Полный текст (3 585 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يكون بِهِ ممسكا لِأَن التَّأْكِيد فِي حكم تَمام الْكَلَام
وَإِن قصد ظِهَارًا آخر فَفِي تعدد الظِّهَار مَعَ اتِّحَاد الْمَرْأَة طَرِيقَانِ
أَحدهمَا طرد الْقَوْلَيْنِ فِي تعدد الْكَفَّارَة
وَالثَّانِي الْقطع بالتعدد وتغليبا لجَانب اللَّفْظ
وَلَا خلاف أَنه لَو قذف شخصا وَاحِدًا مرَّتَيْنِ فالحد وَاحِد ثمَّ إِن طلق عقيب الثَّانِي لم يكن عَائِدًا فِي الثَّانِي وَهل يكون عَائِدًا فِي الأول لاشتغاله بِالثَّانِي فِيهِ وَجْهَان مرتبان على صُورَة إِرَادَة التَّأْكِيد وَهَا هُنَا أولى بِأَن يكون عَائِدًا لِأَنَّهُ كَلَام مُسْتَقل بِنَفسِهِ أما إِذا تخَلّل زمَان فَهُوَ عَائِد فِي الأول وَالظِّهَار الثَّانِي مُنْعَقد إِن قُلْنَا بِتَعَدُّد الْكَفَّارَة وَإِلَّا فَلَا فَائِدَة فِيهِ
أما إِذا قُلْنَا تَتَعَدَّد فَقَالَ أردْت التَّأْكِيد مَعَ تخَلّل الْفَصْل هَل يقبل هَا هُنَا تردد فِيهِ جَوَاب الْقفال كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْإِيلَاء لِأَن فِيهِ مشابه الْإِخْبَار
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة إِذا جن عقيب الظِّهَار فَلَيْسَ بعائد فَلَو أَفَاق لم تكن مُجَرّد الْإِفَاقَة عودا وَلَكِن إِن لم يُطلق عقيب الْإِفَاقَة صَار عَائِدًا وَلَو قَالَ إِن لم أَتزوّج عَلَيْك فَأَنت عَليّ كَظهر أُمِّي فَلَا ظِهَار فِي الْحَال فَإِن مَاتَ قبل التَّزْوِيج حصل الْيَأْس وَصَارَ مُظَاهرا عَائِدًا قبيل الْمَوْت هَكَذَا قَالَه ابْن الْحداد وَقَالَ بعض الْأَصْحَاب الظِّهَار حَاصِل وَلَا عود لانه مَاتَ عقيب انْعِقَاد الظِّهَار وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَقِيم مَا قَالَه لَو اسْتندَ انْعِقَاد الظِّهَار إِلَى الأول وَمَا ذكره ابْن الْحداد أغوص فَلْيتَأَمَّل
стр. 2592
فَإِن قيل الْوَطْء يحرم بِنَفس الظِّهَار أَو بِالْعودِ قُلْنَا بِالْعودِ إِذا لَو كَانَ بِمُجَرَّد الظِّهَار لَكَانَ تَسْتَقِر الْكَفَّارَة وَإِن طلق عَقِيبه حَتَّى لَو أَرَادَ وَطأهَا بِنِكَاح جَدِيد أَو ملك يَمِين لم يجز إِلَّا بكفارة وَلَيْسَ كَذَلِك لكنه إِذا عَاد حرم وَوَجَبَت الْكَفَّارَة واستقرت لَا لاجل استحلال الْوَطْء فَإِنَّهُ لَو أَبَانهَا بعد الْعود لم تسْقط الْكَفَّارَة لِأَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ بِالْعودِ المناقض للظهار كَمَا يسْتَقرّ بِالْحِنْثِ فِي الْيَمين فالكفارة تجب بالظهار وَالْعود جَمِيعًا وَالظِّهَار أحد سببيها كاليمين وَلذَلِك قَالَ ابْن الْحداد لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت عَليّ كَظهر أُمِّي ثمَّ أعتق عَن الظِّهَار ثمَّ دخلت وَقع الْعتْق لتأخره عَن أحد السببين وَخَالفهُ بعض الْأَصْحَاب وَقَالُوا وزانه مَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فوَاللَّه لَا أُكَلِّمك ثمَّ أعتق قبل الدُّخُول لَا يجزىء لِأَنَّهُ إِنَّمَا يصير حَالفا عِنْد الدُّخُول وَلَكِن يحْتَمل أَن يُقَال السَّبَب صَيْرُورَته حَالفا ومظاهرا وَقد وجد فَيَكْفِي ذَلِك وَالله أعلم
стр. 2593
= كتاب الْكَفَّارَات=
стр. 2594
وخصالها ثَلَاثَة الْعتْق وَالصَّوْم وَالْإِطْعَام وَالْعِتْق لَا يدْخل فِي فديَة الْحَج وَالْإِطْعَام لَا يدْخل فِي كَفَّارَة الْقَتْل على أحد الْقَوْلَيْنِ وَكَفَّارَة الْجِمَاع وَالظِّهَار متساويتان فِي التَّرْتِيب الْعتْق ثمَّ الصّيام ثمَّ الْإِطْعَام وَكَذَا كَفَّارَة الْقَتْل إِن قُلْنَا يدخلهَا الْإِطْعَام وَكَفَّارَة الْأَيْمَان على الْخيرَة بَين الْعتْق وَالْكِسْوَة وَالْإِطْعَام فَإِن عجز فالصيام ثَلَاثَة أَيَّام وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه وَالْمَقْصُود كَفَّارَة الظِّهَار ثمَّ ينْدَرج فِيهِ جمل من أَحْكَام الْكَفَّارَات
الْخصْلَة الأولى الْعتْق
وَلَا يجزىء فِي الْكَفَّارَات إِلَّا رَقَبَة مسلمة سليمَة كَامِلَة الرّقّ تعْتق بنية جازمة عتقا خَالِيا عَن شوب الْعِوَض فَهَذِهِ خَمْسَة شُرُوط فلنفصلها
الشَّرْط الأول الْإِسْلَام وَالْمُسلم كل من وَلَده مُسلم أَو مسلمة أَو أسلم أحد أَبَوَيْهِ فِي صغره أَو الْتقط فِي دَار الْإِسْلَام أَو سباه مُسلم فِي صغره وَلَيْسَ مَعَه أَبَوَاهُ أَو نطق بكلمتي الشَّهَادَة بعد الْبلُوغ فَلَو نطق وَهُوَ صبي مُمَيّز فَفِيهِ قَولَانِ وَلَو نطق مرها فَهُوَ مُسلم إِلَّا أَن يكون ذِمِّيا فَلَا يحكم بِإِسْلَامِهِ على أحد الْقَوْلَيْنِ وَفِيه مَسْأَلَتَانِ
стр. 2595
إِحْدَاهمَا أَنه لَو نطق بكلمتي الشَّهَادَة فَالصَّحِيح أَنه إِسْلَام وَإِن لم يُصَرح بِالْبَرَاءَةِ عَن سَائِر الْملَل وَمِنْهُم من شَرط ذَلِك نعم لَو اقْتصر على قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ ذَلِك على وفْق مِلَّته لَا يحكم بِإِسْلَامِهِ وَإِن كَانَ على خِلَافه كالثنوي وَالنَّصْرَانِيّ الْقَائِل بالتثليث فَمنهمْ من حكم بِإِسْلَامِهِ ثمَّ قَالَ يُطَالب بِالشَّهَادَةِ الثَّانِيَة فَإِن أَبى جعل مُرْتَدا وَمِنْهُم من لم يحكم بِإِسْلَامِهِ مَا لم يَأْتِ بكلمتي الشَّهَادَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَو أقرّ بِصَلَاة أَو ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام يُخَالف مِلَّته هَل يَجْعَل بِهِ مُسلما فِيهِ وَجْهَان وضابطه عِنْد من يَجعله مُسلما أَن كل مَا يكفر الْمُسلم بإنكاره فَيصير الْكَافِر بِالْإِقْرَارِ بِهِ مُسلما لِأَن التَّصْدِيق والتكذيب لَا يتَجَزَّأ ولعلنا قد استقصينا هَذِه الْأَحْكَام فِي كتاب اللَّقِيط فَلَا نعيده
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يشْتَرط الْإِيمَان فِي رَقَبَة كَفَّارَة الظِّهَار فَإِن الْوَارِد فِي الْقُرْآن رَقَبَة مُطلقَة وَلَكِن عندنَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد
стр. 2596
الشَّرْط الثَّانِي السَّلامَة من الْعُيُوب وَعَلِيهِ تنزل الرَّقَبَة الْمُطلقَة فِي الْقُرْآن ثمَّ قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ الأقطع يجزىء والأصم والأبكم لَا يجزىء وَجعل الضَّابِط فِيهِ زَوَال جنس من الْمَنْفَعَة لِأَن الْعَيْب الْمُعْتَبر فِي الْبياعَات لَا يعْتَبر فَاعْتبر كَمَال أَجنَاس الْأَعْضَاء وَالْمَنَافِع وَالشَّافِعِيّ ﵁ اعْتبر مَا يُؤثر فِي الْعَمَل أثرا بَينا إِذْ غَرَض الْإِعْتَاق أَن يسْتَقلّ وَيسْعَى لنَفسِهِ
والزمن لَا يجزىء فِي الْعتْق ويجزىء الْأَصَم والأعور إِذْ يقدر على الْعَمَل وَالْكَسْب وَكَذَلِكَ الْأَقْرَع والأعرج والعنين والخصي والأقطع لَا يجزىء وَقطع الْإِبْهَام أَو المسبحة أَو الْوُسْطَى مَانع وَقطع الْخِنْصر أَو البنصر لَا يمْنَع وقطعهما جَمِيعًا مَانع إِن كَانَ من يَد وَاحِدَة وَمن يدين لَا يُؤثر وَقطع أُنْمُلَة لَا يُؤثر إِلَّا من الْإِبْهَام وفقد أَصَابِع الرجل لَا يُؤثر
وَالْمَجْنُون لَا يجزىء إِذا كَانَ جُنُونه مطبقا وَالْمَرِيض الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَاله لَا
стр. 2597
يجزىء فَإِن زَالَ على الندور فَهَل يتَبَيَّن إجزاؤه فِيهِ خلاف وَالَّذِي يُرْجَى زَوَاله يجزىء فَإِن مَاتَ فَهَل نتيقن أَنه لم يَقع موقعه فِيهِ خلاف وَإِن كَانَ يجن ويفيق فيجزىء إِن كَانَ أَيَّام الْإِفَاقَة أَكثر وَإِلَّا فَفِيهِ تردد والهرم الْعَاجِز لَا يجزىء وَالصَّغِير وَهُوَ ابْن يَوْم يجزىء لِأَن مصيره إِلَى الْكبر وَالظَّاهِر أَن الْجَنِين لَا يجزىء وَفِيه وَجه
وَأما الْأَخْرَس فَالْقِيَاس أَنه يجزىء وَقد اخْتلف فِيهِ نَص الشَّافِعِي ﵁ وَمِنْهُم من قَالَ قَولَانِ وأجراهما فِي الْأَصَم الأصلخ وَمِنْهُم من قطع بِالْجَوَازِ وَحمل النَّص على الَّذِي لَا يفهم الْإِشَارَة
الشَّرْط الثَّالِث كَمَال الرّقّ فَلَا يجزىء عتق الْمُسْتَوْلدَة لِأَنَّهُ يمْتَنع بيعهَا وَلَا عتق الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة لنُقْصَان الرّقّ ولوقوع الْعتْق عَن جِهَة الْكِتَابَة بِدَلِيل استتباع الإكساب وَالْأَوْلَاد وَالْمكَاتب كِتَابَة فَاسِدَة يبتنى على العلتين إِن عللنا بِنُقْصَان الرّقّ نفذ وَإِن عللنا بالاستتباع وَقُلْنَا إِنَّه يستتبع لم ينفذ
وَلَو اشْترى عبدا بِشَرْط الْعتْق وَأعْتقهُ عَن الْكَفَّارَة فَفِيهِ تَفْصِيل ذَكرْنَاهُ فِي البيع أما عتق العَبْد الْمَرْهُون والجاني إِن نفذناه فَهُوَ يجزىء عَن الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ يفك الرَّهْن بِخِلَاف الْكِتَابَة
فروع
الأول العَبْد الْغَائِب الَّذِي تتواصل أخباره يجزىء إِعْتَاقه والمنقطع الْخَبَر نَص
стр. 2598
على أَنه لَا يجزىء وَنَصّ أَنه يخرج عَنهُ زَكَاة الْفطر فَقيل هُوَ ميل إِلَى الإحتياط فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقيل فيهمَا قَولَانِ لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ وَالْأَصْل اشْتِغَال الذِّمَّة
الثَّانِي العَبْد الْمَغْصُوب فِي يَد متغلب يجزىء إِعْتَاقه وَفِيه وَجه أَنه لَا يجزىء لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيد اسْتِقْلَالا كَامِلا كالأطقع وَهُوَ أميل
الثَّالِث إِذا اشْترى قَرِيبه بنية الْكَفَّارَة لم يُجزئهُ لِأَن عتقه يسْتَحق من جِهَة الْقَرَابَة وَقَالَ الأودني إِذا اشْتَرَاهُ الْخِيَار وَأعْتقهُ عَن كَفَّارَته جَازَ
الرَّابِع إِذا أعتق نِصْفَيْنِ من عبد فِي دفعتين أَجزَأَهُ وَلَو أعتق نصفي عَبْدَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا يجزىء لِأَن الأشقاص تجمع أشخاصا فِي الزَّكَاة كَذَلِك هَذَا
وَالثَّانِي لَا لِأَن الْمَقْصُود إِفَادَة الإستقلال فَلَا تحصل بالتجزئة نعم لَو ملك عَبْدَيْنِ وَعَلِيهِ كفارتان فَقَالَ أعتقهما عَن كفارتي نصف كل وَاحِد
стр. 2599
مِنْهُمَا عَن كَفَّارَة فقد حُكيَ عَن نَص الشَّافِعِي ﵁ أَنه يجزىء فَمنهمْ من قَالَ عتق العبدان عَن الكفارتين وَلَا معنى لتجزئته وإضافته
الْخَامِس إِذا ملك الْمُعسر نصف عبد فَأعتق نصفه عَن كَفَّارَته ثمَّ اشْترى النّصْف الثَّانِي وَأعْتق جَازَ لِأَنَّهُ كمل الْخَلَاص وَإِن كَانَ مُوسِرًا فَفِي كَيْفيَّة نُفُوذ الْعتْق ثَلَاثَة أَقْوَال
فَإِن فرعنا على تنجز الْعتْق نظر فَإِن وَجه الْعتْق على جملَة العَبْد وَقَالَ أعتقك عَن الْكَفَّارَة نفذ وأجزأ وَقَالَ الْقفال لَا ينْصَرف النّصْف الثَّانِي إِلَيْهَا لِأَنَّهُ عتق بتسرية الشَّرْع لَا بإعتاقه إِلَّا أَنا نقُول حصل بتسببه فَصَارَ كَمَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر عَن كفارتي فَدخل العَبْد عتق وأجزأه إِن وَجه على النّصْف لم ينْصَرف النّصْف الْبَاقِي إِلَى الْكَفَّارَة وَهل يجزىء ذَلِك النّصْف يبتنى على عتق الأشقاص
وَإِن فرعنا على أَن الْعتْق يتَوَقَّف على أَدَاء الْقيمَة فَنوى عِنْد اللَّفْظ صرف النّصْف وَعند الْأَدَاء صرف النّصْف الثَّانِي جَازَ وَإِن نوى الْكل عِنْد اللَّفْظ فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا الْجَوَاز لِأَنَّهُ السَّبَب الْمُعْتق عِنْد الْأَدَاء
وَالثَّانِي أَنه لَا بُد عِنْد الْعتْق من النِّيَّة
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد يجب أَن يَنْوِي الْكل عِنْد اللَّفْظ وَلَا يعْتد بِالنِّيَّةِ عِنْد
стр. 2600
الْأَدَاء
الشَّرْط الرَّابِع أَن يكون خَالِيا عَن الْعِوَض فَلَو أعتق على أَن يرد العَبْد إِلَيْهِ دِينَارا لم يَقع عَن الْكَفَّارَة وَلَو قَالَ لغيره أعتق عَبدك عَن كفارتك وَلَك ألف عَليّ فَأعتق نفذ لَا عَن الْكَفَّارَة وَهل يسْتَحق الْألف فِيهِ وَجْهَان جاريان فِي الإلتماس من غير ذكر الْكَفَّارَة
أَحدهمَا لَا لِأَن الْعتْق وَقع مِنْهُ فَكيف يسْتَحق الْعِوَض
وَالثَّانِي يسْتَحق كَمَا لَو قَالَ أعتق مستولدتك وَلَك عَليّ ألف وَكَأن الْخلاف يرجع إِلَى أَن الْفِدَاء هَل يجوز مَعَ إِمْكَان هَذَا الشِّرَاء
وَعند هَذَا جرت الْعَادة بِذكر النّظر فِي التمَاس الْعتْق وَفِيه مسَائِل
الأولى إِذا قَالَ أعتق مستولدتك وَلَك عَليّ ألف نفذ وَلزِمَ الْألف وَهُوَ افتداء ومقابلة لِلْمَالِ بِإِسْقَاط الْملك كَمَا فِي اختلاع الْأَجْنَبِيّ
وَلَو قَالَ أعتق مستولدتك عني على ألف فَقَالَ أعتقت عَنْك عتقت ولغا قَوْله عَنْك وَالظَّاهِر أَنه لَا يسْتَحق الْعِوَض لِأَنَّهُ رَضِي بِهِ بِشَرْط الْوُقُوع عَنهُ وَلم يَقع وَفِيه وَجه أَنه يسْتَحق ويلغي قَوْله عني كَمَا لَو قَالَ طلق زَوجتك عني فَإِنَّهُ يحمل على أَنه أَرَادَ طَلقهَا لأجلي فَيسْتَحق الزَّوْج الْعِوَض
وَاعْلَم أَن حكم الشَّافِعِي ﵁ بنفوذ الْعتْق فِي الْمُسْتَوْلدَة مَعَ قَوْله أعتقت عَنْك يدل على أَنه إِذا وصف الْعتْق أَو الطَّلَاق بِوَصْف محَال يلغي الْوَصْف دون الأَصْل
الثَّانِيَة إِذا قَالَ أعتق عَبدك عني فَقَالَ أعتقت وَقع عَن المستدعي ثمَّ إِن ذكر
стр. 2601
عوضا اسْتَحَقَّه وَإِن لم يذكر فَهَل يسْتَحق فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا يسْتَحق بل يحمل على الْهِبَة
وَالثَّانِي أَنه يسْتَحق كَمَا لَو قَالَ اقْضِ ديني فَإِنَّهُ يرجع على رَأْي وَلَكِن هَذَا التَّوْجِيه إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا قَالَ أعتق عَن كفارتي فَإِنَّهُ أَدَاء حق مُسْتَحقّ
وَلَو صرح وَقَالَ أعْتقهُ عني مجَّانا فَقَالَ أعتقت نفذ وَلَا عوض وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا ينفذ لِأَن الْملك لَا يحصل فِي الْهِبَة دون الْقَبْض وَلَكِن قَالَ بعض الْأَصْحَاب إِعْتَاقه تسليط تَامّ أقوى من الْإِقْبَاض وبنوا عَلَيْهِ أَنه لَو وهب ثمَّ قَالَ للمتهب أعْتقهُ عَن نَفسك فَأعتق نفذ عتقه من غير قبض
أما إِذا أطلق وَقَالَ أعتق عَبدك وَلم يقل عني أَو عَنْك فَأعتق فعلى مَاذَا ينزل فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه عَن المستدعي بِقَرِينَة الإستدعاء
وَالثَّانِي أَنه كَقَوْلِه أعتق عَن نَفسك حَتَّى يخرج النّظر فِي الْعِوَض على مَا ذَكرْنَاهُ
الثَّالِثَة إِذا قَالَ إِذا جَاءَ الْغَد فَعَبْدي حر عَنْك بِأَلف فَقَالَ قبلت فَهَذَا كتعليق الْخلْع وَقد ذَكرْنَاهُ وَلَو قَالَ أعتق عَبدك عني غَدا بِأَلف فَصَبر حَتَّى جَاءَ الْغَد وَقَالَ أعتقت قَالَ صَاحب التَّقْرِيب هَا هُنَا يسْتَحق الْمُسَمّى لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقا وَفِيه نظر أَيْضا ذَكرْنَاهُ فِي الْخلْع وَلَو قَالَ أعْتقهُ عني على خمر أَو مَغْصُوب فَهُوَ كالخلع على الْمَغْصُوب وَيحْتَمل هَا هُنَا الْفساد فِي الْعِوَض وَإِن كَانَ الْملك
стр. 2602
يحصل للمستدعي لِأَنَّهُ ملك ضمني فَلَا تعْتَبر شُرُوطه وَينظر إِلَى صُورَة الْإِعْتَاق وَلذَلِك لم يشْتَرط الْقَبْض فِي الْإِعْتَاق مجَّانا
فَإِن قيل الْعتْق يحصل مُتَّصِلا بآخر قَوْله أعتقت فالملك كَيفَ يحصل قبله فَيكون قد حصل قبل اللَّفْظ أَو كَيفَ يحصل بعده فَيكون مُتَأَخِّرًا عَن الْعتْق أَو مَعَه فَيكون مَعَ الْعتْق وَالْكل محَال قُلْنَا ذكر فِيهِ خَمْسَة أوجه
أَحدهَا أَنا نتبين حُصُوله بعد الإلتماس وَقبل الْإِجَابَة
وَالثَّانِي أَنه يتَبَيَّن حُصُوله عِنْد الشُّرُوع فِي اللَّفْظ وهما بعيدان لِأَنَّهُ تَقْدِيم الْمُسَبّب على السَّبَب
وَالثَّالِث أَنه يحصل الْملك مَعَ آخر أَجزَاء اللَّفْظ وَالْعِتْق مُرَتبا عَلَيْهِ
وَالرَّابِع أَنه يحصل مُرَتبا على اللَّفْظ وَالْعِتْق يتَأَخَّر لَحْظَة
وَالْخَامِس وَهُوَ اخْتِيَار أبي إِسْحَاق ﵀ أَن الْملك وَالْعِتْق يَتَرَتَّب
على اللَّفْظ مَعًا واستبعد ذَلِك مِنْهُ وَنسب إِلَى الْجمع بَين المتضادين وَلَعَلَّه يَعْنِي أَنه جرى سَبَب الْملك وَالْعِتْق فِي حَالَة وَاحِدَة فيندفع الْملك فِي وَقت جَرَيَان سَببه وَيكون ذَلِك فِي معنى الإنقطاع وَلِهَذَا غور ذَكرْنَاهُ من قبل
وَبِالْجُمْلَةِ فقد اخْتلفُوا فِي أَن كل حكم يَتَرَتَّب على لفظ فَيكون مَعَ آخر جُزْء من اللَّفْظ أَو مُتَأَخِّرًا مترتبا عَلَيْهِ ترَتّب الضِّدّ على زَوَال الضِّدّ وَالأَصَح أَنه مَعَ آخر جُزْء من اللَّفْظ لِأَن الْمَعْلُول يَنْبَغِي أَن يكون مَعَ الْعلَّة كَمَا ذَكرْنَاهُ
الشَّرْط الْخَامِس النِّيَّة وَلَا بُد مِنْهَا لِأَن الْكَفَّارَة فِيهَا مشابه الْعِبَادَات نعم
стр. 2603
تصح من الذِّمِّيّ وَالْمُرْتَدّ إِذا قُلْنَا لَا يَزُول ملكه أَو يسْتَثْنى قدر الْكَفَّارَة عَن ملكه الزائل كَمَا نستثني قدر الدّين وَلَا تصح النِّيَّة مِنْهُمَا وَلَكِن يسْتَقلّ بمشابه الغرامات فَإِن فِيهَا شبه الغرامات أما صَوْم الْكَفَّارَة فَلَا يَصح مِنْهُمَا لِأَنَّهُ عبَادَة مَحْضَة كَالزَّكَاةِ فَلذَلِك لَا يتَصَوَّر من كَافِر
فرع لَا يشْتَرط تعْيين النِّيَّة فِي الْكَفَّارَات عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵀
فَلَو كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَات فيكفيه أَن يَنْوِي الْإِعْتَاق عَن الْكَفَّارَة لِأَن تعْيين النِّيَّة عندنَا يجب قصدا إِلَى التَّقَرُّب بِالصِّفَاتِ الْمَقْصُودَة فِي الْعِبَادَات الْمُخْتَلفَة الْمَرَاتِب ومرتبة الظّهْر تغاير مرتبَة الصُّبْح وَكَذَلِكَ صَوْم رَمَضَان يغاير صَوْم النّذر وَلَا تفَاوت فِي الْكَفَّارَات كَمَا لَا تفَاوت فِي زَكَاة أَعْيَان الْأَمْوَال فالأموال أَسبَاب الزَّكَاة والجنايات أَسبَاب الْكَفَّارَات وَهِي مُتَفَاوِتَة وَقد طردوا هَذَا فِي الْعتْق الْمُلْتَزم بِالنذرِ مَعَ
стр. 2604
الْكَفَّارَة وَإِن كَانَ النّذر قربَة وَالْكَفَّارَة سَببهَا جريمة وَلَكِن لم يلْتَفت إِلَى هَذَا نعم إِذا أعتق فِي الْكَفَّارَة وَأَخْطَأ لم يُجزئهُ فَإِذا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَة قتل فَنوى الظِّهَار لم يَقع عَن الْقَتْل وَقد صرفه عَنهُ وَعَلِيهِ الْإِعَادَة وَهُوَ كتعيين الْإِمَامَة فِي الْقدْوَة وَلَا تشْتَرط وَلَكِن لَو أَخطَأ فَسدتْ الْقدْوَة
стр. 2605
الْخصْلَة الثَّانِيَة الصّيام
وَفِيه نظران
الأول فِيمَا يجوز الْعُدُول إِلَيْهِ وَلَا يعْتَبر عندنَا عجز مُحَقّق عَن الْإِعْتَاق بل يَكْفِي أَن يعسر ذَلِك عَلَيْهِ لغَرَض مُعْتَبر مُعْتَد بِهِ وَالَّذِي لَا يملك شَيْئا لَا يخفى أمره أما إِن ملك عبدا أَو مسكنا أَو مَالا فَفِيهِ نظر فَنَقُول إِن كَانَ زَمنا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى العَبْد لخدمته أَو كَانَ منصبه يَقْتَضِي أَن يخْدم وَلَا يُبَاشر الْأَعْمَال بِنَفسِهِ فَيجوز لَهُ الصَّوْم عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵀
وَإِن كَانَ عَبده نفيسا يُمكن إِبْدَاله بعبدين يلْزمه ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ قد ألف العَبْد وارتضاه من زمَان فَإِنَّهُ يعسر عَلَيْهِ الْإِبْدَال فَلَا يلْزمه وَفِيه وَجه أَنه يلْزمه ذَلِك وَلَا يعْتَبر الإلف
أما الْمسكن فَلَا يُبَاع إِلَّا إِذا كَانَ فضلا عَن مِقْدَار حَاجته لاتساع خطته وَأمكنهُ
стр. 2606
بيع بعضه فَإِن كَانَ بَيْتا نفيسا وَأمكن إِبْدَاله بمثليه فَهُوَ كَالْعَبْدِ النفيس المألوف لِأَن الْجلاء عَن الْمسكن أَيْضا شَدِيد فَفِيهِ وَجْهَان
أما المَال إِذا ملكه زَائِدا عَن الْمسكن واللباس والأثاث الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فَيصْرف إِلَى الْعتْق إِلَّا إِذا كَانَ رَأس مَاله أَو ضَيْعَة لَو بَاعهَا لصار مِسْكينا يحل لَهُ سهم الْمَسَاكِين فالإنتقال إِلَى حَال المسكنة أَشد من الإنتقال من دَار أَو عبد فَقِيَاس قَول الْأَصْحَاب أَنه لَا يُكَلف ذَلِك ويكاد يُخَالف هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام﴾ وَلَكِن توسع الْأَصْحَاب فِي هَذَا لِأَن صَوْم شَهْرَيْن يكَاد يكون أشق من إِعْتَاق عبد وَلَيْسَ بَينهمَا كَبِير تفَاوت وَلَيْسَ كَذَلِك زَكَاة الْفطر فَإِنَّهُ يصرف إِلَيْهِ كل مَا فضل عَن قوت الْيَوْم لِأَنَّهُ أصل وَتَركه إبِْطَال لَا إِبْدَال
أما إِذا كَانَ لَهُ مَال غَائِب فَلَا يجوز لَهُ الصَّوْم لِأَن الْكَفَّارَة على التَّرَاخِي وَيُمكن أَدَاؤُهَا عَنهُ بعد مَوته بِخِلَاف قَضَاء الصَّلَاة فَإِنَّهُ تجوز بِالتَّيَمُّمِ مَعَ توقع المَاء فِي ثَانِي الْحَال لِأَن الْمَوْت متوقع فِي كل حَال فَإِن قيل فَيعْتَبر إِعْسَاره عِنْد الْوُجُوب أَو الْأَدَاء قُلْنَا فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه يعْتَبر حَالَة الْوُجُوب تَغْلِيبًا لمشابه الْعُقُوبَات فعلى هَذَا لَو كَانَ مُعسرا ثمَّ أيسر وَأعْتق جَازَ بطرِيق الأولى وَذكر صَاحب التَّقْرِيب وَجها أَنه لَا يجوز لِأَن هَذَا التَّرْتِيب بعيد وَإِلَّا فالصوم أشق وَهُوَ بعيد إِذْ الْمُعسر لَو تكلّف الْإِعْتَاق فَلَا يَنْبَغِي أَن يمْنَع نعم ذكر وَجْهَان فِي العَبْد إِذا أعتق قبل الصَّوْم وأيسر أَنه هَل يعْتق لِأَنَّهُ لم يكن أَهلا لوُجُوب الْعتْق فِي الإبتداء وَهَذَا منقدح
стр. 2607
القَوْل الثَّانِي أَنه يعْتَبر حَالَة الْأَدَاء تَشْبِيها بالعبادات إِذْ يعْتَبر فِي الْقعُود فِي الصَّلَاة وَفِي التَّيَمُّم حَالَة الْأَدَاء وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀
وعَلى هَذَا لَو شرع فِي الصَّوْم ثمَّ أيسر لَا يقطع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا شرع فِي الْبَدَل فقد اسْتَقر الْأَمر كالمتيمم إِذا وجد المَاء بعد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ والمزني لَا مبالاة بِالشُّرُوعِ بل يسْتَقرّ الْأَمر بالفراغ لِأَن وزان الشُّرُوع فِي الصَّوْم الشُّرُوع فِي التَّيَمُّم دون الصَّلَاة وَعِنْدَهُمَا تنْتَقض الصَّلَاة بِرُؤْيَة المَاء
وَمن اصحابنا من وَافق الْمُزنِيّ هَا هُنَا فعلى هَذَا القَوْل نقُول الْوَاجِب الصَّوْم بِشَرْط أَن يسْتَمر الْإِعْسَار إِلَى الْفَرَاغ
стр. 2608
القَوْل الثَّالِث أَنه يعْتَبر أغْلظ الْحَالَتَيْنِ فَإِذا أيسر عِنْد الْأَدَاء أَو عِنْد الْوُجُوب لزم الْعتْق احْتِيَاطًا وعَلى هَذَا لَو كَانَ مُعسرا فِي الطَّرفَيْنِ وتخلل الْيَسَار لم يُؤثر فَكَأَن مَا اقْتَضَاهُ حَالَة الْوُجُوب لَا يُغَيِّرهُ إِلَّا حَالَة الْأَدَاء
وَأما العَبْد فمعسر وكفارته بِالصَّوْمِ وَأما الْإِطْعَام وَالْعِتْق فيبنى على أَنه هَل يملك بالتمليك وَالْعِتْق أولى بِأَن يمْتَنع عَلَيْهِ وَالصَّحِيح أَنه لَا يملك بالتمليك
ثمَّ إِن العَبْد لَا يَصُوم إِلَّا بِإِذن السَّيِّد إِلَّا إِذا حلف وَحنث بِإِذْنِهِ فَإِن حلف بِإِذْنِهِ وَحنث بِغَيْر إِذْنه لم يصم وَإِن حلف بِغَيْر إِذْنه وَحنث بِإِذْنِهِ فَوَجْهَانِ وَإِنَّمَا يعْتَبر إِذْنه لِأَن حق السَّيِّد على الْفَوْر وَالصَّوْم على التَّرَاخِي بِخِلَاف شهر رَمَضَان وَأما من نصفه حر وَنصفه عبد فَهُوَ كالأحرار فِي الْكَفَّارَة وكالعبيد فِي الْجُمُعَة وَالشَّهَادَة وَالْولَايَة وَصدقَة فطره تتوزع على الرّقّ وَالْحريَّة
النّظر الثَّانِي فِي حكم الصَّوْم
وَفِيه مسَائِل
إِحْدَاهَا أَنه يجب عَلَيْهِ تبييت النِّيَّة وَلَا يجب تعْيين جِهَة الْكَفَّارَة نعم يَنْوِي صَوْم الْكَفَّارَة وَهل يَنْوِي التَّتَابُع فِيهِ وَجْهَان فَإِن قُلْنَا يَنْوِي يَكْفِيهِ ذَلِك فِي اللَّيْلَة الأولى أَو يجددها كل لَيْلَة فِيهِ وَجْهَان وَإِذا مَاتَ لم يصم
стр. 2609
عَنهُ وليه على الصَّحِيح
الثَّانِيَة يَصُوم شَهْرَيْن بِالْأَهِلَّةِ فَإِن ابْتَدَأَ فِي أثْنَاء شهر صَامَ الشَّهْر الثَّانِي بالهلال وكمل الشَّهْر الأول ثَلَاثِينَ من الشَّهْر الثَّالِث خلافًا لأبي حنيفَة ﵀
الثَّالِثَة لَا بُد من التَّتَابُع فِي كَفَّارَة الظِّهَار والوقاع وَالْقَتْل فَلَو أفسد الْيَوْم الْأَخير أَو نسي النِّيَّة فِيهِ وَجب اسْتِئْنَاف الْكل وَهل يفْسد مَا مضى أَو يَنْقَلِب نفلا فِيهِ وَفِي نَظَائِره قَولَانِ
أما إِذا وطىء الْمظَاهر لَيْلًا لم يفْسد تتابعه وَلكنه يَعْصِي إِذْ التَّتَابُع قَائِم والتقديم على الْوَطْء قد فَاتَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يسْتَأْنف
стр. 2610
الرَّابِعَة الْحيض لَا يقطع التَّتَابُع وَالْمَرَض الَّذِي يُبِيح مثله الْإِفْطَار فِيهِ قَولَانِ مشهوران
أَحدهمَا أَنه لَا يقطع التَّتَابُع لِأَنَّهُ لَا يزِيد وصف التَّتَابُع على وصف شهر رَمَضَان
وَالثَّانِي أَنه يقطع لِأَن تدارك التَّتَابُع هَا هُنَا مُمكن بِخِلَاف وصف رَمَضَان
وَفِي السّفر قَولَانِ مرتبان وَأولى بِأَن يقطع لِأَنَّهُ مَنُوط بالإختيار وَلَو قيل إِنَّه لَا يقطع على بعد فَلَا يبعد أَن يجزىء فِيمَا إِذا نسي النِّيَّة وَلَا قَائِل بِهِ لِأَنَّهُ مقصر بِالنِّسْيَانِ وَلذَلِك يلْزمه الْإِمْسَاك دون الْحَائِض وَالْمُسَافر إِذا زَالَ عُذْرهمَا
فرع
لَو أَرَادَت الْحَائِض أَن تفطر ثمَّ بعد الطُّهْر تسْتَأْنف شَهْرَيْن فَفِيهِ إحباط لوصف الْفَرْضِيَّة من الصَّوْم السَّابِق فَهَذَا فِيهِ احْتِمَال وَالْأَظْهَر جَوَازه لِأَنَّهُ على التَّرَاخِي وَمَا مضى لَا يفْسد وَكَانَت الْفَرْضِيَّة مَوْقُوفَة على الْفَرَاغ
стр. 2611
الْخصْلَة الثَّالِثَة الْإِطْعَام
ويعدل إِلَيْهِ الْعَاجِز عَن الصَّوْم بالهرم وَالْمَرَض الَّذِي يَدُوم شَهْرَيْن وَلَيْسَ توقع الصِّحَّة بعده كتوقع رُجُوع المَال الْغَائِب بعد شَهْرَيْن لِأَن من لَهُ مَال غَائِب يُسمى واجدا وَهَذَا يُسمى عَاجِزا فِي الْحَال وَفِي انْتِقَال الْمُسَافِر إِلَى الْإِطْعَام تردد
وَأما الشبق المفرط فَالظَّاهِر أَنه لَا يرخص فِي الْعُدُول إِلَى الْإِطْعَام وَهُوَ الْقيَاس وَفِيه وَجه يسْتَند إِلَى حَدِيث الْأَعرَابِي وَقد ذكرنَا إشكاله فِي الصَّوْم
وَالنَّظَر بعد هَذَا فِي قدر الْمخْرج وجنسه والمخرج إِلَيْهِ والإخراج
أما جنس الْمخْرج فَهُوَ كَزَكَاة الْفطر وَأما قدره فستون مدا
وَأما الْمخْرج إِلَيْهِ فالمسكين الَّذِي يجوز صرف الزَّكَاة إِلَيْهِ وَلَا يجوز عندنَا أَن يصرف إِلَى مِسْكين وَاحِد سِتِّينَ مدا فِي سِتِّينَ يَوْمًا خلافًا لأبي حنيفَة
стр. 2612
رَحمَه الله فَلَا بُد من رِعَايَة عدد الْمَسَاكِين لظَاهِر الْآيَة وَأما الْإِخْرَاج فَهُوَ التَّمْلِيك والتسليط التَّام فَلَا يَكْفِي التغدية والتعشية بِتَقْدِيم التَّمْر إِلَى الْمَسَاكِين
стр. 2613
= كتاب اللّعان=
стр. 2614
وَاللّعان عبارَة عَن أَيْمَان يذكر اللَّعْن فِيهَا من نسب زَوجته إِلَى الزِّنَا فيدرأ الْحَد وَالنّسب عَن نَفسه بِمُجَرَّد يَمِينه وَذَلِكَ رخصَة لمسيس الْحَاجة إِلَى صِيَانة الْأَنْسَاب وعسر إِقَامَة الْبَيِّنَة على زنا الْمَرْأَة
وَردت أَولا فِي عُوَيْمِر بن مَالك الْعجْلَاني قذف زَوجته بِشريك بن السحماء
стр. 2615
فَقَالَ ﷺ
لتأتين بأَرْبعَة شُهَدَاء أَو لأجلدن ظهرك فَاغْتَمَّ وَقَالَ أَرْجُو أَن ينزل الله قُرْآنًا يبرىء ظَهْري فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ الْآيَة
وَنظر الْكتاب فِي قسمَيْنِ الْقَذْف وَاللّعان
стр. 2616
الْقسم الأول فِي الْقَذْف
وَفِيه بَابَانِ ﷺ َ - الْبَاب الأول فِيمَا يكون قذفا من كَافَّة الْخلق وَفِي مُوجبه ﷺ َ -
وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول فِي أَلْفَاظ الْقَذْف
وَفِيه ثَلَاثَة أَقسَام صَرِيح وكناية وتعريض
أما الصَّرِيح فَهُوَ كَقَوْلِه يَا زاني أَو زَنَيْت أَو زنى فرجك وَكَذَلِكَ ذكر النيك وإيلاج الْفرج مَعَ الْوَصْف بِالتَّحْرِيمِ فَهَذَا لَا يقبل فِيهَا تَأْوِيل
أما الْكِنَايَة فكقوله للنبطي يَا عَرَبِيّ أَو للعربي با نبطي فَإِن أَرَادَ الزِّنَا فَهُوَ قذف وَإِلَّا فَلَا ثمَّ إِذا أنكر إراد الزِّنَا تَوَجَّهت الْيَمين عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يتم الْقَذْف باعترافه بِالنِّيَّةِ إِذْ بِهِ يحصل الْإِيذَاء التَّام وَيجب الْحَد بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا نوى
стр. 2617
وَإِن أنكر النِّيَّة كَاذِبًا فَهَل يلْزمه إِظْهَار النِّيَّة فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن فِيهِ إِيذَاء فيبعد إِيجَابه وَستر ذَلِك لكف الْأَذَى أولى إِلَّا أَن يرهق إِلَيْهِ بِالْيَمِينِ فَلَا يُبَاح لَهُ الْيَمين الْغمُوس فَيلْزمهُ الإعتراف وَقد قَالَ الْأَصْحَاب يجب عَلَيْهِ الْإِظْهَار بِكُل حَال كَمَا لَو قَالَ فِي خُفْيَة فَيلْزمهُ الْإِظْهَار وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا قذف بِالْكِنَايَةِ لِأَن الْإِيذَاء لَا يتم بِهِ
وَأما التَّعْرِيض فكقوله يَا ابْن الْحَلَال وَكَقَوْلِه أما أَنا فلست بزان فَهَذَا لَيْسَ بِقَذْف وَإِن نوى لِأَن اللَّفْظ لَيْسَ يشْعر بِهِ وَلَقَد جَاءَ رجل من فَزَارَة إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِن امْرَأَتي ولدت غُلَاما أسود معرضًا بزناها فَلم يَجعله رَسُول الله ﷺ قَاذِفا وَلَكِن قَالَ
هَل لَك إبل فَقَالَ نعم قَالَ
مَا ألوانها قَالَ حمر قَالَ
فَهَل فِيهَا أسود قَالَ نعم قَالَ
فَلم ذَلِك قَالَ لَعَلَّ عرقا نزع فَقَالَ النَّبِي ﷺ
لَعَلَّ عرقا نزع وَقَالَ مَالك ﵀ التَّعْرِيض قذف والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ
стр. 2618
وَيتم النّظر فِي الْأَلْفَاظ برسم مسَائِل
إِحْدَاهَا إِذا قَالَ لامْرَأَة زَنَيْت بك فَهَذَا إِقْرَار بِالزِّنَا وَقذف للْمَرْأَة فَعَلَيهِ حدان وَكَانَ يحْتَمل أَن لَا يَجْعَل قَاذِفا لاحْتِمَال أَن يُفَسر بِأَنَّهَا كَانَت مستكرهة وَلم تكن مختارة وَلَكِن جعل قَاذِفا اعْتِمَادًا على مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر
وَلَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت زَانِيَة فَقَالَت زَنَيْت بك فراجعناها فَإِن أَرَادَت الزِّنَا قبل النِّكَاح سقط حد الْقَذْف عَن الزَّوْج وَوَجَب عَلَيْهَا حدان حد الزِّنَا وحد الْقَذْف للزَّوْج فَإِن رجعت سقط عَنْهَا حد الزِّنَا وَلَا يسْقط حد الْقَذْف إِذْ الرُّجُوع لَا يسْقط حق الْآدَمِيّ إِنَّمَا يسْقط حُدُود الله تَعَالَى وَلَو قَالَت أردْت نفي الزِّنَا كَمَا يَقُول الْقَائِل سرقت فَيَقُول الْمُخَاطب سرقت سرقت مَعَك فَيقبل قَوْلهَا مَعَ الْيَمين وَيكون لَهَا طلب حد الْقَذْف من الزَّوْج لِأَن ذَلِك مُعْتَاد فِي الْجَواب وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِيمَا لَو قَالَ لي عَلَيْك دِينَار فَقَالَ زنه أَنه هَل يكون إِقْرَارا
الثَّانِيَة لَو قَالَ يَا زَانِيَة فَقَالَت أَنْت أزنى مني فَهُوَ قَاذف وَلَيْسَت هِيَ مقرة وَلَا قاذفة للزَّوْج لِأَنَّهَا لم تنْسب لنَفسهَا زنا حَتَّى يكون هُوَ زَانيا بِكَوْنِهِ أزنى مِنْهَا وَلَا نقُول إِن التَّرْجِيح يُوجب الْمُشَاركَة فِي الأَصْل فَإِن عَادَة المشاتمة لَا تنزل على وضع اللِّسَان نعم لَو قَالَ فلَان زَان وَأَنت أزنى مِنْهُ فَهُوَ قذف للشخصين جَمِيعًا وَلَو قَالَ أَنْت أزنى من فلَان فَلَيْسَ بِقَذْف
стр. 2619
وَكَذَا لَو قَالَ أَنْت أزنى من النَّاس أَو أزنى النَّاس وَلَو قَالَ فِي النَّاس زناة وَأَنت أزنى مِنْهُم كَانَ قذفا وَلَا نقُول إِنَّه يعلم أَن فِي النَّاس زناة وَإِن لم يذكر بل ينظر إِلَى لَفظه وَلَو قَالَ أَنْت أزنى من فلَان وَكَانَ قد ثَبت زنا فلَان بِالْبَيِّنَةِ وَكَانَ الْقَائِل جَاهِلا لم يكن قذفا وَإِن كَانَ عَالما كَانَ قذفا
وَلَو قَالَت أردْت أَنَّك زَان وَلست أَنا زَانِيَة فَهِيَ قاذفة فَلِكُل وَاحِد على صَاحبه حد وَلَا يتقاصان لِأَن الْمُقَاصَّة فِي الْعُقُوبَات مَعَ تفَاوت موقعها فِي النُّفُوس لَا وَجه لَهُ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يتقاصان
الثَّالِثَة إِذا قَالَ للرجل يَا زَانِيَة أَو للْمَرْأَة يَا زاني فَهُوَ قَاذف عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ فِي الصُّورَة الأولى وَالسَّبَب فِيهِ أَن الْإِشَارَة تقدم على النَّحْو والتذكير والتأنيث وَلَا خلاف أَنه لَو قَالَ للرجل زَنَيْت وللمرأة زَنَيْت أَنه قَاذف وَلَو قَالَ زنأت فِي
стр. 2620
الْجَبَل وَقَالَ أردْت الترقي فِيهِ فَلَيْسَ بقاذف وَلَو قَالَ زَنَيْت فِي الْجَبَل وَقَالَ أردْت الترقي فَهَل يقبل وَجْهَان وَوجه الْقبُول أَن حذف الْهمزَة قد يغلب على اللِّسَان وقرينة ذكر الْجَبَل تشهد لَهُ وَنَصّ الشَّافِعِي ﵁ أَنه لَو قَالَ يَا زَانِيَة فِي الْجَبَل أَنه قذف وَقيل يفرق بَين الْبَصِير فِي الْعَرَبيَّة وَالْجَاهِل فَلَا يقبل حذف الْهمزَة من الْبَصِير
الرَّابِعَة إِذا قَالَ زنى فرجك فَهُوَ قذف وَلَو قَالَ زنى عَيْنك أَو يدك أَو رجلك فَفِيهِ وَجْهَان وَظَاهر مَا نَقله الْمُزنِيّ ﵀ أَنه قذف وَهُوَ فَاسد إِذْ قَالَ ﷺ
العينان تزنيان وَالْيَد تزنيان
стр. 2621
وَمن جعله قاذقا قَالَ ذكر صَرِيح الزِّنَا وأضافه إِلَى الْبَعْض وَمن ضَرُورَة الْإِضَافَة إِلَى الْبَعْض الْإِضَافَة إِلَى الْكل وَلَو خرج ذَلِك عَن كَونه صَرِيحًا لَكَانَ قَوْله يَا زاني غير صَرِيح إِذْ لَهُ أَن يُفَسر فَيَقُول أردْت بالزاني الْعين
الْخَامِسَة إِذا قَالَ لوَلَده لست مني أَو لست وَلَدي ثمَّ قَالَ أردْت أَنَّك لست تشبهني خلقا وخلقا لم يكن قَاذِفا نَص عَلَيْهِ وَنَصّ أَن الْأَجْنَبِيّ إِذا قَالَ لست ولد فلَان أَن ذَلِك لَا يقبل مِنْهُ وَيكون قَاذِفا فَمنهمْ من قَالَ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَإِلَيْهِ ميل الْمُزنِيّ ﵀
أَحدهمَا أَنه يقبل مِنْهُ لعرو اللَّفْظ عَن ذكر الزِّنَا وَاحْتِمَال مَا قَالَه
وَالثَّانِي أَن ذَلِك لَا يفهم مِنْهُ فِي الْعَادة
وَمِنْهُم من فرق بِأَن الْأَب يحْتَمل مِنْهُ ذَلِك فِي معرض التَّأْدِيب دون الْأَجْنَبِيّ والأقيس أَنه كِنَايَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا إِذْ رُبمَا ينْسبهُ إِلَى الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ أَو يُنكر وِلَادَته على فرَاشه ثمَّ إِذا فسر بِشَيْء من ذَلِك فَلَا يخفى كَيْفيَّة فصل الْخُصُومَة فِي نفي الْوَلَد ولحوقه
السَّادِسَة إِذا قَالَ للْوَلَد الْمَنْفِيّ بِاللّعانِ لست من الْملَاعن فَإِن أَرَادَ بِهِ النَّفْي الشَّرْعِيّ
стр. 2622
فَلَيْسَ بقاذف وَإِن كَانَ أَرَادَ تَصْدِيق الْملَاعن فِي نِسْبَة الْوَلَد إِلَى الزِّنَا فَهُوَ قَاذف
وَلَو قَالَ لقرشي لست من قُرَيْش فَإِن قَالَ أردْت أَن وَاحِدَة من أمهاته فِي الْجَاهِلِيَّة زنت فَلَيْسَ بقاذف لِأَنَّهَا غير مُعينَة وَمن قَالَ وَاحِد من أهل الْبَلَد زنى أَو النَّاس زناة فَلَا يكون قَاذِفا مَا لم يعين
стр. 2623
الْفَصْل الثَّانِي فِي مُوجب الْقَذْف
وَالْقَذْف يُوجب التَّعْزِير إِلَّا إِذا صَادف مُحصنا فَيُوجب الْحَد ثَمَانِينَ جلدَة
وخصال الْإِحْصَان التَّكْلِيف وَالْإِسْلَام وَالْحريَّة والعفة عَن الزِّنَا الْمُوجب للحد فَإِن من ثَبت مِنْهُ الزِّنَا فَكيف يصان عرضه مَعَ أَن الْقَاذِف صَادِق نعم يُعَزّر وَأما الْوَطْء الْحَرَام الَّذِي لَا يُوجب الْحَد لقِيَام ملك أَو شُبْهَة ملك فَهَل يبطل الْإِحْصَان فِيهِ خلاف وَله دَرَجَات فَإِذا وطىء مملكوته الْمُحرمَة برضاع أَو نسب فَفِيهِ وَجْهَان وَفِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة أَو جَارِيَة الإبن وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يبطل الْإِحْصَان وَفِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ إِذا وطىء فِي النِّكَاح بِلَا ولي وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يبطل وَفِي الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَظن الزَّوْجِيَّة وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يبطل وَوجه إِبْطَاله أَن ذَلِك يدل على قلَّة التحفظ وَلَو كَانَ قد جرى صُورَة الْفَاحِشَة فِي الصَّبِي فَوَجْهَانِ مرتبان على الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَأولى بِأَن لَا يبطل
أما الْوَطْء فِي الْحيض وَالصَّوْم وَالْإِحْرَام فَلَا يبطل وَفِيه وَجه بعيد أَنه يبطل أما مُقَدمَات الوقاع من اللَّمْس والقبلة فَلَا تسْقط الْإِحْصَان
فروع
الأول لَو زنى الْمَقْذُوف بعد الْقَذْف وَقبل الْحَد نَص أَن الْحَد يسْقط وَنَصّ فِي
стр. 2624
الرِّدَّة أَنه لَا يسْقط وَعلل ذَلِك بِأَن الزِّنَا لَا يَقع هجوما بل يتقدمه فِي الْغَالِب مراودات تقدح فِي الْمُرُوءَة وَهَذَا ضَعِيف لِأَن المراودات السَّابِقَة لَا تبطل الْإِحْصَان وَلَا يُمكن أَن يُقَال الزِّنَا لَا يَقع هجوما فَإِنَّهُ لَا بُد وَأَن يكون لَهُ أول وَالرِّدَّة أَيْضا لَا تَخْلُو عَن تقدم ترددات بل السَّبَب أَن من ثَبت زِنَاهُ فِي الْحَال يبعد أَن يجلد ظهر غَيره لصيانة عرضه وَهُوَ قد هتك عرضه بِخِلَاف الْمُرْتَد إِذا عَاد فَإِن الْعرض قَائِم وَقد كَانَ الْإِسْلَام مَوْجُودا عِنْد الْقَذْف وَقَالَ الْمُزنِيّ ﵀ لَا يسْقط بطرآن الزِّنَا كَمَا لَا يسْقط بطرآن الرِّدَّة وَقيل هُوَ قَول قديم للشَّافِعِيّ ﵁
الثَّانِي من زنى مرّة فِي عمره ثمَّ عَاد وَحسنت حَاله قَالَ القَاضِي لَا حد على قَاذفه لبُطْلَان إحْصَانه فَإِن اسْم الزَّانِي لَا يسْقط عَنهُ وَهَذَا بعيد فِيمَا إِذا صرح بقذفه بزنا جَدِيد وَلَكِن كَأَن الْعرض إِذا انخرم بِالزِّنَا فَلَا يزايله الْخلَل بالعفة بعده
الثَّالِث لَو أَقَامَ الْقَاذِف بَيِّنَة على زنا الْمَقْذُوف سقط عَنهُ الْحَد ويكفيه لذَلِك شَاهِدَانِ وَلَو عجز فَطلب يَمِين الْمَقْذُوف على أَنه مَا زنى فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا لَا يجب لِأَن ظَاهره الْإِحْصَان وَلَا عهد بِالْيَمِينِ على نفي الْكَبَائِر
وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ لَو أقرّ بِهِ لسقط عَنهُ الْحَد فليحلف أَو لينكل حَتَّى يحلف الْقَاذِف
الرَّابِع لَو مَاتَ الْمَقْذُوف قبل اسْتِيفَاء حد الْقَذْف ثَبت الْحَد وَالتَّعْزِير لوَارِثه لِأَن الْغَالِب عندنَا فِي حد الْقَذْف حق الْآدَمِيّين وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يُورث
стр. 2625
واعترف بِأَنَّهُ لَو قذف مَيتا فلوارثه طلب الْحَد ابْتِدَاء
وَلَو قذف مُوَرِثه فَمَاتَ الْمُورث سقط الْحَد لِأَنَّهُ صَار شَرِيكا فِي اسْتِحْقَاق الْحَد على نَفسه ثمَّ فِيمَن يَرث ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يوزع على فَرَائض الله تَعَالَى
وَالثَّانِي أَنه يخْتَص بِالنّسَبِ إِذْ لَا مدْخل للزَّوْج فِي حماية الْعرض وَدفع الْعَار
وَالثَّالِث أَنه يخْتَص بالعصبات من النّسَب الَّذين لَهُم ولَايَة التَّزْوِيج لدفع الْعَار وعَلى هَذَا لَا يسْتَحق الإبن وَمِنْهُم من قَالَ يسْتَحق لِأَنَّهُ أقوى الْعَصَبَات فِي الْمِيرَاث
وَلَو عَفا أحد الْوَرَثَة سقط الْكل على وَجه لِأَنَّهُ لَا يتَجَزَّأ وَلم يسْقط على وَجه لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يبطل حق البَاقِينَ من غير بدل بِخِلَاف الْقصاص الَّذِي لَهُ بدل وَالثَّالِث أَنه يوزع
стр. 2626
فَيسْقط نصِيبه
الْخَامِس إِذا قذف الْمَجْنُون بزنا قبل الْجُنُون فالحد يجب وَنَصْبِر إِلَى إِفَاقَته وَلَيْسَ للْوَلِيّ الإستيفاء لِأَنَّهُ مُتَعَلق بتشفي الغيظ فَلَو مَاتَ ثَبت لوَارِثه
وَلَو قذف مَمْلُوك فَحق طلب التَّعْزِير لَهُ لَا لسَيِّده لِأَنَّهُ من خَواص حُقُوقه بل لَو قذفه سَيّده اسْتحق العَبْد تعزيره على الْمَذْهَب الظَّاهِر وَمِنْهُم من قَالَ يُقَال لَهُ لَا تعد فَإِن عَاد يُعَزّر كَمَا يُعَزّر لَو زَاد فِي استخدامه على الْحَد الْوَاجِب
وَلَو مَاتَ العَبْد بعد اسْتِحْقَاق التَّعْزِير على أَجْنَبِي فَهُوَ يَسْتَوْفِيه السَّيِّد فِيهِ وَجْهَان وَوَجهه أَنه أولى النَّاس بِهِ إِلَّا أَنه لَا قرَابَة
стр. 2627
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي قذف الْأزْوَاج خَاصَّة ﷺ َ -
وَفِيه فُصُول
الْفَصْل الأول فِيمَا يُبِيح الْقَذْف وَاللّعان أَو يُوجِبهُ
وَاعْلَم أَن قذف الزَّوْج فِي إِيجَاب الْحَد وَالتَّعْزِير كقذف الْأَجَانِب وَلَكِن يُفَارق الْأَجَانِب فِي ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا فِي أَنه قد يُبَاح لَهُ الْقَذْف وَيجب عَلَيْهِ لضَرُورَة نفي النّسَب
وَالثَّانِي أَن الْعقُوبَة الَّتِي تتَوَجَّه عَلَيْهِ من حد وتعزير تنْدَفع بِاللّعانِ
وَالثَّالِث أَن الْمَرْأَة تتعرض لحد الزِّنَا بلعانه إِلَّا إِذا دفعت عَن نَفسهَا بِاللّعانِ لقَوْله تَعَالَى ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد﴾ الْآيَة
وَإِنَّمَا يُبَاح لَهُ الْقَذْف إِذا استيقن أَنَّهَا زنت أَو غلبت على ظَنّه ذَلِك وَلَكِن إِذا لم يكن ولد فَالْأولى أَن يطلقهَا وَلَا يقذف وَلَا يُلَاعن وَلَكِن لَو فعل لم يَأْثَم وَهَذَا فِيهِ غموض وَلَكِن كَأَن الْقَذْف وَاللّعان كالإنتقام مِنْهَا حَيْثُ لطخت فرَاشه
ثمَّ تحصل الْغَلَبَة على الظَّن بقول عدل حكى مشاهدته الزِّنَا وَتحصل مهما
стр. 2628
استفاض بَين النَّاس أَن فلَانا يَزْنِي بهَا إِذا رأى مَعَ ذَلِك مخيلة بِأَن رَآهَا مَعَه فِي خلْوَة فَإِن تجرد أحد الْمَعْنيين لم يحل لَهُ ذَلِك لِأَن الْخلْوَة مرّة لَا تدل على الزِّنَا نعم لَو رَآهَا مَعَه تَحت شعار على نعت مَكْرُوه حل لَهُ الْقَذْف وَإِن كَانَ لَا تحل الشَّهَادَة بِهَذَا الْقدر وَإِن رَآهَا فِي الْخلْوَة مرَارًا متكررة فَهَذَا قريب من الْمرة الْوَاحِدَة إِذا انضمت إِلَيْهِ الشُّيُوع فَإِن مُسْتَند أهل الإستفاضة هُوَ مُشَاهدَة ذَلِك مرَارًا
أما نفي الْوَلَد بِاللّعانِ فَإِنَّمَا يجوز بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا تَيَقّن أَن الْوَلَد لَيْسَ مِنْهُ بِأَن لم يكن وَطئهَا أَو كَانَ يعْزل قطعا أَو أَتَت بِولد قبل سِتَّة أشهر من وَقت الْوَطْء وَقَالَ مَالك ﵀ لَا مبالاة بِالْعَزْلِ وَلَيْسَ لَهُ اللّعان إِذا اعْترف بِالْوَطْءِ وَأمكن إِحَالَة الْوَلَد عَلَيْهِ
أما إِذا استبرأها بِحَيْضَة بعد الْوَطْء ثمَّ أَتَت بِولد فَهَذَا هَل يُبِيح النَّفْي فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا نعم لِأَن ذَلِك أَمارَة شَرْعِيَّة على النَّفْي وَلذَلِك ينْدَفع النّسَب عَن التَّابِع
وَالثَّانِي أَنه إِن ظهر مَعَ ذَلِك أَمارَة الزِّنَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا يجوز لِأَن الْحيض لَيْسَ بقاطع وَالْحَامِل قد تحيض
وَالثَّالِث أَنه يجوز وَلَكِن حَيْثُ يجوز النَّفْي يجب لِأَن السُّكُوت عَن إِلْحَاق الْبَاطِل حرَام إِذْ النّسَب يتَعَلَّق بِأَحْكَام كَثِيرَة وَلَكِن هَاهُنَا وَإِن جَازَ فَلَا يجب
стр. 2629
وَقَالَ الإِمَام لَا يبعد أَن لَا يُوجب اللّعان لِأَنَّهُ إفضاح وقدح فِي الْمُرُوءَة فَنَقُول إِنَّمَا يحرم الإستلحاق كَاذِبًا أما إِذا ألحق الْفراش بِهِ وَهُوَ سَاكِت فَلَا يبعد أَن لَا يحرم السُّكُوت وَهَذَا غير منقدح فِي صُورَة الْيَقِين لِأَن أَمر النّسَب عَظِيم فَلَا يقْضِي عَلَيْهِ بالرسوم والمروءات
وَلَا خلاف فِي أَنه لَا يحل النَّفْي بِمُجَرَّد مشابهة الْوَلَد لغيره فِي الْخلق والخلق ولمخالفته للْوَلَد فِي الْحسن والقبح نعم لَو كَانَ الْأَب فِي غَايَة الْبيَاض وَالْولد فِي غَايَة السوَاد أَو الْعَكْس ذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجْهَيْن وَهَذَا ينقدح إِن كَانَ مَعَ ذَلِك تظهر مخيلة الزِّنَا فَأَما مُجَرّد ذَلِك فَلَا فَلَعَلَّ عرقا قد نزع وَأَبُو حنيفَة ﵀ حَيْثُ يلْحق ولد المشرقي بالمغربي فَلَا شكّ فِي أَنه يُبِيح الْقَذْف ويحرمه عِنْد إِمْكَان الْعلُوق بِالْوَطْءِ وَنحن لَا نلحق النّسَب إِلَّا بعد سِتَّة أشهر من وَقت إِمْكَان الْوَطْء
فرع إِذا أَتَت بِولد لمُدَّة الْإِمْكَان وَلَكِن الزَّوْج رَآهَا تَزني وَاحْتمل أَن يكون من الزِّنَا فَلَو قذف ولاعن انْتَفَى فِي الظَّاهِر بِدَلِيل قصَّة الْعجْلَاني وَلَكِن لَا يُبَاح لَهُ ذَلِك مَعَ تعَارض الإحتمال ثمَّ قَالَ الْأَصْحَاب لَيْسَ لَهُ الْقَذْف وَاللّعان إِن ترك نفي النّسَب وَقد صَرَّحُوا بِجَوَاز
стр. 2630
الْقَذْف إِذا لم يكن ولد لمُجَرّد الإنتقام من الزِّنَا فَهَذَا مُحْتَمل وَغَايَة تَعْلِيله أَنه إِذا كَانَ ثمَّ ولد لم يجز نَفْيه فنسبتها إِلَى الزِّنَا بِغَيْر الْوَلَد وَتطلق الْأَلْسِنَة فِي نسبه فَلَا يُقَاوم هَذَا الْغَرَض غَرَض التشفي فليقتصر على طَلاقهَا إِن أَرَادَ نظرا لوَلَده وَالَّذِي لحقه
следующие страницы →