنِ فَإِن كَانَ لَهما الْولَايَة مَعًا أُجِيب من طلب الْحَاكِم الْأَقْرَب فإمَّا أَن يقرع بَينهمَا أَو يُجَاب الْمُدعى فَهَذَا القَوْل الثَّالِث أفتى بِهِ طَائِفَة فِي زَمَاننَا والأولان مقدمان فَهَذِهِ مَسْأَلَة نزاع وَلَا يمْضِي حكم الْعَدو على عدوه كَمَا لَا يقبل شَهَادَته عَلَيْهِ بل يترافعان إِلَى حَاكم آخر
فصل
وَلَفظ الصُّوفِيَّة لم يكن مَشْهُورا فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا اشْتهر بعد ذَلِك نقل التَّكَلُّم بِهِ عَن أَحْمد وَأبي سُلَيْمَان الدارني وَغَيرهمَا وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَذكر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ
стр. 550
وَتَنَازَعُوا فِي الْمَعْنى الَّذِي أضيف إِلَيْهِ ذَلِك فَقيل نسبه إِلَى أهل الصّفة وَهُوَ غلط لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال صفي وَقيل نِسْبَة إِلَى الصَّفّ الْمُقدم بَين يَدي الله تَعَالَى وَهَذَا غلط أَيْضا لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يُقَال صَيْفِي وَقيل نِسْبَة إِلَى الصَّفَا وَهُوَ غلط أَيْضا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال صفائي وَقيل نِسْبَة إِلَى الصفوة وَهُوَ غلط أَيْضا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال صفائي وَقيل نِسْبَة إِلَى الصفوة من خلق الله وَهُوَ غلط أَيْضا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال صفوي وَقيل نِسْبَة إِلَى صفوة بن مر أد بن طابخة قَبيلَة من الْعَرَب يحاورون بِمَكَّة ينتسب إِلَيْهِم النساك وَهَذَا وَإِن كَانَ مُوَافقا فِي النّسَب بِحَسب اللُّغَة لكنه ضَعِيف لأَنهم غير مشهورين وَلم تعرف الصَّحَابَة وَلَا التابعون وتابعوهم
وَقيل إِنَّه نِسْبَة إِلَى لبس الصُّوف وَهُوَ الْمَعْرُوف فَإِنَّهُ أول من ظهر الصُّوفِيَّة من الْبَصْرَة وَأول من ابتنى دويرة الصُّوفِيَّة بعض أَصْحَاب عبد الْوَاحِد بن زيد وَعبد الْوَاحِد من أَصْحَاب الْحسن وَكَانَ فِي أهل الْبَصْرَة من الْمُبَالغَة فِي الزهادة وَالْعِبَادَة مَا لم يكن فِي سَائِر الْأَمْصَار قَالَ ابْن سِيرِين هدى نَبينَا ﷺ أحب إِلَيْنَا وَكَانَ يلبس الْقطن وَغَيره قَالَ ذَلِك لما قيل لَهُ إِن قوما يلبسُونَ الصُّوف تشبها بالمسيح
وَأما سَماع الْقُرْآن والتماوت أَو الْمَوْت عِنْده والغشي وَنَحْوه كَمَا نقل عَن زُرَارَة ابْن أوفى قاي الْبَصْرَة أَنه سمع قَارِئًا يقْرَأ فَإِذا نفر فِي الناقور فَمَاتَ وَكَذَا جرى لأبي جهير فَأنْكر ذَلِك طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَظن ذَلِك تكلفا وتصنعا كَمَا قَالَ ابْن سِيرِين بَيْننَا وَبَين الَّذين يصعفون عَن سَماع الْقُرْآن أَن يقْرَأ وَاحِد مِنْهُم على رَأس الْحَائِط فَإِن خر فَهُوَ صَادِق وَمِنْهُم من أنكرهُ لِأَنَّهُ
стр. 551
رَآهُ بِدعَة مُخَالفَة لما عرف من هدى الصَّحَابَة ﵃
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور من هَؤُلَاءِ أَنه إِذا كَانَ مَغْلُوبًا لم يُنكر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ حَال الثَّبَات أكمل مِنْهُ وَلِهَذَا لما سُئِلَ أَحْمد عَن هَذَا قَالَ قرىء الْقُرْآن على يحيى بن سعيد فَغشيَ عَلَيْهِ وَأخذ أَن يدْفع عَن نَفسه وَلَو قدر لدفعه فَمَا رَأَيْت أغفل مِنْهُ وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه أَصَابَهُ ذَلِك وَكَذَلِكَ عَن الفضيل بن عِيَاض
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا كثير مِمَّن لَا يستراب فِي صدقه لَكِن أَحْوَال الصَّحَابَة ﵃ هِيَ الَّتِي ذكرت فِي الْقُرْآن من وَجل الْقُلُوب ودمع الْعُيُون واقشعرار الْجُلُود وَقد يُنكر أَحْوَال هَؤُلَاءِ من عِنْده قسوة قلب لَا يلين عِنْد تِلَاوَة الْقُرْآن ويغلو فيهم من بطن أَن حَالهم أكمل الْأَحْوَال فَكل من الطَّرفَيْنِ مَذْمُوم بل الْمَرَاتِب ثَلَاثَة ظَالِم لنَفسِهِ الَّذِي هُوَ قَاس الْقلب لَا يلين لِلْقُرْآنِ وَلَا للذّكر فَفِيهِ شبه من الْيَهُود لقَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك﴾ الْآيَة
وَالثَّانِي حَال الَّذِي فِيهِ ضعف عَن حمل مَا يرد على قلبه فَهَذَا يصعف صعق موت أَو غشي لقُوَّة الْوَارِد وَلَيْسَ هَذَا بعلامة على الْإِيمَان أَو الْفَتْوَى فَإِنَّهُ قد يحصل لمن يفرح أَو يحزن أَو يخَاف أَو يحب فَفِي عشاق أهل الصُّور من أمراضه الْعِشْق أَو قَتله أَو جننه وَكَذَلِكَ فِي غَيرهم
وَالْحَاصِل أَنه إِذا لم يكن ثمَّ تَفْرِيط وَلَا عدوان وَلَا ذَنْب لَهُ فِيمَا أَصَابَهُ وَجعل لَهُ ضعف فَلَيْسَ بملوم كمن سمع الْقُرْآن سَمَاعا شَرْعِيًّا وَلم يفرط بترك مَا وَجب لَهُ من ذَلِك وَكَذَلِكَ مَا يرد على الْقُلُوب مِمَّا يسمونه الشُّهُود والفناء وَنَحْوه من الْأُمُور الَّتِي تغيب الْعقل فَإِنَّهُ إِذا كَانَ السَّبَب مَحْظُورًا لم يكن السَّكْرَان مَعْذُورًا فَإِن السكر لذه بِلَا تَمْيِيز فَإِذا حصل بِمحرم كَالْخمرِ والحشيشة فَهُوَ حرَام
стр. 552
بِلَا نزاع وَقد يحصل بِسَبَب محبَّة الصُّور كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... سَكرَان سكر هوى وسكر مدامة ... وَمَتى إِقَامَة من بِهِ سَكرَان ...
وَهَذَا مَذْمُوم لِأَن سَببه مَحْظُور وَقد يحصل بِسَبَب سَماع الْأَصْوَات المطربة من المغنين والمغنيات وَهَذَا أَيْضا مَذْمُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ للرجل أَن سمع من الْأَصْوَات الَّتِي لم يُؤمر بسماعها مَا يزِيل عقله إِذْ إِزَالَة الْعقل مُحرمَة فَمَتَى أفْضى إِلَيْهِ بِسَبَب غير شَرْعِي كَانَ محرما وَمَا يحصل فِي معنى ذَلِك من لَذَّة قلبية أَو روحية وَلَو بِأُمُور فِيهَا نوع من الْإِيمَان فَهِيَ مغمورة بِمَا يحصل مَعهَا من زَوَال الْعقل وَلم يَأْذَن الله ﵎ لنا أَن نمتع قُلُوبنَا بِمَا يكون سَببا لزوَال عقولنا وَلم يَأْذَن الله ﵎ لنا أَن نمتنع قُلُوبنَا بِمَا يكون سَببا لزوَال عقولنا بِخِلَاف من زَالَ عقله بِسَبَب مَشْرُوع أَو بِأَمْر صادفه لَا حِيلَة لَهُ فِيهِ
وَقد يحصل السكر بِسَبَب لم يَفْعَله العَبْد كسماع مالم يَقْصِدهُ هيج بَاطِنه وحرك ساكنه فَهَذَا لَا يلام عَلَيْهِ وَمَا صدر فِي حَال زَوَال عقله فَهُوَ فِيهِ مَعْذُور لِأَن الْقَلَم رفع عَنهُ كالمغمى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُون أما زَوَال عقله بِمحرم كَالْخمرِ فَهَل هُوَ مُكَلّف حَال زَوَال عقله فِيهِ قَولَانِ مشهوران وَفِي طَلَاقه نزاع وَمن زَالَ عقله بالبنج فَقيل يلْحق بِهِ وَقيل لَا لِأَن هَذَا لَا يشتهى بِخِلَاف الْخمر وَقد أوجب الْحَد فِي هَذَا دون هَذَا
وَمن هَؤُلَاءِ من يغلب عَلَيْهِ الْوَارِد حَتَّى يصير مَجْنُونا إِمَّا بخلط أَو غَيره وَمن هَؤُلَاءِ عقلاء المجانين الَّذين يعدون فِي النساك ويسمون المولهين
فصل الْخطاب أَن هَذَا الْأَحْوَال إِذا كَانَت أَسبَابهَا مَشْرُوعَة وصاحبها
стр. 553
صَادِقا عَاجِزا عَن دَفعهَا كَانَ مَحْمُودًا على مَا فعله من الْخَيْر مَعْذُورًا فِيمَا عجز عَنهُ وأصابه بِغَيْر اخْتِيَاره وهم أكمل مِمَّن لم يبلغ مَنْزِلَتهمْ لنَقص إيمَانه وقساوة قلبه وَمن لم يزل عقله مَعَ كَونه قد حصل لمن من الْإِيمَان مَا حصل لَهُم وَأكل فَهُوَ أفضل مِنْهُم وَهَذِه حَال الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ وَحَال نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ أسرى بِهِ وَرَأى مَا رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى وَأصْبح ثَابت الْعقل لم يتَغَيَّر فحاله بِلَا شكّ أكمل من حَال مُوسَى الَّذِي خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وَجعله دكا وَحَال مُوسَى جليلة فاضلة علية لَكِن حَال مُحَمَّد ﷺ أفضل وأكمل وَأَعْلَى فَخير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهدى هدي مُحَمَّد وَأفضل الطّرق مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابه
فالصوفي مَنْسُوب إِلَى اللبسة لِأَنَّهَا ظَاهر حَالهم ثمَّ إِن عِنْدهم حقائق وأحوال مَعْرُوفَة يشيرون بهَا إِلَى الصُّوفِي كَقَوْلِه بَعضهم الصُّوفِي من صفا من الكدر وامتلأ قلبه من الْفِكر واستوى عِنْده الذَّهَب وَالْحجر والتصوف كتمان السِّرّ وَترك الدَّعَاوَى وَهَؤُلَاء يشيرون إِلَى معنى الصدْق وَقد انتسب إِلَيْهِم طوائف من الزَّنَادِقَة وَغَيرهم كالحلاج مثلا فَإِن أَكثر الْمَشَايِخ مَشَايِخ الطَّرِيق أنكروه وأخرجوه عَن الطَّرِيق مثل الْجُنَيْد بن مُحَمَّد شيخ الطَّائِفَة وَغَيره كَمَا ذكر أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي طَبَقَات الصُّوفِيَّة والحافظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد
وَقد تنَازع النَّاس فِي طريقهم فطائفة ذمت الصُّوفِيَّة والتصوف وَقَالُوا إِنَّهُم مبتدعون خارجون عَن السّنة
стр. 554
وَطَائِفَة غلت فَجعلت طريقهم أفضل الطّرق
وَالصَّوَاب أَنهم يجتهدون فِي طَاعَة الله فَمنهمْ من المذنب والتقى وَقد صَارَت الصُّوفِيَّة ثَلَاث طَبَقَات صوفية الْحَقَائِق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسوم
فَأَما صوفية الْحَقَائِق فهم الَّذين وصفناهم وَأما صوفية الأرزاق فهم الَّذين وقفت عَلَيْهِم الخوانق وَالْوُقُوف فَلَا يشْتَرط فِي هَؤُلَاءِ أَن يَكُونُوا من أهل الْحَقَائِق وَأما صوفية الرسوم فهم المقصودون المقتصرون على التَّشَبُّه بهم فِي اللبَاس والآداب الوضعية فهم بِمَنْزِلَة الَّذِي يقْتَصر على زِيّ أهل الْعلم
وَأما أسم الْفُقَرَاء فَهُوَ فِي الْقُرْآن وَقد قَالَ ﷺ فُقَرَاء أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة قبل الْأَغْنِيَاء بِنصْف يَوْم والفقراء أَنْوَاع
وَقد تنَازع النَّاس أَيّمَا أفضل الْفَقِير الصابر أَو الْغَنِيّ الشاكر وَالصَّحِيح أَن أفضلهما أتقاهما فَإِن اسْتَويَا فِي التَّقْوَى اسْتَويَا فِي الدرجَة فَإِن الْفُقَرَاء يسبقون الْأَغْنِيَاء إِلَى الْجنَّة لخفة الْحساب ثمَّ إِذا دخل الْأَغْنِيَاء الْجنَّة فَكل وَاحِد يكون فِي مَنْزِلَته على قدر حَسَنَاته وأعماله
فصل
الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من الَّذين لَا يقرونَ بِأَن الله خَالف كل شَيْء وَلَا أَنه مَا شَاءَ الله وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَإِذا أطلق عَلَيْهِم أَنهم خارجون عَن التَّوْحِيد بِمَعْنى أَنهم كذبُوا بِالْقدرِ فَهَذَا فِيهِ نزاع حَتَّى فِي مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمَسْأَلَة التَّكْفِير بإنكار بعض الصِّفَات أَو إثْبَاته فقد كثر فِيهَا الِاضْطِرَاب
وَتَحْقِيق الْأَمر فِيهَا أَن الشَّخْص الْمعِين الَّذِي ثَبت إيمَانه لَا يحكم بِكُفْرِهِ إِن لم تقم عَلَيْهِ حجَّة يكفر بمخالفتها وَإِن كَانَ القَوْل كفرا فِي نفس الْأَمر بِحَيْثُ يكفر بجحوده إِذا علم أَن الرَّسُول ﷺ قَالَه
стр. 555
فقد أنكر طَائِفَة من السّلف بعض حُرُوف من الْقُرْآن لعدم علمهمْ أَنَّهَا مِنْهُ فَلم يكفروا وعَلى هَذَا حمل الْمُحَقِّقُونَ حَدِيث الَّذِي قَالَ لأَهله إِذا أَنا مت فأحرقوني فَإِنَّهُ كَانَ جَاهِلا بقدرة الله عَلَيْهِ إِذا فعل ذَلِك وَلَيْسَ كل من جهل بعض مَا أخبر بِهِ الرَّسُول ﷺ يكفر وَلِهَذَا قَالَ السّلف من قَالَ الْقُرْآن مخلوف فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ إِن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة فَهُوَ كَافِر وَلَا يكفرون الْمعِين الَّذِي يَقُول ذَلِك لِأَن ثُبُوت حكم التَّكْفِير ف حَقه مُتَوَقف على تحقق شُرُوط وَانْتِفَاء مَوَانِع فَلَا يحكم بِكفْر شخص بَينه إِلَّا أَن يعلم أَنه مُنَافِق بِأَن قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة النَّبَوِيَّة الَّتِي يكفر من خَالِقهَا وَلم يقبلهَا لَكِن قَول هَؤُلَاءِ الْمُعْتَزلَة وأشباههم هُوَ بِلَا شكّ من الشّرك وَالْكفْر والضلال
فصل
وَمن قَالَ إِن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا حبوا وَيدخل الْجنَّة بعد الصَّحَابَة وَذكر أَن أَبَا بكر قَالَ لرَسُول الله ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج رَأَيْت رَبِّي بعيني رَأْسِي وَقَالَ لعَائِشَة ﵂ رَأَيْته بعيني قلبِي فَمن قَالَ إِن هَذِه أَحَادِيث صَحِيحَة فَهُوَ كَاذِب مفتر بِاتِّفَاق أهل الْعلم بذلك بل يسْتَحق الْعقُوبَة البليغة فَإِن القَوْل على رَسُول الله ﷺ بِغَيْر علم يُوجب تبوؤ المقعد فِي النَّار وَمن تعمد الْكَذِب عَلَيْهِ ﷺ فَفِي كفره وَقَتله قَولَانِ فانه لم ينْقل أحد أَنه قَالَ رَأَيْت رَبِّي بعيني رَأْسِي لَا أَبُو بكر وَلَا غَيره وَلَا نقلت عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك شَيْئا بل اجتهدت فَقَالَت من قَالَ إِن مُحَمَّدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الْفِرْيَة واستدلت بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ رَآهُ بفؤاده مرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ أَبُو ذَر فِي الصَّحِيح نور أَنِّي أرَاهُ
وَمن الْعلمَاء من جمع بَين قَول عَائِشَة وَقَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم
стр. 556
وَمِنْهُم من جعلهَا مَسْأَلَة نزاع وَلم يثبت بِسَنَد صَحِيح عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه قَالَ رَآهُ بعيني رَأسه بل يَقُول رَآهُ بفؤاده أَو يَقُول رَآهُ وَيُطلق وَكَذَلِكَ عَن أَحْمد وَلَكِن طَائِفَة من أَصْحَابه نقلوا عَنهُ إِثْبَات رُؤْيَة الْعين ونصروها كَمَا حكى ذَلِك طَائِفَة عَن ابْن عَبَّاس وَكِلَاهُمَا لم يثبت عَنْهُمَا نقل صَحِيح صَرِيح لَكِن بِأَلْفَاظ مُطلقَة وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن غير النَّبِي ﷺ لم ير الله فِي الدُّنْيَا كَمَا اتَّفقُوا على أَنه يرى فِي الْآخِرَة بالأبصار وَإِن كَانَ من أهل الْبدع من يُنَازع فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ لَكِن السّلف متفقون على ذَلِك
والْحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الرَّحْمَن ﵁ بَاطِل رَوَاهُ أَبُو نعيم من طَرِيق رجل اتّفق أهل الْعلم رد أخباره بل هُوَ مُخَالف للنصوص وَإِجْمَاع السّلف وَالْأَئِمَّة فَإِنَّهُ من أهل الشورى الَّذين هم أفضل الْأمة بعد أبي بكر وَعمر وَأهل الشورى هم عُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَسعد ﵃ أَجْمَعِينَ فَهَؤُلَاءِ السِّتَّة جعل عمر ﵁ الْخلَافَة فيهم وَأخْبر أَن الرَّسُول ﷺ توفى وَهُوَ عَنْهُم رَاض ثمَّ إِن ثَلَاثَة قدمُوا ثَلَاثَة قدمُوا عُثْمَان وعليا وَعبد الرَّحْمَن ثمَّ إِنَّهُم جعلُوا عبد الرَّحْمَن يخْتَار للْأمة وَرَضوا بذلك فَمن هُوَ بِهَذِهِ الْمنزلَة كَيفَ يتَأَخَّر دُخُوله الْجنَّة أَو يدْخل حبوا وَلَو دَخلهَا لغناه حبوا لدخلها سَائِر الصَّحَابَة الْأَغْنِيَاء حبوا كعثمان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة وَأسيد بن حضير بل فِي الْأَنْبِيَاء من هُوَ غنى كإبراهيم وَدَاوُد وَسليمَان ويوسف صلوَات الله وسلامة عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
стр. 557
فصل
وَمن كَانَ قَادِرًا على الْكسْب وَيَأْكُل من صدقَات النَّاس فَهُوَ مَذْمُوم على ذَلِك وَقد قَالَ ﷺ لَا تحل الصَّدَقَة لغنى وَلَا لقوى مكتسب وَأما سُؤال النَّاس مَعَ الْقُدْرَة على الْكسْب فَهُوَ حرَام بِلَا نزاع فَمن حج على أَن يسْأَل مَعَ إِمْكَان الْقعُود فَهُوَ عَاص فقد جَاءَ بضعَة عشر حَدِيثا فِي النَّهْي عَن الْمَسْأَلَة
وَإِذا تعدى أحد على الرَّاكِب فِي الطَّرِيق أَو فِي مَكَّة فدفعهم الركب عَن أنفسهم كالصائل فَيجوز الدّفع مَعَ الركب بل يجب دفع هَؤُلَاءِ عَن الركب أما إِذا عِنْدِي على أهل مَكَّة أَو غَيرهم فَلَا يعينهم على ذَلِك وَإِذا وجد مَعَ الركب جائعا أَو عطشانا فَعَلَيهِ أَن يبْذل مَا فضل عَن حَاجته فَأَما مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَلَا يجب بذله وَلَو وجد مَيتا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يتَخَلَّف ليدفنه بِحَيْثُ يخَاف الِانْقِطَاع
وَمن سَأَلَ وَظهر صدقه وَجب إطعامه لقَوْله تَعَالَى ﴿فِي أَمْوَالهم حق مَعْلُوم للسَّائِل والمحروم﴾ وَإِن ظهر كذبه لم يجب إطعامه وَإِن سَأَلَ مُطلقًا بِغَيْر معِين لم يجب أَيْضا وَإِذا أقسم على غير معِين فَإِن إبرار الْقسم إِنَّمَا هُوَ إِذا أقسم على معِين وَقَوله لأجل فلَان من المخلوقين فَلَا حُرْمَة لَهُ وَأما قَوْله شَيْء لله وَلأَجل الله فَيعْطى لِأَنَّهُ سُؤال وَلَيْسَ هَذَا إقساما
فصل
ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَنه ﷺ قَالَ الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر وَهَذَا مُوَافق لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ فَإِنَّهُ وعد باجتنبابنا مَا نهى عَنهُ
стр. 558
أَن يكفر عَنَّا سيئاتنا ويدخلنا مدخلًا كَرِيمًا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم﴾ فقد فسر اللمم بِأَنَّهُ غير الْوَطْء من النّظر واللمس والسمع وَالْمَشْي وَنَحْوه كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ مَا رَأَيْت أشبه باللمم مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ إِن الله كتب على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا فَهُوَ مدرك ذَلِك لَا محَالة فالعينان تزنيان وزناهما النّظر والأذنان تزنيان وزناهما السّمع وَالْيَدَانِ تزنيان وزناهما الْبَطْش وَالرجلَانِ تزنيان وزناهما الْمَشْي وَالْقلب يتَمَنَّى ويشتهي والفرج يصدق ذَلِك أَو يكذبهُ وَسَماهُ الله لمما لِأَن العَبْد يلم بالكبيرة وَلَا يَأْتِيهَا قَالَ ... مَتى تأتنا تلم بِنَا فِي دِيَارنَا ... تَجِد حطبا جزلا وَنَارًا تأججا ...
وَقَالَ ... مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناده ... تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد ...
فَإِن الطارق يلم بِأَهْل الْمنزل قبل أَن يدْخل إِلَى منزلهم وَيُقَال اللمم أَن يلمم بالذنب الصَّغِير مرّة من غير إِصْرَار لِأَن من أصر على الصَّغِيرَة صَارَت كَبِيرَة كَمَا فِي التِّرْمِذِيّ لَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار وَلَا كَبِيرَة مَعَ اسْتِغْفَار فقد جَاءَ الْكتاب وَالسّنة بتكفير الصَّغَائِر لمن اجْتنب الْكَبَائِر وَهَذَا لَا ريب فِيهِ
ثمَّ قَالَ قَائِلُونَ مَفْهُوم هَذَا أَنه لَا يكفر الصَّغَائِر إِلَّا بِهَذَا الشَّرْط فَمن لم يجتب الْكَبَائِر كلهَا لَا يكفر عَنهُ صَغِيرَة وَخَالف الْخَوَارِج والمعتزلة فَقَالُوا إِن من أَتَى كَبِيرَة اسْتحق الْعقُوبَة حتما فتحبط جَمِيع حَسَنَاته بِتِلْكَ الْكَبِيرَة وَيسْتَحق التخليد فِي النَّار لَا يخرج مِنْهَا بشفاعة وَلَا غَيرهَا
وَهَذَا قَول بَاطِل بِاتِّفَاق الصَّحَابَة ﵁ أَجْمَعِينَ وَسَائِر أهل السّنة والمرجئة من الشِّيعَة والأشعرية قابلوا الْمُعْتَزلَة بنقيض قَوْلهم فَقَالُوا لَا نجزم بتعذيب أحد من أهل التَّوْحِيد وَهَذَا أَيْضا بَاطِل بل تَوَاتَرَتْ السّنَن بِدُخُول أهل الْكَبَائِر النَّار وخروجهم مِنْهَا بشفاعة رَسُول الله ﷺ وَسلف الْأمة وأئمتها متفقون على مَا جَاءَت بِهِ السّنَن
стр. 559
وَقد يفعل العَبْد منالحسنات مَا يمحو الله بِهِ بعض الْكَبَائِر كَمَا غفر للبغي بسقى الْكَلْب وقلوه لأهل بدر اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَلَكِن هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْحَسَنَات ومقاديرها وبصفات الْكَبَائِر ومقاديرها فَلَا يمكننا أَن نعين حَسَنَة تكفر بهَا الْكَبَائِر كلهَا غير التَّوْبَة فَمن أَتَى بكبيرة وَلم تب مِنْهَا وَلَكِن أَتَى مَعهَا بحسنات أخر فَهَذَا يتَوَقَّف أمره على المازنة فَمن ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية وَمن خفت موازينة فأمه هاوية فَلهَذَا كَانَ صَاحب الْكَبِيرَة تَحت الْخطر مالم يتب مِنْهَا فَإِذا أَتَى بحسنات يُرْجَى لَهُ محو الْكَبِيرَة وَكَانَ بَين الْخَوْف والرجاء والحسنة الْوَاحِدَة قد يقْتَرن بهَا من الصدْق وَالْيَقِين مَا يَجْعَلهَا تكفر الكباذر كالحديث الَّذِي فِي صَاحب البطاقة الَّذِي ينشر لَهُ تِسْعَة وَتسْعُونَ سجلا كل سجل مِنْهَا مد الْبَصَر وَيُؤْتى ببطاقة فِيهَا كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله فتوضع البطاقة فِي كفة والسجلات فيكفة فَثقلَتْ البطاقة وطاشت السجلات وَذَلِكَ لعظم مَا فِي قلبه من الْإِيمَان وَالْيَقِين وَإِلَّا فَلَو كَانَ كل من نطق الْكَلِمَة تكفر خطاياه لم يدْخل النَّار من أهل الكباذر الْمُؤمنِينَ بل وَالْمُنَافِقِينَ أحد وَهَذَا خلاف مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآيَات وَالسّنَن وَكَذَا حَدِيث الْبَغي وَإِلَّا فَلَيْسَ كل من سقى كَلْبا عشانا يغْفر لَهُ كَمَا أَنه قد يقْتَرن بِالسَّيِّئَةِ من الاستخفاف والإصرار مَا يعظمها فَلهَذَا وَجب التَّوَقُّف فِي الْمعِين فَلَا يقطع بجنبه وَلَا نَار إِلَّا بِبَيَان من الله لَكِن يُرْجَى للمحسن وَيخَاف عَليّ المسئ وَأما من شهد لَهُ النَّص فنقطع لَهُ وَمن لَهُ لِسَان صدق فَفِيهِ نزاع
وَمَا يُوجد فِي كتب أبي حَامِد الْغَزالِيّ من كَلَام الفلاسفة الباطنية كَمَا يُوجد فِي المضنون بِهِ على غير أَهله وَأَمْثَاله فَقَالَ طَائِفَة من الْفُضَلَاء إِنَّه كذب عَلَيْهِ وَطَائِفَة قَالَت بل رَجَعَ عَن ذَلِك فَإِنَّهُ صرح بِكفْر الفلاسفة فِي التهافت وَاسْتقر أمره على مطالعة الخاري وَمُسلم وَمَات عَليّ أحسن أَحْوَاله فَلَا يجوز أَن
стр. 560
تنْسب إِلَيْهِ هَذِه الْأَقْوَال نِسْبَة مُسْتَقِرَّة
وَمن قَالَ الله أكبر عَلَيْك فَهُوَ من نَحْو الدُّعَاء عَلَيْهِ فَإِن لم يكن بِحَق ورلا كَانَ ظَالِما لَهُ يسْتَحق الِانْتِصَار مِنْهُ لذَلِك إِمَّا بِمثل قَوْله وَإِمَّا بتعزيزه
وَلَيْسَ لأحد اسْتِعْمَال لغير مَا أنرله الله لَهُ وَبِذَلِك فسر الْعلمَاء الحَدِيث والمأثور لَا يناظر بِكِتَاب الله أَي لَا يَجْعَل لَهُ نَظِير يذكر مَعَه كَقَوْل القاذل لمن قدم لحَاجَة لقد جِئْت عَليّ قدر يَا مُوسَى وَقَوله عِنْد الْخُصُومَة مَتى هَذَا الْوَعْد وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ
ثمَّ إِن خرجه مخرج الاستخفاف بِالْقُرْآنِ والاستهزاء بِهِ كفر صَاحبه وَأما إِن تَلا الْآيَة عِنْد الحكم الَّذِي أنزلت لَهُ أَو يُنَاسِبه من الْأَحْكَام فَحسن
وَمن هَذَا الْبَاب مَا يبنه الْفُقَهَاء من الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالْقِيَاسِ وَمَا يتَكَلَّم فِيهِ الْمَشَايِخ والوعاظ فَلَو دعى الرجل إِلَى مَعْصِيّة قد تَابَ مِنْهَا فَقَالَ ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ وَكَذَا لَو قَالَ عِنْد همه وخزنه ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ وَنَحْو ذَلِك كَانَ حسنا وَلَو قَصده بِهِ التِّلَاوَة والتنبيه على معنى يُخَاطب بِهِ للْحَاجة كام جَائِزا مثل مَا قيل لعلى ﵁ فِي الصَّلَاة ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ فَقَالَ ﴿فاصبر إِن وعد الله حق﴾ فَهَذَا وَنَحْوه رخص فِيهِ الْعلمَاء
وَلَا يجوز أَن يظْهر مَا علمه من السَّيِّئَات سرا بل إِن أظهره كبر أثمه
стр. 561
فصل
لِوَاء الْحَمد بيد النَّبِي ﷺ يَوْم الْقِيَامَة صُورَة وَمعنى إِشَارَة إِلَى سيادته لجَمِيع الخلاذق فَيكون الْخلق تَحت لواذه كَمَا يكون الأجناد تَحت ألوية الْمُلُوك وحامله الْمُقدم الَّذِي يكون خطيب الْأَنْبِيَاء إِذا وفدوا وإمامهم إِذا اجْتَمعُوا وَهُوَ الَّذِي يتَقَدَّم للشفاعة فيحمد ربه بِمَحَامِد لَا يحمده بهَا غَيره وَهُوَ مُحَمَّد وَأحمد وَأمته الْحَمَّادُونَ الَّذين يحْمَدُونَ عَليّ السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَهُوَ أول من يدعى إِلَى الْجنَّة فَلَا تفتح لأحد قبل صَاحب لِوَاء الْحَمد ﷺ
وَقَوله ﴿وجدهَا تغرب فِي عين حمئة﴾ الْعين فِي الأَرْض وَمعنى تغرب فِي عين أَي فِي رَأْي النَّاظر بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين وَلَيْسَ المُرَاد تسْقط من الْفلك فتغرب فِي تِلْكَ الْعين فَإِنَّهَا لَا تنزل من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وَلَا تفارق فلكها والفلك فَوق الأَرْض من جَمِيع أقطارها لَا يكون تَحت الأَرْض لَكِن إِذا تخيل المتخيل أَن الْفلك مُحِيط بِالْأَرْضِ توهم أَن مايلي رَأسه هُوَ أَعْلَاهُ وَمَا يَلِي رجلَيْهِ هُوَ أَسْفَله ولي الْأَمر كَذَلِك بل جَانب الْفلك من هَذَا الْجَانِب كجانبه من الْمشرق وَالْمغْرب وَالسَّمَاء فَوق الأَرْض بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَإِنَّمَا السّفل هُوَ أضيق مَكَان فِي الأَرْض وَهُوَ المركز الَّذِي إِلَيْهِ تنتهى الأثقال وكل مَا تحرّك من المركز إِلَى السَّمَاء من أَي جَانب كَانَ فَإِنَّهُ يصعد من الْأَسْفَل إِلَى الْأَعْلَى وَالله أعلم
فصل
وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن النكر وَاجِب عَليّ الْكِفَايَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وكل وَاحِد من الْأمة مُخَاطب بِقدر قدرته وَهُوَ من أعظم الْعِبَادَات وَمن النَّاس من يكون ذَلِك لهواه لَا لله
стр. 562
وَلَيْسَ لأحد أَن يزِيل النكر بِمَا هُوَ أنكر منهخ مثل أَن يقوم وَاحِد من النَّاس يُرِيد أَن يقطع يَد السَّارِق ويجلد الشَّارِب وَيُقِيم الْحُدُود لِأَنَّهُ لَو فعل ذَلِك لأفضى إِلَى الْهَرج وَالْفساد لِأَن كل وَاحِد يضْرب غَيره ويدعى أَنه اسْتحق ذَلِك فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَن يقْتَصر فِيهِ على ولي الْأَمر المطاع كالسلطان ونوابه
وَكَذَلِكَ دَقِيق الْعلم الَّذِي لَا يفهمهُ إِلَّا خَواص النَّاس وجماع الْأَمر فِي ذَلِك بِحَسب قدرته
وَإِنَّمَا الْخلاف فِيمَا رذاغلب على ظن الرجل أَن أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر لَا يطاع فِيهِ هَل يجب عَلَيْهِ حينذذ على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا أَنه يجب وَإِن لم يقبل مِنْهُ إِذا لم يكن مفسده الْأَمر واجحة عَليّ مفْسدَة التّرْك كَمَا بقى نوح ﵇ ألف سنة إِلَّا خمسين عاماض ينذر قومه وَلما قَالَت الْأمة من أهل الْقرْيَة الْحَاضِر البحرة لواعظى الَّذين يعدون فِي السبت ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم عذَابا شَدِيدا قَالُوا معذرة إِلَى ربكُم ولعلهم يَتَّقُونَ﴾ أَي نُقِيم عذرنا عَن رَبنَا وَلَيْسَ هدَاهُم علنيا بل الْهِدَايَة إِلَيّ الله
وَلم يجب مَا أحبه الله وَهُوَ الْمَعْرُوف وَيبغض مَا أبغضه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمُنكر لم يكن مُؤمنا فَلهَذَا لم يكن وَرَاء إِنْكَار الْمُنكر بِالْقَلْبِ حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان وَلَا يُمكن أَن يجب جَمِيع الْمُنْكَرَات بِالْقَلْبِ رلا زن كَانَ كَافِرًا
وَهُوَ الَّذِي مَاتَ قلبه كَمَا سُئِلَ بعض السّلف عَن ميت الْأَحْيَاء فِي قَوْلهم
لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء
فَقَالَ هُوَ الَّذِي لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا لَكِن من النَّاس من يُنكر بعض الْأُمُور دون بعض فَيكون فِي قلبه إِيمَان ونفاق كَمَا ذكر ذَلِك من ذكره من السّلف حَيْثُ قَالُوا الْقُلُوب أَرْبَعَة قلب أجرد فِيهِ سراج يزهر فَذَلِك قلب الْمُؤمن وقلب أغلف فَهُوَ قلب الْكَافِر وقلب منكوس فَذَلِك
стр. 563
قلب الْمُنَافِقين وقلب فِيهِ مادتان مَادَّة تمده بالايمان ومادة تمده بالنافاق فَذَلِك خلط عملا صَالحا سَيِّئًا
وَفِي الْجُمْلَة فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن النكر فرض كِفَايَة فرذا غلب على ظَنّه أَن غَيره لَا يقوم بِهِ تعين عَلَيْهِ وَوَجَب عَلَيْهِ مَا يقدر عَلَيْهِ من ذَلِك فَإِن تَركه كَانَ عَاصِيا لله وَلِرَسُولِهِ وَقد كيون فَاسِقًا وَقد يكون كَافِرًا
وَيَنْبَغِي لمن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر أَن يكون فَفِيهَا قبل الْأَمر رَفِيقًا عِنْد الْأَمر ليسلك أقرب الطّرق فِي تَحْصِيله حَلِيمًا بعد الْأَمر لِأَن الْغَالِب أَن لَا بُد أَن يُصِيبهُ أَذَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾
فصل
قَول من يَقُول يلْزم من كَون الشئ فَوق كَونه فِي جِهَة سَوَاء كَانَت الْجِهَة دَاخل الْعَالم أَو خَارجه وَثُبُوت إِمْكَان الانقسام لذاته لِأَن كل وَاحِد من جوانبه غير الْجَانِب الآخر وكل مُمكن الْقِسْمَة لذاته مُمكن الْوُجُود لذاته وَيلْزم أَيْضا من كَون الشئ فِي جِهَة إِمَّا قدم الْجِهَة وَإِمَّا ثُبُوت الِانْتِقَال
فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أما الْحجَّة الأولى فللناس فِي جوابها طَرِيقَانِ
стр. 564
أَحدهمَا أَنه تَعَالَى فَوق الْعَرْش وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَيْسَ بداخل الْعَالم وَلَا بمنقسم هَذَا قَول الكلامية وأئمة الأشعرية وَغَيرهم وَإِذا قيل لَهُم هَذَا مُمْتَنع قَالُوا إِثْبَات وجود مَوْجُود لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه أبعد عَن الْعُقُول من إِثْبَات مَوْجُود خَارج الْعَالم وَلَيْسَ بجسم وَلَا منقسم فَإِن كَانَ الأول جاذزا فِي الْعقل فَالثَّانِي أولى بِالْجَوَازِ وَإِن كَانَ مُمْتَنعا بَطل قَول النفاة
الطَّرِيق الثَّانِي أَن يُقَال هَل الانقسام فِيهِ بِالْفِعْلِ أَو بالإمكان فان كَانَ بالامكان بِحَيْثُ يقبل التَّفْرِيق والتبغيض لم يسلم اللُّزُوم ولادل ذَلِك عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذكر فِي الدَّلِيل أَن كل جَانب غير الآخر وَمُطلق الْمُغَايرَة لَا يتقتضى قبُول التَّفْرِيق والنفصال فَإِن لفظ غير فِيهِ اصطلاحان
أَحدهمَا اصْطِلَاح الأشعرية وَمن وافقهم أَنه مَا جَازَ مُفَارقَة أَحدهمَا الآخر بِزَمَان أَو مَكَان أَو وحود أَو مَا جَازَ مُفَارقَة أَحدهمَا مُطلقًا وَلِهَذَا لَا يَقُولُونَ صِفَات الله تَعَالَى مُغَايرَة لذاته بل لَا يَقُولُونَ إِن الصّفة اللَّازِمَة للمخلوق مُغَايرَة لَهُ وَلَا أَن بعض الْجُمْلَة مغير لَهَا وَلَا الْوَاحِد من الْعشْرَة مُغَاير لَهَا فعلي هَذَا رذا لم يقبل التَّفْرِيق لم يكن أحد من الْجَانِبَيْنِ مغايرا للجانب الآخر
والاصطلاح الثَّانِي أَن حد غير مَا جَازَ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُعْتَزلَة والكرامية فعلى هَذَا يكون صفة الْمَوْصُوف مُغَايرَة لَهُ وَتَكون صِفَات الله تَعَالَى مُغَايرَة لذاتته وَيكون كَلَام الله غير الله
وعَلى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين لَا يكون كَلَامه غَيره
وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف أَنه لَا يُطلق إِثْبَات الْمُغَايرَة وَلَا نَفيهَا لَكِن يفصل هَل أُرِيد بِالْغَيْر أَنه مُمكن الْعلم بِهَذَا دون هَذَا أَو يُرِيدُونَ أَنه يُمكن مُفَارقَة هَذَا لهَذَا وَوُجُود هَذَا بِدُونِ هَذَا وَتَحْقِيق خاهية هَذَا دون هَذَا وَنَحْو ذَلِك
فعلى هَذَا التَّفْسِير لَا تكون الصّفة اللَّازِمَة للموصوف مُغَايرَة للموصوف وَلَا الْبَعْض اللَّازِم للْكُلّ مغيارا للْكُلّ عَليّ ذَلِك
стр. 565
وَقَوله كل مُمكن الْقِسْمَة لذاته مُمكن الْوُجُود لذاته جَوَابه أَن لفظ إمكانالقسمة فِيهِ الْإِجْمَال الْمُتَقَدّم فَإِن أَرَادوا أَنه يقبل مُفَارقَة بعضه لبَعض فَلَا دَلِيل عَليّ لُزُوم ذَلِك لقَوْله سُبْحَانَهُ عَليّ عَرْشه وَإِن أَرَادوا بِهِ الامتياز الَّذِي ذكرته فِي الْمُغَايرَة الَّتِي عينوها فَلَا نسلم أَن إِمْكَان أَن يُمَيّز مِنْهُ شَيْء عَن شَيْء يجب أَن يكون مُمكن الْوُجُود لذاته لَا وَاجِب الْوُجُود لذاته لَا سِيمَا على مَذْهَب أهل السّنة الصفاتية فَإِن عِنْدهم عَالم بِعلم قَادر بقدرة حَتَّى بحياة وَهَذِه معَان متميزة لَيْسَ أَحدهمَا هُوَ الآخر قَالَ وَكَذَلِكَ نفاة الصِّفَات حَيّ بحياة وَهَذِه معَان متميزة لَيْسَ أَحدهمَا هُوَ الآخر قَالَ وَكَذَلِكَ نفاة الصِّفَات باتفاقهم على وجود وَاجِب قديم فِي ذَاته عليم قدير وَلَيْسَ الْمَفْهُوم من كل اسْم هُوَ الْمَفْهُوم من الآخر بل هِيَ معَان متميزة وَإِن كَانَ الْمُسَمّى وَاحِدًا والمعطل مقرّ بِأَنَّهُ مَوْجُود وَاجِب قديم عَاقل مَعْقُول عقل وَنَحْو ذَلِك من الْمعَانِي المتميزة
ودعواه أَن هَذِه الْأُمُور تعود إِلَى سلب أَو إِضَافَة مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَإِن جوز عقله أَن تكون هَذِه الْمعَانِي لَا تعود إِلَّا إِلَى عدم أَو إِضَافَة أمكن منازعته بِأَن نقُول فِيمَا يُثبتهُ من الصِّفَات وَالْقدر مثل ذَلِك ونقول إِن ذَلِك لَا يُوجب تعددا وَلَا تكثيرا بل هُوَ رَاجع إِلَى سلب أَو إِضَافَة
وَأما الشُّبْهَة الثَّانِيَة فجوابها أَن يُقَال الْجِهَة إِمَّا أَن يُرَاد بهَا أَمر مَوْجُود أَو مَعْلُوم فَإِن أُرِيد بهَا أَمر مَعْدُوم فَمَا ثمَّ مَوْجُود إِلَّا الله تَعَالَى ومخلوقاته وَالله لَيْسَ فِي مخلوقاته وَإِن أُرِيد بهَا أَمر مَعْدُوم فالمعدوم لَيْسَ بِشَيْء يحوي الْمَوْجُود وَإِمَّا يقدر فِيهِ الْمَوْجُود تَقْديرا
فَقَوله يلْزم قدم الْجِهَة أَو الِانْتِقَال إِنَّمَا يَصح لَو قيل إِنَّه مَوْجُود فِي سواهُ وَأما إِذا أُرِيد بذلك أَنه فَوق الْعَالم أَو وَرَاء الْعَالم وَلَيْسَ هُنَاكَ غير وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء مَوْجُود آخر حَتَّى يُقَال إِنَّه قديم وَأما الْعَدَم فَإِن قيل إِنَّه قديم فَهُوَ الْعَدَم سائ الْمَخْلُوقَات وَقدم الْعَدَم بِهَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بممتنع فَظهر فَسَاد لُزُوم أحد الْأَمريْنِ
следующие страницы →