Полный текст (3 585 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
بدار الْحَرْب واسترق وَمَات رَقِيقا من تِلْكَ الْجِنَايَة فَفِي قدر الْوَاجِب على الْقَاطِع كَلَام طَوِيل وَقد نَص الشَّافِعِي ﵁ على صرف شَيْء إِلَى الْوَرَثَة فَقيل فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا حاصر الإِمَام أهل قلعة وَرَضي أَهلهَا بِحكم رجل عينوه فللإمام أَن يستنزلهم على حكمه استنزل رَسُول الله ﷺ بني قُرَيْظَة على حكم سعد ﵁ وَليكن الْمُحكم عدلا امينا عَالما بمصالح الْقِتَال وَلَا يشْتَرط كَونه مُجْتَهدا
ثمَّ حكم الْمُحكم نَافِذ بِالْقَتْلِ والإرقاق وَالْعَفو وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يقْض بِمَا فَوْقه وَله أَن يقْضِي بِمَا دونه مسامحا فَإِذا حكم بِالْقَتْلِ فللإمام الاسترقاق أم لَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ دونه وَالثَّانِي لَا لِأَن الْإِنْسَان قد يُؤثر الْمَوْت على الذل المؤبد
وَإِذا حكم بِالْقَتْلِ فَأسلم امْتنع قَتله وَإِن حكم بِالرّقِّ فَأسلم قبل الإرقاق فَإِن رَأينَا أَن الرّقّ
стр. 3117
فَوق الْقَتْل لم يملكهُ وَإِن قُلْنَا إِنَّه دونه فقد كَانَ يملكهُ قبل الْإِسْلَام فَيملكهُ الْآن إِلَّا أَن يسلم قبل الظفر
وَلَو حكم بِضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهِم فَهَل عَلَيْهِم الْقبُول فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنه معاقدة بِالتَّرَاضِي فَلَا يجبرون عَلَيْهِ
وَيَنْبَغِي أَن يجْرِي الْخلاف فِي المفاداة أَيْضا فَإِن قُلْنَا لَا تلزمهم فَلَا يتَعَرَّض لَهُم بقتل وَغَيره إِن منعُوا بذل الْجِزْيَة لَكِن نلحقهم بالمأمن ونستأنف الْقِتَال وَإِن قُلْنَا يلْزمهُم فحكمهم حكم أهل الذِّمَّة إِذا منعُوا الْجِزْيَة وَسَيَأْتِي
وَلَو شَرط الْأمان لمِائَة نفر من أهل القلعة فالإختيار إِلَيْهِ فَلهُ أَن يعين من شَاءَ فَإِن عين مائَة تَامَّة فلنا أَن نقلته لانه زَائِد على الْمِائَة كَمَا فعله أَبُو مُوسَى رَضِي الله عَنهُ
стр. 3118
= كتاب الْجِزْيَة والمهادنة = والعقود الَّتِي تفِيد الْأَمْن للْكفَّار
ثَلَاثَة الْأمان وَقد ذَكرْنَاهُ والذمة والمهادنة وهما مَقْصُود الْكتاب
стр. 3119
العقد الأول عقد الذِّمَّة
وَهُوَ الْتِزَام تقريرهم فِي دِيَارنَا وحمايتهم والذب عَنْهُم ببذل الْجِزْيَة والإستسلام من جهتهم وَذَلِكَ جَائِز لقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ وَلقَوْل النَّبِي ﷺ لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن إِنَّك سترد على قوم معظمهم أهل الْكتاب فاعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام فَإِن امْتَنعُوا فَأَعْرض عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَخذ من كل حالم دِينَارا فَإِن امْتَنعُوا فاقتلهم
стр. 3120
وَالنَّظَر فِي أَرْكَان هَذَا العقد وَأَحْكَامه
أما الْأَركان فخمسة
الرُّكْن الأول صِيغَة العقد وَهُوَ أَن يَقُول نَائِب الإِمَام أقررتكم بِشَرْط الْجِزْيَة والإستسلام وَالصَّحِيح أَنه يشْتَرط ذكر مِقْدَار الْجِزْيَة وَقيل لَا يشْتَرط وَلَكِن ننزل الْمُطلق على الْأَقَل وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يشْتَرط ذكر الإستسلام لِأَنَّهُ حكم للْعقد كالملك فِي البيع
لَكِن هَل يجب التَّعَرُّض لكف اللِّسَان عَن الله وَرَسُوله فِيهِ وَجْهَان وَالصَّحِيح أَن الإستسلام من جانبهم مَعَ الْجِزْيَة كالعوض عَن التَّقْرِير فَيجب ذكره ثمَّ ينْدَرج تَحْتَهُ كف اللِّسَان والتأقيت هَل يبطل هَذَا العقد فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يبطل كالأمان
стр. 3121
وَالثَّانِي أَنه يبطل لِأَن هَذَا بدل عَن الْإِسْلَام فليتأبد
وَلَو قَالَ الإِمَام أقركم بِالذِّمةِ مَا شِئْت أَنا فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِالْجَوَازِ إِذْ نقل أَنه ﵇ قَالَ لَهُم أقركم على ذَلِك مَا أقركم الله إِلَّا أَن ذَلِك كَانَ فِي انْتِظَار الْوَحْي وَلَا يتَصَوَّر الْآن
стр. 3122
وَلَو قَالَ
أقركم مَا شِئْتُم جَازَ لانه حكم الْمُطلق إِذْ لَا يلْزم هَذَا العقد من جانبهم لَكِن يلْزم من جانبنا إِن صَحَّ وَإِذا فسد لم يلْزم وَلَكِن لَا نغتالهم بل نلحقهم بالمأمن
فرع
لَو اتّفقت الْإِقَامَة على حكم الْفساد سنة أَو سنتَيْن نَأْخُذ لكل سنة دِينَار وَلَا نسامح بالتقرير مجَّانا وَلَو وَقع كَافِر فِي دِيَارنَا مُدَّة وَلم نشعر بِهِ حَتَّى انْقَضتْ سنة فَلَا نَأْخُذ مِنْهُ الدِّينَار لِأَنَّهُ لم نقبله أصلا نعم ونغتاله ونسترقه فَإِن قبل الْجِزْيَة فَفِي منع استرقاقه وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يسترق كالأسير إِذا أَرَادَ منع الرّقّ ببذل الْجِزْيَة لم يمْتَنع
وَالثَّانِي أَنه يلْزم قبُول الْجِزْيَة لِأَن هَذَا لم نقصد الإستيلاء عَلَيْهِ بِخِلَاف الْأَسير
وَلَو قَالَ دخلت لسَمَاع كَلَام الله تَعَالَى تَرَكْنَاهُ وَإِن قَالَ دخلت لسفارة صدقناه إِن كَانَ مَعَه كتاب وَإِن لم يكن فَوَجْهَانِ وَالظَّاهِر نصدقه وَلَو قَالَ دخلت بِأَمَان مُسلم فَفِي تَصْدِيقه بِغَيْر حجَّة وَجْهَان من حَيْثُ إِن إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ مُمكن
ثمَّ الَّذِي يدْخل للسماع لَا نمكنه من الْمقَام وَرَاء أَرْبَعَة أشهر وَفِيمَا دون ذَلِك إِلَى مُدَّة الْبَيَان وَجْهَان
стр. 3123
الرُّكْن الثَّانِي فِي الْعَاقِد وَلَا يعقده إِلَّا الإِمَام فَلَو تعاطاه وَاحِد بِغَيْر إِذْنه لم يَصح وَلَكِن يمْنَع الإغتيال وَلَو أَقَامَ سنة فَفِي أَخذ الْجِزْيَة وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يُؤْخَذ كعقد الإِمَام إِذا فسد
وَالثَّانِي لَا لِأَن قبُوله لَا يُؤثر إِذْ لم يكن الْقبُول مِمَّن هُوَ من أهل الْإِيجَاب
وَيجب على الإِمَام قبُول الْجِزْيَة إِذا بذلوها إِلَّا أَن يخَاف غائلتهم فَإِن كثر جمعهم فليفرقهم فِي الْبِلَاد وَلَا يجب قبُولهَا من الجاسوس لما فِيهِ من الْمضرَّة
الرُّكْن الثَّالِث فِيمَن يعْقد لَهُ وَهُوَ كل كتابي عَاقل بَالغ حر ذكر متأهب لِلْقِتَالِ قَادر على أَدَاء الْجِزْيَة فَهَذِهِ سَبْعَة قيود
الأول الْكِتَابِيّ فَلَا يُؤْخَذ من عَبدة الْأَوْثَان وَالشَّمْس وَإِنَّمَا تُؤْخَذ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس أَيْضا يسن بهم سنة أهل الْكتاب فِي الْجِزْيَة دون أكل الذَّبِيحَة والمناكحة
стр. 3124
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يُقرر وَثني الْعَجم دون وَثني الْعَرَب وَلَو ظهر قوم زَعَمُوا أَنهم أهل الْكتاب كالزبور وَغَيره فَهَل يقرونَ بالجزية فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَن الزبُور كتاب مُحْتَرم وَكَذَا سَائِر كتب الله تَعَالَى وَلَا يُمكن أَن نعلم دينهم إِلَّا بقَوْلهمْ
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا ثِقَة بقَوْلهمْ والأولون لم يعولوا إِلَّا على أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل
ثمَّ لَا شكّ فِي أَنه لَا تحل مناحكتهم لظُهُور هَذِه الشُّبْهَة كَمَا أَن من شكّ فِي
стр. 3125
أَن أول آبَائِهِ دَان بدينهم قبل المبعث أَو بعده يُقرر وَلَا يناكح فَإِن علم أَنه دَان قبل المبعث يُقرر ويناكح وَإِن علم أَنه دَان بعد المبعث لم يُقرر وَإِن دَان بعد التبديل قرر وَلَا يناكح وَفِيه وَجه أَنه لَا يُقرر
فروع
الأول اخْتلفت نُصُوص الشَّافِعِي ﵁ فِي الصابئين وهم فرقة من النَّصَارَى وَفِي السامرة وهم فرقة من الْيَهُود فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه تردد لتردده فِي أَنهم مبتدعة عِنْدهم أَو كفرة فَإِن صَحَّ كفرهم بِأَن قَالُوا مُدبر الْعَالم النُّجُوم السَّبْعَة أَو قَالُوا بقدم النُّور والظلمة فَلَا يُقرر لِأَنَّهُ يُنَاقض مُوجب الْكتب الْمنزلَة وَمِنْهُم من قَالَ وَإِن كَانُوا مبتدعة فالقولان جائزان إِذْ تضعف بالبدعة حرمتهم
وَهَذَا الْخلاف إِنَّمَا ينقدح فِي نكاحهم لِأَن مبتدعة الْإِسْلَام يناكحون لأخبار منعت من التَّكْفِير فَلَا يعد فِي التَّغْلِيظ على مبتدعة أهل الْكتاب
الثَّانِي قلو قبلنَا جزيته فَأسلم مِنْهُم رجلَانِ عَدْلَانِ شَهدا أَنه كَافِر بدينهم تبين انتقضا الْعَهْد ونغتاله لتلبيسه علينا وَإِنَّمَا تثبت علقَة الْأمان عِنْد جهلهم
الثَّالِث الْمُتَوَلد بَين وَثني وكتابية وبعكسه فِي مناكحته قَولَانِ الصَّحِيح
стр. 3126
أَنه يُقرر وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ
الرَّابِع إِذا توثن نَصْرَانِيّ وَله أَوْلَاد صغَار فَإِن كَانَت الْأُم نَصْرَانِيَّة اسْتمرّ حكم تنصرهم بعد الْبلُوغ وَإِن كَانَت وثنية فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه تبقى علقَة التنصير لَهُم فيقررون بعد الْبلُوغ
وَالثَّانِي أَنهم يتبعُون فِي التوثن أَيْضا لَكِن لَا يغتالون وَفِي اغتيال أَبِيهِم خلاف
الْخَامِس الْوَلَد الْحَاصِل من الْمُرْتَدين فِي إسْلَامهمْ لأجل علقَة الْإِسْلَام فِي الْمُرْتَد خلاف فَإِن قضينا بِهِ فَإِن لم يصرحوا بعد الْبلُوغ فهم مرتدون وَإِن لم نقض بِهِ فَلَا يقرونَ إِذْ لم يثبت دين آبَائِهِ قبل المبعث وَفِيه وَجه بعيد لَا اتجاه لَهُ إِذْ تخرم الْقَاعِدَة فِي مُرَاعَاة تَقْدِيم الدّين على المبعث ولعى هَذَا يتَّجه التَّرَدُّد فِي نكاحهم وَالصَّحِيح الْمَنْع
وَالصَّحِيح أَنه لَا يحل وَطْء سَبَايَا غوراء إِذْ صَحَّ أَنهم ارْتَدُّوا بعد الْإِسْلَام نعم ينقدح التَّرَدُّد فِي استرقاقهم بِنَاء على أَنهم كفار أصليون فَإِن عَبدة الْأَوْثَان لَا يمْتَنع إرقاقهم على ظَاهر الْمَذْهَب وَفِيه وَجه أَنه يمْتَنع لِأَن فِيهِ أَمَانًا مُؤَبَّدًا لوثني
الْقَيْد الثَّانِي الْعقل فَلَا يُؤْخَذ من الْمَجْنُون جِزْيَة بل هُوَ تَابع كَالصَّبِيِّ وَلَو وَقع فِي الْأسر رق بِنَفس الْأسر كَالصَّبِيِّ وَإِن كَانَ يجن يَوْمًا ويفيق يَوْمًا فَفِي وَجه يعْتَبر آخر الْحول وَفِي وَجه تلفق أَيَّام الْإِفَاقَة سنة وَيُؤْخَذ لَهَا دِينَار وَهُوَ الأقيس وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ وَفِي وَجه ينظر إِلَى الْأَغْلَب وَفِي
стр. 3127
وَجه لَا نظر إِلَى جُنُون مُنْقَطع بل هُوَ كالغشية بل تجب جِزْيَة كَامِلَة وَفِي وَجه أَنه لَا ينظر إِلَى عقل مُنْقَطع فَلَا جِزْيَة عَلَيْهِ أصلا والوجهان الأخيران ضعيفان وَإِن وَقع مثل هَذَا فِي الْأسر فَالصَّحِيح أَنه ينظر إِلَى وَقت الْأسر
الْقَيْد الثَّالِث الصَّغِير فَلَا يؤخد مِنْهُ جِزْيَة بل هُوَ تَابع أَبِيه ثمَّ إِذا بلغ عَاقِلا فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه لَا حَاجَة إِلَى الإستئناف بل يلْزمه مثل مَا الْتزم أَبوهُ وَكَأَنَّهُ عقد لنَفسِهِ ولولده بعد الْبلُوغ وَالثَّانِي أَنه يسْتَأْنف لنَفسِهِ
فَلَو بلغ سَفِيها وَالْتزم زِيَادَة نفذ لِأَنَّهُ يحقن بِهِ دَمه كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ قصاص فَصَالح على أَكثر من الدِّيَة فَلَيْسَ للْوَلِيّ الْمَنْع لِأَن حقن الدَّم أهم من المَال وَلَو عقد لَهُ الْوَلِيّ بِزِيَادَة لم يكن للسفيه الْمَنْع كَمَا يَشْتَرِي لَهُ الطَّعَام فِي
стр. 3128
المخمصة قهرا لصيانة روحه
وَإِن قُلْنَا لَا يسْتَأْنف فَإِن كَانَ الْأَب قد الْتزم زِيَادَة لزمَه بعد الْبلُوغ وَكَانَ امْتِنَاعه كامتناع أَبِيه من الزِّيَادَة
الْقَيْد الرَّابِع الْحُرِّيَّة فَالْعَبْد تَابع فَلَا جِزْيَة عَلَيْهِ وَكَذَا من نصفه حر وَنصفه رَقِيق
الْقَيْد الْخَامِس الذُّكُورَة فَلَا جِزْيَة على الْمَرْأَة إِذْ لَا تتعرض للْقَتْل بل هِيَ تَابِعَة وللرجل أَن يستتبع بِدِينَار وَاحِد جمعا من النِّسَاء الْأَقَارِب والزوجات وَلَا يشْتَرط الْمَحْرَمِيَّة أما الأصهار والأحماء فَمنهمْ من ألحقهن بالأجانب وَمِنْهُم من ألحقهن بالأقارب وَالصبيان والمجانين الْأَقَارِب أَيْضا يجوز استتباعهم
هَذَا فِيهِ إِذا شَرط فِي العقد فَإِن أطلق لم يتبع الْأَقَارِب والأصهار أما أَوْلَاده الصغار فَوَجْهَانِ وَفِي زَوْجَاته طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنَّهُنَّ كالأولاد وَالثَّانِي أَنَّهُنَّ كالأقارب
стр. 3129
وَالأَصَح أَن الزَّوْجَة وَالْولد مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاق فَلَا حَاجَة إِلَى الشَّرْط
ثمَّ إِذا دخل صبي أَو امْرَأَة دَارنَا من غير أَمَان وتبعية أوقفناهما وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون وَالْحَرْبِيّ يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والإرقاق
فرع إِذا حاصرنا قلعة وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا النسوان فَإِن فتحناها جرى الرّقّ عَلَيْهِنَّ بِمُجَرَّد الظفر وَإِن بذلن الْجِزْيَة لدفع الرّقّ فَالصَّحِيح أَنه لَا يجب الْقبُول إِذْ لَو جَازَ لَهَا دفع الرّقّ بالجزية كَمَا يجوز للرجل دفع الْقَتْل لما كَانَت تَابِعَة فِي الْجِزْيَة بل صَار أصلا كَالرّجلِ ولكان إِذا دخلت دَارنَا لم يجز إرقاقها إِن بذلت الْجِزْيَة وَهُوَ بعيد
وَالثَّانِي أَنه يجب الْقبُول وَإِنَّمَا التّبعِيَّة إِذا كَانَ مَعهَا رجل قريب أَو زوج وَإِنَّمَا لَا تستقل إِذا وَقعت فِي الْأسر لِأَنَّهَا رقت بِمُجَرَّد الْأسر
أما إِذا كَانَ فِيهِنَّ رجل وَاحِد وبذل الْجِزْيَة كَانَ عصمَة لجَمِيع النسوان إِن كن من أَهله وَإِن كن أجانب فَلَا وَقد أطلق الْأَصْحَاب عصمَة الْجَمِيع وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادهم
الْقَيْد السَّادِس المتأهب لِلْقِتَالِ واحترزنا بِهِ عَن الزمني وأرباب الصوامع وَمن ذكرنَا خلافًا فِي قَتلهمْ فَمنهمْ من قَالَ إِذا منعنَا قَتلهمْ فهم كالنسوان فَلَا جِزْيَة عَلَيْهِم وَمِنْهُم من قطع بِأخذ الْجِزْيَة للجنسية وَهُوَ الْأَصَح
الْقَيْد السَّابِع الْقُدْرَة واحترزنا بِهِ عَن الْكَافِر الْفَقِير الَّذِي لَيْسَ بكسوب فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنه يخرج من الدَّار وَلَا يُقرر مجَّانا وَالثَّانِي أَنه يُقرر مجَّانا لِأَنَّهُ مَعْذُور وَالثَّالِث أَنه يُقرر بجزية تَسْتَقِر فِي ذمَّته إِلَى أَن يقدر
стр. 3130
الرُّكْن الرَّابِع فِي الْبِقَاع الَّتِي يُقرر بهَا الْكَافِر وَيجوز تقريرهم بِكُل بقْعَة إِلَّا الْحجاز فقد قَالَ ﷺ لَو عِشْت لأخرجت الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب ثمَّ لم يَعش ﷺ وَلم يتفرغ لَهُ أَبُو بكر ﵁ فأجلاهم عمر ﵁ وهم زهاء أَرْبَعِينَ ألفا
ونعني بِجَزِيرَة الْعَرَب مَكَّة وَالْمَدينَة واليمامة ومخاليفها والطائف وَوَج وَمَا ينْسب إِلَيْهَا مَنْسُوب إِلَى مَكَّة وَفِي بعض الْكتب التهامة وَلَعَلَّه تَصْحِيف الْيَمَامَة وخيبر من مخاليف الْمَدِينَة
стр. 3131
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ جَزِيرَة الْعَرَب تمتد إِلَى أَطْرَاف الْعرَاق من جَانب وَإِلَى أَطْرَاف الشَّام من جَانب وعَلى هَذَا تلتحق الْيمن بالجزيرة فتحصلنا فِيهِ على خلاف
هَذَا فِي المخاليف والبلاد أما الطّرق المعترضة بَينهمَا فَهَل يمْنَعُونَ من الْإِقَامَة بهَا وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن المُرَاد الْمَنْع من الإختلاط بالعرب حُرْمَة لَهُم وَالثَّانِي أَنهم يمْنَعُونَ لِأَن الْحُرْمَة للبقعة
ثمَّ لَا خلاف أَنهم لَا يمْنَعُونَ من الإجتياز لسفارة أَو تِجَارَة وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يحْسب يَوْم الدُّخُول وَالْخُرُوج إِلَّا فِي مَكَّة
стр. 3132
فَإِنَّهُ يمْنَع وَلَا يُمكن الْكَافِر من دُخُولهَا مجتازا وَلَا برسالة بل يخرج إِلَيْهِ من يستمع الرسَالَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ وَلَا يجْرِي هَذَا التَّغْلِيظ فِي الْمَدِينَة
فرع
لَو دخل مَكَّة وَمرض وَخيف من نَقله الْمَوْت فَلَا يُبَالِي وينقل وَلَو دفن نبش قَبره وَأخرج عِظَامه تَطْهِيرا للحرم وَإِن مَاتَ على طرف الْحجاز وَأمكن نَقله نقل قبل الدّفن وَإِن دفن فَفِي نبش قَبره وَجْهَان
وَلَو مرض فِي الْحجاز لم ينْقل إِن خيف مَوته فَإِن كَانَ يشق النَّقْل وَلَا يخَاف الْمَوْت فَفِي وجوب نَقله وَجْهَان فَإِن مَاتَ فِي غير مَكَّة وَدفن وعظمت الْمَشَقَّة فِي نَقله تَرَكْنَاهُ وَلم نرفع نعش قَبره
стр. 3133
الرُّكْن الْخَامِس فِي قدر الْجِزْيَة الْوَاجِبَة والواجبات عَلَيْهِم خَمْسَة
الأول نفس الْجِزْيَة وأقلها دِينَار فِي السّنة على كل محتلم كَمَا سبق أَو اثْنَي عشر درهما نقرة وَيُخَير الإِمَام بَينهمَا والتخيير مُسْتَنده قَضَاء عمر ﵁ وَإِلَّا فَلم يرد فِي الْخَبَر إِلَّا الدِّينَار وشبب بعض الْأَصْحَاب بِأَن النقرة نقومها بِالذَّهَب كَمَا فِي نِصَاب السّرقَة
ثمَّ إِن لم يبذلوا إِلَّا دِينَار وَجب الْقبُول وَللْإِمَام أَن يماكس فِي الزِّيَادَة فَإِن بذل زِيَادَة ثمَّ علم أَن الزِّيَادَة لم تكن وَاجِبَة لم يَنْفَعهُ وَكَانَ كمن اشْترى بِالْغبنِ نعم لَو نبذ إِلَيْنَا الْعَهْد ثمَّ رَجَعَ وَطلب العقد بِدِينَار وَجَبت الْإِجَابَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ على الْفَقِير دِينَار وعَلى الْغَنِيّ أَرْبَعَة وعَلى الْمُتَوَسّط دِينَارَانِ وَعِنْدنَا لَا فرق
стр. 3134
وَلَو أسلم أَو مَاتَ بعد مُضِيّ السّنة استوفي عندنَا وَلَو تكَرر سنُون لم تتداخل خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ دُيُون وَمَات قدمت الْجِزْيَة على وَصَايَاهُ وديونه وَمِنْهُم من قَالَ بل الْجِزْيَة من حُقُوق
стр. 3135
الله فَتقدم على حق الْآدَمِيّ فِي قَول وتؤخر فِي قَول وتستوي فِي قَول
فرع
لَو مَاتَ فِي أثْنَاء السّنة فَفِي وجوب قسطه قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه لَا يجب إِلَّا لتَمام السّنة كَالزَّكَاةِ وَالثَّانِي أَنه يجب كالأجرة
وَيُشِير هَذَا إِلَى تردد فِي أَنَّهَا هَل تجب بِأول السّنة لَكِن تَسْتَقِر بِتَمَامِهَا أَو تجب شَيْئا شَيْئا وبنوا على هَذَا أَن الإِمَام لَو طلب شَيْئا فِي أثْنَاء السّنة هَل يجوز
стр. 3136
مَعَ اسْتِمْرَار الْحَيَاة وَالظَّاهِر الْمَنْع لِأَنَّهُ على خلاف سير الْأَوَّلين
الْوَاجِب الثَّانِي الضِّيَافَة وَقد وظف عمر ﵁ الضِّيَافَة لمن يطرقهم من أَبنَاء السَّبِيل فاتفقوا على جَوَاز ذَلِك بِشَرْط أَن نبين لكل وَاحِد عدد الضيفان وَقدر الطَّعَام والأدم وجنسه وعلف الدَّابَّة ومنازل الضيفان وليفاوت بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي عدد الضيفان لَا فِي جنس الطَّعَام كي لَا يُؤَدِّي إِلَى التزاحم على الْغَنِيّ وَيبين مُدَّة إِقَامَة الضَّيْف من يَوْم إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فقد ورد أَن الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد صَدَقَة وَيُقَال إجَازَة يَوْم وَلَيْلَة أَعنِي مَا يُعْطي الضَّيْف ليتزود فِي الطَّرِيق إِذا رَحل
ثمَّ هَذَا مَحْسُوب لَهُم من نفس الدِّينَار إِذْ كَانَ عمر ﵁ لَا يطالبهم بالجزية مَعَ الضِّيَافَة وَمِنْهُم من أَبى ذَلِك لِأَن الْإِطْعَام لَيْسَ بِتَمْلِيك وَهُوَ كالتغدية فِي الْكَفَّارَة
стр. 3137
فَإِن قُلْنَا إِنَّه من الْجِزْيَة فَمَا نقص من الدِّينَار يجب أَن يكمل وَلَو أَرَادَ نقلهم عَن الضِّيَافَة إِلَى الدَّنَانِير بعد ضربه بِغَيْر رضاهم فَفِيهِ وَجْهَان وَكَأَنَّهُ تردد فِي أَن ضربه هَل ينقعد لَازِما
وَالصَّحِيح أَنه إِن قُلْنَا إِنَّه من الدِّينَار فَيجوز الْإِبْدَال وَإِن قُلْنَا إِنَّه أصل فَلَا بُد من رضاهم فِي الْإِبْدَال
ثمَّ إِذا أبدلت فقد كَانَت الضِّيَافَة لجَمِيع الطارقين فَهَل يصرف الْبَدَل إِلَى جَمِيع الْمصَالح أم يخْتَص بِأَهْل الْفَيْء فِيهِ وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه لأهل الْفَيْء لِأَن ذَلِك احْتمل فِي الضِّيَافَة لعسر الضَّبْط
الْوَاجِب الثَّالِث الإهانة والتصغير عِنْد الْأَخْذ لقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ قيل مَعْنَاهُ أَن يطأطىء الذِّمِّيّ رَأسه وَيصب مَا مَعَه فِي كف المستوفي فَيَأْخُذ المستوفي بلحيته وَيضْرب فِي لهازمه
стр. 3138
وَهَذَا مُسْتَحبّ أَو مُسْتَحقّ فِيهِ وَجْهَان
فَإِن قُلْنَا إِنَّه مُسْتَحقّ لم يجز لَهُ تَوْكِيل الْمُسلم فِي التوفية وَلم يَصح ضَمَان الْمُسلم للجزية فَإِنَّهُ يجب قبُولهَا إِذا أسلم وَتسقط الإهانة
وَلَكِن الصَّحِيح أَنه مُسْتَحبّ إِذْ يجوز إِسْقَاطهَا بِتَضْعِيف الصَّدَقَة كَمَا فعل عمر ﵁ فَإِن جمَاعَة من نَصَارَى الْعَرَب أنفوا من اسْم الْجِزْيَة وَالصغَار فَقَالُوا نَحن عرب فَخذ منا مَا يَأْخُذ بَعْضكُم من بعض يَعْنِي الزَّكَاة فَقَالَ عمر ﵁ إِنَّهَا طهرة ولستم من أَهلهَا فَقَالُوا خُذ بذلك الإسم وزد مَا شِئْت فضعف عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَحط اسْم الْجِزْيَة والإهانة وَلَا شكّ فِي أَن الْمَأْخُوذ جِزْيَة حَتَّى لَا تُؤْخَذ من النِّسَاء وَالصبيان
وَلَا بُد أَن يَفِي بِقدر الْجِزْيَة إِذا وزع على رُءُوس الْبَالِغين وَله أَن يَأْخُذ ثَلَاثَة أَمْثَال الصَّدَقَة وَله أَن يَأْخُذ نصف الصَّدَقَة إِن وفى بالجزية وَلَكِن لَا يتْرك الإهانة إِلَّا لغَرَض ظَاهر
стр. 3139
فَإِن كَثُرُوا وَلم يُمكن عدهم لتبيين الْوَفَاء فَفِي جَوَاز أَخذه بغالب الظَّن وَجْهَان والفقراء هَل يدْخلُونَ فِي الْحساب يخرج على الْقَوْلَيْنِ فِي العقد وَهل يجوز ذَلِك مَعَ غير الْعَرَب فِيهِ وَجْهَان وَالظَّاهِر جَوَازه للْمصْلحَة
ثمَّ صِيغَة العقد أَن يَقُول الإِمَام ضعفت عَلَيْكُم الصَّدَقَة فَيلْزمهُ عَلَيْكُم الصَّدَقَة فَيلْزمهُ الْوَفَاء فَيَأْخُذ من خمس من الْإِبِل شَاتين وَمن عشر أَربع شِيَاه وَمن خمس وَعشْرين بِنْتي مَخَاض وَلَا يضعف المَال فَيَجْعَلهُ كالخمسين وَيَأْخُذ حَقه بل نضعفه الصَّدَقَة ونأخذ الْخمس مِمَّا سقته السَّمَاء وَالْعشر مِمَّا سقِِي بدالية وَمن عشْرين دِينَارا دِينَارا وَاخْتلفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا أَنه هَل يحط لَهُم الوقص فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يحط كالصدقة وَالثَّانِي لَا لِأَن ذَلِك تَخْفيف عَن الْمُسلمين وَالثَّالِث
أَنه يَأْخُذ إِن لم يؤد إِلَى التجزئة فَيَأْخُذ من سَبْعَة وَنصف من الْإِبِل ثَلَاث شِيَاه وَقد حُكيَ عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه قَالَ يَأْخُذ من عشْرين شَاة شَاة وَمن مائَة دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم
стр. 3140
الثَّانِيَة لَو ملك سِتا وَثَلَاثِينَ من الْإِبِل وَلَيْسَ فِي مَاله بنت لبون فَيَأْخُذ بِنْتي مَخَاض وجبرانين لكل جبران وَاحِد شَاتين أَو عشْرين درهما وَلَا يضعف الْجبرَان ثَانِيًا وَمن قَالَ بذلك فقد غلط وَكَذَلِكَ إِذا أخرج حقتين فعلى الإِمَام الْجبرَان
الْوَاجِب الرَّابِع الْعشْر من البضاعة الَّتِي مَعَ تجارهم إِذا ترددوا فِي بِلَادنَا وَالنَّظَر فِيمَن يعشر مَاله وَفِي قدر الْمَأْخُوذ
أما من يُؤْخَذ مِنْهُ فَهُوَ كل حَرْبِيّ يتجر فِي بِلَادنَا ضرب عمر ﵁ عَلَيْهِم الْعشْر أما الذِّمِّيّ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِذا اتّجر وَلَا على الْحَرْبِيّ إِذا دخل لسفارة أَو سَماع كَلَام الله تَعَالَى
أما لَو تردد فِي الْحجاز لَا للتِّجَارَة فَفِي أَخذ شَيْء مِنْهُ خلاف فَقيل إِنَّه لَا يُمكن تعشير مَاله
وَلَا بُد من تَعْظِيم الْحجاز فَيُؤْخَذ دِينَار وَهُوَ أقل الْجِزْيَة وَالذِّمِّيّ إِذا اتّجر فِي الْحجاز أَخذ مِنْهُ نصف الْعشْر كَذَلِك فعل عمر ﵁
ثمَّ هَذَا إِذا جرى الشَّرْط وقبلوا فَإِن دخلُوا بِأَمَان من غير شَرط فأصح الْوَجْهَيْنِ أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِم وَالثَّانِي أَن قَضَاء عمر ﵁ بذلك قَضَاء على من سَيكون مِنْهُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَيتبع
أما الْمِقْدَار فَلَا مزِيد على الْعشْر وَقل للْإِمَام أَن يزِيد إِن رأى وَأما النُّقْصَان فَجَائِز إِلَى نصف الْعشْر وَذَلِكَ فِي الْميرَة وكل مَا يحْتَاج الْمُسلمُونَ إِلَى كَثْرَة
стр. 3141
المكاسب فِيهِ كَذَلِك فعل عمر ﵁ وَلَو رأى رفع هَذِه الضريبة أصلا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا بُد من قبُول شَيْء وَالثَّانِي أَن هَذَا الْجِنْس يتبع فِيهِ الْمصلحَة إِذْ عمر ﵁ فعل ذَلِك بِرَأْيهِ واستصوابه وَقد يتَغَيَّر الصَّوَاب
ثمَّ إِذا أَخذ الْعشْر مرّة فَلَا يَأْخُذهُ ثَانِيًا فِي تِلْكَ السّنة بل يعْطى جَوَازًا حَتَّى لَا يُطَالِبهُ عشار أصلا إِلَّا إِذا جَوَّزنَا الزِّيَادَة فَعِنْدَ ذَلِك يجوز أَخذه فِي دفعات
أما إِذا جرى ترديد مَال وَاحِد إِلَى الْحجاز فِي سنة وَاحِدَة فَهَل يُكَرر الْعشْر لتعظيم الْحجاز فِيهِ خلاف وَهَذَا إِذا خرج من الْحجاز وَعَاد وَمَا دَامَ يتَرَدَّد فِيهِ فَلَا وَلَو بذل اللِّسَان عِنْد المشارطة بِزِيَادَة فَالظَّاهِر أَنه لَا يلْزم إِذْ لَيْسَ ذَلِك عقدا أَصْلِيًّا بِخِلَاف عقد الْجِزْيَة
الْوَاجِب الْخَامِس الْخراج وَذَلِكَ قد يكون أُجْرَة فَلَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ كَمَا إِذا ملكنا أراضيهم ثمَّ رددناها إِلَيْهِم بخراج كَمَا فعله عمر ﵁ وَهَذَا وَاجِب وَرَاء الْجِزْيَة
أما إِذا صالحناهم على عقارهم بخراج يؤدونه فملكهم مطرد والمأخوذ فِي حكم جِزْيَة
стр. 3142
وَمن أسلم سقط الْخراج عَنهُ فِي الْمُسْتَقْبل خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله
стр. 3143
النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام عقد الذِّمَّة
وَهُوَ يَقْتَضِي وجوبا علينا وَعَلَيْهِم أما مَا علينا فَيرجع إِلَى أَمريْن الْكَفّ عَنْهُم وذب الْكفَّار دونهم
أما الْكَفّ فَمَعْنَاه أَنا لَا نتعرض لأنفهسم ومالهم ونعصمهم بِالضَّمَانِ وَلَا نريق خمورهم وَلَا نتلف خنازيرهم مَا داموا يخفونه وَلَا نمنعهم من التَّرَدُّد إِلَى كنائسهم الْقَدِيمَة وَلَو أظهرُوا الْخُمُور أرقناها وَمن دخل دَارهم وأراقها فقد تعدى وَلَا ضَمَان عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ وَلَو غصبهَا وَجب مئونة الرَّد وَفِيه وَجه أَنه لَا يجب إِلَّا التَّخْلِيَة وَلَو بَاعَ خمرًا من مُسلم أريق على الْمُسلم وَلَا ثمن للذِّمِّيّ وَالظَّاهِر أَنه يجب رد الْخمر المحترمة على الْمُسلم إِذا غصب
أما الذب عَنْهُم فَمَعْنَاه دفع الْكفَّار عَنْهُم مَا داموا فِي دَارنَا وَهُوَ ذب عَن الدَّار وَلَو دخلُوا دَار الْحَرْب فَلَا مطمع للذب وَلَو انفردوا ببلدة غير مُتَّصِلَة بِبِلَاد الْإِسْلَام فَفِي وجوب ذب أهل الْحَرْب عَنْهُم وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يجب إِذْ لم نلتزم إِلَّا الْكَفّ
стр. 3144
وَالثَّانِي أَنه يجب إِذْ بذلوا الْجِزْيَة لنسلك بهم مَسْلَك أهل الْإِسْلَام فعلى هَذَا لَو شرطنا أَن لَا نذب عَنْهُم لم يلْزمنَا وَمِنْهُم من ألغى هَذَا الشَّرْط وعَلى الأول لَو شرطنا الذب لزمنا وَمِنْهُم من ألغى ذَلِك الشَّرْط وَكَذَلِكَ لَو ترافعوا إِلَيْنَا هَل يجب الحكم بَينهم فِيهِ خلاف وَيرجع حَاصله إِلَى دفع أَذَى بَعضهم عَن بعض
أما الْوَاجِب عَلَيْهِم فَهُوَ الْوَفَاء بالجزية والإنقياد للْأَحْكَام والكف عَن الْفَوَاحِش وَعَن بِنَاء الْكَنَائِس ومطاولة الْمُسلمين بالبنيان والتجمل بترك الغيار وركوب الْخُيُول وسلوك جادة الطّرق هَذِه مجامعها
الأول حكم الْكَنَائِس وتفصيله أَن للبلاد ثَلَاثَة أَحْوَال
الأولى بَلْدَة بناها الْمُسلمُونَ فَلَا يكون فِيهَا كَنِيسَة وَإِذا دخلُوا وقبلوا الْجِزْيَة منعُوا من إِحْدَاث الْكَنَائِس قطعا وَفِي مَعْنَاهَا بَلْدَة ملك الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم رقبَتهَا قهرا فَإِنَّهُ ينْقض كنائسهم لَا محَالة وَلَو أَرَادَ الإِمَام أَن ينزل مِنْهُم طَائِفَة بجزية وَيتْرك لَهُم كَنِيسَة قديمَة قطع المراوزة بِالْمَنْعِ وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها فِي جَوَازه أما الإحداث فَلَا خلاف فِي الْمَنْع
стр. 3145
الثَّانِيَة بَلْدَة فتحناها صلحا على أَن تكون رَقَبَة الْأَبْنِيَة للْمُسلمين وهم يسكنونها بخراج يبذلونه سوى الْجِزْيَة فَإِن اسْتثْنى فِي الصُّلْح البيع وَالْكَنَائِس لم تنقض وَإِن أطلق فَوَجْهَانِ أَحدهمَا انها تنفض لِأَنَّهَا ملك الْمُسلمين فَلهم التَّصَرُّف فِي ملكهم وَالثَّانِي لَا وَفَاء بِشَرْط التَّقْرِير فَإِنَّهُ يمْنَع عَلَيْهِم الْقَرار من غير متعبد جَامع
الثَّالِثَة أَن تفتح على أَن تكون الرّقاب لَهُم وَيضْرب عَلَيْهِم خراج فَهَذِهِ بلدتهم وَلَيْسَ عَلَيْهِم نقض الْكَنَائِس وَلَو أَحْدَثُوا كنائس فَالْمَذْهَب أَنهم لَا يمْنَعُونَ وَقيل يمْنَع لِأَنَّهَا على الْجُمْلَة تَحت حكم الْإِسْلَام
وَلَا خلاف أَنهم لَا يمْنَعُونَ من ضرب الناقوس وَإِظْهَار الْخُمُور وَإِن كَانَ الْمُسلمُونَ يدْخلُونَ على الْجُمْلَة لِأَنَّهَا كعقر دَارهم وَلَا نتعرض لما يجْرِي فِي دُورهمْ
فرع
حَيْثُ قضينا بإبقاء كَنِيسَة قديمَة وَالْمَنْع من الإحداث فَلَا نمنعهم من الْعِمَارَة إِذا استرمت وَالأَصَح أَنا لَا نكلفهم إخفاء الْعِمَارَة وَقيل يجب الْإخْفَاء حَتَّى لَو زَالَ الْجِدَار الْخَارِج فَلَا وَجه إِلَّا بِنَاء جِدَار دَاخل الْكَنِيسَة
نعم لَو انْهَدَمت الْكَنِيسَة فَفِي إِعَادَتهَا وَجْهَان من حَيْثُ إِن هَذَا كالإحداث من وَجه وَإِن قُلْنَا لَهُم الْإِعَادَة فَفِي جَوَاز زِيَادَة فِي الخطة وَجْهَان أصَحهمَا الْمَنْع لِأَن هَذَا إِحْدَاث
стр. 3146
وَأما النواقيس فَإنَّا نمنعهم فِي كنائسهم أَن يظْهر صَوته فَهُوَ كإظهار الْخمر وَقيل لَا يمْنَع فَإِنَّهُ تَابع للكنيسة
الْوَاجِب الثَّانِي ترك مطاولة الْبُنيان فَلَو بنى دَارا أرفع من دَار جَاره منع وَلَو كَانَ مثله فَوَجْهَانِ وَلَو لم يكن بجنبه إِلَّا حجرَة ضَعِيفَة منخفضة فَعَلَيهِ أَن لَا يعلوها بُنْيَانه وَلَو كَانَ فِي طرف بلد حَيْثُ لَا جَار أَو كَانَت لَهُم محلّة فَلَا معنى للمطاولة فَلَا حجر وَقيل إِنَّهُم على الْجُمْلَة يمْنَعُونَ من رفع فِيهِ تجمل
وَهَذَا كُله فِي الْبناء فَلَو اشْترى دَارا مُرْتَفعَة لم ينْقض بناؤها وَهَذَا الْمَنْع مُسْتَحبّ أَو حتم فِيهِ وَجْهَان
الْوَاجِب الثَّالِث يمْنَعُونَ من التجمل بركوب الْخَيل وَلَا يمْنَعُونَ من الْحمار النفيس وَليكن رِكَابهمْ من الْخشب وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَا يمْنَع من الْفرس الخسيس كالقتبيات وَيمْنَع من البغال الغر
стр. 3147
الْوَاجِب الرَّابِع لَا بُد من الغيار ولون الصُّفْرَة باليهود أليق والكهبة بالنصارى والسواد بالمجوس وَالْمَقْصُود أَن يتميزوا حَتَّى لَا نسلم عَلَيْهِم ويضطرون إِلَى أضيق الطّرق وَيمْنَعُونَ من سرارة الجادة إِذا كَانَت مَشْغُولَة بِالْمُسْلِمين وَإِن كَانَت خَالِيَة فَلَا منع وَيخرج الْكَافِر من الْحمام إِذا لم يكن عَلَيْهِم غيار لِأَنَّهُ رُبمَا ينجس المَاء من حَيْثُ لَا نَعْرِف
وَالْمَرْأَة هَل يلْزمهَا الغيار فِي الْحمام وخارجه فِيهِ وَجْهَان ثمَّ أصل الغيار وَترك ركُوب الْخَيل حتم أَو مُسْتَحبّ فِيهِ وَجْهَان
стр. 3148
الْوَاجِب الْخَامِس الإنقياد للْأَحْكَام بِأَن يذعن للحد وَالضَّمان إِذا تعلّقت الْخُصُومَة بِمُسلم أَو زنا بِمسلمَة أَو سرق مَال مُسلم أما مَا لَا يتَعَلَّق بِمُسلم وَلم يعْتَقد تَحْرِيمه فَلَا يحد على الصَّحِيح فِيهِ كالشرب وَمَا اعْتقد تَحْرِيمه وترافعوا إِلَيْنَا وَجب عَلَيْهِم الإنقياد فَإِن قيل فَلَو خالفوا فِي شَيْء من هَذِه الْجُمْلَة فَهَل ينْتَقض عَهدهم قُلْنَا هَذِه الْأُمُور على ثَلَاث مَرَاتِب
الأولى وَهِي أخفها إِظْهَار الْخمر وَضرب الناقوس وَترك الغيار وَإِظْهَار معتقدهم فِي الْمَسِيح ﵇ وَفِي الله تَعَالَى بانه ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا يضاهيه مِمَّا لَا ضَرَر على الْمُسلمين فِيهِ فَلَا ينْتَقض بِهِ الْعَهْد بل نعزرهم وَلَو شَرط الإِمَام انْتِقَاض الْعَهْد بذلك قَالَ الْأَصْحَاب يحمل على التخويف شَرطه وَلَا ينْتَقض بِهِ
الرُّتْبَة الثَّالِثَة وَهِي أغلظها الْقِتَال وَمنع الْجِزْيَة وَالْأَحْكَام وَالْمَشْهُور أَن الْعَهْد
стр. 3149
ينْتَقض بِهَذِهِ الثَّلَاث وَهُوَ ظَاهر فِي الْقِتَال
أما منع الْجِزْيَة فَلَا يبعد أَن يَجْعَل كمنع الدُّيُون فتستوفى قهرا وَلَا يبعد من حَيْثُ إِنَّه ركن الْأمان فَكَأَن مَنعه إِسْقَاط أَمَانه بِخِلَاف سَائِر الدُّيُون وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاد الْأَصْحَاب مِنْهُ أَن يكون الْمَنْع بالتغلب فَيُؤَدِّي إِلَى الْقِتَال
وَأما منع الحكم فَلَا يَنْبَغِي أَن ينْقض إِن كَانَ بالهرب فَإِن كَانَ بتمرد حملناه عَلَيْهِ وَإِن أدّى إِلَى الْقِتَال انْتقض عَهده وعَلى الْجُمْلَة لَا يظْهر انْتِقَاض الْعَهْد إِلَّا بِالْقِتَالِ
الرُّتْبَة الثَّالِثَة مَا هُوَ مَحْظُور وَفِيه على الْمُسلمين ضَرَر كَالزِّنَا بالمسلمة والتطلع على عورات الْمُسلمين أَو افتتان الْمُسلم عَن دينه فَفِي هَذِه الثَّلَاثَة ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه ينْقض الْعَهْد كالقتال وَالثَّانِي لَا ينْقض بل يعاقبون عَلَيْهَا كإظهار الْخمر
стр. 3150
وَالثَّالِث أَنه إِذا جرى شَرط الإنتقاض انْتقض وَإِلَّا فَلَا
وَأما قطع الطَّرِيق وَالْقَتْل الْمُوجب للْقصَاص فَمنهمْ من قَالَ هُوَ من هَذَا الْقسم وَمِنْهُم من قطع بإلحاقه بِالْقِتَالِ وَكَذَلِكَ فِي تعرضهم لرَسُول الله ﷺ بالسوء طَرِيقَانِ وَمِنْهُم من قَالَ كالقتال وَمِنْهُم من قَالَ على الْأَوْجه الثَّلَاثَة
أما إِذا كَانَ الطعْن على وفْق اعْتِقَادهم كَقَوْلِهِم إِنَّه لي رَسُول الله وَالْقُرْآن لَيْسَ بمنزل فَهَذَا كَقَوْلِهِم إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَإِنَّمَا الْخلاف فِي السب والطعن فِي النّسَب وَمَا لَا يُوَافق عقيدتهم فَإِن قيل وَمَا حكم انْتِقَاض الْعَهْد قُلْنَا أما فِي الْقِتَال فَحكمه الإغتيال وَأما فِي الرُّتْبَة الثَّالِثَة فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الإغتيال وَصَارَ الْعَهْد كَالْمَعْدُومِ
وَالثَّانِي أَنا نلحقهم بالمأمن وَلَا اغتيال
وَلَو نبذ الذِّمِّيّ عَهده إِلَيْنَا من غير جِنَايَة فَالصَّحِيح أَنه يلْحق بالمأمن وَقيل يخرج على الْقَوْلَيْنِ إِذا كَانَ يقدر على الْخُرُوج من غير
стр. 3151
مجاهرة بنبذ الْعَهْد
فَإِن قيل فالمسلم إِن طول لِسَانه فِي الرَّسُول فَمَا حكمه قُلْنَا إِن كذب عَلَيْهِ عذر وَإِن كذبه فَهُوَ مُرْتَد فَيقْتل إِلَّا أَن يَتُوب وَكَذَلِكَ كل تعرض فِيهِ استهزاء فَهُوَ ردة وَلَو نسبه إِلَى الزِّنَا فَهَذَا الْقَذْف كفر بالإتفاق فَلَو تَابَ فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا وَهُوَ اخْتِيَار الْفَارِسِي أَنه يقتل إِذْ حد قذف الرَّسُول قتل فَلَا يسْقط الْحَد بِالتَّوْبَةِ وَفِي الْخَبَر من سبّ نَبيا فَاقْتُلُوهُ وَمن سبّ أَصْحَابه فاجلدوه وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَار الْقفال والأستاذ أبي إِسْحَاق أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن الْقَتْل صَار مغمورا فِي الْكفْر فَيسْقط أَثَره بِالْإِسْلَامِ وَالثَّالِث وَهُوَ الَّذِي ذكره الصيدلاني ﵀ أَنه يسْقط الْقَتْل وَتبقى ثَمَانُون جلدَة للحد وَهَذَا يلْزمه أَن يجلد قبل الْقَتْل إِذا لم يتب كالمرتد إِذا قذف والإلتفات إِلَى هَذَا الْقيَاس الجروي فِي مثل هَذَا الْمقَام بعيد
стр. 3152
ثمَّ إِن قُلْنَا ثَبت حد الْقَذْف فَلَو عَفا وَاحِد من بني أَعْمَامه يَنْبَغِي أَن يسْقط أَو نقُول هم لَا ينحصرون فَهُوَ كقذف ميت لَا وَارِث لَهُ وَكَذَلِكَ فِي قتل مثله قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا قصاص إِذْ فِي الْمُسلمين صبيان وَلِأَنَّهُ إِن وَجب على الإِمَام الإستيفاء ضاهى الْحَد وَبَطل خاصية الْقصاص وَإِن جَازَ لَهُ الْعَفو فَهُوَ بعيد وَالثَّانِي أَنه يجب إِذْ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال عصمَة من لَا وَارِث لَهُ فينقدح أَيْضا الْقَوْلَانِ فِي قذف من لَا وَارِث لَهُ
стр. 3153
العقد الثَّانِي مَعَ الْكفَّار المهادنة
وَالنَّظَر فِي شُرُوطه وَأَحْكَامه أما الشُّرُوط فَأَرْبَعَة
الأول أَن هَذَا العقد لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا الإِمَام لِأَنَّهُ يرجع حَاصله إِلَى صلح جمع من الْكفَّار على ترك قِتَالهمْ والكف عَنْهُم من غير مَال نعم لآحاد الْوُلَاة عقد ذَلِك مَعَ أهل الْقرى والأطراف الْمُتَعَلّقَة بهم فَأَما مهادنة إقليم كالهند وَالروم فَلَيْسَ إِلَّا للْإِمَام
الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون للْمُسلمين إِلَى ذَلِك حَاجَة فَإِن لم تكن حَاجَة وَلَا مضرَّة وطلبوا ذَلِك لم يجب على الإِمَام الْإِجَابَة على الصَّحِيح بل يتبع الْأَصْلَح وَفِيه وَجه مخرج أَنه تجب الْإِجَابَة وَفِي الْجِزْيَة وَجه مخرج من المهادنة أَنه لَا تجب الْإِجَابَة والوجهان ضعيفان وَالصَّحِيح الْفرق فَإِن عقد الذِّمَّة كف بِمَال وَهَذِه مُسَامَحَة
الشَّرْط الثَّالِث أَن يَخْلُو العقد عَن شَرط يأباه الْمُسلم كَمَا لَو شَرط أَن يتْرك فِي أَيْديهم مَال مُسلم أَو شَرط أَن يرد عَلَيْهِم أَسِيرًا مُسلما أفلت مِنْهُم أَو شَرط لَهُم على الْمُسلمين مَالا فَكل ذَلِك فَاسد مُفسد نعم لَو كَانَ على الْمُسلمين خوف جَازَ الْتِزَام مَال لدفع الشَّرّ كَمَا يجوز فدَاء الْأَسير الْمُسلم إِذا عجزنا عَن انْتِزَاعه مجَّانا
الشَّرْط الرَّابِع الْمدَّة وَهُوَ يتَقَدَّر بأَرْبعَة أشهر إِن لم يكن بِالْمُسْلِمين ضعف وَهُوَ مُدَّة السياحة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر﴾
стр. 3154
وَلَا يجوزو أَن تبلغ سنة وَهَذِه الْمدَّة للجزية لِأَن الْكَفّ سنة إِنَّمَا جَازَ بعوض أما فِيمَا دون السّنة وَفَوق أَرْبَعَة أشهر فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الْجَوَاز للقصور عَن مُدَّة الْجِزْيَة وَهَذَا يستمد من قَوْلنَا إِن طلب قسط من الْجِزْيَة فِي بعض السّنة لَا يجوز وَالثَّانِي الْمَنْع للزِّيَادَة على مُدَّة التسييح أما إِذا كَانَ بِالْمُسْلِمين ضعف وَخَوف جَازَت المهادنة عشر سِنِين هادن رَسُول الله ﷺ أهل مَكَّة عشر سِنِين وَلَا مزِيد عَلَيْهِ وَفِيه وَجه أَنه تجوز الزِّيَادَة بِالْمَصْلَحَةِ
стр. 3155
فرع
لَو أطلق الإِمَام المهادنة وَلم يذكر الْمدَّة فَالصَّحِيح أَنَّهَا فَاسِدَة وَقَالَ الفوراني فِي حَال الْقُوَّة وَجْهَان أَحدهمَا أَنه ينزل على الْأَقَل وَالثَّانِي على الْأَكْثَر وَهُوَ مَا يُقَارب السّنة
وَإِن كَانَ فِي حَالَة الضعْف فَينزل على عشر سِنِين إِذْ لَا يتَقَدَّر أَقَله وَسَببه أَن مُقْتَضى الْمُطلق التَّأْبِيد فنحذف مَا يزِيد على الْمدَّة الشَّرْعِيَّة
وَلَو صرح بِالزِّيَادَةِ على الْمدَّة فَالزِّيَادَة مَرْدُودَة وَفِي صِحَّتهَا فِي الْمدَّة قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة وأصحهما الصِّحَّة إِذْ لَيْسَ فِيهَا عوض تحدد جهالته
ثمَّ حكم الْفَاسِد أَن ننذرهم وَلَا نغتالهم وَحكم الصَّحِيح وجوب الْكَفّ عَنْهُم إِلَى انْقِضَاء الْمدَّة أَو إِلَى جِنَايَة تصدر مِنْهُم تنَاقض الْعَهْد فنغتالهم إِن علمُوا أَنَّهَا جِنَايَة وَإِن لم يعلمُوا فَفِي اغتيالهم من غير إنذار وَجْهَان
وَلَو بنينَا تَطْوِيل الْمدَّة على خوف لم ترْتَفع بِزَوَال الْخَوْف بل لَا بُد من الْوَفَاء
وَلَو استشعر الإِمَام جِنَايَة فَلهُ أَن ينْبذ إِلَيْهِم عَهدهم بالتهمة وَذَلِكَ لَا يجوز فِي الْجِزْيَة نعم لَا يبتدىء عقد الْجِزْيَة مَعَ التُّهْمَة
следующие страницы →