Полный текст (3 585 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
أَو الصَّبْر إِلَى الإزدراد
وَأما تشميت الْعَاطِس فمستحب وَجَوَابه غير وَاجِب ثمَّ هُوَ على الْكِفَايَة وَذكرنَا جملَة من آدَاب السَّلَام والتشميت فِي كتاب آدَاب الصُّحْبَة فليطلب مِنْهُ
стр. 3082
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد ﷺ َ - وَالنَّظَر فِي تَفْصِيل مَا يجوز أَن يُعَامل الإِمَام بِهِ الْكفَّار إِمَّا فِي أنفسهم بِالْقَتْلِ والقتال أَو الإسترقاق وَإِمَّا فِي أَمْوَالهم بِالْإِتْلَافِ والإغتنام
النّظر الأول فِي معاملاتهم بِالْقَتْلِ
وَفِيه مسَائِل
الأولى فِيمَن تجوز الإستعانة بِهِ فِي الْقِتَال وَالْأَصْل فِيهِ الْأَحْرَار الْمُسلمُونَ البالغون وَلَكِن يجوز للْإِمَام الإستعانة بالعبيد إِذا أذن السَّادة وبالمراهقين إِذا كَانَ فيهم منَّة وبالمشركين إِذا أَمن غائلتهم أَو علم أَنهم لَو تحيزوا إِلَى الْكفَّار لم يعجز الإِمَام عَن جمعهم وَقد اسْتَعَانَ رَسُول الله ﷺ باليهود فِي بعض الْغَزَوَات
стр. 3083
وَأما المخذل الَّذِي يضعف الْقُلُوب وَيكثر الأراجيف فَيخرج عَن الصَّفّ إِذا حضر فَإِن شَره عَظِيم وَلَا يسْتَحق السهْم والرضخ وَإِن حضر وَهُوَ أقل مَا يُعَاقب بِهِ
وَأما الذِّمِّيّ إِذا حضر من غير إِذن الإِمَام فَفِي اسْتِحْقَاقه الرضخ خلاف لِأَنَّهُ من أهل نصْرَة الدَّار إِذْ هُوَ يستوطن بهَا وَإِن حضر بعد النَّهْي لم يسْتَحق
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِيمَن يسْتَأْجر وَالْمذهب أَن اسْتِئْجَار الْمُسلم بَاطِل لِأَن الْجِهَاد يَقع عَن فَرْضه فَكيف يَأْخُذ الْأُجْرَة وَهُوَ كالضرورة وَلَا يسْتَأْجر على الْحَج
هَذَا فِي حق الْآحَاد أما السُّلْطَان إِن رأى أَن يسْتَأْجر قَالَ الصيدلاني يجوز وَقد
стр. 3084
خُولِفَ فِيهِ وَالصَّحِيح أَن ذَلِك جَائِز فِي معرض الْإِعَانَة فِي الأهبة والزاد للطريق وَقد قَالَ لَو أخرجهم إِلَى الْجِهَاد قهرا لم يستحقوا أُجْرَة الْمثل على الإِمَام وَزَاد فَقَالَ لَو عين الإِمَام شخصا لغسل ميت وَدَفنه لم يسْتَحق الْأُجْرَة وَمَا ذكره فِي الْجِهَاد صَحِيح وَإِنَّمَا يَصح فِي الدّفن إِذا لم تكن تَرِكَة وَلَا فِي بَيت المَال متسع فَعِنْدَ ذَلِك يصير من فروض الكفايات
أما اسْتِئْجَار العَبْد فَجَائِز إِن قُلْنَا لَا يجب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا وطىء الْكفَّار بِلَاد الْإِسْلَام وَإِن قُلْنَا يجب فقد ثبتَتْ لَهُم أَهْلِيَّة الْقِتَال فَيَقَع عَنْهُم
وَأما اسْتِئْجَار الذِّمِّيّ فَجَائِز وَلكنه جعَالَة أَو إِجَارَة فِيهِ خلاف لما فِي أَعمال الْقِتَال من الْجَهَالَة لَكِن الصَّحِيح أَنا نَحْتَمِلُ فِي معاملات الْكفَّار لمصَالح الْقِتَال مَا لَا نَحْتَمِلُ فِي غَيره كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة القلعة وَلَو جَعَلْنَاهُ جعَالَة للَزِمَ تَجْوِيز الإنصراف من الطَّرِيق مهما شَاءَ وَهُوَ بعيد ثمَّ فِي جَوَاز استئجارهم لآحاد الْمُسلمين خلاف كَمَا فِي الْأَذَان
стр. 3085
فرع إِذا خرج أهل الذِّمَّة إِلَى الْجِهَاد قهرا استحقوا أُجْرَة الْمثل من رَأس الْغَنِيمَة على رَأْي وَمن بَيت المَال على رَأْي فَإِن خَرجُوا وَلم يقفوا فِي الصَّفّ فَلهم أُجْرَة الذّهاب وَلَو خلى سبيلهم قبل الْوُقُوف لم يستحقوا أُجْرَة مُدَّة الرُّجُوع لتعطل الْمَنَافِع لأَنهم على خيرتهم فيترددون كَمَا شاؤوا وَلَو وقفُوا وَلم يقاتلوا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنهم يسْتَحقُّونَ أُجْرَة الْقِتَال كَمَا يسْتَحق الْمُسلم السهْم وَالثَّانِي أَنهم لَا يسْتَحقُّونَ إِلَّا مَنْفَعَة مُدَّة الْوُقُوف والإحتباس إِن قُلْنَا إِن حبس الْحر يُوجب ضَمَان مَنَافِعه
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِيمَن يمْتَنع قَتله كالقريب وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة والراهب والعسيف
أما الْقَرِيب فَقتله مَنْهِيّ عَنهُ لقطيعة الرَّحِم وَإِذا انضمت الْمَحْرَمِيَّة إِلَى الرَّحِم كَانَ آكِد نهي النَّبِي ﷺ حُذَيْفَة وَأَبا بكر ﵄ عَن قتل أبويهما
وَأما الصّبيان والنسوان فَلَا يقتلُون لمصْلحَة الإسترقاق وَلِأَنَّهُم أَيْضا لَيْسُوا أهل الْقِتَال
стр. 3086
وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن ترشق الْمَرْأَة بالنشاب إِذا عجز عَن استرقاقها وَمهما شكّ فِي الْبلُوغ كشف عَن المؤتزر وعول على نَبَات شعر الْعَانَة فَلَو قَالَ استعجلته بالدواء فَإِن قُلْنَا إِنَّه عين الْبلُوغ فَلَا يقتل وَإِن قُلْنَا إِنَّه عَلامَة صدق مَعَ الْيَمين وَلَا يعول على اخضرار الشَّارِب ويعول على مَا خشن من شعر الْإِبِط وَالْوَجْه
وَأما الراهب والعسيف والحارف المشغول بحرفته والزمن وَالشَّيْخ الضَّعِيف الَّذِي لَا رَأْي لَهُ ففيهم قَولَانِ أَحدهمَا أَنهم يقتلُون لأَنهم من جنس أهل الْقِتَال وَالثَّانِي لَا لِأَن رَسُول الله ﷺ بعث إِلَى خَالِد ﵁ وَقَالَ لَا تقتل عسيفا ولاامرأة
стр. 3087
وَأما الشَّيْخ ذور الرَّأْي فَيقْتل إِذا حضر وَإِن لم يحضر فَفِيهِ نظر وَالظَّاهِر قَتله وَالشَّيْخ الأخرق إِذا حضر فَالظَّاهِر أَنه يقتل وَيحْتَمل طرد الْقَوْلَيْنِ فَإِن قُلْنَا لَا يقتلُون فَفِي إرقاقهم ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنهم كالنسوة يرقون بِنَفس الْأسر وَالثَّانِي أَن للْإِمَام أَن يرقهم إِن شَاءَ وَلَا يرقون بِنَفس الْأسر وَالثَّالِث أَنه يمْتَنع استرقاقهم وَهَذَا فِي غَايَة الضعْف وعَلى هَذَا فِي استرقاق نِسَائِهِم وذراريهم ثَلَاثَة أوجه تسْتَرق فِي الثَّالِث نِسَاؤُهُم دون ذَرَارِيهمْ لأَنهم كأجرائهم وَأجْرِي فِي سبي أَمْوَالهم الْخلاف وَهُوَ تَفْرِيع على بعيد وَمِنْهُم من ألحق السوقة بالعسفاء فِي منع الْقَتْل أَيْضا
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يجوز نصب المنجنين وإضرام النَّار وإرسال المَاء على قلاع الْكفَّار وَإِن علمنَا أَنه يتَنَاوَل النِّسَاء والذراري لِأَن ذَلِك لَيْسَ قصدا إِلَى عينهم وَلِأَنَّهُم مِنْهُم وَإِنَّمَا الْكَفّ لنَوْع مصلحَة
أما إِذا تترس كَافِر بصبي أَو امْرَأَة فَإِن كَانَ يُقَاتل لم نبال بِقَصْدِهِ وَإِن أصَاب ترسه وَإِن كَانَ دافعا فَقَوْلَانِ
стр. 3088
أَحدهمَا جَوَاز قصد الترس كَمَا فِي القلعة وَالثَّانِي لَا لِأَن هَذَا قصد عينه وَمِنْهُم من قَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْكَرَاهِيَة وَلَا تَحْرِيم
وَلَو تترسوا بهم فِي القلعة مِنْهُم من قَالَ يقْصد الترس وَإِن أمكننا فتح القلعة بِغَيْر ذَلِك زجرا لَهُم عَن هَذِه الْحِيلَة وَمِنْهُم من قَالَ إِن عجزنا عَن القلعة إِلَّا بِقَتْلِهِم فَفِي جَوَازه أَيْضا قَولَانِ إِذْ نَحن فِي غنية من أصل القلعة
أما إِذا كَانَ فِي القلعة مُسلم فَلَا تضرم النَّار وَلَا ينصب المنجنيق إِذا علمنَا أَنه يُصِيبهُ وَإِن كَانَ موهوما فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الْمَنْع إِذْ زَوَال الدُّنْيَا أَهْون عِنْد الله من سفك دم مُسلم وَرُبمَا أصبناه وَالثَّانِي الْجَوَاز لِأَنَّهُ موهوم والقلاع قَلما تَخْلُو عَن الْأُسَارَى فَلَا يُمكن تحصينهم عَن
стр. 3089
الْقِتَال بِأَن يمسكوا فِي كل قلعة مُسلما
فَأَما إِذا تترس كَافِر بِمُسلم فَلَا يجوز قصد الترس وَإِن خَافَ القاصد على نَفسه لِأَن غَايَته أَن يَجْعَل كالإكراه وَذَلِكَ لَا يُبِيح الْقَتْل فَإِن قتل الترس فَفِي وجوب الْقصاص قَولَانِ كَمَا فِي الْمُكْره وَمِنْهُم من قطع بِالْوُجُوب وَجعله كالمضطر فِي المخمصة
أما إِذا تترس الْكفَّار فِي صف الْقِتَال بطَائفَة من الْأُسَارَى وَلَو تركناهم لانهزم الْمُسلمُونَ وعلت رايتهم فَمنهمْ من جوز قصدهم لأَنهم سيقتلون من الْمُسلمين أَكثر مِنْهُم والجزئيات محتقرة بِالْإِضَافَة إِلَى الكليات وَمِنْهُم من منع وَقَالَ ذَلِك موهوم فَلَا يقدم بِسَبَبِهِ على سفك دم الْمُسلم
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي الْهَزِيمَة وَهِي مُحرمَة بعد التقاء الصفين إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا زِيَادَة عدد الْكفَّار على الضعْف وَالثَّانِي التحيز إِلَى فِئَة أُخْرَى
وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز لمِائَة من الْأَبْطَال أَن يَفروا من مِائَتَيْنِ من الضُّعَفَاء وَوَاحِد وَإِنَّمَا يرْعَى
стр. 3090
الْعدَد عِنْد تقَارب الصِّفَات وَمِنْهُم من قَالَ اتِّبَاع الصِّفَات يعسر فيرعى صُورَة الْعدَد وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي فرار عشْرين من ضعفاء الْمُسلمين عَن تِسْعَة وَثَلَاثِينَ من أبطال الْكفَّار وَلَا شكّ فِي أَنهم لَو قطعُوا بِأَنَّهُم يقتلُون لَو وقفُوا من غير نكاية مِنْهُم فِي الْكفَّار وَجب الْهَرَب إِذْ الذل فِي الْوُقُوف أَكثر إِذا كَانَ لَا يُرْجَى فلاح بِحَال وَكَذَلِكَ إِذا لم يكن مَعَ الْمُسلمين سلَاح جَازَ الْهَرَب وَإِن كَانَ يُمكن الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ فَفِي وجوب الْهَرَب خلاف وَإِن علمُوا أَنهم مغلوبون قطعا وَلَكِن بعد نكاية مَا فَفِي جَوَاز المصابرة وَجْهَان
وَأما التحيز إِلَى فِئَة أُخْرَى فَهُوَ مُبَاح وَإِن كَانَ تَركه لِلْقِتَالِ وانهزامه فِي الْحَال ينجبر بعزمه على الإتصال بفئة أُخْرَى فَأكْثر الْمُحَقِّقين على أَن تِلْكَ الفئة وَإِن كَانَت على مَسَافَة شاسعة جَازَ لعُمُوم الْآيَة وَلِأَن هَذَا أَمر بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَلَا يُمكن مخادعة الله تَعَالَى فِي العزائم فَإِذا ظَهرت لَهُ تِلْكَ الْعَزِيمَة جَازَ التَّوَجُّه إِلَيْهِم وَمِنْهُم من قَالَ لَا بُد من فِئَة يتَصَوَّر الإستنجاد بهم فِي هَذَا الْقِتَال وإتمامه وَلَا يُمكن ذَلِك إِلَّا بمسافة قريبَة
وعَلى الْوَجْه الأول هَل يجب عَلَيْهِ تَحْقِيق عزمه بِالْقِتَالِ مَعَ الفئة الْأُخْرَى الظَّاهِر أَنه لَا يجب لِأَن الْعَزْم قد رخص فَإِن زَالَ الْعَزْم بعده فَلَا حجر إِذْ الْجِهَاد لَا يجب قَضَاؤُهُ بل
стр. 3091
الصَّحِيح أَنه لَا يلْزم بِالنذرِ فَكيف يلْزمه الْقَضَاء والمنهزم عَاص لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِثْم
وَإِن اعْتبرنَا الفئة الْقَرِيبَة فَإِذا لم تكن وَجَبت المصابرة إِذْ تعذر التحيز وَحَيْثُ يجوز التحيز إِنَّمَا يجوز إِذا لم يدْخل بِسَبَبِهِ كسر على الْمُسلمين وَقُوَّة على الْكفَّار فَإِن أدّى إِلَى ذَلِك فَهُوَ مُمْتَنع والمتحيز إِلَى الفئة الْبَعِيدَة قبل حِيَازَة الْمغنم لَا يشْتَرك فِي الْمغنم وَفِي المتحيز إِلَى فِئَة قريبَة وَجْهَان
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة تجوز المبارزة بِإِذن الإِمَام وَفَائِدَته صِحَة أَمَانه لقرنه فَإِن اسْتَقل دون الْإِذْن فَفِي جَوَاز أَمَانه للقرن ونفوذه وَجْهَان وَفِي جَوَاز أصل الإستقلال بالمبارزة أَيْضا وَجْهَان إِذْ قد يكون للْإِمَام رَأْي فِي تعْيين الْأَبْطَال وَفِي جَوَاز حمل الْغُزَاة رُءُوس الْكفَّار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام خلاف مِنْهُم من قَالَ هُوَ مَكْرُوه إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا أَن يكون نكاية فِي قلب الْكفَّار فَلَا يكره
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة يَنْتَهِي جَوَاز قتل الْكَافِر بِإِسْلَامِهِ وَتحصل بِهِ عصمته وعصمة مَاله
стр. 3092
وَأَوْلَاده الصغار دون الْكِبَار فَإِنَّهُم يستقلون بِالْإِسْلَامِ وَيَنْتَهِي أَيْضا ببذل الْجِزْيَة وَيمْتَنع بِسَبَبِهِ استرقاق زَوجته وبنته الْبَالِغَة لِأَن الْإِنَاث لَا يستقللن بالجزية ويستقللن بِالْإِسْلَامِ وَفِي استرقاق زَوْجَة الْمُسلم إِذا كَانَت حربية وَجْهَان وَلَا يمْنَع مِنْهُ كَونهَا حَامِلا بِولد مُسلم لَكِن الرّقّ لَا يسري وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا تسْتَرق
стр. 3093
التَّصَرُّف الثَّانِي فِي رقابهم بالاسترقاق
وَهُوَ جَائِز كالإغتنام وَلَكِن النّظر فِي العلائق الْمَانِعَة وَهِي النِّكَاح وَالْوَلَاء وَالدّين
أما النِّكَاح فمنكوحة الْحَرْبِيّ تسْتَرق وَيَنْقَطِع نِكَاحه سَوَاء سبيت مَعَه أَو مُفْردَة بل لَو سبي الزَّوْج انْقَطع عندنَا نِكَاحه خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ وَكَذَلِكَ الحربية إِذا كَانَت مَنْكُوحَة ذمِّي فَإِن كَانَت مَنْكُوحَة مُسلم فَفِي جَوَاز الإسترقاق وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن نِكَاح الْمُسلم كالأمان لَهَا فترعى حُرْمَة إِسْلَامه
стр. 3094
وَالثَّانِي نعم لِأَن النِّكَاح مؤبد وَلَا عهد لنا بِأَمَان مؤبد
وعَلى هَذَا يَنْقَطِع نِكَاح الْمُسلم حَتَّى لَا تبقى أمة كِتَابِيَّة فِي نِكَاح مُسلم فَإِن ذَلِك يمْتَنع ابْتِدَاء لَا كدار حَرْبِيّ اسْتَأْجرهَا مُسلم فَإِنَّهُ تملك بالإغتنام وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة إِذْ لَا عسر فِيهِ وَذكر فِيهِ وَجه غَرِيب أَن النِّكَاح لَا يَنْقَطِع وَأَن ذَلِك يحْتَمل فِي الدَّوَام وَهَذَا إِن أُرِيد بِهِ أَن يتَوَقَّف إِلَى إسْلَامهَا قبل انْقِضَاء الْعدة فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا وَجه لَهُ أما إِذا سبينَا زَوْجَيْنِ رقيقين مُسلمين أَو كَافِرين الْأَهْل الْحَرْب فَفِي انْقِطَاع نِكَاحهمَا وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن هَذَا كالشراء فَإِنَّهُ تبدل ملك لَا ابْتِدَاء رق وَالثَّانِي أَنه يَنْقَطِع لَان ملك السَّبي مُبْتَدأ غير مَبْنِيّ على ملك الْكَافِر
أما علقَة الْوَلَاء فَإِن ثبتَتْ لمُسلم بِأَن أعتق عبدا كَافِرًا فالتحق بدار الْحَرْب فَالْمَذْهَب أَنه لَا يسترق لعلقة وَلَاء الْمُسلم فَإِنَّهُ لَا يقبل الْفَسْخ بِخِلَاف نِكَاح الْمُسلم إِذْ فِيهِ وَجْهَان أما زَوْجَة الذِّمِّيّ فتسبى وَفِي مُعْتقه وَجْهَان وَفِي مُعتق الْمُسلم أَيْضا وَجه غَرِيب أَنه يسبى
أما علقَة الدّين فالمسبي إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين لمُسلم أَو لذِمِّيّ فيسترق وَيبقى الدّين فِي ذمَّته يتبع بِهِ إِذا عتق إِن لم يبْق لَهُ مَال فَإِن كَانَ لَهُ مَال لَكِن اغتنم قبل إرقاقه فَكَأَنَّهُ لَا مَال لَهُ وَإِن اغتنم بعد إرقاقه فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الدّين مِنْهُ وَينزل الرّقّ منزلَة الْحجر بالفلس وَيتَعَلَّق بِهِ حق الْغُرَمَاء وَلذَلِك ينقدح الْمصير إِلَى حُلُول الدّين برقه على أحد الْوَجْهَيْنِ كَمَا فِي الْفلس بل الرّقّ بِالْمَوْتِ أشبه من الْفلس
стр. 3095
وَإِن سبي مَعَه مَاله فَلَا يقْضِي الدّين من المَال لِأَنَّهُ يتَمَلَّك مَاله بِمُجَرَّد السَّبي وَلَا يرق إِلَّا بِصَرْف الرّقّ بعده
أما الْمَرْأَة إِذا كَانَ عَلَيْهَا دين فسبيت مَعَ مَالهَا قدم حق الْغَانِمين لِأَن سَبَب الْملك أقوى من سَبَب تعلق الدّين بِالْمَالِ وَيحْتَمل أَن يقدم الدّين وَيُشبه بِملك الْوَارِث إِذْ يقدم حق الدّين عَلَيْهِ وَإِن كَانَ حُلُول الدّين والوراثة يحصل مَعًا بِالْمَوْتِ هَذَا إِذا اسْترق من عَلَيْهِ الدّين أما إِذا اسْترق من لَهُ الدّين فَلَا تَبرأ ذمَّة من عَلَيْهِ الدّين بل هُوَ كودائع الْحَرْبِيّ المسبي وَسَيَأْتِي
أما إِذا مَا اسْتقْرض حَرْبِيّ من حَرْبِيّ شَيْئا أَو الْتزم دينا بمعاملة ثمَّ أسلما أَو قبلا الْجِزْيَة أَو الْأمان فالإستحقاق مُسْتَمر وَكَذَلِكَ يبْقى مهر الزَّوْجَة إِذا أسلما إِن لم يكن الْمهْر خمرًا أَو خنزيرا وَلَو سبق الْمُسْتَقْرض إِلَى الْإِسْلَام أَو الذِّمَّة فالنص أَن اللُّزُوم قَائِم وَنَصّ على أَن الْحَرْبِيّ إِذا مَاتَت زَوجته فَدخل دَارنَا فجَاء ورثتها يطْلبُونَ مهرهَا فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَوجه السُّقُوط بعد طلب الْحَرْبِيّ المَال من مُسلم أَو ذمِّي فِي دَارنَا وَهَذَا ضَعِيف إِذْ قطعُوا بِأَن رق من عَلَيْهِ الدّين لَا يسْقط دين الْحَرْبِيّ وَهُوَ أَمَان وأنهما إِن أسلما على التَّعَاقُب اسْتمرّ الطّلب وَلَو بَرِئت الذِّمَّة بِإِسْلَام من عَلَيْهِ الدّين لما عَاد الطّلب فَلَعَلَّ الشَّافِعِي ﵁ أَرَادَ مَا إِذا كَانَ الدّين خمرًا أَو خنزيرا
أما إِذا كَانَ قد أتلف الْحَرْبِيّ على حَرْبِيّ مَالا أَو قهره وَأخذ مَاله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِذا أسلم أَو قبل الْجِزْيَة وَإِنَّمَا اللُّزُوم بِحكم التَّرَاضِي وَإِتْلَاف مَال الْحَرْبِيّ لَا يزِيد على إِتْلَاف مَال الْمُسلم وَلَا ضَمَان لَهُ بعد الْإِسْلَام وَفِيه وَجه أَنه يبْقى الضَّمَان لِأَن ذَلِك مُلْتَزم فِيمَا بَينهم
стр. 3096
بشرعهم كَمَا فِي معاملتهم بِخِلَاف مَال الْمُسلم
فرع إِذا سبى الوالدة وَوَلدهَا الصَّغِير فَلَا يفرق بَينهمَا فِي الْقِسْمَة وَالْبيع لقَوْله ﷺ لَا تولة وَالِدَة بِوَلَدِهَا وَالْجدّة عِنْد عدم الْأُم فِي مَعْنَاهَا وَلَو بيع مَعَ الْجدّة عِنْد وجود الْأُم فَهَل يسْقط التَّحْرِيم بِهِ فِيهِ قَولَانِ وَلَا خلاف أَنه يُبَاع مَعَ الْأُم دون الْجدّة وَالْأَب هَل يلْحق بِالْأُمِّ فِي تَحْرِيم التَّفْرِيق فِيهِ قَولَانِ فَإِن ألحقناه فَهَل يعدى إِلَى سَائِر الْمَحَارِم قَولَانِ وَأما حكم صِحَة البيع وتفاريعه فذكرناه فِي كتاب البيع
стр. 3097
التَّصَرُّف الثَّالِث فِي أَمْوَالهم بالإهلاك
وكل مَا يُمكن اغتنامه لَا يجوز إهلاكه وَيجوز إحراق أَشْجَارهم إِذا رأى الإِمَام ذَلِك نكاية فيهم فَإِن توقعنا على الْقرب أَن تصير للْمُسلمين لم يجز والمتبع فِيهِ الْمصلحَة
وَالْمَقْصُود أَن لَا حُرْمَة للأشجار بِخِلَاف الْبَهَائِم فَإِنَّهُ لَا يجوز قَتلهَا غيظا لَهُم إِلَّا قتل فرس الْمقَاتل وَهُوَ عَلَيْهِ
وتتلف كتبهمْ الْمُشْتَملَة على الْكفْر وَمَا لَا يجوز الإنتفاع بِهِ وَفِي جَوَاز استصحابه ليستعان بِهِ على معرفَة تفصايل مذاهبهم تردد
وَأما كلب الصَّيْد فِي الْغَنِيمَة فَلَا يدْخل فِي الْقِسْمَة إِذْ لَا ملك فِيهِ لَكِن يخصص الإِمَام بِهِ من أَرَادَ
стр. 3098
التَّصَرُّف الرَّابِع فِي أَمْوَالهم بالإغتنام
وَالْغنيمَة كل مَا أَخذه الفئة المجاهدة من أَعدَاء الله تَعَالَى على سَبِيل الْقَهْر وَالْغَلَبَة وأموال دَار الْحَرْب خَمْسَة أَقسَام
أَحدهَا مَا ذَكرْنَاهُ
وَالثَّانِي مَا ينجلي عَنهُ الْكفَّار بِالرُّعْبِ من غير قتال وَهُوَ فَيْء وَفِي مَعْنَاهُ كل مَال وصل إِلَى الْمُسلمين مِنْهُم بِغَيْر قتال
وَالثَّالِث مَا يستبد بِهِ آحَاد الْمُسلمين بِسَرِقَة واختلاس فَهُوَ لَهُم وَلَا يُخَمّس شَيْء مِنْهُ
وَالرَّابِع صيد دَار الْحَرْب وحشيشه فَهُوَ كمباح فِي دَار الْإِسْلَام
وَالْخَامِس اللّقطَة وَهِي لآخذها إِن لم يتَوَهَّم كَونهَا لمُسلم فَإِن توهم فَلَا بُد من التَّعْرِيف ثمَّ الْغَنِيمَة لَهَا أَحْكَام
الأول جَوَاز التبسط فِي الْأَطْعِمَة مَا داموا فِي دَار الْحَرْب وَذَلِكَ رخصَة ثبتَتْ شرعا فِي الْأَطْعِمَة خَاصَّة قَالَ ابْن أبي أوفى كُنَّا نَأْخُذ من طَعَام الْمغنم مَا نشَاء
стр. 3099
وَالنَّظَر فِي جنس الْمَأْخُوذ وَقدره وَمحله وَوجه التَّصَرُّف
أما الْجِنْس فَهُوَ كل قوت أَو مَا يكمل بِهِ الْقُوت كَاللَّحْمِ وَمِنْه التِّبْن وَالشعِير للدواب أما السكر والفانيذ والعقاقير فَلَا لِأَن الْحَاجة إِلَيْهَا نادرة كالثياب وَأما الْفَوَاكِه الرّطبَة فَفِيهَا وَجْهَان وَكَذَلِكَ الشَّحْم إِذا اخذ لتوقيح الدَّوَابّ فَإِنَّهُ أَخذ لَا لتطعم لَكِن الْحَاجة إِلَى التوقيح تكْثر
وَأما الْحَيَوَانَات فَلَا يتبسط فِيهَا إِلَّا الْغنم فتذبح إِن تعذر سوقه وَإِذا ذبح فَهُوَ طَعَام وَقد ألحقهُ الشَّرْع فِي اللّقطَة بِالطَّعَامِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يذبح الْغنم وَإِن تيَسّر السُّوق وَلَكِن هَل يغرم من ذَبحهَا وَأكل مِنْهَا فِيهِ وَجْهَان أما جُلُود الأغنام فمردودة إِلَى الْمغنم إِلَّا مَا يُؤْكَل على الرُّءُوس
أما الْقدر المأخذ فَهُوَ بِقدر الْحَاجة وَلَا يشْتَرط أَن يَأْخُذهُ من لَا طَعَام مَعَه إِذْ وَردت
стр. 3100
الرُّخْصَة من غير تَفْصِيل لَكِن لَهُ سد حَاجته بِطَعَام الْمغنم
وَلَو قدمه إِلَى من لَا يشْتَرك فِي الْمغنم كَانَ كتقديم الطَّعَام الْمَغْصُوب إِلَى أَجْنَبِي وَلَو أَخذ مَا ظن أَنه قدر حَاجته فَدخل دَار الْإِسْلَام وَبَقِي مِنْهُ مَاله قيمَة رد على الْمغنم وَإِن كَانَ نزرا فَقَوْلَانِ وَقد أطلق الْأَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ من غير تَفْصِيل بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَلَو لحق مدد قبل دُخُول دَار الْإِسْلَام وَبعد الإغتنام فَفِي جَوَاز التبسط لَهُم وَجْهَان
أما مَحل التبسط فَمَا داموا فِي دَار الْحَرْب إِذْ لَا يظفر فِيهَا بالأسواق غَالِبا فَإِن وجد سوق فِي دَار الْحَرْب أَو دخلُوا أَطْرَاف دَار الْإِسْلَام وَلم يَجدوا سوقا فَوَجْهَانِ ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى الْحَاجة وَفِي الثَّانِي إِلَى ضبط مَظَنَّة الْحَاجة بِالدَّار فَإِن ذَلِك لَا يَنْضَبِط وَدَار الْحَرْب عندنَا فِي الْأَحْكَام كدار الْإِسْلَام وَإِنَّمَا هَذَا لأجل الْحَاجة
أما جنس التَّصَرُّف فَهُوَ كَالْأَكْلِ وعلف الدَّوَابّ فَقَط فِي حق الْغَانِمين وَإِن أضَاف أَجْنَبِيّا كَانَ كتقديم الْمَغْصُوب إِلَى الضَّيْف فِي وجوب الضَّمَان وقراره فَإِن أتلف الطَّعَام ضمن
стр. 3101
إِذْ لَا حَاجَة إِلَيْهِ فليتلفه على وَجه الرُّخْصَة
فرع
لَو أَخذ طَعَاما ثمَّ أقْرضهُ وَاحِدًا من الْغَانِمين فَالصَّحِيح أَنه كمناولة الضيفان بَعضهم بَعْضًا وَكَأن الْمُسْتَقْرض هُوَ الْآخِذ فَلَا يُطَالب برده وَفِيه وَجه أَنه قد اخْتصَّ بِهِ أَولا فَيصح هَذَا الْقَرْض حَتَّى يُطَالِبهُ بِمثلِهِ من طَعَام الْمغنم مَا داموا فِي دَار الْحَرْب فَإِن لم يجد من طَعَام الْمغنم شَيْئا فَلَا طلبة إِذْ مُجَرّد الْيَد لَا تقَابل بِالْملكِ كنحو الْيَد فِي الْكَلْب وَلَو بَاعَ صَاعا بِصَاع من طَعَام الْمغنم فَلَا حكم لَهُ بل هُوَ كالإقراض حَتَّى لَو بَاعَ بصاعين لم يُطَالب إِلَّا بِصَاع وَاحِد إِن صححنا الْقَرْض
стр. 3102
الحكم الثَّانِي للغنيمة سُقُوط الْحق بِالْإِعْرَاضِ وَمن أعرض عَن الْغَنِيمَة يعد إعراضه لِأَن مَقْصُود الْجِهَاد إعلاء كلمة الله تَعَالَى فَيقدر المعرض كَأَنَّهُ لم يكن وَنَشَأ من هَذَا الْخلاف فِي الْغَنِيمَة مَتى تملك وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا تملك بِالْقِسْمَةِ بِدَلِيل جَوَاز الْإِعْرَاض واثاني أَنَّهَا بالإستيلاء تصير ملكا للغانمين لَكِن على ضعف كالملك فِي مُدَّة الْخِيَار بِدَلِيل أَن من مَاتَ من الْغَانِمين قَامَ وَارثه مقَامه الثَّالِث أَنه مَوْقُوف فَإِنَّهُ أعرض بَان أَنه جرد قَصده نَحْو إعلاء كلمة الله تَعَالَى فَلم يملك وَإِن قسم بَان أَنه ملك أَولا وعَلى هَذَا ترددوا فِي أَن من قَالَ اخْتَرْت الْقِسْمَة ثمَّ أعرض بعده فَهَل ينفذ إعراضه فَمنهمْ من قَالَ الْإِعْرَاض جَائِز بعد ذَلِك مَا لم تقسم وَالصَّحِيح أَنه يَصح الْإِعْرَاض بعد إِفْرَاز الْخمس إِذا لم تقسم بَين الْغَانِمين وَقَالَ ابْن سُرَيج لَا يَصح وَالنَّظَر الْآن فِي المعرض والمعرض عَنهُ
أما المعرض فَلَو أعرض جَمِيع الْغَانِمين فَفِيهِ وَجْهَان
стр. 3103
أَحدهمَا أَنه لَا ينفذ إِذْ لَا يبقي مصرف وَالثَّانِي أَنه يَصح وَيرجع إِلَى مصرف الْخمس وَلَو أعرض جَمِيع ذَوي الْقُرْبَى عَن حَقهم فَفِي صِحَّته وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنهم لم يستحقوا بِالْجِهَادِ حَتَّى يُقَال لم يقْصد الْغَنِيمَة بل بِالْقَرَابَةِ والغانم الْمُفلس إِذا أحاطت بِهِ الدُّيُون نفذ إعراضه وَلَا ينفذ إعارض السَّفِيه وَلَا إِعْرَاض الصَّبِي عَن الرضخ إِلَّا أَن يبلغ قبل الْقِسْمَة وَلَا يَصح إِعْرَاض وليه عَن حَقه وَلَا يَصح إِعْرَاض العَبْد عَن رضخه وَلَكِن يَصح إِعْرَاض سَيّده
وَأما المعرض عَنهُ فَهُوَ الْغَنِيمَة والرضخ وَحقّ ذَوي الْقُرْبَى وَالسَّلب وَقد ذكرنَا جَمِيع ذَلِك إِلَّا السَّلب وَفِيه وَجْهَان لِأَن السالب مُتَعَيّن فَأشبه الْوَارِث ومرتب على أَقْوَال الْملك مسَائِل
стр. 3104
الأولى أَنه لَو سرق وَاحِد شَيْئا من مَال الْمغنم فَهُوَ كالمشترك فَحَيْثُ وَجب الْقطع فِي الْمُشْتَرك فهاهنا وَجْهَان إِذْ كل وَاحِد يُمكن أَن يسْتَحق بإعراض الآخر
الثَّانِيَة لَو وَقع فِي الْمغنم من يعْتق على بعض الْغَانِمين فالنص أَنه لَا تعْتق حِصَّته مَا لم يَقع فِي قسمته وَلَا يمْنَع ذَلِك عَن الْإِعْرَاض إِن أَرَادَ وَنَصّ على أَنه لَو استولد جَارِيَة ثَبت الإستيلاد لشركته لِأَن الإستيلاد اخْتِيَار مِنْهُ للتَّمْلِيك فَثَبت بِهِ ملكه فِي قدر حِصَّته من الْجَارِيَة وَأما الْقَرِيب فَلم يُوجد مِنْهُ اخْتِيَار نعم لَو اخْتَار الْعتْق حِينَئِذٍ نفذ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج ومأخذ الْقَوْلَيْنِ أصل التَّرَدُّد فِي ثُبُوت الْملك وانتفائه
الثَّالِثَة لَو وطىء جَارِيَة من الْمغنم وَلم تحبل فَلَا حد على الصَّحِيح وَالْمهْر يبتنى على أَقْوَال الْملك فَإِن قُلْنَا لم يملك لَكِن ملك إِن تملك فَعَلَيهِ كَمَال الْمهْر وَيُوضَع فِي الْمغنم وَإِن قُلْنَا ملك فيحط عَنهُ قدر حِصَّته وَيجب الْبَاقِي وَإِن قُلْنَا إِنَّه مَوْقُوف فَإِن وَقع فِي حِصَّته فَلَا شَيْء وَإِن وَقع فِي حِصَّة غَيره فَعَلَيهِ جَمِيع الْمهْر فَإِن كثر الْجند وَلم يُمكن ضبط حِصَّته أَخذنَا المستيقن وحططنا المستيقن ويتوقف فِي قدر الْإِشْكَال أما إِذا أحبل فَحكم الْمهْر وَالْحَد مَا سبق
ويتجدد النّظر فِي الإستيلاد وحرية الْوَلَد وَقِيمَته
стр. 3105
أما الإستيلاد إِن قُلْنَا لَا يملك فَلَا ينفذ فِي الْحَال وَلَكِن لَو وَقعت فِي حِصَّته فَهَل ينفذ قَولَانِ يجريان فِي كل ملك طارىء فَإِن قُلْنَا يملك فَفِي نُفُوذ الإستيلاد فِي حِصَّته وَجْهَان كَمَا فِي زمَان الْخِيَار وَمِنْهُم من عكس وَقَالَ إِن قُلْنَا ملك نفذ فِي حِصَّته وَإِن قُلْنَا لَا فَقَوْلَانِ كاستيلاد الْأَب جَارِيَة الابْن وَأولى بالنفوذ لِأَن لَهُ حَقًا فِي الْجَارِيَة بِخِلَاف الْأَب فَإِن نفذنا فِي نصِيبه سرى إِن كَانَ مُوسِرًا ونجعله مُوسِرًا بِمَا يَخُصُّهُ من الْغَنِيمَة وَلَكِن لَو أعرض نفذ إعراضه ونجعله مُعسرا وَلَا نمنعه من الْإِعْرَاض لتنفيذ عتقه
أما الْوَلَد فَينْعَقد حرا نسيبا للشُّبْهَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ هُوَ رَقِيق وَلَا نسب لَهُ وَفِي وجوب قيمَة الْوَلَد قَولَانِ كالقولين فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة مأخذهما أَن الْملك ينْتَقل قبيل الْعلُوق أَو بعده ثمَّ مِقْدَار حِصَّته من قيمَة الْوَلَد تتعرف كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمهْر وَيسْقط عَنهُ وَإِن بَعْضنَا الْعتْق
стр. 3106
فِي صُورَة الْمُعسر فَالْوَلَد هَل يعْتق جَمِيعه لأجل الشُّبْهَة فِيهِ وَجْهَان جاريان فِي استيلاد الشَّرِيك الْمُعسر وَكَذَلِكَ من وطىء امْرَأَة نصفهَا حر وَنِصْفهَا رَقِيق وَالْأَظْهَر أَن يَتَبَعَّض الْوَلَد هَاهُنَا كالأم لَا كالشبهة الَّتِي لَا تخْتَص بِبَعْض الْمَرْأَة وَهل يجوز للْإِمَام أَن يرق بعض شخص ابْتِدَاء فِيهِ وَجْهَان وَالْقِيَاس جَوَازه
أما إِذا فرعنا على الإستيلاد لَا يحصل لضعف الْملك وَعَدَمه فَالْوَلَد حر بِسَبَب الشُّبْهَة وَيعتق جَمِيع الْوَلَد لاسترسال الشُّبْهَة وَهَذَا يُشِير إِلَى أَن الشّركَة أولى بِأَن تورث شُهْبَة وَإِنَّمَا يتَّجه بعض رق الْوَلَد فِي امْرَأَة نصفهَا حر وَنِصْفهَا رَقِيق
ثمَّ إِذا لم ينفذ الإستيلاد وَعتق الْوَلَد فَهَذِهِ حَامِل بَحر فَالْأَصَحّ منع بيعهَا وَلَا يُمكن إدخالها فِي الْقِسْمَة إِن جعلنَا الْقِسْمَة بيعا فبالحري أَن يُطَالب الواطىء بِالْقيمَةِ للْحَيْلُولَة ثمَّ تقوم على الواطىء حَتَّى تتَعَيَّن لحصته من غير قسْمَة
أما إِذا كَانَ الواطىء من غير الْغَانِمين فَهُوَ زَان يحد إِلَّا أَن يكون لَهُ ابْن فِي الْغَانِمين أَو وطىء قبل إِفْرَاز الْخمس وَقُلْنَا إِن الزَّانِي بِجَارِيَة بَيت المَال لَا حد عَلَيْهِ
стр. 3107
الحكم الثَّالِث للمغانم أَن الْأَرَاضِي والعقارات تتملك عَلَيْهِم إِذا أمكن حفظهَا مِنْهُم وتقسم بَين الْغَانِمين
وَمذهب الشَّافِعِي ﵁ أَن أَرَاضِي الْعرَاق قسمهَا عمر ﵁ بَين الْغَانِمين ثمَّ خَافَ أَن يتعلقوا بأذناب الْبَقر والحراثة ويتركوا الْجِهَاد فاستمال قُلُوبهم عَنْهَا بعوض وَغير عوض ووقفها على الْمُسلمين ثمَّ آجرها من سكان الْعرَاق بخراج يؤدونه كل سنة وإجارته مُؤَبّدَة وَاحْتمل ذَلِك لمصْلحَة الْعَامَّة فَلَا يجوز بيع تِلْكَ الْأَرَاضِي وَيجوز لأربابها إِجَارَتهَا لَكِن إِجَارَة مُؤَقَّتَة وَفِي إِجَارَتهَا مُؤَبّدَة قَولَانِ الصَّحِيح الْمَنْع لِأَنَّهَا احتملت فِي وَاقعَة كُلية ومصلحة عَامَّة وَلَيْسَ لأحد من الْمُسلمين أَن يَأْخُذ قِطْعَة مِنْهَا مِمَّن وَقع فِي يَده من آبَائِهِ وأجداده وَيَقُول أَنا أعطي عَلَيْهِ لِأَن عمر بن الْخطاب ﵁ آجرها مِنْهُم على التأييد وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بِمَوْت الْعَاقِدين
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لم يتَمَلَّك عمر ﵁ على سكانها بل ضرب عَلَيْهِم خراجها مَعَ تَقْدِير ملكهم وَزعم أَن ذَلِك خراج لَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ
وَقَالَ ابْن سُرَيج ﵀ يَصح بيع أَرَاضِي الْعرَاق لِأَن عمر ﵁ بَاعهَا من سكان الْعرَاق ليؤدوا الثّمن على ممر الْأَيَّام إِلَّا أَن هَذَا ثمن غير مُقَدّر وَلَا آخر لَهُ
وعَلى الْجُمْلَة لَا يَخْلُو الْمَذْهَب عَن الْإِشْكَال وَهُوَ أَن يتَقَدَّر الثّمن أَو تتأبد
стр. 3108
بِالْإِجَارَة أَو لَا يسْقط الْخراج بِالْإِسْلَامِ وَلَكِن الإعتماد على النَّقْل وَالشَّافِعِيّ ﵁ أعلم الْقَوْم بِالنَّقْلِ والتواريخ
وَأما دور مَكَّة وأراضيها فمملوكة عِنْد الشَّافِعِي ﵁ وَيجوز بيعهَا لأصحابها وَصَحَّ عِنْده أَن مَكَّة فتحت عنْوَة على معنى أَنه ﷺ مستعدا لِلْقِتَالِ لَو قوتل
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يَصح بيع دور مَكَّة هَذِه أَحْكَام الْغَنِيمَة وَمَا شَذَّ عَنْهَا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب قسم الْغَنَائِم فِي ربع البيع
стр. 3109
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث فِي ترك الْقَتْل والقتال بالأمان ﷺ َ -
وَاعْلَم أَن الْأمان من مكايد الْقِتَال ومصالحه وَإِن كَانَ تركا للْقَتْل لَكِن قد تمس الْحَاجة إِلَيْهِ
وينقسم إِلَى عَام لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا السُّلْطَان وَإِلَى خَاص فيستقل بِهِ الْآحَاد وَهُوَ الْمَقْصُود بَيَانه وَالنَّظَر فِي أَرْكَانه وشرائطه وَأَحْكَامه فَأَما الْأَركان فَثَلَاثَة
الأول الْعَاقِد وَهُوَ كل مُكَلّف مُؤمن لَهُ أَهْلِيَّة الْقَتْل والقتال بِحَال فَيصح أَمَان العَبْد وَالْمَرْأَة وَالشَّيْخ الْهَرم وَالسَّفِيه والمفلس وَلَا يَصح أَمَان الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَقيل أَمَان الصَّبِي كوصيته إِذْ لَا ضَرَر عَلَيْهِ وَهُوَ بعيد
وَأما الْأَسير إِن أَمن من أسره فَالْمَذْهَب أَنه لَا يَصح لانه يكون كالمكره فِيهِ وَإِن أَمن غَيره فَوَجْهَانِ أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ مُؤمن مُكَلّف الثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِقْلَال فِي التخويف والأمان ترك التخويف وعَلى هَذَا هَل يلْزمه حكمه فِي نَفسه فعلى وَجْهَيْن
الرُّكْن الثَّانِي الْمَعْقُود لَهُ وَهُوَ الْوَاحِد أَو الْعدَد المحصور من ذُكُور الْكفَّار أما أَمَان الْمَرْأَة عَن الإسترقاق فَهَل يصلح فِيهِ وَجْهَان ينبنيان على الْقَوْلَيْنِ فِي أَن الصُّلْح مَعَ أهل قلعة فِيهَا نسْوَة لَا
стр. 3110
رجل بَينهُنَّ هَل يعصمهن عَن الإسترقاق ومأخذه أَن الْمَرْأَة تَابِعَة فِي الْأمان فَلَا تستقل أما الْعدَد الَّذِي لَا ينْحَصر كَأَهل نَاحيَة فَلَا يَصح أَمَان الْآحَاد فِيهِ بل ذَلِك إِلَى السُّلْطَان
الرُّكْن الثَّالِث نفس العقد وَهُوَ كل لفظ مفهم كِنَايَة أَو صَرِيحًا وَالْإِشَارَة تقوم مقَامه وَلَكِن لَا بُد من تفهيم
وللكافر أَن يرد الْأمان فَإِن رد لم ينفذ وَإِن قبل نفذ وَإِن سكت فَفِيهِ تردد وَالظَّاهِر اشْتِرَاط الْقبُول بقول أَو فعل فَلَو أَشَارَ مُسلم إِلَى كَافِر فِي الصَّفّ فانحاز إِلَى الْمُسلمين وفهما الْأمان فَهُوَ آمن وَإِن قَالَ الْكَافِر مَا فهمت الْأمان فلنا أَن نغتاله وَإِن قَالَ فهمت الْأمان وَقَالَ الْمُسلم مَا أردته فَلَا يغتال ويبلغ المأمن
وَإِنَّمَا تشْتَرط الصِّيغَة فِيمَن يدْخل بِلَادنَا لَا لسفارة وَلَا لقصد سَماع كَلَام الله وَإِن قصد ذَلِك فَهُوَ آمن من غير عقد وَأما قصد التِّجَارَة فَلَا يُؤمن فَلَو قَالَ كنت أَظن أَنه كقصد السفارة فَلَا نبالي بظنه ونغتاله نعم لَو قَالَ الْوَالِي كل من دخل تَاجِرًا فَهُوَ آمن فَلهُ ذَلِك وَلَو قَالَ ذَلِك وَاحِد من الرّعية لم يَصح إِذْ لَيْسَ للآحاد التَّعْمِيم فَلَو قَالَ الْكَافِر ظَنَنْت صِحَّته فَفِي جَوَاز اغتياله وَجْهَان
أما الشَّرْط فَهُوَ اثْنَان
أَحدهمَا أَن لَا يكون على الْمُسلمين ضَرَر بِأَن يكون طَلِيعَة أَو جاسوسا فَإِن كَانَ قتل وَلَا نبالي بالأمان وَلَا يشْتَرط وجود مصلحَة مهما انْتَفَى الضَّرَر
стр. 3111
الثَّانِي أَن لَا يزِيد الْأمان على سنة وَيجوز إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَفِيمَا بَين ذَلِك قَولَانِ كالقولين فِي مهادنة الْكفَّار حَيْثُ لَا ضعف للْمُسلمين وَعند الضعْف تجوز المهادنة إِلَى عشر سِنِين وَأما الْأمان فَلَا يُزَاد على السّنة
وَأما حكم الْأمان فَهُوَ أَنه جَائِز من جَانب الْكفَّار وَله أَن ينْبذ الْعَهْد مهما شَاءَ ولازم من جِهَة الْمُسلمين كالذمة إِلَّا أَن الْعَهْد ينْبذ بِمُجَرَّد توقع الشَّرّ والذمة لَا تنبذ إِلَّا بتحقيق الشَّرّ
ثمَّ يتبع فِي الامان مُوجب الشَّرْط فَلَو قَالَ أمنت نَفسك خَاصَّة لم يسر إِلَى مَاله وَأَهله إِلَّا أَن يُصَرح وَلَو قَالَ أمنتك فَفِي السَّرَايَة وَجْهَان أَحدهمَا لَا لاخْتِصَاص اللَّفْظ وَالثَّانِي نعم لِأَن أَمَانه بترك مَا يتَأَذَّى بِهِ
ثمَّ هَذَا فِيمَا مَعَه من المَال والأهل أما تَركه فِي دَاره فَلَا أَمَان فِيهِ وَمهما قَتله بعد الْأمان هُوَ أَو غَيره لَزِمت الدِّيَة وَالْكَفَّارَة دون الْقصاص
فرعان
الأول الْأَسير فِيمَا بَينهم إِذا أمنوه بِشَرْط أَن لَا يخرج من دَارهم فَلهُ الْخُرُوج مهما تمكن بل يلْزمه الْخُرُوج فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مُتَمَكنًا من إِقَامَة وظائف شَرْعِيَّة لكنه لَا يَخْلُو عَن ذل فِيمَا بَينهم فَتلْزمهُ الْهِجْرَة وَيلْزمهُ أَن يَحْنَث إِن كَانَ قد حلف وَلَا ترخص فِي الْمقَام خوفًا من وُقُوع الطَّلَاق وَالْعتاق إِن كَانَ قد حلف بِهِ
وَلَو أَطْلقُوهُ إِلَى دَار الْإِسْلَام بِشَرْط الرُّجُوع فَلَا يلْزمه وَلَو شَرط إِنْفَاذ مَال لم يلْزمه أَيْضا
стр. 3112
وَقيل فِيهِ قَول قديم أَنه يجب الْوَفَاء بوعد المَال نعم إِذا كَانَ الْأمان من الْجَانِبَيْنِ فَإِذا خرج لَا يغتالهم وَلَا يَأْخُذ أموالم إِلَّا إِذا خَرجُوا وَرَاءه فَلهُ دفع الخارجين إِلَيْهِ خَاصَّة
وَلَو باعوه شَيْئا وَهُوَ مُخْتَار لزمَه بَعثه الثّمن إِلَيْهِم فَإِن كَانَ مكْرها فَعَلَيهِ رد الْعين وَقَالَ فِي الْقَدِيم يُخَيّر بَين رد الْعين أَو الثّمن وَكَأَنَّهُ تَفْرِيع على وقف الْعُقُود
وَإِذا أسلم الْكَافِر وَقد لزمَه كَفَّارَة يَمِين لم تسْقط الْكَفَّارَة بِالْإِسْلَامِ ويحكي فِيهِ وَجه أَنه يسْقط فعلى هَذَا يبطل بِالْإِسْلَامِ إيلاؤه
الْفَرْع الثَّانِي المبارز بِالْإِذْنِ أَو على الإستقلال إِن جَوَّزنَا ذَلِك يلْزمه الْوَفَاء بِشَرْطِهِ مَعَ قرنه وَيلْزم أهل الصَّفّ ذَلِك فَلَو شَرط أَن لَا يتَعَرَّض لَهُ أهل الصَّفّ إِلَى أَن يعود إِلَى صفهم لزم وَإِن شَرط إِلَى أَن يَنْتَهِي الْقِتَال فَإِذا ولى مُنْهَزِمًا جَازَ قَتله إِذْ قد انْتهى قِتَاله بالهزيمة وَإِن شَرط الْأمان إِلَى الْإِثْخَان جَازَ قتل الْكَافِر إِذا أثخنه الْمُسلم وَإِن أثخن الْمُسلم وَقصد تذفيفه منعناه وقتلناه وَإِن كَانَ الْأمان ممدودا إِلَى الْقَتْل بل مثل هَذَا الْأمان بَاطِل إِذْ فِيهِ مضرَّة على الْمُسلمين
وَلَو خرج جمع لإعانة الْكَافِر قتلناهم مَعَ المبارز إِن كَانَ باستنجاده وَإِن لم يكن بِإِذْنِهِ لم نتعرض لَهُ واختتام الْبَاب بِذكر ثَلَاث مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى مَسْأَلَة العلج فَإِذا قَالَ علج من علوج الْكفَّار أدلكم على قلعة بِشَرْط أَن تجْعَلُوا لي مِنْهَا الْجَارِيَة الْفُلَانِيَّة الَّتِي فِيهَا فَهَذِهِ الْجعَالَة صَحِيحَة مَعَ أَن الْجعل غير مَمْلُوك وَلَا معِين مَعْلُوم وَلَا مَقْدُور على تَسْلِيمه وَلَكِن للْحَاجة
стр. 3113
وَلَو كَانَ الدَّلِيل مُسلما فَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح لفقد الشُّرُوط وَفِيه وَجه أَنه يَصح للْحَاجة وَهُوَ بعيد وَإِنَّمَا ينقدح إِذا جَوَّزنَا للْإِمَام اسْتِئْجَار الْمُسلم وَإِلَّا فالدلالة جِهَاد يَقع عَنهُ ثمَّ لنا مَعَ الْجَارِيَة خَمْسَة أَحْوَال
الْحَالة الأولى أَن لَا نُقَاتِل القلعة فَإِن لم يكن مُمكنا فَلَا شَيْء للعلج إِذا دلّ على مَا لَا خير فِيهِ وَإِن كَانَ مُمكنا فتركناه فَيحْتَمل أَن يسْتَحق لِأَنَّهُ أتم عمل الدّلَالَة وَيحْتَمل أَن لَا يسْتَحق وَكَأَنَّهُ مُعَلّق بِالْقِتَالِ وَإِن قاتلنا فَلم نقدر فهاهنا أولى بِأَن لَا يسْتَحق وَإِن جاوزناهم لمهم ثمَّ وقعنا عَلَيْهَا ثَانِيًا لَا بعلامته فَلَا شَيْء لَهُ وَإِن رَجعْنَا بعلامته فَلهُ الْجَارِيَة وَإِن فتحنا طَائِفَة أُخْرَى فَلَا شَيْء عَلَيْهِم لِأَن الشَّرْط لم يجر مَعَهم وَإِن بَلغهُمْ علامته
الْحَالة الثَّانِيَة أَن نفتح وَلَا نجد الْجَارِيَة فَإِن أَخطَأ العلج فَلَا شَيْء لَهُ وَكَذَلِكَ إِن كَانَت قد مَاتَت قبل معاقدة العلج وَلَو مَاتَت بعد المعاقدة فَثَلَاثَة طرق أَحدهَا طرد الْقَوْلَيْنِ فِي وجوب الْبَدَل وَالثَّانِي أَنه يجب إِن مَاتَت بعد الظفر وَإِن مَاتَت قبله فَقَوْلَانِ وَالثَّالِث لَا يجب إِن مَاتَت قبل الظفر وَإِن مَاتَت بعده فَقَوْلَانِ وَلَا شكّ فِي أَنه يجب الْبَدَل إِن مَاتَت بعد التَّمْكِين من التَّسْلِيم وَجرى التَّقْصِير منا ثمَّ إِذا وَجب الْبَدَل فَهُوَ قيمتهَا أَو أجر الْمثل فِيهِ قَولَانِ ينبنيان على أَن الْجعل الْمعِين
стр. 3114
يضمن بِضَمَان العقد أَو ضَمَان الْيَد كَمَا فِي الصَدَاق ثمَّ إِذا وَجب فَهُوَ من الْمغنم أَو من مَال الْمصَالح فِيهِ وَجْهَان
الْحَالة الثَّالِثَة أَن نجدها مسلمة فَلَا يُمكن تَسْلِيمهَا إِلَى كَافِر فَلَا بُد من الضَّمَان وَفِيه وَجه أَن الْإِسْلَام كالموت وَهَذَا بعيد إِن أسلمت بعد الظفر أما قبله فَيمكن أَن يُقَال إِذا تعذر ملكنا لَهَا بِالْإِسْلَامِ فَصَارَ كالموت
الْحَالة الرَّابِعَة أَن لَا نجد فِي القلعة إِلَّا تِلْكَ الْجَارِيَة وَلَا غَرَض لنا فِي اسْتِبْقَاء القلعة فَفِي تَسْلِيم الْجَارِيَة وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنا لَا نحصل على غَرَض فَيكون عَملنَا للعلج خَاصَّة
الْحَالة الْخَامِسَة إِذا ظفر بهَا بعد أَن صالحنا زعيم القلعة على الْأمان فِي أَهله وَكَانَت من أَهله فَإِن لم يرض الزعيم بِتَسْلِيم الْجَارِيَة بِبَدَل قُلْنَا لَهُ ارْجع إِلَى الْقِتَال وأغلق الْبَاب فَإِن الشَّرْط مَعَ العلج سَابق وَالشّرط مَعَك مُنَاقض لَهُ فَلم يَصح
وَلَا خلاف فِي أَنه لَا يشْتَرط فِي أَمَان أهل الزعيم الْعلم بعددهم بل من ظهر أَنه من أَهله كَانَ فِي أَمَان وَإِلَيْهِ التَّعْيِين إِذا طلب الْأمان لعدد مَعْلُوم صَالح أَبُو مُوسَى ﵁ عَن بعض القلاع على أَمَان مائَة فعد صَاحب القلعة مائَة فَلَمَّا أتمهَا ضرب عنق صَاحب القلعة لِأَنَّهُ كَانَ زَائِدا على الْمِائَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْمُسْتَأْمن إِذا ثَبت لَهُ دُيُون فِي ذمتنا أَو أودع عندنَا أَمْوَالًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى
стр. 3115
بِلَاده ليعود فأمانه مطرد وَلَو نقض الْعَهْد والتحق بدار الْحَرْب فَفِيمَا خَلفه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه فَيْء وانتقض أَمَانه لِأَنَّهُ الأَصْل وَقد بَطل أَمَانه فِي نَفسه وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لم يُفَارق إِلَّا بِنَفسِهِ فأمانه بَاقٍ فِي مَاله وَالثَّالِث أَن المَال إِن عصم تبعا لَهُ انْتقض وَإِن جرى بِشَرْط مَقْصُود فَلَا
التَّفْرِيع إِن قُلْنَا بَطل أَمَانه فَهُوَ فَيْء وَإِن قُلْنَا بَقِي أَمَانه فَلَا يتَعَرَّض لَهُ مَا دَامَ حَيا وَله أَن يعود لطلبه وَعذر الطّلب يُغْنِيه عَن الْأمان كعذر السفارة إِلَّا أَن يتَّخذ ذَلِك ذَرِيعَة فِي كَثْرَة الرُّجُوع وَإِن مَاتَ فِي دَار الْحَرْب فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه لوَرثَته إتماما للأمان
وَالثَّانِي أَنه فَيْء إِذْ ضعف الْأمان بانضمام الْمَوْت إِلَى نقض الْعَهْد
وَلَو كَانَ قد خرج لشغل فَمَاتَ فَالظَّاهِر أَنه لوَرثَته وَفِيه وَجه بعيد أَنه يَنْقَطِع الْأمان بِمَوْتِهِ فَإِن قُلْنَا لوَرثَته فَلهم الدُّخُول بِعُذْر الطّلب من غير أَمَان
أما إِذا اسْترق بعد الإلتحاق بدار الْحَرْب فَفِي انْقِطَاع الْأمان بِالرّقِّ قَولَانِ مرتبان على الْمَوْت وَأولى بِأَن لَا يَنْقَطِع فَإِن لم يقطعهُ فَعتق رد إِلَيْهِ وَإِن مَاتَ حرا رَجَعَ الْقَوْلَانِ وَإِن مَاتَ رَقِيقا فَهُوَ فَيْء إِذْ الرَّقِيق لَا يُورث وَالسَّيِّد أَيْضا لَا يَرِثهُ هَذَا هُوَ النَّص وَفِيه أَيْضا قَول مخرج أَنه يصرف إِلَى ورثته لِأَن إِسْقَاط الْإِرْث بِالرّقِّ وَنقض الْأمان بِهِ حكم شَرْعِي وَلَا يُؤَاخذ الْكفَّار بِهِ وَخرج هَذَا القَوْل من مَسْأَلَة فِي الْجراح وَهُوَ أَنه لَو قطع يَد ذمِّي فالتحق
стр. 3116
بدار الْحَرْب واسترق وَمَات رَقِيقا من تِلْكَ الْجِنَايَة فَفِي قدر الْوَاجِب على الْقَاطِع كَلَام طَوِيل وَقد نَص الشَّافِعِي ﵁ على صرف شَيْء إِلَى الْوَرَثَة فَقيل فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا حاصر الإِمَام أهل قلعة وَرَضي أَهلهَا بِحكم رجل عينوه فللإمام أَن يستنزلهم على حكمه استنزل رَسُول الله ﷺ بني قُرَيْظَة على حكم سعد ﵁ وَليكن الْمُحكم عدلا امينا عَالما بمصالح الْقِتَال وَلَا يشْتَرط كَونه مُجْتَهدا
ثمَّ حكم الْمُحكم نَافِذ بِالْقَتْلِ والإرقاق وَالْعَفو وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يقْض بِمَا فَوْقه وَله أَن يقْضِي بِمَا دونه مسامحا فَإِذا حكم بِالْقَتْلِ فللإمام الاسترقاق أم لَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ دونه وَالثَّانِي لَا لِأَن الْإِنْسَان قد يُؤثر الْمَوْت على الذل المؤبد
وَإِذا حكم بِالْقَتْلِ فَأسلم امْتنع قَتله وَإِن حكم بِالرّقِّ فَأسلم قبل الإرقاق فَإِن رَأينَا أَن الرّقّ
стр. 3117
فَوق الْقَتْل لم يملكهُ وَإِن قُلْنَا إِنَّه دونه فقد كَانَ يملكهُ قبل الْإِسْلَام فَيملكهُ الْآن إِلَّا أَن يسلم قبل الظفر
وَلَو حكم بِضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهِم فَهَل عَلَيْهِم الْقبُول فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنه معاقدة بِالتَّرَاضِي فَلَا يجبرون عَلَيْهِ
وَيَنْبَغِي أَن يجْرِي الْخلاف فِي المفاداة أَيْضا فَإِن قُلْنَا لَا تلزمهم فَلَا يتَعَرَّض لَهُم بقتل وَغَيره إِن منعُوا بذل الْجِزْيَة لَكِن نلحقهم بالمأمن ونستأنف الْقِتَال وَإِن قُلْنَا يلْزمهُم فحكمهم حكم أهل الذِّمَّة إِذا منعُوا الْجِزْيَة وَسَيَأْتِي
وَلَو شَرط الْأمان لمِائَة نفر من أهل القلعة فالإختيار إِلَيْهِ فَلهُ أَن يعين من شَاءَ فَإِن عين مائَة تَامَّة فلنا أَن نقلته لانه زَائِد على الْمِائَة كَمَا فعله أَبُو مُوسَى رَضِي الله عَنهُ
стр. 3118
= كتاب الْجِزْيَة والمهادنة = والعقود الَّتِي تفِيد الْأَمْن للْكفَّار
ثَلَاثَة الْأمان وَقد ذَكرْنَاهُ والذمة والمهادنة وهما مَقْصُود الْكتاب
стр. 3119
العقد الأول عقد الذِّمَّة
وَهُوَ الْتِزَام تقريرهم فِي دِيَارنَا وحمايتهم والذب عَنْهُم ببذل الْجِزْيَة والإستسلام من جهتهم وَذَلِكَ جَائِز لقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ وَلقَوْل النَّبِي ﷺ لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن إِنَّك سترد على قوم معظمهم أهل الْكتاب فاعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام فَإِن امْتَنعُوا فَأَعْرض عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَخذ من كل حالم دِينَارا فَإِن امْتَنعُوا فاقتلهم
стр. 3120
وَالنَّظَر فِي أَرْكَان هَذَا العقد وَأَحْكَامه
أما الْأَركان فخمسة
الرُّكْن الأول صِيغَة العقد وَهُوَ أَن يَقُول نَائِب الإِمَام أقررتكم بِشَرْط الْجِزْيَة والإستسلام وَالصَّحِيح أَنه يشْتَرط ذكر مِقْدَار الْجِزْيَة وَقيل لَا يشْتَرط وَلَكِن ننزل الْمُطلق على الْأَقَل وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يشْتَرط ذكر الإستسلام لِأَنَّهُ حكم للْعقد كالملك فِي البيع
لَكِن هَل يجب التَّعَرُّض لكف اللِّسَان عَن الله وَرَسُوله فِيهِ وَجْهَان وَالصَّحِيح أَن الإستسلام من جانبهم مَعَ الْجِزْيَة كالعوض عَن التَّقْرِير فَيجب ذكره ثمَّ ينْدَرج تَحْتَهُ كف اللِّسَان والتأقيت هَل يبطل هَذَا العقد فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يبطل كالأمان
следующие страницы →