Полный текст (825 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَإِذا حل الدّين وَامْتنع مَدين من وفائه أَي الدّين فَإِن كَانَ الرَّاهِن قد أذن لمرتهن فِي بَيْعه أَي الرَّهْن أَو أذن لغيره وَلم يرجع عَن إِذْنه بَاعه أَي الرَّهْن مَأْذُون لَهُ من مُرْتَهن وَغَيره، وَإِلَّا يكن إِذن أَو أذن وَرجع أجبر مَدين أَي أجْبرهُ حَاكم على الْوَفَاء من غير الرَّهْن أَو أجبر على بيع الرَّهْن ليوفى من ثمنه فَأن أَبى الْوَفَاء وَالْبيع حبس أَو عزّر أَي حَبسه حَاكم أَو عزره حَتَّى يفعل مَا أَمر بِهِ فَإِن أصر على الِامْتِنَاع من كل مِنْهُمَا بَاعه الرَّهْن حَاكم نصا بِنَفسِهِ أَو أَمِينه لتعينه طَرِيقا لأَدَاء الْوَاجِب ووفى دينه لقِيَامه مقَام الْمُمْتَنع. وغائب فِي الحكم كممتنع. وَلَا يَبِيعهُ مُرْتَهن إِلَّا بِإِذن ربه أَو الْحَاكِم وَيصِح جعله بيد عدل معِين جَائِز التَّصَرُّف من مُسلم وَكَافِر عدل أَو فَاسق ذكر أَو أُنْثَى لِأَنَّهُ تَوْكِيل فِي قبض فِي عقد فَجَاز كَغَيْرِهِ، وَإِن شَرط الرَّاهِن إِن لَا يُبَاع الرَّهْن إِذا حل الدّين لم يَصح الشَّرْط لمنافاته الرَّهْن وَلم يفْسد العقد، أَو شَرط للْمُرْتَهن أَنه إِن جَاءَهُ بِحقِّهِ فِي وَقت كَذَا وَإِلَّا فالرهن لَهُ أَي للْمُرْتَهن يَأْخُذهُ بِالدّينِ لم يَصح الشَّرْط وَلم يفْسد العقد بل يلْزمه الْوَفَاء، أَن يَأْذَن للْمُرْتَهن فِي بيع الرَّهْن أَو يَبِيعهُ هُوَ بِنَفسِهِ فَإِن أصر بَاعه حَاكم كَمَا تقدم، ولمرتهن أَن يركب مَا أَي حَيَوَانا يركب كفرس وبعير بِقدر نَفَقَته وَله أَن يحلب مَا يحلب واسترضاع أمة بِقدر نَفَقَته متحريا الْعدْل نصا، وَلَا ينهكه نصا، بِلَا إِذن الرَّاهِن وَلَو حَاضرا وَلم يمْتَنع. ومئونة الرَّهْن وَأُجْرَة مخزنه ورده من إباقه وكفنه وَبَقِيَّة تَجْهِيزه إِن مَاتَ وسقيه وتلقيحه وزباره وجذاذه ورعي مَاشِيَة ومداواته لمَرض وجرح وختانه على الرَّاهِن،
стр. 387
وَإِن أنْفق مُرْتَهن عَلَيْهِ أَي الرَّهْن بِلَا إِذن رَاهن ليرْجع عَلَيْهِ مَعَ إِمْكَانه لاستئذانه لم يرجع وَلَو نوى الرُّجُوع لِأَنَّهُ مُتَبَرّع ومفرط بِعَدَمِ الاسْتِئْذَان، وَإِلَّا يقدر على اسْتِئْذَانه لغيبته أَو تواريه وَنَحْو ذَلِك فأنفق رَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أنفقهُ على رهن وَمن نَفَقَة مثله إِن نَوَاه أَي الرُّجُوع وَلَو لم يسْتَأْذن حَاكما مَعَ قدرته عَلَيْهِ وَلَو لم يشْهد، وحيوان معار ومؤجر ومودع ومشترك بيد أَحدهمَا بِإِذن الآخر إِذا أنْفق عَلَيْهِ مستعير ومستأجر ووديع وَشريك كرهن فِيمَا سبق تَفْصِيله، وَإِن مَاتَ فَكَفنهُ مُرْتَهن فَكَذَلِك وَلَو خرب الرَّهْن كدار انْهَدَمت فعمره مُرْتَهن رَجَعَ معمر بآلته فَقَط لِأَنَّهَا ملكه، لَا بِمَا يحفظ بِهِ مَالِيَّة الدَّار كَثمن مَاء ورماد وطين وجص ونورة وَأُجْرَة معمرين إِلَّا بِإِذن مَالِكهَا. وَإِن جنى رهن تعلق الْأَرْش بِرَقَبَتِهِ، فَإِن استغرقه خير سَيّده بَين فدائه بِالْأَقَلِّ مِنْهُ وَمن قِيمَته وَالرَّهْن بِحَالهِ أَو بَيْعه فِي الْجِنَايَة أَو تَسْلِيمه فِيهَا لاستقرار كَونه عوضا عَنْهَا بذلك فَيبْطل كَونه محلا للرَّهْن كَمَا لَو تلف أَو بَان مُسْتَحقّا وَإِن لم يسْتَغْرق أرش الْجِنَايَة الرَّهْن بيع مِنْهُ بِقَدرِهِ وَبَاقِيه رهن، فَإِن تعذر بيع بعضه أَو نقص بتشقيق بيع كُله وَبَاقِي ثمنه رهن. وَمن قبض الْعين لحظ نَفسه كمرتهن وأجير ومستأجر ومشتر وبائع وغاصب وملتقط ومقترض ومضارب وَادّعى الرَّد للْمَالِك فَأنكرهُ لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة.
стр. 388
فصل فِي أَحْكَام الضَّمَان وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة. الضَّمَان جَائِز إِجْمَاعًا فِي الْجُمْلَة، وَيصِح ضَمَان جَائِز التَّصَرُّف مَا أَي مَالا وَجب على غَيره كَثمن وقرض وَقِيمَة متْلف مَعَ بَقَائِهِ على مَضْمُون عَنهُ فَلَا يسْقط بِالضَّمَانِ أَو ضَمَان مَا سيجب على غَيره كجعل على عمل. وَلَا يَصح ضَمَان جِزْيَة سَوَاء كَانَ قبل وُجُوبهَا أَو بعده من مُسلم أَو كَافِر لفَوَات الصغار عَن الْمَضْمُون بِدفع الضَّامِن. وَلَا دين كِتَابَة. وَيحصل الِالْتِزَام بِلَفْظ أَنا ضمين وكفيل وقبيل وحميل وصبير وزعيم، وضمنت دينك أَو تحملته وَنَحْوه، وَيصِح بِإِشَارَة مفهومة من أخرس وَشرط لصِحَّة الضَّمَان رِضَاء ضَامِن لِأَن الضَّمَان تبرع بِالْتِزَام الْحق فَاعْتبر لَهُ الرِّضَا كالتبرع بالأعيان فَقَط أَي لَا يشْتَرط رِضَاء مَضْمُون عَنهُ وَلَا رِضَاء مَضْمُون لَهُ لِأَنَّهُ وَثِيقَة لَا يعْتَبر لَهَا قبض فَلم يعْتَبر لَهَا رِضَاء كَالشَّهَادَةِ. وَلَا معرفَة ضَامِن لمضمون لَهُ ومضمون عَنهُ وَلَا الْعلم بِالْحَقِّ
стр. 389
ولرب الْحق مُطَالبَة من شَاءَ مِنْهُمَا أَي الضَّامِن والمضمون عَنهُ لثُبُوت الْحق فِي ذمتيهما، ومطالبتهما مَعًا فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت، لَكِن لَو ضمن إِنْسَان دينا حَالا إِلَى أجل مَعْلُوم صَحَّ وَلم يُطَالب بِهِ قبل مضيه. فَإِن قيل: عنْدكُمْ الْحَال لَا يُؤَجل فَكيف يُؤَجل على الضَّامِن أَو كَيفَ يثبت فِي ذمَّته على غير الْوَصْف الَّذِي يَتَّصِف بِهِ فِي ذمَّة الْمَضْمُون عَنهُ فَالْجَوَاب أَن الْحق يتأجل من ابْتِدَاء ثُبُوته إِذا كَانَ بِعقد وَلم يكن على الضَّامِن حَالا ثمَّ تأجل، وَيجوز تخَالف مَا فِي الذمتين بِدَلِيل مَا لَو مَاتَ الْمَضْمُون عَنهُ وَالدّين مُؤَجل. إِذا ثَبت هَذَا وَكَانَ الدّين مُؤَجّلا إِلَى شهر فضمنه إِلَى شَهْرَيْن لم يكن لَهُ أَن يُطَالِبهُ إِلَى مضيهما. انْتهى. وَيصِح ضَمَان عُهْدَة الثّمن وَالثمن إِن ظهر بِهِ عيب أَو خرج مُسْتَحقّا وَضَمان الْمَقْبُوض على وَجه السّوم وَهُوَ أَن يساوم إِنْسَان على عين وَيقطع ثمنهَا أَو لم يقطعهُ ثمَّ يَأْخُذهَا ليريها أَهله فَإِن رَضوا أَخذهَا وَإِلَّا ردهَا لِأَنَّهُ مَضْمُون مُطلقًا. وَإِن أَخذ شَيْئا بِإِذن ربه ليريه أَهله فَإِن رَضوا بِهِ أَخذه وَإِلَّا رده من غير مساومة وَلَا قطع ثمن فَلَا يضمن إِذا تلف وَلَا تَفْرِيط، وَلَا يَصح ضَمَانه بل التَّعَدِّي فِيهِ من قبيل الْأَمَانَات وَتقدم حكمهَا أول الْفَصْل. وَإِن قضى الضَّامِن مَا على الْمَدِين وَنوى الرُّجُوع عَلَيْهِ رَجَعَ وَلَو لم يَأْذَن لَهُ فِي الضَّمَان وَالْقَضَاء. وَإِن لم ينْو فَلَا رُجُوع لَهُ وَلَو ضمنه بِإِذْنِهِ. وَمن ضمن أَو كفل شخصا ثمَّ قَالَ لم يكن عَلَيْهِ حق صدق خَصمه الْمَضْمُون لَهُ أَو الْمَكْفُول بِيَمِينِهِ فَإِن نكل قضى عَلَيْهِ بِبَرَاءَة الضمين والأصيل. وَإِن برىء الْمَضْمُون برىء ضامنه وَلَا عكس.
стр. 390
وَلَو ضمن اثْنَان فَأكْثر وَاحِدًا، وَقَالَ وَاحِد: ضمنت لَك الدّين، كَانَ لرَبه طلب كل وَاحِد بِالدّينِ كُله، وَإِن قَالَا: ضمنا لَك الدّين، فبينهما بِالْحِصَصِ. وَتَصِح الْكفَالَة وَهِي مصدر كفل بِمَعْنى الْتزم وَشرعا أَن يلْتَزم رشيد ب إِحْضَار بدن من عَلَيْهِ حق مَالِي من دين أَو عَارِية وَنَحْوهمَا إِلَى ربه. وتنعقد بِمَا ينْعَقد بِهِ الضَّمَان. وَإِن ضمن مَعْرفَته أَخذ بِهِ، وَتَصِح بِكُل عين يَصح ضَمَانهَا كالمغصوب والعواري لَا ببدن من عَلَيْهِ حد أَو قصاص وَلَا بِغَيْر معِين كَأحد هذَيْن وَشرط لصحتها رِضَاء كَفِيل فَقَط لَا مكفول بِهِ وَلَا مكفول لَهُ كضمان. وَتَصِح حَالَة ومؤجلة فَإِن أطلق كَانَت حَالَة فَإِن سلم كَفِيل مكفولا بِهِ لمكفول لَهُ بِمحل العقد وَقد حل الْأَجَل أَو لَا وَلَا ضَرَر وَلَيْسَ ثمنه يَد حائلة ظالمة أَو سلم نَفسه برىء كَفِيل أَو مَاتَ مكفول بِهِ برىء كَفِيل لسُقُوط الْحُضُور عَنهُ بِمَوْتِهِ أَو تلفت الْعين الْمَضْمُونَة الَّتِي تكفل ببدن من هِيَ عِنْده بِفعل الله ﵎ قبل طلب لَهَا برِئ كَفِيل لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة موت الْمَكْفُول. وَإِن تعذر على الْكَفِيل إِحْضَار الْمَكْفُول مَعَ بَقَائِهِ بِأَن توارى أَو غَابَ أَو امْتنع أَو غير ذَلِك ومضي زمن يُمكن رده فِيهِ أَو زمن عينه ضمن مَا عَلَيْهِ. والسجان كالكفيل فَيغرم إِن هرب الْمَحْبُوس وَعجز عَن إِحْضَاره.
وَتجوز الْحِوَالَة، واشتقاقها من التَّحَوُّل لِأَنَّهَا تحول الْحق من ذمَّة الْمُحِيل إِلَى ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ. وَهِي عقد إرفاق، وَشرعا انْتِقَال مَال من ذمَّة إِلَى ذمَّة بلفظها كأحلتك بِدينِك أَو بمعناها الْخَاص بهَا كأتبعتك دينك على زيد وَنَحْوه.
стр. 391
وشروطها خَمْسَة: أَحدهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله على دين مُسْتَقر فَلَا تصح على مَال سلم أَو رَأسه بعد فسخ وَلَا على صدَاق قبل دُخُول. وَلَا يشْتَرط اسْتِقْرَار المَال الْمحَال بِهِ. الثَّانِي: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله إِن اتّفق الدينان جِنْسا ووقتا ووصفا وَقدرا فَلَا يَصح أَن يحِيل بِدَنَانِير على دَرَاهِم وَلَا بِحَال على مُؤَجل وَلَا بصحاح على مكسرة وَلَا بِعشْرَة على خَمْسَة وَعَكسه، وَتَصِح الْحِوَالَة بِخَمْسَة على خَمْسَة من عشرَة وَيصِح عَكسه كَأَن يحِيل بِخَمْسَة من عشرَة على خَمْسَة. وَلَا يضر اخْتِلَاف سببي الدينَيْنِ. وَالثَّالِث علم قدر كل من الدينَيْنِ الْمحَال بِهِ والمحال عَلَيْهِ لاعْتِبَار التَّسْلِيم، والجهالة تمنع مِنْهُ. وَالرَّابِع كَون الْمحَال عَلَيْهِ يَصح السّلم فِيهِ من مثلي وَغَيره ومعدود. وَالْخَامِس مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَيعْتَبر رِضَاء محيل لِأَن الْحق عَلَيْهِ فَلَا يلْزمه أَدَاؤُهُ من جِهَة الدّين على الْمحَال عَلَيْهِ وَيعْتَبر أَيْضا رِضَاء محتال بالحوالة على غير ملىء فَإِن أُحِيل على ملىء لم يعْتَبر وضاه وَيجْبر على اتِّبَاعه نصا، والملىء الَّذِي يجْبر محتال على اتِّبَاعه الْقَادِر بِمَالِه وَقَوله وبدنه نصا، فَفِي مَاله الْقُدْرَة على الْوَفَاء، وَفِي قَوْله أَن لَا يكون مماطلا، وَفِي بدنه إِمْكَان حُضُوره لمجلس الحكم فَلَا يلْزم أَن يحتال على وَالِده وَلَا على من هُوَ فِي غير بَلَده وَلَا أَن يحِيل على أَبِيه.
стр. 392
وَإِن ظَنّه مليئا وجهله فَبَان مُفلسًا رَجَعَ على محيل وَلم يجْبر على اتِّبَاعه، فَمَتَى توفرت الشُّرُوط برىء الْمُحِيل من الدّين بِمُجَرَّد الْحِوَالَة وَلَو أفلس الْمحَال عَلَيْهِ بعد ذَلِك أَو مَاتَ أَو جحد الدّين وَعَلِيهِ الْمُحْتَال أَو صدق الْمُحِيل أَو ثَبت بِبَيِّنَة فَمَاتَتْ وَنَحْوه وَإِلَّا فَلَا يقبل قَول محيل فِيهِ بِمُجَرَّدِهِ فَلَا يبرأ بهَا. وَإِن لم تتوفر الشُّرُوط لم تصح الْحِوَالَة وَإِنَّمَا تكون وكَالَة.
стр. 393
فصل. وَالصُّلْح لُغَة التَّوْفِيق وَالسّلم بِفَتْح السِّين وَكسرهَا أَي قطع الْمُنَازعَة. وَشرعا معاقدة يتَوَصَّل بهَا إِلَى مُوَافقَة بَين مُخْتَلفين. وَهُوَ جَائِز بِالْإِجْمَاع. وَهُوَ خَمْسَة أَنْوَاع، بَين الْمُسلمين وَأهل الْحَرْب، وَبَين أهل عدل وبغي، وَبَين زَوْجَيْنِ خيف شقَاق بَينهمَا أَو خَافت إعراضه، وَبَين متخاصمين فِي غير مَال، وَالْخَامِس مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله فِي الْأَمْوَال وَهُوَ المُرَاد هَهُنَا. وَلَا يَقع فِي الْغَالِب إِلَّا عَن انحطاط رُتْبَة إِلَى مَا دونهَا على سَبِيل المداراة لحُصُول بعض الْغَرَض. وَهُوَ من أكبر الْعُقُود فَائِدَة، وَلذَلِك حسن فِيهِ الْكَذِب. وَهُوَ فِي الْأَمْوَال قِسْمَانِ: أَحدهمَا يكون على الْإِقْرَار، وَهُوَ أَي الصُّلْح على الْإِقْرَار نَوْعَانِ: أَحدهمَا الصُّلْح على جنس الْحق الْمقر بِهِ مثل أَن يقر جَائِز التَّصَرُّف لَهُ بدين مَعْلُوم أَو يقر لَهُ بِعَين بِيَدِهِ فَيَضَع الْمقر الْعين الْمقر بهَا وَيَأْخُذ الْمقر لَهُ الْبَاقِي من الدّين وَالْعين فَيصح ذَلِك مِمَّن يَصح تبرعه لِأَنَّهُ جَائِز التَّصَرُّف لَا يمْنَع من إِسْقَاط بعض حَقه أَو هِبته كَمَا لَا يمْنَع من اسْتِيفَائه، وَقد كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ
стр. 394
وَسلم غُرَمَاء جَابر ليضعوا عَنهُ، فَيصح إِن كَانَ بِغَيْر لفظ صلح لِأَنَّهُ هضم للحق وَبلا شَرط مثل أَن يَقُول لَهُ: على أَن تُعْطِينِي فَإِن فعل ذَاك لم يَصح لِأَنَّهُ لَا يَصح تَعْلِيق الْهِبَة وَالْإِبْرَاء بِشَرْط. وَلَا يَصح الصُّلْح بأنواعه مِمَّن لَا يَصح تبرعه كمكاتب وَمن مَأْذُون لَهُ فِي تِجَارَة وَولي يَتِيم وناظر وقف وَنَحْوهم إِلَّا إِن أنكر من عَلَيْهِ الْحق وَلَا بَيِّنَة لمدعيه، لِأَن اسْتِيفَاء الْبَعْض عَن الْعَجز عَن اسْتِيفَاء الْكل أولى من التّرْك، وَيصِح من ولى عَمَّا ادّعى بِهِ على موليه وَبِه بَيِّنَة فَيدْفَع الْبَعْض وَيَقَع الْإِبْرَاء أَو الْهِبَة فِي الْبَاقِي لِأَنَّهُ مصلحَة، فَإِن لم يكن بِهِ بَيِّنَة لم يُصَالح عَنهُ وَظَاهره وَلَو علمه الْوَلِيّ. وَلَا يَصح الصُّلْح عَن دين مُؤَجل بِبَعْضِه نصا إِلَّا فِي كِتَابَة إِذا عجل الْمكَاتب لسَيِّده بعض كِتَابَة عَنْهَا لِأَن الرِّبَا لَا يجرى بَينهمَا فِي ذَلِك. وَإِن وضع رب دين بعض دين حَال وَأجل بَاقِيه صَحَّ الْوَضع لَا التَّأْجِيل، وَإِن قَالَ لَهُ أقرّ لي بدين وَأُعْطِيك مِنْهُ مائَة فَأقر صَحَّ الْإِقْرَار وَلزِمَ الدّين وَلم يلْزمه أَن يُعْطِيهِ شَيْئا. وَالنَّوْع الثَّانِي من نَوْعي الصُّلْح على الْإِقْرَار أَن يُصَالح على غير جنسه الْحق، بِأَن أقرّ بِعَين أَو دين ثمَّ صَالحه عَنهُ بِغَيْر جنسه فَهُوَ مُعَاوضَة تصح بِلَفْظ الصُّلْح فَإِن كَانَ بأثمان عَن أَثمَان فَهُوَ صرف لَهُ حكمه لِأَن بيع أحد النَّقْدَيْنِ بِالْآخرِ فَيشْتَرط لَهُ الْقَبْض فِي الْمجْلس. وَإِن كَانَ بِعرْض عَن نقد وَعَكسه بِأَن صَالح بِنَقْد عَن عرض أَو بِعرْض عَن عرض فَهُوَ بيع تثبت فِيهِ أَحْكَام البيع.
стр. 395
وَالصُّلْح عَن دين يَصح بِغَيْر جنسه بِأَكْثَرَ من الدّين وَأَقل مِنْهُ بِشَرْط الْقَبْض قبل التَّفَرُّق لِئَلَّا يصير بيع دين بدين. وَيحرم بِجِنْسِهِ إِذا كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا بِأَكْثَرَ أَو أقل على سيل الْمُعَاوضَة لِأَنَّهُ رَبًّا لَا ناقل على سَبِيل الْإِبْرَاء والحطيطة فَيصح كَمَا لَو أَبرَأَهُ من الْكل. وَيصِح الصُّلْح عَمَّا تعذر علمه من دين كمن بَينهمَا مُعَاملَة أَو حِسَاب مضى عَلَيْهِ زمن طَوِيل كقفيز حِنْطَة وقفيز شعير اختلطا وطحنا بِمَال مَعْلُوم حَال أَو نَسِيئَة، فَإِن لم يتَعَذَّر علمه فكبراءة من مَجْهُول جزم بِهِ فِي التَّنْقِيح وَتَبعهُ فِي الْمُنْتَهى وَقدمه فِي الْفُرُوع، قَالَ فِي التَّلْخِيص: وَقد نزل أَصْحَابنَا الصُّلْح عَن الْمَجْهُول الْمقر بِهِ بِمَعْلُوم منزلَة الْإِبْرَاء من الْمَجْهُول فَيصح على الْمَشْهُور لقطع النزاع، وَظَاهر كَلَامه فِي الْإِنْصَاف أَن الصَّحِيح الْمَنْع لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ وَلِأَن الْأَعْيَان لَا تقبل الْإِبْرَاء وَقطع بِهِ فِي الْإِقْنَاع، قَالَ فِي الْفُرُوع وَهُوَ ظَاهر نصوصه. وَالْقسم الثَّانِي من قسمي الصُّلْح فِي الْأَمْوَال الصُّلْح على الْإِنْكَار، بِأَن يَدعِي إِنْسَان عَلَيْهِ أَي على آخر عينا فِي يَده أَو دينا فِي ذمَّته فينكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَو يسكت وَهُوَ يجهل مَا ادّعى بِهِ عَلَيْهِ ثمَّ يصالحه على نقد أَو نَسِيئَة لِأَن الْمُدَّعِي ملْجأ إِلَى التَّأْخِير بِتَأْخِير خَصمه فَيصح الصُّلْح وَيكون صلح الْإِنْكَار إِبْرَاء فِي حَقه أَي الْمُدعى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بذل الْعِوَض لدفع الْخُصُومَة عَن نَفسه لَا فِي مُقَابلَة حق تثبت عَلَيْهِ فَلَا شُفْعَة فِيهِ وَلَا يسْتَحق لعيبه شَيْئا وَيكون الصُّلْح بيعا فِي حق مُدع فَلهُ رد الْمصَالح بِهِ عَمَّا ادَّعَاهُ بِعَيْب يجده فِيهِ لِأَنَّهُ أَخذه على أَنه عوض عَمَّا ادَّعَاهُ وانفسخ الصُّلْح وَإِن وَقع على عينه وَإِلَّا طَالب بِبَدَلِهِ
стр. 396
وَمن علم كذب نَفسه من مُدع ومدعى عَلَيْهِ فَالصُّلْح بَاطِل فِي حَقه أما الْمُدَّعِي فَلِأَن الصُّلْح مَبْنِيّ على دَعْوَاهُ الْبَاطِلَة، وَأما الْمُدعى عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ مَبْنِيّ على جَحده حق الْمُدعى ليَأْكُل مَا ينقصهُ بِالْبَاطِلِ، وَمَا أَخذ فَحَرَام لِأَنَّهُ أكل مَال الْغَيْر بِالْبَاطِلِ، وَلَا يشْهد لَهُ الشَّاهِد بِهِ إِن علم ظلمه لِأَنَّهُ أَعَانَهُ على بَاطِل. وَمن ادّعى عَلَيْهِ بِمَال فَأنكرهُ ثمَّ قَالَ صالحني عَن الْملك الَّذِي تدعيه لم يكن مقرا بِهِ، وَإِن صَالح أَجْنَبِي عَن مُنكر الدَّعْوَى صَحَّ الصُّلْح أذن لَهُ الْمُنكر أَو لَا لَكِن لَا يرجع عَلَيْهِ بِدُونِ إِذْنه. وَمن صَالح عَن دَار وَنَحْوهَا فَبَان الْعِوَض مُسْتَحقّا رَجَعَ بِالدَّار مَعَ الْإِقْرَار بِالدَّعْوَى، قَالَ فِي الرِّعَايَة: أَو قيمَة الْمُسْتَحق الْمصَالح بِهِ مَعَ الْإِنْكَار. وَلَا يَصح الصُّلْح عَن خِيَار أوشفعة أَو حد قذف وَتسقط جَمِيعهَا، وَلَا أَن يُصَالح شاربا أَو سَارِقا أَو زَانيا لِيُطْلِقَهُ أَو شَاهدا ليكتم شَهَادَته.
стр. 397
٣ - (فصل)
فِي حكم الْجوَار. بِكَسْر الْجِيم وصمها مصدر جاور وَأَصله الْمُلَازمَة. وَقَالَ رَسُول الله: (مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) وَإِذا حصل فِي أرضه أَو على جِدَاره أَو فِي هوائه الْمَمْلُوك لَهُ هُوَ أَو بعضه أَو منفعَته غُصْن شَجَرَة غَيره أَو غرفته أَي غرفَة غَيره لزمَه رب الْغُصْن والغرفة إِزَالَته أَي الْغُصْن برده إِلَى نَاحيَة أُخْرَى أَو قطعه سَوَاء أثر ضَرَره أَو لَا ليخلي ملكه الْوَاجِب إخلاؤه، والهواء تَابع للقرار وَلَزِمَه إِزَالَة الغرفة أَيْضا وَضمن رب غُصْن أَو غرفَة مَا تلف بِهِ بعد طلب إِزَالَته ليصيرورته مُتَعَدِّيا بإبقائه فَإِن أَبى إِزَالَته لم يجْبر فِي الْغُصْن لِأَن حُصُوله فِي هوائه لَيْسَ من فعله، ولواه أَي الْغُصْن ربه وجوبا فَإِن أمكن ليه وَنَحْوه لم يجز لرب الأَرْض أَن الْهَوَاء إِتْلَاف كالبهيمة الصائلة إِذا اندفعت بِدُونِ الْقَتْل، فَإِن أتْلفه فِي هَذِه الْحَالة فَعَلَيهِ غرمه لتعديه وَإِن لم يُمكن
стр. 398
ليه فَلهُ أَي لرب الأَرْض أَو الْهَوَاء قِطْعَة أَي الْغُصْن بِلَا حكم حَاكم وَلَا غرم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يلْزمه إِقْرَار مَال غَيره فِي ملكه بِلَا رِضَاهُ، وَلَا يَصح صلح رب الْغُصْن وَلَا من مَال حَائِطه أَو زلق خشبه إِلَى ملك غَيره عَن ذَلِك بعوض وَيجوز فتح بَاب لاستطراق إِذا كَانَ فِي درب نَافِذ لَا فِي غير نَافِذ إِلَّا بِإِذن أَهله، وَيجوز نقل بَاب فِي غير نَافِذ إِلَى أَوله بِلَا ضَرَر كمقابلة بَاب غَيره وَنَحْوه لَا إِلَى دَاخل مِنْهُ نصا إِن لم يَأْذَن من فَوْقه. . وَإِن أذن من فَوْقه جَازَ وَيكون إِعَارَة لَازِمَة فَلَا رُجُوع للآذن بعد بِفَتْح الدَّاخِل وسد الأول، وَلَا يجوز إِخْرَاج جنَاح إِلَى نَافِذ وَهُوَ الروشن على أَطْرَاف خشب أَو حجر مدفونة فِي الْحَائِط وَلَا إِخْرَاج ساباط وَهُوَ سَقِيفَة بَين حائطين تحتهَا طَرِيق وَلَا إِخْرَاج ميزاب بنافذ إِلَّا بِإِذن إِمَام أَو نَائِبه مَعَ أَمن الضَّرَر فِيهِنَّ، وَلَا إِخْرَاج دكان بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَلَا دكة بِفَتْحِهَا قَالَه فِي الْقَامُوس بطرِيق نَافِذ سَوَاء أضرّ بالمارة أَو لَا لِأَنَّهُ إِن لم يضر حَالا فقد يضر مَآلًا، وَسَوَاء أذن فِيهِ الإِمَام أَو لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يَأْذَن فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مصلحَة لَا سِيمَا مَعَ احْتِمَال أَن يضر فَيضمن مَا يتْلف بذلك لتعد، وَفعل ذَلِك مُبْتَدأ أَي إِخْرَاج جنَاح وساباط وميزاب ودكان أَو دكة فِي ملك جَار أَو هوائه وَفِي درب مُشْتَرك أَي غير نَافِذ وَفتح بَاب فِيهِ لاستطراق حرَام خبر بِلَا إِذن مُسْتَحقّ للدرب لِأَنَّهُ ملكهم فَلم يجز التَّصَرُّف فِيهِ إِلَّا بإذنهم. وَيجوز الصُّلْح عَن ذَلِك بعوض لِأَنَّهُ حق لمَالِكه الْخَاص وَلأَهل
стр. 399
الدَّرْب فَجَاز أَخذ الْعِوَض عَنهُ كَسَائِر الْحُقُوق، وَمحله فِي الْجنَاح وَنَحْوه إِن علم مِقْدَار خُرُوجه وعلوه. وَيحرم على الْجَار أَن يحدث بِملكه مَا يضر بجاره كحمام ورحى وتنور لحَدِيث (لَا ضَرَر وَلَا ضرار) وَهَذَا إِضْرَار بجاره ولجاره مَنعه من ذَلِك بِخِلَاف طبخ وخبز فِيهِ فَلَا يمْنَع مِنْهُ لدعاء الْحَاجة إِلَيْهِ وضرره يسير لَا سِيمَا بالقرى، وَمن لَهُ حق مَاء يجْرِي على سطح جَاره لم يجز لجاره تعلية سطحه فَيمْنَع جرى المَاء أَو ليكْثر ضَرَره. وَيحرم تصرف فِي جِدَار جَار أَو مُشْتَرك بِفَتْح روزنة أَو طاق أَو ضرب وتد وَنَحْوه إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَا يحرم وضع خشب على جِدَار جَار مُشْتَرك إِلَّا ب أَن لَا يُمكن تسقيف إِلَّا بِهِ ضَرَر ف يجوز نصا وَلَو ليتيم أَو مَجْنُون وَيجْبر رب الْجِدَار أَو الشَّرِيك إِن أَبى، وَمَسْجِد فِي حكم مَا تقدم كدار نصا لِأَنَّهُ إِذا جَازَ فِي ملك الْآدَمِيّ مَعَ شحه وضيقه فَحق الله تَعَالَى أولى. وللإنسان أَن يسْتَند إِلَى حَائِط غَيره ويسند قماشه وَيجْلس فِي ظله وَنظر فِي ضوء سراجه وَإِن طلب شريك فِي حَائِط انْهَدم طلقا كَانَ أَو وَقفا أَو فِي سقف انْهَدم مشَاعا بَينهمَا أَو بَين سفل أَحدهمَا وعلو الآخر شَرِيكه فِيهِ مفعول طلب للْبِنَاء مَعَه أَي الطَّالِب أجبر جَوَاب الشَّرْط الْمَطْلُوب على الْبناء مَعَه نصا ك مَا يجْبر على نقض خوف سُقُوط الْحَائِط
стр. 400
أَو السّقف دفها للضَّرَر، فَإِن أَبى أَخذ حَاكم من مَاله وَأنْفق، فَإِن تعذر اقْترض عَلَيْهِ وَإِن بناه شريك بِإِذن شريك أَو بِإِذن حَاكم أَو بِدُونِ إذنهما بنية الرُّجُوع على شَرِيكه وبناه شركَة رَجَعَ على شَرِيكه مِمَّا أنْفق على حِصَّته، وَإِن بناه لنَفسِهِ بآلته أَي المنهدم فشركة بَينهمَا، وَإِن بناه لنَفسِهِ بِغَيْر آلَة المنهدم فالبناء لَهُ خَاصَّة وَله نقضه لَا إِن دفع لَهُ شَرِيكه نصف قِيمَته، لِأَنَّهُ يجْبر على الْبناء فجبر على الْإِيفَاء، وَكَذَا فِي الحكم نهر وَنَحْوه أَي كبئر ودولاب وناعورة وقناة مُشْتَركَة بَين اثْنَيْنِ فَأكْثر فَيجْبر الشَّرِيك على الْعِمَارَة إِن امْتنع، وَفِي النَّفَقَة مَا سبق تَفْصِيله، وَإِن عجز قوم عَن عمَارَة قناتهم أَو نَحْوهَا فأعطوها لمن يعمرها وَيكون لَهُ مِنْهَا جُزْء مَعْلُوم كَنِصْف وَربع صَحَّ، وَكَذَا إِن لم يعْجزُوا، وَمن لَهُ علو أَو طبقَة ثَالِثَة لم يُشَارك فِي بِنَاء مَا انْهَدم تَحْتَهُ من سفل أَو وسط وأجبر مَالِكه على بنائِهِ ليتَمَكَّن رب الْعُلُوّ من انتفاعه بِهِ. وَيلْزم الْأَعْلَى ستْرَة تمنع مشارفة الْأَسْفَل، فَإِن لم يكن أَحدهمَا أَعلَى من الآخر اشْتَركَا فِيهَا. وَإِن هدم الشَّرِيك الْبناء وَكَانَ لخوف سُقُوطه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لشَرِيكه لوُجُوب هَدمه إِذا، وَإِلَّا لَزِمته إِعَادَته كَمَا كَانَ لتعديه على حِصَّة شَرِيكه. وَإِن أهمل بِنَاء حَائِط بُسْتَان اتفقَا على بنائِهِ مِمَّا تلف من ثَمَرَته ضمن حِصَّة شَرِيكه.
стр. 401
فصل فِي الْحجر مَا يتَعَلَّق بِهِ. وَهُوَ بِالْفَتْح وَالْكَسْر، لُغَة التَّضْيِيق وَالْمَنْع، وَمِنْه سمى الْحَرَام حجرا قَالَ الله تَعَالَى ١٩ ((وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا)) أَي حَرَامًا محرما لِأَنَّهُ مَمْنُوع مِنْهُ، وسمى الْعقل حجرا لِأَنَّهُ يمْنَع صَاحبه من ارْتِكَاب مَا يقبح وتضر عاقبته. وَشرعا منع الْمَالِك من التَّصَرُّف فِي مَاله، سَوَاء كَانَ الْمَنْع من قبل الشَّرْع كالصغير وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه أَو الْحَاكِم كمنعه المُشْتَرِي من التَّصَرُّف فِي مَاله حَتَّى قضى الثّمن الْحَال. والمفلس لُغَة من لَا مَال وَلَا مَا يدْفع بِهِ حَاجته، وَعند الْفُقَهَاء من دينه أَكثر من مَاله. وَالْحجر نَوْعَانِ: أَحدهمَا لحق الْغَيْر كعلى مُفلس وراهن ومريض وقن ومكاتب ومرتد ومشتر بعد طلب الشَّفِيع وَنَحْو ذَلِك، الثَّانِي لَحْظَة نَفسه كعلى صَغِير وَمَجْنُون وسفيه وَيَأْتِي وَلَا يُطَالب وَلَا يحْجر بدين لم يحل. ولغريم من أَرَادَ سفرا طَويلا وَلَيْسَ بِدِينِهِ رهن يحرز أَو كَفِيل ملىء
стр. 402
مَنعه حَتَّى يوثقه بِأَحَدِهِمَا وَلَو غير مخوف أَو لَا يحل قبل مدَّته قَالَه فِي الْإِقْنَاع، وَلم يُقيد فِي الْمُنْتَهى بالطويل تبعا لأكْثر الْأَصْحَاب. وَلَا يملك تَحْلِيله إِن أحرم. وَيجب وَفَاء دين حَال بِطَلَب ربه فَوْرًا على قَادر فَلَا يترخص من سَافر قبله ويمهل بِقدر مَا يتَمَكَّن بِهِ من الْوَفَاء، ويحتاط إِن خيف هروبه بملازمته أَو كَفِيل ملىء أَو ترسيم، وَكَذَا لَو طلب مَحْبُوس تَمْكِينه من الْإِبْقَاء فَيمكن ويحتاط إِن خيف هروبه، أَو توكل إِنْسَان فِي وَفَاء حق وَطلب الْإِمْهَال لإحضار الْحق فَيمكن مِنْهُ كالموكل، وَإِن مطل الْمَدِين رب الدّين حَتَّى شكاه وَجب على حَاكم أمره بوفائه بِطَلَب غَرِيمه وَلم يحْجر عَلَيْهِ وَمَا غرم بِسَبَبِهِ فعلى مماطل. وَلَو أحضر مدعى عَلَيْهِ مدعى بِهِ فَتَقَع الدَّعْوَى على عينه وَلم يثبت لمدع لزمَه مُؤنَة إِحْضَاره ورده إِلَى مَحَله لِأَنَّهُ ألجىء إِلَى ذَلِك. فَإِن أَبى الْمَدِين الْوَفَاء حَبسه وَلَيْسَ لَهُ إِخْرَاجه حَتَّى يتَبَيَّن أمره، فَإِن كَانَ مُعسرا وَجَبت تخليته وَحرمت مُطَالبَته وَالْحجر عَلَيْهِ مَا دَامَ مُعسرا، فَإِن أصر على عدم الْوَفَاء عزره ويكرر حَبسه وتعزيره حَتَّى يَقْضِيه، وَلَا يُزَاد كل يَوْم على أَكثر من عشرَة أسواط. فَإِن أصر مَعَ ذَلِك بَاعَ مَاله وقضاه، فَإِن ادّعى الْعسرَة وَلم يصدقهُ رب الدّين وَدينه عَن عوض كَثمن وقرض، أَو عرض لَهُ مَال سَابق وَالْغَالِب بَقَاؤُهُ، أَو عَن غير عوض كخلع وصداق وَضَمان وَكَانَ أقرّ أَنه ملىء حبس إِلَّا أَن يُقيم بَيِّنَة بالعسرة، وَيعْتَبر فِي الْبَيِّنَة أَن تخبر بَاطِن حَاله وَلَا يحلف مَعهَا، وَيَكْفِي فِي الْحَالين أَن
стр. 403
تشهد بالتلف أَو الْإِعْسَار، وَتسمع بَيِّنَة التّلف ويصدقه على عسرته فَلَا يحبس فِي الْمسَائِل الثَّلَاث وَهِي مَا إِذا أَقَامَ بَيِّنَة بعسرته، أَو تلف مَاله وَنَحْوه، أَو صدقه مُدع على ذَلِك. وَإِن أنكر مُدع عسرته وَأقَام بَيِّنَة بقدرته على الْوَفَاء أَو حلف بِصفة جَوَابه حبس حَتَّى يبرأ أَو تظهر عسرته. وَإِن لم يكن دينه عَن عوض وَلم يعرف لَهُ مَال الأَصْل بَقَاؤُهُ وَلم يقر أَنه ملىء وَلم يحلف مُدع طلب يَمِينه أَنه لَا يعلم عسرته، حلف مَدين أَنه لَا مَال لَهُ وخلى سَبيله. وَلَيْسَ على مَحْبُوس قَول مَا يبذله غَرِيمه لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ منَّة وَحرم إِنْكَار مُعسر وحلفه وَلَو تَأَول نصا فَقَالَ ﵀ وَمن مَاله لَا يَفِي بِمَا أَي بِالدّينِ الَّذِي عَلَيْهِ حَال كَونه حَالا وَجب على حَاكم الْحجر عَلَيْهِ أَي على من لَهُ مَال لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ بِطَلَب بعض غُرَمَائه فَإِن لم يسْأَل أحد لم يحْجر عَلَيْهِ وَلَو سَأَلَهُ الْمُفلس، وَسن إِظْهَاره أَي الْحجر لفلس وسفه ليعلم النَّاس حَالهمَا فَلَا يعاملان إِلَّا على بَصِيرَة، وَسن الْإِشْهَاد على الْحجر لذَلِك. وَيتَعَلَّق بِالْحجرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَحْكَام: أَحدهَا تعلق حق الْغُرَمَاء بِمَالِه وَلَا ينفذ تصرفه أَي الْمُفلس فِي مَاله بعد الْحجر بِغَيْر تَدْبِير وَوَصِيَّة وَلَا إِقْرَاره أَي الْمُفلس عَلَيْهِ أَي على نَفسه بِأَن المَال الَّذِي بِيَدِهِ لغيره، فَإِن كَانَ صانعا كالقصار والحائك فِي يَده مَتَاع فَأقر بِهِ لأربابه لم يقبل قَوْله، وتباع الْعين الَّتِي فِي يَده حَيْثُ لَا بَيِّنَة وتقسم بَين الْغُرَمَاء
стр. 404
وَتَكون قيمتهَا وَاجِبَة على الْمُفلس إِذا قدر عَلَيْهَا، بل يقبل قَوْله بِأَن مَا بِيَدِهِ من الْمَتَاع أَو المَال لغيره فِي ذمَّته فَيُطَالب بِهِ بعد فك حجر عَنهُ، وَيكفر هُوَ وسفيه بِصَوْم. وَإِن تصرف فِي ذمَّته بشرَاء أَو بِإِقْرَار أَو ضَمَان صَحَّ فَيُطَالب بِهِ بعد فك حجر عَنهُ. وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمن سلمه أَي الْمُفلس عين مَال بيعا أَو قرضا أَو رَأس مَال سلم وَنَحْو ذَلِك حَال كَونه جَاهِل الْحجر عَلَيْهِ أَخذهَا بهَا لِأَنَّهُ أَحَق بهَا من غَيره إِن كَانَت الْعين بِحَالِهَا بِأَن لم تُوطأ بكر وَلم يخرج قن، فَإِن وطِئت أَو جرح جرحا تنقص بِهِ قِيمَته فَلَا رُجُوع، وَأَن يكون عوضهَا كلهَا بَاقٍ فِي ذمَّته فَإِن أدّى بعضه فَلَا رُجُوع، وَأَن تكون كلهَا فِي ملكه فَلَا رُجُوع إِن تلف بَعْضهَا بِبيع أَو وقف أَو نَحْو ذَلِك، وَلم تختلط بِغَيْر متميز وَلم يتَعَلَّق بهَا حق للْغَيْر كرهن وَنَحْوه، وَلم تَتَغَيَّر صفتهَا بِمَا يزِيل اسْمهَا كنسج غزل وخبز دَقِيق، وَلم تزد زِيَادَة مُتَّصِلَة كسمن وَكبر وَتعلم صَنْعَة، وَكَون مُفلس حَيا إِلَى أَخذهَا. فَمَتَى جد شَيْء من ذَلِك امْتنع الرُّجُوع. وَيصِح رُجُوعه بقول وَلَو متراخيا بِلَا حَاكم وَهُوَ فسخ لَا يحْتَاج إِلَى معرفَة مرجوع فِيهِ وَلَا قدرَة على تَسْلِيمه. وَالثَّالِث مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَيبِيع حَاكم مَاله الَّذِي لَيْسَ من جنس الدّين لُزُوما ويقسمه هُوَ وَالْمَال الَّذِي من جنسه على غُرَمَائه أَي الْمُفلس فَوْرًا وَسن إِحْضَاره وإحضار غُرَمَاء عِنْد بيع ليضبط الثّمن، وَلِأَنَّهُ أطيب لقُلُوبِهِمْ وَأبْعد من التُّهْمَة، وَإِن بَاعه حَاكم من غير حضورهم كلهم جَازَ،
стр. 405
وَسن بيع كل شَيْء فِي سوقه. وَيجب ترك مَا يَحْتَاجهُ من مسكن وخادم صالحين لمثله إِن لم يَكُونُوا عين مَال الْغُرَمَاء، فَإِن كَانَا لم يتْرك شَيْء وَلَو كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ وَيَشْتَرِي أَو يتْرك لَهُ بدلهما ويبدل أَعلَى بِصَالح لمثله. وَيجب أَيْضا ترك آلَة حِرْفَة لمحترف، فَإِن لم يكن صَاحب حِرْفَة ترك لَهُ مَا يتجر بِهِ لمؤنته وَينْفق عَلَيْهِ وعَلى من تلْزمهُ نَفَقَتهم من مَاله بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ أدنى مَا ينْفق على مثله، وعَلى مَسْكَنه مثله من مأكل ومشرب وَكِسْوَة. ويجهز هُوَ وَمن تلْزمهُ مُؤْنَته غير زَوجته من مَاله مقدما على غَيره وَلَو على دين برهن، وَتقدم فِي الْجَنَائِز. ويكفن فِي ثَلَاث أَثوَاب، وَقدم فِي الرِّعَايَة: فِي ثوب وَاحِد. وَأُجْرَة مُنَاد وَنَحْوه لم يتَبَرَّع من المَال. وَلَا يلْزم الْغُرَمَاء بِبَيَان أَن لَا غَرِيم سواهُم. وَمن لم يقدر على وَفَاء شَيْء من دينه أَو هُوَ أَو دينه مُؤَجل تحرم مُطَالبَته وحبسه وَتقدم بعضه فِي الْفَصْل، وَكَذَا تحرم ملازمته. وَالرَّابِع انْقِطَاع الطّلب عَنهُ فَمن أقْرضهُ أَو بَاعه شَيْئا لم يملك الطّلب حَتَّى يَنْفَكّ حجره. وَلَا يحل دين مُؤَجل بفلس وَلَا بجنون وَلَا بِمَوْت إِن وثق الْوَرَثَة أَو أَجْنَبِي رب الدّين برهن مُحرز أَو كَفِيل ملىء فَإِن تعذر توثق أَو لم يكن وَارِث حل وَلَو ضمنه الإِمَام.
стр. 406
وَإِن ظهر غَرِيم آخر بعد الْقِسْمَة أَي قسْمَة المَال وَدينه حَال رَجَعَ على الْغُرَمَاء بِقسْطِهِ أَي على كل وَاحِد بِقدر حِصَّته وَلم تنقض الْقِسْمَة، وَإِن ظهر وَدينه مُؤَجل لم يحل نصا، وَلم يُوقف لَهُ شَيْء وَلم يرجع على الْغُرَمَاء بِشَيْء إِذا حل دينه.
стр. 407
فصل. ويحجر على الصَّغِير وعَلى الْمَجْنُون وعَلى السَّفِيه لحظهم، فَلَا يَصح تصرفهم فِي أَمْوَالهم وَلَا فِي ذممهم قبل الْإِذْن وَمن دفع إِلَيْهِم أَو إِلَى أحدهم مَاله بِعقد كإجارة وَبيع أَو لَا بِعقد كوديعة وعارية رَجَعَ الدَّافِع فِيمَا بَقِي من مَاله لبَقَاء ملكه عَلَيْهِ وَلَا يرجع فِي مَا تلف مِنْهُ بِنَفسِهِ كموت حَيَوَان أَو قن أَو بِفعل مَحْجُور عَلَيْهِ كقتله وَهُوَ على ملك صَاحبه غير مَضْمُون لِأَنَّهُ سلطه عَلَيْهِ بِرِضَاهُ وَسَوَاء علم الدَّافِع بِحجر عَلَيْهِ أَو لَا لتَفْرِيطه ويضمنون أَي الْمَحْجُور عَلَيْهِم لحظ أنفسهم جِنَايَة على نفس أَو طرف ويضمنون إِتْلَاف مَا لم يدْفع إِلَيْهِم من المَال لِاسْتِوَاء الْمُكَلف وَغَيره فِيهِ. وَمن أَخذ من أحدهم مَالا ضمنه حَتَّى يَأْخُذهُ وليه لَا إِن أَخذه ليحفظه وَتلف وَلم يفرط، وَمن بلغ من ذكر أَو أُنْثَى أَو خُنْثَى حَال كَونه رشيدا انْفَكَّ الْحجر عَنهُ، أَو بلغ مَجْنُونا ثمَّ عقل ورشد انْفَكَّ الْحجر عَنهُ بِلَا حكم بفكه، وَسَوَاء رشده الْوَلِيّ أَو لَا وَأعْطى مَاله لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((فَإِن ءانستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم)) . وَلَا يعْطى مَاله قبل ذَلِك بِحَال وَلَو صَار شَيخا لِلْآيَةِ.
стр. 408
وَيحصل بُلُوغ ذكر بإمناء باحتلام أَو جماع أَو غَيرهمَا كإمناء بِيَدِهِ أَو ب تَمام خمس عشرَة سنة أَو ب نَبَات شعر خشن أَي الَّذِي يسْتَحق أَخذه بالموس لَا زغب ضَعِيف حول قبله، وبلوغ أُنْثَى بذلك أَي بِالَّذِي يحصل بِهِ بُلُوغ الذّكر وتزيد عَلَيْهِ بحيض، وَحملهَا دَلِيل إمنائها لإجراء الْعَادة بِخلق الْوَلَد من مائهما، قَالَ الله تَعَالَى ١٩ ((فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق، خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب)) . فَيحكم ببلوغها مُنْذُ حملت وَيقدر ذَلِك بِمَا قبل وَضعهَا بِسِتَّة أشهر لِأَنَّهُ الْيَقِين. وبلوغ خُنْثَى بسن أَو نَبَات شعر حول قبليه، فَإِن وجد حول أَحدهمَا فَلَا قَالَه القَاضِي وَابْن عقيل، وإمناء من أحد فرجيه أَو حيض من قبل أَو هما أَي الْمَنِيّ وَالْحيض من مخرج وَاحِد، لِأَنَّهُ إِن كَانَ ذكرا فقد أمنى وَإِن كَانَت أُنْثَى فقد أمنت وحاضت، وَلَا اعْتِبَار بغلظ الصَّوْت وَفرق الْأنف ونهود الثدي وَشعر الْإِبِط. وَلَا يدْفع إِلَيْهِ أَي إِلَى من بلغ رشيدا ظَاهرا مَاله
حَتَّى يختبر وَلَا يختبر إِلَّا من يعرف الْمصلحَة من الْمفْسدَة وتصرفه حَال الإختبار صَحِيح بِمَا يَلِيق بِهِ وَحَتَّى يؤنس أَي يعلم رشده، وَمحله أَي الإختبار قبل بُلُوغ، والرشد هُنَا أَي فِي الْحجر إصْلَاح المَال وصونه عَمَّا لَا فَائِدَة فِيهِ، وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف النَّاس فولد تَاجر يؤنس رشده بِأَن يَبِيع وَيَشْتَرِي ويتكرر ذَلِك مِنْهُ فَلَا يغبن غَالِبا غبنا فَاحِشا، وَولد رَئِيس
стр. 409
وَصدر كَبِير وَكَاتب الَّذين يصان أمثالهم عَن الْأَسْوَاق بِأَن يدْفع إِلَيْهِ نَفَقَة لينفقها فِي مَصَالِحه، فَإِن صرفهَا فِي مصارفها ومواقعها وَاسْتوْفى على وَكيله فِيمَا وكل فِيهِ وستقصى عَلَيْهِ دلّ ذَلِك على رشده، وَيعْتَبر مَعَ مَا تقدم من إيناس رشده أَن لَا يبْذل مَاله فِي حرَام كقمار وغناء وَشِرَاء الْمُحرمَات وَنَحْوه و، لَا فِي غير فَائِدَة كحرق نفط يَشْتَرِيهِ للتفرج عَلَيْهِ، بِخِلَاف صرفه فِي بَاب بر كصدقة أَو فِي مطعم ومشرب وملبس ومنكح يَلِيق بِهِ فَلَيْسَ بتبذير إِذْ لَا إِسْرَاف فِي الْخَيْر، وَالْأُنْثَى يُفَوض إِلَيْهَا مَا يُفَوض إِلَى ربة الْبَيْت من الْغَزل والاستغزال بِأُجْرَة الْمثل وتوكيلها فِي شِرَاء الْكَتَّان وَنَحْوه وَحفظ الْأَطْعِمَة من الهر والفأر وَغير ذَلِك، فَإِن وجدت ضابطة لما فِي يَدهَا مستوفية من وكيلها فَهِيَ رَشِيدَة. وَمن نوزع فِي رشده فَشهد بِهِ عَدْلَانِ ثَبت رشده، ووليهم أَي ولي صَغِير وَبَالغ مَجْنُون وَمن بلغ سَفِيها وَاسْتمرّ حَال الْحجر الْأَب الْبَالِغ لكَمَال شفقته فَإِن ألحق الْوَلَد بِابْن عشر فَأكْثر وَلم يثبت بُلُوغه فَلَا ولَايَة لَهُ، وَيشْتَرط أَن يكون رشيدا عَاقِلا حرا عدلا ظَاهرا وَلَو كَافِرًا على وَلَده الْكَافِر بِأَن يكون عدلا فِي دينه. ثمَّ بعد الْأَب ووصيه أَي وصّى الْأَب وَلَو بِجعْل وَثمّ مُتَبَرّع. ثمَّ بعد الْأَب وَصِيَّة الْحَاكِم لانْقِطَاع الْولَايَة من جِهَة الْأَب فَتكون للْحَاكِم كولاية النِّكَاح لِأَنَّهُ ولى من لَا ولى لَهُ، فَإِن عدم الْحَاكِم فأمين يقوم مقَامه. وَلَا يتَصَرَّف الْوَلِيّ وجوبا لَهُم أَي الْمَحْجُور عَلَيْهِم إِلَّا بالأحظ لَهُم لقَوْله تَعَالَى: ١٩ ((وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن)) ، وَالسَّفِيه وَالْمَجْنُون فِي مَعْنَاهُ، فَإِن تبرع ولى الصَّغِير
стр. 410
وَالْمَجْنُون بِصَدقَة أَو هبة أَو حابى أَو زَاد على النَّفَقَة عَلَيْهِمَا أَو على من تلزمهما مُؤْنَته بِالْمَعْرُوفِ ضمن، وتدفع النَّفَقَة إِن أفسدها يَوْمًا بِيَوْم فَإِن أفسدها أطْعمهُ مُعَاينَة وَإِلَّا كَانَ مفرطا. وَإِن أفسد كسوته ستر عَوْرَته فَقَط فِي بَيت إِن لم يكن تحيل على إبقائها عَلَيْهِ وَلَو بتهديد. وَلَا يَصح أَن يَبِيع الْوَلِيّ أَن يَشْتَرِي أَو يرتهن من مَالهمَا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ مَظَنَّة التُّهْمَة، إِلَّا إِذا كَانَ أَبَا فَلهُ ذَلِك، ويلي طرفِي العقد، والتهمة منتفية بَين الْوَالِد وَولده إِذْ من طبيعة الشَّفَقَة عَلَيْهِ. وَيسْتَحب إكرام الْيَتِيم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِ وَدفع النَّقْص والإهانة عَنهُ، فجبر قلبه من أعظم مَصَالِحه، وَإِن أقرّ السَّفِيه بِحَدّ أَو نسب أَو طَلَاق أَو قصاص صَحَّ وَأخذ بِهِ فِي الْحَال، وبمال أَخذ بِهِ بعد فك الْحجر عَنهُ، وَتقدم بعضه، وَحكم تصرف ولي سَفِيه كولي صَغِير وَمَجْنُون، وللولي غير الْحَاكِم وأمينه أَن يَأْكُل من مَال موليه مَعَ الْحَاجة الْأَقَل من أُجْرَة مثله وكفايته، وَلَا يلْزمه عوضه بيساره، وَمَعَ عدم الْحَاجة يَأْكُل مَا فَرْضه لَهُ الْحَاكِم. ولناظر وقف وَلَو لم يَصح أكل بِمَعْرُوف. ولقن غير مَأْذُون لَهُ فِي تِجَارَة أَن يتَصَرَّف من قوته بِمَا لَا يضر كرغيف وبيضة وفلس لجَرَيَان الْعَادة بالمسامحة فِيهِ. ولزوجة وكل متصرف فِي بَيت كأجير وَغُلَام متصرف فِي بَيت سَيّده الصَّدَقَة مِنْهُ بِلَا إِذن صَاحبه بِنَحْوِ ذَلِك إِلَّا أَن يمْنَع رب الْبَيْت مِنْهُ أَو يكون بَخِيلًا فَيحرم فيهمَا الْإِعْطَاء من مَاله بِلَا إِذْنه لِأَن الأَصْل عدم رِضَاهُ إِذا. وَإِن كَانَت الْمَرْأَة مَمْنُوعَة من التَّصَرُّف فِي بَيت زَوجهَا كَالَّتِي يطْعمهَا بِالْفَرْضِ، وَلَا يُمكنهَا من طَعَامه فَهُوَ كَمَا لَو منعهَا بالْقَوْل.
стр. 411
وَمن اشْترى من قن شَيْئا فَوَجَدَهُ معيبا فَقَالَ الْقِنّ: أَنا غير مَأْذُون لي فِي التِّجَارَة لم يقبل قَوْله نصا، وَلَو صدقه سَيّده لِأَنَّهُ يَدعِي فَسَاد العقد والخصم يَدعِي صِحَّته. وَيقبل قَوْله أَي الْمولى بعد فك حجر عَن مَحْجُور عَلَيْهِ لعقله ورشده فِي مَنْفَعَة وضرورة فِي تلف وَفِي غِبْطَة وَهُوَ شِرَاؤُهُ لموليه شَيْئا بِزِيَادَة كَثِيرَة على ثمن مثله، وَفِي قدر نَفَقَته وَلَو على عقار مَحْجُور عَلَيْهِ أَو كسوته أَو كسْوَة زَوجته أَو رَقِيقه وَنَحْوه. وَفِيمَا إِذا ادّعى عَلَيْهِ موليه تَعَديا فِي مَاله أَو مُوجب ضَمَان كتفريط أَو تبرع وَنَحْوهمَا فَالْقَوْل قَول ولي، لِأَنَّهُ أَمِين مَا لم يُخَالِفهُ عَادَة وَعرف فَيرد للقرينة، وَيحلف ولي غير حَاكم. وَلَا يقبل قَول ولي يَجْعَل فِي دفع مَال بعد رشد أَو عقل لِأَنَّهُ قبض المَال لمصلحته أشبه الْمُسْتَعِير إِلَّا من مُتَبَرّع فَيقبل قَوْله فِي دفع المَال إِذا، لِأَنَّهُ قبض المَال لمصْلحَة الْمَحْجُور عَلَيْهِ فَقَط أشبه الْوَدِيع. وَلَا يقبل قَول ولي فِي قدر زمن الْإِنْفَاق بِأَن قَالَ: من انْفَكَّ حجره أنفقت على سنة، فَقَالَ الْوَلِيّ: بل سنتَيْن، إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَن الأَصْل عدم مَا يَدعِيهِ. وَيتَعَلَّق جَمِيع دين قن مَأْذُون لَهُ إِن اسْتَدَانَ فِيمَا أذن فِيهِ أَو غَيره نصا بِذِمَّة سَيّده لِأَنَّهُ غر النَّاس بِإِذْنِهِ لَهُ. وَكَذَا مَا اقترضه بِإِذْنِهِ يتَعَلَّق بِذِمَّة سَيّده بَالغا مَا بلغ لِأَنَّهُ متصرف لسَيِّده وَلِهَذَا لَهُ الْحجر عَلَيْهِ وإمضاء بيع خِيَار وفسخه وَيثبت الْملك لَهُ، وَسَوَاء كَانَ بيد الْمَأْذُون لَهُ أَو لَا. وَيتَعَلَّق دين غَيره أَي غيرالمأذون لَهُ فِي تِجَارَة بِأَن اشْترى فِي
стр. 412
ذمَّته أَو اقْترض بِغَيْر إِذن سَيّده وَتلف مَا اشْتَرَاهُ أَو اقترضه بِيَدِهِ أَو يَد سَيّده بِرَقَبَتِهِ، فيفديه سَيّده بِالْأَقَلِّ من الدّين أَو قِيمَته أَو يَبِيعهُ وَيُعْطِيه، أَو يُسلمهُ لرب الدّين لفساد تصرفه فَأشبه أرش الْجِنَايَة. وَمحل تعلقه بِرَقَبَتِهِ إِن تلف باستدانته وَإِلَّا أَخذه مَالِكه حَيْثُ أمكن. وَأرش جِنَايَة قن وقيم متلفاته يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ أَي الْقِنّ سَوَاء كَانَ مَأْذُونا لَهُ أَو لَا.
стр. 413
٣ - (فصل)
. وَتَصِح الْوكَالَة وَهِي بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا - اسْم مصدر بِمَعْنى التَّوْكِيل ولغة التَّفْوِيض تَقول: وكلت أَمْرِي إِلَى الله تَعَالَى. أَي فوضته واكتفيت بِهِ، وَتطلق أَيْضا بِمَعْنى الْحِفْظ وَمِنْه: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، أَي الحفيظ. وَشرعا استنابة جَائِز التَّصَرُّف مثله فِيمَا تدخله النِّيَابَة. وَتَصِح مُؤَقَّتَة، كَأَنْت وَكيلِي شهرا، ومعلقة كوصية وَإِذا دخل رَمَضَان وَنَحْوه، وَتَصِح بِكُل قَول يدل على إِذن نصا كبع عَبدِي فلَانا أَو أعْتقهُ وَنَحْوه، أَو فوضت إِلَيْك أمره، أَو جعلتك نَائِبا عني فِي كَذَا، أَو أقمتك مقَامي لِأَنَّهُ لفظ دلّ على الْإِذْن فصح كلفظها، وَيصِح قبُولهَا أَي الْوكَالَة بِكُل قَول أَو فعل من الْوَكِيل يدل عَلَيْهِ أَي الْقبُول. وَيصِح فَوْرًا أَو متراخيا، وكل عقد جَائِز كشركة ومساقاة وَنَحْوهمَا فَهُوَ كَالْوكَالَةِ فِيمَا تقدم، وَشرط تعْيين الْوَكِيل لَا علمه بِالْوكَالَةِ، فَلَو بَاعَ عبد زيد على أَنه فُضُولِيّ وَبَان أَن زيدا كَانَ وَكله فِيهِ قبل البيع، صَحَّ اعْتِبَارا بِمَا فِي نفس الْأَمر لَا بِمَا فِي ظن الْمُكَلف. وللوكيل التَّصَرُّف بِخَبَر من ظن صدقه بتوكيل زيد لَهُ مثلا، وَيضمن مَا ترَتّب على تصرفه إِن أنكر زيد الْوكَالَة، وَإِن أَبى الْوَكِيل قبُولهَا فكعزله نَفسه،
стр. 414
وَشرط كَونهمَا أَي الْمُوكل وَالْوَكِيل جائزي التَّصَرُّف، فَلَا يَصح تَوْكِيل السَّفِيه فِي عتق عَبده سوى تَوْكِيل أعمى وَنَحْوه عَالما فِيمَا يحْتَاج لرؤية كجوهر وعقار فَيصح، وَإِن لم يَصح مِنْهُ ذَلِك بِنَفسِهِ لِأَن منعهما التَّصَرُّف فِي ذَلِك لعجزهما عَن الْعلم بِالْمَبِيعِ لَا لِمَعْنى فيهمَا يَقْتَضِي منع التَّوْكِيل. وَمثله توكل فَلَا يَصح أَن يُوجب نِكَاحا عَن غَيره من لَا يَصح مِنْهُ إِيجَابه لموليته لنَحْو فسق، وَلَا أَن يقبله من لَا يَصح مِنْهُ لنَفسِهِ ككافر يتوكل فِي قبُول نِكَاح مسلمة لمُسلم، سوى قبُول نِكَاح أُخْته وَنَحْوهَا لأَجْنَبِيّ، وَسوى قبُول حر وَاجِد الطول نِكَاح أمة لمن تُبَاح لَهُ الْأمة من قن أَو حر عادم الطول خَائِف الْعَنَت، وَسوى توكل غَنِي فِي قبض زَكَاة لفقير، وَسوى طَلَاق امْرَأَة نَفسهَا أَو غَيرهَا بوكالة. وَتَصِح وكَالَة الْمُمَيز بِإِذن وليه فِي كل تصرف لَا يعْتَبر لَهُ الْبلُوغ كتصرفه بِإِذْنِهِ، وَمن لَهُ تصرف فِي شَيْء فَلهُ توكل فِيهِ وَله تَوْكِيل فِيهِ أَي فِيمَا لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ، وَتَصِح الْوكَالَة فِي كل حق آدَمِيّ من عقد وَغَيره كَطَلَاق ورجعة وَبيع وَشِرَاء وحوالة وَرهن وَضَمان وَشركَة وَكِتَابَة ووديعة ومضاربة وجعالة ومساقاة وَإِجَارَة وقرض وَصلح وَهبة وَصدقَة وَوَصِيَّة وتدبير وإيقاف وَقِسْمَة وَنَحْو ذَلِك، وَلَا تصح فِي ظِهَار وَلَا فِي لعان وَلَا فِي أَيْمَان وَنذر وإيلاء وقسامة وَقسم بَين الزَّوْجَات وَشَهَادَة والتقاط واغتنام وَدفع جِزْيَة ومعصية ورضاع وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا تدخله النِّيَابَة، وَتَصِح فِي بيع مَاله كُله أَو مَا شَاءَ مِنْهُ،
стр. 415
وبالمطالبة بحقوقه كلهَا أَو مَا شَاءَ مِنْهَا، وبالإبراء مِنْهَا كلهَا أَو مَا شَاءَ مِنْهَا. قَالَ فِي الْإِقْنَاع: وَظَاهر كَلَامهم فِي بِعْ، من مَالِي مَا شِئْت، لَهُ بيع كل مَاله. وَلَا يَصح: وَكلتك فِي كل قَلِيل وَكثير وَتسَمى المفوضة ذكر الْأَزجيّ اتِّفَاق الْأَصْحَاب، لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ كل شَيْء من هبة مَاله وَطَلَاق نِسَائِهِ وَعتق رَقِيقه فيعظم الْغرَر وَالضَّرَر، وَلِأَن التَّوْكِيل شَرطه أَن يكون فِي تصرف مَعْلُوم. وَلَا يَصح قَوْله: اشْتَرِ مَا شِئْت أَو اشْتَرِ عبدا بِمَا شِئْت حَتَّى يبين لَهُ نوعا يَشْتَرِيهِ وَقدر ثمن. وَتَصِح الْوكَالَة فِي كل حق الله تدخله النِّيَابَة من إِثْبَات حق واستيفائه وَعبادَة كتفرقة صَدَقَة وَنذر وَكَفَّارَة وَزَكَاة وَحج وَعمرَة، وَتدْخل رَكعَتَا الطّواف تبعا لَهما. وَيصِح: أخرج زَكَاة مَالِي من مَالك. وللوكيل اسْتِيفَاء حد بِحَضْرَة مُوكله وغيبته وَلَو فِي قصاص وحد قذف، وَالْأولَى بِحُضُورِهِ فيهمَا. وَلَيْسَ لَهُ أَن يُوكل فِيمَا يتَوَلَّى مثله إِلَّا بِإِذن مُوكله، وَله أَن يُوكل فِيمَا يعجز عَنهُ مثله لكثرته وَلَو فِي جَمِيعه وَفِيمَا لَا يتَوَلَّى مثله لنَفسِهِ كالأعمال الدنية فِي حق أَشْرَاف النَّاس المترفعين عَنْهَا عَادَة، لِأَن الْإِذْن إِنَّمَا ينْصَرف لما جرت بِهِ الْعَادة، وَإِن أذن لَهُ مُوكل فِي التَّوْكِيل تعين أَن يكون الثَّانِي أَمينا فَلَا يجوز لَهُ أَن يُوكل غير أَمِين إِلَّا مَعَ تعْيين الْمُوكل الأول بِأَن قَالَ لَهُ: وكل زيدا مثلا، فَلهُ تَوْكِيله وَإِن لم يكن أَمينا. وَإِن وكل أَمينا فخان فَعَلَيهِ عَزله لِأَن إبقاءه تَفْرِيط تَضْييع:
стр. 416
وَلَيْسَ لَهُ أَن يعْقد مَعَ فَقير أَو قَاطع طَرِيق أَو يَبِيع نسَاء أَو بِمَنْفَعَة أَو عرض أَو بِغَيْر نقد الْبَلَد غالبه إِن جمع نقودا. أَو بِغَيْر الْأَصْلَح مِنْهَا إِن تَسَاوَت رواجا إِلَّا بِإِذن مُوكله فِي الْكل. وَهِي أَي الْوكَالَة وَشركَة ومضاربة ومساقاة ومزارعة ووديعة وجعالة ومسابقة وعارية عُقُود جَائِزَة من الطَّرفَيْنِ، لِأَن غايتها إِذن وبذل نفع وَكِلَاهُمَا جَائِز، وَلكُل من الْمُتَعَاقدين فَسخهَا أَي هَذِه الْعُقُود كفسخ الْإِذْن فِي أكل طَعَامه، وَتبطل كلهَا بِمَوْت أَحدهمَا وجنونه وَالْحجر عَلَيْهِ لسفه حَيْثُ اعْتبر رشده كالتصرف المالي. فَإِن وكل فِي طَلَاق ورجعة وَنَحْوهمَا لم تبطل بِسَفَه. وَتبطل بسكر يفسق بِهِ فِيمَا يُنَافِيهِ كإيجاب نِكَاح. وبفلس مُوكل فِيمَا حجر عَلَيْهِ فِيهِ. وبردته لَا بردة وَكيله إِلَّا فِيمَا ينافيها. وبتدبيره أوكتابته قِنَا وكل فِي عتقه لَا بسكناه وَلَا بِبيعِهِ بيعا فَاسِدا مَا وكل فِي بَيْعه. وينعزل بِمَوْت مُوكله وبعزله وَلَو لم يبلغهُ ذَلِك. وَلَا يقبل قَول مُوكل إِنَّه عزل وَكيله قبل تصرفه فِي غير طَلَاق بِلَا بَيِّنَة. وَيقبل قَوْله إِنَّه أخرج زَكَاته قبل دفع وَكيله للساعي، ويأخذها الْوَكِيل من السَّاعِي إِن بقيت فِي يَده لفساد الْقَبْض فَإِن فرقها على مستحقيها، أَو تلفت بِيَدِهِ فَلَا رُجُوع عَلَيْهِ. وَحُقُوق عقد مُتَعَلقَة بموكل لِأَن الْملك ينْتَقل إِلَيْهِ ابْتِدَاء وَلَا يدْخل فِي ملك الْوَكِيل فَلَا يعْتق قريب وَكيل عَلَيْهِ وَلَا يَصح بِلَا إِذن مُوكل بيع وَكيل لنَفسِهِ بِأَن يَشْتَرِي مَا وكل فِي بَيْعه من نَفسه لنَفسِهِ وَلَا يَصح شِرَاؤُهُ أَي الْوَكِيل مِنْهَا أَي من نَفسه لمُوكلِه بِأَن وكل فِي شِرَاء شَيْء فَاشْتَرَاهُ من نَفسه لمُوكلِه لِأَنَّهُ خلاف الْعرق فِي ذَلِك، وكما لَو صرح لَهُ فَقَالَ بِعْهُ أَو اشتره من غَيْرك للحوق
стр. 417
التُّهْمَة لَهُ فِي ذَلِك فَإِن أذن لَهُ صَحَّ إِذا تولى طرفِي العقد فيهمَا، كأب الصَّغِير إِذا بَاعَ من مَاله لوَلَده أَو اشْترى من مَاله لوَلَده. وَمثله نِكَاح كَأَن يُوكل الْوَلِيّ الزَّوْج أَو عَكسه أَو يوكلا وَاحِدًا أَو يُزَوّج عَبده الصَّغِير بأمته وَنَحْوه فيتولى طرفِي العقد. وَولده أَي الْوَكِيل ووالده ومكاتبه وَنَحْوهم مِمَّن ترد شَهَادَته لَهُ كنفسه فَلَا يجوز البيع لأَحَدهم وَلَا الشِّرَاء مِنْهُ مَعَ الْإِطْلَاق، لِأَنَّهُ يتهم فِي حَقهم ويميل إِلَى ترك الِاسْتِقْصَاء عَلَيْهِم فِي الثّمن كتهمته فِي حق نَفسه، بِخِلَاف نَحْو أَخِيه وَعَمه، وكالوكيل حَاكم وأمينه ووصي وناظر وقف ومضارب، قَالَ المنقح: وَشريك عنان ووجوه فَلَا يَبِيع أحد مِنْهُم من نَفسه وَلَا وَلَده ووالده لما تقدم، فَيعلم مِنْهُ أَنه لَيْسَ لناظر الْوَقْف غير الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَن يُؤجر عين الْوَقْف لوَلَده وَلَا وزجته، وَلَا تؤجر ناظرة زَوجهَا وَنَحْوه للتُّهمَةِ وَإِن بَاعَ الْوَكِيل أَو الْمضَارب بِدُونِ ثمن مثل أَو بِدُونِ ثمن مُقَدّر أَو اشْترى الْوَكِيل أَو الْمضَارب ب ثمن أَكثر مِنْهُ أَي من ثمن الْمثل أَو الْمُقدر نصا صَحَّ البيع وَالشِّرَاء لِأَن من صَحَّ بَيْعه وشراؤه بِثمن صَحَّ بأنقص مِنْهُ وأزيد كَالْمَرِيضِ وَضمن وَكيل ومضارب فِي شِرَاء زِيَادَة أَي مثل الزِّيَادَة عَن ثمن مثل أَو مُقَدّر أَو أَي وَضمن نقصا أَي كل النَّقْص عَن مُقَدّر وَضمن كل مَالا يتَغَابَن بِمثلِهِ عَادَة فِيمَا لم يقدر، بِأَن يُعْطي لوَكِيله ثوبا ثمن مثله مائَة دِرْهَم، يَبِيعهُ لَهُ وَلم يقدر لَهُ الثّمن فيبيعه بِثَمَانِينَ وَالْحَال أَن مثل الثَّوْب وَقد يَبِيعهُ غَيره بِخَمْسَة وَثَمَانِينَ درهما، فَهَذِهِ الْخَمْسَة الَّتِي نقصت عَن ثمن مثله مِمَّا يتَغَابَن النَّاس بِمثلِهِ فِي الْعَادة فَلَو أَو الْوَكِيل بَاعَ بِمثل هَذَا النَّقْص لم يضمن لِأَن التَّحَرُّز عَن مثل هَذَا
стр. 418
عسر، لكنه لَو بَاعَ بِنَقص لَا يتَغَابَن بِمثلِهِ فِي التِّجَارَة وَهُوَ عشرُون من مائَة فَيضمن جَمِيع هَذَا النَّقْص. وبعه لزيد، فَبَاعَهُ لغيره لم يَصح. وَمن أَمر بِدفع شَيْء إِلَى نَحْو قصار معِين ليصنعه فَدفع ونسيه فَضَاعَ لم يضمن. وَإِن أطلقهُ الْمَالِك فَدفعهُ الْوَكِيل إِلَى من لَا يعرفهُ ضمن، وبعه بدرهم فَبَاعَهُ بِهِ وبعرض أَو بِدِينَار صَحَّ، وَكَذَا بِأَلف نسَاء فَبَاعَ بِهِ حَالا وَلَو مَعَ ضَرَر يلْحق الْمُوكل بحفظه الثّمن لِأَنَّهُ زَاده خيرا مَا لم يَنْهَهُ فَإِن نَهَاهُ لم يَصح للمخالفة. وَبعد فَبَاعَ بعضه بِدُونِ ثمنه كُله لم يَصح، أَو يكن عبيدا أَو صبرَة وَنَحْوهَا فَيصح بَيْعه مفرقا مَا لم يقل: صَفْقَة. وَكَذَا شَاءَ فَلَو قَالَ اشْتَرِ لي عشرَة عبيد أَو عشرَة أَرْطَال غزل أَو عشرَة أَمْدَاد بر صَحَّ شراؤها صَفْقَة وشيئا بعد شَيْء مَا لم يقل صَفْقَة. وبعه بِأَلف فِي سوق كَذَا فَبَاعَهُ فِي سوق آخر صَحَّ مَا لم يَنْهَهُ أَو يكن لَهُ فِيهِ غَرَض صَحِيح. وَإِن قَالَ اشتره بِكَذَا فَاشْتَرَاهُ مُؤَجّلا، أَو اشْتَرِ شَاة بِدِينَار فَاشْترى شَاتين تساويه إِحْدَاهمَا أَو شَاة تساويه بِأَقَلّ صَحَّ ووكيل شخص وَكله فِي مَبِيع ليَبِيعهُ لَهُ يُسلمهُ أَي يملك تَسْلِيمه لمشتريه لِأَنَّهُ من تَمام البيع وَلَا يقبض الْوَكِيل ثمنه أَي لَا يملك قبض ثمنه فَإِن تعذر قَبضه لم يلْزمه شَيْء كَمَا لَو ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا أَو مَبِيعًا، قَالَ المنقح: مَا لم يفض إِلَى رَبًّا، فَإِن أفْضى إِلَى رَبًّا كأمره بِبيع قفيز بر بِمثلِهِ أَو شعير فَبَاعَهُ وَلم يحضر مُوكله ملك قَبضه للْإِذْن فِيهِ شرعا وَعرفا إِلَّا أَن يَأْذَن لَهُ فِي الْقَبْض فَلهُ الْقَبْض أَو إِلَّا بِقَرِينَة تدل عَلَيْهِ مثل تَوْكِيله فِي بيع ثوب فِي سوق غَائِب عَن الْمُوكل
стр. 419
أَو مَوضِع يضيع الثّمن بترك قبض أَو نَحْو ذَلِك فَلهُ قَبضه أَيْضا فَمَتَى ترك قَبضه ضمنه، وَسلم وَكيل الشِّرَاء الثّمن أَي يملك تَسْلِيم الثّمن ووكيل خُصُومَة أَي إِذا وكل شخص آخر فِي خُصُومَة ف لَا يقبض الْوَكِيل لِأَن الْإِذْن فِيهِ لم يتَنَاوَلهُ نطقا وَلَا عرفا وَقد يرضى للخصومة من لَا يرضى للقبض ووكيل فِي قبض دين أَو عين يُخَاصم أَي يكون وَكيلا فِي مخاصمة وَالْوَكِيل أَمِين لَا يضمن مَا تلف بِيَدِهِ إِلَّا بتعد أَو تَفْرِيط لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْمَالِك فِي الْيَد وَالتَّصَرُّف، فالهلاك فِي يَده كالهلاك فِي يَد الْمَالِك كَالْمُودعِ وَالْوَصِيّ، وَسَوَاء كَانَ مُتَبَرعا أَو بِجعْل فَإِن فرط أَو تعدى ضمن وَيقبل قَوْله أَي الْوَكِيل فِي نفيهما أَي التَّعَدِّي والتفريط بِيَمِينِهِ إِذا ادَّعَاهُ مُوكله، لِأَنَّهُ أَمِين وَلَا يُكَلف بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ مِمَّا تتعذر إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا يمْتَنع النَّاس من الدُّخُول فِي الْأَمَانَات مَعَ الْحَاجة إِلَيْهَا، وَيقبل قَوْله فِي هَلَاك الْعين أَو الثّمن بِيَمِينِهِ، ك مَا تقبل دَعْوَى شخص مُتَبَرّع رد الْعين أَو رد ثمنهَا أَي الْعين لموكل لِأَنَّهُ قبض الْعين لنفع مَالِكهَا لَا غير، فَهُوَ كَالْمُودعِ، وَلَا يقبل قَول وَكيل يَجْعَل، لِأَن فِي قَبضه نفعا لنَفسِهِ أشبه الْمُسْتَعِير وَلَا إِذا ادّعى الرَّد لوَرثَته أَي الْمُوكل لأَنهم لم يأتمنوه وَلَا قَول وَرَثَة وَكيل فِي دفع لموكل إِلَّا بِبَيِّنَة تشهد بذلك. وَيقبل إِقْرَاره على الْمُوكل فِي كل مَا وكل فِيهِ من بيع وَإِجَارَة وَصرف وَغَيرهَا.
стр. 420
وَمن عَلَيْهِ حق فَادّعى إِنْسَان أَنه وَكيل ربه فِي قَبضه أَو أَنه وَصِيّه أَو أُحِيل بِهِ فَصدقهُ مدعى عَلَيْهِ لم يلْزمه دفع إِلَيْهِ وَإِن كذبه لم يسْتَحْلف، وَإِن دَفعه وَأنكر صَاحبه ذَلِك حلف وَرجع على دَافع وَحده إِن كَانَ دينا فَإِن نكل لم يرجع بِشَيْء، وَرجع دَافع على مدعي الْوكَالَة أَو الْحِوَالَة بِمَا دفع مَعَ بَقَائِهِ وببدله إِن تلف بتعديه أَو تفريطه لَا بِمَنْزِلَة الْغَاصِب وَبلا تعد أَو تَفْرِيط لم يضمنهُ وَلم يرجع عَلَيْهِ دَافع بِشَيْء لِأَنَّهُ مقرّ بِأَنَّهُ أَمِين حَيْثُ صدقه فِي دَعْوَى الْوكَالَة أَو الْوَصِيَّة، وَأما مَعَ دَعْوَى الْحِوَالَة فَيرجع دَافع على قَابض مُطلقًا أَي سَوَاء بَقِي فِي يَده أَو تلف بتعد أَو تَفْرِيط أَو لَا، لِأَنَّهُ قَبضه لنَفسِهِ فَدخل على أَنه مَضْمُون عَلَيْهِ. وَإِن كَانَ الْمَدْفُوع عينا كوديعة وَنَحْوهَا ووجدها رَبهَا أَخذهَا لِأَنَّهَا عين مَاله، وَإِن لم يجدهَا ضمن أَيهمَا شَاءَ، وَلَا يرجع الدَّافِع بهَا على غير متْلف أَو مفرط لاعتراف كل مِنْهُمَا بِأَن مَا أَخذه الْمَالِك ظلم واعتراف الدَّافِع بِأَنَّهُ لم يحصل من الْقَابِض مَا يُوجب الضَّمَان فَلَا يرجع عَلَيْهِ بظُلْم غَيره، هَذَا كُله إِذا صدق من عَلَيْهِ الْحق الْمُدَّعِي، وَأما مَعَ عدم تَصْدِيق فَيرجع على مَدْفُوع إِلَيْهِ بِمَا دَفعه لَهُ مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ دينا أَو عينا، بَقِي أَو تلف، لِأَنَّهُ لم يقر بوكالته وَلم يثبت بَيِّنَة، وَمُجَرَّد التَّسْلِيم لَيْسَ تَصْدِيقًا. وَإِن ادّعى مَوته وَأَنه وَارثه لزمَه دَفعه إِلَيْهِ مَعَ تَصْدِيق، وحلفه مَعَ إِنْكَار موت رب الْحق وَإِن الطَّالِب وَارثه، وَصفَة الْيَمين أَنه لَا يعلم صِحَة مَا قَالَه لِأَن الْيَمين هَهُنَا على فعل الْغَيْر فَتكون على نفي الْعلم.
стр. 421
٣ - (فصل)
فِي الشّركَة. وَالشَّرِكَة بِفَتْح الشين مَعَ كسر الرَّاء وسكونها وبكسر الشين مَعَ سُكُون الرَّاء جَائِزَة بِالْإِجْمَاع، وَهِي قِسْمَانِ: أَحدهمَا اجْتِمَاع فِي اسْتِحْقَاق، وَهِي أَنْوَاع: أَحدهَا فِي الْمَنَافِع والرقاب كَعبد ودرا بَين اثْنَيْنِ فَأكْثر بِإِرْث أَو بيع وَنَحْوهمَا، الثَّانِي فِي الرّقاب كَعبد موصى بمنفعته وَرثهُ اثْنَان فَأكْثر، الثَّالِث فِي الْمَنَافِع كمنفعة موصى بهَا لاثْنَيْنِ فَأكْثر، الرَّابِع فِي حُقُوق الرّقاب كَحَد قذف إِذا قذف جمَاعَة يتَصَوَّر مِنْهُم الزِّنَا عَادَة بِكَلِمَة وَاحِدَة فَإِذا طلبُوا كلهم وَجب لَهُم حد وَاحِد. وَيَأْتِي فِي الْقَذْف. وَالْقسم الثَّانِي اجْتِمَاع فِي تصرف، وَهِي شركَة الْعُقُود الْمَقْصُودَة هَهُنَا، وَتكره مَعَ كَافِر كمجوسي نصا لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن مُعَامَلَته بالربا وَبيع الْخمر نَحوه. وَلَا تكره مَعَ كتابي لَا يَلِي التَّصَرُّف، وَهِي فِي التَّصَرُّف خَمْسَة أضْرب جمع ضرب أَي صنف: أَحدهَا شركَة عنان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَلَا خلاف فِي جَوَازهَا، بل فِي بعض شُرُوطهَا، سميت بذلك لِأَنَّهُمَا يستويان فِي المَال وَالتَّصَرُّف
стр. 422
كالفارسين المستويين فِي السّير، فَإِن عناني فرسيهما يكونَانِ سَوَاء. يملك كل مِنْهُمَا التَّصَرُّف فِي كل المَال كَمَا يتَصَرَّف الْفَارِس فِي عنان فرسه. وَهِي أَي شركَة الْعَنَان أَن يحضر كل وَاحِد من عدد اثْنَيْنِ فَأكْثر جَائِز التَّصَرُّف فَلَا ينْعَقد على مَا فِي الذِّمَّة، وَلَا مَعَ صَغِير وسفيه من مَاله فَلَا ينْعَقد بِنَحْوِ مَغْصُوب، نَقْدا ذَهَبا أَو فضَّة مَضْرُوبا وَلم لم يتَّفق الْجِنْس، كَمَا لَو أحضر أَحدهمَا ذَهَبا وَالْآخر فضَّة فَلَا تصح بِعرْض وَلَو مثلِيا وَلَا بِقِيمَتِه وَلَا بِثمنِهِ الَّذِي اشْترى بِهِ وَالَّذِي يُبَاع بِهِ وَلَا بمغشوش كثيرا وَلَا بفلوس أَو نافقة وَلَا بنقرة لم تضرب. وَلَا أثر لغش يسير لمصْلحَة كحبة فضَّة وَنَحْوهَا فِي دِينَار. وَيشْتَرط أَن يكون النَّقْد مَعْلُوما قدره وَصفته فَلَا تصح على مجهولين للغرر، فَإِن اشْتَركَا فِي مَال مختلط بَينهمَا شَائِعا صَحَّ عقد الشّركَة إِن علما قدر مَا لكل مِنْهُمَا فِيهِ لعمل مُتَعَلق بيحضر فِيهِ أَي فِي المَال جَمِيعه كل مِم لَهُ فِيهِ شَيْء على أَن لَهُ من الرِّبْح بِنِسْبَة مَا لَهُ بِأَن شَرط لرب نصف المَال نصف الرِّبْح ولرب الثُّلُث ثلث الرِّبْح ولرب السُّدس سدس الرِّبْح مثلا، أَو على أَن لكل مِنْهُم جُزْءا مشَاعا مَعْلُوما وَلَو أَكثر من نِسْبَة مَاله كَأَن جعل لرب السُّدس نصف الرِّبْح لقُوَّة حذقه، أَو يُقَال: بَيْننَا فيستوون فِيهِ، لَا يشْتَرط خلط الْمَالَيْنِ وكل عقد لَا ضَمَان فِي صَحِيحه لَا ضَمَان فِي فاسده إِلَّا بِالتَّعَدِّي أَو التَّفْرِيط كالشركة وَالْمُضَاربَة وَالْوكَالَة والوديعة، وكل عقد يجب الضَّمَان فِي صَحِيحه يجب فِي فاسده كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالنِّكَاح وَالْقَرْض، وَلكُل من الشَّرِيكَيْنِ أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي وَيَأْخُذ وَيُعْطِي وَيُطَالب ويخاصم وَيفْعل كل مَا فِيهِ حَظّ للشَّرِكَة.
стр. 423
وَالضَّرْب الثَّانِي من الشّركَة الْمُضَاربَة من الضَّرْب فِي الأَرْض أَي السّفر فِيهَا، أَو من ضرب كل مِنْهُمَا بِسَهْم فِي الرِّبْح وَهَذِه تَسْمِيَة أهل الْعرَاق، وَأهل الْحجاز يسمونها قراضا من قرض الفار الثَّوْب أَي قطعه كَانَ رب المَال اقتطع قِطْعَة من مَاله وَسلمهَا لَهُ واقتطع لَهُ قِطْعَة من ربحها. وَهِي أَي الْمُضَاربَة شرعا دفع مَال أَي نقد مَضْرُوب غير مغشوش كثيرا كَمَا تقدم، أَو مَا فِي معنى الدّفع كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِية وَالْغَصْب إِذا قَالَ رَبهَا لمن هِيَ تَحت يَده ضَارب بهَا على كَذَا معِين صفة المَال فَلَا يَصح: ضَارب بِأحد هذَيْن تَسَاوِي مَا فيهمَا أَو اخْتلف، مَعْلُوم قدره فَلَا يَصح بصرة دَرَاهِم أَو دَنَانِير لِأَنَّهُ لَا بُد من الرُّجُوع إِلَى رَأس المَال ليعلم الرِّبْح، وَلَا يُمكن ذَلِك مَعَ جَهله لمن يتجر فِيهِ أَي المَال مُتَعَلق بِدفع جُزْء مُتَعَلق بيتجر مَعْلُوم مشَاع من ربحه كنصفه أَو عشره. وَهِي أَمَانَة ووكالة، فَإِن ربحت فشركة وَإِن فَسدتْ فإجارة أَي كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَة، لِأَن الرِّبْح كُله لرب المَال وللعامل أُجْرَة مثله نَص عَلَيْهِ. وَلَو خسر المَال. وَإِن تعدى فَغَضب. قَالَ فِي الْهدى: الْمضَارب أَمِين وأجير ووكيل وَشريك. فأمين إِذا قبض المَال، ووكيل إِذا تصرف فِيهِ، وأجير فِيمَا يباشره من الْعَمَل بِنَفسِهِ، وَشريك إِذا ظهر فِيهِ الرِّبْح. انْتهى. وَلَيْسَ لَهُ شِرَاء من يعْتق على رب المَال بِغَيْر إِذْنه فَإِن فعل صَحَّ وَعتق وَضمن ثمنه، وَإِن لم يعلم أَنه يعْتق على رب المَال، لِأَنَّهُ إِتْلَاف، فَإِن كَانَ بِإِذن انْفَسَخت فِي قدر ثمنه لتلفه، فَإِن كَانَ ثمنه كل المَال
стр. 424
انْفَسَخت كلهَا. وَإِن كَانَ فِي المَال ربح أَخذ حِصَّته مِنْهُ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَا نَفَقَة لِلْعَامِلِ إِلَّا بِشَرْط نصا. فَإِن شرطت مُطلقَة وَاخْتلفَا فَلهُ نَفَقَة مثله عرفا من طَعَام وَكِسْوَة، وَإِن تعدد رب المَال فَهِيَ على قدر مَا لكل مِنْهُمَا أَو مِنْهُم إِلَّا أَن يشترطها بعض أَرْبَاب المَال من مَاله عَالما بِالْحَال فتختص بِهِ. وَإِن ضَارب الْعَامِل أَي أَخذ مُضَارَبَة لآخر فأضر اشْتِغَاله بِالْعَمَلِ فِي المَال الثَّانِي رب المَال الأول حرم عَلَيْهِ ذَلِك، لِأَنَّهُ يمنعهُ مَقْصُود الْمُضَاربَة من طلب النَّمَاء والحظ، وَإِن لم يضر بِالْأولِ بِأَن كَانَ مَال الثَّانِي يَسِيرا لَا يشغل عَن الْعَمَل فِي مَال الأول جَازَ. وَإِن ضَارب الآخر بِحَيْثُ يضر الأول رد الْعَامِل حِصَّته من الْمُضَاربَة فِي الشّركَة أَو شركَة الأول نصا فَيدْفَع لرب الْمُضَاربَة الثَّانِيَة نصِيبه من الرِّبْح وَيَأْخُذ نصيب الْعَامِل فيضم لربح الْمُضَاربَة الأولى ويقتسمه مَعَ رَبهَا على مَا شرطاه لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّه بِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي اسْتحقَّت العقد الأول. ورده صَاحب الْمُغنِي كَمَا ذكره صَاحب الْمُنْتَهى فِي شَرحه وَإِن تلف رَأس المَال أَو تلف بعضه أَو تعيب بعد تصرف فِيهِ أَو خسر بِسَبَب مرض أَو تغير صفة أَو نزُول سعر جبر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول رَأس المَال من ربح بَاقِيه قبل قسْمَة أَي الرِّبْح ناضا أَو قبل تنضيضه مَعَ محاسبته نصا. وَالْعَامِل أَمِين فَيصدق بِيَمِينِهِ فِي قدر رَأس المَال وَربح وَعَدَمه وهلاك وخسران. وَلَو أقرّ بِرِبْح ثمَّ ادّعى تلفا أَو خسارة قبل قَوْله لِأَنَّهُ أَمِين إِلَّا إِن
стр. 425
ادّعى غَلطا أَو كذبا أَو نِسْيَانا أَو اقتراضا تمم بِهِ رَأس المَال بعد إِقْرَاره بِهِ لرَبه. وَيقبل قَول مَالك فِي عدم رد مَال الْمُضَاربَة إِن ادّعى عَامل رده إِلَيْهِ وَلَا بَيِّنَة نصا لِأَنَّهُ مُنكر، وَلِأَن الْعَامِل قَبضه لنفع لَهُ فِيهِ أشبه الْمُسْتَعِير، وَيقبل قَوْله أَيْضا فِي قدر مَا شَرط لِلْعَامِلِ. وَيجوز دفع عبد أَو دَابَّة لمن يعْمل عَلَيْهِ بِجُزْء من أجرته وخياطة ثوب أَو نَسِيج غزل أَو حصاد زرع أَو رضَاع قن أَو اسْتِيفَاء مَال وَنَحْو ذَلِك بِجُزْء مشَاع مِنْهُ. وَدفع دَابَّة أَو نحل لمن يقوم بهما مُدَّة مَعْلُومَة بِجُزْء مِنْهُمَا والنماء ملك لَهما. بِجُزْء من النَّمَاء كالدر والنسل وَالصُّوف وَالْعَسَل. وَالضَّرْب الثَّالِث من الشّركَة شركَة الْوُجُوه وَهِي أَن يشتركا بِلَا مَال فِي ربح مَا يشتريان فِي ذمتهما بجاهليهما أَي بوجهيهما وثقة التُّجَّار بهما، سميت بذلك لِأَنَّهُمَا يعاملان فِيهَا بوجوهما والجاه وَالْوَجْه وَاحِد يُقَال: فلَان وجيه أَي ذُو جاه. وَهِي جَائِزَة لاشتمالها على مصلحَة بِلَا مضرَّة. وَلَا يشْتَرط لصحتها ذكر مَا يشتريانه وَلَا قدره وَلَا وَقت الشّركَة، فَلَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر كل مَا اشْتريت من شَيْء فبيننا وَقَالَهُ الآخر صَحَّ. وكل وَاحِد من شَرِيكي الْوُجُوه وَكيل الآخر فِي بيع وَشِرَاء وكفيله بِالثّمن لِأَن مبناها على الْوكَالَة وَالْكَفَالَة، وَيكون الْملك بَينهمَا على مَا شرطاه لحَدِيث (الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم) وَالرِّبْح كَذَلِك، والوظيفة على قدر الْملك، فَمن لَهُ الثُّلُثَانِ فَعَلَيهِ ثلثا الْوَظِيفَة، وَمن لَهُ الثُّلُث فَعَلَيهِ
следующие страницы →