Полный текст (3 585 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
أَحدهَا لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُسْتَحق
وَالثَّانِي نعم لِأَن ذَلِك لَا يَخْلُو أَيْضا عَن الْجِنَايَة على حق الله تَعَالَى وَرُبمَا أَرَادَ الإِمَام زَجره عَن الْعود إِلَى مثله
وَالثَّالِث أَنه إِن عَفا عَن الْحَد سقط وَإِن عَفا عَن التَّعْزِير فللإمام التَّعْزِير لِأَن أصل التَّعْزِير موكول إِلَى الْأَئِمَّة
أما قدر الْمُوجب فَلَا مرد لأقله وَأَكْثَره محطوط عَن الْحَد وَمِنْهُم من قَالَ يحط كل تَعْزِير وَإِن عظم عَن أقل الْحُدُود وَهُوَ حد الشّرْب وَمِنْهُم من قَالَ تَعْزِير مُقَدمَات الشّرْب يحط عَن حَده وَلَا يحط تَعْزِير مُقَدمَات الزِّنَا إِلَّا عَن حد الزِّنَا وَكَذَلِكَ تَعْزِير مُقَدمَات الْقَذْف فَإِن إمْسَاك العَبْد سَيّده حَتَّى يقْتله غَيره كَبِيرَة أعظم من شرب قَطْرَة من خمر وروى صَاحب التَّقْرِيب حَدِيثا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
لَا يجلد فَوق الْعشْرَة إِلَّا فِي حد وَقَالَ الحَدِيث صَحِيح فَإِن صَحَّ فمذهب الشَّافِعِي ﵁ اتِّبَاع الحَدِيث وَإِن لم يَصح
стр. 3047
الحَدِيث فيحط عَن عشْرين فِي حق العَبْد لِأَنَّهُ حد الشّرْب فِي حَقه وَفِي حق الْحر هَل يحط عَن الْعشْرين الَّذِي هُوَ أقل مَا يجب حدا كَامِلا أَو عَن الْأَرْبَعين الَّذِي هُوَ حَده فِيهِ وَجْهَان
وَأما مَالك ﵀ فَإِنَّهُ جَاوز الْحَد وَجوز الْقَتْل فِي التَّعْزِير للاستصلاح وَهُوَ ضَعِيف إِذْ الاستصلاح التَّام يحصل بالحدود والتعزيرات وَالْحَبْس فَلَا حَاجَة إِلَى الْقَتْل وَالله أعلم
وَإِذا فَرغْنَا من مُوجبَات الْحُدُود فجدير بِنَا أَن نشِير إِلَى مُوجبَات الضمانات سوى مَا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الْغَصْب
стр. 3048
= كتاب مُوجبَات الضمانات =
وَالنَّظَر فِي ضَمَان الْوُلَاة وَضَمان الصَّائِل وَضَمان مَا أتْلفه الْبَهَائِم فنعقد فِي كل وَاحِد بَابا
стр. 3049
- ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي ضَمَان الْوُلَاة ﷺ َ -
وَالنَّظَر فِي مُوجب الضَّمَان وَمحله
أما الْمُوجب فالصادر عَن الإِمَام إِمَّا تَعْزِير وَإِمَّا حد أَو استصلاح
أما التَّعْزِير فمهما سرى وَجب الضَّمَان وَتبين خُرُوجه عَن الْمَشْرُوع إِذْ الْمَشْرُوع مَا لَا يهْلك وَهُوَ مَنُوط بِالِاجْتِهَادِ ومشروط بسلامة الْعَاقِبَة فَيجب الضَّمَان على كل معزر إِذا لم تسلم الْعَاقِبَة
وَأما الْحُدُود فَهِيَ مقدرَة فِيمَا عدا الشّرْب فَإِذا اقْتصر فَمَاتَ قُلْنَا الْحق قَتله أما إِذا مَال عَن الْمَشْرُوع فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون فِي وَقت أَو قدر أَو جنس
فَإِن كَانَ فِي الْوَقْت بِأَن أَقَامَهُ فِي شدَّة الْحر فالنص أَنه لَا يضمن وَفِي مثله فِي الْخِتَان يضمن وَذكرنَا فِيهِ النَّقْل والتخريج فَكَأَنَّهُ يرجع حَاصِل الْخلاف إِلَى أَن التَّأْخِير مُسْتَحبّ أَو مُسْتَحقّ
أما الْجِنْس فشارب الْخمر إِذا ضرب بالنعال وأطراف الثِّيَاب قَرِيبا من أَرْبَعِينَ فَمَاتَ فَلَا ضَمَان إِلَّا على الْوَجْه الْبعيد فِي أَن ذَلِك غير جَائِز
стр. 3050
وَإِن ضرب أَرْبَعِينَ فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا لَا ضَمَان كَسَائِر الْحُدُود
وَالثَّانِي نعم لقَوْل عَليّ ﵁ إِن ذَلِك شَيْء رَأَيْنَاهُ بعد رَسُول الله ﷺ وَهَذَا بِشَرْط أَن لَا يَصح الْخَبَر فِي جلد الْأَرْبَعين
فَإِن أَوجَبْنَا فَالصَّحِيح إِيجَاب كل الضَّمَان وَفِيه وَجه أَنه يوزع على التَّفَاوُت بَين ذَلِك وَبَين الضَّرْب بالنعال فِي الْأَلَم وَهَذَا شي لَا يَنْضَبِط وَلَا يدْرك أصلا
أما الْقدر فَهُوَ أَن يضْرب فِي حد الْقَذْف أحدا وَثَمَانِينَ فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا أَنه يجب عَلَيْهِ من الضَّمَان جُزْء من أحد وَثَمَانِينَ
وَالثَّانِي أَنه يجب النّصْف نظرا إِلَى الْحق وَالْبَاطِل إِذْ رُبمَا أثر آلام السِّيَاط لَا تتساوى
أما إِذا ضرب فِي الشّرْب ثَمَانِينَ ضمن الشّطْر لِأَنَّهُ زَاد عَن الْمَشْرُوع مثله فَلَو أَمر
стр. 3051
الجلاد بِثَمَانِينَ فَزَاد وَاحِدًا اجْتمع من الْأُصُول ثَلَاثَة أوجه
أَحدهمَا أَنه يسْقط من الضَّمَان أَرْبَعُونَ من وَاحِد وَثَمَانِينَ وَيجب أَرْبَعُونَ على الإِمَام وَوَاحِد على الجلاد
وَالثَّانِي أَنه يجب فِي مُقَابلَة الْبَاطِل نصف موزع على الإِمَام والجلاد بِالسَّوِيَّةِ
وَالثَّالِث أَنه يَجْعَل الضَّمَان أَثلَاثًا فَيسْقط ثلثه وَيجب على الإِمَام ثلثه وعَلى الجلاد ثلثه
أما الإستصلاح فَهُوَ إِمَّا بِقطع سلْعَة أَو بالختان
أما السّلْعَة فللعاقل أَن يقطها من نَفسه إِن لم يكن فِيهِ خوف فَإِن كَانَ مخوفا لم يجز لإِزَالَة الشين وَهل يجوز للخوف على الْبَقِيَّة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا لَا لِأَن الْخَوْف مَوْجُود فِي التّرْك وَالْقطع فَلَا فَائِدَة فِي الْقطع
وَالثَّانِي الْجَوَاز إِذْ الْخَوْف متساو فإليه الْخيرَة
стр. 3052
وَالثَّالِث أَن الْقطع إِن كَانَ أسلم فِي الظَّن الْغَالِب جَازَ وَإِن اعتدل الْخَوْف فَلَا وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي الْيَد المتآكلة
أما من بِهِ ألم لَا يطيقه فَلَيْسَ لَهُ أَن يهْلك نَفسه فَإِن كَانَ الْمَوْت مَعْلُوما مثل الْوَاقِع فِي نَار لَا ينجو مِنْهَا قطعا وَهُوَ قَادر على إغراق نَفسه وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ اخْتلف فِيهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَالأَصَح أَنه لَهُ أَن يغرق نَفسه
رَجعْنَا إِلَى الْوَالِي وَالْوَلِيّ وَلَيْسَ لَهما ذَلِك فِي حق الْعَاقِل الْبَالِغ إجبارا بل الْخيرَة إِلَى الْعَاقِل فَإِن فعلوا وَجب الْقصاص
أما الْمولي عَلَيْهِ بالصغر وَالْجُنُون فللأب أَن يتعاطى فيهم مَا يتعاطى الْعَاقِل فِي نَفسه لإِزَالَة الشين وَالْخَوْف
أما السُّلْطَان فَلهُ ذَلِك حَيْثُ لَا خوف وَيكون قطعه كالفصد والحجامة وَهُوَ جَائِز لَهُ وَإِن كَانَ فِي الْقطع خطر فَلَيْسَ للسُّلْطَان ذَلِك كَمَا لَيْسَ لَهُ الْإِجْبَار على النِّكَاح لِأَن مثل هَذَا الْخطر يَسْتَدْعِي نظرا دَقِيقًا وشفقة طبيعية وَلَيْسَ للسُّلْطَان ذَلِك فَإِن فعل حَيْثُ لم نجوز فَتجب الدِّيَة وَفِي الْقود قَولَانِ وَوجه الْإِسْقَاط الشُّبْهَة إِذْ هَذَا مِمَّا تَقْتَضِيه ولَايَة الْأَب وَإِن لم تكن تَقْتَضِيه ولَايَته ثمَّ الصَّحِيح أَن الدِّيَة فِي خَاص مَاله وَإِن سقط الْقود لِأَنَّهُ عمد مَحْض وَحَيْثُ جَوَّزنَا للْأَب وَالسُّلْطَان ذَلِك فسرى قَالَ القَاضِي وَجب الضَّمَان كالتعزير لِأَنَّهُ غير مضبوط وَإِنَّمَا جَوَّزنَا بِالِاجْتِهَادِ وَالصَّحِيح مَا قَالَه الْأَصْحَاب وَهُوَ سُقُوط
стр. 3053
الضَّمَان لِأَن الْجرْح فِيهِ خطر وَقد جوز مَعَ الْخطر وَإِنَّمَا جوز من التَّعْزِير مَالا خطر فِيهِ وَكَيف يتَعَرَّض الْوَلِيّ لضمان سرَايَة الفصد والحجامة وَذَلِكَ يزجره عَن فعله ويضر بِالصَّبِيِّ نعم يتَّجه ذَلِك فِي الْخِتَان بعض الإتجاه فَإِنَّهُ لَيْسَ على الْفَوْر وَلَا فِيهِ خوف وَالصَّحِيح أَيْضا أَنه لَا ضَمَان
أما الْخِتَان فمستحق عِنْد الشَّافِعِي ﵁ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَنَّهُ جَائِز مَعَ أَنه جرح مخطر فَيدل على وُجُوبه وَالْوَاجِب فِي الرِّجَال قطع مَا يغشى الْحَشَفَة وَفِي النِّسَاء مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم
ثمَّ أول وُجُوبه بِالْبُلُوغِ وَلَيْسَ يجب على الصَّبِي بِخِلَاف الغدة إِذْ تَنْقَضِي من غير فعل والاولى أَن يُبَادر الْوَلِيّ فِي الصَّبِي لسُهُولَة ذَلِك عِنْد سخافة الْجلد فَإِن بلغ وَامْتنع استوفى السُّلْطَان قهرا فَلَا ضَمَان إِذْ وَجب اسْتِيفَاؤهُ إِلَّا أَن يفعل فِي شدَّة الْحر فَإِن النَّص أَنه يضمن وَفِيه تَخْرِيج سبق
стр. 3054
النّظر الثَّانِي فِي مَحَله
وَالْإِمَام كَسَائِر النَّاس فِيمَا يتعاطاه لَا فِي معرض الحكم أَو فِي معرض الحكم على خلاف الشَّرْع عمدا أما إِذا بذل الْمُمكن فِي الِاجْتِهَاد فَأَخْطَأَ فَفِي الضَّمَان قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه كَسَائِر النَّاس يجب عَلَيْهِ أَو على عَاقِلَته
وَالثَّانِي أَنه فِي بَيت المَال لِأَن الوقائع تكْثر وَهُوَ معرض للخطأ فَكيف يستهلك مَاله وعَلى هَذَا فَفِي الْكَفَّارَة وَجْهَان لِأَنَّهَا من جنس الْعِبَادَات فتبعد عَن التَّحَمُّل وَيجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَو ضرب فِي الشّرْب ثَمَانِينَ وَقُلْنَا لَهُ ذَلِك وَلَا يجْرِي إِذا أَقَامَ الْحَد على حَامِل مَعَ الْعلم فَإِنَّهُ مقصر والغرة على عَاقِلَته قطعا وَكَذَلِكَ إِذا قضى بقول عَبْدَيْنِ أَو كَافِرين أَو صبيين وَقصر فِي الْبَحْث فَإِن بحث فَأَخْطَأَ جرى فِيهِ الْقَوْلَانِ إِلَّا أَنه يُمكن الرُّجُوع على الشُّهُود لأَنهم تصدوا لما لَيْسُوا أَهلا لَهُ وَمِنْهُم من قَالَ لَا رُجُوع لأَنهم صدقُوا أَو أصروا وَلَيْسَ القَاضِي كالمغرور إِذْ الْمَغْرُور غير مَأْمُور بالبحث وَهُوَ مَأْمُور بِهِ
стр. 3055
فَإِن قُلْنَا يرجع فَفِي تعلقه بِرَقَبَة الْعَبْدَيْنِ أَو لُزُومه فِي ذمتهما خلاف وَفِي الرُّجُوع على الْمُرَاهق نظر لِأَن قَوْله بعيد أَن يعْتَبر الْإِلْزَام وَلَكِن يُمكن أَن يَجْعَل كجناية حسية وَلذَلِك تعلق بِرَقَبَة العَبْد على رَأْي
فَإِن كَانَا فاسقين ورأينا نقض الحكم بِظُهُور الْفسق بعد الْقَضَاء فَفِي الرُّجُوع عَلَيْهِم ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه يجب كالعبدين
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُمَا من أهل الشَّهَادَة على الْجُمْلَة
وَالثَّالِث أَنه يرجع على المجاهر دون المكاتم فَإِن عَلَيْهِ ستر الْفسق بِخِلَاف الرّقّ فَإِنَّهُ لَا يستر
أما الجلاد فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كيد الإِمَام وسيفه وَلَو ضمن لم يرغب أحد فِيهِ وَكَذَا الْحجام إِذا قطع سلْعَة بِالْإِذْنِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ مهما كَانَ الْقطع مُبَاحا أما إِذا قطع يدا صَحِيحَة بِالْإِذْنِ فَفِي الضَّمَان خلاف لِأَن الْمُسْتَحق أسقط
стр. 3056
حَقه وَلكنه مرحم
وَلَو قتل حر عبدا وَأمر الإِمَام بقتْله والجلاد شفعوي فَفِيهِ وَجْهَان ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى اعْتِقَاد الجلاد وَفِي الثَّانِي إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام
وَكَذَا الْخلاف فِيمَا لَو كَانَ الإِمَام شفعويا فَأَخْطَأَ بذلك والجلاد حَنَفِيّ فالنظر إِلَى جَانب الإِمَام يُوجب الْقصاص على الجلاد
стр. 3057
وكل هَذَا إِذا كَانَ للجلاد محيص عَن الْفِعْل فَإِن لم يكن فَهُوَ كالمكره على رَأْي وَقد ذَكرْنَاهُ
стр. 3058
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي دفع الصَّائِل ﷺ َ -
وَالنَّظَر فِي
الْمَدْفُوع والمدفوع عَنهُ وَكَيْفِيَّة الدّفع
أما الْمَدْفُوع فَلَا تَفْصِيل فِيهِ عندنَا بل كل مَا يخَاف الْهَلَاك مِنْهُ يُبَاح دَفعه وَلَا ضَمَان فِيهِ لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الدّفع يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسلم وَالْكَافِر وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون والبهيمة وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يجب ضَمَان الْبَالِغ وَيجب ضَمَان الْبَهِيمَة الصائلة وَله فِي الصَّبِي وَالْمَجْنُون تردد
وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا جرة تدهورت من سطح أَو جِدَار مطل على رَأس إِنْسَان فَدَفعهَا فَكَسرهَا فَمن نَاظر إِلَى أَنه مُسْتَحقّ الدّفع وَمن نَاظر إِلَى أَنه لَا اخْتِيَار لَهَا حَتَّى يُحَال عَلَيْهَا فَصَارَ كالمضطر فِي المخمصة إِلَى طَعَام الْغَيْر فَإِنَّهُ يَأْكُل وَيضمن
стр. 3059
الثَّانِيَة إِذا اضْطر إِلَى طَعَام فِي بَيته وعَلى بَابه بَهِيمَة صائلة لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْقَتْلِ فَهُوَ مردد بَين ضَرُورَة المخمصة والصيال فَفِيهِ وَجْهَان
وَهَذَا حكم جَوَاز الدّفع
أما جَوَاز الإستسلام فَينْظر إِن كَانَ الصَّائِل بَهِيمَة أَو ذِمِّيا لم يجز وَوَجَب الدّفع إِذْ عهد الذِّمِّيّ ينْتَقض بصياله وَإِن كَانَ مُسلما محقونا فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا الْجَوَاز لقَوْله ﷺ لِحُذَيْفَة ﵁ فِي وصف الْفِتَن
كن عبد الله الْمَقْتُول وَلَا تكن عبد الله الْقَاتِل
وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن الصَّائِل لَا حُرْمَة لَهُ لظلمه والمصول عَلَيْهِ مُحْتَرم وَإِنَّمَا يُؤمر بترك الْقَتْل فِي الْفِتْنَة خوفًا من إثارة الْفِتْنَة
стр. 3060
نعم يجوز للمضطرين فِي المخمصة الإيثار لِأَن الْحُرْمَة شَامِلَة للْجَمِيع
وَأما الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَمنهمْ من ألحقهما بالبهيمة وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ وَوجه الْقطع بِالْمَنْعِ أَن قتل الصَّبِي يجب مَنعه على الْمُكَلف إِذا قدر كَيْلا يبوء بالإثم لِأَنَّهُ صُورَة ظلم
أما الْمَدْفُوع عَنهُ فَلهُ ثَلَاث مَرَاتِب
الأولى مَا يَخُصُّهُ وَهُوَ كل حق مَعْصُوم من نفس وبضع وَمَال وَإِن قل حَتَّى يهدر الدَّم فِي الدّفع عَن دِرْهَم وَحكي عَن الشَّافِعِي ﵁ قَول قديم أَنه لَا يدْفع عَن المَال بِالْقَتْلِ وَهُوَ غَرِيب
الثَّانِيَة مَا يخص الْغَيْر وَهُوَ يقدر على دَفعه مِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ فِي وجوب الدّفع وَمِنْهُم من قطع بِالْوُجُوب إِذْ لَا مدْخل للإيثار هَاهُنَا وَهُوَ حق الْغَيْر وَمن الْأُصُولِيِّينَ من قطع بِالْمَنْعِ وَقَالَ لَيْسَ شهر السِّلَاح فِي مثل ذَلِك إِلَى الْآحَاد بل إِلَى السُّلْطَان لِأَنَّهُ يُحَرك الْفِتَن
الثَّالِثَة مَا يتَعَلَّق بمحض حق الله تَعَالَى كشرب الْخمر فَظَاهر رَأْي الْفُقَهَاء
стр. 3061
وجوب الدّفع بِسَبَب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَلَو بِالسِّلَاحِ وَمِنْهُم من منع ذَلِك إِلَّا للسُّلْطَان خوفًا من الْفِتْنَة وَذكرنَا فِي ذَلِك تَفْصِيلًا طَويلا فِي كتاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ من كتب إحْيَاء عُلُوم الدّين
أما كَيْفيَّة الدّفع فَيجب فِيهِ التدريج فَإِن انْدفع بالْكلَام لم يضْرب أَو بِالضَّرْبِ لم يجرح أَو بِالْجرْحِ لم يقتل وَإِذا انْدفع لم يتبع
وَلَو رأى من يَزْنِي بِامْرَأَة فَلهُ دَفعه إِن أَبى وَلَو بِالْقَتْلِ فَإِن هرب فَاتبعهُ وَقَتله وَجب الْقصاص عَلَيْهِ إِن لم يكن مُحصنا فَإِن كَانَ مُحصنا فَلَا قصاص لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الْقَتْل وَإِن لم يكن للآحاد قَتله وَكَذَا من استبد بِقطع يَد السَّارِق فَلَا قصاص وَلَكِن لَا بُد من إِقَامَة بَيِّنَة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يسمع مُجَرّد دَعْوَاهُ للزِّنَا وَالسَّرِقَة
وتبنى على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل
الأولى لَو قدر المصول عَلَيْهِ على الْهَرَب فَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ لَهُ الدّفع وَمِنْهُم من جوز وَكَأن الْموضع حَقه فَلَا يلْزمه الْهَرَب
وَلَو كَانَ الصَّائِل ينْدَفع بِسَوْط لَكِن لَيْسَ فِي يَد المصول عَلَيْهِ إِلَّا مَا لَو ضرب بِهِ لجرح فَالظَّاهِر جَوَاز الضَّرْب لِأَن الْمُعْتَبر حَاجته وَهُوَ لَا يقدر على غَيره وَلذَلِك نقُول الحاذق الَّذِي يقدر على الدّفع بأطراف السَّيْف من غير جرح يضمن إِن جرح والأخرق الَّذِي يعجز عَنهُ لَا يضمن
الثَّانِيَة لَو عض يَد إِنْسَان فَلهُ أَن يسل يَده فَإِن ندرت أَسْنَانه فَلَا ضَمَان
стр. 3062
وَإِن لم يقدر على السل فَلهُ أَن يضع السكين فِي بَطْنه ويعصر أنثييه وَقيل لَا يجوز إِلَّا أَن يقْصد الْعُضْو الْجَانِي ليندفع وَهُوَ بعيد
الثَّالِثَة إِذا نظر إِلَى حرم إِنْسَان من صير الْبَاب وكوة الدَّار عمدا فَلهُ أَن يقْصد عَيْنَيْهِ بحصاة أَو مَدَرَة من غير تَقْدِيم إنذار فَلَو أعماه الرَّمْي فَلَا ضَمَان وَهَذَا على خلاف تدريج الدّفع وَلَكِن نظر رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي حجرته من صير بَابه وَكَانَ بِيَدِهِ ﵇ مدرى يحك بِهِ رَأسه فَقَالَ
لَو علمت أَنَّك تنظرني لطعنت بهَا عَيْنَيْك
وَقَالَ القَاضِي لَا بُد من تَقْدِيم الْإِنْذَار على الْقيَاس والْحَدِيث مَحْمُول على أَنه لَو أصر على النّظر فَلم ينْدَفع بالإنذار وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀
وَعكس صَاحب التَّقْرِيب وَقَالَ يسْتَدلّ بِهَذَا على أَن الدّفع جَائِز ابْتِدَاء من غير إنذار ويتأيد ذَلِك بقولنَا إِنَّه يجوز قتل الْمُرْتَد بَغْتَة من غير إمهال وإنذار وَالْمذهب الْفرق لأجل الحَدِيث وَلِأَن النّظر إِلَى الْحرم جِنَايَة تَامَّة فَإِن مَا رَآهُ وانكشف لَهُ لَا يسْتَتر باندفاعه بعده فللنظر هَذِه الخاصية لَكِن لَا خلاف أَنه بعد
стр. 3063
الإندفاع لَا تقصد عينه بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَة فَكَأَن الْمُسَلط هَذِه الخاصية مَعَ وجود الْجِنَايَة
وَالصَّحِيح أَنه لَو اسْترق السّمع من كوَّة لم تقصد أُذُنه من غير إنذار وَإِن كَانَ مَا سَمعه قد فَاتَ وَلَكِن أَمر الْكَلَام أَهْون من أَمر العورات وَفِيه وَجه أَنه يلْحق بِهِ
وَإِن كَانَ الْبَاب مَفْتُوحًا فَنظر لم يقْصد لِأَن التَّقْصِير من رب الدَّار
وَلَا فرق بَين أَن ينظر فِي الصير من ملك نَفسه أَو من الشَّارِع أَو من السَّطْح فَإِنَّهُ يقْصد
هَذَا إِذا كَانَ فِي الدَّار حرم غير متسترات فَإِن لم يكن فَثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا الْجَوَاز للْعُمُوم وَلِأَن الْإِنْسَان قد يكون مَكْشُوف الْعَوْرَة
وَالثَّانِي الْمَنْع إِذْ أَمن الِاطِّلَاع على المستترة وعَلى الرِّجَال أسهل
وَالثَّالِث أَنه يجوز الْقَصْد إِن كَانَ فِي الدَّار حرم وَإِن كن مستترات وَإِن لم يكن إِلَّا الرِّجَال لم يجز
وَلَا خلاف أَنه إِن كَانَ للنَّاظِر حرم فِي هَذِه الدَّار فَيصير ذَلِك شُبْهَة فَلَا يقْصد
ثمَّ إِن لم تحصل الشَّرَائِط وَجب الْقصاص وَإِن حصل فرشقه بنشابة وَجب الْقصاص بل لَا يترخص إِلَّا فِي قصد الْعين بخشبة أَو مَدَرَة أَو بندقة فقد يخطىء وَقد يُصِيب وَلَا يعمي وَأما الرشق فَقتل صَرِيح فَلَا يجوز
стр. 3064
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث فِيمَا تتلفه الْبَهَائِم ﷺ َ -
وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول أَن لَا يكون مَعهَا مَالِكهَا
فَإِن انسرحت فِي الْمزَارِع نَهَارا فَلَا ضَمَان على مَالك الْبَهِيمَة وَإِن انسرحت لَيْلًا ضمن بذلك قضى رَسُول الله ﷺ إِذْ الْعَادة حفظ الدَّوَابّ لَيْلًا من ملاكها وَحفظ الْمزَارِع نَهَارا من أَصْحَابهَا فالمتبع فِيهِ التَّقْصِير
وَلَو انعكست الْعَادة فِي مَوضِع انعكس الحكم فيهمَا للمعنى من فرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3065
وَفِيه وَجه أَنه لَا ينعكس لِأَن ضبط الْعَادة يعسر فَيتبع الشَّرْع كَيْفَمَا تقلبت الْعَادَات
стр. 3066
فرعان
أَحدهمَا أَن الْبَهَائِم أَيْضا لَا تَخْلُو عَن الرَّاعِي نَهَارا وَلَكِن يعذرُونَ فِي الْغَفْلَة عَنْهَا إِذا سرحت بعيدَة من الْمزَارِع فَلَو سرحها فِي جوَار الْمزَارِع مَعَ اتساع المراعي فَهُوَ مقصر فَيضمن
الثَّانِي لَو سرحها لَيْلًا فَدخلت الْبَسَاتِين وأبوابها مَفْتُوحَة لم يضمن لِأَن التَّقْصِير فِي الْبُسْتَان من صَاحبه إِذْ لم يغلق الْبَاب وَالتَّقْصِير من رب الْبَهِيمَة فِي حق الْمزَارِع الضاحية
стр. 3067
الْفَصْل الثَّانِي أَن يكون مَعهَا مَالِكهَا
فَيضمن مَالك الدَّابَّة مَا أتلفته بِيَدَيْهَا إِذا خبطت وبرجليها إِذا رمحت وبفيها إِذا عضت وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ يُمكن حفظ الدَّابَّة عَنهُ من غير انسداد رفق الطّرق
أما الضَّرَر الَّذِي ينشأ من رشاش الوحل وانتشار الْغُبَار إِلَى الْفَوَاكِه فَلَا ضَمَان إِذْ هُوَ ضَرُورَة الطّرق وَلَا يُمكن الْمَنْع مِنْهُ نعم لَو خَالف الْعَادة بالركض فِي شدَّة الوحل أَو ترك الْإِبِل فِي الْأَسْوَاق غير مقطرة أَو ركب الدَّابَّة النزقة الَّتِي لَا يركب مثلهَا إِلَّا فِي الصَّحَارِي ضمن لكَونه مقصرا فِي الْعَادة
стр. 3068
فروع
الأول لَو أفلتت الدَّابَّة لَيْلًا عَن الرِّبَاط فَهُوَ كَمَا لَو غلبت صَاحبهَا وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الاصطدام
الثَّانِي لَو تخرق ثوب إِنْسَان بحطب على دَابَّة وَهُوَ مُقَابل ومبصر ووجده منحرفا فَلَا ضَمَان وَإِن كَانَ مستدبرا أَو ناداه الْمَالِك منبها فكمثله وَإِن لم ينبهه ضمن صَاحب الدَّابَّة
الثَّالِث إِذا أَدخل الدَّابَّة مزرعة فأخرجها صَاحب المزرعة فانسرحت فِي مزرعة غَيره فَلَا ضَمَان على الْمخْرج فَإِن كَانَت مزرعة محفوفة بالزراع فَلَا يُمكن إِخْرَاجه إِلَّا بِهِ فَيضمن إِذْ عَلَيْهِ الصَّبْر ليرْجع على رب الْبَهِيمَة وَمهما كَانَ رب الدَّابَّة مقصرا وَلَكِن مَالك الزَّرْع حَاضر وقادر على التنفير فَلم يفعل فَلَا ضَمَان إِذْ هُوَ المقصر بترك التنفير فِي الْعَادة
الرَّابِع الْهِرَّة الْمَمْلُوكَة إِذا قتلت طير إِنْسَان أَو قلبت قدره فَفِي وجوب الضَّمَان على مَالِكهَا أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا ضَمَان إِذْ مَا جرت الْعَادة بربط السنانير لَيْلًا ونهار
وَالثَّانِي يجب إِذْ يُمكن شدّ الروازن وغلق الْأَبْوَاب حَتَّى لَا تخرج
стр. 3069
وَالثَّالِث أَنَّهَا كالدآبة يجب حفظهَا لَيْلًا لَا نَهَارا
وَالرَّابِع بِالْعَكْسِ فَإِن الْأَطْعِمَة تصان بِاللَّيْلِ دون النَّهَار
الْخَامِس الْهِرَّة الضاربة بالطيور والإفساد أَو تنجيس الثِّيَاب قَالَ القَاضِي يجوز قَتلهَا فِي حَال سكونها لِأَنَّهَا التحقت بالفواسق فَأشبه الذِّئْب الَّذِي لَا يحل اقتناؤه وَقَالَ الْقفال لَا يحل لِأَن هَذِه ضراوة عارضة على خلاف الْجِنْس فتدفع فِي حَال الضراوة فَقَط
وَالْكَلب الضاري كالهرة والاولى تشبيهه بالذئب
стр. 3070
= كتاب السّير =
ومقصود الْكتاب بَيَان الْجِهَاد وَالنَّظَر فِي وُجُوبه وكيفيته وَتَركه بالأمان فنعقد فِي كل وَاحِد بَابا
стр. 3071
الله ﵎ ﵅ الرب ﷺ َ - الْبَاب الأول فِي وُجُوبه ﷺ َ - وَقد يجب على التَّعْيِين وَقد يجب على الْكِفَايَة وَهُوَ الْغَالِب وَالنَّظَر فِي طرفين فِي الْوَاجِبَات على الْكِفَايَة وَفِي المعاذير المسقطة
الأول فِي الْوَاجِبَات
فالجهاد وَاجِب على الْكِفَايَة وَقيل كَانَ على الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم فرض عين وَكَانَ من يتَخَلَّف يحرس فِي الْمَدِينَة وَكَانُوا يتناوبون ويغزون مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي كل سنة بعد أَن نزل الْقِتَال
وَقد كَانَ ﷺ قبل ظُهُور شَوْكَة الْإِسْلَام مَأْمُورا بالدعوة وَالصَّبْر على الْأَذَى حَتَّى نزل
стр. 3072
الْحَث على الْجِهَاد
والآن فَيجب على الإِمَام فِي كل سنة أَو مَا يقرب مِنْهَا غَزْوَة ينْهض إِلَيْهَا جنده إدامة للدعوة القهرية وإظهارا لِلْإِسْلَامِ ثمَّ يرْعَى النصفة فِي المناوبة بَين الْجند وَلَا يخصص بعض أقاليم الْكفَّار وَلَكِن يقدم الأهم فالأهم ويتشوف إِلَى بَث النكاية والرعب فِي الْجَمِيع وَإِنَّمَا يصير الْفَرْض على الْكِفَايَة لَا على التَّعْيِين إِذا كَانَ الشَّيْء مَقْصُود الْحُصُول فِي نَفسه للشَّرْع وَلم يكن الشَّخْص مَقْصُودا بالامتحان وَذَلِكَ يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام
قسم يتَعَلَّق بمحض الدّين كإقامة المدعوة الحجاجية بِالْعلمِ والقهرية بِالسَّيْفِ فَلَا يَنْبَغِي أَن تَخْلُو خطة الْإِسْلَام عَنهُ وَهَذَا يتَعَلَّق بِأَصْل الدّين وَمِنْهَا مَا يتَعَلَّق بِفُرُوع الدّين وشعاره كإحياء الْكَعْبَة بِالْحَجِّ كل سنة وإشاعة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ ورد السَّلَام وَهُوَ من الشعائر وَإِن لم تتَعَلَّق بِهِ مصلحَة كُلية بل مصلحَة حسن الْمُعَامَلَة وَأما إِقَامَة الْجَمَاعَات وَالْأَذَان سوى أَيَّام الْجمع فَفِيهِ تردد
الْقسم الثَّانِي مَا يتَعَلَّق بالمعاش كدفع الضَّرَر عَن محاويج الْمُسلمين وَإِزَالَة فاقتهم فَإِن بقيت ضَرُورَة بعد تَفْرِقَة الزكوات كَانَ إِزَالَتهَا من فرض الْكِفَايَة وَإِن بقيت حَاجَة فَفِي وجوب إِزَالَتهَا تردد
وَأما الْبياعَات والمناكحات والحراثة والزراعة وكل حِرْفَة لَا يَسْتَغْنِي النَّاس عَنْهَا لَو
стр. 3073
تصور إهمالها لكَانَتْ من فروض الكفايات حَتَّى الفصد والحجامة وَلَكِن فِي بواعث الطباع مندوحة عَن الْإِيجَاب لِأَن قوام الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْأَسْبَاب وقوام الدّين مَوْقُوف على قوام أَمر الدُّنْيَا ونظامها لَا محَالة
الْقسم الثَّالِث مَا هُوَ كالمركب من الْقسمَيْنِ كتحمل الشَّهَادَات وإعانة الْقُضَاة على تَوْفِيَة الْحُقُوق وتجهيز الْمَوْتَى ودفنهم وغسلهم وَهَذِه مصَالح وَلَكِن يتَعَلَّق بهَا أَيْضا إِظْهَار شَعَائِر الدّين
وَهَذِه الْفُرُوض مَذْكُورَة فِي موَاضعهَا وَإِنَّمَا نذْكر الْآن الْجِهَاد والتعلم وَالسَّلَام ولتعلم أَنه إِذا تعطل فرض كِفَايَة فِي مَوضِع أَثم من علم ذَلِك وَقدر على إِقَامَته وَيَأْثَم من لم يعلم إِذا كَانَ قَرِيبا من الْموضع وَكَانَ يَلِيق بِهِ الْبَحْث فَلم يبْحَث أما من هُوَ مَعْذُور لبعده أَو لتعذر الْبَحْث عَلَيْهِ فَلَا يَأْثَم
стр. 3074
الطّرف الثَّانِي فِي مسقطات الْوُجُوب
وَهُوَ الْعَجز إِمَّا حسيا أَو شَرْعِيًّا
أما الْحسي فَهُوَ الصِّبَا وَالْجُنُون وَالْأُنُوثَة وَالْمَرَض والفقر وَالْعَرج والعمى فَلَا جِهَاد على هَؤُلَاءِ لعجزهم وضعفهم وَقيل الْأَعْرَج كَالصَّحِيحِ إِن كَانَ يُقَاتل رَاكِبًا وَهُوَ بعيد لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا على الْأَعْرَج حرج﴾ وَلِأَنَّهُ لَا تندر الْحَاجة إِلَى التَّرَجُّل فِي مضايق الْقِتَال
وكل من لَا يملك نَفَقَة الذّهاب والإياب والمركوب فَهُوَ فَقير وتفصيله مَا ذكرت فِي الْحَج إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه يشْتَرط وجود السِّلَاح هَاهُنَا بِخِلَاف الْحَج وَالْآخر أَنه لَا يسْقط الْجِهَاد بالخوف من المتلصصين على الطَّرِيق وَإِن كَانُوا من الْمُسلمين لِأَن أهم الْجِهَاد مَعَ المتلصصين ومصير هَؤُلَاءِ إِلَى الْخَوْف الْأَعْظَم
أما الْمَوَانِع الشَّرْعِيَّة فَهُوَ الرّقّ وَالدّين وَمنع الْوَالِدين
أما الرَّقِيق فَلَا جِهَاد عَلَيْهِ كَمَا لَا جُمُعَة وَلَا حج عَلَيْهِ وَلَا يلْزمه الْجِهَاد وَإِن أمره السَّيِّد إِذْ لَا حق لَهُ فِي روحه حَتَّى يغرر بِهِ ويعرضه للهلاك وَكَذَلِكَ لَا يجب على العَبْد أَن يدْفع عَن السَّيِّد إِذا قصد بِالْهَلَاكِ مهما خَافَ على روحه بل سَيّده كالأجانب فِي هَذَا الْمَعْنى نعم
стр. 3075
إِن خرج سَيّده للْجِهَاد فَلهُ استصحابه للْخدمَة على الْعَادة لَا لِيُقَاتل قهرا
أما الدّين فالحال مِنْهُ يمْنَع من الْخُرُوج إِلَّا أَن يرضى الْمُسْتَحق والمؤجل لَا يمْنَع عَن سَائِر الْأَسْفَار وَإِن قربت الْمدَّة وَطَالَ السّفر لَكِن على الْمُسْتَحق الْخُرُوج مَعَه إِن شَاءَ ليطالب
وَأما سفر الْجِهَاد فَفِيهِ أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَنه يمْنَع مِنْهُ لِأَن الْمصير فِيهِ إِلَى الْمَوْت وَبِه يحل الْأَجَل بِخِلَاف سَائِر الْأَسْفَار وَهُوَ ضَعِيف وَالثَّانِي أَنه كَسَائِر الْأَسْفَار فَلَا يمْنَع وَالثَّالِث أَنه يمْنَع إِلَّا إِذا خلف وَفَاء بِالدّينِ وَالرَّابِع أَنه إِن كَانَ من المرتزقة لم يمْنَع إِذْ رُبمَا كَانَ وَجهه فِي قَضَاء الدّين من الْقِتَال وَإِلَّا فَيمْنَع
وَأما رِضَاء الْوَالِدين فَشرط رُوِيَ أَن رجلا جَاءَ فَقَالَ لرَسُول الله ﷺ أُرِيد أَن أجاهد مَعَك فَقَالَ كَيفَ تركت والديك فَقَالَ تركتهما يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجع وأضحكهما كَمَا أبكيتهما
стр. 3076
أما حج الْإِسْلَام بعد الإستطاعة فَيجوز بِغَيْر رضاهما لِأَنَّهُ فرض عين وَفِي التَّأْخِير خطر وَالْغَالِب السَّلامَة مَعَ أَمن الطَّرِيق
أما سفر طلب الْعلم فَإِن كَانَ الْعلم الْمَطْلُوب معينا أَو كَانَ يطْلب رُتْبَة الإجتهاد حَيْثُ شغر الْبَلَد عَن الْمُجْتَهد فَلَا يشْتَرط الْإِذْن كَالْحَجِّ بل أولى لِأَنَّهُ على الْفَوْر وَإِن كَانَ يطْلب رُتْبَة الْفَتْوَى وَفِي الْبَلَد مفتون فَفِيهِ وَجْهَان الظَّاهِر أَنه يجوز بِغَيْر إِذن لِأَنَّهُ حر مُسْتَقل وَإِنَّمَا عَلَيْهِ دفع ضَرَر التحزن فِي سفر مهلك كالجهاد وَمِنْهُم من قَالَ لَا بُد من الْإِذْن لِأَن دفع الضَّرَر عَنْهُمَا وَاجِب وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِب
أما الْأَسْفَار الْمُبَاحَة كالتجارة وَغَيرهَا مِمَّا فِيهِ خطر كركوب الْبَحْر والبوادي المخطرة فَلَا يجوز إِلَّا بِإِذن وَمَا عدا ذَلِك فَالظَّاهِر جَوَازه لَان فِي مَنعه إِضْرَارًا بِهِ أَيْضا وَحقه أولى وَفِيه وَجه إِذا كَانَ فَوق مَسَافَة الْقصر
وَأما الْأَب الْكَافِر فَلَا يجب اسْتِئْذَانه فِي الْجِهَاد لِأَنَّهُ يكرههُ لَا محَالة وَأما سَائِر الْأَسْفَار فَيحْتَمل أَن يلْحق فِيهِ بِالْأَبِ الْمُسلم وَفِي إِلْحَاق الأجداد والجدات بالوالدين احْتِمَال ظَاهر
فرع
لَو رَجَعَ الْوَالِد وَصَاحب الدّين عَن الْإِذْن أَو تجدّد دين وبلغه الْكتاب وَهُوَ فِي الطَّرِيق لزمَه الِانْصِرَاف إِن قدر فَإِن كَانَ الطَّرِيق مخوفا فَالظَّاهِر أَنه يجب عَلَيْهِ الْوُقُوف بقرية إِن أمكن إِذْ غرضهم ترك الْقِتَال وَإِن بلغه الْكتاب وَهُوَ فِي أثْنَاء الْقِتَال لم يجز الإنصراف إِن كَانَ يحصل بِهِ تخذيل ووهن للْمُسلمين وَإِن لم يكن فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْوُجُوب كَمَا قبل الِاشْتِغَال
стр. 3077
وَالثَّانِي أَنه لَا يجب لِأَن فتح هَذَا الْبَاب يشوش الْقِتَال وَالثَّالِث أَنه يتَخَيَّر لتعارض الْأَمريْنِ
وَقد ذكر بعض الْأَصْحَاب أَن فرض الْكِفَايَة يتَعَيَّن بِالشُّرُوعِ كالجهاد وبنوا عَلَيْهِ أَن من أنس فِي التَّعَلُّم رشدا فِي نَفسه لزمَه الْإِتْمَام فَإِن صَلَاة الْجِنَازَة تتَعَيَّن بِالشُّرُوعِ
وَقَالَ الْقفال لَا تتَعَيَّن صَلَاة الْجِنَازَة وَذَلِكَ فِي الْعلم أولى لِأَن كل مَسْأَلَة عبَادَة مُنْفَصِلَة عَن الْأُخْرَى وَالصَّلَاة خصْلَة وَاحِدَة وَلَا يَلِيق بِأَصْل الشَّافِعِي ﵁ تَغْيِير الحكم بِالشُّرُوعِ هَذَا كُله فِي قتال هُوَ فرض كِفَايَة
أما إِذا تعين بِأَن وطىء الْكفَّار بَلْدَة من بِلَاد الْمُسلمين فَيتَعَيَّن على كل من فِيهِ منَّة من أهل تِلْكَ الْبَلدة أَن يبْذل المجهود وَيحل الْقَيْد عَن العبيد فَلهم الْقِتَال بل يجب عَلَيْهِم ذَلِك وَكَذَلِكَ على النسْوَة إِن كَانَ فِيهِنَّ منَّة على حَال
وَإِن كَانَ فِي الْأَحْرَار اسْتِقْلَال دون العبيد وَلَكِن تزداد بهم قُوَّة قلب فَفِي انحلال الْحَبْس عَن العبيد وَجْهَان
стр. 3078
وَكَذَلِكَ لَو حصل الْكِفَايَة بطَائفَة نهضوا وَخَرجُوا فَهَل يتَعَيَّن على البَاقِينَ المساعدة فِيهِ وَجْهَان وَوجه إِيجَابه تَعْظِيم هَذَا الْأَمر وتفخيم الرعب والزجر وَلَو تهجموا وَلم يبْق لَهُم مهلة الإستعداد فعلى كل وَاحِد من الْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْمَرِيض أَن يدْفع بغاية الْإِمْكَان فَإِن علم أَنه لَو كاوح يقتل قطعا وَلَو استسلم أسر وَرُبمَا يجد خلاصا فَلَيْسَ عَلَيْهِ المكاوحة
وَالْمَرْأَة إِن علمت ذَلِك وَلَكِن تعلم أَنَّهَا تقصد بالفاحشة فَفِي وجوب المكاوحة وَجْهَان أَحدهمَا نعم حَتَّى تقتل فَإِن الْفَاحِشَة لَا تُبَاح بخوف الْقَتْل وَالثَّانِي لَا لِأَن الْقَتْل مَعْلُوم والفاحشة موهومة
هَذَا فِي أهل النَّاحِيَة وَمن هُوَ فِيهَا دون مَسَافَة الْقصر أما من وَرَاء ذَلِك فَيتَعَيَّن عَلَيْهِم المساعدة إِن لم يكن دونهم كِفَايَة وَإِن كَانَ فَفِيهِ وَجْهَان مرتبان على أهل النَّاحِيَة وَأولى أَن لَا يجب
وَلَا يشْتَرط المركوب فِيمَن هُوَ دون مَسَافَة الْقصر وفيمن وَرَاءه هَل يعْذر لعدم المركوب فِيهِ وَجْهَان
стр. 3079
أَحدهمَا يعْذر كَمَا فِي الْحَج وَالثَّانِي لَا لِأَن هَذَا أهم وَأعظم
فرع استيلاؤهم على موَات دَار الْإِسْلَام هَل ينزل منزلَة دُخُولهمْ الْبِلَاد فِيهِ وَجْهَان وَلَا شكّ أَن الْأَمر أَهْون فِيهِ إِلَّا إِذا خيف السَّرَايَة
وَلَو أَسرُّوا مُسلما أَو مُسلمين فَهَل يتَعَيَّن الْقِتَال كَمَا لَو استولوا على الديار فِيهِ خلاف وَالظَّاهِر أَنه يتَعَيَّن إِذا أمكن إِلَّا حَيْثُ يعسر التوغل فِي دِيَارهمْ وَيحْتَاج إِلَى زِيَادَة أهبة فقد رخص فِيهِ فِي نوع من التَّأْخِير وَلَكِن لَا يجوز إهماله هَذَا كُله فِي الْجِهَاد
أما الْعلم فَمِنْهُ فرض عين وَهُوَ الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا وَإِن كَانَ تَاجِرًا فَيلْزمهُ تعلم شُرُوط الْمُعَامَلَة على الْجُمْلَة دون الْفُرُوع النادرة كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب آدَاب الْكسْب من كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين وَقد فرقنا بَين مَا يجب على الْأَعْيَان وَمَا يجب على الْكِفَايَة من الْعلم فِي كتاب الْعلم من كتاب الْأَحْيَاء
وَأما الْأُصُول فَلَا يتَعَيَّن على كل شخص إِلَّا اعْتِقَاد صَحِيح فِي التَّوْحِيد وصفات الله تَعَالَى فَإِن اعتراه شكّ تكلّف إِزَالَته وَلَيْسَ عَلَيْهِ تعلم الْكَلَام وَلَا بُد فِي كل قطر من
стр. 3080
مُتَكَلم مشتغل بإماطة الشّبَه وَإِبْطَال الْبدع وَقد ذكرنَا تَفْصِيل ذَلِك فِي كتاب الإقتصاد فِي الإعتقاد وفن الْفِقْه لَا يحْتَمل شَرحه
وَأما السَّلَام فالإبتداء بِهِ سنه مُسْتَحبَّة على الْآحَاد وَسنة على الْكِفَايَة من الْجمع وصيغته أَن يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَإِن كَانَ الْمُخَاطب وَاحِدًا تعميما للْمَلَائكَة وَالْجَوَاب فرض معِين على الْمُخَاطب وَحده وَإِن كَانَ الْمُخَاطب جمعا فَفرض على الْكِفَايَة عَلَيْهِم وَلَا يسْقط الْحَرج بِجَوَاب غَيرهم وصيغته أَن يَقُول وَعَلَيْكُم السَّلَام وَيسْتَحب أَن يزِيد وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَلَو قَالَ عَلَيْكُم لم يكن جَوَابا وَلَو قَالَ وَعَلَيْكُم فَفِيهِ وَجْهَان ثمَّ لَا يَنْبَغِي أَن يسلم على الْمُصَلِّي وَالَّذِي يقْضِي حَاجته وَفِي الْحمام وعَلى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَيجوز فِي المساومة والمعاملة وَيجوز على الْأكل إِذا لم تكن اللُّقْمَة فِي فِيهِ فيعسر عَلَيْهِ الْجَواب
стр. 3081
أَو الصَّبْر إِلَى الإزدراد
وَأما تشميت الْعَاطِس فمستحب وَجَوَابه غير وَاجِب ثمَّ هُوَ على الْكِفَايَة وَذكرنَا جملَة من آدَاب السَّلَام والتشميت فِي كتاب آدَاب الصُّحْبَة فليطلب مِنْهُ
стр. 3082
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد ﷺ َ - وَالنَّظَر فِي تَفْصِيل مَا يجوز أَن يُعَامل الإِمَام بِهِ الْكفَّار إِمَّا فِي أنفسهم بِالْقَتْلِ والقتال أَو الإسترقاق وَإِمَّا فِي أَمْوَالهم بِالْإِتْلَافِ والإغتنام
النّظر الأول فِي معاملاتهم بِالْقَتْلِ
وَفِيه مسَائِل
الأولى فِيمَن تجوز الإستعانة بِهِ فِي الْقِتَال وَالْأَصْل فِيهِ الْأَحْرَار الْمُسلمُونَ البالغون وَلَكِن يجوز للْإِمَام الإستعانة بالعبيد إِذا أذن السَّادة وبالمراهقين إِذا كَانَ فيهم منَّة وبالمشركين إِذا أَمن غائلتهم أَو علم أَنهم لَو تحيزوا إِلَى الْكفَّار لم يعجز الإِمَام عَن جمعهم وَقد اسْتَعَانَ رَسُول الله ﷺ باليهود فِي بعض الْغَزَوَات
стр. 3083
وَأما المخذل الَّذِي يضعف الْقُلُوب وَيكثر الأراجيف فَيخرج عَن الصَّفّ إِذا حضر فَإِن شَره عَظِيم وَلَا يسْتَحق السهْم والرضخ وَإِن حضر وَهُوَ أقل مَا يُعَاقب بِهِ
وَأما الذِّمِّيّ إِذا حضر من غير إِذن الإِمَام فَفِي اسْتِحْقَاقه الرضخ خلاف لِأَنَّهُ من أهل نصْرَة الدَّار إِذْ هُوَ يستوطن بهَا وَإِن حضر بعد النَّهْي لم يسْتَحق
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِيمَن يسْتَأْجر وَالْمذهب أَن اسْتِئْجَار الْمُسلم بَاطِل لِأَن الْجِهَاد يَقع عَن فَرْضه فَكيف يَأْخُذ الْأُجْرَة وَهُوَ كالضرورة وَلَا يسْتَأْجر على الْحَج
هَذَا فِي حق الْآحَاد أما السُّلْطَان إِن رأى أَن يسْتَأْجر قَالَ الصيدلاني يجوز وَقد
стр. 3084
خُولِفَ فِيهِ وَالصَّحِيح أَن ذَلِك جَائِز فِي معرض الْإِعَانَة فِي الأهبة والزاد للطريق وَقد قَالَ لَو أخرجهم إِلَى الْجِهَاد قهرا لم يستحقوا أُجْرَة الْمثل على الإِمَام وَزَاد فَقَالَ لَو عين الإِمَام شخصا لغسل ميت وَدَفنه لم يسْتَحق الْأُجْرَة وَمَا ذكره فِي الْجِهَاد صَحِيح وَإِنَّمَا يَصح فِي الدّفن إِذا لم تكن تَرِكَة وَلَا فِي بَيت المَال متسع فَعِنْدَ ذَلِك يصير من فروض الكفايات
أما اسْتِئْجَار العَبْد فَجَائِز إِن قُلْنَا لَا يجب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا وطىء الْكفَّار بِلَاد الْإِسْلَام وَإِن قُلْنَا يجب فقد ثبتَتْ لَهُم أَهْلِيَّة الْقِتَال فَيَقَع عَنْهُم
وَأما اسْتِئْجَار الذِّمِّيّ فَجَائِز وَلكنه جعَالَة أَو إِجَارَة فِيهِ خلاف لما فِي أَعمال الْقِتَال من الْجَهَالَة لَكِن الصَّحِيح أَنا نَحْتَمِلُ فِي معاملات الْكفَّار لمصَالح الْقِتَال مَا لَا نَحْتَمِلُ فِي غَيره كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة القلعة وَلَو جَعَلْنَاهُ جعَالَة للَزِمَ تَجْوِيز الإنصراف من الطَّرِيق مهما شَاءَ وَهُوَ بعيد ثمَّ فِي جَوَاز استئجارهم لآحاد الْمُسلمين خلاف كَمَا فِي الْأَذَان
стр. 3085
فرع إِذا خرج أهل الذِّمَّة إِلَى الْجِهَاد قهرا استحقوا أُجْرَة الْمثل من رَأس الْغَنِيمَة على رَأْي وَمن بَيت المَال على رَأْي فَإِن خَرجُوا وَلم يقفوا فِي الصَّفّ فَلهم أُجْرَة الذّهاب وَلَو خلى سبيلهم قبل الْوُقُوف لم يستحقوا أُجْرَة مُدَّة الرُّجُوع لتعطل الْمَنَافِع لأَنهم على خيرتهم فيترددون كَمَا شاؤوا وَلَو وقفُوا وَلم يقاتلوا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنهم يسْتَحقُّونَ أُجْرَة الْقِتَال كَمَا يسْتَحق الْمُسلم السهْم وَالثَّانِي أَنهم لَا يسْتَحقُّونَ إِلَّا مَنْفَعَة مُدَّة الْوُقُوف والإحتباس إِن قُلْنَا إِن حبس الْحر يُوجب ضَمَان مَنَافِعه
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِيمَن يمْتَنع قَتله كالقريب وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة والراهب والعسيف
أما الْقَرِيب فَقتله مَنْهِيّ عَنهُ لقطيعة الرَّحِم وَإِذا انضمت الْمَحْرَمِيَّة إِلَى الرَّحِم كَانَ آكِد نهي النَّبِي ﷺ حُذَيْفَة وَأَبا بكر ﵄ عَن قتل أبويهما
وَأما الصّبيان والنسوان فَلَا يقتلُون لمصْلحَة الإسترقاق وَلِأَنَّهُم أَيْضا لَيْسُوا أهل الْقِتَال
следующие страницы →