Полный текст (576 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
من النَّار ثمَّ يَدْعُو بِمَا أحب وَلَا يتَكَلَّم فِي أثْنَاء التَّلْبِيَة وَيكرهُ السَّلَام عَلَيْهِ لَكِن لَو سلم عَلَيْهِ رد نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم
وَأما الطّواف فَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع طواف الافاضة وَهُوَ ركن لَا بُد مِنْهُ وَلَا يَصح الْحَج بِدُونِهِ وَطواف الْوَدَاع وَهُوَ وَاجِب وَقيل سنة وَهُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ الشَّيْخ وَطواف الْقدوم وَهُوَ سنة وَيُسمى أَيْضا طواف الْوُرُود وَطواف التَّحِيَّة لِأَنَّهُ تَحِيَّة الْبقْعَة وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه ﵊ طَاف حِين قدم مَكَّة فَلَو دخل وَوجد النَّاس يصلونَ فِي صَلَاة مَكْتُوبَة صلاهَا مَعَهم أَولا وَكَذَا لَو أُقِيمَت الْجَمَاعَة وَهُوَ فِي أثْنَاء الطّواف قطعه وَكَذَا لَو خَافَ فَوت فَرِيضَة أَو سنة مُؤَكدَة وَالطّواف تَحِيَّة الْبَيْت لَا تَحِيَّة الْمَسْجِد
وَاعْلَم أَن الْمَرْأَة الجميلة أَو الشَّرِيفَة الَّتِي تبرز للرِّجَال تُؤخر الطّواف إِلَى اللَّيْل وَلَو كَانَ الشَّخْص مُعْتَمِرًا فَطَافَ للْعُمْرَة أَجزَأَهُ عَن طواف الْقدوم كَمَا تجزىء الْفَرِيضَة عَن تَحِيَّة الْمَسْجِد وَالله أعلم قَالَ
(وَالْمَبِيت بِمُزْدَلِفَة وركعتا الطّواف)
الْمبيت بِمُزْدَلِفَة مُخْتَلف فِيهِ فَقيل إِنَّه ركن وَبِه قَالَ ابْن بنت الشَّافِعِي وَابْن خُزَيْمَة وَمَال إِلَيْهِ ابْن الْمُنْذر وَقواهُ السُّبْكِيّ والاسنائي وَقيل إِنَّه سنة وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام الرَّافِعِيّ والمنهاج وَهُوَ الَّذِي قَالَه الشَّيْخ وَقيل إِنَّه وَاجِب وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب فعلى هَذَا لَو لم يبت بهَا لزمَه دم وَبِمَ يحصل الْمبيت فِي طرق الرَّاجِح عِنْد الرَّافِعِيّ بمعظم اللَّيْل كَمَا لَو حلف ليبيتن فَإِنَّهُ لَا يبرأ إِلَّا بذلك وَالرَّاجِح عِنْد النَّوَوِيّ أَنه يحصل بلحظة من النّصْف الثَّانِي وَالله أعلم
وَاخْتلف فِي رَكْعَتي الطّواف يَعْنِي طواف الْفَرْض فَقيل بوجوبهما وَالصَّحِيح عدم وجوبهما لقَوْله ﵊
(خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَقَالَ هَل عَليّ غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع) وَالله أعلم قَالَ
(وَالْمَبِيت بمنى وَطواف الْوَدَاع)
اخْتلف فِي مبيت ليَالِي منى فَقيل بِوُجُوبِهِ وَصَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة لِأَنَّهُ ﵊ بَات بهَا وَقَالَ
(خُذُوا عني مَنَاسِككُم) وَقيل أَنه يسْتَحبّ وَهُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ
стр. 212
وَصَححهُ الرَّافِعِيّ وَبِه قطع بَعضهم كالمبيت بمنى لَيْلَة عَرَفَة ثمَّ فِي الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ الْمبيت خلاف الرَّاجِح مُعظم اللَّيْل فعلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ لَو ترك الْمبيت ليَالِي منى لزمَه دم على الصَّحِيح وَقيل يجب لكل لَيْلَة دم وَإِن تَركه لَيْلَة فأقوال أظهرها يجْبر بِمد وَقيل بدرهم وَقيل بِثلث دم
ثمَّ هَذَا فِي حق غير المعذورين أما من ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة وَمنى لعذر كمن وصل إِلَى عَرَفَة لَيْلَة النَّحْر واشتغل بِالْوُقُوفِ عَن مبيت مُزْدَلِفَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَكَذَا لَو أَفَاضَ من عَرَفَة إِلَى مَكَّة وَطَاف للافاضة بعد نصف اللَّيْل ففاته الْمبيت فَقَالَ الْقفال لَا شَيْء عَلَيْهِ لاشتغاله بِالطّوافِ وَمن المعذورين من لَهُ مَال يخَاف ضيَاعه لَو اشْتغل بالمبيت أَو من لَهُ مَرِيض يحْتَاج إِلَى تعهده أَو طلب ضَالَّة أَو آبق فَالصَّحِيح فِي هَؤُلَاءِ وَنَحْوهم أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِم بترك الْمبيت وَلَهُم أَن ينفروا بعد الْغُرُوب وَالله أعلم قَالَ
(ويتجرد عِنْد الاحرام ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين)
إِذا أَرَادَ الرجل الْإِحْرَام نزع الْمخيط وَهل نزع ذَلِك أدب كَمَا ذكره الشَّيْخ أَو وَاجِب الَّذِي جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي آخر كَلَامه أَنه يجب التجرد عَن الْمخيط قَالَ لِئَلَّا يصير لابساً للمخيط فِي حَال إِحْرَامه وَبِه جزم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نعم كَلَام الْمُحَرر والمنهاج يقْضِي اسْتِحْبَابه وَبِه صرح النَّوَوِيّ فِي مَنَاسِكه وَجعله من الْآدَاب قَالَ الاسنائي وَهُوَ الْمُتَّجه لِأَنَّهُ قبل الْإِحْرَام لم يحصل سَبَب وجوب النزع وَلِهَذَا لَا يجب إرْسَال الصَّيْد قبل الْإِحْرَام بِلَا خلاف وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا أَنه لَو علق الطَّلَاق على الْوَطْء فَإِن الْمَشْهُور أَن لَا يمْتَنع عَلَيْهِ فَإِذا تجرد فَيُسْتَحَب أَن يلبس إزاراً ورداء أبيضين ونعلين لقَوْل ابْن الْمُنْذر ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(ليحرم أحدكُم فِي إِزَار ورداء أبيضين ونعلين) وَقد ورد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه ﵊
(أحرم فِي إِزَار ورداء) وَكَذَا أَصْحَابه رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن جَابر وَأما الْبيض فَلقَوْله ﷺ
(إلبسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا خير ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم) وَيسْتَحب أَن يَكُونَا جديدين فَإِن لم يكن فنظيفين وَيكرهُ الْمَصْبُوغ وَالله أعلم وَيسْتَحب أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّانِيَة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَتكره هَذِه الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة على الصَّحِيح وَلَو صلى
стр. 213
الْفَرِيضَة أغنت عَن رَكْعَتي الْإِحْرَام وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن السّنة الرَّاتِبَة تغني عَنْهُمَا أَيْضا وَالله أعلم قَالَ
بَاب مُحرمَات الاحرام
(فصل وَيحرم على الْمحرم عشرَة أَشْيَاء لبس الْمخيط وتغطية الرَّأْس من الرجل وَالْوَجْه من الْمَرْأَة)
إِذا أحرم الرجل حرم عَلَيْهِ أَنْوَاع
الأول اللّبْس فِي جَمِيع بدنه وَرَأسه بِمَا يعد لبساً سَوَاء كَانَ مخيطاً كالقميص والسراويل أَو غَيره كالعمامة والإزار لما ورد
(أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ مَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب فَقَالَ لَا تلبسوا من الثِّيَاب الْقَمِيص وَلَا الْعِمَامَة وَلَا السراويلات وَلَا البرانس وَلَا الْخفاف إِلَّا أَن لَا يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَلَا تلبسوا من الثِّيَاب مَا مَسّه ورس أَو زعفران) وَأما فِي الرَّأْس الْخُفَّيْنِ فَلقَوْله ﷺ فِي الْمحرم الَّذِي خر عَن بعيره مَيتا
٠ - لَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبياً) وَلَا فرق بَين الْمُتَّخذ من الْقطن والكتان والجلود واللبود وَالضَّابِط أَنه تجب الْفِدْيَة بستر مَا يعد ساتراً حَتَّى أَنه لَو طلى رَأسه بطين ثخين أَو حناء أَو مرهم ثخين وَجَبت الْفِدْيَة وَلَا يضر وضع الْيَد على الرَّأْس وَلَا حمل الزنبيل وَنَحْوه وَلَا يشْتَرط لوُجُوب الْفِدْيَة ستر جَمِيع الرَّأْس كَمَا لَا يشْتَرط فِي فديَة الْحلق اسْتِيعَاب الرَّأْس بل يجب بستر قدر يقْصد بستره لغَرَض كستر عصابته ولزقه لجرح وَنَحْوه وَالضَّابِط أَنه تجب الْفِدْيَة بِمَا يُسمى ساتراً سَوَاء ستر كل الرَّأْس أَو بعضه وَلَا تجب الْفِدْيَة بتغطيته بيد الْغَيْر على الْمَذْهَب وَلَو ألْقى القباء أَو الفرجية على كَتفيهِ لَزِمته
стр. 214
الْفِدْيَة وَإِن لم يخرج أكمامه لصدق اسْم اللّبْس بذلك سَوَاء طَال الزَّمَان أم قصر وَلَو ارتدى بالفرجية أَو التحف بذلك وَنَحْوه فَلَا وَكَذَا لَو ائتزر بسراويل فَلَا فديَة كَمَا لَو ائتزر بإزار لفقه من رقاع وَيجوز أَن يعْقد الْإِزَار وَهُوَ الَّذِي يشده ليستر عَوْرَته وَيجوز أَن يشد عَلَيْهِ خيطاً وَيجوز أَن يَجْعَل لَهُ مثل مَوضِع التكة وَيدخل فِيهِ خيطاً وَأما الرِّدَاء وَهُوَ الَّذِي يوضع على الأكتاف فَلَا يجوز عقده وَلَا تخليله بخلال وَلَا بمسلة وَلَا ربط طرفه بطرفه الآخر بخيط كَمَا يَفْعَله الْعَوام يضع أحدهم حَصَاة صَغِيرَة ويعقدها بخيط والطرف الآخر كَذَلِك فَهَذَا حرَام وَتجب فِيهِ الْفِدْيَة وَله أَن يتقلد السَّيْف ويشد الهيمان على وَسطه هَذَا كُله فِي الرجل
وَأما الْمَرْأَة فَالْوَجْه فِي حَقّهَا كرأس الرجل وتستر جَمِيع رَأسهَا وبدنها بالمخيط وَلها أَن تستر وَجههَا بِثَوْب أَو خرقَة بِشَرْط أَلا يمس وَجههَا سَوَاء كَانَ لحَاجَة أَو لغير حَاجَة من حر أَو برد أَو خوف فتْنَة وَنَحْو ذَلِك فَلَو أصَاب السَّاتِر وَجههَا باختيارها لَزِمَهَا الْفِدْيَة وَإِن كَانَ بِغَيْر اخْتِيَارهَا فَإِن إِزَالَته فِي الْحَال فَلَا فديَة وَإِلَّا وَجَبت الْفِدْيَة ثمَّ هَذَا كُله حَيْثُ لَا عذر أما الْمَعْذُور كمن احْتَاجَ إِلَى ستر رَأس أَو لبس ثِيَابه لحر أَو برد أَو مداواة ستر وَجَبت الْفِدْيَة وَالله أعلم
(فرع) إِذا لبس الْمحرم وَطيب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يحرم عَلَيْهِ تعدّدت الْفِدْيَة سَوَاء كَانَ ذَلِك متوالياً أَو مُتَفَرقًا لاخْتِلَاف جنس ذَلِك كَمَا لَو زنى وسرق فَإِنَّهُ يقطع وَيحد وَإِن اتَّحد بِأَن لبس ثمَّ لبس وتكرر ذَلِك مِنْهُ أَو تطيب مرَارًا لزمَه لكل مرّة كَفَّارَة على الصَّحِيح سَوَاء كَانَ بِغَيْر عذر أَو بِعُذْر هَذَا إِذا فعله فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة أما لَو والى بَين اللّبْس مرَارًا أَو التَّطَيُّب بِحَيْثُ يعد فِي الْعرف متوالياً لزمَه فديَة وَاحِدَة وَالله أعلم قَالَ
(وترجيل الشّعْر وَحلق الشّعْر وتقليم الْأَظْفَار)
ترجيل الشّعْر تسريحه وَهُوَ مَكْرُوه وَكَذَا حكه بالظفر قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَلَو فعل فانتتفت شَعرَات لزمَه الْفِدْيَة فَلَو شكّ هَل كَانَ منتتفاً أَو انتتف بالمشط فالراجح أَنه لَا فديَة عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَيُمكن حمل كَلَام الشَّيْخ على مَا إِذا علم أَن التسريح ينتف الشّعْر لتلبد وَنَحْوه وَأما إِزَالَة الشّعْر بِالْحلقِ فَحَرَام لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحَله﴾ وَلَا فرق بَين شعر الرَّأْس وَشعر سَائِر الْبدن وَلَا فرق بَين الْحلق والنتف والقص والاحراق وَكَذَا الْإِزَالَة بالنورة وَنَحْو ذَلِك وَلَو عبر الشَّيْخ بالإزالة لشمل ذَلِك وَإِزَالَة الظفر كالشعر وَلَا فرق بَين القص وَالْقطع بِالسِّنِّ وَالْكَسْر وَغير ذَلِك وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الظفر الْوَاحِد وَغَيره كَمَا فِي الشّعْر وَالله أعلم قَالَ
стр. 215
(وَالطّيب)
من الْأَنْوَاع الْمُحرمَة على الْمحرم اسْتِعْمَال الطّيب فِي الثَّوْب وَالْبدن لِأَن ترفه والحاج أَشْعَث أغبر كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر وَلَا فرق بَين اسْتِعْمَاله فِي الظَّاهِر أَو الْبَاطِن كَمَا لَو استنشقه أَو احتقن بِهِ وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الأخشم وَغَيره كَمَا قَالَه فِي شرح الْمُهَذّب ثمَّ الطّيب هُوَ مَا ظهر فِيهِ غَرَض التَّطَيُّب كالورد والياسمين والبنفسج وَالريحَان الْفَارِسِي وَأما اسْتِعْمَاله فَهُوَ أَن يلصق الطّيب بِيَدِهِ أَو ثِيَابه على الْوَجْه الْمُعْتَاد فِي ذَلِك فَلَو احتوى على مبخرة أَو حمل فَأْرَة مسك مشقوقة أَو مَفْتُوحَة أَو جلس على فرَاش مُطيب أَو أَرض مطيبة أَو شده فِي طرف ثَوْبه أَو جعله فِي جيبه أَو لبست الْمَرْأَة الْحلِيّ المحشو بِهِ حرم وَلَو حمل مسكاً أَو غَيره فِي كيس أَو خرقه مشدودة لم يحرم شمه أم لَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَلَو وطئ بنعله طيبا حرم عَلَيْهِ كَذَا أطلقهُ الرَّافِعِيّ وَشرط الْمَاوَرْدِيّ أَن يعلق بِهِ شَيْء مِنْهُ وَنَقله عَن نَص الشَّافِعِي وَالله أعلم وكما يحرم عَلَيْهِ التَّطَيُّب يحرم عَلَيْهِ أكل مَا فِيهِ طيب ظَاهر الطّعْم واللون والرائحة لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل للطيب والترفه فَلَو ظهر طعمه وريحه حرم أَيْضا وَكَذَا الطّعْم مَعَ اللَّوْن وَكَذَا الرّيح وَحده وَالله أعلم قَالَ
(وَقتل الصَّيْد)
أجمع النَّاس على تَحْرِيم قتل الصَّيْد على الْمحرم وَالصَّيْد كل متوحش طبعا لَا يُمكن أَخذه إِلَّا بحيلة وَالْمرَاد بالمتوحش الْجِنْس فَلَا فرق فِيهِ بَين أَن يسْتَأْنس أم لَا وَلَا فرق فِي الصَّيْد بَين الْوَحْش وَالطير لصدق الإسم عَلَيْهِ وكما يحرم الْقَتْل يحرم الِاصْطِيَاد وَهَذَا بالاجماع وَقد نَص الْقُرْآن على مَنعه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وكما يحرم قَتله يحرم التَّعَرُّض لَهُ بالإيذاء لأجزائه بِالْجرْحِ وَغَيره وكما يشْتَرط أَن يكون وحشياً وَإِن استأنس فَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون مَأْكُولا أَو فِي أَصله مَأْكُولا فَلَا يحرم الأنسي وَإِن توحش لِأَنَّهُ لَيْسَ بصيد
وَأما غير الْمَأْكُول إِذا لم يكن فِي أَصله مَأْكُولا فَلَا يحرم التَّعَرُّض لَهُ وَلَا فدَاء على الْمحرم فِي قَتله بل فِي هَذَا النَّوْع يسْتَحبّ قَتله للْمحرمِ وَغَيره وَهِي المؤذيات بل فِي كَلَام الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْأَطْعِمَة مَا يَقْتَضِي الْوُجُوب كالحية وَالْعَقْرَب والفأر وَالْكَلب الْعَقُور والغراب والشوحة وَالذِّئْب والأسد وَالنُّمُور والدب والنسر وَالْعِقَاب والبرغوث والبق والزنبور وَلَو ظهر الْقمل على الْمحرم لم يكره تنحيته وَلَو قَتله لم يلْزمه شَيْء نعم يكره أَن يفلي رَأسه ولحيته فَإِن فعل وَأخرج قملة وقتلها تصدق وَلَو بلقمة نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَهَذَا التَّصَدُّق مُسْتَحبّ وَقيل
стр. 216
وَاجِب لما فِيهِ من إِزَالَة الْأَذَى عَن الرَّأْس والصبئان وَهُوَ بيض الْقمل كالقمل نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم قَالَ
(وَعقد النِّكَاح وَالْوَطْء والمباشرة بِشَهْوَة)
يحرم على الْمحرم أَن يتَزَوَّج أَو يُزَوّج سَوَاء كَانَ ذَلِك بِالْوكَالَةِ أَو بِالْولَايَةِ سَوَاء فِي ذَلِك الْولَايَة الْخَاصَّة أَو الْعَامَّة لقَوْله ﵊
(لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح) وَفِي رِوَايَة
(لَا يخْطب)
(لَا يتَزَوَّج الْمحرم وَلَا يُزَوّج) فَإِن فعل ذَلِك فَالْعقد بَاطِل لِأَن النَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَالْفساد وَهُوَ إِجْمَاع الصَّحَابَة وكما يحرم عقد النِّكَاح يحرم الْجِمَاع وَهُوَ تغييب الْحَشَفَة فِي فرج قبلا كَانَ أَو دبراً ذكرا كَانَ المولج فِيهِ أَو أُنْثَى آدَمِيًّا كَانَ أَو بَهِيمَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والرفث الْجِمَاع وَمعنى لَا رفث لَا ترفثوا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ النَّهْي وكما يحرم الْجِمَاع تحرم الْمُبَاشرَة فِيمَا دون الْفرج بِشَهْوَة وَكَذَا الاستمناء لِأَنَّهُ إِذا حرم دواعي الْوَطْء كالطيب وَالْعقد فَلِأَن تحرم هَذِه الْأَشْيَاء أولى وَلِأَنَّهَا تحرم على الْمُعْتَكف وَلَا شكّ أَن الأحرام أكد مِنْهُ وَالله أعلم قَالَ
(وَفِي جَمِيع ذَلِك الْفِدْيَة إِلَّا عقد النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد وَلَا يُفْسِدهُ إِلَّا الْوَطْء فِي الْفرج وَلَا يخرج مِنْهُ بِالْفَسَادِ)
هَذِه الْمُحرمَات الَّتِي ذكرت من الطّيب وَغَيره من فعلهَا أَو فعل نوعا مِنْهَا بِشَرْطِهِ وَجَبت عَلَيْهِ الْفِدْيَة إِلَّا عقد النِّكَاح لعدم حُصُول الْمَقْصُود مِنْهُ وَهُوَ الإنعقاد بِخِلَاف بَاقِي الْمُحرمَات لِأَنَّهُ استمتع بِمَا هُوَ محرم عَلَيْهِ وَيشْتَرط لوُجُوب الْفِدْيَة فِي الْمُبَاشرَة فِيمَا دون الْفرج الْإِنْزَال صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَإِذا جَامع فسد حجه إِن كَانَ قبل التَّحَلُّل الأول فَإِن كَانَ قبل الْوُقُوف فبالإجماع قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَالْمَاوَرْدِيّ وَإِن كَانَ بعده فقد خَالف فِيهِ أَبُو حنيفَة حجتنا عَلَيْهِ أَنه وَطْء صَادف إحراماً صَحِيحا لم يحصل فِيهِ التَّحَلُّل الأول فَأشبه مَا قبل الْوُقُوف وَإِن وَقع بعد التَّحَلُّل لم يفْسد على الْمَذْهَب وكما يفْسد الْحَج يفْسد الْعمرَة إِلَّا تحلل وَاحِد وَقَوله وَلَا يخرج مِنْهُ بِالْفَسَادِ يَعْنِي يجب عَلَيْهِ أَن يمْضِي فِي حجه ويتمه وَإِن كَانَ فَاسِدا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعمْرَة لله﴾
стр. 217
وكل مَا كَانَ يجب عَلَيْهِ أَن يفعل ويجتنبه فِي الصَّحِيح يجب فِي الْفَاسِد وَيجب مَعَ ذَلِك الْقَضَاء سَوَاء كَانَ الْحَج فرضا أَو تَطَوّعا وَيَقَع الْقَضَاء من الْمُفْسد إِن كَانَ فرضا وَقع عَنهُ فرضا وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَعَنْهُ وَيجب الْقَضَاء على الْفَوْر على الْأَصَح وَيجب عَلَيْهِ أَن يحرم فِي الْقَضَاء من الْموضع الَّذِي أحرم مِنْهُ حَتَّى لَو كَانَ أحرم من دويرة أَهله لزمَه وَإِن كَانَ أحرم من الْمِيقَات أحرم مِنْهُ وَإِن كَانَ أحرم بعد مُجَاوزَة الْمِيقَات فَإِن كَانَ جَاوز مسيئاً أحرم من الْمِيقَات الشَّرْعِيّ قطعا وَكَذَا إِن كَانَ غير مسييء على الصَّحِيح بِأَن جاوزه غير مُرِيد للنسك ثمَّ بدا لَهُ فَأحْرم وَأما الْمَرْأَة فَإِن جَامعهَا مُكْرَهَة أَو نَائِمَة لم يفْسد حَجهَا وَإِن كَانَت طَائِعَة عَالِمَة فسد حَجهَا وَالله أعلم قَالَ
(وَمن فَاتَهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة تحلل بِعَمَل عمْرَة وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَالْهَدْي وَمن ترك ركنا لم يحل من إِحْرَامه حَتَّى يَأْتِي بِهِ)
إِذا فَاتَ الشَّخْص وَهُوَ حَاج الْوُقُوف بِعَرَفَة بِأَن طلع الْفجْر يَوْم النَّحْر وَلم يحصل بِعَرَفَات فقد فَاتَهُ الْحَج لقَوْله ﵊
(من أدْرك عَرَفَة لَيْلًا فقد أدْرك الْحَج وَمن فَاتَهُ عَرَفَة لَيْلًا فقد فَاتَهُ الْحَج فليهل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل) وَلِأَنَّهُ ركن فقيد بِوَقْت ففات بفواته كَالْجُمُعَةِ ويتحلل على الْفَوْر بِعَمَل عمْرَة وَهُوَ الطّواف وَالسَّعْي وَالْحلق وَلَا بُد من الطّواف بِلَا خلاف وَكَذَا السَّعْي على الْمَذْهَب إِن لم يكن سعى عقيب طواف الْقدوم وَأما الْحلق فَيجب إِن جَعَلْنَاهُ نسكا وَهُوَ الرَّاجِح وَإِلَّا فَلَا وَلَا يجب الرَّمْي بمنى وَكَذَا الْمبيت بهَا وَإِن بفي وقتهما وكما يجب الْقَضَاء يجب الْهَدْي جَاءَ هَبَّار بن الْأسود يَوْم النَّحْر إِلَى عمر ﵁ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخْطَأنَا الْعدَد فَقَالَ لَهُ عمر اذْهَبْ إِلَى مَكَّة فَطُفْ بِالْبَيْتِ أَنْت وَمن مَعَك واسعوا بَين الصَّفَا والمروة وانحروا هَديا إِن كَانَ مَعكُمْ ثمَّ احْلقُوا أَو قصروا ثمَّ ارْجعُوا فَإِذا كَانَ عَام قَابل فحجوا وأهدوا فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب واشتهر ذَلِك فَلم يُنكره أحد فَكَانَ إِجْمَاعًا
وَاعْلَم أَنه لَا فرق فِي الْفَوات بَين أَن يكون بتقصير كالفوات بأشغال الدُّنْيَا أَو بِلَا تَقْصِير كالنوم وَالله أعلم وَقَوله
(وَمن ترك ركنا لم يحل من إِحْرَامه حَتَّى يَأْتِي بِهِ) يَعْنِي أَنه لَا يجْبر بِدَم بل
стр. 218
يتَوَقَّف الْحَج عَلَيْهِ لِأَن مَاهِيَّة الْحَج لَا تحصل إِلَّا بِجَمِيعِ أَرْكَانه والماهية تفوت بِفَوَات جزئها وكما لَو تَمَادى فِي الصَّلَاة قبل الاتيان بِتمَام أَرْكَانهَا فَإِنَّهُ لَا يخرج مِنْهَا إِلَّا بِجَمِيعِ ماهيتها وَالله أعلم
بَاب الدِّمَاء الْوَاجِبَة فِي الْإِحْرَام
فصل والدماء الْوَاجِبَة فِي الْإِحْرَام خَمْسَة أَشْيَاء أَحدهَا الدَّم الْوَاجِب بترك نسك وَهُوَ على التَّرْتِيب شَاة فَإِن لم يجد فَصِيَام عشرَة أَيَّام ثَلَاثَة فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله
اعْلَم أَن الدِّمَاء الْوَاجِبَة فِي الْمَنَاسِك سَوَاء تعلّقت بترك وَاجِب أَو ارْتِكَاب مَنْهِيّ أَي فعل حرَام فواجبها شَاة إِلَّا فِي الْجِمَاع فَالْوَاجِب بَدَنَة وَلَا يُجزئ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَّا مَا يُجزئ فِي الْأُضْحِية إِلَّا فِي جَزَاء الصَّيْد فَإِنَّهُ يجب فِيهِ الْمثل فِي الصَّغِير صَغِير وَفِي الْكَبِير كَبِير ثمَّ هَذِه الْكَفَّارَات قد يكون فِيهَا مَا يجب فِيهِ التَّرْتِيب وَقد يكون فِيهَا مَا يجب فِيهِ التَّخْيِير وَمعنى التَّرْتِيب أَنه يجب عَلَيْهِ الذّبْح وَلَا يجوز الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره إِلَّا إِذا عجز عَنهُ وَمعنى التخييز أَنه يجوز لَهُ الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ ثمَّ إِن الدَّم قد يجب على سَبِيل التَّقْدِير مَعَ ذَلِك يَعْنِي أَن الشَّرْع قدر الْبَدَل المعدول إِلَيْهِ ترتيباً كَانَ أَو تخييراً لَا يزِيد وَلَا ينقص وَقد يجب الدَّم على سَبِيل التَّعْدِيل وَمعنى التَّعْدِيل أَنه أَمر فِيهِ بالتقويم والعدول إِلَى غَيره بِحَسب الْقيمَة إِذا عرفت هَذَا فالدم الْمُتَعَلّق بترك المأمورات وَهُوَ معنى قَول الشَّيْخ بترك نسك كَتَرْكِ الْإِحْرَام من الْمِيقَات وَترك الرَّمْي وَالْمَبِيت بِمُزْدَلِفَة لَيْلَة الْعِيد وكذل ترك الْمبيت بمنى ليَالِي التَّشْرِيق وَطواف الْوَدَاع وَفِي هَذَا الدَّم أَرْبَعَة أوجه الصَّحِيح وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَكثير من غَيرهم أَنه دم تَرْتِيب وَتَقْدِير كَدم التَّمَتُّع وَالْقرَان وَالتَّرْتِيب كَمَا ذكره الشَّيْخ أَنه يجب عَلَيْهِ شَاة فَإِن لم يجدهَا أَلْبَتَّة أَو وجدهَا بِثمن غال عدل إِلَى الصَّوْم وَهُوَ عشرَة أَيَّام ثَلَاثَة فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله وَالْمرَاد الرُّجُوع إِلَى الوطن والأهل فَإِن توطن بِمَكَّة بعد فَرَاغه من الْحَج صَامَ بهَا وَإِن لم يتوطنها لم يجز صَوْمه بهَا وَلَا يجوز صَومهَا فِي الطَّرِيق على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَلَا يَصح صَوْم شَيْء من السَّبْعَة فِي أَيَّام التَّشْرِيق بِلَا خلاف وَإِن قُلْنَا إِنَّهَا قَابِلَة للصَّوْم لِأَنَّهُ يعد فِي الْحَج وَلَو لم يتَّفق أَنه صَامَ الثَّلَاثَة فَرجع لزمَه صَوْم الْعشْرَة وَيجب التَّفْرِيق أَيْضا على الصَّحِيح وَفِي قدره أَقْوَال الرَّاجِح أَنه يفرق بأَرْبعَة أَيَّام وَمُدَّة إِمْكَان السّير إِلَى أَرض الوطن فَلَو لم يصم وَكَانَ قد تمكن مِنْهُ حَتَّى مَاتَ فَقَوْلَانِ الْقَدِيم يَصُوم عَنهُ وليه كَصَوْم رَمَضَان والجديد يطعم عَنهُ من تركته لكل يَوْم مدا فَإِن كَانَ تمكن من الْعشْرَة أَيَّام فعشرة أَمْدَاد وَإِلَّا فبالقسط وَهَذَا معنى التَّقْدِير وَلَا يتَعَيَّن صرف الأمداد إِلَى فُقَرَاء الْحرم على الْأَظْهر وَقد صحّح فِي الْمُحَرر وَتَبعهُ فِي الْمِنْهَاج أَن هَذَا الدَّم دم تَرْتِيب وتعديل فَتجب الشَّاة فَإِن عجز اشْترى بِقِيمَة الشَّاة طَعَاما وَتصدق بِهِ فَإِن عجز صَامَ عَن كل مد يَوْمًا
стр. 219
وَهَذَا خلاف مَا فِي الشرحين وَالرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب فاعرفه وَالله أعلم قَالَ
(وَالثَّانِي الدَّم الْوَاجِب بِالْحلقِ والترفه وَهُوَ على التَّخْيِير شَاة أَو صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام أَو التَّصَدُّق بِثَلَاثَة آصَع على سِتَّة مَسَاكِين)
من حلق جَمِيع رَأسه أَو ثَلَاث شَعرَات أَو فعل فِي الْأَظْفَار مثل ذَلِك لزمَه الْفِدْيَة بِدَم وَهُوَ دم تَخْيِير وَتَقْدِير فَيتَخَيَّر بَين أَن يذبح شَاة وَبَين أَن يتَصَدَّق بِثَلَاثَة آصَع على سِتَّة مَسَاكِين لكل مِسْكين نصف صَاع من طَعَام وَبَين أَن يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام
هَذَا هُوَ الْمَذْهَب فِي وَجه لَا يتَقَدَّر مَا يعْطى كل مِسْكين وَالْأَصْل فِي التَّخْيِير قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ التَّقْدِير فحلق شعر رَأسه ففدية ثمَّ إِن كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة قد ورد بَيَانه فِي حَدِيث كَعْب بن عجْرَة بِأَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُ
(أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك قَالَ نعم قَالَ انسك شَاة أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام أَو أطْعم فرقا من الطَّعَام على سِتَّة مَسَاكِين) وَالْفرق بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء الْمُهْملَة ثَلَاثَة آصَع فقد ورد النَّص فِي الشّعْر والقلم فِي مَعْنَاهُ وَكَذَا بَقِيَّة الاستمتاعات كالطيب والادهان واللبس ومقدمات الْجِمَاع على الْأَصَح لإشتراك الْكل فِي الترفه وَالله أعلم قَالَ
وَالثَّالِث الدَّم الْوَاجِب بالإحصار فيتحلل وَيهْدِي شَاة)
الْحَاج أَو الْمُعْتَمِر إِذا حصر أَي منع من إتْمَام نُسكه كَانَ فِي الْحل أَو الْحرم وَلم يجد طَرِيقا غَيره وَسَوَاء كَانَ الْمَانِع مُسلما أَو كَافِرًا تحلل وَيشْتَرط نِيَّة التَّحَلُّل ويذبح هَديا حَيْثُ أحْصر وَأقله شَاة تُجزئ فِي الْأُضْحِية لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ تَقْدِير الْآيَة فَإِن أحصرتم فلكم التَّحَلُّل وَعَلَيْكُم مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﵊ تحلل بِالْحُدَيْبِية لما صده الْمُشْركُونَ وَكَانَ محرما بِالْعُمْرَةِ وكما يشْتَرط نِيَّة التَّحَلُّل فِي ذبح الْهدى فَكَذَا الْحلق إِذا جَعَلْنَاهُ نسكا وَهُوَ الْأَصَح وَلَا بُد من تَقْدِيم الذّبْح على الْحلق لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَقد صرح بذلك الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره وَالله أعلم قَالَ
(وَالرَّابِع الدَّم الْوَاجِب بقتل الصَّيْد وَهُوَ على التَّخْيِير إِن كَانَ الصَّيْد مِمَّا لَهُ مثل أخرج مثله
стр. 220
من النعم وَالْغنم وَإِن لم يكن لَهُ مثل قومه وَأخرج بِقِيمَتِه طَعَاما وَيتَصَدَّق بِهِ فَإِن لم يجد صَامَ عَن كل مد يَوْمًا)
الصَّيْد إِذا قَتله الْمحرم وَكَانَ مثلِيا تخير بَين ذبح مثله وَالتَّصَدُّق بِهِ على مَسَاكِين الْحرم وَبَين أَن يقوم الْمثل دَرَاهِم وَيَشْتَرِي بهَا طَعَاما لَهُم أَو يَصُوم عَن كل مد يَوْمًا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ وَهَذَا فِي الَّذِي يُسمى دم تَخْيِير وتعديل أما التَّخْيِير فَوَاضِح وَأما التَّعْدِيل فَقَوله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ هَذَا فِي الْمثْلِيّ
أما غير الْمثْلِيّ فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يتَصَدَّق بِقِيمَتِه طَعَاما أَو يَصُوم عَن كل مد يَوْمًا كالمثلي فتخييره بَين هَاتين الخصلتين وَالْعبْرَة فِي هَذِه الْقيمَة بِموضع الْإِتْلَاف لَا بِمَكَّة على الْأَصَح قِيَاسا على كل متْلف بِخِلَاف الصَّيْد الْمثْلِيّ فَإِن الْأَصَح فِيهِ إعتبار الْقيمَة بِمَكَّة يَوْم الْإِخْرَاج لِأَنَّهَا مَحل الذّبْح فَإِذا عدل عَنهُ إِلَى الْقيمَة إعتبرنا مَكَانَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَقَول الشَّيْخ من النعم وَالْغنم المُرَاد بِالنعَم الْبدن وَإِن كَانَ اسْم النعم يصدق عَلَيْهَا وعَلى الْبَقر وَالْغنم كَمَا مر فِي الزَّكَاة وَفِي الغزال غزال وَيدل لذَلِك الْآيَة الْكَرِيمَة وَفعل الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أَلا ترى قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَلَمَّا قيد بِالنعَم انْصَرف عَن الْجِنْس إِلَى الصُّورَة من النعم وَقد حكم جمع من الصَّحَابَة فِي غير مرّة فِي النعامة ببدنة وَفِي حمَار الْوَحْش وبقرة ببقرة وَقد قضى بذلك الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقيل إِنَّمَا قضوا بِهِ فِي الْحمار وقيست الْبَقَرَة عَلَيْهِ وَفِي الضبع كَبْش أخبر بِهِ جَابر ﵁ عَن قَضَاء رَسُول الله ﷺ وَكَذَا قضى بِهِ جمع من الصَّحَابَة والضبع الْأُنْثَى وَلَا يُقَال ضبعة وَالذكر ضبعان بِكَسْر الضَّاد وَإِسْكَان الْبَاء وقضت الصَّحَابَة فِي الغزال بعنز وَفِي الأرنب عنَاق حكم بذلك عمر ﵁ وَعَطَاء والعناق الانثى من الْمعز إِذا لم يكمل سنة وَالذكر جدي وَفِي
стр. 221
الصَّغِير صَغِير وَفِي الْكَبِير كَبِير وَفِي الذّكر ذكر وَفِي الأثنى أُنْثَى وَفِي الصَّحِيح صَحِيح وَفِي المكسور مكسور رِعَايَة فِي كل ذَلِك للمماثلة الَّتِي اقتضتها الْآيَة وَالله أعلم قَالَ
(وَالْخَامِس الدَّم الْوَاجِب بِالْوَطْءِ وَهُوَ على التَّرْتِيب بَدَنَة فَإِن لم يجد فبقرة فَإِن لم يجد فسبع من الْغنم فَإِن لم يجد قوم الْبَدنَة وَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا طَعَاما وَيتَصَدَّق بِهِ فَإِن لم يجد صَامَ عَن كل مد يَوْمًا)
هَذَا هُوَ الدَّم الْخَامِس وَهُوَ دم الْجِمَاع وَفِيه اخْتِلَاف كثير جدا للأصحاب وَالْمذهب أَنه دم تَرْتِيب وتعديل فَتجب الْبَدنَة أَولا فَإِن عجز عَنْهَا فبقرة فَإِن عجز عَنْهَا فسبع من الْغنم فَإِن عجز قوم الْبَدنَة بِدَرَاهِم وَالدَّرَاهِم بِطَعَام وَتصدق بِهِ فَإِن عجز صَامَ عَن كل مد يَوْمًا وَاحْتج لوُجُوب الْبَدنَة بِأَن عمر وَابْنه عبد الله ﵄ أفتيا بذلك وَكَذَا ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة ﵄ وَأما الرُّجُوع إِلَى الْبَقَرَة والسبع من الْغنم لِأَنَّهُمَا فِي الْأُضْحِية كالبدنة وَأما الرُّجُوع إِلَى الْإِطْعَام فَلِأَن الشَّرْع عدل فِي جَزَاء الصَّيْد من الْحَيَوَان إِلَى الْإِطْعَام فَرجع إِلَيْهِ هُنَا عِنْد الْعذر فَلَو تصدق بِالدَّرَاهِمِ لم يجزه وَبِأَيِّ مَوضِع تعْتَبر الْقيمَة فِيهِ أوجه قيل بمنى وَقيل بِمَكَّة فِي أغلب الْأَوْقَات وَالثَّالِث بِموضع مُبَاشرَة السَّبَب وَالَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه بِسعْر مَكَّة فِي حَال الْوُجُوب وَأما الَّذِي يدْفع إِلَى كل مِسْكين فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا فِي الرَّوْضَة أَنه غير مُقَدّر كَاللَّحْمِ
وَاعْلَم أَن وجوب الْبَدنَة مَحَله فِي الْجِمَاع الْمُفْسد لِلْحَجِّ أَو الْعمرَة أما إِذا جَامع بَين التحللين وَقُلْنَا لَا يفْسد الْحَج بذلك فَإِنَّهُ لَا يلْزمه بَدَنَة بل شَاة لِأَنَّهُ محرم لم يحصل بِهِ إِفْسَاد فَأشبه الاستمتاعات وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يُجزئهُ الْهَدْي وَلَا الْإِطْعَام إِلَّا فِي الْحرم وَيجزئهُ أَن يَصُوم حَيْثُ شَاءَ)
اعْلَم أَن الْهَدْي قد يكون عَن إحصار وَقد يكون عَن غَيره فَإِن كَانَ عَن إحصار فَلَا يشْتَرط بعث الدَّم الْوَاجِب بِسَبَبِهِ إِلَى الْحرم بل يذبحه حَيْثُ أحْصر لِأَنَّهُ ﵊ ذبح بِالْحُدَيْبِية وَهُوَ من الْحل وَمَا سَاقه من الْهَدْي حكمه حكم دم الاحصار وَأما الدَّم الْوَاجِب بِفعل حرَام أَو ترك وَاجِب فَيخْتَص ذبحه بِالْحرم فِي الْأَظْهر لقَوْله تَعَالَى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾
стр. 222
وَيجب صرف لَحْمه إِلَى مَسَاكِين الْحرم لِأَن الْمَقْصُود اللَّحْم إِذا لاحظ لَهُم فِي إِرَاقَة الدَّم وَلَا فرق فِي الْمَسَاكِين بَين المقيمين والطارئين نعم الصّرْف إِلَى المتوطنين أفضل فَلَو ذبح فِي الْحرم وسرق اللَّحْم سقط حكم الذّبْح وَبَقِي اللَّحْم فإمَّا أَن يذبح شَاة ثَانِيًا وَإِمَّا أَن يَشْتَرِي اللَّحْم وَلَو كَانَ يتَصَدَّق بالاطعام بَدَلا عَن الذّبْح وَجب تَخْصِيصه أَيْضا بمساكين الْحرم لِأَنَّهُ بدل اللَّحْم بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ حَيْثُ شَاءَ وَالْفرق أَنه لَا غَرَض للْمَسَاكِين فِي الصّيام فِي الْحرم بِخِلَاف الاطعام
وَأَقل مَا يَجْزِي أَن يدْفع الْوَاجِب إِلَى ثَلَاثَة من مَسَاكِين الْحرم إِن قدر فَإِن دفع إِلَى اثْنَيْنِ مَعَ الْقُدْرَة على ثَالِث ضمن وَفِي قدر الضَّمَان وَجْهَان قيل الثُّلُث وَقيل مَا يَقع عَلَيْهِ الإسم وَتلْزَمهُ النِّيَّة عِنْد التَّفْرِقَة فَإِن فرق الطَّعَام فَهَل يتَعَيَّن لكل مِسْكين مد الرَّاجِح أَنه لَا يتَعَيَّن بل يجوز الزِّيَادَة على مد وَالنَّقْص مِنْهُ وَالله أعلم
(تَنْبِيه) كثير من المتفقهة وغالب المتصوفة وَجل الْعَوام يَعْتَقِدُونَ أَن عَرَفَات يجوز الذّبْح بهَا فَيذبحُونَ دم الْحَيَوَانَات بهَا وَكَذَا دم الْمُتَمَتّع وَالْقُرْآن ثمَّ ينقلون اللَّحْم إِلَى الْحرم وَهَذَا الذّبْح غير جَائِز فَلَا يَجْزِي فَليعلم ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز قتل صيد الْحرم وَلَا قطع شَجَره للمحل وَالْمحرم مَعًا)
صيد حرم مَكَّة على الْمحرم والحلال وَكَذَا يحرم قطع نَبَاته كاصطياد صَيْده فَيحرم التَّعَرُّض لشجره بِالْقطعِ أَو الْقلع إِذا كَانَ رطبا غير مؤذ واحترزنا بالرطب عَن الْيَابِس فَإِنَّهُ لَا يحرم وَلَا جَزَاء فِيهِ كَمَا لَو قد صيدا مَيتا نِصْفَيْنِ واحترزنا بِقَيْد غير مؤذ عَن كل شَجَرَة ذَات شوك فَإِنَّهُ يجوز كالحيوان المؤذي فَلَا يتَعَلَّق بِقطع ضَمَان على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَالْحجّة على ذَلِك قَوْله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة
(إِن هَذَا الْبَلَد حرَام بِحرْمَة الله لَا يعضد شَجَره وَلَا ينفر صَيْده وَلَا تلْتَقط لقطته إِلَّا من عرفهَا وَلَا يخْتَلى خلاه قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول اله إِلَّا الأذخر فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِم وَبُيُوتهمْ قَالَ إِلَّا الْإِذْخر) قَوْله ﵊
(لَا يعضد) مَعْنَاهُ لَا يقطع وَقَوله
(وَلَا يخْتَلى خلاه) مَعْنَاهُ لَا ينتزع بِالْأَيْدِي وَغَيرهَا كالمناجل والقين الْحداد وَمعنى كَونه لبيوتهم أَنهم يسقفونها بذلك فَوق الْخشب وَذَلِكَ يحث على فضل سكناهَا وَقَول الشَّيْخ وَلَا قطع شَجَره يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه يجوز أَخذ الْوَرق وَهُوَ كَذَلِك لَكِن لَا يخبطها مَخَافَة أَن يُصِيب قشورها وَلَو
стр. 223
أَخذ غصنا وَلم يخلق فَعَلَيهِ الضَّمَان وَإِن أخلف فِي تِلْكَ السّنة لكَون الْغُصْن لطيفاً كالسواك وَغَيره فَلَا ضَمَان كالأوراق وكما يحرم قطع الشّجر كَذَا يحرم قطع نَبَات الْحرم الَّذِي لَا يستنبت لقَوْله ﷺ
(وَلَا يخْتَلى خلاه) والخلا هُوَ الرطب من الْحَشِيش وَإِذا حرم الْقطع حرم الْقلع من بَاب أولى نعم يجوز تَسْرِيح الْبَهَائِم فِيهِ لترعى فَلَو أَخذه لعلف الْبَهَائِم جَازَ على الْأَصَح كَمَا يجوز تسريحها فِيهِ وَقيل لَا يجوز لظَاهِر الحَدِيث فعلى الْأَصَح لَو قطعه شخص ليَبِيعهُ مِمَّن يعلفه لم يجز قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَيسْتَثْنى مَا إِذا أَخذه للدواء أَيْضا على الْأَصَح لِأَن هَذِه الْحَاجة أهم من الْحَاجة إِلَى الأذخر وَيجوز قطع الغذخر لحَاجَة السقوف وَغَيرهَا للْحَدِيث الصَّحِيح وَهل يلْحق بَقِيَّة الْحَشِيش بالأذخر لأجل السّقف وَنَحْوه قَالَ الْغَزالِيّ فِيهِ الْخلاف فِي قطعه للدواء وَمُقْتَضَاهُ رُجْحَان الْجَوَاز وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام الْحَاوِي الصَّغِير فَإِنَّهُ جوز الْقطع للْحَاجة مُطلقًا وَلم يَخُصُّهُ بالدواء وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة قل من تعرض لَهَا وَالله أعلم
(فرع) الْأَصَح أَنه يحرم نقل تُرَاب الْحرم وأحجاره إِلَى الْحل وَكَذَا حرم الْمَدِينَة قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي أَوَاخِر صفة الْحَج وَجزم بِهِ إِلَّا أَنه نقل عَن الْأَكْثَرين فِي مَحْظُورَات الْإِحْرَام أَنه يكره يَعْنِي تُرَاب الْمَدِينَة وأحجارها قَالَ الأسنائي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم على الْمَسْأَلَة وَقَالَ إِنَّه يحرم فالفتوى بِهِ وَالله أعلم قَالَ
стр. 224
كتاب الْبيُوع وَغَيرهَا من الْمُعَامَلَات
بَاب أَنْوَاع الْبيُوع
(الْبيُوع ثَلَاثَة اشياء بيع عين مُشَاهدَة فَجَائِز)
البيع فِي اللُّغَة إِعْطَاء شَيْء فِي مُقَابلَة شَيْء وَفِي الشَّرْع مُقَابلَة مَال بِمَال قابلين للتَّصَرُّف بِإِيجَاب وَقبُول على الْوَجْه الْمَأْذُون فِيهِ
وَالْأَصْل فِي مَشْرُوعِيَّة البيه الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ وَمن السّنة قَوْله ﷺ
(البيعان بِالْخِيَارِ) وَغير ذَلِك وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على ذَلِك
ثمَّ إِن البيع قد يكون على عين حَاضِرَة وَقد يكون على شَيْء فِي الذِّمَّة وَهُوَ السّلم وَقد يكون على عين غَائِبَة وَحكم السّلم وَالْعين الغائبة يَأْتِي وَأما الْعين الْحَاضِرَة فَإِن وَقع العقد عَلَيْهَا بِمَا يعْتَبر فِيهِ وفيهَا صَحَّ العقد وَإِلَّا فَلَا أما الْمُعْتَبر فِي الْعين فقد ذكر الشَّيْخ بعضه وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما العقد فأركانه ثَلَاثَة قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الْعَاقِد ويشمل البَائِع وَالْمُشْتَرِي والصيغة وَهِي الْإِيجَاب وَالْقَبُول والمعقود عَلَيْهِ وَله شُرُوط ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَيشْتَرط مَعَ هَذَا أَهْلِيَّة البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَلَا يَصح بيع الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه وَيشْتَرط أَيْضا فيهمَا الإختيار فَلَا يَصح بيع الْمُكْره إِلَّا إِذا أكره بِحَق بِأَن توجه عَلَيْهِ بيع مَاله لوفاء دين أَو شِرَاء مَال أسلم
стр. 225
فِيهِ فأكرهه الْحَاكِم على بَيْعه وشرائه لِأَنَّهُ إِكْرَاه بِحَق وَيصِح بيع السَّكْرَان وشراؤه على الْمَذْهَب وَأما الصِّيغَة فكقوله بِعْت وملكت وَنَحْوهَا وَيَقُول المُشْتَرِي قبلت أَو ابتعت وَلَا يشْتَرط توَافق اللَّفْظَيْنِ فَلَو قَالَ مَلكتك هَذَا الْعين بِكَذَا فَقَالَ اشْتريت أَو عَكسه صَحَّ وكما يشْتَرط الْإِيجَاب وَالْقَبُول يشْتَرط أَن لَا يطول الْفَصْل بَينهمَا إِمَّا بِأَن لَا تنفصل النِّيَّة أَو يفصل بِزَمَان قصير فَإِن طَال ضرّ لِأَن الطول يخرج الثَّانِي عَن أَن يكون جَوَابا والطويل مَا أشعر بإعراضه عَن الْقبُول كَذَا ذكره النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة فِي كتاب النِّكَاح وَلَو لم يُوجد إِيجَاب وَقبُول بِاللَّفْظِ وَلَكِن وَقعت معاطاة كعادات النَّاس بِأَن يُعْطي المُشْتَرِي البَائِع الثّمن فيعطيه فِي مُقَابلَة البضاعة الَّتِي يذكرهَا المُشْتَرِي فَهَل يَكْفِي ذَلِك الْمَذْهَب فِي أصل الرَّوْضَة أَنه لَا يَكْفِي لعدم وجود الصِّيغَة وَخرج ابْن سُرَيج قولا أَن ذَلِك يَكْفِي فِي المحقرات وَبِه أفتى الرَّوْيَانِيّ وَغَيره والمحقر كرطل خبز وَنَحْوه مِمَّا يعْتَاد فِيهِ المعاطاة وَقَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى ووسع عَلَيْهِ ينْعَقد البيع بِكُل مَا يعده النَّاس بيعا وَاسْتَحْسنهُ الإِمَام البارع ابْن الصّباغ وَقَالَ الشَّيْخ الإِمَام الزَّاهِد أَبُو زَكَرِيَّا محيي الدّين النَّوَوِيّ قلت هَذَا الَّذِي استحسنه ابْن الصّباغ هُوَ الرَّاجِح دَلِيلا وَهُوَ الْمُخْتَار لِأَنَّهُ لم يَصح فِي الشَّرْع اشْتِرَاط اللَّفْظ فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَى الْعرف كَغَيْرِهِ وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ الْمُتَوَلِي وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا وَالله أعلم
قلت وَمِمَّا عَمت بِهِ الْبلوى بعثان الصغار لشراء الْحَوَائِج وأطردت فِيهِ الْعَادة فِي سَائِر الْبِلَاد وَقد تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَى ذَلِك فَيَنْبَغِي إِلْحَاق ذَلِك بالمعاطاة إِذا كَانَ الحكم دائراً مَعَ الْعرف مَعَ أَن الْمُعْتَبر فِي ذَلِك التَّرَاضِي ليخرج بالصيغة عَن أكل مَال الْغَيْر بِالْبَاطِلِ فَإِنَّهَا دَالَّة على الرِّضَا فَإِذا وجد الْمَعْنى الَّذِي اشْترطت الصِّيغَة لأَجله فَيَنْبَغِي أَن يكون هُوَ الْمُعْتَمد بِشَرْط أَن يكون الْمَأْخُوذ يعدل الثّمن وَقد كَانَت المغيبات يبْعَثْنَ الْجَوَارِي والغلمان فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ لشراء الْحَوَائِج فَلَا يُنكره وَكَذَا فِي زمن غَيره من السّلف وَالْخلف وَالله أعلم قَالَ
(وَبيع شَيْء مَوْصُوف فِي الذِّمَّة فَجَائِز وَبيع عين غَائِبَة لم تشاهد فَلَا يجوز)
البيع إِن كَانَ سلما فَسَيَأْتِي وَإِن كَانَ على عين غَائِبَة لم يرهَا المُشْتَرِي وَلَا البَائِع أَو لم يرهَا أحد الْمُتَعَاقدين وَفِي معنى الغائبة الْحَاضِرَة الَّتِي لم تَرَ وَفِي صِحَة بيع ذَلِك قَولَانِ
أَحدهمَا وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيم والجديد أَنه لَا يَصح وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَطَائِفَة من أَئِمَّتنَا وأفتوا بِهِ مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَهَذَا القَوْل قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالله أعلم قلت وَنَقله الْمَاوَرْدِيّ عَن جُمْهُور أَصْحَابنَا قَالَ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي سِتَّة مَوَاضِع وَاحْتَجُّوا لَهُ بِحَدِيث إِلَّا أَنه ضَعِيف ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَالله أعلم والجديد الْأَظْهر وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي سِتَّة مَوَاضِع أَنه لَا يَصح لِأَنَّهُ غرر وَقد نهى
стр. 226
رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْغرَر وَقَوله لم تشاهد يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه إِذا شوهدت وَلكنهَا كَانَت وَقت العقد غَائِبَة أَنه يجوز وَهَذَا فِيهِ تَفْصِيل وَهُوَ أَنه إِن كَانَت الْعين مِمَّا لَا تَتَغَيَّر غَالِبا كالأواني وَنَحْوهمَا أَو كَانَت لَا تَتَغَيَّر فِي الْمدَّة المتخللة بَين الرُّؤْيَة وَالشِّرَاء صَحَّ العقد لحُصُول الْعلم الْمَقْصُود ثمَّ إِن وجدهَا كَمَا رَآهَا فَلَا خِيَار لَهُ إِذْ لَا ضَرَر وَإِن وجدهَا متغيرة فَالْمَذْهَب أَن العقد صَحِيح وَله الْخِيَار وَإِن كَانَت الْعين مِمَّا تَتَغَيَّر فِي تِلْكَ الْمدَّة غَالِبا بِأَن رأى مَا يسْرع فَسَاده من الْأَطْعِمَة فَالْبيع بَاطِل وَإِن مَضَت مُدَّة يحْتَمل أَن تَتَغَيَّر فِيهَا وَألا تَتَغَيَّر أَو كَانَ حَيَوَانا فَالْأَصَحّ الصِّحَّة لِأَن الأَصْل عدم التَّغَيُّر فَإِن وجدهَا متغيرة فَلهُ الْخِيَار فَلَو اخْتلفَا فَقَالَ المُشْتَرِي تَغَيَّرت وَقَالَ البَائِع هِيَ بِحَالِهَا فَالْأَصَحّ الْمَنْصُوص أَن القَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ الْعلم بِهَذِهِ الصّفة فَلم يقبل كَمَا لَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه اطلع على الْعَيْب وَالله أعلم قَالَ
(وَيصِح بيع كل طَاهِر منتفع بِهِ مَمْلُوك وَلَا يَصح بيع عين نَجِسَة وَمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ)
اعْلَم أَن الْمَبِيع لَا بُد أَن يكون صَالحا لِأَن يعْقد عَلَيْهِ ولصلاحيته شُرُوط خَمْسَة
أَحدهَا كَونه طَاهِرا
الثَّانِي أَن يكون مُنْتَفعا بِهِ
الثَّالِث أَن يكون الْمَبِيع مَمْلُوكا لمن يَقع العقد لَهُ وَهَذِه الثَّلَاثَة ذكرهَا الشَّيْخ
الشَّرْط الرَّابِع الْقُدْرَة على تَسْلِيم الْمَبِيع
الْخَامِس كَون الْمَبِيع مَعْلُوما فَإِذا وجدت هَذِه الشُّرُوط صَحَّ البيع وَاحْترز بالطاهر عَن نجس الْعين وَقد ذكره فَلَا يَصح بيع الْخمر وَالْميتَة وَالْخِنْزِير وَالْكَلب والأصنام لقَوْل ﷺ
(إِن الله تَعَالَى حرم بيع الْخمر وَالْميتَة وَالْخِنْزِير والاصنام) وَورد أَيْضا أَنه نهى عَن ثمن الْكَلْب وَجه الدَّلِيل أَن فِيهَا مَنَافِع الْخمْرَة تطفى بهَا النَّار وَالْميتَة تطعم للجوارح ويوقد شحمها وودكها يطلى بِهِ السفن وَالْكَلب يصيد ويحرس فَدلَّ على أَن الْعلَّة النَّجَاسَة فَأَما الْمُتَنَجس فَإِن أمكن تَطْهِيره كَالثَّوْبِ وَنَحْوه صَحَّ لِأَن جوهره طَاهِر وَإِن لم يُمكن تَطْهِيره كالدبس وَاللَّبن وَنَحْوهمَا فَلَا يَصح لانمحاقه بِالْغسْلِ وَوُجُود النَّجَاسَة وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الْإِجْمَاع على
стр. 227
الِامْتِنَاع وَأما الادهان المتنجسة كالزيت وَنَحْوه فَهَل يُمكن تطهيرها فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا لَا لِأَنَّهُ ﵊
(سُئِلَ عَن الْفَأْرَة تَمُوت فِي السّمن فَقَالَ إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وَإِن كَانَ ذائباً فأريقوه) فَلَو أمكن تَطْهِيره لم يجز إراقته لِأَن إِضَاعَة مَال مَعَ أَنه ﵊ نهى عَن إِضَاعَة المَال
وَهل يجوز هبة الزَّيْت الْمُتَنَجس وَنَحْوه وَالصَّدَََقَة بِهِ عَن القَاضِي أبي الطّيب منعهما قَالَ الرَّافِعِيّ وَيُشبه أَن يكون فِيهَا مَا فِي هبة الْكَلْب من الْخلاف قَالَ النَّوَوِيّ وَيَنْبَغِي أَن يقطع بِصِحَّة الصَّدَقَة بِهِ للاستصباح وَنَحْوه وَقد جزم الْمُتَوَلِي بِأَن يجوز نقل الْيَد فِيهِ بِالْوَصِيَّةِ وَغَيرهَا وَالله أعلم
وَأما الشَّرْط الثَّانِي وَهُوَ أَن يكون مُنْتَفعا بِهِ فاحترز بِهِ عَمَّا لَا مَنْفَعَة فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَصح بَيْعه وَلَا شِرَاؤُهُ وَأخذ المَال فِي مُقَابلَته من بَاب أكل المَال بِالْبَاطِلِ وَقد نهى الله تَعَالَى عَنهُ فَمن ذَلِك بيع العقارب والحيات والنمل وَنَحْو ذَلِك وَلَا نظر إِلَى مَنَافِعهَا المعدودة من خواصها وَفِي معنى هَذِه السبَاع الَّتِي لَا تصلح للاصطياد والقتال عَلَيْهَا كالأسد وَالذِّئْب والنمر وَلَا نظر الى اعتناء الْمُلُوك السفلة المشغولين باللهو بهَا وَكَذَا لَا يجوز بيع الْغُرَاب وَنَحْوه وَلَا نظر إِلَى الريش لأجل النبل لِأَنَّهُ ينجس بالانفصال وَكَذَا لَا يجوز بيع السمُوم وَلَا نظر إِلَى دسه فِي طَعَام للْكفَّار وَأما مَا يَفْعَله الْمُلُوك فِي دس طَعَام الْمُسلمين فَهُوَ من الْأَفْعَال الخبيثة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ الْآيَة
وَأما آلَات اللَّهْو المشغلة عَن ذكر الله فَإِن كَانَت بعد كسرهَا لَا تعد مَالا كالمتخذة من الْخشب وَنَحْوه فبيعها بَاطِل لِأَن مَنْفَعَتهَا مَعْدُومَة شرعا وَلَا يفعل ذَلِك إِلَّا أهل الْمعاصِي وَذَلِكَ كالطنبور والمزمار والرباب وَغَيرهَا وَإِن كَانَت بعد كسرهَا ورضها تعد مَالا كالمتخذة من الْفضة وَالذَّهَب وَكَذَا الصُّور وَبيع الْأَصْنَام فَالْمَذْهَب الْقطع بِالْمَنْعِ الْمُطلق وَبِه أجَاب عَامَّة الْأَصْحَاب لِأَنَّهَا على هيئتها آلَة الْفسق وَلَا يقْصد مِنْهَا غَيره وَأما الْجَارِيَة الْمُغنيَة الَّتِي تَسَاوِي ألفا بِلَا غناء إِذا إشتراها بِأَلفَيْنِ هَل يَصح قَالَ الأودني يَصح وَقَالَ المحمودي بِالْبُطْلَانِ وَقَالَ أَبُو زيد إِن قصد الْغناء بَطل وَإِلَّا فَلَا
قلت فِي حَدِيث أنس ﵁
(من جلس إِلَى قينة يستمع مِنْهَا صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك)
стр. 228
ولآنك بِالْمدِّ وَضم النُّون هُوَ الرصاص الْمُذَاب رَوَاهُ ابْن قُتَيْبَة وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(يمسح أنَاس من أمتِي فِي آخر الزَّمَان قردة وَخَنَازِير قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ يشْهدُونَ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله قَالَ بلَى وَلَكنهُمْ اتَّخذُوا المعازف والقينات والدفوف فَبَاتُوا على لهوهم ولعبهم فَأَصْبحُوا وَقد مسخوا قردة وَخَنَازِير) وَأخرج البُخَارِيّ نَحوه وَالله أعلم وَيجْرِي الْخلاف الْمَذْكُور فِي الْجَارِيَة الْمُغنيَة وَفِي كَبْش النطاح والديك للهراش وَالله أعلم
وَأما الشَّرْط الثَّالِث وَهُوَ أَن يكون الْمَبِيع مَمْلُوكا لمن يَقع عَلَيْهِ العقد لَهُ فَإِن بَاشر العقد لنَفسِهِ فَلْيَكُن لَهُ وَإِن بَاشرهُ لغيره إِمَّا بِولَايَة أَو بوكالة فَلْيَكُن لذَلِك الْغَيْر فَلَو بَاعَ مَال غَيره بِلَا ولَايَة وَلَا وكَالَة فالجديد الْأَظْهر بطلَان البيه لقَوْله ﵊
(لَا طَلَاق إِلَّا فِيمَا يملك وَلَا عتاق إِلَّا فِيمَا يملك وَلَا بيع إِلَّا فِيمَا يملك وَلَا وَفَاء بِنذر إِلَّا فِيمَا يملك) وَالْقَدِيم أَنه مَوْقُوف إِن جَازَ مَالِكه نفذ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْجَدِيد أَيْضا وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث عُرْوَة فَإِنَّهُ قَالَ
(دفع إِلَيّ رَسُول الله ﷺ دِينَارا لأشتري لَهُ شَاة فاشتريت لَهُ شَاتين فَبِعْت إِحْدَاهمَا بِدِينَار وَجئْت بِالشَّاة وَالدِّينَار إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكرت لَهُ مَا كَانَ من أَمْرِي فَقَالَ بَارك الله لَك فِي صَفْقَة يَمِينك) قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ قوي وَذكره الْمحَامِلِي والشاشي والعمراني وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ وَالله أعلم
قلت وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْأُم فِي بَاب الْغَضَب وَالله أعلم
وَشَرطه إجَازَة من يملك التَّصَرُّف وَقت العقد حَتَّى لَو بَاعَ مَال الطِّفْل وَبلغ وَأَجَازَ لم ينفذ وَكَذَا لَو بَاعَ مَال الْغَيْر ثمَّ ملكه وَأَجَازَ لم ينفذ صرح بِهِ الرَّافِعِيّ قَالَ وَالْقَوْلَان جاريان فِيمَا لَو زوج أمة الْغَيْر أَو ابْنَته أَو طلق منكوحته أَو أعتق عَبده أَو أجر دَاره أَو وَقفهَا بِغَيْر إِذْنه وَضبط الإِمَام مَحل الْقَوْلَيْنِ بِأَن يكون العقد يقبل الاستبانة وَالله أعلم
وَأما الشَّرْط الرَّابِع وَهُوَ الْقُدْرَة على التَّسْلِيم فَلَا بُد مِنْهُ سَوَاء الْقُدْرَة الحسية أَو الشَّرْعِيَّة فَلَو لم يقدر على التَّسْلِيم حسيا كَبيع الضال والآبق فَلَا يَصح لِأَن الْمَقْصُود الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَهُوَ مَفْقُود
стр. 229
وَلَو بَاعَ الْعين الْمَغْصُوبَة مِمَّا لَا يقدر على انتزاعها من الْغَاصِب فَلَا يَصح وَإِن قدر فَالْأَصَحّ الصِّحَّة لحُصُول الْمَقْصُود بِالْمَبِيعِ ثمَّ إِن علم المُشْتَرِي الْحَال فَلَا خِيَار لَهُ وَلَو عجز المُشْتَرِي عنالانتزاع من الْغَاصِب لضعف عرض لَهُ أَو قُوَّة عرضت للْغَاصِب فَلهُ الْخِيَار على الصَّحِيح وَإِن كَانَ جَاهِلا حَال العقد فَلهُ الْخِيَار على الصَّحِيح وَلَو بَاعَ الْآبِق مِمَّن سهل عَلَيْهِ رده فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْمَغْصُوب وَيجوز تَزْوِيج الآبقة والمغصوبة واعتاقهما وَلَا يجوز بيع الطير فِي الْهَوَاء والسمك فِي المَاء للغرر وَلَو بَاعَ الْحمام طائراً اعْتِمَادًا على عوده لَيْلًا فَوَجْهَانِ كَمَا فِي النَّحْل أصَحهمَا عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ الصِّحَّة كَالْعَبْدِ الْمَبْعُوث فِي شغل وأصحهما عِنْد الْجُمْهُور الْمَنْع إِذْ لَا وثوق بعودها لعدم عقلهَا وَصحح النَّوَوِيّ فِي النَّحْل الصِّحَّة وَلَو بَاعَ نصف سيف وَنَحْوه معينا لم يَصح لِأَن تَسْلِيمه لَا يَصح إِلَّا بكسره وَفِيه نقص وتضييع لِلْمَالِ وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ بِخِلَاف مَا لَو بَاعه جُزْءا مشَاعا فَإِنَّهُ يَصح وَيصير شَرِيكا وَكَذَا حكم الثَّوْب النفيس الَّذِي ينقص بِالْقطعِ وَلَو كَانَ الثَّوْب غليظاً لَا ينقص بِالْقطعِ صَحَّ البيع على الصَّحِيح إِذْ لَا مَحْذُور وَالله أعلم هَذَا كُله فِي الْمَانِع الْحسي أما الْمَانِع الشَّرْعِيّ فكبيع الشَّيْء الْمَرْهُون إِذن الْمُرْتَهن إِذا كَانَ الْمَرْهُون مَقْبُوضا لِأَنَّهُ مَمْنُوع من تَسْلِيمه شرعا إِذْ لَو جَازَ ذَلِك لبطلت فَائِدَة الرَّهْن وَالله أعلم
وَأما الشَّرْط الْخَامِس وَهُوَ كَون الْمَبِيع مَعْلُوما فَلَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ ﵊
(نهي عَن بيع الْغرَر) نعم لَا يشْتَرط الْعلم بِهِ من كل وَجه بل يشْتَرط الْعلم بِعَيْنِه وَقدره وَصفته أما الْمعِين فَمَعْنَاه أَن يَقُول بِعْتُك هَذَا وَنَحْوه بِخِلَاف مَا لَو قَالَ بِعْتُك عبدا من عَبِيدِي أَو شَاة من هَذِه الْغنم فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ غير معِين وَهُوَ غرر وَكَذَا لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا القطيع إِلَّا وَاحِدَة لَا يَصح وَسَوَاء تَسَاوَت الْقيمَة فِي العبيد وَالْغنم أم لَا وَأما الْقدر فَلَا بُد من مَعْرفَته حَتَّى لَو قَالَ بِعْتُك ملْء هَذِه الغرارة حِنْطَة أَو بزنة هَذِه الصَّخْرَة زبيباً لم يَصح البيع وَكَذَا لَو قَالَ بِعْتُك بِمثل مَا بَاعَ فلَان سلْعَته أَو قَالَ بِعْتُك بالسعر الَّذِي يُسَاوِي فِي السُّوق فَلَا يَصح لوُجُود الْغرَر بِخِلَاف مَا لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا الْقَمْح كل كيل بِكَذَا فَإِنَّهُ يَصح وَإِن كَانَت جملَة الْقَمْح مَجْهُولَة فِي الْحَال لِأَن الْجَهَالَة انْتَفَت بِذكر الْكَيْل وَلَو قَالَ بِعْتُك من هَذِه الصُّبْرَة كل صَاع بدرهم لم يَصح على الصَّحِيح لِأَن الْمَبِيع مَجْهُول وَذكر مُقَابِله كل كيل بدرهم لَا يُخرجهُ عَن الْجَهَالَة
وَاعْلَم أَن قَوْلنَا ملْء هَذِه الغرارة حِنْطَة أَو بزنة هَذِه الصَّخْرَة زبيباً مَحَله إِذا كَانَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الذِّمَّة أما إِذا كَانَ حَاضرا بِأَن قَالَ بِعْتُك ملْء هَذِه الغرارة من هَذِه الْحِنْطَة أَو بزنة هَذِه الصَّخْرَة من هَذَا الزَّبِيب فَإِنَّهُ يَصح على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا غرر وَلَا مَكَان الشُّرُوع فِي الْوَفَاء عِنْد العقد وَقد صرح الرَّافِعِيّ فِي بَاب السّلم بِهَذَا الحكم وَالتَّعْلِيل وَالله أعلم
стр. 230
وَأما الصّفة فَفِيهَا مسَائِل مِنْهَا أَن استقصاء الْأَوْصَاف على الْحَد الْمُعْتَبر فِي السّلم يقوم مقَام الرُّؤْيَة وَكَذَا سَماع وَصفه بطرِيق التَّوَاتُر فِيهِ خلاف الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ أَنه لَا يَصح إِذْ الْوَصْف فِي مثل هَذَا لَا يقوم مقَام الرُّؤْيَة وَمِنْهَا رُؤْيَة بعض الْمَبِيع دون بعض فَإِن كَانَ مِمَّا يسْتَدلّ بِرُؤْيَة بعضه على الْبَاقِي صَحَّ البيع مثل رُؤْيَة ظَاهر صبرَة الْقَمْح وَنَحْوهَا وَلَا خِيَار لَهُ إِذا رأى بَاطِنهَا إِلَّا إِذا خَالف ظَاهرهَا وَفِي معنى الْحِنْطَة وَالشعِير صبرَة الْجَوْز واللوز وَنَحْوهمَا والدقيق فَلَو كَانَ مِنْهَا شَيْء فِي وعَاء فَرَأى أَعْلَاهُ وَلم ير أَسْفَله أَو رأى السّمن وَالزَّبِيب وَبَقِيَّة الْمَائِعَات فِي ظروفها كفى وَلَا يَكْفِي رُؤْيَة ظَاهر حَبَّة الرُّمَّان والبطيخ والسفرجل بل لَا بُد من رُؤْيَة كل وَاحِدَة مِنْهَا لاختلافها وَأما التَّمْر فَإِن لم يلزق حباته فحبته كحبة الْجَوْز واللوز وَإِن التزقت القوصرة كفى رُؤْيَة أَعْلَاهَا على الصَّحِيح وَأما الْقطن فِي الْعدْل فَهَل يَكْفِي رُؤْيَة أَعْلَاهُ أم لَا بُد من رُؤْيَة جَمِيعه فِيهِ خلاف حَكَاهُ الصَّيْمَرِيّ وَقَالَ الْأَشْبَه عِنْدِي أَنه كقوصرة التَّمْر وَمِنْهَا مَسْأَلَة الْعين كَمَا إِذا كَانَ عِنْده قَمح فَأخذ شَيْئا مِنْهُ وَأرَاهُ لغيره كَمَا يَفْعَله النَّاس فَإِن اعْتمد فِي الشِّرَاء على رؤيتها نظر إِن قَالَ بِعْتُك من هَذَا النَّوْع كَذَا فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يُمكن انْعِقَاده بيعا لِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن بيعا وَلَا سلما لعدم الْوَصْف وَإِن قَالَ بِعْتُك الْحِنْطَة الَّتِي فِي هَذَا الْبَيْت وَهَذِه الْعين مِنْهَا نظر إِن لم تدخل الْعين فِي البيع لم يَصح على اأصح لِأَنَّهُ لم ير الْمَبِيع وَلَا شَيْئا مِنْهُ وَإِن أدخلها فِيهِ صَحَّ ثمَّ شَرطه أَن يرد الْعين إِلَى الصُّبْرَة قبل البيع فَإِن أَدخل الْعين من غير رد فَإِنَّهُ يكون كَمَا بَاعَ عينين رأى أَحدهمَا لِأَن المرئي متميز عَن غير المرئي كَذَا قَالَه الْبَغَوِيّ وَمِنْهَا الرُّؤْيَة فِي كل شَيْء بِحَسب اللَّائِق بِهِ فَفِي شِرَاء الدّور لَا بُد من رُؤْيَة الْبيُوت والسقف والسطوح والجدران دَاخِلا وخارجاً والمستحم والبالوعة وَفِي الْبُسْتَان يشْتَرط رُؤْيَة مسايل المَاء وَفِي اشْتِرَاط رُؤْيَة طَرِيق الدَّار ومجرى المَاء الَّذِي تَدور بِهِ الرَّحَى وَجْهَان الْأَصَح فِي شرح الْمُهَذّب الِاشْتِرَاط لاخْتِلَاف الْغَرَض بِهِ وَيشْتَرط فِي رُؤْيَة العَبْد رُؤْيَة الْوَجْه والأطراف وَلَا يجوز رُؤْيَة الْعَوْرَة وَفِي بَاقِي الْبدن وَجْهَان أصَحهمَا الِاشْتِرَاط وَفِي الْجَارِيَة أوجه أَصَحهَا فِي زِيَادَة الرَّوْضَة أَنَّهَا كَالْعَبْدِ وَكَذَا يشْتَرط رُؤْيَة الشّعْر على الْأَصَح وَيشْتَرط فِي الدَّوَابّ رُؤْيَة مقدم الدَّابَّة ومؤخرها وقوائمها وَيشْتَرط رفع السرج والأكاف والجل وَلَا يشْتَرط جري الْفرس على الصَّحِيح وَيشْتَرط فِي الثَّوْب المطوي نشره ثمَّ إِذا نشر الثَّوْب وَكَانَ صفيقاً كالديباج المنقوش والبسط الزرابي وَنَحْوه فَلَا بُد من رُؤْيَة وجهيه مَعًا وَإِن كَانَ لَا يخْتَلف وجهاه كالكرباس كفى رُؤْيَة أحد وجهيه فِي الْأَصَح وَلَا بُد فِي شِرَاء الْمُصحف والكتب من تقليب الأوراق ورؤية جَمِيعهَا وَفِي الْوَرق الْأَبْيَض لَا بُد من رُؤْيَة جَمِيع الطاقات وَأما الفقاع فَقَالَ الْعَبَّادِيّ يفت رَأسه وَينظر فِيهِ بِقدر الْإِمْكَان ليَصِح بَيْعه وَأطلق الْغَزالِيّ فِي الْأَحْيَاء الْمُسَامحَة بِهِ قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح قَول الْغَزالِيّ وَالله أعلم قَالَ
стр. 231
بَاب الرِّبَا فصل وَيحرم الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة والمطعومات وَلَا يجوز بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْفضة بِالْفِضَّةِ إِلَّا متماثلاً نَقْدا
الرِّبَا بِالْقصرِ وَهُوَ فِي اللُّغَة الزِّيَادَة وَفِي الشَّرْع هُوَ الزِّيَادَة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَسَائِر المطعومات قَالَه ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة وَفِيه نظر وَقَالَ فِي الْمطلب هُوَ أَخذ مَال مَخْصُوص بِغَيْر مَال وَفِيه نظر أَيْضا
وَهُوَ حرَام بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وَقَالَ ﵊
(لعن الله آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه) ثمَّ الرِّبَا لَا يحرم إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة والمطعومات قَالَ رَسُول الله ﷺ
(لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق وَلَا الْبر بِالْبرِّ وَلَا الشّعير بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْر بِالتَّمْرِ وَلَا الْملح بالملح إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء عينا بِعَين يدا بيد وَلَكِن بيعوا الذَّهَب بالورق وَالْوَرق بِالذَّهَب وَالْبر بِالشَّعِيرِ وَالشعِير بِالْبرِّ وَالتَّمْر بالملح وَالْملح بِالتَّمْرِ كَيفَ شِئْتُم فَمن زَاد أَو اسْتَزَادَ فقد أربى) فَدلَّ الحَدِيث على مَا ذكره الشَّيْخ فِي بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ من اشْتِرَاط التَّمَاثُل والحلول وَالْقَبْض فِي الْمجْلس وكما تشرط هَذِه الثَّلَاثَة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة كَذَلِك تشْتَرط فِي المتماثلات من الْأَطْعِمَة فَيشْتَرط فِي بيع الْقَمْح بالقمح وَنَحْوه التَّمَاثُل كمد بِمد والحلول لَا يجوز التَّأْجِيل والتقابض فِي الْمجْلس وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا بيع مَا ابتاعه حَتَّى يقبضهُ)
تَقْدِير الْكَلَام وَلَا يجوز بيع الَّذِي ابتاعه حَتَّى يقبضهُ سَوَاء كَانَ عقارا أَو غَيره أذن فِيهِ البَائِع أم لَا وَسَوَاء أعطي المُشْتَرِي الثّمن أم لَا وَحجَّة ذَلِك مَا روى حَكِيم بِمَ حزَام بالزاي المنقوطة ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي أبتاع هَذِه الْبيُوع فَمَا يحل لي وَمَا يحرم عَليّ قَالَ يَا ابْن أخي
(لَا تبيعنن شَيْئا حَتَّى تقبضه وَفِيه أَحَادِيث آخر وَذكر
стр. 232
الْعلمَاء لَهُ علتين إِحْدَاهمَا ضعف الْملك بِدَلِيل أَن البيع يَنْفَسِخ بِتَلف الْمَبِيع الْعلَّة الثَّانِيَة توالي الضمانين على شَيْء وَاحِد فِي زمن وَاحِد فَإِنَّهُ لَو صَحَّ بَيْعه لَكَانَ مَضْمُونا للْمُشْتَرِي ومضموناً عَلَيْهِ وَيلْزمهُ أَيْضا أَن يكون الْمَبِيع مَمْلُوكا للشخصين فِي زمن وَاحِد كَذَا قَالُوهُ وَلَا فرق بَين بَيْعه لغير البَائِع أَو للْبَائِع لعُمُوم الْخَبَر وكما لَا يجوز بيع الْمَبِيع قبل قَبضه لَا يجوز غَيره من الْمُعَاوَضَات كجعله صَدَاقا أَو أُجْرَة أَو رَأس مَال سلم أَو صلح وَكَذَا لَا يجوز هِبته وإجارته وَرَهنه نعم يَصح إِعْتَاقه على الْأَصَح لقُوَّة الْعتْق وَكَذَا الِاسْتِيلَاد وَأما وَقفه قَالَ الْمُتَوَلِي إِن اشترطنا فِيهِ الْقبُول فَهُوَ كَالْبيع وَإِلَّا فَهُوَ كَالْعِتْقِ وَصحح النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه كالإعتاق وتزويج الْأمة كَالْعِتْقِ وَقَالَ ابْن خيران يجوز قَضَاء الدّين بِهِ وَاعْلَم أَن الثّمن كَالْمَبِيعِ فَلَا يَبِيعهُ البَائِع قبل قَبضه وَبَقِيَّة مَا ذَكرْنَاهُ يعلم مِمَّا تقدم وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ)
يحرم بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ من جنسه لِأَنَّهُ ﵊
(نهى عَن أَن تبَاع الشَّاة بِاللَّحْمِ) وَقيل يجوز وَإِن كَانَ من غير جنسه فَإِن كَانَ من مَأْكُول فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه لَا يجوز أَيْضا لعُمُوم الْخَبَر وَقيل يجوز قِيَاسا على بيع اللَّحْم بِاللَّحْمِ وَإِن كَانَ غير مَأْكُول فَفِيهِ خلاف أَيْضا وَالرَّاجِح التَّحْرِيم لِأَنَّهُ ﵊ نهي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لكنه مُرْسل والمرسل مَقْبُول عِنْد الشَّافِعِي إِذا اعتضد بِأحد سَبْعَة أَشْيَاء إِمَّا بِالْقِيَاسِ أَو قَول صَحَابِيّ أَو فعله أَو قَول الْأَكْثَرين أَو ينتشر من غير دَافع أَو يعْمل بِهِ أهل الْعَصْر أَولا تُوجد دلَالَة سواهُ أَو بمرسل آخر أَو مُسْند وَقد أسْندهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار وَلَا فرق فِي ذَلِك الْمسند بَين أَن يكون صَحِيحا أم لَا وَقيل يجوز لِأَن التَّحْرِيم فِي الْمَأْكُول لأجل بيع مَال الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمل عَلَيْهِ وَلم يُوجد هُنَا وَمن هَذَا الْمَعْنى استنبط تَحْرِيم بيع الْحِنْطَة بدقيقها والسمسم بِكَسْبِهِ وَنَحْو ذَلِك وَفِي إِلْحَاق الشَّحْم والآلية وَالْقلب والكلية والرئة بالحم وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَنه يجوز بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ سَوَاء كَانَ من جنسه أم لَا وَسَوَاء تَسَاويا كبعير بِبَعِير أَو تفاضلا كَبيع بَعِيرَيْنِ بِبَعِير وَهُوَ كَذَلِك وَهَذَا إِذا لم يشْتَمل الْحَيَوَان على مَا فِيهِ الرِّبَا كشاة فِي ضرْعهَا لبن إِذا بِيعَتْ بِشَاة لَيْسَ فِي ضرْعهَا لبن فِي جَوَاز ذَلِك وَجْهَان أرجحهما التَّحْرِيم وَلَو بَاعَ بدجاجة فِيهَا بيض فَهُوَ كَبيع الشَّاة بِالشَّاة وَفِي ضرْعهَا لبن وَجزم القَاضِي أَبُو الطّيب بِالْمَنْعِ فِي الدَّجَاجَة وَالله أعلم قَالَ
стр. 233
(وَيجوز بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضلا نَقْدا وَكَذَا المطعومات لَا يجوز بيع الْجِنْس مِنْهَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا وَيجوز بيع الْجِنْس مِنْهَا بِغَيْرِهِ مُتَفَاضلا نَقْدا)
إِذا اشْتَمَل عقد البيع على شَيْئَيْنِ نظر فَإِن اتحدا فِي الْجِنْس وَالْعلَّة كالذهب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْبر بِالْبرِّ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ اشْترط لصِحَّة العقد وَخُرُوجه عَن كَونه رَبًّا ثَلَاثَة أُمُور التَّمَاثُل والحلول والتقايض الْحَقِيقِيّ فِي الْمجْلس فَلَو اخْتَلَّ وَاحِد مِنْهُمَا بَطل العقد فَلَو بَاعَ درهما بدرهم ودانق حرم وَيُسمى هَذَا رَبًّا الْفضل قَالَ رَسُول الله ﷺ
(لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء) وَالْعلَّة كَونهمَا قيم الْأَشْيَاء غَالِبا وَكَذَا المطعوم فَلَا يجوز بيع مد قَمح وحفنة لقَوْله ﵊
(الطَّعَام بِالطَّعَامِ مثلا بِمثل) وَالْعلَّة فِي ذَلِك الطّعْم وَإِن اخْتلف الْجِنْس وَلَكِن اتّحدت عِلّة الرِّبَا كالذهب وَالْفِضَّة وَالْحِنْطَة وَالشعِير جَازَ التَّفَاضُل وَاشْترط الْحُلُول والتقايض لقَوْله ﵊
(إِذا اخْتلفت هَذِه الْأَصْنَاف فبيعوا كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد) وَإِن اخْتلف الْجِنْس وَالْعلَّة كالفضة وَالْبر فَلَا حجر فِي شَيْء وَلَا يشْتَرط شَيْء من هَذِه الْأُمُور ثمَّ الْمُمَاثلَة تعْتَبر فِي الْمكيل كَيْلا وَفِي الْمَوْزُون وزنا لقَوْله ﷺ
(لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا وزنا بِوَزْن) وَقَالَ ﷺ
(مَا وزن مثل بِمثل إِذا كَانَ نوعا وَاحِدًا وَمَا كيل فَمثل ذَلِك فَإِذا اخْتلف النوعان فَلَا بَأْس) فَلَو بَاعَ الْمكيل بِالْوَزْنِ أَو عَكسه لم يَصح وَالْمرَاد بِالْكَيْلِ المتماثل سَوَاء كَانَ مُعْتَادا أَو غير مُعْتَاد كقصعة غير معيرة وَكَذَا الْمِيزَان كالطيار والقبان وَغَيرهمَا فَلَو جهلنا كَونه مَكِيلًا أَو مَوْزُونا فَفِيهِ أوجه الصَّحِيح الرُّجُوع فِيهِ إِلَى عَادَة الْبَلَد لِأَن الشَّيْء إِذا لم يكن محدوداً فِي الشَّرْع كَانَ الرُّجُوع فِيهِ إِلَى الْعَادة كالقبوض والحروز وَغَيرهمَا وَقيل يعْتَبر الْكَيْل لِأَنَّهُ أَعم وَقيل الْوَزْن لِأَنَّهُ أقل تَفَاوتا وَقيل بالتخيير للتساوي
стр. 234
(فرع) الْفُلُوس إِذا راجت رواج الذَّهَب وَالْفِضَّة هَل يجْرِي فِيهَا الرِّبَا الصَّحِيح أَنه لَا رَبًّا فِيهَا لانْتِفَاء الثمنية الْغَالِبَة فِيهَا وَلَا يتَعَدَّى الرِّبَا إِلَى غير الْفُلُوس من الْحَدِيد والنحاس والرصاص وَغَيرهمَا بِلَا خلاف وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز بيع الْغرَر)
الأَصْل فِي ذَلِك أَنه ﵊
(نهى عَن بيع الْغرَر) وَالْغرر مَا انطوى عَنَّا عاقبته ثمَّ الْغرَر تَحْتَهُ صور لَا تكَاد تَنْحَصِر فَنَذْكُر نبذة مِنْهَا لتعرف بهَا غَيرهَا فَمن ذَلِك بيع الْبَعِير الناد وَكَذَا الجاموس المتوحش وَالْعَبْد الْمُنْقَطع الْخَبَر والسمك فِي المَاء الْكثير وكبيع الثَّمَرَة الَّتِي لم تخلق وَالزَّرْع فِي سنبله وَكَذَا بيع اللَّحْم قبل سلخ الْجلد وَكَذَا بيع الْقطن فِي جوزه بَاطِل وَإِن كَانَ بعد التشقق فِي جوزه وَإِن كَانَ على الأَرْض عِنْد أبي حَامِد وَكَذَا لَا يَصح بيع اللَّبن فِي الضَّرع لِأَنَّهُ مَجْهُول الْمِقْدَار لاخْتِلَاف الضَّرع رقة وغلظاً وَكَذَا لَا يجوز بيع الْحمل فِي الْبَطن وَكَذَا لَا يَصح بيع الْمسك فِي الْفَأْرَة قبل فتقها فَلَو فتح رَأسهَا وَرَأى الْمسك قَالَ الْمَاوَرْدِيّ يَصح جزَافا وبالوزن وَقَالَ الْمُتَوَلِي إِن لم يتَفَاوَت ثخن الْفَأْرَة وَرَأى جوانبها صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَالَّذِي صدر بِهِ الرَّافِعِيّ أَن بيع الْمسك فِي الْفَأْرَة بَاطِل مُطلقًا سَوَاء بيع مَعهَا أَو بِدُونِهَا وَسَوَاء فتح رَأسهَا أم لَا وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك وَشبهه بِاللَّحْمِ فِي الْجلد قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَته قَالَ أَصْحَابنَا لَو بَاعَ السّمك الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ لم يَصح لِأَن المقصودمجهول كَمَا لَا يَصح بيع اللَّبن الْمَخْلُوط بِالْمَاءِ وَالله أعلم
وكما يضر الْجَهْل بِالْمَبِيعِ كَذَا يضر الْجَهْل بِقدر الثّمن وبالمثمن إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقدان فَأكْثر وَهِي رائجة وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا بَاقِي صور الْغرَر وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْخِيَار فصل والمتبايعان بِالْخِيَارِ مالم يَتَفَرَّقَا وَلَهُمَا أَن يشترطا الْخِيَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام
الْخِيَار كَمَا ذكره الشَّيْخ نَوْعَانِ خِيَار مجْلِس وَخيَار شَرط ثمَّ خِيَار الْمجْلس يثبت فِي أَنْوَاع البيع حَتَّى فِي الْمصرف وَبيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَالسّلم وَالتَّوْلِيَة والاشتراك وَصلح الْمُعَاوَضَات لقَوْله ﷺ
(البيعان بِالْخِيَارِ مالم يَتَفَرَّقَا أَو يَقُول أَحدهمَا للْآخر اختر) وَلَا خِيَار فِي الْحِوَالَة وَكَذَا فِي
стр. 235
الْقِسْمَة وَلَو اشْترى العَبْد نَفسه من سَيّده صَحَّ وَهل يثبت لَهُ الْخِيَار فِي الرَّافِعِيّ الْكَبِير وَالرَّوْضَة وَجْهَان بِلَا تَرْجِيح وَالأَصَح فِي الشَّرْح الصَّغِير وَشرح الْمُهَذّب أَنه لَا خِيَار وَأما عقد النِّكَاح فَلَا خِيَار فِيهِ وَالْفرق بَينه وَبَين عقد البيع أَن البيع عقد مُعَاوضَة بَين النَّاس كثيرا فَأثْبت الْخِيَار فِيهِ للتروي بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يَقع غَالِبا إِلَّا عَن ترو وَكَذَا لَا خِيَار فِي الْهِبَة بِلَا ثَوَاب لِأَنَّهُ وَطن نَفسه على فقد الْعِوَض فَلَا غبن وَكَذَا ذَات الثَّوَاب على الْأَصَح لِأَنَّهَا لَا تسمى بيعا وَكَلَام الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْهِبَة يثبت فِي ذَات الثَّوَاب الْمَعْلُوم الْخِيَار وَلَا خِيَار فِي الرَّهْن وَالْوَقْف وَالْعِتْق وَالطَّلَاق وَفِي كل عقد جَائِز من الطَّرفَيْنِ كَالْوكَالَةِ وَالشَّرِكَة وَكَذَا الضَّمَان وَفِي ثُبُوت الْخِيَار للشَّفِيع فِي الْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَجْهَان أصَحهمَا فِي الشَّرْح الْكَبِير فِي كتاب الشُّفْعَة أَنه يثبت لَهُ الْخِيَار لِأَن الْأَخْذ بِالشُّفْعَة مُلْحق بالمعاوضات بِدَلِيل الرَّد بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوع بالعهد وَصحح فِي الْمُحَرر هُنَا أَنه لَا يثبت الْخِيَار واستدركه النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَصحح عدم ثُبُوت الْخِيَار وَنَقله عَن الْأَكْثَرين فِي كتاب الشُّفْعَة
وَاعْلَم أَن الشَّفِيع لَا يملك بِمُجَرَّد قَوْله أَخذ الْمَبِيع بِالشُّفْعَة بل لَا بُد مَعَ اللَّفْظ من بذل الثّمن أَو رضى المُشْتَرِي بِذِمَّة الشَّفِيع لِأَنَّهُ من المُشْتَرِي يَأْخُذ أَو حكم الْحَاكِم بِثُبُوت الشُّفْعَة وَأما الْإِجَارَة فَهَل يثبت فِيهَا الْخِيَار فِيهِ خلاف صحّح النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه ثُبُوت الْخِيَار فِيهَا وَصحح فِي أَكثر كتبه وَكَذَا الرَّافِعِيّ أَنه لَا يثبت وَالْمُسَاقَاة كَالْإِجَارَةِ وَهل يثبت الْخِيَار فِي عقد النِّكَاح الصَدَاق وَجْهَان الْأَصَح لَا يثبت وَقَوله
(مَا لم يَتَفَرَّقَا) يَعْنِي بأبدنهما عَن مجْلِس العقد فَلَو قاما فِي ذَلِك الْمجْلس مُدَّة متطاولة أَو قاما وتماشيا مراحل فهما على خيارهما على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور فَإِن تفَرقا بَطل الْخِيَار للْخَبَر وَالرُّجُوع فِي التَّفَرُّق إِلَى الْعَادة فَمَا عده النَّاس تفَرقا لزم العقد بِهِ وَإِلَّا فَلَا فَلَو كَانَا فِي دَار صَغِيرَة فالتفرق أَن يخرج أَحدهمَا مِنْهَا أَو يصعد السَّطْح فَإِن كَانَت الدَّار كَبِيرَة فبأن يخرج أَحدهمَا من الْبَيْت إِلَى الصحن أَو عَكسه وَإِن كَانَا فِي سوق أَو صحراء فبأن يولي أَحدهمَا ظَهره وَيَمْشي قَلِيلا هَذَا هُوَ الصَّحِيح وكما يَنْقَطِع الْخِيَار بالتفرق كَذَا يَنْقَطِع بالتخاير بِأَن يَقُولَا اخترنا إِمْضَاء البيع أَو أجزناه أَو ألزمناه وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن قَالَ أَحدهمَا اخْتَرْت إِمْضَاء العقد أَو أجزته انْقَطع خِيَاره وَبَقِي خِيَار الآخر وَلَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر اختر أَو خيرتك انْقَطع خِيَار الْقَائِل لِأَنَّهُ دَلِيل الرضى وَلَا يَنْقَطِع خِيَار الآخر إِن سكت وَلَو أجَاز وَاحِد وَفسخ قدم الْفَسْخ وَلَو تبَايعا الْعِوَضَيْنِ بعد قبضهما فِي الْمجْلس بيعا ثَابتا صَحَّ البيع الثَّانِي على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور لِأَنَّهُ رَضِي بِلُزُوم الأول وَالله أعلم
وَأما خِيَار الشَّرْط فَإِنَّهُ يَصح بِالسنةِ وَالْإِجْمَاع بِشَرْط أَلا يزِيد على ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن زَاد بَطل البيع وَيجوز دون الثَّلَاث روى ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رجلا يشكو إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه لَا يزَال يغبن فِي البيع فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ
(إِذا بَايَعت فَقل لَا خلابة ثمَّ أَنْت
стр. 236
بِالْخِيَارِ فِي كل سلْعَة بتعتها ثَلَاث لَيَال) وَلَو شَرط الْخِيَار لأَحَدهمَا صَحَّ وَكَذَا الْأَجْنَبِيّ فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ لِأَن الْحَاجة قد تَدْعُو إِلَى ذَلِك لكَونه أعرف بالمعقود عَلَيْهِ نعم لَو كَانَ مُتَوَلِّي العقد وَكيلا جَازَ أَن يشْتَرط الْخِيَار لَهُ ولملوكه وَلَا يجوز لأَجْنَبِيّ وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا خرج بِالْمَبِيعِ عيب فَلِلْمُشْتَرِي رده)
إِذا ظهر بِالْمَبِيعِ عيب قديم جَازَ لَهُ الرَّد سَوَاء كَانَ الْعَيْب مَوْجُودا وَقت العقد أَو حدث بعد العقد وَقبل الْقَبْض أما جَوَاز الرَّد لَهُ بِالْعَيْبِ الْمَوْجُود وَقت العقد فبالإجماع وروت عَائِشَة ﵂
(أَن رجلا ابْتَاعَ فَأَقَامَ عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ وجد بِهِ عَيْبا فخاصمه إِلَى النَّبِي ﷺ فَرده عَلَيْهِ) وقسنا مَا حدث بعد العقد وَقبل الْقَبْض على الْمُقَارن لِأَنَّهُ من ضَمَان البَائِع وَلِأَن المُشْتَرِي إِنَّمَا بذل الثّمن فِي مُقَابلَة مَبِيع سليم فَإِذا وجد على خلاف ذَلِك جَوَّزنَا لَهُ التَّدَارُك للضَّرَر
وَاعْلَم أَن الْعُيُوب كَثِيرَة جدا فَمِنْهَا كَون العَبْد سَارِقا أَو زَانيا أَو آبقا أَو بِهِ بخر ينشأ من الْمعدة دون مَا يكون من قلح الْأَسْنَان وَكَذَا الصنان المستحكم دون الْعَارِض بحركة أَو اجْتِمَاع وسخ وَكَذَا كَون الدَّابَّة جموحا أَو عضاضة أَو رفاسة وَكَذَا كَون العَبْد ساحراً أَو قَاذِفا للمحصنات أَو مقامراً أَو تَارِكًا للصَّلَاة وَكَون الْجَارِيَة لَا تحيض فِي سنّ الْحيض غَالِبا وَكَون الْمَكَان ثقيل الْخراج أَو منزل الظلمَة أَو يخزنون بِهِ غلتهم أَو ظهر متكوب يَقْتَضِي وقف الْمَبِيع وَعَلِيهِ خطوط الْمُتَقَدِّمين وَلَيْسَ فِي الْحَال من يشْهد بِهِ قَالَه الورياني وَنَقله ابْن الرّفْعَة عَن الْعدة وَضَابِط ذَلِك أَن كل مَا نقص الْعين أَو الْقيمَة نُقْصَانا يفوت بِهِ غَرَض صَحِيح إِذا غلب فِي جنس الْمَبِيع عَدمه فقولنا نقص الْعين ككون الرَّقِيق خَصيا أَو مَقْطُوع أُنْمُلَة وَنَحْوهَا بِخِلَاف مَا لَو قطع من فَخذه قِطْعَة يسيرَة فَإِنَّهُ لَا يفوت بِسَبَب ذَلِك غَرَض صَحِيح وَقَوْلنَا إِذا غلب فِي جنس الْمَبِيع عَدمه رَاجع إِلَى الْقيمَة أَو الْعين أما الْقيمَة وَهُوَ الَّذِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ فاحتراز عَن الثيوبة فِي الْأمة الْكَبِيرَة فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي الرَّد فَإِنَّهُ لَيْسَ الْغَالِب فِيهَا عدم الثيوبة وَأما الْعين فاحترز بِهِ عَن قلع الْأَسْنَان فِي الْكَبِير فَإِنَّهُ لَا رد بِهِ بِلَا شكّ وَقد جزم ابْن الرّفْعَة بِمَنْع الرَّد ببياض الشّعْر فِي الْكَبِير وَالله أعلم
(فرع) لَو بَاعَ شخص عينا وَشرط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب فَفِيهِ خلاف الصَّحِيح أَنه يبرأ من كل
стр. 237
عيب بَاطِن فِي الْحَيَوَان لم يعلم بِهِ البَائِع دون غَيره لِأَن ابْن عمر ﵄ بَاعَ غُلَاما بثمانمائة وَبَاعه بِالْبَرَاءَةِ فَقَالَ المُشْتَرِي لِابْنِ عمر بِالْعَبدِ دَاء لم تسمه لي فاختصما إِلَى عُثْمَان ﵁ فَقضى عُثْمَان على ابْن عمر أَنه يحلف لقد بَاعه العَبْد وَمَا بِهِ دَاء يُعلمهُ فَأبى عبد الله أَن يحلف وارتجع العَبْد فَبَاعَهُ بِأَلف وَخَمْسمِائة فَدلَّ قَضَاء عُثْمَان أَنه يبرأ من عيب الْحَيَوَان الَّذِي لم يعلم بِهِ وَالْفرق بَين الْحَيَوَان وَغَيره مَا قَالَه الشَّافِعِي أَن الْحَيَوَان يَأْكُل فِي حالتي صِحَّته وسقمه وتتبدل أَحْوَاله سَرِيعا فَقل أَن يَنْفَكّ عَن عيب خَفِي أَو ظَاهر فَيحْتَاج البَائِع إِلَى هَذَا الشَّرْط ليثق بِلُزُوم العقد وَالْفرق بَين الْعَيْب الْمَعْلُوم وَغَيره أَن كتمان الْمَعْلُوم تلبيس وغش فَلَا يبرأ مِنْهُ وَالْفرق بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَن الظَّاهِر يسهل الِاطِّلَاع عَلَيْهِ وَيعلم فِي الْغَالِب فأعطيناه حكم الْمَعْلُوم وَإِن كَانَ قد يخفى على ندور فَيرجع الْأَمر إِلَى أَنه لَا يبرأ عَن غير الْبَاطِن فِي الْحَيَوَان وَلَا عَن غَيره من غير الْحَيَوَان مُطلقًا سَوَاء كَانَ ظَاهرا أَو بَاطِنا سَوَاء فِي ذَلِك الثِّيَاب وَالْعَقار وَنَحْوهمَا وَالله أعلم
(فرع) شَرط رد الْمَبِيع بِالْعَيْبِ الْقَدِيم أَن يتَمَكَّن المُشْتَرِي من الرَّد أما إِذا لم يتَمَكَّن بِأَن تلف الْمَبِيع أَو مَاتَت الدَّابَّة أَو أعتق العَبْد أَو وقف الْمَكَان ثمَّ علم بِالْعَيْبِ فَلَا رد وَله أرش الْعَيْب وَالْأَرْش جُزْء من ثمن الْمَبِيع نسبته إِلَيْهِ نِسْبَة مَا نقص الْعَيْب من الْقيمَة عِنْد السَّلامَة مِثَاله قيمَة مائَة بِلَا عيب وَتسْعُونَ مَعَ الْعَيْب فالأرش عشر الثّمن وَلَو كَانَت ثَمَانِينَ فالأرش خمس الثّمن وعَلى هَذَا لَو زَالَ ملك المُشْتَرِي عَن الْمَبِيع بِبيع فَلَا رد لَهُ فِي الْحَال وَلَا أرش على الْأَصَح لِأَنَّهُ لم ييأس المُشْتَرِي من الرَّد لِأَنَّهُ رُبمَا يعود إِلَيْهِ ويتمكن من رده بِخِلَاف الْمَوْت وَالْوَقْف وَكَذَا استيلاد الْجَارِيَة لِأَنَّهُ تعذر الرَّد فَيرجع بأرشها وَاعْلَم أَن الرَّد على الْفَوْر لِأَن الأَصْل فِي الْمَبِيع اللُّزُوم فَإِذا أمكنه الرَّد وَقصر لزمَه حكم وَمحل الْفَوْر فِي العقد على الْأَعْيَان أما الْوَاجِب فِي الذِّمَّة بِبيع أَو سلم فَلَا يشْتَرط الْفَوْر لِأَن رد مَا فِي الذِّمَّة لَا يَقْتَضِي رفع العقد بِخِلَاف الْمَبِيع الْمعِين كَذَا قَالَه الإِمَام وَأقرهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْكِتَابَة وَابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب فاعرفه ثمَّ حَيْثُ كَانَ لَهُ الرَّد واعتبرنا الْفَوْر فليبادر بِالرَّدِّ على الْعَادة فَلَو علم الْعَيْب وَهُوَ يُصَلِّي أَو يَأْكُل فَلهُ التَّأْخِير حَتَّى يفرغ لِأَنَّهُ لَا يعد مقصراً وَكَذَا لَو كَانَ يقْضِي حَاجته وَكَذَا لَو كَانَ فِي الْحمام أَو كَانَ لَيْلًا فحين يصبح لعدم التَّقْصِير فِي ذَلِك بِاعْتِبَار الْعَادة وَلَا يُكَلف الْعَدو وَلَا ركض الْفرس وَنَحْو ذَلِك ثمَّ إِن كَانَ البَائِع حَاضرا رده عَلَيْهِ فَلَو رفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم فَهُوَ آكِد فَلَو رد
стр. 238
وَكيله كفى وَكَذَا الرَّد على الْوَكِيل وَإِن كَانَ البَائِع غَائِبا رفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم وَلَا يُؤَخر لقدومه وَلَا للمسافرة إِلَيْهِ وَالأَصَح أَنه يلْزمه الْإِشْهَاد على الْفَسْخ إِن أمكنه حَتَّى ينهيه إِلَى البَائِع أَو الْحَاكِم لِأَنَّهُ الْمُمكن
وَاعْلَم أَنه يشْتَرط ترك اسْتِعْمَال الْمَبِيع فَلَو استخدم العَبْد أَو ترك على الدَّابَّة سرجها أَو برذعتها بَطل حَقه من الرَّد لِأَنَّهُ يشْعر بالرضى قلت فِي هَذَا نظر لَا يخفى لِأَن مثل هَذَا لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص من الْفُقَهَاء فضلا عَن أجلاف الْقرى لَا سِيمَا إِذا كَانَ رَحل الدَّابَّة مَبِيعًا مَعهَا فَيَنْبَغِي فِي مثل ذَلِك أَنه لَا يبطل بِهِ الرَّد وَيُؤَيّد ذَلِك أَنه لَو أخر الرَّد مَعَ الْعلم بِالْعَيْبِ ثمَّ قَالَ أخرت لِأَنِّي لَا أعلم أَن لي الرَّد فَإِن كَانَ قريب الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ فِي بَريَّة لَا يعْرفُونَ الْأَحْكَام فَإِنَّهُ يقبل قَوْله وَله الرَّد وَإِلَّا فَلَا بل لَو قَالَ لم أعلم أَنه يبطل بِالتَّأْخِيرِ قبل قَوْله وَعلله الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ بِأَنَّهُ يخفى على الْعَوام وَالله أعلم ثمَّ حَيْثُ بَطل الرَّد بالتقصير بَطل الْأَرْش أَيْضا وَلَو تَرَاضيا على ترك الرَّد بِجُزْء من الثّمن أَو مَال آخر فَالصَّحِيح أَن هَذِه مصالحة لَا تصح وَيجب على المُشْتَرِي رد مَا أَخذه وَلَا يبطل حَقه من الرَّد على الصَّحِيح وَهَذَا إِذا ظن صِحَة الْمُصَالحَة فَإِن علم بُطْلَانهَا بَطل حَقه من الرَّد بِلَا خلاف وَلَو اشْترى بَعِيرًا أَو عبدا فَضَاعَ الْبَعِير أَو أبق العَبْد قبل الْقَبْض فَأجَاز المُشْتَرِي البيع ثمَّ أَرَادَ الْفَسْخ فَلهُ ذَلِك مَا لم يعد الْبَعِير أَو العَبْد إِلَيْهِ وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا بيع الثَّمَرَة مُطلقًا إِلَّا بعد بَدو صَلَاحهَا)
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله وَلَا يجوز بيع الْغرَر وَتَقْدِيره وَلَا يجوز بيع الثَّمَرَة مُطلقًا إِلَّا بعد بَدو صَلَاحهَا وبدو الصّلاح ظُهُور الصّلاح فَإِذا بدا صَلَاح الثَّمَرَة بِأَن ظَهرت مبادئ النضج أَو بَدَت الْحَلَاوَة وزالت العفوصة أَو الحموضة المفرطتان وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَتلون أَو فِي المتلون بِأَن يحمر أَو يصفر أَو يسود جَازَ بيعهَا مُطلقًا وَيشْتَرط الْقطع بِالْإِجْمَاع وَيشْتَرط التبقية لقَوْله ﵊
(لَا تبَاع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا) وَإِذا بَاعَ مُطلقًا يَعْنِي بِلَا شَرط اسْتحق المُشْتَرِي الْإِبْقَاء إِلَى أَوَان الْجذاذ للْعَادَة وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَنه إِذا لم يبد الصّلاح أَنه لَا يجوز مُطلقًا وَهُوَ كَذَلِك وَيشْتَرط لصِحَّة البيع أَن يشْتَرط قطع الثَّمَرَة الصَّالِحَة للِانْتِفَاع وَهَذَا جَائِز بِالْإِجْمَاع وَلَو جرت الْعَادة بِقطعِهِ لَا يَكْفِي بل لَا بُد من شَرط الْقطع وَإِن بِيعَتْ الثَّمَرَة قبل بَدو الصّلاح مَعَ الْأَشْجَار جَازَ بِلَا شَرط لِأَنَّهَا تبع الْأَشْجَار وَالْأَصْل غير معترض للعاهة بِخِلَاف مَا إِذا أفردت الثَّمَرَة وَلَو شَرط الْقطع ورضى البَائِع بالإبقاء على الشّجر جَازَ وَالله أعلم وكما يحرم بيع الثَّمَرَة
стр. 239
قبل بَدو الصّلاح إِلَّا بِشَرْط الْقطع كَذَلِك يحرم بيع الزَّرْع الْأَخْضَر إِلَّا بِشَرْط قطعه لما ورد
(أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع ثَمَرَة النّخل حَتَّى تزهي وَعَن السبل وَالزَّرْع حَتَّى يبيض وتؤمن العاهة) وَلَو بيع الزَّرْع مَعَ الأَرْض فَهُوَ كَبيع الثَّمَرَة مَعَ الشّجر وَالله أعلم
(فرع) إِذا بَاعَ شخص ثمراً أَو زرعا بدا صَلَاحه لزمَه سقيه قدر مَا يَنْمُو بِهِ وَيسلم من التّلف وَالْفساد سَوَاء كَانَ ذَلِك قبل أَن يخلي بَين المُشْتَرِي وَبَين الْمَبِيع أَو بعد التَّخْلِيَة حَتَّى لَو شَرطه على المُشْتَرِي بَطل العقد لِأَنَّهُ مُخَالف لمقْتَضى العقد وَلَا يلْزمه ذَلِك عِنْد شَرط الْقطع وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا بيع مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ رطبا إِلَّا اللَّبن)
تَقْدِير الْكَلَام وَلَا يجوز بيع شَيْء فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ حَال كَون الْمَبِيع رطبا كالرطب بالرطب وَالْعِنَب بالعنب وَوجه الْبطلَان أَن الْمُمَاثلَة مرعية فِي الربويات وَفِي حَال الرُّطُوبَة الْمُمَاثلَة غير مُحَققَة وَالْقَاعِدَة أَن الْجَهْل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة وَقَوله إِلَّا اللَّبن أَي فَإِنَّهُ يجوز بيع بعضه بِبَعْض وَإِن لم يجبن لِأَنَّهُ حَالَة كَمَال وَلَا فرق فِي اللَّبن بَين الحليب والرايب والمخيض وَلَا بَين الحامض وَغَيره والمعيار فِيهِ الْكَيْل حَتَّى يُبَاع الرايب بالحليب وَإِن تَفَاوتا فِي الْوَزْن لِأَن الِاعْتِبَار بِالْكَيْلِ كالحنطة الصلبة بالرخوة وَشَرطه أَن لَا يغلي فَإِن غلى امْتنع لتأثير النَّار كَمَا لَا يجوز بيع الْخبز بعضه بِبَعْض لاخْتِلَاف النَّار وَكَذَا كل مَا أثرت فِيهِ النَّار تَأْثِيرا بَينا كالشوي وَالله أعلم قَالَ
بَاب السّلم فصل وَيصِح السّلم حَالا ومؤجلاً فِيمَا تكاملت فِي خَمْسَة شُرُوط أَن يكون مضبوطاً بِالصّفةِ
السّلم وَالسَّلَف بِمَعْنى وَاحِد وَسمي بذلك لتسليم رَأس المَال فِي الْمجْلس وسلفاً لتقديم رَأس المَال وَحده عقد على مَوْصُوف فِي الذِّمَّة بِبَدَل عَاجل بِأحد اللَّفْظَيْنِ
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾
стр. 240
الْآيَة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أَرَادَ بِهِ السَّلَام وَورد
(أَن النَّبِي ﷺ قدم الْمَدِينَة وَهُوَ يسلفون فِي التَّمْر السّنة والسنتين وَرُبمَا قَالَ السنتين وَالثَّلَاث فَقَالَ من أسلف فليسلف فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم) وَفِيه من جِهَة الْمَعْنى الرِّفْق بالمتعاقدين لِأَن أَصْحَاب الْحَرْف قد يَحْتَاجُونَ إِلَى مَا يُنْفقُونَ على حرفهم من الغلال وَلَا مَال مَعَهم وأرباب النُّقُود يَنْتَفِعُونَ بالرخص فجوز ذَلِك رفقا بهما وَإِن كَانَ فِيهِ غرر كَالْإِجَارَةِ على الْمَنَافِع المعدومة لمسيس الْحَاجة إِلَى ذَلِك ثمَّ عقد السّلم إِن كَانَ مُؤَجّلا فَلَا نزاع فِي صِحَّته وَفِي بعض الشُّرُوح حِكَايَة الِاتِّفَاق على صِحَّته وَلِأَن مورد النَّص وَإِن كَانَ حَالا فَهَل يَصح قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة لَا يَصح ومذهبنا أَنه يَصح وَحجَّتنَا أَنه إِذا جَازَ فِي الْمُؤَجل مَعَ الْغرَر فَهُوَ فِي الْحَال أجوز لِأَنَّهُ أبعد عَن الْغرَر ثمَّ إِذا عقد لَا بُد من وجوب شُرُوط لصِحَّة العقد مِنْهَا ضَبطه بِالصّفةِ الَّتِي تَنْفِي الْجَهَالَة على مَا يَأْتِي فِي كَلَام الشَّيْخ لِأَن السّلم عقد غرر وَعدم الضَّبْط بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَة غرر ثَان وغرران على شَيْء وَاحِد غير مُحْتَمل فَلهَذَا لَا يَصح وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن يكون جِنْسا لم يخْتَلط بِغَيْرِهِ وَلم تدخله نَار لاحالته)
شَرط صِحَة عقد السّلم أَن يكون الْمُسلم فِيهِ منضبطاً سَوَاء اتَّحد جنسه أَو تعدد كَمَا لَو أسلم فِي ثوب قطن سداه إبريسم وكل مِنْهُمَا مَعْلُوم لانْتِفَاء الْغرَر فِي ذَلِك وَنَحْوه وَإِن تعدد الْمُخْتَلط وَجَهل مقادير المختلطات فَلَا يَصح كَمَا إِذا أسلم فِي الغالية والأدهان المطيبة الثِّيَاب المصبوغة على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ فِي الْمُحَرر الأقيس الْجَوَاز وَكَذَا لَا يَصح السّلم فِي الأقواس العجمية لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَة على أَجنَاس مَقْصُودَة وكل مِنْهَا غير مَعْلُوم وَكَذَا لَا يَصح السّلم فِي الترياق الْمَخْلُوط كالغالية
وَاعْلَم أَن الِاخْتِلَاط لَيْسَ من شَرطه التَّرْكِيب من الْآدَمِيّ كَمَا مثلناه بل لَو كَانَ خلقياً فَإِنَّهُ أَيْضا لَا يَصح فَلَو أسلم فِي الرؤوس فَإِن كَانَ قبل التنقية من الشّعْر فَلَا يَصح جزما وَإِن كَانَ بعد
стр. 241
التنقية من الشّعْر فَفِيهِ خلاف وَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح أَيْضا لاشتمالها على المناخر والمشافر وَغَيرهمَا وَهِي لَا تنضبط وَلِأَن معظمها عظم وَهُوَ غير مَقْصُود فيكثر الْغرَر وَحكم الأكارع حكم الرؤوس ثمَّ من قَالَ بِالْجَوَازِ قَالَ يكون بِالْوَزْنِ واتقصر عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ هُوَ بِالْوَزْنِ وَالْعد وَلَا يَكْفِي أَحدهمَا وَيُقَاس غير مَا ذَكرْنَاهُ بِمَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم
وَأما مَا دخله النَّار لغير التَّمْيِيز كالنار القوية فَلَا يَصح السّلم فِيهِ كالخبز والشواء وَمَا أشبه ذَلِك لِأَن تَأْثِير النَّار فِيهَا لَا يَنْضَبِط وَفِي وَجه يجوز السّلم فِي الْخبز وَصَححهُ الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَحَكَاهُ الرَّوْيَانِيّ عَن مَشَايِخ خُرَاسَان وَفِي الْعَسَل الْمُصَفّى وَالسكر والفانيذ والدبس وَجْهَان فِي أصل الرَّوْضَة بِلَا تَرْجِيح واستبعد الإِمَام عدم الصِّحَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَاخْتَارَ الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ الصِّحَّة وَحكى الرَّافِعِيّ طَريقَة قَاطِعَة بِالصِّحَّةِ فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَقَضِيَّة كَلَام الرَّافِعِيّ عدم الصِّحَّة لَكِن النَّوَوِيّ صحّح فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه الصِّحَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَعلله بِأَن نَار هَذِه الْأَشْيَاء لينَة وَجعل هَذِه الْعلَّة ضابطاً قلت وَفِي كَون نَار هَذِه الْأَشْيَاء لينَة نظر ظَاهر والحس يَدْفَعهُ إِذْ نَار السكر فِي غَايَة الْقُوَّة وَلَعَلَّ الْعلَّة الصَّحِيحَة كَون نَار هَذِه الْأَشْيَاء منضبطة وَلِهَذَا تردد صَاحب التَّقْرِيب فِي صِحَة السّلم فِي المارودي وَلم يصحح الرَّافِعِيّ وَلَا النَّوَوِيّ فِي شَيْئا قَالَ الأسنائي وَالرَّاجِح الْجَوَاز فقد قَالَ الرَّوْيَانِيّ إِنَّه لَا يَصح عِنْدِي وَعند عَامَّة الْأَصْحَاب وَتَصْحِيح الصِّحَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء يُقَوي تَصْحِيح جَوَاز السّلم فِي الْخبز بل هُوَ أولى لِأَن ناره أَلين من نَار هَذِه الْأَشْيَاء بِلَا شكّ
فَإِن علل صِحَة هَذِه الْأَشْيَاء يكون النَّار لَهَا حد مضبوط عِنْد أَرْبَابهَا قُلْنَا كَذَا الْخبز وَالله أعلم قَالَ
(وَألا يكون معينا وَلَا من معِين)
من شُرُوط صِحَة عقد السّلم أَن يكون الْمُسلم فِيهِ دينا أَي فِي الذِّمَّة لِأَن وضع السّلم إِنَّمَا هُوَ على مَا فِي الذمم فَلَو قَالَ أسلمت إِلَيْك هَذَا فِي هَذَا الثَّوْب أَو فِي هَذَا الْحَيَوَان وَنَحْو ذَلِك لم ينْعَقد سلما لانْتِفَاء الدِّينِيَّة وَهل ينْعَقد بيعا قَولَانِ الْأَظْهر لَا ينْعَقد لاختلال اللَّفْظ وَمعنى الاختلال أَن السّلم يَقْتَضِي الدِّينِيَّة مَعَ التَّعْيِين يتناقضان وَلَو قَالَ اشْتريت مِنْك ثوبا صفته كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِم فَقَالَ بِعْتُك انْعَقَد بيعا على الرَّاجِح نظرا إِلَى اللَّفْظ وَهَذَا إِذا لم يذكر بعده لفظ السّلم فَإِن ذكره فَقَالَ اشْتَرَيْته سلما كَانَ سلما ذكره الرَّافِعِيّ فِي تَفْرِيق الصَّفْقَة عِنْد ذكر الْجمع بَين عقدين مختلفي الحكم فاعرفه وَلَو قَالَ أسلمت اليك هَذَا الدِّرْهَم فِي مَكِيل من هَذَا الْقَمْح لَا يَصح أَيْضا لما ذَكرْنَاهُ وَهَذَا معنى قَول الشَّيْخ وَلَا من معِين وَالله أعلم قَالَ
стр. 242
(ثمَّ لصِحَّة السّلم ثَمَانِيَة شُرُوط أَن يصفه بعد ذكر جنسه ونوعه بِالصِّفَاتِ الَّتِي يخْتَلف بهَا الثّمن وَيذكر بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَة عَنهُ)
قد علمت أَن السّلم عقد غرر جوز للْحَاجة وأنواع الْمُسلم فِيهِ وَصِفَاته بعد ذكر الْجِنْس مُخْتَلفَة بِحَسب ذَلِك الْجِنْس والأغراض تخْتَلف فِي ذَلِك بِاعْتِبَار الْمَقَاصِد وَلِهَذَا اخْتلفت الْقيمَة باخْتلَاف الصِّفَات الْمَقْصُودَة فَلَا بُد من ذكر تِلْكَ الصِّفَات لينتفي الْغرَر وَيَنْقَطِع النزاع وصور الْمُسلم فِيهِ كَثِيرَة فَنَذْكُر مِنْهَا مَا يسْتَدلّ بِهِ على غَيره
مِنْهَا إِذا أسلم فِي الثِّيَاب فيذكر بعد ذكر الْجِنْس وَالْجِنْس الْقطن أَو الْكَتَّان النَّوْع والبلد الَّذِي ينسج فِيهِ إِن اخْتلف بِهِ الْغَرَض وَيذكر الطول وَالْعرض وهما من صِفَات الثَّوْب والرقة والغلظ وهما من صِفَات الْغَزل وَيذكر الصفاقة وَهِي صفة الصَّنْعَة وَيذكر النعومة والخشونة لِأَن الْأَغْرَاض تخْتَلف بذلك وَيجوز السّلم فِي الْمَقْصُور كالخام فَإِن أطلق العقد حمل على الخام لِأَن القصارة صفة زَائِدَة فَلَا بُد من ذكرهَا وَلَا يجوز السّلم فِي الملبوس لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِط وَيجوز فِي الثِّيَاب الَّتِي صبغ غزلها قبل النسج كالبرود بِخِلَاف المصبوغة بعد النسج فَإِن الْمَعْرُوف أَنه لَا يَصح السّلم فِيهَا لعدم الضَّبْط وَمِنْهَا إِذا أسلم فِي الرَّقِيق فَلَا بُد من ذكر نَوعه كتركي وَكَذَا يذكر صفة النَّوْع إِن اخْتلف كَونه أَبيض ويصف بياضه بسمرة أَو شقرة ويصف السوَاد إِن ذكره بالصفاء والكدورة وَهَذَا إِذا اخْتلف لون الصِّنْف فَإِن لم يخْتَلف كالزنج لم يجب التَّعَرُّض لألوانهم وَلَا بُد مَعَ هَذَا من ذكر الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَالسّن فِي الْكبر والصغر والطول وَالْقصر وَلَو ضَبطه بالأشبار صَحَّ وكل ذَلِك على التَّقْرِيب حَتَّى لَو شَرط كَونه ابْن عشْرين لَا يزِيد وَلَا ينقص لَا يَصح السّلم لندوره وَهل يشْتَرط مَعَ ذَلِك التَّعَرُّض للكحل وَالسمن وَنَحْو ذَلِك وَجْهَان الْأَصَح لَا لتسامح النَّاس بإهمال ذَلِك
وَالثَّانِي يجب لِأَن الْأَغْرَاض تخْتَلف بذلك
قلت وَهُوَ قوي لِأَن هَذِه الْأَوْصَاف مَطْلُوبَة مَقْصُودَة وتختلف الْقيمَة باختلافها لِأَن كثيرا من النَّاس يهوون السمان وتمج أنفسهم الرقَاق وَهُوَ لَا يتقاعد عَن ذكر بعض الصِّفَات الْمُتَقَدّمَة وَقد اشْترط ذَلِك الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالله أعلم وَيجب ذكر الثيوبة والبكارة فِي الْأَصَح وَلَو أسلم فِي جَارِيَة مغنية فَإِن كَانَ غنَاؤُهَا بِغَيْر آلَة مُحرمَة صَحَّ وَإِن كَانَ بِعُود أَو زمر فَلَا يَصح وَلَو أسلم فِي جَارِيَة زَانِيَة فَوَجْهَانِ وَلَو شَرط كَونهَا فوادة لم يَصح وَمِنْهَا التَّمْر فيذكر لَونه ونوعه وبلده وَصغر الجرم وَكبره وَكَونه عتيقاً أَو جَدِيدا وَالْحِنْطَة وَسَائِر الْحُبُوب كالتمر وَمِنْهَا الْعَسَل فيذكر كَونه جبلياً أَي لِأَن الْجبلي أطيب أَو بلدياً أَو أَنه صَيْفِي لِأَن الخريفي أَجود أَو خريفي أَبيض أَو أصفر وَلَا يشْتَرط ذكر الْعتَاقَة والحداثة لِأَنَّهُ لَا غَرَض مَقْصُود فِيهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا بُد من بَيَان مُرَاعَاة
стр. 243
قوته ورقته وَإِذا أطلق الْعَسَل حمل على عسل النَّحْل
قلت هَذَا صَحِيح إِذا لم يغلب اسْتِعْمَال عسل الْقصب فِي نَاحيَة فَإِن غلب فَالْمُعْتَبر عرف تِلْكَ النَّاحِيَة وَقد شاهدت ذَلِك فِي نَاحيَة فَكَانُوا إِذا أطْلقُوا الْعَسَل لَا يعْرفُونَ غير عسل الْقصب فإمَّا إِن يحمل العقد عَلَيْهِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَة وَإِلَّا فَلَا بُد من الْبَيَان لصِحَّة العقد وَإِلَّا فَلَا يَصح لِأَن الْإِطْلَاق يُؤَدِّي إِلَى النزاع لِكَثْرَة التَّفَاوُت فِي الْقيمَة بَينهمَا وَالله أعلم
وَمِنْهَا اللَّحْم فيذكر أَنه لحم ضَأْن أَو معز ذكر خصي أَو غَيره معلوف أَو ضد وَلَا بُد فِي الْعلف أَن يبلغ إِلَى حد يتأثر بِهِ اللَّحْم فَلَا يَكْفِي الْمرة والمرات الَّتِي لَا تُؤثر وَيذكر أَنه من فَخذ أَو ضلع وَغير ذَلِك لاخْتِلَاف الْغَرَض فِي ذَلِك وَيقبل عظم على الْعَادة عِنْد الاطلاق فَإِن شَرط نزع الْعظم جَازَ وَيجب قبُول الْجلد فِيمَا يُؤْكَل مَعَه على الْعَادة كالجدي الصَّغِير وَيُقَاس بَقِيَّة الْمسَائِل بِمَا ذكرنَا وَالضَّابِط كَمَا ذكره الشَّيْخ أَن يذكر مَا يَنْفِي الْجَهَالَة وَالله أعلم قَالَ
(وَإِن كَانَ مُؤَجّلا ذكر وَقت مَحَله وَأَن يكون مَوْجُودا عِنْد الِاسْتِحْقَاق فِي الْغَالِب وَأَن يذكر مَوضِع قَبضه)
بيع السّلم إِذا عقد مُؤَجّلا فَيشْتَرط لصِحَّته معرفَة الْأَجَل الَّذِي لَا غرر فِيهِ بِأَن يعين فِيهِ مستهل رَمَضَان أَو سلخه وَنَحْو ذَلِك فَلَو أقت بقدوم زيد فَلَا يَصح وَكَذَا لَو وَقت بِوَقْت البيدر أَو الْفَرَاغ من الدراس وَنَحْو ذَلِك فَلَا يَصح للغرر وَلَو أقتا العقد بالميسرة وَنَحْوهَا قَالَ ابْن خُزَيْمَة من أَصْحَابنَا يَصح وَاحْتج بِأَنَّهُ ﵊
(بعث إِلَى يَهُودِيّ أَن ابْعَثْ لي بثوبين إِلَى الميسرة فَامْتنعَ) وَهَذَا مَرْدُود من وَجْهَيْن
أَحدهمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ بِأَن هَذَا لَيْسَ بِعقد وَإِنَّمَا هُوَ استدعاء فَإِذا جَاءَ بِهِ عقد بِشَرْط وَلِهَذَا لم يصف الثَّوْبَيْنِ
وَالثَّانِي أَن الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ والْحَدِيث هُوَ قَوْله ﵊ إِلَى أجل مَعْلُوم يردانه وَأَيْضًا فَفِي التَّأْقِيت بِمثل هَذَا غرر وَقد
(نهى رَسُول الله ﷺ عَن
стр. 244
الْغرَر) وَأَيْضًا فَلَا يَصح ذَلِك بِالْقِيَاسِ على مَجِيء الْمَطَر وقدوم زيد وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لَا يَصح اتِّفَاقًا وَالله أعلم
وكما يشْتَرط تعْيين الْأَجَل كَذَلِك يشْتَرط أَن يكون الْمُسلم فِيهِ مَوْجُودا عِنْد الِاسْتِحْقَاق غَالِبا وَهَذَا الشَّرْط يعبر عَنهُ بِالْقُدْرَةِ على تَسْلِيم الْمُسلم فِيهِ فَلَو أسلم فِيمَا لَا يُوجد عِنْد الْمحل كالرطب فِي الشتَاء أَو فِيمَا يعز وجوده لم يَصح لِأَنَّهُ غرر أَو فِيمَا يحصل بِمَشَقَّة عَظِيمَة كالسلم فِي قدر كثير من الباكورة فَوَجْهَانِ أقربهما إِلَى كَلَام الْأَكْثَرين الْبطلَان وَلَو أسلم فِيمَا يعم وجوده فَانْقَطع عِنْد الْمحل لحَاجَة فَقَوْلَانِ أظهرهمَا لَا يَنْفَسِخ العقد بل يتَخَيَّر الْمُسلم إِن شَاءَ فسخ العقد وَإِن شَاءَ صَبر إِلَى وجود الْمُسلم فِيهِ فَلَو قَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ لَا تصبر وَخذ رَأس مَالك لم يلْزمه على الصَّحِيح
وَاعْلَم أَن الِاعْتِيَاض عَن الْمُسلم فِيهِ لَا يجوز كَمَا لَا يجوز بَيْعه لِأَن الِاعْتِيَاض بيع قبل الْقَبْض وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ وَالله أعلم
وكما يشْتَرط الْقُدْرَة على التَّسْلِيم كَذَلِك يشْتَرط بَيَان مَوضِع التَّسْلِيم إِن كَانَ الْموضع لَا يصلح للتسليم أَو كَانَ صلح للتسليم وَلَكِن لنقل الْمُسلم فِيهِ مُؤنَة لِأَن الْأَغْرَاض تخْتَلف بذلك وعَلى ذَلِك يحمل قَول الشَّيْخ وَأَن يذكر مَوضِع قَبضه فَإِن كَانَ الْموضع يصلح للقبض وَلَا مُؤنَة فَلَا يشْتَرط ذكره وَيحمل العقد عَلَيْهِ للْعُرْف وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الصَّحِيح من خلاف منتشر وَلَيْسَ المُرَاد الْمَكَان الَّذِي صدر فِيهِ العقد بل المُرَاد الْمحلة فاعرفه وَالله أعلم
(فرع) أحضر الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ الْمُسلم فِيهِ قبل الْمحل فَهَل يجْبر الْمُسلم على قبُوله ينظر إِن كَانَ لَهُ غَرَض صَحِيح فِي الِامْتِنَاع لم يجْبر وَإِلَّا أجبر فَمن الْأَغْرَاض أَن يكون الْمُسلم فِيهِ حَيَوَانا وَيحْتَاج إِلَى مُؤنَة إِلَى وَقت الْمحل فَلَا يجْبر على الْقَبْض للضَّرَر وَمن الْأَغْرَاض أَن يكون وَقت غَارة وَنهب فَلَا يجْبر على الْقَبْض وَمن الْأَغْرَاض أَن يكون الْمُسلم فِيهِ ثَمَرَة أَو لَحْمًا وَهُوَ يُرِيد أكله طرياً فِي وَقت الْمحل فَلَا يجْبر وَمن الْأَغْرَاض أَن يكون الْمُسلم فِيهِ كثيرا وَيحْتَاج إِلَى مُؤنَة فِي الخزن وَغَيره فَإِن لم يكن غَرَض وَكَانَ للْمُسلمِ إِلَيْهِ غَرَض صَحِيح كفك الرَّهْن أجبر الْمُسلم على الْقبُول لِأَن امْتِنَاعه وَلَا غَرَض تعنت وَفِي معنى غَرَض فك الرَّهْن غَرَض بَرَاءَة ذمَّة الْمُسلم إِلَيْهِ فِي الْأَظْهر وَكَذَا قصد بَرَاءَة ذمَّة الضَّامِن وَفِي غَرَض خوف انْقِطَاع الْجِنْس عِنْد الْحُلُول وَجْهَان أصَحهمَا فِي الرَّوْضَة أَنه غَرَض صَحِيح فَلَو اجْتمع غَرَض الْمُسلم وَالْمُسلم إِلَيْهِ
стр. 245
فَوَجْهَانِ صَحَّ تَقْدِيم غَرَض الْمُسْتَحق وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن يكون الثّمن مَعْلُوما وَأَن يتقابضاه قبل التَّفَرُّق وَأَن يكون العقد ناجزا لَا يدْخلهُ خِيَار شَرط)
يشْتَرط أَن يكون الثّمن مَعْلُوما إِمَّا بِالْقدرِ أَو بِالْمُشَاهَدَةِ على الْأَظْهر فَلَا يَصح بِالْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ غرر وَيشْتَرط أَيْضا لصِحَّة عقد السّلم تَسْلِيم رَأس المَال فِي الْمجْلس العقد لِأَنَّهُ لَو لم يقبض فِي الْمجْلس لَكَانَ فِي معنى بيع الدّين بِالدّينِ وَهُوَ بَاطِل للنَّهْي عَنهُ وَلِأَن السّلم عقد غرر احْتمل للْحَاجة فجبر بتأكذ قبض الْعِوَض الآخر وَهُوَ الثّمن فَلَو تفَرقا قبل الْقَبْض بَطل العقد وَلَو قبض الْمُسلم إِلَيْهِ بعض الثّمن وتفرقا بَطل العقد فِيمَا لم يقبض وَسقط بِقسْطِهِ من الْمُسلم فِيهِ وَلَا يشْتَرط تعْيين الثّمن فِي العقد حَتَّى لَو قَالَ أسلمت إِلَيْك دِينَارا فِي كَذَا وَوَصفه بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبرَة ثمَّ أحضر الدِّينَار فِي الْمجْلس وَسلمهُ إِلَى الْمُسلم إِلَيْهِ صَحَّ لِأَن الْمجْلس هُوَ تَحْرِيم العقد وَلِهَذَا يَصح فِي الطّرف وَبيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مَعَ أَنه رِبَوِيّ وَاعْلَم أَنه لَا بُد من الْقَبْض الْحَقِيقِيّ فَلَو أحَال الْمُسلم الْمُسلم إِلَيْهِ فَلَا يَصح العقد وَإِن قبض الْمُسلم إِلَيْهِ من الْمحَال عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَبض حَقِيقِيّ لِأَن الْمحَال عَلَيْهِ يُؤَدِّي عَن نَفسه لَا عَن الْمُحِيل بل الطَّرِيق فِي صِحَة العقد أَن يقبضهُ الْمُسلم ثمَّ يُسلمهُ إِلَى الْمُسلم إِلَيْهِ كَذَا قَالَ بعض الشُّرَّاح وَلَو أحَال الْمُسلم إِلَيْهِ أَجْنَبِيّا بِرَأْس المَال على الْمُسلم فَهُوَ بَاطِل أَيْضا فَلَو أحضر الْمُسلم رَأس المَال فَقَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ سلمه فَفعل صَحَّ وَيكون الْمُحْتَال وَكيلا عَن الْمُسلم إِلَيْهِ فِي الْقَبْض وَلَو صَالح عَن رَأس المَال على مَال لم يَصح وَإِن قبض مَا صَالح عَلَيْهِ وَلَو قبض الْمُسلم إِلَيْهِ رَأس المَال وأودعه الْمُسلم جَازَ وَلَو قبض الْمُسلم إِلَيْهِ ورده إِلَى الْمُسلم عَن دين عَلَيْهِ فَنقل الرَّافِعِيّ عَن الرَّوْيَانِيّ أَنه لَا يَصح وَأقرهُ قَالَ الاسنائي وَلَيْسَ الحكم كَذَلِك بل يَصح العقد لِأَن التَّصَرُّف فِي الثّمن مَعَ البَائِع فِي مُدَّة الْخِيَار صَحِيح على الْأَصَح وَيكون إجَازَة وَكَذَا تصرف المُشْتَرِي فِي الْمَبِيع صَحِيح فَيكون إقباضه عَن الدّين صَحِيحا وإلزاماً للْعقد وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ وَأَن يكون ناجزاً لَا يدْخلهُ خِيَار شَرط وَذَلِكَ لِأَن الشَّرْع اعْتبر فِيهِ قبض رَأس المَال ليتَمَكَّن الْمُسلم إِلَيْهِ من الصّرْف وَيلْزم العقد مَا فِي بَاب الرِّبَا وَشرط الْخِيَار يُنَافِي ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
بَاب الرَّهْن فصل وكل مَا جَازَ بَيْعه جَازَ رَهنه فِي الدُّيُون إِذا اسْتَقر ثُبُوتهَا فِي الذِّمَّة
الرَّهْن فِي اللُّغَة الثُّبُوت وَقيل الاحتباس وَمِنْه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وَفِي
стр. 246
الشَّرْع جعل المَال وَثِيقَة بدين
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وَفِي السّنة مَا ورد أَنه ﵊
(رهن درعاً عِنْد يَهُودِيّ على شعير لأَهله) ثمَّ الْمَقْصُود من الرَّهْن بيع الْعين الْمَرْهُونَة عِنْد الِاسْتِحْقَاق وَاسْتِيفَاء الْحق مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ كل مَا جَازَ بَيْعه جَازَ رَهنه وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يجوز رهن مَالا يجوز بَيْعه وَذَلِكَ كرهن الْمَوْقُوف وَرهن أم الْوَلَد وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يَصح رَهنه وَهُوَ كَذَلِك لفَوَات الْمَقْصُود مِنْهُ
ثمَّ شَرط الْمَرْهُون كَونه عينا على الرَّاجِح فَلَا يَصح رهن الدّين لِأَن شَرط الْمَرْهُون أَن يكون مِمَّا يقبض وَالدّين لَا يُمكن قَبضه وَإِذا قَبضه خرج عَن كَونه دينا وَيشْتَرط فِي الْمَرْهُون بِهِ أَن يكون دينا مُسْتَقرًّا وَاحْترز الشَّيْخ بِالدّينِ عَن الْعين فَلَا يَصح الرَّهْن على الْعين كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَة والمتسعارة وَجَمِيع الْأَعْيَان الْمَضْمُونَة لِأَن الْمَقْصُود اسْتِيفَاء الدّين من الْعين الْمَرْهُونَة وَلَا يتَصَوَّر اسْتِيفَاء الْعين من الْعين وَقيل يجوز كَمَا يجوز ضَمَانهَا وَقَوله إِذا اسْتَقر ثُبُوتهَا يَقْتَضِي أَن الدّين قبل استقراره وَذَلِكَ كَدين السّلم وَكَذَلِكَ يَصح بِمَا يؤول إِلَى اللُّزُوم كَالثّمنِ فِي زمن الْخِيَار وَيشْتَرط فِي الدّين أَن يكون مَعْلُوما لَهما قَالَه ابْن عَبْدَانِ وَصَاحب الِاسْتِقْصَاء وَأَبُو خلف الطَّبَرِيّ وَجزم بِهِ ابْن الرّفْعَة وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة مهمة وَلم أرها فِي الشَّرْح وَلَا فِي الرَّوْضَة وَالله أعلم قَالَ
(وللراهن الرُّجُوع فِيهِ مالم يقبضهُ)
قبض الْمَرْهُون أحد أَرْكَان الرَّهْن فِي لُزُومه فَلَا يلْزم إِلَّا بِقَبْضِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وَصفه بِالْقَبْضِ فَكَانَ شرطا فِيهِ كوصفه الرَّقَبَة بِالْإِيمَان وَالشَّهَادَة بِالْعَدَالَةِ فَلَو رهن وَلم يقبض فَلهُ فسخ ذَلِك لِأَنَّهُ قبل الْإِقْبَاض عقد جَائِز من جِهَة الرَّاهِن فَلهُ الرُّجُوع فِيهِ كزمن الْخِيَار فِي البيع فَإِذا قَبضه لزم وَلَيْسَ لَهُ حينئد الرُّجُوع للُزُوم العقد ثمَّ الرُّجُوع قد يكون بالْقَوْل وَقد
стр. 247
يكون بِالْفِعْلِ فَإِذا تصرف الرَّاهِن فِي الْمَرْهُون بِمَا يزِيل الْملك بَطل الرَّهْن كَالْبيع وَالْإِعْتَاق وَجعله صَدَاقا أَو أُجْرَة أَو رَهنه عِنْد آخر وأقبضه أَو وهبه وأقبضه فَكل ذَلِك رُجُوع وَلَو أجر الْمَرْهُون فَهَل هُوَ رُجُوع ينظر إِن كَانَت الْإِجَارَة تَنْقَضِي قبل مَحل الدّين فَلَيْسَ بِرُجُوع قطعا عِنْد الْعِرَاقِيّين وَالْمُتوَلِّيّ وَقطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْبَغوِيّ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَإِن كَانَ الدّين يحل قبل انْقِضَاء الْإِجَازَة فَإِن جَوَّزنَا رهن الْمَأْجُور وَبيعه وَهُوَ الْأَصَح فَلَيْسَ بِرُجُوع وَلَو وطئ الْجَارِيَة الْمَرْهُونَة فَإِن أحبلها فَهُوَ رُجُوع وَإِن لم تحبل أَو زَوجهَا فَلَيْسَ بِرُجُوع وَقَول الشَّيْخ وللراهن الرُّجُوع فِيهِ يَعْنِي فِي الْمَرْهُون وَيجوز رُجُوعه إِلَى عقد الرَّهْن وَقَوله مَا لم يقبضهُ رَاجع إِلَى الْمَرْهُون لَيْسَ إِلَّا للاستقرار وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يضمنهُ الْمُرْتَهن إِلَّا بِالتَّعَدِّي)
الْمَرْهُون أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لِأَن قَبضه بِإِذن الرَّاهِن فَكَانَ كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجرَة فَلَا يضمنهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي كَسَائِر الْأَمَانَات فَلَو تلف الْمَرْهُون بِغَيْر تعد لم يضمنهُ وَلم يسْقط من الدّين شَيْء لِأَنَّهُ وَثِيقَة فِي دين فَلَا يسْقط الدّين بتلفه كموت الضَّامِن وَالشَّاهِد
وَاعْلَم أَن الْمَرْهُون بعد زَوَال الرَّاهِن أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لَا يضمنهُ إِذا تلف إِلَّا بِالتَّعَدِّي وَلَو ادّعى الْمُرْتَهن تلف الْمَرْهُون صدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِين وَهَذَا إِذا لم يذكر سَببا أَو ذكر سَببا خفِيا فَإِذا ذكر سَببا ظَاهرا لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِإِمْكَان إِقَامَة الْبَيِّنَة على السَّبَب الظَّاهِر بِخِلَاف الْخَفي فَإِنَّهُ يتَعَذَّر أَو يتعسر وَلَو ادّعى الرَّد لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا تعسر للبينة وَلِأَنَّهُ قَبضه لغَرَض نَفسه فَلَا يقبل كالمستعير وَقَول الشَّيْخ إِلَّا بِالتَّعَدِّي بِأَن يتَصَرَّف فِيهِ تَصرفا هُوَ مَمْنُوع مِنْهُ وأنواع التَّعَدِّي كَثِيرَة وَهِي مَذْكُورَة فِي الْوَدِيعَة وَمن جُمْلَتهَا الِانْتِفَاع بالمرهون بِأَن كَانَت دَابَّة فركبها أَو حمل عَلَيْهَا أَو آنِية فاستعملها وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا قضى بعض الْحق لم يخرج شَيْء من الرَّهْن حَتَّى يقْضِي جَمِيعه)
جَمِيع الْعين الْمَرْهُونَة وَثِيقَة بِكُل الدّين وَبِكُل جُزْء مِنْهُ فَلَا يَنْفَكّ حَتَّى يقْضِي جَمِيع الدّين وَفَاء بِمُقْتَضى الرَّهْن كَالْمكَاتبِ لَا يعْتق إِلَّا بأَدَاء جَمِيع نُجُوم الْكِتَابَة وَادّعى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ذَلِك وَالله أعلم
(فرع) يَصح رهن الْمشَاع من الشَّرِيك وَغَيره وَقَبضه بِقَبض جَمِيعه كَالْبيع وَيجوز أَن يستعير شَيْئا ليرهنه بِدِينِهِ لِأَن الرَّهْن وَثِيقَة فَيجوز بِمَا لَا يملكهُ كالضمان فَإِذا لزم الرَّهْن فَلَا رُجُوع للْمَالِك وَلَو أذن الرَّاهِن للْمُرْتَهن فِي بيع الْمَرْهُون وَاسْتِيفَاء الْحق فَإِن بَاعه بِحَضْرَة الرَّاهِن صَحَّ وَإِلَّا فَلَا لِأَن بَيْعه لغَرَض نَفسه فاتهم فِي بيعَته لغيبته فَلَو قدر الثّمن انْتَفَت التُّهْمَة وَلَو شَرط كَون
стр. 248
الْمَرْهُون مَبِيعًا للْمُرْتَهن عِنْد حُلُول الدّين فسد عقد الرَّهْن لتأقيته وَلَا يَصح البيع لتعليقه وَلَو أتلف الْمَرْهُون وَقبض بدله صَار رهنا مَكَانا لِأَنَّهُ بدله وَيجْعَل فِي يَد من كَانَ الأَصْل فِيهِ يَده والخصم فِي دَعْوَى التّلف الرَّاهِن لِأَنَّهُ الْمَالِك وَلَو قَالَ الرَّاهِن زِدْنِي دينا وأرهن الْعين الْمَرْهُونَة على الدينَيْنِ لم يَصح على الرَّاجِح وطريقته أَن يفك الرَّهْن ويرهن بالدينين وَلَو اخْتلفَا فِي أصل الرَّهْن أَو فِي قدره بِأَن قَالَ رهنتني هذَيْن الشَّيْئَيْنِ فَقَالَ لَا بل أَحدهمَا صدق الرَّاهِن وَلَو اخْتلفَا فِي قبض الْمَرْهُون فَإِن كَانَ فِي يَد الرَّاهِن فَهُوَ الْمُصدق وَإِن كَانَ فِي يَد الْمُرْتَهن صدق وَإِن ادّعى الرَّاهِن أَنه غصبه وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الْقَبْض فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن لِأَن الأَصْل عدم الْإِذْن وَعدم اللُّزُوم وَكَذَا لَو قَالَ الرَّاهِن اقبضه عَن جِهَة الْإِجَارَة أَو الْإِعَارَة أَو الْإِيدَاع فَإِنَّهُ الْمُصدق على الْأَصَح الْمَنْصُوص فَلَو قَالَ الرَّاهِن نعم أَذِنت لَك فِي الْقَبْض وَلَكِن رجعت قبل قبضك فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن وَلَو أقرّ الرَّاهِن بِأَنَّهُ أقرّ بِقَبْضِهِ ثمَّ قَالَ لم يكن إقراري عَن حَقِيقَته فَلهُ تَحْلِيف الْمُرْتَهن على مَا يَدعِيهِ لِكَثْرَة دوران ذَلِك بَين النَّاس وَلَو أذن الْمُرْتَهن فِي بيع الْمَرْهُون فَبيع وَرجع عَن الْإِذْن وَقَالَ رجعت قبل البيع وَقَالَ الرَّاهِن بعده فَالْأَصَحّ تَصْدِيق الْمُرْتَهن فَلَو أنكر الرَّاهِن أصل الرُّجُوع فَالْقَوْل قَوْله وَمن عَلَيْهِ دينان بِأَحَدِهِمَا رهن فَأدى أحد الدينَيْنِ وَقَالَ أديته عَن دين الرَّهْن فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ أعرف بنيته وَالصَّحِيح أَن تعلق الدّين بِالتَّرِكَةِ لَا يمْنَع الْإِرْث فَتكون الزَّوَائِد من التَّرِكَة للْوَارِث وَلَا يتَعَلَّق بهَا الدّين وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْحجر فصل وَالْحجر على سِتَّة الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه المبذر لمَاله
الْحجر فِي اللُّغَة الْمَنْع وَلِهَذَا يُقَال للدَّار المحوطة محجرة لِأَن بناءها يمْنَع
وَفِي الِاصْطِلَاح الْمَنْع من التَّصَرُّف فِي المَال
وَهُوَ نَوْعَانِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخ حجر لمصْلحَة الْمَحْجُور عَلَيْهِ وَحجر لمصْلحَة الْغَيْر
النَّوْع الأول الْحجر لمصْلحَة الشَّخْص نَفسه فَمن ذَلِك الصَّبِي وَألْحق بِهِ من لَهُ أدنى تَمْيِيز وَلم يكمل عِنْده وَمِنْه الْمَجْنُون وَألْحق بِهِ النَّائِم فَإِن تصرفه بَاطِل وَمِنْه حجر السَّفِيه وَألْحق بِهِ السَّكْرَان
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها﴾ أَي مبذرا ولوكان كَبِيرا ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ أَي صَغِيرا أَو كَبِيرا مختلاً ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أَي مَجْنُونا ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾
стр. 249
أخبر أَن هَؤُلَاءِ تنوب عَنْهُم الْأَوْلِيَاء وَقل الله تَعَالَى ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ قَالَ
(والمفلس الَّذِي ارتكبته الدُّيُون وَالْمَرِيض الْمخوف عَلَيْهِ فِيمَا زَاد على الثُّلُث وَالْعَبْد الَّذِي لم يُؤذن لَهُ فِي التِّجَارَة)
هَذَا هُوَ النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الْحجر لمصْلحَة الْغَيْر فحجر الْمُفلس لحق أَصْحَاب الدُّيُون فَلَا يَصح بَيْعه وإعتاقه وكتابته وهبته على الْأَظْهر وَكَذَا جَمِيع التَّصَرُّفَات المفوتة المَال الْمَوْجُود حَال التَّصَرُّف لِأَنَّهُ تصرف يفوت حق الْغَيْر فَلَا ينفذ فِيهِ تصرف وَإِلَّا لأبطل فَائِدَة الْحجر
وَأما حجر الْمَرِيض فَإِنَّهُ لحق الْوَرَثَة فِيمَا زَاد على الثُّلُث بعد الدُّيُون وَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ثلث مَاله وَالِاعْتِبَار بِحَالَة الْمَوْت على الصَّحِيح لَا بِوَقْت الْوَصِيَّة فَلَو أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله وَلَا واث لَهُ فَهِيَ بَاطِلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّائِد على الثُّلُث وَتَصِح فِي الثُّلُث لقَوْله ﷺ
(إِن الله أَعْطَاكُم عِنْد وفاتكم ثلث أَمْوَالكُم زِيَادَة فِي أَعمالكُم) وَإِن كَانَ لَهُ وَارِث فَسَيَأْتِي فِي مَحَله إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما كَون الْمَرَض مخوفا فَلَا بُد مِنْهُ وَبَيَانه يَأْتِي فِي الْوَصِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْحجر فِي العَبْد فلسيده فَلَا يَصح مِنْهُ بِغَيْر إِذن مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ لَا مَال لَهُ وَلَا ولَايَة فَلهَذَا لَا يَصح تصرفه وأهمل الشَّيْخ أَشْيَاء مِنْهَا حجر الْمُرْتَد لأجل الْمُسلمين وَمِنْهَا حجر الرَّهْن لأجل الْمُرْتَهن وَمِنْهَا الْحجر على السَّيِّد فِي العَبْد الْجَانِي لحق الْمَجْنِي عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْحجر على الْوَرَثَة فِي التَّرِكَة لحق الْمَيِّت وَحقّ أَصْحَاب الْحُقُوق وَمِنْهَا الْحجر على الْمُمْتَنع من إِعْطَاء الدُّيُون إِذا كَانَ مَاله زَائِدا على قدر الدُّيُون وَطَلَبه المستحقون ذكره الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْفلس
وَمِنْهَا إِذا فسخ المُشْتَرِي بِعَيْب كَانَ لَهُ حبس الْمَبِيع إِلَى قبض الثّمن ويحجر على البَائِع فِي بَيْعه وَالْحَالة هَذِه ذكره الرَّافِعِيّ فِي حكم الْمَبِيع قبل الْقَبْض عَن الْمُتَوَلِي وَأقرهُ وَمِنْهَا الدَّار الَّتِي اسْتحقَّت الْمُعْتَدَّة أَن تَعْتَد فِيهَا لَا يجوز بيعهَا لتَعلق حق الْمَرْأَة بهَا إِذا كَانَت عدتهَا بِالْحملِ أَو الْأَقْرَاء لِأَن الْمدَّة غير مَعْلُومَة قَالَه الْأَصْحَاب
وَمِنْهَا الْحجر على من اشْترى عبدا بِشَرْط الْإِعْتَاق فَإِنَّهُ لَا يَصح بَيْعه لِأَن الْعتْق مُسْتَحقّ عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْحجر على الْمُسْتَأْجر فِي الْعين الَّتِي اسْتَأْجر شخصا على الْعَمَل فِيهَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي
стр. 250
حكم الْمَبِيع قبل الْقَبْض وَبَقِي غير ذَلِك ذكره غير لَائِق بِالْكتاب وَالله أعلم قَالَ
(وَتصرف الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه غير صَحِيح)
قلت لَا يجوز تصرف الصَّبِي وَمن فِي مَعْنَاهُ وَالْمَجْنُون وَمن فِي مَعْنَاهُ فِي مَالهم لِأَن عدم صِحَة التَّصَرُّف هُوَ فَائِدَة الْحجر نعم يَصح تَدْبِير الصَّبِي ووصيته فِي وَجه لِأَنَّهُ يعود فَائِدَة ذَلِك عَلَيْهِ بعد الْمَوْت وَأما السَّفِيه فَكَذَلِك لَا يَصح تصرفه وَإِلَّا لبطلت فَائِدَة الْحجر فَلَا يَصح بَيْعه وَلَا هِبته وَكَذَا إنكاحه بِغَيْر إِذن الْوَلِيّ وَكَذَا لَا يَصح عتقه وكتابته وَفِي وَجه ينفذ عتقه فِي مرض مَوته تَغْلِيبًا لحجر الْمَرَض وَفِي وَجه أَنه ينفذ تصرفه فِي مَوضِع لَا ولي فِيهِ وَلَا وَصِيّ وَلَا حَاكم إِلَّا أَن يلْحقهُ نظر وَال فَيضْرب عَلَيْهِ الْحجر وَلَو اشْترى بِثمن فِي ذمَّته لم يَصح على الصَّحِيح وَلَو طلق أَو خَالع صَحَّ أما الطَّلَاق فَلِأَن الْحجر لم يتَنَاوَلهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَفِيه نظر من جِهَة مَا يلْحقهُ من تَفْوِيت الِاسْتِمْتَاع وتجديد الْمهْر وَأجَاب القَاضِي أَبُو الطّيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ يتسرى وَلَا ينفذ عتقه وَفِيه نظر أَيْضا وَأما الْخلْع فَلِأَنَّهُ إِذا صَحَّ الطَّلَاق مِنْهُ مجَّانا فصحته بتحصيل عوض أولى وَإِذا امْتنع تصرف هَؤُلَاءِ تصرف الْأَوْلِيَاء لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وأولاهم الْأَب بِالْإِجْمَاع ثمَّ الْجد وَإِن علا لِأَنَّهُ كَالْأَبِ فِي التَّزْوِيج فَكَذَا فِي المَال ثمَّ الْوَصِيّ ثمَّ وَصِيّ الْوَصِيّ ثمَّ الْحَاكِم لقَوْله ﷺ
(السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ)
وَهل يشْتَرط فِي الْأَب وَالْجد الْعَدَالَة قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا بُد من الْعَدَالَة الظَّاهِرَة وَفِي اشْتِرَاط الْعَدَالَة الْبَاطِنَة وَجْهَان قَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي أَن يكون أرجحهما عدم الْوُجُوب وَالله أعلم
قلت نقل الإِمَام عَن المنتمين إِلَى التَّحْقِيق أَنه كولاية النِّكَاح وَالْمذهب فِي النِّكَاح أَنه لَا يَلِي وَفِي التَّتِمَّة أَن الْعَدَالَة مُعْتَبرَة فِي حفظ المَال بِلَا خلاف فَلَا يُمكن الفاسف من حفظه وَقد قَالَ الرَّافِعِيّ لَو فسقا نزع المَال مِنْهُمَا ذكره فِي بَاب الْوَصِيَّة وَهَذَا كُله فِي الْأَب وَالْجد وَأما الْحُكَّام فشرطهم الْعَدَالَة بِلَا نزاع فَلَا يَلِي قُضَاة الرشا أَمْوَال الْمَذْكُورين وَمن قدر على مَال يَتِيم وَجب عَلَيْهِ حفظه بطريقه فَلَو دَفعه إِلَى قَاض من هَؤُلَاءِ قُضَاة الرشا الَّذين قد تحقق مِنْهُم دفع أَمْوَال الضُّعَفَاء إِلَى أُمَرَاء الْجور فَهُوَ عَاص آثم ضَامِن لِأَنَّهُ سلط هَؤُلَاءِ الفسقة على إِتْلَافه وَالله أعلم قَالَ
(وَتصرف الْمُفلس يَصح فِي ذمَّته دون أَعْيَان مَاله)
الْمُفلس من عَلَيْهِ دُيُون حَالَة زَائِدَة على قدر مَاله وَحجر عَلَيْهِ الْحَاكِم بطريقه وَمِنْهُم من يَقُول بسؤال الْغُرَمَاء فَإِذا حجر عَلَيْهِ لتَعلق حق الْغُرَمَاء بِمَالِه سَوَاء كَانَ المَال دينا أَو عينا أَو مَنْفَعَة
следующие страницы →