Полный текст (3 585 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
أكسابه وكما لَو اشْترك رجلَانِ فِي اللّقطَة
وَإِن كَانَ بَينهمَا مُهَايَأَة وَقُلْنَا إِن الْكسْب النَّادِر لَا يدْخل فِي الْمُهَايَأَة فمشترك
وَإِن قُلْنَا يدْخل فَهُوَ لمن وَقع فِي نوبَته ويرعى قيمَة فِيهِ يَوْم الِالْتِقَاط أَو مُضِيّ مُدَّة التَّعْرِيف فِيهِ احْتِمَال
أما الصَّبِي فَفِي الْتِقَاطه قَولَانِ كَمَا فِي العَبْد
وَقطع الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّهُ أهل الِالْتِقَاط وطردوا ذَلِك فِي الْمَجْنُون وكل مَحْجُور عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أهل الِاكْتِسَاب
فَإِن قُلْنَا إِنَّه أَهله انتزعه الْوَلِيّ من يَده ثمَّ يتَمَلَّك لَهُ بعد مُضِيّ الْمدَّة
وَإِن قُلْنَا لَيْسَ أَهلا فَهُوَ فِي يَده فِي غير حق فلينتزع من يَده
فَإِن أتْلفه الصَّبِي ضمنه وَإِن تلف بِآفَة سَمَاوِيَّة فَيلْزمهُ الضَّمَان أَيْضا
وَإِن قُلْنَا إِنَّه أَهله وَتلف بِآفَة سَمَاوِيَّة فِي يَده فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للأمانة
стр. 1822
وَلَو أودع عِنْد الصَّبِي شَيْئا فَتلف لم يضمن
وَإِن أتلف فَوَجْهَانِ بِالْعَكْسِ من اللّقطَة لِأَنَّهُ تسليط من الْمَالِك ثمَّ لَو علم الْوَلِيّ بذلك وَلم ينتزع من يَده حَتَّى تلف ضمن الْوَلِيّ بتقصيره فَإِنَّهُ مُلْتَزم حفظه عَن مثل ذَلِك
الرُّكْن الثَّالِث فِيمَا يلتقط
وَهُوَ كل مَال معرض للضياع وجد فِي عَامر من الأَرْض أَو غامرها فَإِن كَانَ حَيَوَانا نظر فَمَا يمْتَنع عَن صغَار السبَاع كَالْإِبِلِ وَفِي مَعْنَاهُ الْبَقر وَالْحمار لَا يجوز الْتِقَاطه وَمَا لَا يمْتَنع كالشاة والفصيل والجحش جَازَ الْتِقَاطه لما رُوِيَ أَنه ﷺ سُئِلَ عَن اللّقطَة فَقَالَ
أعرف غفاصها ووكائها وَعرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَك فَسئلَ عَن ضَالَّة الشَّاة فَقَالَ
هى لَك أَو لأخيك أَو للذئب فَسئلَ عَن الْإِبِل فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه وَقَالَ
مَالك وَلها مَعهَا سقاؤها وحذاؤها ترد المَاء وتأكل الشّجر ذرها حَتَّى يلقاها رَبهَا هَذَا إِن وجد فِي الصَّحرَاء
فَإِن وجد الْحَيَوَان فِي الْعمرَان فَثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه كالصحاري لعُمُوم الْخَبَر فَيُفَرق بَين الصَّغِير وَالْكَبِير
стр. 1823
وَالثَّانِي أَنه يلتقط الْكل إِذا تتناولها أَيدي النَّاس بِخِلَاف مَا فِي الصَّحرَاء
وَالثَّالِث أَنه لَا يلتقط لَا الصَّغِير وَلَا الْكَبِير فَإِنَّهُ لَا يخَاف الصَّغِير هَاهُنَا من السبَاع بِخِلَاف الصَّحرَاء
فَإِذا قُلْنَا لَا يلتقط الْبَعِير فَإِذا أَخذه ثمَّ تَركه على مَكَانَهُ لم يخرج من ضَمَانه
فرعان
أَحدهمَا اسْتثْنى صَاحب التَّلْخِيص الْبَعِير الذى وجد فِي أَيَّام منى وَقد قلد الْهدى وَقَالَ جَازَ أَخذه وذبحه اعْتِمَادًا على الْعَلامَة
وَمن أَصْحَابنَا من خرج ذَلِك على أَن الْبَعِير إِذا وجد مذبوحا وَقد غمس منسمه فِي دَمه هَل يجوز أَن يُؤْكَل اعْتِمَادًا على هَذِه الْعَلامَة وَهَاهُنَا أولى بِالْمَنْعِ إِذْ لَا يبعد شرود الْبَعِير من صَاحبه فَلَا يرضى صَاحبه بنحر غَيره
الثَّانِي إِذا وجد كَلْبا التقطه واختص بِالِانْتِفَاعِ بِهِ بعد التَّعْرِيف فَإِن الِانْتِفَاع بِهِ كالملك فِي غَيره
وَفِيه احْتِمَال من حَيْثُ إِنَّه اخْتِصَاص بِغَيْر ضَمَان فيكاد يُخَالف مَوْضُوع اللّقطَة
стр. 1824
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي أَحْكَام اللّقطَة ﷺ َ - وَهِي أَرْبَعَة الأول الضَّمَان
وَذَلِكَ يخْتَلف بِقَصْدِهِ فَإِن الْتقط على قصد أَن يحفظه لمَالِكه أبدا فَهُوَ أَمَانَة فِي يَده أبدا وَإِن قصد أَن يختزل فِي الْحَال فَهُوَ مَضْمُون عَلَيْهِ أبدا
وَإِن قصد أَن يتملكها بعد السّنة فَهُوَ فِي السّنة أَمَانَة لَو تلف لَا ضَمَان فَإِذا مَضَت السّنة فَهُوَ مَضْمُون عَلَيْهِ وَإِن لم يتَمَلَّك لِأَنَّهُ صَار ممسكا لنَفسِهِ بِالْقَصْدِ السَّابِق فَهُوَ كالمأخوذ على جِهَة السّوم
وَإِن لم يقْصد شَيْئا من ذَلِك وَأطلق الْأَخْذ فَإِن غلب مشابع الْأَمَانَة فَلَا ضَمَان وَإِن غلبنا مشابه الْكسْب ضمناه
فرع
إِذا قصد الْأَمَانَة أَولا ثمَّ تعدى بِالْفِعْلِ فِيهِ ضمن وَهل يضمن بِمُجَرَّد قصد الْخِيَانَة فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا كَالْمُودعِ لَا يضمن بِمُجَرَّد الْقَصْد
وَالثَّانِي يضمن لِأَن الْمُودع مسلط عَلَيْهِ من جِهَة الْمَالِك
وَالْأَصْل أَن إِثْبَات الْيَد على مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه مضمن إِلَّا عِنْد قصد الْأَمَانَة
стр. 1825
وَلِهَذَا قَطعنَا بِأَن الْمُلْتَقط على قصد الْخِيَانَة فِي الِابْتِدَاء يضمن وَفِي الْمُودع إِذا قصد الْخِيَانَة عِنْد الْأَخْذ وَجْهَان
ثمَّ مهما صَار ضَامِنا فَلَو أنْفق التَّعْرِيف لم يكن لَهُ التَّمَلُّك فَإِنَّهُ جوز ذَلِك عِنْد وجود الْأَمَانَة وَفِيه وَجه آخر أَن يتَمَلَّك إِذْ الْعدوان لم يكن فِي عين السَّبَب وَإِنَّمَا كَانَ فِي قَصده وَلم يتَّصل بِهِ تَحْقِيق
الحكم الثَّانِي التَّعْرِيف
وَفِيه طرفان
الأول فِيمَا يعرف وَيجب ذَلِك سنة فِي كل ملتقط إِلَّا مَا قل أَو تسارع الْفساد إِلَيْهِ
أما الْقَلِيل فَمَا لَا يتمول كالزبيبة الْوَاحِدَة لَا تعرف أصلا وَمَا يتمول يعرف وَلَكِن لَا يجب تَعْرِيفه سنة
وَالأَصَح أَنه لَا حد لَهُ بِتَقْدِير بل مَا يعرف أَنه يفتر صَاحبه عَن طلبه على الْقرب
وَمِنْهُم من قدر بنصاب السّرقَة لِأَن مَا دونه تافه شرعا
وَمِنْهُم من قَالَ الدِّينَار فَمَا دونه قَلِيل لما رُوِيَ أَن عليا ﵁ وجد
стр. 1826
دِينَارا فَذكره لرَسُول الله ﷺ فَأمره باستنفاقه
ثمَّ مَا رَأَيْنَاهُ قَلِيلا فَفِي قدر التَّعْرِيف ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا مرّة وَاحِدَة إِذْ لَا ضبط للزِّيَادَة وَيدل عَلَيْهِ أثر عَليّ ﵁ فَإِن إِظْهَاره لرَسُول الله ﷺ كَانَ كَافِيا
وَالثَّانِي أَنه الْقدر الذى يوازي طلب الْمَالِك ومداومته عَلَيْهِ
الثَّالِث أَنه يقدر بِثَلَاثَة أَيَّام حذارا من الْجَهَالَة
أما مَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد كالطعام وَأَمْثَاله فَإِن وجده فِي الصَّحرَاء جَازَ لَهُ أَن يَتَمَلَّكهُ أَو يَأْكُلهُ قبل التَّعْرِيف لقَوْله ﵇
من الْتقط طَعَاما فليأكله
стр. 1827
وتلحق الشَّاة بِالطَّعَامِ فَإِنَّهَا مطعومة وَلَا تبقى بِغَيْر نَفَقَته لَهُ وَلَا نَفَقَة لَهَا
وَلقَوْله ﷺ
هى لَك أَو لأخيك أَو للذئب وَلم يَأْمر بالتعريف
وَفِي إِلْحَاق الجحش وصغار الْحَيَوَانَات الَّتِى لَا تُؤْكَل بِالشَّاة وَجْهَان
أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ لَا تبقى دون الْعلف
وَالثَّانِي لَا لِأَن حكم المطعوم أسهل وَقد ورد الْخَبَر فِي الطَّعَام وَالشَّاة
ثمَّ إِذا أكل أَو تملك فَفِي وجوب التَّعْرِيف بعده وَجْهَان
أَحدهمَا يجب حذارا من الكتمان
وَالثَّانِي لَا لعُمُوم الْخَبَر ولبعد وجود الْمَالِك فِيمَا الْتقط من الصَّحرَاء
أما إِذا وجد الطَّعَام فِي عمرَان فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه كالصحراء لعُمُوم الْخَبَر
стр. 1828
وَالثَّانِي أَنه يلْزمه أَن يَبِيعهُ فَإِن ثمنه قَابل للبقاء فَيكون بَدَلا عَنهُ وَفِي الصَّحرَاء يعجز عَنهُ
فَإِن قُلْنَا يَبِيع فيتولاه بِنَفسِهِ إِن لم يجد قَاضِيا
وَإِن وجد فَفِي جَوَاز استقلاله بِالْبيعِ وَجْهَان
وَجه الْجَوَاز أَنه لَو نوع ولَايَة بِسَبَب الِالْتِقَاط ثمَّ مهما حصل الثّمن سلك بِهِ مَسْلَك عين اللّقطَة فِي الضَّمَان والتملك وَغَيره
وَإِن قُلْنَا يَأْكُل ثمَّ يعرف بعده فَهَل يلْزمه تَمْيِيز قِيمَته ليعتمد التَّعْرِيف مَوْجُودا
فِيهِ وَجْهَان
فَإِن قُلْنَا يُمَيّز فَلَا يتَعَيَّن لَهُ إِلَّا بِقَبض القَاضِي ثمَّ لَا يصير ملكا لرب اللّقطَة وَلَكِن فَائِدَته إِن يقدم الْمَالِك بِهِ على الْغُرَمَاء عِنْد إفلاسه وَيمْتَنع فِيهِ تصرف الْمُلْتَقط ويتلف فِي يَده أَمَانَة
وَإِذا لم يظْهر حَتَّى مَضَت الْمدَّة فالأشهر أَنه لَا يرْتَفع الْحجر بل يحفظه أبدا لمَالِكه لِأَنَّهُ لَا عينهَا وَيحْتَمل أَن يرْتَفع الْحجر كَمَا لم يُمَيّز
стр. 1829
الطّرف الثَّانِي فِي كَيْفيَّة التَّعْرِيف
وَفِيه مسَائِل
الأولى وَقت التَّعْرِيف عقب الِالْتِقَاط وَإِن عزم على التَّمَلُّك بعد سنة وَإِن لم يعزم على التَّمَلُّك أصلا أَو عزم بعد سنتَيْن فَهَل يلْزمه التَّعْرِيف فِي الْحَال فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا لِأَن التَّعْرِيف تَعب فِي مُقَابلَة ثَمَرَة الْملك
وَالثَّانِي يجب لِأَن الْمَقْصُود وُصُول الْحق إِلَى مُسْتَحقّه وَفِي تَأْخِيره إِضْرَارًا بِالْكِتْمَانِ
فَإِن قُلْنَا يجب البدار فالبالتأجير يصير ضَامِنا
ثمَّ يَنْبَغِي أَن يعرف فِي الِابْتِدَاء فِي كل يَوْم ثمَّ فِي كل جُمُعَة ثمَّ فِي كل شهر وَالْمَقْصُود أَن يعرف أَن الْأَخير تكْرَار الأول
الثَّانِيَة مَكَان التَّعْرِيف مَكَان الِالْتِقَاط إِن كَانَ فِي عمَارَة فَإِن سَافر فليوكل غَيره بالتعريف
وَإِن الْتقط فِي صحراء فَلَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ بلد وَلَكِن ليعرفه فِي الْبَلَد الذى يَنْتَهِي إِلَيْهِ ويقصده فَإِن الْإِمْكَان فِي سَائِر الْبِلَاد على وتيرة وَاحِدَة
الثَّالِثَة يَنْبَغِي أَن يذكر بعض أَوْصَاف اللّقطَة فِي التَّعْرِيف كالغطاص والوكاء ليَكُون تَنْبِيها للْمَالِك وَهُوَ اسْتِحْبَاب أَو وجوب فِيهِ خلاف
الرَّابِعَة مُؤنَة التَّعْرِيف لَا تلْزمهُ أَعنِي أُجْرَة الْمُعَرّف إِن قصد حفظه أَمَانَة
стр. 1830
أبدا وَإِن قصد التَّمَلُّك وَلم يظْهر الْمَالِك فالمؤنة عَلَيْهِ وَإِن ظهر الْمَالِك فقد أطلق الْعِرَاقِيُّونَ أَنه على الْمُلْتَقط لِأَنَّهُ يسْعَى لنَفسِهِ وَفِيه احْتِمَال لِأَن التَّعْرِيف طلب الْمَالِك فَهُوَ سعي فِي الْحَال لَهُ لَا سِيمَا إِذا ظهر
وَإِذا قُلْنَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَالْقَاضِي يسلم من بَيت المَال أَو من عين اللّقطَة
فرع
إِذا كَانَت اللّقطَة جحشا وَقُلْنَا يجب تَعْرِيفه بِخِلَاف الشَّاة فَلَيْسَ ذَلِك على الْمُلْتَقط قطعا وَإِنَّمَا هُوَ كَنَفَقَة الْجمال عِنْد هرب الْجمال فَإِن مست الْحَاجة إِلَى بيع جُزْء مِنْهُ فعلى ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد إِن كَانَ كَذَلِك فسيأكل نَفسه فَيلْحق بقبيل مَا يتسارع الْفساد إِلَيْهِ
الحكم الثَّالِث التَّمَلُّك بعد مُضِيّ الْمدَّة
وَهُوَ جَائِز إِذْ لم يقْصد الْخِيَانَة وَفِيه أَرْبَعَة أوجه
أَحدهَا أَنه يحصل بِمُجَرَّد مُضِيّ السّنة فَإِنَّهُ قصد بالالتقاط الْملك عِنْده
الثَّانِي أَنه لَا بُد من لفظ فمجرد الْقَصْد فَقَط لَا يُؤثر وَمَا مُضِيّ عزم لَا قصد
وَالثَّالِث أَنه يَكْفِي تَجْدِيد قصد عِنْد مُضِيّ السّنة
وَالرَّابِع أَنه لَا بُد من تصرف يزِيل الْملك فَإِن فعله وَقَوله لَا يزِيد على الاستقراض وَثمّ لَا يملك إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ على قَول
стр. 1831
فرع
إِذا وجد لقطَة فِي مَكَّة فَفِيهَا وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه لَا يتَمَلَّك كَسَائِر الْبِلَاد
وَالثَّانِي لَا لقَوْله ﷺ
إِن الله حرم مَكَّة لَا ينفر صيدها وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا تحل لقطها إِلَّا لِمُنْشِد وَالْمرَاد بِهِ منشد على الدَّوَام وَإِلَّا فَأَي فَائِدَة لتخصيص مَكَّة
الحكم الرَّابِع وجوب الرَّد إِذا ظهر مَالِكه
وَيعرف ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ فَإِن أطنب فِي الْوَصْف وَغلب على الظَّن صدقه جَازَ التَّسْلِيم إِلَيْهِ
وَفِي وجوب ردهَا دون إِقَامَة الْبَيِّنَة خلاف
مِنْهُم من أوجب إِذْ تَكْلِيف الْبَيِّنَة عسر
وَمِنْهُم من قَالَ رُبمَا يكون قد عرف الْوَصْف بِوَصْف الْمَالِك الفاقد
стр. 1832
وَلَعَلَّ الأولى الِاكْتِفَاء بقول عدل وَاحِد لحُصُول الثِّقَة
فرعان
أَحدهمَا إِذا سلمه إِلَى الواصف فَظهر الْمَالِك فَيُطَالب الواصف أَو الْمُلْتَقط من شَاءَ مِنْهُم وَيرجع الْمُلْتَقط على الواصف إِلَّا إِذا كَانَ اعْترف لَهُ بِالْملكِ فَلَا يقدر على الرُّجُوع
الثَّانِي إِذا ظهر الْمَالِك بعد أَن تملكه فَإِن تلف رد قِيمَته يَوْم التَّمَلُّك
وَإِن كَانَت قَائِمَة فَفِي لُزُوم رد الْعين وَجْهَان كمثله فِي رُجُوع الْمُسْتَقْرض
وَإِن كَانَت مَعِيبَة فَأَرَادَ أَن يردهَا وَيضم الْأَرْش إِلَيْهَا وَامْتنع الْمَالِك وَقَالَ أُرِيد الْقيمَة فَأَيّهمَا يُجَاب فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا الْمَالِك لِأَن الْعين بعد التَّمَلُّك تزاد للتقريب فِي حُصُول الْجَبْر وَقد فَاتَ بِالْعَيْبِ وَجه الْجَبْر
وَالثَّانِي الْمُلْتَقط لِأَنَّهُ لَا يزِيد على الْغَاصِب وللغاصب رد الْعين من الْأَرْش
ثمَّ إِذا رد فَلَو طَالب من الْمَالِك أجرت الرَّد لم يكن لَهُ ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ قد نَادَى الْمَالِك بِأَن من رد لقطتي فَلهُ كَذَا فَيسْتَحق مَا سمي على مَا فصلناه فِي كتاب الْجعَالَة عقيب الْإِجَارَة وَالله أعلم
стр. 1833
= كتاب اللَّقِيط = وَفِيه بَابَانِ
стр. 1834
- ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان الِالْتِقَاط وَأَحْكَامه ﷺ َ - فَأَما الْأَركان فَثَلَاثَة
الأول نفس الِالْتِقَاط
وَهُوَ عبارَة عَن أَخذ صبي ضائع لَا كافل لَهُ
وَهُوَ فِي نَفسه فرض على الْكِفَايَة لِأَنَّهُ تعاون على الْبر وإنقاذ عَن الْهَلَاك وَفِي وجوب الْإِشْهَاد عَلَيْهِ خلاف مُرَتّب على الْإِشْهَاد على اللّقطَة وَأولى بِالْوُجُوب لِأَن الاسترقاق مخوف فِيهِ
وَمن الْأَصْحَاب من أوجب ذَلِك على المستور على الْعدْل
ثمَّ إِذا شرطناه فمهما تَركه لم يثبت لَهُ ولَايَة الْحَضَانَة وَجَائِز الانتزاع من يَده وَكَأَنَّهَا ولَايَة لَا تثبت إِلَّا بعد الشَّهَادَة
الرُّكْن الثَّانِي اللَّقِيط
وَلَا يشْتَرط فِيهِ إِلَّا الْحَاجة إِلَى كافل
فَإِن كَانَ لَهُ ملتقط سبق إِلَيْهِ أَو أَب أَو أم أَو قريب فَلَا معنى لالتقاطه وَكَذَا إِن كَانَ بَالغا وَإِن كَانَ دون سنّ التَّمْيِيز فَيجب الْتِقَاطه
وَفِيمَا بعد التَّمْيِيز إِلَى الْبلُوغ تردد فَإِنَّهُ قريب الشُّبْهَة من الْإِبِل من جملَة اللّقطَة إِذْ لَهُ نوع اسْتِقْلَال
стр. 1835
الرُّكْن الثَّالِث الْمُلْتَقط
وأهلية الِالْتِقَاط ثَابِتَة لكل حر مُكَلّف مُسلم عدل رشيد
أما العَبْد وَالْمكَاتب فَلَا يتفرعان للالتقاط فَإِن التقطا انتزع من أَيْدِيهِمَا وَلَا ولَايَة لَهما على الْحَضَانَة إِلَّا أَن يَأْذَن السَّيِّد فَيكون هُوَ الْمُلْتَقط وَالْعَبْد نَائِب فِي الْأَخْذ
وَأما الْكَافِر فَهُوَ أهل الِالْتِقَاط للْكَافِرِ لَا الْمُسلم فَإِنَّهُ نوع ولَايَة
نعم للْمُسلمِ الْتِقَاط الْكَافِر
وَأما الْفَاسِق فَلَا يأتمنه الشَّرْع
والمستور لَهُ الِالْتِقَاط
ثمَّ لَو قصد المسافرة بِهِ مَنعه القَاضِي إِلَّا أَن تعرف عَدَالَته
وَأما المبذر وَإِن لم يكن فَاسِقًا فَلَيْسَ أَهلا لأمانات الشَّرْع
وَأما الْفَقِير وَهُوَ على الله رزقهم
وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها آخر أَنه ينتزع من يَده نظرا للصَّبِيّ
فَإِن قيل فَلَو ازْدحم ملتقطان
قُلْنَا أما غير الْأَهْل فَلَا يزاحم الْأَهْل كَمَا سبق
وَإِن كَانَ لَو وَاحِد أَهلا فَيقدم الْغَنِيّ على الْفَقِير نظرا للصَّبِيّ والبلدي على
стр. 1836
الْقَرَوِي وَيقدم الْقَرَوِي على البدوي لما فِيهِ من النّظر للصَّبِيّ فِي اتساع معيشة الْبِلَاد وَحسن الْأَخْلَاق فِيهَا
وَلَا تقدم الْمَرْأَة على الرجل وَإِن قدمت الْأُم على الْأَب فِي الْحَضَانَة لِأَن الْأُم أرْفق من أَجْنَبِيَّة يستأجرها الْأَب وَهَا هُنَا الْأَجْنَبِيَّة تشْتَمل الْجَانِبَيْنِ
وَفِي تَقْدِيم الظَّاهِر الْعَدَالَة على المستور خلاف
مِنْهُم من قَالَ لَا يقدم الظَّاهِر الثروة على الْمُتَوَسّط لِأَن المستور يزْعم أَن التَّقْصِير مِمَّن لم يطلع على عَدَالَته
وَمِنْهُم من قَالَ يقدم لِأَن أصل الْعَدَالَة شَرط للأهلية فظهورها يُوجب التَّرْجِيح فَإِن تَسَاويا فِي الصِّفَات قدم السَّابِق على الْآخِذ
وَهل يقدم السَّابِق إِلَى الْوُقُوف على رَأسه قبل الْآخِذ فِيهِ تردد فَإِن تَسَاويا أَقرع بَينهمَا إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْقِسْمَة وَلَا إِلَى الْمُهَايَأَة إِذْ يستضر الصَّبِي بتبديل الْيَد بعد الْألف
وَقَالَ ابْن أبن أبي هُرَيْرَة يقره القَاضِي فِي يَد من يرَاهُ مِنْهُمَا
وَلَو اخْتَار الصَّبِي أَحدهمَا فَلَا نظر إِلَيْهِ إِذْ لَا مُسْتَند لميله بِخِلَاف اخْتِيَار الصَّبِي أحد الْأَبَوَيْنِ فَإِن ذَلِك يسْتَند إِلَى تجربة وامتحان
стр. 1837
فرع
إِذا مست الْحَاجة إِلَى الْقرعَة فَأَعْرض أَحدهمَا يسلم إِلَى الآخر
وَفِيه وَجه آخر أَنه لَا يجوز ذَلِك بل يخرج القَاضِي الْقرعَة باسمه فَإِن خرج عَلَيْهِ ألزم فَإِنَّهُ وَجب عَلَيْهِ الْوَفَاء بِالْحِفْظِ بعد الْأَخْذ وَهُوَ بعيد هَا هُنَا
نعم فِي الدَّوَام لَو أَرَادَ الْمُنْفَرد باللقيط أَن يردهُ إِلَى مَوْضِعه لم يجز
وَإِن سلمه إِلَى القَاضِي لعَجزه جَازَ وَإِن تبرم بِهِ مَعَ الْقُدْرَة فَفِيهِ وَجْهَان
وَوجه الْمَنْع أَنه فرض كِفَايَة وَقد شرع فِيهِ وَقدر عَلَيْهِ فَصَارَ مُتَعَيّنا
أما حكم الِالْتِقَاط فَهُوَ الْحَضَانَة والإنفاق
أما الْحَضَانَة فواجبه وكيفيتها لَا تخفى
وَمهما الْتقط فِي بلد لم يجز أَن يحول إِلَى بادية وَلَا إِلَى قَرْيَة لِأَن فِيهِ تضييق الْمَعيشَة وَلَو الْتقط فِي بادية أَو قَبيلَة فَنقل إِلَى الْبَلَد جَازَ لِأَنَّهُ أرْفق بِهِ وَفِيه وَجه أَنه لَا يجوز لِأَن ظُهُور نسبه فِي مَحل الْتِقَاطه متوقع وَلَو نقل من بلد مثله فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا الْجَوَاز لتساوي المعاش
стр. 1838
وَالثَّانِي الْمَنْع لتوقع ظُهُور النّسَب فِي مَحل الِالْتِقَاط مَعَ اتساع الْمَعيشَة فِي مَحل الِالْتِقَاط
لَو وجده فِي صحراء خَال فَلهُ أَن يَنْقُلهُ إِلَى أَي مَوضِع شَاءَ إِذْ سَائِر الْمَوَاضِع إِمَّا مثله أَو أصلح مِنْهُ
أما الْإِنْفَاق فَإِن كَانَ لَهُ مَال فَهُوَ من مَاله
وَمَاله بِالْوَصِيَّةِ للقيط وَالْوُقُوف عَلَيْهِ وَالْهِبَة مِنْهُ ويقبلها القَاضِي ويقبضها أَو بِأَن يُوجد مَعَه مَال مشدود على ثَوْبه أَو فرس مربوط عَلَيْهِ أَو يُوجد فِي دَار فَتكون الدَّار لَهُ لِأَن أصل اللَّقِيط على الْحُرِّيَّة وَمعنى الْيَد الِاخْتِصَاص
وَإِن كَانَ بِالْقربِ مِنْهُ مَال مَوْضُوع أَو بَهِيمَة مشدودة بشجرة فَفِيهَا وَجْهَان وَهُوَ تردد فِي هَذَا الْقدر هَل يعد اختصاصا
وَإِن كَانَ المَال مَدْفُونا تَحْتَهُ فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِهِ فَإِن وجد مَعَه رقْعَة فِيهَا أَن المَال المدفون تَحْتَهُ لَهُ فَالْأَظْهر أَنه لَهُ وَفِيه وَجه أَنه لَا تعويل على الرقعة
стр. 1839
ثمَّ الْمُلْتَقط لَيْسَ لَهُ أَن ينْفق مَاله عَلَيْهِ بِغَيْر إِذن القَاضِي فَإِن فعل ضمن إِذْ لَا ولَايَة لَهُ إِلَّا على نَفسه بِالْحِفْظِ وَهل لَهُ حفظ مَاله دون إِذن القَاضِي وَفِيه وَجْهَان
وَوجه الْجَوَاز أَنه تَابع للْمَالِك وَله حفظ الْمَالِك
وَإِن أنْفق بِغَيْر إِذن القَاضِي لِأَنَّهُ لم يجد قَاضِيا وَأشْهد فَالظَّاهِر أَنه لَا يضمن وَإِن لم يشْهد فَقَوْلَانِ ذكرنَا نظيرهما فِي هرب الْجمال
أما إِذا لم يكن لَهُ مَال فَلَا يجب على الْمُلْتَقط من مَاله بِحَال وَلَكِن ينْفق عَلَيْهِ من بَيت المَال فَإِن لم يكن فَيجمع من أهل الْيَسَار من الْمُسلمين لِأَنَّهُ عِيَال عَلَيْهِم ثمَّ لَا رُجُوع عَلَيْهِ بعده
وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ إِن القَاضِي يستقرض إِمَّا من بَيت المَال أَو من مُوسر ينْفق عَلَيْهِ فَإِن ظهر أَن اللَّقِيط عبد رَجَعَ على مَوْلَاهُ وَإِن ظهر حرا مُوسِرًا أَو مكتسبا رَجَعَ عَلَيْهِ فِي كَسبه ويساره وَإِن كَانَ عَاجِزا قَضَاهُ من سهم الْمَسَاكِين والفقراء من الصَّدقَات إِذْ لَا معنى لإلزامه من غير هَذِه الْجِهَة
стр. 1840
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي معرفَة حَال اللَّقِيط فِي الْإِسْلَام وَالنّسب وَالْحريَّة وَغَيرهَا وَفِيه أَرْبَعَة أَحْكَام ﷺ َ -
الحكم الأول الْإِسْلَام
وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى مَا يعرف بِمُبَاشَرَة وَإِلَى مَا يعرف بتبعية
أما الْمُبَاشرَة فَيصح من الْبَالِغ الْعَاقِل وَلَا يَصح من الصَّبِي فِي الظَّاهِر الْمَذْهَب نعم نَص الشَّافِعِي ﵁ أَن صبي الْكَافِر إِذا وصف الْإِسْلَام حيل بَينه وَبَين أَبَوَيْهِ
فَمنهمْ من قَالَ هَذَا محتوم وَهُوَ حكم بِصِحَّة الْإِسْلَام فَخَرجُوا مِنْهُ قولا مثل مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀
وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ اسْتِحْبَاب بعد استعطاف الْوَالِدين فَإِن أَبَيَا لم نجبرهما عَلَيْهِ
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق إِذا أضمر الصَّبِي الْإِسْلَام كَمَا أظهره حكمنَا لَهُ بالفوز فِي الْآخِرَة وَإِن كُنَّا لَا نحكم بِهِ لصبيان الْكفَّار بِسَبَب تعَارض الْأَخْبَار وَعبر عَن هَذَا بِأَن إِسْلَامه صَحِيح بَاطِنا لَا ظَاهرا
وَمِنْهُم من قَالَ إِن إِسْلَامه مَوْقُوف فَإِن أعرب بعد الْبلُوغ عَن الْإِسْلَام تَبينا صِحَّته من أَصله أما التّبعِيَّة فلهَا ثَلَاث وجهات
الْجِهَة الأولى تَبَعِيَّة الْوَالِدين فَإِن حصل الْعلُوق من مُسلم أَو الْولادَة من مسلمة فَالْوَلَد مُسلم قطعا
فَإِن أظهر الْكفْر بعد الْبلُوغ فَهُوَ مُرْتَد أما إِذا انْفَصل على الْكفْر فَأسلم أحد
стр. 1841
أَبَوَيْهِ حكم بِإِسْلَامِهِ فِي الْحَال
وَكَذَا إِسْلَام الأجداد والجدات عِنْد عدم من هُوَ أقرب مِنْهُ وَمَعَ وجود الْأَقْرَب فِيهِ خلاف وَأَحْكَام الْإِسْلَام جَارِيَة على هَذَا الصَّبِي فِي الْحَال
فَإِن بلغ وأعرب عَن الْإِسْلَام اسْتَقر أمره وَإِن أظهر الْكفْر فَقَوْلَانِ مرتبان
أَحدهمَا أَنه مُرْتَد لَا يقر عَلَيْهِ فَلَا ينْقض مَا سبق من الْأَحْكَام المبينة على الْإِسْلَام كالمنفصل من الْمُسلمين
وَالثَّانِي أَنه كَافِر أُصَلِّي يُقرر بالجزية وَلَا يجْبر على الْإِسْلَام لِأَن التّبعِيَّة فِي الْإِسْلَام بعد الِانْفِصَال ضَعِيف وَإِنَّمَا حكم بِهِ فِي الْحَال بِشَرْط أَن يسْتَمر
فَإِذا اسْتَقل فالنظر إِلَى استقلاله أولى
فعلى هَذَا مَا سبق من أَحْكَام الْإِسْلَام بعد الْبلُوغ وَقبل الْإِعْرَاب من إِجْزَاء عتقه عَن كَفَّارَة أَو توريثه من مُسلم أَو نِكَاحه مسلمة كل ذَلِك منقوض
وَمَا سبق فِي حَالَة الصَّبِي هَل يتَبَيَّن إنتقاضه فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم كَمَا بعد الْبلُوغ
وَالثَّانِي لَا إِذْ لَو حكمنَا بِهِ لأوجب ذَلِك الْوَقْف فِي الْأَحْكَام للتوقف فِي الْإِسْلَام بل الحكم بِالْإِسْلَامِ مجزوم مَا دَامَ سَبَب التّبعِيَّة قَائِما وَهُوَ الصَّبِي
стр. 1842
وَإِنَّمَا يَنْقَطِع بِالْبُلُوغِ فَبعد الْبلُوغ يتَوَقَّف إِلَى إعرابه
فروع على هَذَا القَوْل
أَحدهَا إِذا بلغ وَجرى تصرف يَسْتَدْعِي الْإِسْلَام كعتق عَن كَفَّارَة أَو موت قريب مُسلم فَمَاتَ اللَّقِيط قبل أَن يعرب بالْكفْر أَو الْإِسْلَام فَفِي نقض التَّصَرُّف وَجْهَان
أَحدهمَا ينْقض إِذْ الأَصْل بعد الْبلُوغ الِاسْتِقْلَال وَلم يسْتَقلّ بِالْإِسْلَامِ فَكيف يقدر إِسْلَامه
وَالثَّانِي أَنه لم يعرب أَيْضا بالْكفْر وَالْإِسْلَام غَالب وَقد سبق الحكم بِهِ فيستصحب إِلَى أَن يظْهر الْإِعْرَاب عَن الْكفْر
وَالثَّانِي لَو قَتله مُسلم قبل الْبلُوغ فالقصاص لَا يمْتَنع بِسَبَب توهم الْكفْر بعد الْبلُوغ
وَلَو قتل بعد الْبلُوغ وَقبل الْإِعْرَاب
فَإِن قُلْنَا لَو أعرب بالْكفْر لنقض الْأَحْكَام فَلَا قصاص
وَإِن قُلْنَا لَا ينْقض فَفِيهِ تردد وميل النَّص إِلَى سُقُوطه للشُّبْهَة
وَنَصّ مَعَ هَذَا على أَن الْوَاجِب دِيَة مُسلم وَهَذَا يدل على أَن الْإِسْلَام مستصحب فِي سَائِر الْأَحْكَام وَإِنَّمَا سقط الْقصاص للشُّبْهَة
الثَّالِث قَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن مَاتَ هُوَ قبل الْإِعْرَاب يَرِثهُ حميمه الْمُسلم وَإِن مَاتَ حميمه الْمُسلم فإرثه مَوْقُوف
وَمَعْنَاهُ أَن يُقَال لَهُ أعرب فَإِن مَاتَ قبل الْإِعْرَاب فَيَنْبَغِي أَن نقضي بِتَقْدِير الأول
стр. 1843
عَلَيْهِ بِنَاء على اسْتِصْحَاب حكم الْإِسْلَام
الرَّابِع الْمَجْنُون إِذا بلغ مَجْنُونا فَهُوَ كَالصَّبِيِّ فِي جملَة هَذِه الْأَحْكَام
وَإِن بلغ عَاقِلا كَافِرًا ثمَّ جن ثمَّ أسلم أحد أَبَوَيْهِ فَفِي التّبعِيَّة خلاف كَمَا فِي عود ولَايَة المَال
الْجِهَة الثَّانِيَة تَبَعِيَّة السابي
فالمسلم إِذا اسْترق صَبيا حكم بِإِسْلَامِهِ تبعا لَهُ فَإِن الاسترقاق كَأَنَّهُ إِيجَاد مُسْتَأْنف
وَإِن كَانَ مَعَه أَبَوَاهُ لم يحكم بِهِ لِأَن تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ أقوى من تَبَعِيَّة السابي
فَلَو مَاتَ بعد ذَلِك أَبَوَاهُ اطرد كفره لِأَن النّظر إِلَى الِابْتِدَاء فِي تَبَعِيَّة السابي وَلَو استرقه ذمِّي فَالظَّاهِر أَنه لَا يحكم بِإِسْلَامِهِ
ثمَّ لَو بَاعه بعد ذَلِك من مُسلم لَا يحكم بِإِسْلَامِهِ لفَوَات الِابْتِدَاء
وَفِيه وَجه أَنه يحكم بِإِسْلَامِهِ لأَنا نجْعَل وُقُوع الصَّبِي فِي يَد المسترقى كوقوعه فِي دَار الْإِسْلَام وَالذِّمِّيّ كَالْمُسلمِ فِي كَونه من دَار الْإِسْلَام ثمَّ مهما حكم بِإِسْلَامِهِ تبعا للسابي فَبلغ وَأعْرض بالْكفْر فَحكمه مَا سبق فِي تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ
الْجِهَة الثَّالِثَة تَبَعِيَّة الدَّار
وكل لَقِيط يُوجد فِي دَار الْإِسْلَام فَهُوَ مَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ لغَلَبَة الْإِسْلَام إِلَّا فِي
стр. 1844
بَلْدَة كثر الْكفَّار فِيهَا وانجلي الْمُسلمُونَ عَنهُ حَتَّى لم يبْق مِنْهُم وَاحِد
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي يحكم الْإِسْلَام إِذْ لَا يَخْلُو عَن مُسلم مستسر بِالْإِسْلَامِ أما مَا يُوجد فِي دَار الْكفْر فَهُوَ كَافِر وَإِن كَانُوا مُسلمُونَ يجتازون بهَا مسافرين
وَإِن كَانَ فِيهَا سكان من الْأُسَارَى والتجار فَفِيهِ وَجْهَان لتعارض غَلَبَة نِسْبَة الدَّار مَعَ تَغْلِيب الْإِسْلَام
ثمَّ هَذَا الصَّبِي إِذا بلغ وَأظْهر الْكفْر
مِنْهُم من قَالَ قَولَانِ كَمَا فِي تَبَعِيَّة المسترق والوالدين
وَمِنْهُم من قطع هَاهُنَا بِأَنَّهُ كَافِر أُصَلِّي لِأَن تَبَعِيَّة الدَّار فِي غَايَة الضعْف ثمَّ هَؤُلَاءِ ترددوا فِي تَنْفِيذ أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِ فِي الصَّبِي وَمَال صَاحب التَّقْرِيب إِلَى التَّوَقُّف وَهَذَا يُعَكر على إِطْلَاق القَوْل بِالْإِسْلَامِ
وأيد صَاحب التَّقْرِيب هَذَا باخْتلَاف القَوْل فِي وجوب الْقصاص على قَاتله الْمُسلم وَقَالَ لَا مَأْخَذ لَهُ إِلَّا هَذَا التَّوَقُّف
стр. 1845
فرع
الْمَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ تَابعا للدَّار لَو أَقَامَ ذمِّي بَيِّنَة على نسبه ألحق بِهِ وَتَبعهُ فِي الْكفْر وَتغَير مَا ظنناه من الْإِسْلَام وَإِن استلحق من غير بَيِّنَة ثَبت النّسَب وَفِي الحكم بِكُفْرِهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم لِأَن تَبَعِيَّة الْأَب أقوى من تَبَعِيَّة الدَّار وَالدّين يتبع النّسَب هَاهُنَا
وَالثَّانِي أَن ذَلِك أقوى إِذا لم يسْبق الحكم وَأما تسليط الذِّمِّيّ على الِاسْتِقْلَال بِإِبْطَال حكمنَا فبعيد
الحكم الثَّانِي فِي اللَّقِيط
جِنَايَته فِي الصَّبِي وَأرش خطئه على بَيت المَال وَإِن جنى عَلَيْهِ خطأ فالأرش لَهُ وَإِن كَانَ مُوجبا للقود نظر فَإِن كَانَ فِي النَّفس فقد اخْتلف نَص الشَّافِعِي ﵁ فِي الْقصاص أما وُجُوبه فَظَاهر لِأَنَّهُ مَعْصُوم مُسلم وَأما إِسْقَاطه فَاخْتلف فِي تقليه فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ سَببه أَن لَا وَارِث لَهُ وَأَنه يثبت للمجانين وَالصبيان وَسَائِر الْمُسلمين فَكيف يسْتَوْفى وعَلى هاذ لَو قتل من لَا وَارِث لَهُ فَلَا قصاص وَكَذَا كل
стр. 1846
قصاص خَلفه من لَا وَارِث لَهُ فَلَا قصاص عَلَيْهِ
وزيف صَاحب التَّقْرِيب هَذَا لِأَن الِاسْتِحْقَاق لَا ينْسب إِلَى آحَاد المجانين وَالصبيان بل إِلَى جِهَة الْإِسْلَام وَعلل بِأَن نَص الشَّافِعِي ﵁ يدل على توقفه فِي الْإِسْلَام بتبعية الدَّار لانتظار تغيره بعد الْبلُوغ
وَأما إِذا قطع طرفه فعلى طرْقَة الْأَصْحَاب يجب الْقصاص لتعين الْمُسْتَحق وعَلى طَريقَة صَاحب التَّقْرِيب يتَوَقَّف فَإِن أعرب عَن نَفسه بِالْإِسْلَامِ إِذا بلغ تبين الْوُجُوب وَإِلَّا فَلَا
هَذَا إِذا كَانَ الْقَاطِع مُسلما فَإِن كَانَ ذِمِّيا فَلَا توقف من جِهَة الْإِسْلَام
فَإِن قيل وَالْإِمَام هَل يَسْتَوْفِي الْقصاص
قُلْنَا إِن كَانَ فِي النَّفس فيستوفيه إِن رَآهُ أَو يَأْخُذ الدِّيَة لبيت المَال إِذْ لَا معنى للتوقف وَلَو منع من أَخذ الْبَدَل لصار الْقصاص حدا
وَإِن كَانَ فِي طرف فالمستحق هُوَ اللَّقِيط فَلَا يَسْتَوْفِيه لِأَن الْوَلِيّ عِنْد الشَّافِعِي ﵁ لَا يَسْتَوْفِي الْقصاص
وَحكي عَن الْقفال وَجه أَن السُّلْطَان يَسْتَوْفِي الْقصاص فِي طرف الْمَجْنُون لِأَنَّهُ لَا ينْتَظر لإفاقته وَقت مَخْصُوص
стр. 1847
وَهل للْإِمَام أَن يَأْخُذ الْأَرْش فِي الْحَال
نظر فَإِن وَجب لصبي غَنِي فَلَا وَإِن وَجب لمَجْنُون فَقير فَيَأْخُذ للْحَاجة وَعدم الِانْتِظَار فَإِن وَجب لصبي فَقير أَو لمَجْنُون غَنِي فَوَجْهَانِ لوُجُود أحد الْمَعْنيين
فَإِن قُلْنَا لَا يَأْخُذ فَيحْبس من عَلَيْهِ الْقصاص إِلَى الْإِفَاقَة وَالْبُلُوغ وَلَا يُبَالِي بطول الْحَبْس فَإِن تَفْوِيت الْحق غير مُمكن
وَإِن قُلْنَا يَأْخُذ فَبلغ الصَّبِي وانتهض لطلب الْقصاص فَفِيهِ وَجْهَان منشؤهما أَن الْأَخْذ للْحَيْلُولَة أم هُوَ إِسْقَاط للْقصَاص بِحكم ظُهُور الْمصَالح
ثمَّ قَالَ الْأَصْحَاب ولَايَة أَخذ المَال إِن جَعَلْنَاهُ إِسْقَاطًا فَلَا يثبت للْوَصِيّ وَإِن جعل للْحَيْلُولَة فيثب لَهُ
الحكم الثَّالِث نسب اللَّقِيط
وَفِيه مسَائِل
الأولى إِن ظهر إِنْسَان وَزعم أَنه وَالِده الْحق بِمُجَرَّد الدَّعْوَى إِذْ لَا مُنَازع وَإِقَامَة الْبَيِّنَة على النّسَب عسير
نعم إِن بلغ الصَّبِي وَأنكر فَهَل يَنْقَطِع وَجْهَان
أَحدهمَا لَا إِذْ تمّ الحكم بِهِ
стр. 1848
وَالثَّانِي نعم كَمَا إِذا استلحق بَالغا فَأنكرهُ فَإِنَّهُ لَا يثبت وَإِن كَانَ الْمُسْتَلْحق هُوَ الْمُلْتَقط نَفسه يثبت النّسَب
وَقَالَ مَالك ﵀ لَا يثبت لِأَنَّهُ لَا ينْبذ ولد نَفسه ثمَّ يلتقطه إِلَّا إِذا كَانَ لَا يعين أَوْلَاده فقد يفعل ذَلِك تفاؤلا
الثَّانِيَة لَو جَاءَ عبد واستلحقه نَص هَاهُنَا على أَنه يلْحقهُ وَنَصّ فِي الدَّعَاوَى على أَنه لَيْسَ أَهلا فَقَالَ الْأَصْحَاب قَوْلَيْنِ الصَّحِيح أَنه أهل إِذْ إِمْكَان النّسَب للرقيق حَاصِل
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ يقطع وَلَاء السَّيِّد بِهِ عَن نَفسه
ثمَّ الصَّحِيح على هَذَا أَن الْحر لَو استلحق صَبيا رَقِيقا لحقه
وَمِنْهُم من منع لهَذِهِ الْعلَّة وَهُوَ قطع الْحر بِدَعْوَاهُ وَلَاء السَّيِّد
الثَّالِثَة الْمَرْأَة إِذا استلحقت فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يلْحق بهَا كَالرّجلِ
стр. 1849
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَو ألحق بهَا للحق زَوجهَا وَقبُول قَوْلهَا على زَوجهَا محَال والإلحاق بهَا دونه محَال
وَالثَّالِث أَنه يلْحق الخلية دون ذَوَات الزَّوْج لما ذَكرْنَاهُ
الرَّابِعَة إِذا تداعى رجلَانِ نسب مَوْلُود فَلَا يقدم حر على عبد وَلَا مُسلم على كَافِر بل يتساويان نعم صَاحب الْيَد يقدم بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا أَن لَا تكون يَده يَد الْتِقَاط فَإِن يَد الِالْتِقَاط لَا تدل على النّسَب نعم تدل على الْحَضَانَة
وَالثَّانِي أَن يكون صَاحب الْيَد قد استلحق من قبل
فَإِن لم يسمع استلحاقه إِلَّا عِنْد دَعْوَى الثَّانِي فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا يقدم إِذا لَا دلَالَة لليد إِذْ لم يقارنه استلحاق
وَالثَّانِي نعم لِأَن الْيَد على الْجُمْلَة دَالَّة وَلَعَلَّ الِاسْتِلْحَاق كَانَ وَلم يبلغنَا
فرعان
أَحدهمَا إِذا أَقَامَ كل وَاحِد بَيِّنَة على أَنه وَلَده تَعَارَضَتَا وتهاترتا إِذْ لَا سَبِيل إِلَى قَول الْقِسْمَة وَلَا إِلَى قَول الْوَقْف فَإِنَّهُ لَا يزِيد فَائِدَة
стр. 1850
وَلَا يجْرِي قَول الإقراع أَيْضا إِذْ النّسَب لَا يثبت بِالْقُرْعَةِ
وَلَو تنَازعا فِي الْحَضَانَة وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة على الِالْتِقَاط فَإِن شهِدت لأَحَدهمَا بِالسَّبقِ فِي الِالْتِقَاط فَهُوَ مقدم فِي الْحَضَانَة وَإِن كُنَّا نتردد فِي مثله فِي الإملاك لِأَن حق الْحَضَانَة لَا ينْتَقل وَالْملك قد ينْتَقل وَكَذَلِكَ لَو كَانَ أَحدهمَا صَاحب يَد قدمت بَينته لِأَنَّهَا دلَالَة الِالْتِقَاط كبينة الدَّاخِل
وَإِن تَعَارضا من كل وَجه فإمَّا قَول التهاتر وَإِمَّا قَول الْقرعَة وَلَا سَبِيل إِلَى التَّوَقُّف وَالْقِسْمَة
الثَّانِي إِذا بلغ الْغُلَام وَقد تَعَارَضَت الدَّعَاوَى أَو الْبَينَات خيرناه بَينهمَا وأمرناه بالتعويل على حَرَكَة الْبَاطِن من جِهَة الجبلة لَا على مَحْض التشهي
فَإِن الْتحق بِأَحَدِهِمَا ثمَّ رَجَعَ لم يُمكن بِخِلَاف الصَّبِي الْمُخَير بَين الْأَبَوَيْنِ لِأَن ذَلِك يعْتَمد الشَّهْوَة
فَلَو ظهر قائف فَيقدم قَول الْفَاسِق على التحاقه لِأَنَّهُ أقوى
وَإِن الْقَائِف بَيِّنَة على خلَافَة قدمت الْبَيِّنَة لِأَنَّهَا أقوى من قَول الْقَائِف
وَفِي حكم اخْتِيَار اللَّقِيط بعد التَّمْيِيز وَقبل الْبلُوغ خلاف
стр. 1851
الحكم الرَّابِع رقّه وحريته
وللقيط أَرْبَعَة أَحْوَال
الْحَالة الأولى إِذا لم يدع أحد رقّه
فَالْأَصْل فِيهِ الْحُرِّيَّة فِي كل مَا يَخُصُّهُ وَلَا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ فينبني فِيهِ الْأَمر على الأَصْل إِذْ يحكم لَهُ بِالْملكِ وَيصرف مَاله إِلَى بَيت المَال إِذا مَاتَ
وَلَو جنى فالأرش على بَيت المَال لِأَنَّهُ لم يتَوَقَّف فِي تَوْرِيث بَيت المَال مِنْهُ فَكَذَا فِي تغريمه لِأَنَّهُ بإزائه
أما مَا يتَعَلَّق بِالْغَيْر فَإِن أتلف متْلف مَاله وغرمه لَهُ إِذا الْغرم لَا بُد مِنْهُ وَلَا أرب للغارم فِي مصرفه وَإِن قَتله عبد قتل بِهِ
وَإِن قَتله حر فحاصل الْخلاف ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يجب الْقصاص أَو الدِّيَة فَإِن الأَصْل الْحُرِّيَّة إِلَى أَن يظْهر نقيضه وَلم يظْهر
стр. 1852
وَالثَّانِي أَنه تجب الدِّيَة دون الْقصاص لِأَن الْقصاص يسْقط بِالشُّبْهَةِ وَهَذِه شُبْهَة ظَاهِرَة
وَالثَّالِث أَنه يجب أقل الْأَمريْنِ من الدِّيَة أَو الْقيمَة إِذْ لَا تشغل الذِّمَّة البرئية إِلَّا بِيَقِين وَقد ذكرنَا قولا فِي سُقُوط قصاص من لَا وَارِث لَهُ على التَّعْيِين فَذَلِك القَوْل عَائِد هَاهُنَا
وَإِنَّمَا الْأَوْجه الثَّلَاثَة تَفْرِيع على القَوْل الآخر
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يَدعِي مُدع نرقة بِغَيْر بَيِّنَة
فَإِن لم يكن فِي يَده فَلَا تقبل دَعْوَاهُ وَكَذَا إِن كَانَ فِي يَده وَالْيَد يَد الِالْتِقَاط لأَنا عرفنَا مُسْتَنده
وَفِيه وَجه أَنه يحكم لَهُ بِالرّقِّ بيد الِالْتِقَاط كمن وجد ثوبا فِي طَرِيق فَادّعى ملكه
وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا حق للثوب فِي الانفكاك عَن الْملك وللصبي حق فِيهِ
وَإِن لم تكن يَد الِالْتِقَاط بل وَجَدْنَاهُ فِي يَده وَهُوَ يزْعم أَنه رَقِيقه فَهُوَ مُصدق فَإِن بلغ الصَّبِي فَأنْكر فَفِي احْتِيَاج السَّيِّد إِلَى الْبَيِّنَة وَجْهَان سبق نظيرهما فِي النّسَب
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يُقيم الْمُدَّعِي بَيِّنَة على الرّقّ مُطلقًا
فحاصل الْمَذْهَب ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنَّهَا تسمع كالبينة على الْملك
وَالثَّانِي لَا بُد من ذكر السَّبَب لِأَن أَمر الرّقّ خطير وَرُبمَا عولت الْبَيِّنَة على ظَاهر
стр. 1853
الْيَد
وَالثَّالِث وَهُوَ الْأَصَح أَن يَد الْمُدَّعِي إِن كَانَت عَن جِهَة الِالْتِقَاط
فَلَا بُد من ذكر السَّبَب لِأَن الْبَيِّنَة رُبمَا استندت إِلَى هَذِه الْيَد الَّتِى لَا دلَالَة لَهَا
وَإِن لم يكن للْمُدَّعِي يَد أَو لم يكن لَهُ يَد الْتِقَاط سَمِعت الْبَيِّنَة
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا لَا بُد من التقيد فالقيد أَن يَقُول هَذَا رقيقي وَلدته جاريتي الْمَمْلُوكَة فِي ملكي وعَلى ملكي
فَلَو اقْتصر على أَنَّهَا وَلدته جَارِيَته الْمَمْلُوكَة فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا إِذْ قد تَلد الْجَارِيَة الْمَمْلُوكَة ولدا حرا عَن وَطْء بِشُبْهَة
وَالثَّانِي نعم إِذْ غَرَض التقيد أَن يَأْمَن استناد الْبَيِّنَة إِلَى ظَاهر الْيَد
стр. 1854
ثمَّ لَو قيدت الْبَيِّنَة الرّقّ بِالسَّبْيِ أَو الشِّرَاء أَو الْإِرْث كَانَ كَمَا لَو قيدته بِالْولادَةِ إِذْ الْمَقْصُود دفع حِيَال الْإِطْلَاق
الْحَالة الرَّابِعَة أَن يبلغ اللَّقِيط ويقر على نَفسه بِالرّقِّ للْمُدَّعِي
نظر فَإِن لم يسْبق مِنْهُ مَا يُنَاقض هَذَا الْإِقْرَار قبل قَوْله على الصَّحِيح إِذْ لم تكن الْحُرِّيَّة مجزومة بل كَانَ بِنَاء على الظَّاهِر
وَذكر صَاحب التَّقْرِيب قولا أَنه لَا تقبل تَفْرِيعا على أَنه لَو أعرب بالْكفْر لم يَجْعَل كَافِرًا أَصْلِيًّا مُرَاعَاة لاستصحاب حكم الْإِسْلَام وَكَذَا اسْتِصْحَاب أصل الْحُرِّيَّة وَهُوَ بعيد
أما إِذا سبق مِنْهُ مَا يناقضه نظر فَإِن سبق إِقْرَار بِالْحُرِّيَّةِ قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَاضِي حُسَيْن بِأَنَّهُ لَا يقبل إِقْرَاره إِذْ لله حق فِي حريَّة الْعباد وَقد ثَبت بِإِقْرَارِهِ فَلَيْسَ لَهُ إِبْطَاله
وَقطع الصيدلاني بِالْقبُولِ كَمَا لَو أنكر حق الْغَيْر ثمَّ أقرّ وكالمرأة إِذا أنْكرت الرّجْعَة ثمَّ أقرَّت
وَلَو كَانَ يرعي حق الشَّرْع لما قبل إِقْرَار اللَّقِيط ابتداءا وَقد حكم بحريَّته بِنَاء على الظَّاهِر
أما إِذا سبق إِقْرَار بِالرّقِّ لإِنْسَان فَأنْكر الْمقر لَهُ فَأقر بِالرّقِّ لغيره حكى الْعِرَاقِيُّونَ من نَص الشَّافِعِي ﵁ أَنه لَا يقبل إِقْرَاره الثَّانِي لِأَنَّهُ إِذا رد إِقْرَاره الأول عَاد إِلَى يَد نَفسه فَكَأَنَّهُ قد تمّ الحكم بحريَّته وَالثَّانِي نقض
стр. 1855
وَخرج ابْن سُرَيج قولا أَنه يقبل إِذْ الإقراران متوافقان على الرّقّ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الْإِضَافَة إِلَى السَّيِّد
أما إِذا لم يسْبق إِقْرَار وَلَكِن سبق تَصَرُّفَات تستدعي الْحُرِّيَّة من نِكَاح وَبيع وَغَيره فَهَذَا لَا يمنعهُ من أَن يقر على نَفسه فَيقبل إِقْرَاره بِالرّقِّ
وَيظْهر أَثَره فِي كل مَا قدر عَلَيْهِ كَمَا إِذا لم يسْبق التَّصَرُّف وَهل يقبل فِيمَا يقر بِغَيْرِهِ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه يقبل لِأَن الْأَمر فِيهِ لَا يتَجَزَّأ فَيصير إِقْرَاره كقيام الْبَيِّنَة
وَلَو قَامَت الْبَيِّنَة على رقة لقبل مُطلقًا فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ وسلك بتصرفاته السَّابِقَة مَسْلَك الصَّادِر من الرَّقِيق بِغَيْر إِذْنه
فَذَلِك لَا يخفى حكمه والتفريع عَلَيْهِ فَكَذَلِك هَذَا
وَالثَّانِي انه لَا يقبل فِيمَا يضر بِغَيْرِهِ إِذْ سبق مِنْهُ تصرف هُوَ الْتِزَام لحقوق الْأَعْيَان فَلَا تقبل مناقضته
وَالثَّالِث أَنه لَا يقبل فِيمَا مُضِيّ لِأَن الِالْتِزَام مَقْصُور عَلَيْهِ وَفِي الْمُسْتَقْبل هُوَ رَقِيق مُطلق فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ
وَيتَفَرَّع على الْقَوْلَيْنِ الآخرين فروع
الأول لقيطة نكحت ثمَّ أقرَّت بِالرّقِّ فالناكح دَائِم لِأَن فِي قطعه إِضْرَارًا
стр. 1856
بِالزَّوْجِ وَالْوَطْء وَإِن كَانَ مُسْتَقْبلا فَهُوَ فِي حكم الْمَاضِي وَوَلدهَا الذى انْفَصل مِنْهَا قبل الْإِقْرَار حر وَلَا قيمَة على الزَّوْج إِذْ فِيهِ إِضْرَار
وَفِي الْمُسْتَقْبل ترق الْأَوْلَاد إِن فرقنا بَين الْمَاضِي والمستقبل
وَلَا يَجْعَل الْوَلَد كالمستوفى بِالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ موهوم بِخِلَاف اسْتِحْقَاق الْوَطْء
وَأما الْمهْر فللسيد الْمُطَالبَة بِأَقَلّ الْأَمريْنِ من الْمُسَمّى أَو من الْمثل
فَإِن كَانَ الْمُسَمّى أقل فَفِي الزِّيَادَة إِضْرَار بِالزَّوْجِ وَإِن كَانَ مهر الْمثل أقل فالسيد لَا يَدعِي أَكثر مِنْهُ
أما الْعدة فَإِذا طَلقهَا الزَّوْج طَلَاقا رَجْعِيًا اعْتدت بِثَلَاثَة أَقراء لِأَنَّهُ اسْتحق الرّجْعَة فِي الثَّالِثَة وَفِيه إِضْرَار بِهِ
وَكَذَا إِن كَانَ الطَّلَاق بَائِنا لِأَن نفس الْعدة حق للزَّوْج وَإِلَّا إِذا قبلنَا إِقْرَارهَا فِيمَا يضر بِالْغَيْر فِي الْمُسْتَقْبل
وَيحْتَمل أَن يُقَال هَذَا كالمستحق بِالْعقدِ السَّابِق كَمَا فِي الْوَطْء
فَإِن مَاتَ الزَّوْج قَالَ الشَّافِعِي ﵁ تَعْتَد بشهرين وَخَمْسَة أَيَّام إِذْ حق الزَّوْج إِنَّمَا يحسن مراعاته فِي حَيَاته
стр. 1857
فَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِن سقط حَقه فَلَا عدَّة لِأَنَّهَا تَدعِي بطلَان النِّكَاح من الأَصْل بل عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاء إِن وطِئت وَإِلَّا فَلَا شئ عَلَيْهَا وَالنَّص مَا ذَكرْنَاهُ وَكَأن الشَّافِعِي ﵁ ينظر فِي أصل الْعدة إِلَى حق الشَّرْع وَفِي تَفْصِيله إِلَى حق الزَّوْج
أما تسلميها إِلَى الزَّوْج نَهَارا فَيجب لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ بِالْعقدِ السَّابِق فَفِي الْمَنْع إِضْرَار
الْفَرْع الثَّانِي لَقِيط نكح ثمَّ أقرّ بِالرّقِّ
فَإِن قبلنَا الْإِقْرَار مُطلقًا فقد بَان بطلَان النِّكَاح من أَصله وَلَا يخفى حكم وَطْء الرَّقِيق فِي مهر الْمثل إِن جرى
وَإِن لم نقبل فِيمَا مُضِيّ فقد بَطل حَقه من بضعهَا فِي الْمُسْتَقْبل فِي الْحَال فَكَأَنَّهُ طَلَاق فَيجب نصف الْمهْر مُتَعَلقا بِذِمَّتِهِ وَكَسبه إِن لم يكن وطئ وَإِن كَانَ وطئ فتمام الْمُسَمّى لِأَن الْوَطْء جرى فِي نِكَاح لم يتبعهُ بالإبطال فِيمَا مضى فَلَا يجب إِلَّا مهر الْمثل
الْفَرْع الثَّالِث لَقِيط بَاعَ وَاشْترى ثمَّ أقرّ
стр. 1858
فَهَذَا أَمر قد مضى فَإِن لم يقبل قَوْله فِي الْمَاضِي لم يتبع مَا مضى وَإِن قبل قَوْله عُمُوما قَدرنَا أَن تيك التَّصَرُّفَات صدرت من عبد غير مَأْذُون فيسترد أَعْيَان الْأَمْوَال وَيرد الْأَثْمَان
وَمَا تلف فِي يدهم مَضْمُونَة للسَّيِّد وَمَا تلف فِي يَد العَبْد فَيتَعَلَّق بِذِمَّة العَبْد لَا بِرَقَبَتِهِ وَكَسبه كديون مُعَاملَة العَبْد وَلَا ينفع الْعَامِل ظَنّه حُرِّيَّته عِنْد التَّصَرُّف
الْفَرْع الرَّابِع جنى اللَّقِيط ثمَّ أقرّ بِالرّقِّ
اقْتصّ مِنْهُ أَو تعلق الْأَرْش برقته
وَإِن جني عَلَيْهِ اقْتصّ إِن كَانَ الْجَانِي رَقِيقا وَإِن كَانَ حرا عدل إِلَى الْأَرْش
فَإِن قطع إِحْدَى يَدَيْهِ وتساوت الْقيمَة وَنصف الدِّيَة فَذَاك
وَإِن كَانَ نصف الْقيمَة أقل فَلَيْسَ للسَّيِّد إِلَّا ذَاك فَإِنَّهُ لَا يطْلب مزيدا
وَإِن كَانَ نصف الْقيمَة أَكثر فرع على الْأَقْوَال
فَإِن قُلْنَا الْإِقْرَار مُطلقًا لزم
وَإِن بَعْضنَا اقْتصر على نصف الدِّيَة فَإِنَّهُ إِضْرَار بالجاني
وَفِيه وَجه أَن التَّغْلِيظ على الْجَانِي أولى
فرع بِهِ الاختتام
إِذا قذف لقيطا بَالغا وَادّعى رقّه فَادّعى اللَّقِيط حريَّة نَفسه فَقَوْلَانِ
стр. 1859
أَحدهمَا القَوْل قَول الْقَاذِف لِأَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته
وَالثَّانِي القَوْل قَول اللَّقِيط لِأَن الأَصْل الْحُرِّيَّة وَهُوَ من تقَابل الْأَصْلَيْنِ
وَإِن قطع حر طرفه وَجرى هَذَا النزاع فطريقان
أَحدهمَا طرد الْقَوْلَيْنِ
وَالثَّانِي الْقطع بِالْقصاصِ إِذْ لَو لم نوجب لعدلنا إِلَى الْقيمَة وَهِي أَيْضا مَشْكُوك فِيهَا
أما الْحَد إِذا ترك فالتعزيز مستيقن بِكُل حَال وَالله تَعَالَى أعلم وَأحكم
стр. 1860
= كتاب الْفَرَائِض=
следующие страницы →