Полный текст (576 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الشَّرْع جعل المَال وَثِيقَة بدين
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وَفِي السّنة مَا ورد أَنه ﵊
(رهن درعاً عِنْد يَهُودِيّ على شعير لأَهله) ثمَّ الْمَقْصُود من الرَّهْن بيع الْعين الْمَرْهُونَة عِنْد الِاسْتِحْقَاق وَاسْتِيفَاء الْحق مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ كل مَا جَازَ بَيْعه جَازَ رَهنه وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يجوز رهن مَالا يجوز بَيْعه وَذَلِكَ كرهن الْمَوْقُوف وَرهن أم الْوَلَد وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يَصح رَهنه وَهُوَ كَذَلِك لفَوَات الْمَقْصُود مِنْهُ
ثمَّ شَرط الْمَرْهُون كَونه عينا على الرَّاجِح فَلَا يَصح رهن الدّين لِأَن شَرط الْمَرْهُون أَن يكون مِمَّا يقبض وَالدّين لَا يُمكن قَبضه وَإِذا قَبضه خرج عَن كَونه دينا وَيشْتَرط فِي الْمَرْهُون بِهِ أَن يكون دينا مُسْتَقرًّا وَاحْترز الشَّيْخ بِالدّينِ عَن الْعين فَلَا يَصح الرَّهْن على الْعين كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَة والمتسعارة وَجَمِيع الْأَعْيَان الْمَضْمُونَة لِأَن الْمَقْصُود اسْتِيفَاء الدّين من الْعين الْمَرْهُونَة وَلَا يتَصَوَّر اسْتِيفَاء الْعين من الْعين وَقيل يجوز كَمَا يجوز ضَمَانهَا وَقَوله إِذا اسْتَقر ثُبُوتهَا يَقْتَضِي أَن الدّين قبل استقراره وَذَلِكَ كَدين السّلم وَكَذَلِكَ يَصح بِمَا يؤول إِلَى اللُّزُوم كَالثّمنِ فِي زمن الْخِيَار وَيشْتَرط فِي الدّين أَن يكون مَعْلُوما لَهما قَالَه ابْن عَبْدَانِ وَصَاحب الِاسْتِقْصَاء وَأَبُو خلف الطَّبَرِيّ وَجزم بِهِ ابْن الرّفْعَة وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة مهمة وَلم أرها فِي الشَّرْح وَلَا فِي الرَّوْضَة وَالله أعلم قَالَ
(وللراهن الرُّجُوع فِيهِ مالم يقبضهُ)
قبض الْمَرْهُون أحد أَرْكَان الرَّهْن فِي لُزُومه فَلَا يلْزم إِلَّا بِقَبْضِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وَصفه بِالْقَبْضِ فَكَانَ شرطا فِيهِ كوصفه الرَّقَبَة بِالْإِيمَان وَالشَّهَادَة بِالْعَدَالَةِ فَلَو رهن وَلم يقبض فَلهُ فسخ ذَلِك لِأَنَّهُ قبل الْإِقْبَاض عقد جَائِز من جِهَة الرَّاهِن فَلهُ الرُّجُوع فِيهِ كزمن الْخِيَار فِي البيع فَإِذا قَبضه لزم وَلَيْسَ لَهُ حينئد الرُّجُوع للُزُوم العقد ثمَّ الرُّجُوع قد يكون بالْقَوْل وَقد
стр. 247
يكون بِالْفِعْلِ فَإِذا تصرف الرَّاهِن فِي الْمَرْهُون بِمَا يزِيل الْملك بَطل الرَّهْن كَالْبيع وَالْإِعْتَاق وَجعله صَدَاقا أَو أُجْرَة أَو رَهنه عِنْد آخر وأقبضه أَو وهبه وأقبضه فَكل ذَلِك رُجُوع وَلَو أجر الْمَرْهُون فَهَل هُوَ رُجُوع ينظر إِن كَانَت الْإِجَارَة تَنْقَضِي قبل مَحل الدّين فَلَيْسَ بِرُجُوع قطعا عِنْد الْعِرَاقِيّين وَالْمُتوَلِّيّ وَقطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْبَغوِيّ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَإِن كَانَ الدّين يحل قبل انْقِضَاء الْإِجَازَة فَإِن جَوَّزنَا رهن الْمَأْجُور وَبيعه وَهُوَ الْأَصَح فَلَيْسَ بِرُجُوع وَلَو وطئ الْجَارِيَة الْمَرْهُونَة فَإِن أحبلها فَهُوَ رُجُوع وَإِن لم تحبل أَو زَوجهَا فَلَيْسَ بِرُجُوع وَقَول الشَّيْخ وللراهن الرُّجُوع فِيهِ يَعْنِي فِي الْمَرْهُون وَيجوز رُجُوعه إِلَى عقد الرَّهْن وَقَوله مَا لم يقبضهُ رَاجع إِلَى الْمَرْهُون لَيْسَ إِلَّا للاستقرار وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يضمنهُ الْمُرْتَهن إِلَّا بِالتَّعَدِّي)
الْمَرْهُون أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لِأَن قَبضه بِإِذن الرَّاهِن فَكَانَ كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجرَة فَلَا يضمنهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي كَسَائِر الْأَمَانَات فَلَو تلف الْمَرْهُون بِغَيْر تعد لم يضمنهُ وَلم يسْقط من الدّين شَيْء لِأَنَّهُ وَثِيقَة فِي دين فَلَا يسْقط الدّين بتلفه كموت الضَّامِن وَالشَّاهِد
وَاعْلَم أَن الْمَرْهُون بعد زَوَال الرَّاهِن أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لَا يضمنهُ إِذا تلف إِلَّا بِالتَّعَدِّي وَلَو ادّعى الْمُرْتَهن تلف الْمَرْهُون صدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِين وَهَذَا إِذا لم يذكر سَببا أَو ذكر سَببا خفِيا فَإِذا ذكر سَببا ظَاهرا لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِإِمْكَان إِقَامَة الْبَيِّنَة على السَّبَب الظَّاهِر بِخِلَاف الْخَفي فَإِنَّهُ يتَعَذَّر أَو يتعسر وَلَو ادّعى الرَّد لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا تعسر للبينة وَلِأَنَّهُ قَبضه لغَرَض نَفسه فَلَا يقبل كالمستعير وَقَول الشَّيْخ إِلَّا بِالتَّعَدِّي بِأَن يتَصَرَّف فِيهِ تَصرفا هُوَ مَمْنُوع مِنْهُ وأنواع التَّعَدِّي كَثِيرَة وَهِي مَذْكُورَة فِي الْوَدِيعَة وَمن جُمْلَتهَا الِانْتِفَاع بالمرهون بِأَن كَانَت دَابَّة فركبها أَو حمل عَلَيْهَا أَو آنِية فاستعملها وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا قضى بعض الْحق لم يخرج شَيْء من الرَّهْن حَتَّى يقْضِي جَمِيعه)
جَمِيع الْعين الْمَرْهُونَة وَثِيقَة بِكُل الدّين وَبِكُل جُزْء مِنْهُ فَلَا يَنْفَكّ حَتَّى يقْضِي جَمِيع الدّين وَفَاء بِمُقْتَضى الرَّهْن كَالْمكَاتبِ لَا يعْتق إِلَّا بأَدَاء جَمِيع نُجُوم الْكِتَابَة وَادّعى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ذَلِك وَالله أعلم
(فرع) يَصح رهن الْمشَاع من الشَّرِيك وَغَيره وَقَبضه بِقَبض جَمِيعه كَالْبيع وَيجوز أَن يستعير شَيْئا ليرهنه بِدِينِهِ لِأَن الرَّهْن وَثِيقَة فَيجوز بِمَا لَا يملكهُ كالضمان فَإِذا لزم الرَّهْن فَلَا رُجُوع للْمَالِك وَلَو أذن الرَّاهِن للْمُرْتَهن فِي بيع الْمَرْهُون وَاسْتِيفَاء الْحق فَإِن بَاعه بِحَضْرَة الرَّاهِن صَحَّ وَإِلَّا فَلَا لِأَن بَيْعه لغَرَض نَفسه فاتهم فِي بيعَته لغيبته فَلَو قدر الثّمن انْتَفَت التُّهْمَة وَلَو شَرط كَون
стр. 248
الْمَرْهُون مَبِيعًا للْمُرْتَهن عِنْد حُلُول الدّين فسد عقد الرَّهْن لتأقيته وَلَا يَصح البيع لتعليقه وَلَو أتلف الْمَرْهُون وَقبض بدله صَار رهنا مَكَانا لِأَنَّهُ بدله وَيجْعَل فِي يَد من كَانَ الأَصْل فِيهِ يَده والخصم فِي دَعْوَى التّلف الرَّاهِن لِأَنَّهُ الْمَالِك وَلَو قَالَ الرَّاهِن زِدْنِي دينا وأرهن الْعين الْمَرْهُونَة على الدينَيْنِ لم يَصح على الرَّاجِح وطريقته أَن يفك الرَّهْن ويرهن بالدينين وَلَو اخْتلفَا فِي أصل الرَّهْن أَو فِي قدره بِأَن قَالَ رهنتني هذَيْن الشَّيْئَيْنِ فَقَالَ لَا بل أَحدهمَا صدق الرَّاهِن وَلَو اخْتلفَا فِي قبض الْمَرْهُون فَإِن كَانَ فِي يَد الرَّاهِن فَهُوَ الْمُصدق وَإِن كَانَ فِي يَد الْمُرْتَهن صدق وَإِن ادّعى الرَّاهِن أَنه غصبه وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الْقَبْض فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن لِأَن الأَصْل عدم الْإِذْن وَعدم اللُّزُوم وَكَذَا لَو قَالَ الرَّاهِن اقبضه عَن جِهَة الْإِجَارَة أَو الْإِعَارَة أَو الْإِيدَاع فَإِنَّهُ الْمُصدق على الْأَصَح الْمَنْصُوص فَلَو قَالَ الرَّاهِن نعم أَذِنت لَك فِي الْقَبْض وَلَكِن رجعت قبل قبضك فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن وَلَو أقرّ الرَّاهِن بِأَنَّهُ أقرّ بِقَبْضِهِ ثمَّ قَالَ لم يكن إقراري عَن حَقِيقَته فَلهُ تَحْلِيف الْمُرْتَهن على مَا يَدعِيهِ لِكَثْرَة دوران ذَلِك بَين النَّاس وَلَو أذن الْمُرْتَهن فِي بيع الْمَرْهُون فَبيع وَرجع عَن الْإِذْن وَقَالَ رجعت قبل البيع وَقَالَ الرَّاهِن بعده فَالْأَصَحّ تَصْدِيق الْمُرْتَهن فَلَو أنكر الرَّاهِن أصل الرُّجُوع فَالْقَوْل قَوْله وَمن عَلَيْهِ دينان بِأَحَدِهِمَا رهن فَأدى أحد الدينَيْنِ وَقَالَ أديته عَن دين الرَّهْن فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ أعرف بنيته وَالصَّحِيح أَن تعلق الدّين بِالتَّرِكَةِ لَا يمْنَع الْإِرْث فَتكون الزَّوَائِد من التَّرِكَة للْوَارِث وَلَا يتَعَلَّق بهَا الدّين وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْحجر فصل وَالْحجر على سِتَّة الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه المبذر لمَاله
الْحجر فِي اللُّغَة الْمَنْع وَلِهَذَا يُقَال للدَّار المحوطة محجرة لِأَن بناءها يمْنَع
وَفِي الِاصْطِلَاح الْمَنْع من التَّصَرُّف فِي المَال
وَهُوَ نَوْعَانِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخ حجر لمصْلحَة الْمَحْجُور عَلَيْهِ وَحجر لمصْلحَة الْغَيْر
النَّوْع الأول الْحجر لمصْلحَة الشَّخْص نَفسه فَمن ذَلِك الصَّبِي وَألْحق بِهِ من لَهُ أدنى تَمْيِيز وَلم يكمل عِنْده وَمِنْه الْمَجْنُون وَألْحق بِهِ النَّائِم فَإِن تصرفه بَاطِل وَمِنْه حجر السَّفِيه وَألْحق بِهِ السَّكْرَان
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها﴾ أَي مبذرا ولوكان كَبِيرا ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ أَي صَغِيرا أَو كَبِيرا مختلاً ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أَي مَجْنُونا ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾
стр. 249
أخبر أَن هَؤُلَاءِ تنوب عَنْهُم الْأَوْلِيَاء وَقل الله تَعَالَى ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ قَالَ
(والمفلس الَّذِي ارتكبته الدُّيُون وَالْمَرِيض الْمخوف عَلَيْهِ فِيمَا زَاد على الثُّلُث وَالْعَبْد الَّذِي لم يُؤذن لَهُ فِي التِّجَارَة)
هَذَا هُوَ النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الْحجر لمصْلحَة الْغَيْر فحجر الْمُفلس لحق أَصْحَاب الدُّيُون فَلَا يَصح بَيْعه وإعتاقه وكتابته وهبته على الْأَظْهر وَكَذَا جَمِيع التَّصَرُّفَات المفوتة المَال الْمَوْجُود حَال التَّصَرُّف لِأَنَّهُ تصرف يفوت حق الْغَيْر فَلَا ينفذ فِيهِ تصرف وَإِلَّا لأبطل فَائِدَة الْحجر
وَأما حجر الْمَرِيض فَإِنَّهُ لحق الْوَرَثَة فِيمَا زَاد على الثُّلُث بعد الدُّيُون وَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ثلث مَاله وَالِاعْتِبَار بِحَالَة الْمَوْت على الصَّحِيح لَا بِوَقْت الْوَصِيَّة فَلَو أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله وَلَا واث لَهُ فَهِيَ بَاطِلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّائِد على الثُّلُث وَتَصِح فِي الثُّلُث لقَوْله ﷺ
(إِن الله أَعْطَاكُم عِنْد وفاتكم ثلث أَمْوَالكُم زِيَادَة فِي أَعمالكُم) وَإِن كَانَ لَهُ وَارِث فَسَيَأْتِي فِي مَحَله إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما كَون الْمَرَض مخوفا فَلَا بُد مِنْهُ وَبَيَانه يَأْتِي فِي الْوَصِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْحجر فِي العَبْد فلسيده فَلَا يَصح مِنْهُ بِغَيْر إِذن مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ لَا مَال لَهُ وَلَا ولَايَة فَلهَذَا لَا يَصح تصرفه وأهمل الشَّيْخ أَشْيَاء مِنْهَا حجر الْمُرْتَد لأجل الْمُسلمين وَمِنْهَا حجر الرَّهْن لأجل الْمُرْتَهن وَمِنْهَا الْحجر على السَّيِّد فِي العَبْد الْجَانِي لحق الْمَجْنِي عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْحجر على الْوَرَثَة فِي التَّرِكَة لحق الْمَيِّت وَحقّ أَصْحَاب الْحُقُوق وَمِنْهَا الْحجر على الْمُمْتَنع من إِعْطَاء الدُّيُون إِذا كَانَ مَاله زَائِدا على قدر الدُّيُون وَطَلَبه المستحقون ذكره الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْفلس
وَمِنْهَا إِذا فسخ المُشْتَرِي بِعَيْب كَانَ لَهُ حبس الْمَبِيع إِلَى قبض الثّمن ويحجر على البَائِع فِي بَيْعه وَالْحَالة هَذِه ذكره الرَّافِعِيّ فِي حكم الْمَبِيع قبل الْقَبْض عَن الْمُتَوَلِي وَأقرهُ وَمِنْهَا الدَّار الَّتِي اسْتحقَّت الْمُعْتَدَّة أَن تَعْتَد فِيهَا لَا يجوز بيعهَا لتَعلق حق الْمَرْأَة بهَا إِذا كَانَت عدتهَا بِالْحملِ أَو الْأَقْرَاء لِأَن الْمدَّة غير مَعْلُومَة قَالَه الْأَصْحَاب
وَمِنْهَا الْحجر على من اشْترى عبدا بِشَرْط الْإِعْتَاق فَإِنَّهُ لَا يَصح بَيْعه لِأَن الْعتْق مُسْتَحقّ عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْحجر على الْمُسْتَأْجر فِي الْعين الَّتِي اسْتَأْجر شخصا على الْعَمَل فِيهَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي
стр. 250
حكم الْمَبِيع قبل الْقَبْض وَبَقِي غير ذَلِك ذكره غير لَائِق بِالْكتاب وَالله أعلم قَالَ
(وَتصرف الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه غير صَحِيح)
قلت لَا يجوز تصرف الصَّبِي وَمن فِي مَعْنَاهُ وَالْمَجْنُون وَمن فِي مَعْنَاهُ فِي مَالهم لِأَن عدم صِحَة التَّصَرُّف هُوَ فَائِدَة الْحجر نعم يَصح تَدْبِير الصَّبِي ووصيته فِي وَجه لِأَنَّهُ يعود فَائِدَة ذَلِك عَلَيْهِ بعد الْمَوْت وَأما السَّفِيه فَكَذَلِك لَا يَصح تصرفه وَإِلَّا لبطلت فَائِدَة الْحجر فَلَا يَصح بَيْعه وَلَا هِبته وَكَذَا إنكاحه بِغَيْر إِذن الْوَلِيّ وَكَذَا لَا يَصح عتقه وكتابته وَفِي وَجه ينفذ عتقه فِي مرض مَوته تَغْلِيبًا لحجر الْمَرَض وَفِي وَجه أَنه ينفذ تصرفه فِي مَوضِع لَا ولي فِيهِ وَلَا وَصِيّ وَلَا حَاكم إِلَّا أَن يلْحقهُ نظر وَال فَيضْرب عَلَيْهِ الْحجر وَلَو اشْترى بِثمن فِي ذمَّته لم يَصح على الصَّحِيح وَلَو طلق أَو خَالع صَحَّ أما الطَّلَاق فَلِأَن الْحجر لم يتَنَاوَلهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَفِيه نظر من جِهَة مَا يلْحقهُ من تَفْوِيت الِاسْتِمْتَاع وتجديد الْمهْر وَأجَاب القَاضِي أَبُو الطّيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ يتسرى وَلَا ينفذ عتقه وَفِيه نظر أَيْضا وَأما الْخلْع فَلِأَنَّهُ إِذا صَحَّ الطَّلَاق مِنْهُ مجَّانا فصحته بتحصيل عوض أولى وَإِذا امْتنع تصرف هَؤُلَاءِ تصرف الْأَوْلِيَاء لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وأولاهم الْأَب بِالْإِجْمَاع ثمَّ الْجد وَإِن علا لِأَنَّهُ كَالْأَبِ فِي التَّزْوِيج فَكَذَا فِي المَال ثمَّ الْوَصِيّ ثمَّ وَصِيّ الْوَصِيّ ثمَّ الْحَاكِم لقَوْله ﷺ
(السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ)
وَهل يشْتَرط فِي الْأَب وَالْجد الْعَدَالَة قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا بُد من الْعَدَالَة الظَّاهِرَة وَفِي اشْتِرَاط الْعَدَالَة الْبَاطِنَة وَجْهَان قَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي أَن يكون أرجحهما عدم الْوُجُوب وَالله أعلم
قلت نقل الإِمَام عَن المنتمين إِلَى التَّحْقِيق أَنه كولاية النِّكَاح وَالْمذهب فِي النِّكَاح أَنه لَا يَلِي وَفِي التَّتِمَّة أَن الْعَدَالَة مُعْتَبرَة فِي حفظ المَال بِلَا خلاف فَلَا يُمكن الفاسف من حفظه وَقد قَالَ الرَّافِعِيّ لَو فسقا نزع المَال مِنْهُمَا ذكره فِي بَاب الْوَصِيَّة وَهَذَا كُله فِي الْأَب وَالْجد وَأما الْحُكَّام فشرطهم الْعَدَالَة بِلَا نزاع فَلَا يَلِي قُضَاة الرشا أَمْوَال الْمَذْكُورين وَمن قدر على مَال يَتِيم وَجب عَلَيْهِ حفظه بطريقه فَلَو دَفعه إِلَى قَاض من هَؤُلَاءِ قُضَاة الرشا الَّذين قد تحقق مِنْهُم دفع أَمْوَال الضُّعَفَاء إِلَى أُمَرَاء الْجور فَهُوَ عَاص آثم ضَامِن لِأَنَّهُ سلط هَؤُلَاءِ الفسقة على إِتْلَافه وَالله أعلم قَالَ
(وَتصرف الْمُفلس يَصح فِي ذمَّته دون أَعْيَان مَاله)
الْمُفلس من عَلَيْهِ دُيُون حَالَة زَائِدَة على قدر مَاله وَحجر عَلَيْهِ الْحَاكِم بطريقه وَمِنْهُم من يَقُول بسؤال الْغُرَمَاء فَإِذا حجر عَلَيْهِ لتَعلق حق الْغُرَمَاء بِمَالِه سَوَاء كَانَ المَال دينا أَو عينا أَو مَنْفَعَة
стр. 251
فَلَا يَصح تصرفه فِي المَال وَإِلَّا بطلت فَائِدَة الْحجر فَإِذا بَاعَ سلما أَو اشْترى فِي ذمَّته فَهَل يَصح قيل لَا كالسفيه وَالصَّحِيح الصِّحَّة إِذْ لَا ضَرَر على الْغُرَمَاء فِي ذَلِك وَكَذَا يَصح طَلَاقه وخلعه أولى لِأَنَّهُ تَحْصِيل وَيصِح نِكَاحه واقتصاصه وإسقاطه الْقصاص لِأَنَّهُ لَا تعلق لذَلِك بِمَال فَلَا تَفْوِيت على الْغُرَمَاء وَلَو أقرّ الْمُفلس بِعَين أَو دين قبل الْحجر فَالْأَظْهر قبُوله فِي حق الْغُرَمَاء قِيَاسا على الْمَرِيض وَلِأَن ضَرَره فِي حَقه أَكثر مِنْهُ فِي حق الْغُرَمَاء فَلَا يتهم فعلى هَذَا لَو طلب الْغُرَمَاء تَحْلِيفه على ذَلِك يحلف لِأَنَّهُ لَو امْتنع لم يفد امْتِنَاعه شَيْئا إِذْ لَا يقبل رُجُوعه وَقيل لَا يقبل إِقْرَاره فِي حق الْغُرَمَاء لِأَن فِيهِ ضَرَرا بهم وَلِأَنَّهُ رُبمَا واطأ الْمقر لَهُ
قلت هَذَا القَوْل قوي وَيُؤَيِّدهُ أَنه لَو رهن عينا ثمَّ أقرّ بهَا فَإِنَّهُ لَا يقبل فِي حق الْمُرْتَهن وَإِلَّا فَمَا الْفرق وَالْفرق بتعاطيه ضَعِيف وَالْأَحْسَن أَن يُقَال إِن كَانَ الْمَحْجُور عَلَيْهِ موثقًا بِدِينِهِ قبل وَإِن كَانَ غير موثق بِهِ وَقد عرف مِنْهُ الخديعة وَأكل الْأَمْوَال بهَا فَالْمُتَّجه عدم قبُوله وَتبقى الْقَرِينَة مرجحة وَالله أعلم قَالَ
(وَتصرف الْمَرِيض فِيمَا زَاد على الثُّلُث مَوْقُوف على إجَازَة الْوَرَثَة من بعده)
تصرف الْمَرِيض فِي ثلثه جَائِز نَافِذ لِأَن الْبَراء بن معْرور ﵁ أوصى للنَّبِي ﷺ مَاله فَقبله ورده على ورثته قيل إِنَّه أول من أوصى بِالثُّلثِ فَلَو زَاد على الثُّلُث وَله وَرَثَة فَهَل تبطل الْوَصِيَّة فِي الْقدر الزَّائِد على الثُّلُث أَو لَا تبطل فِيهِ خلاف الرَّاجِح لَا تبطل وَتوقف على إجَازَة الْوَرَثَة فَإِن أَجَازُوا صحت وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهَا وَصِيَّة صادفت ملكه وَإِنَّمَا تعلق بهَا حق الْغُرَمَاء فَأشبه بيع الشّقص الْمَشْفُوع وَقَول الشي من بعده يَعْنِي مَوته وَلَا تصح الْإِجَازَة وَالرَّدّ إِلَّا بعد الْمَوْت إِذْ لَا حق للْوَرَثَة قبل الْمَوْت فَأشبه عَفْو الشَّفِيع قبل البيع وَأَيْضًا فَيجوز أَن يصير الْوَارِث الْآن غير وَارِث عِنْد الْمَوْت وَالله أعلم
(فرع حسن كثير الْوُقُوع) إِذا أجَاز الْوَارِث ثمَّ قَالَ أجزت لِأَنِّي ظَنَنْت أَن المَال قَلِيل وَقد بَان خِلَافه فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه أَنه لم يعلم إِذْ الأَصْل عدم الْعلم بالمقدار مِثَاله أَن يُوصي بِالنِّصْفِ فيجيز الْوَارِث ثمَّ يَقُول ظَنَنْت أَن التَّرِكَة سِتَّة آلَاف فمسحت بِالْألف فَبَان أَنَّهَا سِتُّونَ ألفا فَلم أسمح بِعشْرَة آلَاف فَإِذا حلف نفذت الْإِجَازَة فِيمَا علمه وَهُوَ ألف فَيَأْخذهُ الْمُوصي لَهُ مَعَ الثُّلُث وَالْبَاقِي للْوَارِث وَوَجهه أَنه إِسْقَاط حق عَن عين فَلم يَصح مَعَ الْجَهَالَة كَالْهِبَةِ فَلَو أَقَامَ الْمُوصي لَهُ بَيِّنَة بِعلم الْوَارِث بِقدر التَّرِكَة لَزِمت الْإِجَازَة وَلَو قَالَ ظَنَنْت أَن المَال كثير وَقد بَان
стр. 252
خِلَافه فَقَوْلَانِ وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يُوصي بِعَبْد لزيد من الثُّلُث فيجيز الْوَارِث ثمَّ يَقُول ظَنَنْت أَن المَال كثير فَيكون الزَّائِد من قِيمَته على الثُّلُث يَسِيرا فَبَان المَال قَلِيلا وَأَن العَبْد أَكثر من التَّرِكَة وَلم أَرض بذلك أَو قَالَ ظهر دين لم أعلمهُ فَفِي قَول يقبل قَوْله كالمسألة الأولى فَينفذ فِي الثُّلُث وَفِي الْقدر الْيَسِير الَّذِي اعتقده وَالصَّحِيح أَنه لَا يقبل هُنَا وَتلْزم الْوَصِيَّة فِي جَمِيع العَبْد لِأَن الْإِجَازَة هُنَا وَقعت بِمِقْدَار مَعْلُوم وَإِنَّمَا جعل الْجَهْل فِي غَيره فَلم يقْدَح فِي الْإِجَازَة وَفِي الْمَسْأَلَة الأولى الْجَهْل حصل فِيمَا حصلت فِي الْإِجَازَة فأثر فِيهَا وَالله أعلم قَالَ
(وَتصرف العَبْد يكون فِي ذمَّته يتبع بِهِ إِذا عتق)
العَبْد إِذا لم يَأْذَن لَهُ سَيّده فِي الْمُعَامَلَة لَا يَصح شِرَاؤُهُ على الرَّاجِح وَلِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ ثُبُوت الْملك لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للْملك وَلَا لسَيِّده بعوض فِي ذمَّته لِأَنَّهُ لم يرض بِهِ وَلَا فِي ذمَّة العَبْد لما فِيهِ من حُصُول أحد الْعِوَضَيْنِ لغير من يلْزمه الْأَخْذ وَقيل يَصح لِأَنَّهُ مُتَعَلق بِذِمَّة العَبْد وَلَا حجر للسَّيِّد على ذمَّته قَالَ الإِمَام لَا احتكام للسادات على ذمم عبيدهم حَتَّى لَو أجبر عَبده على ضَمَان أَو شِرَاء مَتَاع فِي ذمَّته لم يَصح وَهَذَا القَوْل نسبه الْمَاوَرْدِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب إِلَى الْجُمْهُور فعلى الرَّاجِح يسْتَردّ البَائِع الْمَبِيع سَوَاء كَانَ فِي يَده أَو فِي يَد السَّيِّد أَو بَاعه العَبْد لزمَه الضَّمَان وَتعلق الضَّمَان بِذِمَّتِهِ حَتَّى لَا يُطَالب إِلَّا بعد الْعتْق لِأَنَّهُ وَجب برضى صَاحب الْحق وَلم يَأْذَن فِيهِ السَّيِّد وَالْقَاعِدَة المقررة فِيمَا يتلفه العَبْد أَو يتْلف تَحت يَده أَن مَا يلْزمه بِغَيْر رضى مُسْتَحقّه كالمغصوب يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ وَلَا يتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ فِي الاظهر وَمَا لزمَه برضى الْمُسْتَحق فَإِن أذن فِيهِ السَّيِّد كالصداق تعلق بِالذِّمةِ وَالْكَسْب وَإِن لم يَأْذَن فِيهِ السَّيِّد كَمَسْأَلَة الشِّرَاء تعلق بِذِمَّتِهِ فَقَط لَا بِالْكَسْبِ وَلَا بِالرَّقَبَةِ وعَلى هَذَا يحمل كَلَام الشَّيْخ واقتراض العَبْد كشرائه فِي جَمِيع مَا مر لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة مَالِيَّة فَكَانَ كالشراء وَلَو أذن لَهُ السَّيِّد فِي التِّجَارَة صَحَّ بِالْإِجْمَاع قَالَه الرَّافِعِيّ وَيكون التَّصَرُّف على حسب الْإِذْن وَالله أعلم قَالَ
بَاب الصُّلْح فصل وَيصِح الصُّلْح مَعَ الْإِقْرَار فِي الْأَمْوَال وَمَا أفْضى إِلَيْهَا وَهُوَ نَوْعَانِ إِبْرَاء ومعاوضة فالإبراء اقْتِصَاره من حَقه على بعضه وَلَا يجوز على شَرط والمعاوضة عدوله عَن حَقه إِلَى غَيره وَيجْرِي عَلَيْهِ حكم البيع
الصُّلْح فِي اللُّغَة قطع الْمُنَازعَة وَفِي الِاصْطِلَاح هُوَ العقد الَّذِي يَنْقَطِع بِهِ خُصُومَة المتخاصمين
стр. 253
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وَفِي السّنة المطهرة قَوْله ﵊
(الصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين) وَفِي رِوَايَة
(إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا)
إِذا عرفت هَذَا فَالصُّلْح تَارَة يَقع مَعَ الْإِنْكَار وَتارَة مَعَ الْإِقْرَار فَالصُّلْح مَعَ الْإِنْكَار بَاطِل وَمَعَ الْإِقْرَار صَحِيح وَهُوَ كَمَا ذكره الشَّيْخ نَوْعَانِ إِبْرَاء ومعاوضة وَصُورَة الْإِبْرَاء بِلَفْظ الصُّلْح وَيُسمى صلح الحطيطة بِأَن يَقُول صالحتك على الْألف الَّذِي لي عَلَيْك على خَمْسمِائَة فَهُوَ إِبْرَاء عَن بعض الدّين بِلَفْظ الصُّلْح وَفِيه وَجْهَان الْأَصَح الصِّحَّة وَفِي اشْتِرَاط الْقبُول وَجْهَان كالوجهين فِيمَا لَو قَالَ من عَلَيْهِ دين وهبته لَك وَالأَصَح الِاشْتِرَاط لِأَن اللَّفْظ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِيهِ وَلَو صَالح من ألف على خَمْسمِائَة مُعينَة جرى الْوَجْهَانِ وَرَأى إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْفساد هُنَا أظهر وَيشْتَرط قبض الْخَمْسمِائَةِ فِي الْمجْلس هَذَا وهم فَإِن الْأَصَح أَنه لَا يشْتَرط الْقَبْض فِي الْمجْلس كَمَا فِي الْمِنْهَاج وَغَيره وَلَا يشْتَرط تَعْيِينهَا فِي نفس الصُّلْح على الْأَصَح وَلَو صَالح من ألف حَال على ألف مُؤَجل أَو عسكه فَبَاطِل لِأَن لأجل لَا يلْحق وَلَا يسْقط وَلَا يَصح تَعْلِيق هَذَا الصُّلْح على شَرط لِأَنَّهُ إِبْرَاء وتعليف الْإِبْرَاء لَا يَصح وَالله أعلم
النَّوْع الثَّانِي صلح الْمُعَاوضَة وَهُوَ الَّذِي يجْرِي على غير الْعين المدعاة بِأَن ادّعى عَلَيْهِ دَارا مثلا فاقر بهَا وَصَالَحَهُ مِنْهَا على عبد أَو على دَابَّة أَو ثوب فَهَذَا حكمه كَمَا قَالَه الشَّيْخ حكم الْمَبِيع وَإِن عقد بِلَفْظ الصُّلْح نظر إِلَى الْمَعْنى وَيتَعَلَّق بِهِ جَمِيع أَحْكَام البيع كالرد بِالْعَيْبِ وَالْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَالْمَنْع من التَّصَرُّف قبل الْقَبْض وَالْقَبْض فِي الْمجْلس إِن كَانَ الْمصَالح عَلَيْهِ والمصالح عَنهُ ربوياً متفقين فِي عِلّة الرِّبَا وَاشْتِرَاط التَّسَاوِي فِي معيار الشَّرْع إِن كَانَا جِنْسا وَاحِدًا وَيفْسد بالغرر وَالْجهل وبالشروط الْفَاسِدَة كفساد البيع وَلَو صَالحه منا على مَنْفَعَة دَار أَو دَابَّة مُدَّة مَعْلُومَة جَازَ وَيكون هَذَا الصُّلْح إجَازَة فَيثبت فِيهِ أَحْكَام الْإِجَارَة وَلَو صَالحه على بعض الْعين المدعاة كمن صَالح من الدَّار المدعاة على نصفهَا أوثلثها أَو من الْعَبْدَيْنِ على أَحدهمَا أَو من الغنيمتين كَذَلِك فَهَذَا هبة بعض الْمُدَّعِي لمن هُوَ فِي يَده فَيشْتَرط لصِحَّة الْهِبَة الْقبُول ومضي زمَان يُمكن فِيهِ
стр. 254
الْقَبْض وَيصِح هذابلفظ العبة وماهو فِي مَعْنَاهُ وَفِي صِحَّته بِلَفْظ الصُّلْح وَجْهَان الصَّحِيح الصِّحَّة وَلَا يَصح هَذَا الصُّلْح بِلَفْظ البيع وَقَول الشَّيْخ فِي الْأَمْوَال هُوَ كَمَا ذكرنَا وَقَوله وَفِيمَا أفْضى إِلَيْهِمَا كَمَا إِذا ثَبت لَهُ قصاص فَصَالح عَلَيْهِ بِلَفْظ الصُّلْح صَحَّ وَإِن صَالح بِلَفْظ البيع فَلَا وَأما مَا لَيْسَ بِمَال يؤول إِلَى المَال كَحَد الْقَذْف فَلَا يَصح الصُّلْح عَلَيْهِ بعوض وَالله أعلم قَالَ
(وَيجوز للْإنْسَان أَن يشرع روشناً فِي طَرِيق نَافِذ لَا يتَضَرَّر الْمَارَّة بِهِ وَلَا يجوز فِي الدَّرْب الْمُشْتَرك إِلَّا بِإِذن أهل الدَّرْب وَيجوز تَقْدِيم الْبَاب فِي الدَّرْب الْمُشْتَرك وَلَا يجوز تَأْخِيره إِلَّا بِإِذن الشُّرَكَاء)
اعْلَم أَن الطَّرِيق قِسْمَانِ نَافِذ وَغَيره فالنافذ لَا يخْتَص بأحذ بل كل النَّاس يسْتَحقُّونَ الْمُرُور فِيهِ فَلَيْسَ لأحد أَن يتَصَرَّف فِيهِ بِمَا يضر الْمَارَّة كإشراع جنَاح وَبِنَاء ساباط لِأَن الْحق لَيْسَ لَهُ فَإِن فعل فَهَل لكل أحد أَن يهدمه وَجْهَان حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وبشرط أَن يعليه بِحَيْثُ يمر الْمَاشِي منتصباً قَالَ المارودي وعَلى رَأسه مَا يحملهُ قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وَهُوَ الْأَشْبَه هَذَا إِذا اخْتصَّ بالمشاة فَإِن كَانَ يمر فِيهِ الفرسان والقوافل فيرفعه بِحَيْثُ يمر فِيهِ الْبَعِير وَعَلِيهِ المحارة وَنَحْوهَا
والاصل فِي جَوَاز الإشراع أَنه ﵊
(نصب بِيَدِهِ الْكَرِيمَة ميزاباً فِي دَار عَمه الْعَبَّاس ﵁ وَكَانَ شَارِعا إِلَى مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا ورد النَّص فِي الْمِيزَاب قسنا عَلَيْهِ الْبَاقِي
وَاعْلَم أَنه يشْتَرط فِي المشرع أَن يكون مُسلما فَإِن كَانَ ذِمِّيا لم يجز لَهُ الْإِخْرَاج إِلَى شوارع الْمُسلمين على الْأَصَح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة لِأَنَّهُ كإعلاء الْبناء على الْمُسلمين أَو أبلغ قَالَ ابْن الرّفْعَة وسلوكهم طَرِيق الْمُسلمين لَيْسَ عَن اسْتِحْقَاق بل بطرِيق التبع للْمُسلمين وَلَو كَانَ الشَّارِع مَوْقُوفا فَمَا حكمه هَل هُوَ كالمملوك أم لَا توقف فِيهِ ابْن الرّفْعَة وَقَضِيَّة إِطْلَاق الشَّيْخ أَنه لَا فرق وَقَول الشَّيْخ وَيجوز أَن يشرع أَي يخرج جنَاحا وَحذف ذَلِك للْعلم بِهِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يجوز غَيره كبناء دكة وغرس شجر وَهُوَ كَذَلِك إِن ضرّ بِلَا خلاف وَكَذَا إِن لم يضر على الرَّاجِح نعم يجوز أَن يفتح الْأَبْوَاب فِي الشوارع كَيْفَمَا شَاءَ الفاتح وَالله أعلم
(فرع) يحرم على الإِمَام أَو غَيره أَن يُصَالح على إشراع الْجنَاح لِأَن الْهَوَاء لَا يفرد بِالْعقدِ
стр. 255
وَإِنَّمَا يتبع الْقَرار وَلِأَنَّهُ إِن ضرّ لم يجز فعله وَإِن لم يضر فالمخرج يسْتَحقّهُ وَمَا يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان فِي الطَّرِيق لَا يجوز أَخذ الْعِوَض عَنهُ كالمرور وَأما الدَّرْب المسدود إِذا كَانَ مُشْتَركا فَيحرم على غير أَهله أَن يشرع إِلَيْهِ جنَاحا بِغَيْر إذْنهمْ لِأَنَّهُ ملكهم كَذَا علله الْأَصْحَاب
قلت وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يجوز لغير أهل الدَّرْب الدُّخُول فِيهِ بِغَيْر إذْنهمْ وَأجَاب الإِمَام أَن الدُّخُول للْغَيْر مُسْتَفَاد من قَرَائِن الْأَحْوَال قَالَ الأسنائي وَمُقْتَضى هَذَا الْجَواب أَنه لَا يجوز الدُّخُول إِذا كَانَ فِي الْمُسْتَحقّين مَحْجُور عَلَيْهِ لِأَن الْإِجَابَة ممتنعة مِنْهُ وَمن وليه وَقد توقف ابْن عبد السَّلَام أَيْضا فِي الشّرْب من أنهارهم وَغَيرهَا وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن لَيْسَ لأحد أَن يجلس فِي دربهم بِغَيْر إذْنهمْ وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ إِلَّا بِإِذن أهل الدَّرْب هُوَ أَعم من الْأَجَانِب وَمن أَصْحَابه وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْأَمْلَاك الْمُشْتَركَة هَذَا شَأْنهَا لَا يجوز التَّصَرُّف فِيهَا إِلَّا بِإِذن بَقِيَّة الشُّرَكَاء وَلِهَذَا يحرم على الشَّرِيك أَن يترب الْكتاب من الْحَائِط الْمُشْتَرك إِلَّا بِإِذن الشَّرِيك وَاعْلَم أَن أهل الدَّرْب المسدود من لَهُ فِيهِ بَاب نَافِذ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يسْتَحق الِانْتِفَاع وَيسْتَحق كل وَاحِد من بَاب دَاره إِلَى رَأس الدَّرْب دون مَا يَلِي آخر الدَّرْب على الصَّحِيح لِأَن ذَلِك الْقدر هُوَ مَحل تردده وَمَا عدا ذَلِك هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِيهِ فَإِذا أَرَادَ أَن يفتح بَابا إِلَى دَاخله منع إِلَّا برضاهم وَإِن أَرَادَ أَن يُؤَخر بَابه إِلَى رَأس الدَّرْب فَلهُ دلك لِأَنَّهُ ترك بعض حَقه بِشَرْط أَن يسد الأول وَاعْلَم أَن وضع الْمِيزَاب كفتح الْبَاب ثمَّ حَيْثُ منع الشَّخْص من فتح بَاب فَصَالح أهل الدَّرْب بِمَال صَحَّ لِأَنَّهُ انْتِفَاع بِالْأَرْضِ بِخِلَاف إشراع الْجنَاح كَمَا مر الْفُرُوع وَالله أعلم
(فرع) للشَّخْص فتح طاقات فِي ملكه كَيفَ شَاءَ إِذْ لَا حجر عَلَيْهِ وَلَو أَرَادَ أَن يفتح بَابا فِي الدَّرْب المسدود ويسمره فَهَل لَهُ ذَلِك بِغَيْر رضى أَهله وَجْهَان
أَحدهمَا لَا كَمَا لَو قَالَ أَنا أَتَّخِذ آنِية من ذهب أَو فضَّة وَلَا أستعملها فَإِنَّهُ يمْنَع من ذَلِك وَالرَّاجِح فِي الْبَاب الْجَوَاز دون الْأَوَانِي لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ رفع حَائِطه بِكَمَالِهِ كَانَ لَهُ ذَلِك فَهَذَا أولى وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْحِوَالَة فصل وشرائط الْحِوَالَة أَرْبَعَة رضى الْمُحِيل وَقبُول الْمُحْتَال وَكَون الْحق مُسْتَقرًّا فِي الذِّمَّة واتفاق مَا فِي ذمَّة الْمُحِيل والمحال عَلَيْهِ فِي الْجِنْس وَالنَّوْع والحلول والتأجيل وتبرأ بهَا ذمَّة الْمُحِيل
الْحِوَالَة بِفَتْح الْحَاء وَحكي كسرهَا وَهِي فِي اللُّغَة الإنتقال من قَوْلهم حَال عَن الْعَهْد أَي انْتقل
стр. 256
وَهِي فِي الِاصْطِلَاح انْتِقَال الدّين من ذمَّة إِلَى ذمَّة وحقيقتها بيع دين بدين على الْأَصَح واستثنيت من بيع الدّين بِالدّينِ لمسيس الْحَاجة والاصل فِيهَا الْإِجْمَاع مَا ورد أَنه ﵊ قَالَ
(مطل الْغَنِيّ ظلم وَإِذا أتبع أحدكُم على ملئ فَليتبعْ) وَفِي رِوَايَة
(وَإِذا أُحِيل أحدكُم على ملئ فَليَحْتَلْ) وَقَوله أتبع بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء وَقَوله فَليتبعْ قَالَ بعض الْمُحدثين إِن تاءه مُشَدّدَة وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم الصَّوَاب الْمَعْرُوف تخفيفها وَقَوله على ملئ هُوَ بِالْهَمْزَةِ والمطل إطالة المدافعة وَاشْترط الشَّيْخ لصحتها هَذِه الْأَرْبَعَة وَهِي ثَلَاثَة لِأَن رضى الْمُحِيل والمحتال شَرط وَاحِد وَوجه اشْتِرَاط رضى الْمُحِيل أَن الْحق الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ قَضَاؤُهُ من حَيْثُ شَاءَ وَوجه رَضِي الْمُحْتَال أَن حَقه فِي ذمَّة الْمُحِيل فَلَا ينْتَقل إِلَّا بِرِضَاهُ كَمَا أَن الْأَعْيَان لَا تبدل إِلَّا بِالتَّرَاضِي وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن رضى الْمحَال عَلَيْهِ لَا يشْتَرط وَهُوَ كَذَلِك على الْأَصَح لِأَنَّهُ مَحل التَّصَرُّف فَأشبه العَبْد الْمَبِيع وَلِأَن الْحق للْمُحِيل فَلهُ أَن يَسْتَوْفِيه بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ وَالله أعلم
الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون الدّين مُسْتَقرًّا على مَا ذكره الشَّيْخ وَاشْتِرَاط الِاسْتِقْرَار ذكره الرَّافِعِيّ عِنْد مَا إِذا أحَال المُشْتَرِي البَائِع بِالثّمن وَقَالَ لَا يَكْفِي لصِحَّة الْحِوَالَة لُزُوم الدّين بل لَا بُد من الِاسْتِقْرَار وَلِأَن دين السّلم لَازم مَعَ أَن الْأَصَح لَا تصح الْحِوَالَة بِهِ وَلَا عَلَيْهِ لكنه قَالَه هُنَا الْقسم الثَّانِي الدّين اللَّازِم فَتَصِح الْحِوَالَة بِهِ وَعَلِيهِ قَالَ النَّوَوِيّ بعده أطلق الرَّافِعِيّ صِحَة الْحِوَالَة بِالدّينِ اللَّازِم وَعَلِيهِ اقْتِدَاء بالغزالي وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن دين السّلم لَازم وَلَا تصح الْحِوَالَة بِهِ وَلَا عَلَيْهِ على الصَّحِيح وَبِه قطع الْأَكْثَرُونَ قلت قد اتفقَا على تَصْحِيح الْحِوَالَة بِثمن فِي زمن الْخِيَار وَعَلِيهِ مَعَ أَنه غير لَازم فضلا عَن الِاسْتِقْرَار إِلَّا أَنه يؤول إِلَى اللُّزُوم وَأما بعد مُضِيّ الْخِيَار وَقبل قبض الْمَبِيع فَالْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَنه تصح الْحِوَالَة بِهِ وَعَلِيهِ مَعَ أَنه غير مُسْتَقر لجَوَاز تلف الْمَبِيع فَلَا يسْتَقرّ إِلَّا بِقَبض الْمَبِيع وَكَذَا تجوز الْحِوَالَة بِالْأُجْرَةِ وَكَذَا الصَدَاق قبل الدُّخُول وَالْمَوْت وَنَحْو ذَلِك بل صدر فِي أصل الرَّوْضَة فِي أول الشَّرْط فَقَالَ الثَّانِي كَون الدّين لَازِما أَو يصير إِلَى اللُّزُوم وَالله أعلم
(فرع) إِذا اشْترى شخص شَيْئا ثمَّ أحَال البَائِع بِالثّمن على رجل ثمَّ وجد المُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبا قَدِيما فَرده بِهِ أَو تَقَايلا وَنَحْوهمَا فَفِي بطلَان الْحِوَالَة خلاف منتشر وَالْمذهب الْبطلَان وَسَوَاء فِي ذَلِك بعد قبض الْمُحْتَال الْحِوَالَة أم لَا على الْأَصَح وَلَو أحَال البَائِع على المُشْتَرِي بِالثّمن لشخص فَالْمَذْهَب أَنَّهَا لَا تبطل سَوَاء قبض الْمُحْتَال مَال الْحِوَالَة من المُشْتَرِي أم لَا وَالْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ أَن فِي هَذِه الصُّورَة الثَّانِيَة تعلق الْحق بثالث وَالله أعلم
стр. 257
الشَّرْط الثَّالِث اتِّفَاق الدينَيْنِ يَعْنِي الْمحَال بِهِ والمحال عَلَيْهِ فِي الْجِنْس وَالْقدر والحلول والتأجيل وَالصِّحَّة والتكسير والجودة والرداءة على الصَّحِيح وَضبط ابْن الرّفْعَة ذَلِك بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبرَة فِي السّلم وَوجه اشْتِرَاط ذَلِك حَتَّى يعلم لِأَن الْمَجْهُول لَا يَصح بَيْعه وَلَا اسْتِيفَاؤهُ وَالْحوالَة إِمَّا بيع على الصَّحِيح أَو اسْتِيفَاء فَإِذا وَقعت الْحِوَالَة صَحِيحَة بَرِيء الْمُحِيل عَن دين الْمُحْتَال وَبرئ الْمحَال عَلَيْهِ من دين الْمُحِيل ويتحول حق الْمُحْتَال إِلَى ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك فَائِدَة الْحِوَالَة وَالله أعلم
(فرع) إِذا كَانَ بِالدّينِ الْمحَال عَلَيْهِ ضَامِن لم ينْتَقل بِصفة الضَّمَان بل يبرأ الضَّمَان صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي أول الْبَاب الثَّانِي من أَبْوَاب الضَّمَان وَكَذَا لَو كَانَ بِهِ رهن فَإِنَّهُ لَا ينْتَقل الرَّهْن صرح بِهِ الْمُتَوَلِي وَغَيره بِخِلَاف الْوَارِث فَإِنَّهُ ينْتَقل الدّين إِلَيْهِ بِصفتِهِ من الضَّمَان وَالرَّهْن وَالْفرق أَن الْوَارِث خَليفَة الْمَوْرُوث فِيمَا يثبت لَهُ من الْحُقُوق وَالله أعلم
(فرع) احتال شخص ثمَّ إِن الْمُحْتَال عَلَيْهِ أنكر الدّين وَحلف وَلَا بَيِّنَة أَو أفلس الْمحَال عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك حَيْثُ يتَعَذَّر الِاسْتِيفَاء فَلَيْسَ للمحتال أَن يرجع على الْمُحِيل لِأَن الْحِوَالَة إِمَّا بيع أَو اسْتِيفَاء وَكِلَاهُمَا يمْنَع الرُّجُوع وَالله أعلم قَالَ
بَاب الضَّمَان فصل وَيصِح ضَمَان الدُّيُون المستقرة إِذا علم قدرهَا وَلِصَاحِب الْحق مُطَالبَة من شَاءَ من الضَّامِن والمضمون عَنهُ إِذا كَانَ الضَّمَان على مَا بَيناهُ
الضَّمَان ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة وَالْأَحْسَن أَن يُقَال الِالْتِزَام حَتَّى يَشْمَل إِحْضَار من عَلَيْهِ الْحق إِذا ضمنه وَيُقَال أَنا ضَامِن وضمين وكفيل وزعيم وحميل
وَالْأَصْل فِي مشروعيته الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وَقَالَ ﵊
(الْعَارِية مُؤَدَّاة والزعيم غَارِم) وَورد
(أَنه ﵊ أُتِي بِجنَازَة فَقَالُوا يَا رَسُول الله صل عَلَيْهَا قَالَ هَل ترك شَيْئا قَالُوا لَا قَالَ هَل عَلَيْهِ دين قَالُوا ثَلَاثَة دنيانير قَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ أَبُو قَتَادَة ﵁ صل عَلَيْهِ يَا
стр. 258
رَسُول الله وَعلي دينه فصلى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة قَالَ أَبُو قَتَادَة أَنا الْكَفِيل بِهِ ثمَّ شَرط صِحَة الضَّمَان أَن يعرف الضَّامِن الْمَضْمُون لَهُ على الْأَصَح لِأَن النَّاس يتفاوتون فِي الْمُطَالبَة تسهيلاً وتشديداً والأغراض تخْتَلف بذلك فَيكون الضَّمَان بِدُونِهِ غرراً وَلَا يشْتَرط معرفَة الْمَضْمُون عَنهُ فِي الْأَصَح وَلَا حَيَاته بِلَا خلاف كَمَا لَا يشْتَرط رِضَاهُ قطعا وَأما الدّين فشرطه كَونه ثَابتا وَقت ضَمَانه فَلَا يَصح ضَمَان مالم يجب وَإِن جرى سَبَب وُجُوبه كضمان نَفَقَة الْمَرْأَة غَدا وَيشْتَرط كَونه لَازِما أَو يؤول إِلَى اللُّزُوم لَا يشْتَرط الِاسْتِقْرَار مِثَال مَا يؤول إِلَى اللُّزُوم كَالثّمنِ فِي زمن الْخِيَار وَأما مَال الْجعَالَة قبل الْفَرَاغ من الْعَمَل قيل يَصح لِأَنَّهُ يؤول إِلَى اللُّزُوم وَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِم فِي الْحَال وَلَا يؤول لِأَنَّهُ لَيْسَ للجاعل إِلْزَام الْعَامِل الْعَمَل وإتمامه فَأشبه الْكِتَابَة كَذَا علله القَاضِي أَبُو الطّيب وَهُوَ تَعْلِيل ضَعِيف وَأما الثّمن بعد مُضِيّ الْخِيَار فَهُوَ لَازم وَغير مُسْتَقر فَيصح ضَمَانه وَكَذَا الصَدَاق قبل الدُّخُول وَلَا نظر إِلَى احْتِمَال سُقُوطه كَمَا لَا نظر إِلَى احْتِمَال سُقُوط المستقر بِالْإِبْرَاءِ وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوهمَا وَيشْتَرط فِي الدّين أَيْضا أَن يكون مَعْلُوما فَلَا يَصح ضَمَان الْمَجْهُول كَمَا إِذا قَالَت ضمنت ثمن مَا بِعته فلَانا وَهُوَ جَاهِل بِهِ فَإِن مَعْرفَته متيسرة وَقيل يَصح أما لَو قَالَ ضمنت لَك شَيْئا مِمَّا لَك على فلَان فَلَا يَصح بِلَا خلاف
وَاعْلَم أَن الْخلاف فِي صِحَة ضَمَان الْمَجْهُول جَار فِي صِحَة الْبَرَاءَة من الْمَجْهُول وَالْخلاف مَبْنِيّ على أَن الْبَرَاءَة تمْلِيك أَو إِسْقَاط فَإِن قُلْنَا تمْلِيك وَهُوَ الصَّحِيح فَلَا تصح الْبَرَاءَة من الْمَجْهُول وَإِن قُلْنَا إِسْقَاط صَحَّ الْإِبْرَاء من الْمَجْهُول وَتظهر ثَمَرَة الْخلاف فِيمَا لَو اغتاب شخص لآخر ثمَّ قَالَ لَهُ اغتبتك فَاجْعَلْنِي فِي حل فَفعل وَهُوَ لَا يدْرِي بِمَا اغتابه بِهِ فَهَل يبرأ فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ إِسْقَاط
الثَّانِي لَا لِأَن الْمَقْصُود رِضَاهُ وَلَا يُمكن الرضى بِالْمَجْهُولِ
وَاعْلَم أَنا إِذا لم نصحح ضَمَان الْمَجْهُول فَقَالَ ضمنت مِمَّا لَك على فلَان من دِرْهَم إِلَى عشرَة فَفِيهِ خلاف وَالصَّحِيح الصِّحَّة لانْتِفَاء الْغرَر بِذكر الْقدر فعلى هَذَا مَاذَا يلْزمه فِيهِ أوجه الرَّاجِح عِنْد الرَّافِعِيّ عشرَة وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ تِسْعَة وَقيل يلْزمه ثَمَانِيَة وَإِذا عرفت هَذَا فَيشْتَرط فِي ضَمَان الدّين كَونه ثَابتا لَازِما مَعْلُوما كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وأهملا رَابِعا ذكره الْغَزالِيّ وَهُوَ أَن يكون قَابلا لِأَن يتَبَرَّع الْإِنْسَان بِهِ على غَيره فَيخرج حد الْقصاص وحد الْقَذْف وَنَحْوهمَا وَالله
стр. 259
أعلم وَقَول الشَّيْخ وَيصِح ضَمَان الدُّيُون أَعم من أَن يكون الدّين نَقْدا أَو مَنْفَعَة وَهُوَ كَذَلِك فَيصح ضَمَان الْمَنَافِع الثَّابِتَة فِي الذِّمَّة كَمَا يَصح ضَمَان الْأَمْوَال كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَإِذا صَحَّ الضَّمَان بِشُرُوطِهِ فللمستحق أَن يُطَالب الْأَصِيل والضامن أما الْأَصِيل فَلِأَن الدّين بَاقٍ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي قَتَادَة ﵁ حِين وفى دين الْمَيِّت
(الْآن قد بردت جلدته وَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مِمَّا اكتسبناه فِي ذممنا) وَأما الضَّامِن فلقول شَفِيع المذنبين ﷺ
(الزعيم غَارِم) وَلنَا وَجه كمذهب مَالك أَنه لَا يُطَالب الضَّامِن إِلَّا بعد عجز الْمَضْمُون عَنهُ وَله مُطَالبَة هَذَا بِبَعْض الدّين وَذَلِكَ بِبَعْضِه الآخر وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا غرم الضَّامِن رَجَعَ على الْمَضْمُون عَنهُ إِذا كَانَ الضَّمَان وَالْقَضَاء بِإِذْنِهِ)
إِذا ضمن شخص دين آخر وَأَدَّاهُ الضَّامِن هَل يرجع على الْمَضْمُون عَنهُ ينظر إِن ضمن بِالْإِذْنِ وَأدّى بِالْإِذْنِ رَجَعَ لِأَنَّهُ صرف مَاله إِلَى منفعَته بِإِذْنِهِ فَأشبه مَا لَو قَالَ اعلف دَابَّتي فعلفها وَفِي الْحَاوِي أَنه لَا يرجع إِلَّا إِذا شَرط الرُّجُوع وَذكر الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْإِجَارَة أَنه لَو قَالَ أَطْعمنِي رغيفا فأطعمه أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِذا انْتَفَى الْإِذْن فِي الضَّمَان وَفِي الْأَدَاء فَلَا رُجُوع لِأَنَّهُ تبرع مَحْض وَإِن أذن فِي الضَّمَان فَقَط رَجَعَ على الرَّاجِح لِأَن الضَّمَان يُوجب الْأَدَاء فَكَانَ الْإِذْن فِيهِ إِذْنا لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَإِن ضمن بِغَيْر إِذْنه وَأدّى بِإِذْنِهِ فالراجح أَنه لَا يرجع لِأَن وجوب الْأَدَاء سَببه الضَّمَان وَلم يَأْذَن فِيهِ فعلى هَذَا لَو قَالَ أد دينيي بِشَرْط الرُّجُوع فَالْأَصَحّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة أَنه لَا يرجع وَجزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ لقَوْله ﷺ
(الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم) وَلَو أذن شخص لشخص بأَدَاء دينه من غير ضَمَان بِشَرْط أَن يرجع عَلَيْهِ رَجَعَ للْحَدِيث وَكَذَا إِن أطلق على الرَّاجِح لِأَنَّهُ الْمُعْتَاد
فَإِن قيل مَا الْفرق بَين هَذِه وَبَين مَا إِذا قَالَ لشخص اغسل ثوبي وَنَحْو ذَلِك بِلَا شَرط فَإِن الرَّاجِح هُنَاكَ أَنه لَا يسْتَحق أُجْرَة فَالْفرق أَن الْمُسَامحَة فِي الْمَنَافِع أَكثر من الْأَعْيَان وَالله أعلم
وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا يرجع الضَّامِن والمؤدي إِذا أشهدا بِالْأَدَاءِ رجلَيْنِ أَو رجلا وَامْرَأَتَيْنِ وَكَذَا يَكْفِي وَاحِد ليحلف مَعَه فِي الْأَصَح لِأَنَّهُ يَكْفِي لإِثْبَات الْأَدَاء فَإِن لم يشْهد فَلَا رُجُوع إِن أدّى فِي غيبَة الْأَصِيل وَكذبه أَعنِي الْأَصِيل وَكَذَا إِن صدقه الْأَصِيل على الْأَصَح لِأَنَّهُ لم يؤد مَا ينْتَفع بِهِ
стр. 260
الْأَصِيل أَلا ترى أَن الْمُطَالبَة بَاقِيَة وَمحل الْخلاف إِذا سكت الْأَصِيل عَن قَوْله أشهد فَإِن أمره بِهِ وَتَركه لم يرجع بِلَا خلاف وَإِن أذن لَهُ فِي ترك الْإِشْهَاد رَجَعَ قَالَ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر فَلَو صدق الضَّامِن فِي أَدَاء الْمَضْمُون لَهُ أَو أدّى بِحَضْرَة الْأَصِيل رَجَعَ على الْمَذْهَب أما فِي الأولى فلسقوط الطّلب بِإِقْرَار صَاحب الدّين وَأما فِي الثَّانِيَة فَلِأَن التَّقْصِير من الْأَصِيل لِأَنَّهُ لم يحتط لنَفسِهِ بِخِلَاف غيبته وَالله أعلم
(فرع) إِذا طَالب الْمَضْمُون لَهُ الضَّامِن فَهَل للضامن مُطَالبَة الْمَضْمُون عَنهُ ليخلصه نظر إِن ضمن بِإِذْنِهِ فَلهُ ذَلِك قِيَاسا على رُجُوعه وَمعنى تخليصه أَن يُؤْذِي دين الْمَضْمُون لَهُ ليبرأ الضَّامِن فَلَو لم يؤد فَهَل للضامن حَبسه وَجْهَان أصَحهمَا فِي الرَّافِعِيّ لَا يحْبسهُ وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة على ذَلِك وَزَاد أَنه لَا يرسم عَلَيْهِ أَيْضا قَالَ الإسنائي فِيهِ نظر وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يَصح ضَمَان الْمَجْهُول وَلَا ضَمَان مالم يجب إِلَّا دَرك الْمَبِيع)
أما ضَمَان الْمَجْهُول فَلِأَنَّهُ غرر وَالْغرر مَنْهِيّ عَنهُ وَأما ضَمَان مالم يجب فَلِأَن الضَّمَان توثقه بِالْحَقِّ فَلَا يسْبق وجوب الْحق كَالشَّهَادَةِ وَصُورَة ذَلِك وَنَحْوه كَمَا إِذا قَالَ بِعْ لفُلَان وَعلي ضَمَان الثّمن أَو أقْرضهُ وَعلي ضَمَان بدله وَيسْتَثْنى من ذَلِك ضَمَان دَرك الْمَبِيع على الْمَذْهَب لِأَن الْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ذَلِك لِأَن الْمُعَامَلَة مَعَ من لَا يعرف كَثِيرَة وَيخَاف المُشْتَرِي أَن يخرج الْمَبِيع مُسْتَحقّا وَلَا يظفر بالبائع فَيفوت عَلَيْهِ مَا بدله فَاحْتَاجَ إِلَى التوثيق بذلك وَقيل لَا يَصح لِأَنَّهُ ضَمَان مَا لم يجب وَجَوَابه أَنا نشترط فِي صِحَّته قبض الثّمن فَيضمن الثّمن إِن خرج الْمَبِيع مُسْتَحقّا فَيَقُول ضمنت لَك عُهْدَة الثّمن أَو دركه أَو خلاصك مِنْهُ فَلَو قَالَ ضمنت خلاص الْمَبِيع لم يَصح لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ بخلاصه بعد ظُهُور الِاسْتِحْقَاق نعم لَو ضمن عُهْدَة الْمَبِيع إِن أَخذ بِالشُّفْعَة لأجل بيع سَابق صَحَّ قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب والمضمون فِي هَذَا الْفَصْل لَيْسَ هُوَ رد الْعين وَإِلَّا فَكَانَ يلْزم أَن لَا تجب قِيمَته عِنْد التّلف بل الْمَضْمُون إِنَّمَا هُوَ مَالِيَّته عِنْد تعذر رده حَتَّى لَو بَان الِاسْتِحْقَاق وَالثمن فِي يَد البَائِع لَا يُطَالب الضَّامِن بِقِيمَتِه قَالَ وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْكفَالَة بِالْبدنِ فصل وَالْكَفَالَة بِالْبدنِ جَائِزَة إِذا كَانَ على الْمَكْفُول بِهِ حق لآدَمِيّ
الْمَذْهَب صِحَة كَفَالَة الْبدن لإطباف النَّاس على ذَلِك لأجل مَسِيس الْحَاجة إِلَيْهَا وَلَا يشْتَرط الْعلم بِقدر مَا على الْمَكْفُول لِأَنَّهُ تكفل بِالْبدنِ لَا بِالْمَالِ وَيشْتَرط كَون الدّين مِمَّا يَصح ضَمَانه وَالْمذهب صِحَة كَفَالَة بدن من عَلَيْهِ عُقُوبَة لآدَمِيّ كقصاص وحد قذف لِأَنَّهُ حق لَازم فَأشبه المَال
стр. 261
وَأما إِن كَانَ عَلَيْهِ حد الله تَعَالَى فَلَا تصح الْكفَالَة بِبدنِهِ وَعَن هَذَا احْتَرز الشَّيْخ بقوله حق آدَمِيّ وَوجه عدم الصِّحَّة أَنا مأمورون بسترها وَالسَّعْي فِي إِسْقَاطهَا مَا أمكن وَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ يُنَافِي ذَلِك وكما يَصح الْكفَالَة ببدن شخص كَذَا تصح كَفَالَة الْكَفِيل بل كل من وَجب عَلَيْهِ حُضُور مجْلِس الحكم عِنْد الطّلب لحق آدَمِيّ أَو وَجب على غَيره إِحْضَاره صحت كفَالَته حَتَّى تصح كَفَالَة بدن غَائِب ومحبوس وميت ليحضر وَيشْهد على صورته إِذا لم يعرف نسبه وَمحل هَذَا إِذا لم يدْفن فَلَا تصح كفَالَته سَوَاء تغير أم لَا ثمَّ إِن عين مَكَان التَّسْلِيم تعين وَإِلَّا وَجب التَّسْلِيم فِي مَكَان الْكفَالَة لِأَن الْعرف يَقْتَضِي ذَلِك وَإِذا سلم الْمَكْفُول فِي مَكَان التَّسْلِيم برِئ من الْكفَالَة بِشَرْط أَن لَا يمْنَع مَانع بِأَن لَا يكون هُنَاكَ ظَالِم بغلبه عَلَيْهِ وَيَأْخُذهُ بالقهر وَلَو حضر الْمَكْفُول فَلَا يبرأ الكافل حَتَّى يَقُول الْمَكْفُول سلمت نَفسِي عَن جِهَة الْكفَالَة وَلَو غَابَ الْمَكْفُول وَجَهل الكافل مَكَانَهُ لم يلْزمه إِحْضَاره لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ ذَلِك ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وسعهَا﴾ وَإِلَّا يلْزمه ويمهل قدر الْحَاجة فَلَو مَاتَ الْمَكْفُول لَهُ لم يُطَالب الْكَفِيل بِالْمَالِ لِأَنَّهُ لم يضمنهُ حَتَّى لَو شَرط فِي الْكفَالَة أَنه يغرم المَال إِن فَاتَ تَسْلِيمه بطلت الْكفَالَة وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يَقُول كفلت بدنه بِشَرْط الْغرم أَو على أَنِّي أغرم وَالله أعلم قَالَ
بَاب الشّركَة فصل وللشركة خمس شَرَائِط أَن تكون على ناض من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَأَن يتَّفقَا فِي الْجِنْس وَالنَّوْع وَأَن يخلطا الْمَالَيْنِ وَأَن يَأْذَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه فِي التَّصَرُّف وَأَن يكون الرِّبْح والخسران على قدر الْمَالَيْنِ
الشّركَة فِي اللُّغَة الِاخْتِلَاط وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن ثُبُوت الْحق فِي الشَّيْء الْوَاحِد لشخصين فَصَاعِدا على جِهَة الشُّيُوع
وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله ﷺ
(يَقُول الله تَعَالَى أَنا ثَالِث الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه فَإِذا خانه خرجت من بَينهم) وَمَعْنَاهُ تنْزع الْبركَة من مَالهمَا ثمَّ الشّركَة أَنْوَاع نذْكر نَوْعَيْنِ
أَحدهمَا شركَة الابدان وَهِي بَاطِلَة كشركة الحمالين وَسَائِر المحترفين ليَكُون كسبهما بَينهمَا سَوَاء كَانَ مُتَسَاوِيا أَو متفاوتاً وَسَوَاء اتّفق السَّبَب كالدلالين والحطابين أَو اخْتلفَا كالخياط
стр. 262
والرفا وَوجه بُطْلَانهَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا متميز بِبدنِهِ ومنافعه فَيخْتَص بفوائده كَمَا لَو اشْتَركَا فِي ماشيتهما وَهِي متميزة ليَكُون الدّرّ والنسل بَينهمَا وَجوز شركَة الْأَبدَان عِنْد اتِّحَاد الصَّنْعَة مَالك ﵀ وجوزها أَبُو حنيفَة مُطلقًا وَدَلِيلنَا عَلَيْهَا مَا سلماه من الِامْتِنَاع فِي الِاصْطِيَاد والاحتطاب
النَّوْع الثَّانِي شركَة الْعَنَان وَهِي صَحِيحَة للْحَدِيث السَّابِق وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على صِحَّتهَا وَهِي مَأْخُوذَة من عنان الدَّابَّة لِاسْتِوَاء الشَّرِيكَيْنِ فِي ولَايَة الْفَسْخ وَالتَّصَرُّف وَاسْتِحْقَاق الرِّبْح على قدر المَال كاستواء طرفِي الْعَنَان ثمَّ لصحتها شُرُوط
أَحدهَا أَن تكون على ناض من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على صِحَّتهَا فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير نعم فِي جَوَازهَا على المغشوشة وَجْهَان أصَحهمَا فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْجَوَاز أَيْضا
الثَّانِي لَا كالقراض ثمَّ هَذَا لَا يخْتَص بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير بل يجوز عقد الشّركَة على مثلي فَتَصِح فِي الْقَمْح وَالشعِير وَنَحْوهمَا لِأَن الْمثْلِيّ إِذا اخْتَلَط بِجِنْسِهِ ارْتَفع التَّمْيِيز فَأشبه النَّقْدَيْنِ وَلِهَذَا لَا تجوز الشّركَة فِي المتقومات لعدم تصور الْخَلْط النَّافِي للتمييز وَلِهَذَا لَو تلف أحد المتقومين أَو بعضه عرف فامتنعت الشّركَة لذَلِك وَإِلَّا لأخذ أحد الشَّرِيكَيْنِ من مَال الآخر بِلَا حق لَو صححنا الشّركَة فِي الْمُتَقَوم
الشَّرْط الثَّانِي أَن يتَّفقَا فِي الْجِنْس فَلَا تصح الشّركَة فِي الدَّرَاهِم وَالذَّهَب وَكَذَا فِي الصّفة فَلَا تصح فِي الصِّحَاح والمكسرة للتمييز فيهمَا
الشَّرْط الثَّالِث الْخَلْط لِأَن المَال قبل التَّمْيِيز فِيهِ حَاص وَيشْتَرط فِي الْخَلْط أَن لَا يبْقى مَعَه تَمْيِيز وَيَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم الْخَلْط على العقد وَالْإِذْن فَلَو اشْتَركَا فِي ثَوْبَيْنِ من غزل وَاحِد والصانع وَاحِد لم تصح الشّركَة لتمييز أَحدهمَا عَن الآخر وَعدم معرفَة كل مِنْهُمَا ثوب يُقَال لَهُ اشْتِبَاه وَيُقَاس بِهَذَا أَمْثَاله ثمَّ هَذَا الْخَلْط إِنَّمَا يعْتَبر عِنْد انْفِرَاد الْمَالَيْنِ أما لَو كَانَ مشَاعا بِأَن اشترياه مَعًا على الشُّيُوع أَو ورثاه فَإِنَّهُ كَاف لحُصُول الْمَقْصُود وَهُوَ عدم التَّمْيِيز
الشَّرْط الرَّابِع الْإِذْن مِنْهُمَا فِي التَّصَرُّف فَإِذا وجد من الطَّرفَيْنِ تسلط كل وَاحِد مِنْهُمَا على التَّصَرُّف وَاعْلَم أَن تصرف الشَّرِيك كتصرف الْوَكِيل فَلَا يَبِيع بِغَيْر نقد الْبَلَد وَلَا يَبِيع بالأجل وَلَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بِغَبن فَاحش وَكَذَا لَا يُسَافر إِلَّا بِإِذن الشَّرِيك
الشَّرْط الْخَامِس أَن يكون الرِّبْح على قدر الْمَالَيْنِ سَوَاء تَسَاويا فِي الْعَمَل أَو تَفَاوتا لِأَنَّهُ لَو جعلنَا شَيْئا من الرِّبْح فِي مُقَابلَة الْعَمَل لاختلط عقد الْقَرَاض بِعقد الشّركَة وَهُوَ مَمْنُوع فَلَو شرطا التَّسَاوِي فِي الرِّبْح مَعَ تفاضل الْمَالَيْنِ فسد العقد لِأَنَّهُ مُخَالف لوضع الشّركَة وَيرجع كل وَاحِد
стр. 263
مِنْهُمَا على صَاحبه بِأُجْرَة عمله كالقراض إِذا فسد فَإِنَّهُ يرجع الْعَامِل بِأُجْرَة عمله وَالتَّصَرُّف نَافِذ لوُجُود الْأذن وَالرِّبْح يكون على قدر الْمَالَيْنِ وَكَذَا الخسران كالربح وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَنه لَا يشْتَرط تَسَاوِي الْمَالَيْنِ وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح وَقَالَ الْأنمَاطِي يشْتَرط تساويهما لصِحَّة الشّركَة وَهُوَ ضَعِيف وَالله أعلم
(فرع) الْحِيلَة فِي الشّركَة فِي غير الْمِثْلِيَّات من المتقومات أَن يَبِيع كل وَاحِد مِنْهُمَا بعض عرضه بِبَعْض عرض الآخر ويتقابضا ثمَّ يَأْذَن كل مِنْهُمَا للْآخر فِي التَّصَرُّف وَالله أعلم قَالَ
وَلكُل مِنْهُمَا فَسخهَا مَتى شَاءَ وَمَتى مَاتَ أَحدهمَا بطلت)
عقد الشّركَة جَائِز من الطَّرفَيْنِ وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَسخه مَتى شَاءَ لِأَنَّهُ عقد إرفاق فَكَانَ جَائِزا كَالْوكَالَةِ وكما أَنه لكل مِنْهُمَا فَسخه فَلِكُل مِنْهُمَا عزل نَفسه وعزل صَاحبه فَلَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر عزلتك انْعَزل وَبَقِي العازل على حَاله وَلَو مَاتَ أَحدهمَا انْفَسَخت كَالْوكَالَةِ وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء كالموت لِخُرُوجِهِ عَن أَهْلِيَّة التَّصَرُّف وَالله أعلم
(فرع) لشخص دَابَّة وَللْآخر بَيت وَللْآخر طاحون وَآخر لَا شَيْء لَهُ فَقَالُوا نشْرك هَذَا بدابته وَهَذَا ببيته وَهَذَا بحجره وَهَذَا بِعَمَلِهِ على أَن مَا فتح الله من الطحين شركَة فَهِيَ فَاسِدَة وَالله أعلم
(فرع) يَد كل من الشَّرِيكَيْنِ يَد أَمَانَة كالمستودع فَإِذا ادّعى رد المَال إِلَى شَرِيكه قبل وَكَذَا لَو ادّعى تلفاً أَو خسارة صدق فَإِن أسْند التّلف إِلَى سَبَب ظَاهر طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِذا أَقَامَهَا على السَّبَب صدق فِي دَعْوَى التّلف بِهِ وَلَو ادّعى أَحدهمَا خِيَانَة صَاحبه لم يسمع حَتَّى يبين قدر مَا خَان بِهِ وَالْقَوْل قَول الْمُنكر مَعَ يَمِينه وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْوكَالَة فصل وكل مَا جَازَ للْإنْسَان أَن يتَصَرَّف فِيهِ بِنَفسِهِ جَازَ أَن يُوكل فِيهِ أَو يتوكل
الْوكَالَة بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا وَهِي فِي اللُّغَة تطلق على التَّفْوِيض وعَلى الْحِفْظ وَمِنْه حَسْبُنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَفِي الِاصْطِلَاح تَفْوِيض مَاله فعله مِمَّا يقبل النِّيَابَة إِلَى غَيره ليحفظه فِي حَال حَيَاته
وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا أحدكُم بورقكم﴾ الْآيَة وَغَيرهَا وَمن السّنة
стр. 264
حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي الْمُتَقَدّم وَحَدِيث عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي لما وَكله رَسُول الله ﷺ فِي قبُول نِكَاح أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان وَغير ذَلِك وَأجْمع الْمُسلمُونَ على جَوَازهَا بل قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَغَيره إِنَّهَا مَنْدُوب إِلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وَفِي الحَدِيث
(وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه) واشتداد الْحَاجة إِلَى التَّوْكِيل مِمَّا لَا يخفى إِذا عرفت هَذَا فَشرط الْوكَالَة أَن يكون الْمُوكل بِكَسْر الْكَاف تصح مِنْهُ مُبَاشرَة مَا وكل فِيهِ إِمَّا بِملك أَو ولَايَة كَالْأَبِ وَالْجد فَإِن لَهما أَن يوكلا فَإِن كَانَ لَا يَصح مِنْهُ ذَلِك فَلَا تصح الْوكَالَة فَلَا تصح وكَالَة الصَّبِي وَلَا الْمَجْنُون وَلَا الْمَرْأَة وَلَا الْمحرم فِي النِّكَاح وَكَذَا لَا يَصح تَوْكِيل الْفَاسِق فِي تَزْوِيج ابْنَته فَإِنَّهُ لَا يَلِي نِكَاحهَا بِنَفسِهِ فَلَا يُوكل كَمَا أَن الْمحرم لَا يجوز أَن يعْقد نِكَاحه فَلَا يُوكل من يعْقد نِكَاحه فِي حَالَة الْإِحْرَام فَلَو وكل من يعْقد لَهُ بعد التَّحَلُّل أَو أطلق الْوكَالَة صحت كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي كتاب النِّكَاح فَلَو قَالَ إِذا تحللت فقد وَكلتك فَهُوَ تَعْلِيق وكَالَة وَالصَّحِيح عدم صِحَّتهَا وَالضَّابِط فِي صِحَّتهَا كَمَا قَالَه الشَّيْخ لِأَنَّهُ إِذا لم يَصح تصرفه لنَفسِهِ وَهُوَ أقوى من التَّصَرُّف للْغَيْر فَلِأَن لَا يَصح التَّوْكِيل أولى لِأَنَّهُ أَضْعَف وكما يشْتَرط فِي صِحَة التَّوْكِيل صِحَة مُبَاشرَة الْمُوكل كَذَلِك الْوَكِيل يشْتَرط أَن يكون مِمَّن يَصح تصرفه فِيهِ لنَفسِهِ فَلَا يَصح تَوْكِيل الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَمن فِي مَعْنَاهُمَا أَن يتوكلا فِي البيع وَالشِّرَاء لِامْتِنَاع مباشرتهما العقد لأنفسهما فلغيرهما أولى وَفِي مَعْنَاهُمَا وَالْمَعْتُوه والمبرسم والنائم والمغمى عَلَيْهِ وَمن شرب مَا يزِيل عقله لحَاجَة نعم يسْتَثْنى مَا إِذا وكل شخص عبدا فِي قبُول نِكَاح امْرَأَة فَإِنَّهُ يَصح على الرَّاجِح سَوَاء أذن السَّيِّد أم لَا إِذْ لَا ضَرَر على السَّيِّد فِي ذَلِك وَقيل لَا بُد من إِذن السَّيِّد كَمَا لَا يقبل العقد لنَفسِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَالسَّفِيه كَالْعَبْدِ وَالله أعلم
(فرع) يشْتَرط فِي الْوَكِيل أَن يكون معينا فَلَو قَالَ أَذِنت لكل من أَرَادَ بيع دَابَّتي أَن يَبِيعهَا لم يَصح وَالله أعلم
(فرع) لَا يَصح التَّوْكِيل فِي الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا الِابْتِلَاء والاختبار وَهُوَ لَا يحصل بِفعل الْغَيْر وَيسْتَثْنى من ذَلِك مسَائِل الْحَج وَذبح الْأَضَاحِي وتفرقة الزَّكَاة وَصَوْم الْكَفَّارَات وركعات الطّواف الْأَخير إِذا صلاهَا تبعا لطواف الْحَج إِمَّا إِذا وكل فيهمَا فَقَط
стр. 265
فَلَا تصح الْوكَالَة قطعا صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوَصِيَّة وَألْحق بالعبادات الشَّهَادَات والأيمان وَمن الْأَيْمَان الْإِيلَاء وَاللّعان فَلَا يَصح التَّوْكِيل فِي شَيْء مِنْهُمَا بِلَا خلاف وَفِي الظِّهَار وَجْهَان الْأَصَح فِي الرَّوْضَة فِي بَاب الْوكَالَة أَن لَا يَصح تَغْلِيبًا لشبه الْيَمين لَكِن صحّح الرَّافِعِيّ فِي كتاب الظِّهَار أَن الْمُغَلب فِي الظِّهَار شبه الطَّلَاق وَمُقْتَضَاهُ صِحَة التَّوْكِيل وَفِي معنى الْأَيْمَان النّذر وَتَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعِتْق وَكَذَا التَّدْبِير على الْمَذْهَب فَلَا يَصح التَّوْكِيل فِي هَذِه الْأُمُور كلهَا وَالله أعلم
(فرع) يشْتَرط فِي الْمُوكل فِيهِ أَن يكون مَعْلُوما من بعض الْوُجُوه وَلَا يشْتَرط علمه من كل وَجه لِأَن الْوكَالَة جوزت للْحَاجة فسومح فِيهَا فَلَو قَالَ وَكلتك فِي كل قَلِيل وَكثير لم يَصح أَو فِي كل أموري فَكَذَلِك لَا يَصح أَو فوضت إِلَيْك كل شَيْء لِأَنَّهُ غرر عَظِيم وَإِن قَالَ وَكلتك فِي بيع أَمْوَالِي وَعتق أرقائي صَحَّ لقلَّة الْغرَر بِالتَّعْيِينِ وَفِي معنى ذَلِك فِي قَضَاء ديوني واسترداد الودائع وَنَحْو ذَلِك وَلَا يشْتَرط أَن تكون أَمْوَاله مَعْلُومَة وَلَو قَالَ فِي بعض أَمْوَالِي وَنَحْوه لم يَصح بِخِلَاف مَا لَو قَالَ أبرئ فلَانا بِشَيْء من مَالِي فَإِنَّهُ يَصح ويبرئه عَن قَلِيل مِنْهُ وَالله أعلم قَالَ (وَالْوكَالَة عقد جَائِز لكل وَاحِد مِنْهُمَا فَسخهَا مَتى شَاءَ وتنفسخ بِمَوْت أَحدهمَا)
الْوكَالَة عقد جَائِز من الطَّرفَيْنِ لِأَنَّهُ عقد إرفاق وَمن تتمته جَوَازه من الطَّرفَيْنِ وَلِأَن الْمُوكل قد يرى الْمصلحَة فِي عَزله لِأَن غَيره أحذق مِنْهُ أَو بِأَن يَبْدُو لَهُ أَن لَا يَبِيع أَو لَا يَشْتَرِي مَا وكل فِيهِ الْوَكِيل وَكَذَا الْوَكِيل قد لَا يتفرغ لما وكل فِيهِ فإلزام كل مِنْهُمَا بذلك فِيهِ ضَرَر ظَاهر
(وَلَا ضَرَر وَلَا ضرار) كَمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَيفْسخ عقد الْوكَالَة بِمَوْت أَحدهمَا لِأَن هَذَا شَأْن الْعُقُود الْجَائِزَة وَلِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ خرج عَن أَهْلِيَّة التَّصَرُّف فبطلت وَلِهَذَا لَو جن أَحدهمَا بطلت وَالْإِغْمَاء كالجنون على الْأَصَح لعدم الْأَهْلِيَّة وكما تبطل الْوكَالَة بِالْمَوْتِ وَنَحْوه كَذَلِك تبطل بِخُرُوج الْمُوكل فِيهِ عَن ملك الْمُوكل كَبَيْعِهِ أَو إِعْتَاقه أَو وَقفه أَو استولد الْجَارِيَة وَلَو جزوها كَانَ عزلاً وَكَذَا لَو أجرهَا وَإِن جَوَّزنَا بيع الْمُسْتَأْجر وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن من يُرِيد البيع لَا يُؤجر غَالِبا لقلَّة الرغبات فِي الْعين الْمُسْتَأْجرَة كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْمُتَوَلِي وَأقرهُ وَالله أعلم قلت فِي هَذَا نظر ظَاهر لِأَن كثيرا من النَّاس يوكلون فِي بيع دُورهمْ ودوابهم ويؤجرونها لِئَلَّا تتعطل عَلَيْهِم مَنَافِع أَمْوَالهم وَالتَّعْلِيل بِمَنْع الرَّغْبَة وَإِن سلم إِلَّا أَنه لَيْسَ بمطرد فَالصَّوَاب الرُّجُوع إِلَى عَادَة البيع وَالله أعلم قَالَ
(وَالْوَكِيل أَمِين فِيهَا لَا يضمن إِلَّا بالتفريط)
стр. 266
الْوَكِيل أَمِين فِيمَا وكل فِيهِ فَلَا يضمن الْمُوكل فِيهِ إِذا تلف إِلَّا أَن يفرط لِأَن الْمُوكل استأمنه فتضمينه يُنَافِي تأمينه كَالْمُودعِ وكما لَا يضمن بالتلف بِلَا تَفْرِيط كَذَلِك يقبل قَوْله فِي التّلف كَسَائِر الْأُمَنَاء وَكَذَا يقبل قَوْله فِي دَعْوَى الرَّد لِأَنَّهُ إِن كَانَ وَكيلا بِلَا جعل فقد أَخذ المَال بمحض غَرَض الْمَالِك فَأشبه الْمُودع وَإِن كَانَ وَكيلا بِجعْل فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخذ المَال لمَنْفَعَة الْمَالِك فانتفاع الْوَكِيل إِنَّمَا هُوَ بِالْعَمَلِ فِي الْعين لَا بِالْعينِ نَفسهَا ثمَّ هَل من شَرط قبُول الْوَكِيل فِي الرَّد بَقَاء الْوكَالَة قَضِيَّة إِطْلَاق الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَنه لَا فرق فِي قبُوله بَينهمَا قبل الْعَزْل وَبعده لَكِن قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب إِن قبُول قَوْله مَحَله فِي قيام الْوكَالَة فَإِن كَانَ بعد الْعَزْل فَلَا يقبل قَوْله فِي الرَّد لَكِن صَرَّحُوا فِي الْمُودع أَنه يقبل قَوْله فِي الرَّد بعد الْعَزْل وَهُوَ نَظِير مَسْأَلَتنَا كَذَا قَالَه الاسنائي وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن من صور التَّفْرِيط أَن يَبِيع الْعين ويسلمها قبل قبض الثّمن وَأَن يسْتَعْمل الْعين وَأَن يَضَعهَا فِي غير حرز وَهل يضمن بِتَأْخِير بيع وَمَا وكل فِيهِ بِالْبيعِ فِيهِ وَجْهَان وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز أَن يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِثَلَاثَة شُرُوط بمثن الْمثل وَأَن يكون نَقْدا وبنقد الْبَلَد أَيْضا)
تجوز الْوكَالَة بِالْبيعِ مُطلقًا وَكَذَا الشِّرَاء فَلَيْسَ للْوَكِيل بِالْبيعِ مُطلقًا أَن يَبِيع بِدُونِ ثمن الْمثل وَلَا بِغَيْر نقد حَال وَلَا بِغَبن فَاحش وَهُوَ مَا لَا يحْتَمل فِي الْغَالِب لِأَن الْعرف يدل على ذَلِك فَهُوَ بِمَنْزِلَة التَّنْصِيص عَلَيْهِ أَلا ترى أَن الْمُتَبَايعين إِذا أطلقا العقد حمل على الثّمن وعَلى نقد الْبَلَد وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يجوز أَن يَبِيع لنَفسِهِ وَلَا يقر على مُوكله)
لَيْسَ للْوَكِيل فِي البيع أَن يَبِيع لنَفسِهِ وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَن يَبِيع لوَلَده الصَّغِير لِأَن الْعرف يَقْتَضِي ذَلِك وَسَببه أَن الشَّخْص حَرِيص بطبعه على أَن يَشْتَرِي لنَفسِهِ رخيصاً وغرض الْمُوكل الِاجْتِهَاد فِي الزِّيَادَة وَبَين الغرضين مضادة وَلَو بَاعَ لِأَبِيهِ أَو ابْنه الْبَالِغ فَهَل يجوز وَجْهَان
أَحدهمَا لَا خشيَة الْميل وَالأَصَح الصِّحَّة لِأَنَّهُ لَا يَبِيع مِنْهُمَا إِلَّا بِالثّمن الَّذِي لَو بَاعه لأَجْنَبِيّ لصَحَّ فَلَا مَحْذُور قَالَ ابْن الرّفْعَة وَمحل الْمَنْع فِي بَيْعه لنَفسِهِ فِيمَا إِذا لم ينص على ذَلِك أما إِذا نَص دلّ على البيع من نَفسه وَقدر الثّمن وَنَهَاهُ عَن الزِّيَادَة فَإِنَّهُ يَصح البيع واتحاد الْمُوجب والقابل إِنَّمَا يمْنَع لأجل التُّهْمَة بِدَلِيل الْجَوَاز فِي حق الْأَب وَالْجد وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن الشِّرَاء فِيمَا ذَكرْنَاهُ حكمه حكم البيع وَأما مَنعه الْإِقْرَار فَلِأَنَّهُ إِقْرَار فِيمَا لَا يملكهُ وَالله أعلم قَالَ
стр. 267
بَاب الْإِقْرَار فصل فِي الْإِقْرَار وَالْمقر بِهِ ضَرْبَان حق الله تَعَالَى وَحقّ الْآدَمِيّ فَحق الله تَعَالَى يجوز الرُّجُوع فِيهِ عَن الْإِقْرَار بِهِ وَحقّ الْآدَمِيّ لَا يَصح الرُّجُوع عَنهُ
الْإِقْرَار فِي اللُّغَة الْإِثْبَات من قَوْلهم قر الشَّيْء يقر وَفِي الِاصْطِلَاح الِاعْتِرَاف بِالْحَقِّ وَالْأَصْل فِي الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وَالشَّهَادَة على النَّفس هِيَ الْإِقْرَار وَفِي السنه الشريفه ((واغد ياأنيس على إمرأة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها)) وَلِأَن الشَّهَادَة على الْإِقْرَار صَحِيحَة فالإقرار أولى إِذا عرفت هَذَا فَإِذا أقرّ من يقبل إِقْرَاره بِمَا يُوجب حد الله تَعَالَى كَالزِّنَا وَشرب الْخمر والمحاربة بِشَهْر السِّلَاح فِي الطَّرِيق وَالسَّرِقَة الْمُوجبَة للْقطع ثمَّ رَجَعَ قبل رُجُوعه حَتَّى لَو كَانَ قد استوفى بعض الْحَد ترك الْبَاقِي لقَوْله ﷺ
(ادرءوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ) وَهَذِه شُبْهَة لجَوَاز صدقه وَمن أحسن مَا يسْتَدلّ بِهِ قَوْله ﷺ
(لماعز لما اعْترف بِالزِّنَا لَعَلَّك قبلت) فلولا أَن الرُّجُوع مَقْبُول لم يكن للتعريض بِعْ فَائِدَة وَاعْلَم أَن فَائِدَة الرُّجُوع فِي الْمُحَاربَة سُقُوط تحتم الْقَتْل لَا أصل الْقَتْل وَفِي السّرقَة سُقُوط الْقطع لَا سُقُوط المَال لِأَنَّهُ حق آدَمِيّ وَلِهَذَا لَو أقرّ أَنه أكره امْرَأَة على الزِّنَا ثمَّ رَجَعَ لم يسْقط الْمهْر وَيسْقط الْحَد على الْمَذْهَب وَلَو قَالَ زَنَيْت بفلانة ثمَّ رَجَعَ سقط حد الزِّنَا وَالأَصَح أَن حد الْقَذْف لَا يسْقط لِأَنَّهُ حق آدَمِيّ وَالْفرق بَين حق الله وَحقّ الْآدَمِيّ أَن حق الله الْكَرِيم مَبْنِيّ على الْمُسَامحَة بِخِلَاف الْآدَمِيّ فَإِن حَقه مَبْنِيّ على المشاححة ثمَّ كَيْفيَّة الرُّجُوع فِي الْإِقْرَار أَن يَقُول كذبت فِي إقراري أَو رجعت عَنهُ أَو لم أزن أَو لَا حد عَليّ وَلَو قَالَ لَا تحدوني فَلَيْسَ بروجوع على الرَّاجِح لاحْتِمَال أَن يُرِيد أَن يُعْفَى عَنهُ أَو يقْضِي دينه أَو غير ذَلِك وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ يسْأَل فَإِذا بَين عمل بمراده وَلَو قَالَ بعد شَهَادَة الشُّهُود على إِقْرَاره مَا أَقرَرت فَقيل هُوَ كَقَوْلِه رجعت وَالأَصَح أَنه لَيْسَ بِرُجُوع وطرد الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْله هما كاذبان وَالله أعلم
(فرع) هَل يسْتَحبّ للْمقر الرُّجُوع وَجْهَان رجح النَّوَوِيّ الِاسْتِحْبَاب كَمَا يسْتَحبّ لَهُ أَن لَا يقر وَمِنْهُم من قَالَ إِن تَابَ ندب لَهُ الكتمان وَإِلَّا ندب لَهُ الْإِقْرَار وَالله أعلم
стр. 268
(فرع) أقرّ بِالزِّنَا ثمَّ قَالَ حددت فَفِي قبُول قَوْله فِي الْحَد احْتِمَالَانِ فِي الْبَحْر للروياني وَلَو أقرّ بِالزِّنَا ثمَّ قَامَت الْبَيِّنَة بزناه ثمَّ رَجَعَ فَفِي سُقُوط الْحَد وَجْهَان وَلَو قَامَت الْبَيِّنَة ثمَّ أقرّ ثمَّ رَجَعَ عَن الْإِقْرَار لم يسْقط وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق يسْقط وَالله أعلم
(فرع) أقرّ بِالزِّنَا وَهُوَ مِمَّن يرْجم ثمَّ رَجَعَ فَقتله شخص بعد الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار فَهَل يجب عَلَيْهِ الْقصاص فِيهِ وَجْهَان نقلهما ابْن كج وَصحح عدم الْوُجُوب لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي سُقُوط الْحَد بِالرُّجُوعِ وَالله أعلم قَالَ
(وتفتقر صِحَة الْإِقْرَار إِلَى ثَلَاث شَرَائِط الْبلُوغ وَالْعقل وَالِاخْتِيَار وَإِن كَانَ بِمَال اعْتبر فِيهِ الرشد وَهُوَ شَرط رَابِع)
إِقْرَار الصَّبِي وَالْمَجْنُون لَا يَصح لِامْتِنَاع تصرفهما وَسُقُوط أقوالهما وَفِي معنى الْمَجْنُون الْمغمى عَلَيْهِ وَمن زَالَ عقله بِسَبَب يعْذر فِيهِ وَفِي السَّكْرَان خلاف كطلاقه وَالْمذهب وُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهِ إِذا طلق وَأما الْإِقْرَار الْمُكْره فَلَا يَصح كَمَا يصنعه الْوُلَاة والظلمة من الضَّرْب وَغَيره مِمَّا يكون الشَّخْص بِهِ مكْرها لِأَن الْإِكْرَاه على الْكفْر مَعَ طمأنينة الْقلب بِالْإِيمَان لَا يضر كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ فَغَيره أولى وَلَو ضربه فَأقر قَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن ضربه لِيُقِر لم يَصح وَإِن ضربه ليصدق صَحَّ لِأَن الصدْق لم ينْحَصر فِي الْإِقْرَار كَذَا نَقله النَّوَوِيّ عَنهُ وَتوقف فِيهِ وَأما السَّفِيه فَإِن أقرّ بدين أَو بِإِتْلَاف مَال فَلَا يقبل كَالصَّبِيِّ وَإِلَّا لأبطل فَائِدَة الْحجر وَقيل يقبل فِي الْإِقْرَار بِإِتْلَاف كَمَا لَو أتلف وَالصَّحِيح الأول وَإِذا لم يَصح لَا يُطَالب وَلَو بعد فك الْحجر وَالْمرَاد الْمُطَالبَة فِي ظَاهر الحكم وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَيجب عَلَيْهِ الْوَفَاء بعد فك الْحجر إِن كَانَ صَادِقا وَقد نَص على ذَلِك الشَّافِعِي فِي الْأُم قَالَ ابْن الرّفْعَة وَلم يخْتَلف فِيهِ الْأَصْحَاب قَول الشَّيْخ وَإِن كَانَ بِمَال يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه إِذا أقرّ بِغَيْر مَال يقبل إِقْرَاره من السَّفِيه وَهُوَ كَذَلِك فَيصح إِقْرَاره بِمَا يُوجب الْحَد وَالْقصاص وَكَذَا يقبل إِقْرَاره بِالطَّلَاق وَالْخلْع وَالظِّهَار لِأَن هَذِه الْأُمُور لَا تعلق لَهَا بِالْمَالِ وَحكمه فِي الْعِبَادَات كلهَا كالرشيد لِاجْتِمَاع الشُّرُوط فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ تَفْرِقَة الزَّكَاة لِأَنَّهُ ولَايَة وَتصرف مَال وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا أقرّ بِمَجْهُول رَجَعَ إِلَيْهِ فِي بَيَانه)
يَصح الْإِقْرَار بِالْمَجْهُولِ لِأَن الْإِقْرَار إِخْبَار عَن حق سَابق وَالشَّيْء يخبر عَنهُ مفصلا تَارَة ومجملاً أُخْرَى إِمَّا للْجَهْل بِهِ أَو لثُبُوته مَجْهُولا كوصية الْوَارِث وَغَيرهَا فَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ شَيْء رَجَعَ
стр. 269
إِلَيْهِ فِي تَفْسِيره وَيقبل تَفْسِيره بِكُل مَا يتمول وَإِن قل لِأَن اسْم الشَّيْء صَادِق عَلَيْهِ وَلَو فسره بِمَا لَا يتمول لكنه من جنسه كحبة حِنْطَة أَو بِمَا يحل اقتناؤه ككلب معلم وزبل قبل لِأَنَّهُ يحرم أَخذه وَيجب رده على من غصبه وَلَا يقبل تَفْسِيره بِمَا لَا يقتني كخنزير وكلب لَا ينفع فِي صيد وَلَا فِي زرع وَنَحْوهمَا لِأَن قَوْله عَليّ يَقْتَضِي ثُبُوت حق على الْمقر للْمقر لَهُ وَمَا لَا يقتني لَيْسَ فِيهِ حق وَلَا اخْتِصَاص وَلَا يلْزمه رده وَقيل يَصح التَّفْسِير بِهِ لِأَنَّهُ شَيْء لَو فسره بِحَق الشُّفْعَة قبل جزم بِهِ فِي الرَّوْضَة وَفِي حد الْقَذْف وَجْهَان أصَحهمَا فِي التَّنْبِيه وزوائد الرَّوْضَة يقبل وَلَا يقبل تَفْسِيره بِالْعبَادَة ورد السَّلَام بِخِلَاف مَا لَو قَالَ لَهُ حق فَإِنَّهُ يقبل تَفْسِيره بِالْعبَادَة ورد السَّلَام قَالَه الْبَغَوِيّ وَتوقف فِيهِ الرَّافِعِيّ وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن لَا يَصح تَفْسِيره بهما وَالله أعلم
(فرع) قَالَ الْمَدْيُون لصَاحب الْحق أَلَيْسَ قد أوفيتك فَقَالَ بلَى ثمَّ ادّعى صَاحب الْحق أَنه أوفى الْبَعْض صدق ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْكِتَابَة فِي الحكم الثَّانِي وَالله أعلم قَالَ
(وَيصِح الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار إِذا وَصله بِهِ)
يَصح الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار وَغَيره لِكَثْرَة وُرُوده فِي الْقُرْآن الْعَظِيم واللغة ثمَّ الِاسْتِثْنَاء تَارَة يرفع الْإِقْرَار من أَصله وَتارَة يرفع بعضه فَإِن كَانَ الأول وَهُوَ بِلَفْظ إِن شَاءَ الله فَلَا يكون مقرا كَقَوْلِه لَهُ عَليّ مائَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَوَجهه أَنه لم يجْزم بِالْإِقْرَارِ وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الصِّيغَة تدل على الْإِلْزَام فِي الْمُسْتَقْبل وَالْإِقْرَار إِخْبَار عَن أَمر سَابق فبينهما مُنَافَاة وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَشرط هَذَا الِاسْتِثْنَاء أَن يتَّصل على الْعَادة فَلَا تضر سكتة التنفس والعي بطول الْكَلَام والسعال والاشتغال بالعطاس وَنَحْو ذَلِك لِأَن كل ذَلِك يعد مُتَّصِلا عَادَة وَلَو كَانَ بِالرجلِ سكتة بَين الْكَلَامَيْنِ فَهُوَ كسكتة التنفس فَلَا تمنع الِاتِّصَال فَلَو لم تتصل على الْعَادة بِأَن اشْتغل بِكَلَام آخر أَو أعرض عَن الِاسْتِثْنَاء ثمَّ اسْتَلْحقهُ فَلَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ وَيُؤْخَذ بِإِقْرَارِهِ وَلَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء فِي بعض الْمقر بِهِ كَمَا لَو قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة صَحَّ أَيْضا بِشَرْط الِاتِّصَال على الْعَادة وَأَن لَا يسْتَغْرق كَمَا مثلناه وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا عشرَة بَطل الِاسْتِثْنَاء لاستغراقه وَلَزِمَه الْعشْرَة وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة لَهُ عَلَيْهِ عَليّ عشرَة لَا تلزمني وَالله أعلم
(فرع) إِذا قَالَ شخص إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر أَو قدم زيد فلفلان عَليّ مائَة فَالْمَذْهَب أَنه لَا يلْزمه شَيْء لِأَن الشَّرْط لَا أثر لَهُ فِي إِيجَاب المَال وَالْوَاقِع لَا يعلق بِشَرْط وَهَذَا إِذا أطلق أَو قَالَ قصدت التَّعْلِيق فَإِن قصد التَّأْجِيل قبل وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ كَذَا من ثمن كلب أَو ثمن خمر أَو ثمن آلَة لَهُم أَو ثمن زبل وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يَصح بَيْعه فَهَل يلْزمه شَيْء أم لَا قَولَانِ
أَحدهمَا لَا يلْزمه شَيْء لِأَن الْكَلَام كَلَام وَاحِد وَمثله يُطلق فِي الْعرف وَالْأَظْهَر أَنه يلْزمه مَا أقرّ بِهِ لِأَن أول الْكَلَام إِقْرَار صَحِيح وَآخره يرفع فَلَا يقبل مِنْهُ كَمَا لَو قَالَ لَهُ على ألف لَا يلْزَمنِي
стр. 270
وَيجْرِي الْقَوْلَانِ فِي كل مَا يَنْتَظِم عَادَة وَيبْطل حكمه شرعا كَمَا لَو أضَاف ذَلِك إِلَى بيع أَو إِجَارَة أَو كَفَالَة وَوَصفه بِالْفَسَادِ فَلَو ذكر هَذِه الْأُمُور مفصولة عَن الْإِقْرَار ألزمناه بِلَا خلاف وَالله أعلم
قلت تَرْجِيح اللُّزُوم عِنْد عدم الْقَرِينَة مُتَّجه أما إِذا اعتضد الْإِقْرَار بِقَرِينَة دَالَّة على صدق الْمقر فَالْمُتَّجه عدم إِلْزَامه بِمَا أقرّ بِهِ لانعضاد أصل بَرَاءَة الذِّمَّة بِالْعرْفِ العادي فِي الْإِقْرَار مَعَ الْقَرِينَة كَمَا لَو كَانَ النزاع بَين الكلابرية والخمارين والمتخذين الْآلَات اللهوية سَببا لِأَن بيع ذَلِك عِنْدهم مَعْلُوم فَقَوله ألف من ثمن الْكَلْب فِيهِ عرف مَعْهُود بِخِلَاف قَوْله عَليّ ألف لَا يلْزَمنِي فَإِنَّهُ لَا عرف فِي ذَلِك فَكيف يَصح إِلْحَاق مَا فِيهِ عرف على مَا لَا عرف فِيهِ أَلْبَتَّة وللقاضي اللبيب فِي مثل ذَلِك نظر ظَاهر وَالله أعلم
(فرع) أقرّ شخص أَنه طلق امْرَأَة وَاسْتثنى فَهَل يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق لِأَنَّهُ أقرّ بِالطَّلَاق وَادّعى رَفعه بِالِاسْتِثْنَاءِ أم لَا يَقع نظرا إِلَى جملَة كَلَامه أفتى بعض فقهائنا بِقبُول قَوْله وَلم يُوقع عَلَيْهِ طَلَاقا وَفِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْن مَا يشْهد لَهُ وَلَو قيل بتخريجها على تعقيب الْإِقْرَار بِمَا يرفعهُ لم يبعد وَالله أعلم قَالَ
(وَهُوَ فِي حَال الصِّحَّة وَالْمَرَض سَوَاء)
قَوْله وَهُوَ أَي الْإِقْرَار اعْلَم أَن إِقْرَار الصَّحِيح صَحِيح حَيْثُ لَا مَانع لوُجُود شُرُوط الصِّحَّة وَأما إِقْرَار الْمَرِيض فِي مرض الْمَوْت فَهَل يَصح ينظر إِن أقرّ لأَجْنَبِيّ فَفِيهِ قَولَانِ سَوَاء كَانَ الْمقر بِهِ عينا أَو دينا الرَّاجِح الصِّحَّة قِيَاسا على الصَّحِيح وَقيل بل هُوَ مَحْسُوب من الثُّلُث وَأما الْإِقْرَار للموارث فَفِيهِ طَرِيقَانِ
أَحدهمَا على الْقَوْلَيْنِ وَالْمذهب الصِّحَّة لِأَن الْمقر انْتهى إِلَى حَالَة يصدق فِيهَا الْكَاذِب وَيَتُوب فِيهَا الْفَاجِر فَالظَّاهِر أَنه لَا يقر إِلَّا عَن تَحْقِيق وَلَا يقْصد حرماناً وَقيل لَا يَصح لِأَنَّهُ قد يقْصد حرمَان بعض الْوَرَثَة وَلَو أقرّ فِي صِحَّته بدين ثمَّ أقرّ لآخر فِي مَرضه تقاسما وَلَا يقدم الأول وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْعَارِية فصل فِي الْعَارِية وكل مَا أمكن الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه جَازَت إعارته إِذا كَانَت مَنَافِعه آثاراً
الْعَارِية بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها قَالَ ابْن الرّفْعَة وحقيقتها شرعا إِبَاحَة الِانْتِفَاع بِمَا يحل الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه ليَرُدهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ هبة الْمَنَافِع
стр. 271
وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وَالْمرَاد مَا يستعيره الْجِيرَان بَعضهم من بعض وَكَانَ ذَلِك وَاجِبا فِي أول الْإِسْلَام قَالَه الرَّوْيَانِيّ وَقَالَ البُخَارِيّ هُوَ كل مَعْرُوف وَفِي السّنة أَنه ﵊
(اسْتعَار يَوْم خَيْبَر من صَفْوَان بن أُميَّة درعاً فَقَالَ لَهُ غصبا يَا مُحَمَّد فَقَالَ لَا بل عَارِية مَضْمُونَة) وَنقل ابْن الصّباغ الْإِجْمَاع على استحبابها إِذا عرفت هَذَا فَشرط الْمُعير أَن يكون أَهلا للتبرع فَلَا تصح من الْمَحْجُور عَلَيْهِ وَيشْتَرط أَن تكون مَنْفَعَة الْعين المعارة ملكا للْمُعِير فَتَصِح إِعَارَة الْمُسْتَأْجر لِأَنَّهُ ملك للمنفعة وَلَا يعير الْمُسْتَعِير لِأَنَّهُ غير مَالك للمنفعة وَإِنَّمَا أُبِيح لَهُ الِانْتِفَاع والمستبيح لَا يملك نقل الْإِبَاحَة بِدَلِيل أَن الضَّيْف لَا يُبِيح لغيره مَا قدم إِلَيْهِ وَلَا يطعم الْهِرَّة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة والمنهاج وَالْمُحَرر وَقيل للْمُسْتَعِير أَن يعير قَالَ الإسنائي فِي شرح الْمِنْهَاج كَمَا أَن لَهُ أَن يُؤجر وَاعْتمد فِي الْإِجَارَة على نقل ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب أَن أَبَا عَليّ الدبيلي نقل عَن الشَّافِعِي أَنه جوز الْإِجَارَة للْمُسْتَعِير قَالَ وَيكون رُجُوع الْمُعير بِمَنْزِلَة الإنهدام فِي الدَّار حَتَّى تَنْفَسِخ الْإِجَارَة وَيسْتَحق الْمُسْتَعِير بِالْقِسْطِ وَفِي وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْإِجَارَة أَنه يجوز أَن يستعير ليؤجر ثمَّ شَرط الْمُسْتَعَار كَونه مُنْتَفعا بِهِ فَلَا تصح إِعَارَة الْحمار الزَّمن وَنَحْوه لفَوَات الْمَقْصُود من الْعَارِية وَيشْتَرط أَيْضا بَقَاء الْعين بعد الِانْتِفَاع كإعارة الدَّوَابّ وَالثيَاب بِخِلَاف إِعَارَة الْأَطْعِمَة والشموع والصابون وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِأَن مَنْفَعَتهَا فِي استهلاكها ثمَّ شَرط الْمَنْفَعَة أَن يكون لَهَا وَقع فِي الانتفاعات الحاجية وَلِهَذَا لَا يَصح اعارة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير ليتزين بهَا على الصَّحِيح لِأَنَّهَا مَنْفَعَة ضَعِيفَة ومعظم مَنَافِعهَا فِي الانفاق وَقيل تصح إعارتها لِأَنَّهَا ينْتَفع بهَا مَعَ بَقَاء عينهَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَمحل الْخلاف عِنْد إِطْلَاق الْعَارِية أما إِذا اسْتعَار الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير للتزين فَالْمُتَّجه الْقطع بِالصِّحَّةِ وبصحته أجَاب فِي التَّتِمَّة وَقَول الشَّيْخ إِذا كَانَت مَنَافِعه آثاراً احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا كَانَت الْمَنْفَعَة عينا كاستعارة الشَّاة للبنها والشجرة لثمرها وَنَحْو ذَلِك وَفِي جَوَاز إِعَارَة ذَلِك خلاف إِذا كَانَ بِصِيغَة الْإِبَاحَة كَقَوْلِه خُذ هَذِه الشَّاة فقد أبحتك درها ونسلها فأحد الْوَجْهَيْنِ أَنَّهَا كَقَوْلِه خُذ هَذِه الشَّاة فقد وَهبتك درها ونسلها وَهَذِه الْهِبَة فَاسِدَة فَيكون الدّرّ والنسل مَقْبُوضا بِهِبَة فَاسِدَة وَالشَّاة مَضْمُونَة بالعارية الْفَاسِدَة وَالثَّانِي أَنَّهَا إِبَاحَة صَحِيحَة وَالشَّاة عَارِية صَحِيحَة وَبِه قطع الْمُتَوَلِي وَمَا قطع بِهِ الْمُتَوَلِي صَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة ثمَّ نقل عَنهُ أَنه حكم بِالصِّحَّةِ أَيْضا فِيمَا إِذا دفع إِلَيْهِ شَاة وَقَالَ أعرتكها لدرها ونسلها فعلى مَا ذكره الْمُتَوَلِي وَصَححهُ النَّوَوِيّ تجوز الْعَارِية لاستعارة عين وَلَيْسَ من شَرطهَا أَن يكون الْمَقْصد مُجَرّد الْمَنْفَعَة بِخِلَاف الْإِجَارَة وَالله أعلم
стр. 272
(فرع) أَخذ كوزاً من سقاء بِلَا ثمن كَانَ الْكوز عَارِية فَلَو سقط من يَده ضمنه وَلَو دفع إِلَيْهِ أَولا فلسًا فَأخذ الْكوز فَسقط من يَده فانكسر فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْكوز لِأَنَّهَا إِجَارَة فَاسِدَة وَحكم فَاسد العقد حكم صَحِيحَة فِي الضَّمَان وَعَدَمه وَلَو كَانَ لَهُ عَادَة أَن يشرب من السقاء وَيدْفَع إِلَيْهِ بعد كل حِين شَيْئا فَأخذ الْكوز فَسقط مِنْهُ وانكسر فَلَا ضَمَان أَيْضا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَالله أعلم
(فرع) قَالَ أعرتك هَذِه الدَّابَّة لتعلفها أَو لتعيرني فرسك فَهِيَ إِجَارَة فَاسِدَة تجب فِيهَا أُجْرَة الْمثل وَلَو تلفت الدَّابَّة فَلَا يضمنهَا كَمَا فِي الْإِجَارَة الصَّحِيحَة وَوَجهه أَن الْأُجْرَة وَهِي الْعلف مَجْهُولَة وَكَذَا مُدَّة الْعَمَل فِي الصُّورَة الثَّانِيَة وَقيل عَارِية فَاسِدَة نظرا إِلَى اللَّفْظ وَالله أعلم قَالَ
(وَتجوز الْعَارِية مُطلقًا ومقيدة بِمدَّة)
قد علمت أَن الْعَارِية إِبَاحَة الِانْتِفَاع فللمبيح أَن يُطلق الْإِبَاحَة وَله أَن يؤقتها ثمَّ لَهُ الرُّجُوع مَتى شَاءَ لِأَن الْعَارِية عقد جَائِز فَلهُ رَفعه مَتى شَاءَ فَلَو منعنَا الْمَالِك من الرُّجُوع لامتنع النَّاس من هَذِه المكرمة
وَاعْلَم أَن الْعَارِية كَمَا ترْتَفع بِالرُّجُوعِ كَذَلِك ترْتَفع بِمَوْت الْمُعير وبجنونه وإغمائه وبالحجر عَلَيْهِ وَكَذَا بِمَوْت الْمُسْتَعِير فَإِذا مَاتَ الْمُسْتَعِير وَجب على ورثته رد الْعين المستعارة لَهُ وَإِن لم يطالبهم الْمُعير وهم عصاة بِالتَّأْخِيرِ وَلَيْسَ للْوَرَثَة اسْتِعْمَال الْعين المستعارة فَلَو استعملوها لزمتهم الْأُجْرَة مَعَ عصيانهم وَمؤنَة الرَّد فِي تَرِكَة الْمَيِّت وَيسْتَثْنى من جَوَاز الرُّجُوع مَا إِذا أعَار أَرضًا لدفن ميت فَدفن فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع حَتَّى يبْلى الْمَيِّت ويندرس أَثَره لِأَنَّهُ دفن بِحَق والنبش لغير ضَرُورَة حرَام لما فِيهِ من هتك حُرْمَة الْمَيِّت وَإِذا امْتنع عَلَيْهِ الرُّجُوع فَلَا أُجْرَة لَهُ صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا لِأَن الْعرف يَقْتَضِي بِخِلَاف مَا إِذا أذن لَهُ أَن يضع جذعاً على جِدَاره ثمَّ رَجَعَ فَإِن لَهُ الْأُجْرَة إِذا اخْتَارَهَا على الصَّحِيح وَيسْتَثْنى أَيْضا مَا إِذا قَالَ أعيروا دَابَّتي لفُلَان أَو دَاري بعد موتِي سنة فَإِن الْإِعَارَة تكون لَازِمَة لَا يجوز للْوَارِث الرُّجُوع فِيهَا قبل الْمدَّة صرح الرَّافِعِيّ بذلك أَيْضا فِي كتاب التَّدْبِير وَيسْتَثْنى مَا لَو أعَار شخصا ثوبا ليكفن فِيهِ مَيتا فَكفن وَقُلْنَا إِن الْكَفَن بَاقٍ على ملك الْمُعير وَهُوَ الْأَصَح كَمَا ذكره النَّوَوِيّ فِي كتاب السّرقَة من زيادات فَإِنَّهُ يكون من العواري اللَّازِمَة وَالله أعلم وَيسْتَثْنى من جِهَة الْمُسْتَعِير مَا إِذا اسْتعَار دَارا لسكنى الْمُعْتَدَّة فَإِنَّهُ لَا يجوز للْمُسْتَعِير الرُّجُوع فِيهَا وَتلْزم من جِهَته صرح الْأَصْحَاب بذلك فِي كتاب الْعدَد وَالله أعلم قَالَ
(وَهِي مَضْمُونَة على الْمُسْتَعِير بِقِيمَتِهَا يَوْم تلفهَا)
الْعين المستعارة إِذا تلفت لَا بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُون فِيهِ ضمنهَا الْمُسْتَعِير وَإِن لم يفرط لحَدِيث
стр. 273
صَفْوَان بل عَارِية مَضْمُونَة وَلِأَنَّهُ مَال يجب رده فَتجب قِيمَته عِنْد تلفه كَالْعَيْنِ الْمَأْخُوذَة على وَجه السّوم وبقيمه أَي يَوْم تلفه يعْتَبر فِيهِ خلاف الْأَصَح بِقِيمَتِه يَوْم التّلف لِأَن الأَصْل رد الْعين وَإِنَّمَا تجب الْقيمَة بالفوات وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق بالتلف فعلى هَذَا لَو حصل فِي الدَّابَّة زِيَادَة كالسمن وَغَيره ثمَّ زَالَ فِي يَد الْمُسْتَعِير لَا يضمن تِلْكَ الزِّيَادَة كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام القَاضِي أبي الطّيب فَإِنَّهُ ذكر هَذَا الحكم فِي البيع الْفَاسِد وقاسه على الْعَارِية كَذَا نَقله ابْن الرّفْعَة وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا إِذا اسعتار من الْمُسْتَأْجر الْعين الْمُسْتَأْجرَة وَتَلفت بِلَا تعد فَإِنَّهُ لَا يضمنهَا لِأَن يَده يَد الْمُسْتَأْجر وَلَو تلفت فِي يَد الْمُسْتَأْجر بِلَا تعد فَلَا يضمن فَكَذَا نَائِبه نعم لَو كَانَت الْإِجَارَة فَاسِدَة ضمنا مَعًا والقرار على الْمُسْتَعِير من الْمُسْتَأْجر وَمؤنَة الرَّد على الْمُسْتَعِير إِن رد على الْمُسْتَأْجر فَإِن رد على الْمَالِك كَانَت على الْمَالِك كَمَا لَو رد على الْمُسْتَأْجر
وَاعْلَم أَن الْمُسْتَعِير من الْمُوصى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ وَمن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ حكمهمَا حكم الْمُسْتَعِير من الْمُسْتَأْجر وَالله أعلم وَهَذَا كُله إِذا تلفت لَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَإِن تلفت بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُون فِيهِ بِأَن انمحق الثَّوْب باللبس فَلَا ضَمَان على الصَّحِيح كالأجزاء فَإِن الْأَجْزَاء إِذا تلفت بِسَبَب الِاسْتِعْمَال الْمَأْذُون فِيهِ فَلَا ضَمَان على الصَّحِيح وَلَو تلفت الدَّابَّة بِسَبَب الرّكُوب وَالْحمل الْمُعْتَاد فَهِيَ كانمحاق الثَّوْب وتعيبها بِالِاسْتِعْمَالِ كانسحاق الثَّوْب وَلَا ضَمَان فِيهَا على الْأَصَح وَالْفرق بَين الانمحاق والانسحاق أَن الانمحاق هُوَ تلف الثَّوْب بِالْكُلِّيَّةِ بِأَن يلْبسهُ حَتَّى يبْلى والانسحاق هُوَ النُّقْصَان وعقر الدَّابَّة وعرجها كالانسحاق وَالله أعلم
(فرع) قطع شخص غصناً وَوَصله بشجرة غَيره فثمرة الْغُصْن لمَالِكه لَا لمَالِك الشَّجَرَة كَمَا لَو غرسه فِي أَرض غَيره وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْغَصْب فصل وَمن غصب مَالا أَخذ برده وَأرش نَقصه وَأُجْرَة مثله
الْغَصْب من الْكَبَائِر أجارنا الله تَعَالَى مِنْهُ وَمن سَبَب غَضَبه
وَالْأَصْل فِي تَحْرِيمه آيَات كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الْآيَة وَمِنْهَا ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وَالدّلَالَة مِنْهَا فِي غَايَة الْمُبَالغَة وَأما السّنة الشَّرِيفَة فالأخبار فِي ذَلِك كَثِيرَة جدا وَيَكْفِي مِنْهَا قَوْله ﷺ فِي خطبَته بمنى
(إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ
стр. 274
حرَام عَلَيْكُم كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا)
وحد الْغَصْب فِي اللُّغَة اخذ الشَّيْء ظلما مجاهرة فَإِن أَخذه سرا من حرز مثله سمي سَرقَة وَإِن أَخذه مُكَابَرَة سمى محاربة وَإِن أَخذه اسْتِيلَاء سمي اختلاساً وَإِن أَخذه مِمَّا كَانَ مؤتمناً عَلَيْهِ سمي خِيَانَة
وَحده فِي الشَّرْع هُوَ الِاسْتِيلَاء على مَال الْغَيْر على وَجه التَّعَدِّي كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَفِيه شَيْء وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الِاسْتِيلَاء على حق الْغَيْر عُدْوانًا عدل عَن قَول الرَّافِعِيّ مَال الْغَيْر إِلَى قَوْله حق الْغَيْر لِأَن الْحق يَشْمَل مَا لَيْسَ بِمَال كَالْكَلْبِ والزبل وَجلد الْميتَة وَالْمَنَافِع والحقوق كإقامة شخص من مَكَان مُبَاح كالطريق وَالْمَسْجِد وَاحْترز بالعدوان عَمَّا إِذا انتزع مَال الْمُسلم من الْحَرْبِيّ ليَرُدهُ على الْمُسلم أَو من غَاصِب مُسلم على وَجه ثمَّ الِاسْتِيلَاء بِحَسب الْمَأْخُوذ وَالرُّجُوع فِيهِ إِلَى تَسْمِيَته غصبا فَلَو جلس على بِسَاط الْغَيْر أَو اغترف بآنية الْغَيْر بِلَا إِذن فغاصب وَإِن لم يقْصد الِاسْتِيلَاء لِأَن غَايَة الْغَصْب أَن ينْتَفع بالمغصوب وَقد وجد وَلَو دخل دَارا وَأخرج صَاحبهَا أَو أخرجه وَإِن لم يدخلهَا فغاصب وَكَذَا لَو ركب دَابَّة الْغَيْر أَو حَال بَينه وَبَينهَا وَلَو دخل دَار الْغَيْر وَلم يكن صَاحبهَا فِيهَا وَقصد الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا فغاصب بِخِلَاف من دَخلهَا لينْظر هَل تصلح لَهُ أم لَا وَنَحْو ذَلِك وَلَو دفع إِلَى عبد غَيره شَيْئا ليوصله إِلَى منزله بِلَا إِذن مَالِكه قَالَ القَاضِي حُسَيْن يكون غَاصبا وطرده فِيمَا إِذا بَعثه فِي شغل وَقَالَ الْبَغَوِيّ لَا يضمن إِلَّا إِذا اعْتقد طَاعَة الْأَمر كالصغير والأعجمي وَعبد الْمَرْأَة ثمَّ مَتى ثَبت الْغَصْب وَجب عَلَيْهِ رد مَا غصبه إِلَى مَالِكه وَهُوَ معنى قَول الشَّيْخ أَخذ برده للأحاديث الْوَارِدَة فِي ذَلِك وَلَو غرم فِي الرَّد أَضْعَاف قيمَة الْمَغْصُوب كَمَا لَو غصبه شَيْئا بِمَكَّة ثمَّ لقِيه بمَكَان آخر بعيد يجب على الْغَاصِب أَن يحضر الْمَغْصُوب وَأَن يتَكَلَّف مُؤنَة نَقله وَهَذَا لَا يُنَازع فِيهِ وكما يخرج عَن الْعهْدَة بِالرَّدِّ إِلَى الْمَالِك كَذَلِك يخرج بِالرَّدِّ إِلَى وَكيله وَلَو غصب الْعين المودوعة من الْمُودع أَو من الْمُسْتَأْجر أَو من الْمَرْهُون عِنْده ثمَّ رد إِلَيْهِم برِئ على الرَّاجِح لِأَن يدهم كيد الْمَالِك وَقيل لَا يبرأ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمَالِك وَلَو غصب من الْمُسْتَعِير أَو من الْآخِذ على وَجه السّوم ثمَّ رده إِلَيْهِ هَل يبرأ وَجْهَان ذكرهمَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الثَّالِث من أَبْوَاب الرَّهْن وَلَو رد الدَّابَّة إِلَى الإسطبل أَو الدَّار فِي حق أهل الْقرى وَنَحْوهم إِن علم الْمَالِك بذلك إِمَّا بِأَن رَآهَا أَو أخبرهُ ثِقَة برِئ وَإِن لم يعلم حَتَّى شَردت لم يبرأ كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْمُتَوَلِي فِي آخر الْبَاب وَأقرهُ وَاعْلَم أَنه كَمَا يجب رد الْمَغْصُوب كَذَلِك يجب أرش نَقصه وَلَا فرق بَين نقص الصّفة وَنقص الْعين مِثَال نقص الصّفة بِأَن غصب دَابَّة سَمِينَة فهزلت ثمَّ سمنت فَإِنَّهُ يردهَا وَأرش السّمن الأول لِأَن الثَّانِي غير الأول حَتَّى لَو هزلت مرّة
стр. 275
أُخْرَى ردهَا ورد أرش السمنتين جَمِيعًا وَيُقَاس بِهَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَأما نقص الْعين بِأَن غصب زَوجي خف قيمتهمَا عشرَة دَرَاهِم فَضَاعَ أَحدهمَا وَصَارَ قيمَة الْبَاقِي دِرْهَمَيْنِ لزمَه قيمَة التَّالِف وَهُوَ خَمْسَة وَأرش النَّقْص وَهُوَ ثَلَاثَة فَيلْزمهُ ثَمَانِيَة لِأَن الْأَرْش حصل بِالتَّفْرِيقِ الْحَاصِل عِنْده وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَقَول الشَّيْخ لزمَه أرش نَقصه يُؤْخَذ مِنْهُ أَن نقص قيمَة الأسعار لَا يضمنهَا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا نقص فِي ذَات الْمَغْصُوب وَلَا فِي صِفَاته وَالَّذِي فَاتَ إِنَّمَا هُوَ رغبات النَّاس وَفِي وَجه يلْزمه ذَلِك وَبِه قَالَ الْأَكْثَرُونَ قَالَ الإِمَام أَبُو ثَوْر وَهُوَ منقاس
قلت وَهُوَ قوي لِأَن الْغَاصِب مطَالب بِالرَّدِّ فِي كل لَحْظَة والسعر الْمُرْتَفع بِمَنْزِلَة المَال العتيد أَلا ترى أَنه لَو بَاعَ الْوَلِيّ وَالْوَكِيل أَو عَامل الْقَرَاض وَنَحْو ذَلِك بِثمن الْمثل وَهُنَاكَ رَاغِب بِالزِّيَادَةِ لَا يَصح لِأَنَّهُ تَفْوِيت مَال وَالله أعلم فَكَمَا يلْزم الرَّد وَأرش النَّقْص يلْزم الْغَاصِب أُجْرَة الْمثل لاخْتِلَاف السَّبَب لِأَن سَبَب الْأَرْش النَّقْص وَالْأُجْرَة بِسَبَب تَفْوِيت الْمَنَافِع الله أعلم
(فرع) فتح بَاب قفص فِيهِ طير ونفره ضمن بِالْإِجْمَاع قَالَه الْمَاوَرْدِيّ لِأَنَّهُ نفر بِفِعْلِهِ وَإِذا اقْتصر على الْفَتْح فالراجح أَنه إِن طَار فِي الْحَال ضمن لِأَن الطَّائِر ينفر مِمَّن يقرب مِنْهُ فطيرانه فِي الْحَال مَنْسُوب إِلَيْهِ كتهييجه وَإِن وقف الطَّائِر ثمَّ طَار فَلَا ضَمَان لِأَن للحيوان اخْتِيَارا فينسب الطيران إِلَيْهِ أَلا ترى أَن الْحَيَوَان يقْصد مَا يَنْفَعهُ ويتوقى المهالك فالفاتح متسبب والطائر مبَاشر والمباشر مقدم على المتسبب وَالله أعلم قَالَ
وَإِن تلف ضمنه بِمثلِهِ إِن كَانَ لَهُ مثل أَو بِقِيمَتِه إِن لم يكن لَهُ مثل أَكثر مَا كَانَت من يَوْم الْغَصْب إِلَى يَوْم التّلف)
إِذا تلف الْمَغْصُوب سَوَاء كَانَ بِفِعْلِهِ أَو بِآفَة سَمَاوِيَّة بِأَن وَقع عَلَيْهِ شَيْء أَو احْتَرَقَ أَو غرق أَو أَخذه أحد وَتحقّق تلفه فَإِن كَانَ مثلِيا ضمنه بِمثلِهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَلِأَنَّهُ أقرب إِلَى حَقه لِأَن الْمثْلِيّ كالنص لِأَنَّهُ محسوس وَالْقيمَة كالاجتهاد وَلَا يُصَار إِلَى الِاجْتِهَاد إِلَّا عِنْد فقد النَّص وَلَو غضب مثلِيا فِي وَقت الرُّخص فَلهُ طلبه فِي وَقت الغلاء
ثمَّ ضَابِط الْمثْلِيّ مَا حصره كيل أَو وزن وَجَاز السّلم فِيهِ وَيسْتَثْنى من هَذَا مَا إِذا أتلف عَلَيْهِ مَاء فِي مفازة ثمَّ لقِيه على شط نهر أَو أتلف عَلَيْهِ الثَّلج فِي الصَّيف ثمَّ لقِيه فِي الشتَاء فَالْوَاجِب قيمَة الْمثل فِي تِلْكَ الْمَفَازَة وَقِيمَة الثَّلج فِي وَقت الْغَضَب وَالله أعلم
стр. 276
وَلَو كَانَ الْمَغْصُوب من ذَوَات الْقيم كالحيوان وَغَيره من غير الْمثْلِيّ لزمَه أقْصَى قيم الْمَغْصُوب من وَقت الْغَصْب إِلَى وَقت التّلف لِأَنَّهُ فِي حَال زِيَادَة الْقيمَة غَاصِب مطَالب بِالرَّدِّ فَلَمَّا لم يرد فِي تِلْكَ الْحَالة ضمن الزِّيَادَة لتعديه وَتجب قِيمَته من نقد الْبَلَد الَّذِي حصل فِيهِ التّلف قَالَه الرَّافِعِيّ وَكَلَام الرَّافِعِيّ مَحْمُول على مَا إِذا لم ينْقل الْمَغْصُوب فَإِن نَقله قَالَ ابْن الرّفْعَة فَيتَّجه أَن يعْتَبر نقد الْبَلَد الَّذِي تعْتَبر الْقيمَة فِيهِ وَهُوَ أَكثر البلدين قيمَة قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْبَحْر عَن وَالِده مَا يُقَارِبه وَالْعبْرَة بِالنَّقْدِ الْغَالِب فَإِن غلب نقدان وتساويا عين القَاضِي وَاحِدًا مَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي كتاب البيع وَالله أعلم
(فرع) لَو ظفر بالغاصب فِي بلد التّلف والمغصب مثلي وَهُوَ مَوْجُود فَالصَّحِيح أَنه إِن كَانَ لَا مُؤنَة لنقله كالنقد فَلهُ مُطَالبَته بِالْمثلِ وَإِلَّا فَلَا يُطَالِبهُ ويغرمه قيمَة بلد التّلف لِأَنَّهُ تعذر على الْمَالِك الرُّجُوع إِلَى الْمثل وَالله أعلم قَالَ
بَاب الشُّفْعَة فصل وَالشُّفْعَة وَاجِبَة بالخلطة دون الْجوَار فِيمَا يَنْقَسِم دون مَالا يَنْقَسِم وَفِي كل مَا لَا ينْقل من الأَرْض كالعقار وَنَحْوه
الشُّفْعَة من شفعت الشَّيْء وثنيته وَقيل من التَّسْوِيَة والاعانة لِأَنَّهُ يتقوى بِمَا يَأْخُذهُ
وَهِي فِي الشَّرْع حق تملك قهري يثبت للشَّرِيك الْقَدِيم على الْحَادِث بِسَبَب الشّركَة بِمَا يملك بِهِ لدفع الضَّرَر وَاخْتلف فِي الْمَعْنى الَّذِي شرعت لأَجله فَالَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِي أَنه ضَرَر مُؤنَة الْقِسْمَة واستحداث الْمرَافِق وَغَيرهَا وَالْقَوْل الثَّانِي ضَرَر سوء الْمُشَاركَة
وَالْأَصْل فِي ثُبُوتهَا ورد
(قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مَا لَا يقسم فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة) وَفِي رِوَايَة فِي
(أَرض أَو ربع أَو حَائِط) وَالرّبع الْمنزل والحائط الْبُسْتَان وَنقل ابْن الْمُنْذر الاجماع على إِثْبَات الشُّفْعَة وَهُوَ مَمْنُوع فقد خَالف فِي ذَلِك جَابر بن زيد من كبار التَّابِعين وَغَيره إِذا عرفت هَذَا فَقَوْل الشَّيْخ وَاجِبَة أَي ثَابِتَة يَعْنِي
стр. 277
تثبت للشَّرِيك المخالط خلْطَة الشُّيُوع دون الشَّرِيك الْجَار للْحَدِيث السَّابِق وَقَوله فِيمَا يَنْقَسِم دون مَا لَا يَنْقَسِم فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْعلَّة فِي ثُبُوت الشُّفْعَة ضَرَر مُؤنَة الْقِسْمَة فَلهَذَا تثبت فِيمَا يقبل الْقِسْمَة وَيجْبر الشَّرِيك فِيهِ على الْقِسْمَة بِشَرْط أَن ينْتَفع بالمقسوم على الْوَجْه الَّذِي كَانَ ينْتَفع بِهِ قبل الْقِسْمَة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَلِهَذَا لَا تثبت الشُّفْعَة فِي الشَّيْء الَّذِي لَو قسم لبطلت منفعَته الْمَقْصُودَة مِنْهُ قبل الْقِسْمَة كالحمام الصَّغِير فَإِنَّهُ لَا يُمكن جعله حمامين وَإِن أمكن كحمام كَبِير ثبتَتْ الشُّفْعَة لِأَن الشَّرِيك يجْبر على قسمته وَكَذَا لَا شُفْعَة فِي الطَّرِيق الضّيق وَنَحْو ذَلِك وَقَوله وَفِي كل مَا لَا ينْقل احْتَرز بِهِ عَن المنقولات أَي لَا تثبت الشُّفْعَة فِي الْمَنْقُول لقَوْله ﷺ
(لَا شُفْعَة إِلَّا فِي ربع أَو حَائِط) وَتثبت فِي كل مَالا ينْقل كالأرض والربوع وَإِذا ثبتَتْ فِي الأَرْض تبِعت الْأَشْجَار والأبنية فِيهَا لِأَن الحَدِيث فِيهِ لفظ الرّبع وَهُوَ يتَنَاوَل الْأَبْنِيَة وَلَفظ الْحَائِط يتَنَاوَل الْأَشْجَار
وَاعْلَم أَنه كَمَا تتبع الْأَشْجَار الأَرْض كَذَلِك تتبع الْأَبْوَاب والرفوف المسمرة للْبِنَاء وكل مَا يتبع فِي البيع عِنْد الاطلاق كَذَلِك هُنَا
وَاعْلَم أَن الْأَبْنِيَة وَالْأَشْجَار إِذا بِيعَتْ وَحدهَا فَلَا شُفْعَة فِيهَا على الصَّحِيح لِأَنَّهَا منقولة وَإِن أريدت للدوام فَإِذا عرفت هَذَا فَلَا شُفْعَة فِي الْأَبْنِيَة وَفِي الأَرْض الْمَوْقُوفَة كالأشجار لِأَن الأَرْض لَا تستتبع وَالْحَالة هَذِه وَكَذَلِكَ الْأَرَاضِي المحتكرة فاعرفه وَالله أعلم قَالَ
(بِالثّمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ البيع وَهِي على الْفَوْر فَإِن أَخّرهَا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا بطلت)
قَوْله بِالثّمن مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِير الْكَلَام أَخذ الشَّفِيع الْمَبِيع بِالثّمن وَالْمعْنَى أَخذ بِمثل الثّمن إِن كَانَ الثّمن مثلِيا أَو بِقِيمَتِه إِن كَانَ مُتَقَوّما وَيُمكن حمل اللَّفْظ على ظَاهره حَيْثُ صَار الثّمن إِلَى الشَّفِيع وَالِاعْتِبَار بِوَقْت البيع لِأَنَّهُ وَقت اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة كَذَا علله الرَّافِعِيّ وَنَقله الْبَنْدَنِيجِيّ عَن نَص الشَّافِعِي وَلَو كَانَ الثّمن مُؤَجّلا فَالْأَظْهر أَن الشَّفِيع مُخَيّر بَين أَن يعجل وَيَأْخُذ فِي الْحَال أَو يصبر إِلَى مَحل الثّمن وَيَأْخُذ لأَنا إِذا جَوَّزنَا الْأَخْذ بالمؤجل أضررنا بالمشتري لِأَن الذمم تخْتَلف وَإِن ألزمناه الاخذ بِالْحَال أضررنا بالشفيع لأجل يُقَابله قسط من الثّمن فَكَانَ مَا قُلْنَا دفعا للضررين ثمَّ الشُّفْعَة على الْفَوْر على الْأَظْهر لقَوْله ﷺ
(الشُّفْعَة كحل العقال) مَعْنَاهُ أَنَّهَا تفوت عِنْد عدم الْمُبَادرَة كَمَا يفوت الْبَعِير الشرود إِذا حل عقاله وَلم يبتدر إِلَيْهِ وروى
(الشُّفْعَة
стр. 278
لمن واثبها) وَلِأَنَّهُ حق ثَبت لدفع الضَّرَر فَكَانَ على الْفَوْر كالرد بِالْعَيْبِ وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن المُرَاد بِكَوْنِهَا على الْفَوْر طلبَهَا لَا تَملكهَا نبه عَلَيْهِ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب فاعرفه وَقيل تمتد ثَلَاثَة أَيَّام وَقيل غير ذَلِك فَإِذا علم الشَّفِيع بِالْمَبِيعِ فليبادر على الْعَادة وَقد مر ذَلِك فِي رد الْمَبِيع بِالْعَيْبِ فَلَو كَانَ مَرِيضا أَو غَائِبا عَن بلد المُشْتَرِي أَو خَائفًا من عَدو فليوكل إِن قدر وَإِلَّا فليشهد على الطّلب فَإِن ترك الْمَقْدُور عَلَيْهِ بَطل حَقه على الرَّاجِح لِأَنَّهُ مشْعر بِالتّرْكِ وَهَذَا فِي الْمَرَض الثقيل فَإِن كَانَ مَرضا خَفِيفا لَا يمنعهُ من الْمُطَالبَة كالصداع الْيَسِير كَانَ كَالصَّحِيحِ قَالَه ابْن الرّفْعَة وَلَو كَانَ مَحْبُوسًا ظلما فَهُوَ كالمرض الثقيل وَلَو خرج للطلب حَاضرا كَانَ أَو غَائِبا فَهَل يجب الْإِشْهَاد أَنه على الطّلب الصَّحِيح فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَنه إِذا لم يشْهد لَا يبطل حَقه وَصحح النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه أَنه فِي الْغَالِب يبطل إِذا لم يشْهد وَالْمُعْتَمد الأول كَمَا لَو بعث وَكيلا فَإِنَّهُ يَكْفِي وَلَو قَالَ الشَّفِيع لم أعلم أَن الشُّفْعَة على الْفَوْر وَهُوَ مِمَّن يخفي عَلَيْهِ صدق وَلَو اخْتَلَفْنَا فِي السّفر لأجل الشُّفْعَة صدق الشَّفِيع قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَلَو رفع الشَّفِيع الْأَمر إِلَى القَاضِي وَترك مُطَالبَة المُشْتَرِي مَعَ حُضُوره جَازَ وَلَو أشهد على الطّلب وَلم يُرَاجع المُشْتَرِي وَلَا القَاضِي لم يكف وَإِن كَانَ المُشْتَرِي غَائِبا رفع الْأَمر إِلَى القَاضِي وَأخذ وَلَو أخر الطّلب وَقَالَ لم أصدق الْمخبر لم يعْذر إِن أخبرهُ ثِقَة سَوَاء كَانَ عدلا أَو عبدا أَو امْرَأَة لِأَن خبر الثِّقَة مَقْبُول وَمن لَا يوثق بِهِ كالكافر وَالْفَاسِق وَالصَّبِيّ والمغفل وَنَحْوهم قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وَهَذَا فِي الظَّاهِر أما فِي الْبَاطِن فالاعتبار بِمَا يَقع فِي نَفسه من صدق الْمخبر كَافِرًا كَانَ أَو فَاسِقًا أَو غَيرهمَا وَقد صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَعلله بِأَن مَا يتَعَلَّق بالمعاملات يَسْتَوِي فِيهَا خبر الْمُسلم وَغَيره إِذا وَقع فِي النَّفس صدقه وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا تزوج امْرَأَة على شقص أَخذه الشَّفِيع بِمهْر الْمثل)
مَكَان بَين اثْنَيْنِ نكح وَاحِد مِنْهُمَا امْرَأَة وَأصْدقهَا نصِيبه من ذَلِك الْمَكَان وَهُوَ مِمَّا يثبت فِيهِ الشُّفْعَة فلشريكه أَن يَأْخُذ ذَلِك المهمور بِالشُّفْعَة وَكَذَا لَو كَانَ ذَلِك الْمَكَان ملك امْرَأَة وَملك شخص آخر فَقَالَت للزَّوْج خالعني على نَصِيبي من ذَلِك الْمَكَان أَو طَلقنِي عَلَيْهِ فَفعل بَانَتْ مِنْهُ وَاسْتحق الزَّوْج ذَلِك الشّقص وللشفيع أَخذه من الزَّوْج كَمَا أَن لَهُ أَخذه من المرا فِي صُورَة الاصداق وَيَأْخُذهُ بِمهْر الْمثل لَا بِقِيمَة الشّقص على الرَّاجِح وَوَجهه أَن الْبضْع مُتَقَوّم وَقِيمَته بِمهْر الْمثل لِأَنَّهُ بدل الشّقص فالبضع هُوَ ثمن الشّقص وَالله أعلم قَالَ
стр. 279
(وَإِن كَانَ الشفعاء جمَاعَة استحقوها على قدر الْأَمْلَاك)
إِذا كَانَ مَا يجب فِيهِ الشُّفْعَة ملكا لجَماعَة وهم متفاوتون فِي قدر الْملك وَبَاعَ أحدهم حِصَّته فَهَل يَأْخُذُونَ على عدد رؤوسهم أم على قدر أملاكهم فِيهِ خلاف الْأَصَح أَخذ كل وَاحِد مِنْهُم على قدر حِصَّته وَوَجهه أَن الْأَخْذ حق يسْتَحق بِالْملكِ فقسط على قدره كالأجرة وَالثَّمَرَة فَإِن كَانَ وَاحِد من الْملاك يَأْخُذ على قدر ملكه من الْأُجْرَة وَالثَّمَرَة وَقيل يَأْخُذُونَ على عدد ؤوسهم نظرا إِلَى أصل الْملك أَلا ترى أَن الْوَاحِد إِذا انْفَرد أَخذ الْكل وَالله أعلم
(فرع) ثَبت لشخص الشُّفْعَة فِي شَيْء فَقَالَ أسقطت حَقي من الصّفة وَأخذت الْبَاقِي سقط حَقه كُله من الشُّفْعَة لِأَن الشُّفْعَة خصْلَة وَاحِدَة لَا يُمكن تبعضها فَأشبه مَا إِذا أسقط بعض الْقصاص فَإِنَّهُ يسْقط كُله وَالله أعلم
(فرع) إِذا تصرف المُشْتَرِي فِي الشّقص بِالْبيعِ وَالْإِجَارَة وَالْوَقْف فَهُوَ صَحِيح لِأَنَّهُ تصرف صَادف ملكه كتصرف الْوَلَد فِيمَا وهبه لَهُ أَبوهُ وَقَالَ ابْن شُرَيْح هُوَ بَاطِل فعلى الصَّحِيح للشَّفِيع نقص الْوَقْف وَالْإِجَارَة لِأَن حَقه بَاقٍ وَهُوَ فِي الْمَبِيع وَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يَأْخُذ بِالْبيعِ الثَّانِي أَو ينْقضه وَيَأْخُذ بِالْأولِ لِأَن كلا مِنْهُمَا صَحِيح وَقد يكون الثّمن فِي أَحدهمَا أقل أَو من جنس هُوَ عَلَيْهِ أيسر
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالنَّقْضِ احتياله إِلَى انشاء نقض قبل الْأَخْذ بل المُرَاد أَن لَهُ نقضه بِالْأَخْذِ نبه على ذَلِك ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْقَرَاض فصل وللقراض أَرْبَعَة شَرَائِط أَن يكون على ناض من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَأَن يَأْذَن رب المَال لِلْعَامِلِ فِي التَّصَرُّف مُطلقًا فِيمَا لَا يَنْقَطِع غَالِبا
الْقَرَاض وَالْمُضَاربَة بِمَعْنى وَاحِد والقراض مُشْتَقّ من الْقَرْض وَهُوَ الْقطع لِأَن المَال قطع قِطْعَة من مَاله ليتجر فِيهَا وَقطعَة من ربحه
وَحده فِي الشَّرْع عقد على نقد ليتصرف فِيهِ الْعَامِل بِالتِّجَارَة فَيكون الرِّبْح بَينهمَا على حسب الشَّرْط من مُسَاوَاة أَو مفاضلة
وَالْأَصْل فِيهِ أَنه ﵊ ضَارب لِخَدِيجَة بمالها إِلَى الشَّام وَغير ذَلِك وأجمعت
стр. 280
الصَّحَابَة عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قاسه على الْمُسَاقَاة بِجَامِع الْحَاجة إِذْ قد يكون للشَّخْص نخل وَمَال وَلَا يحسن الْعَمَل وَآخر عَكسه مَا رُوِيَ أَنه ﵊ قَالَ
(ثَلَاثَة فِيهِنَّ الْبركَة البيع إِلَى أجل والمقارضة واختلاط الْبر بِالشَّعِيرِ لَا للْبيع) إِذا عرفت هَذَا فلعقد الْقَرَاض شُرُوط
أَحدهَا اشترطوا لصِحَّته كَون المَال دَرَاهِم أَو دَنَانِير فَلَا يجوز على حلي وَلَا على تبر وَلَا على عرُوض وَهل يجوز على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير المغشوشة فِيهِ خلاف الصَّحِيح أَن لَا يَصح لِأَن عقد الْقَرَاض مُشْتَمل على غرر لِأَن الْعَمَل غير مضبوط وَالرِّبْح غير موثوق بِهِ وَهُوَ عقد يعْقد لينفسخ ومبنى الْقَرَاض على رد رَأس المَال وَهُوَ مَعَ الْجَهْل مُتَعَذر بِخِلَاف رَأس السّلم فَإِنَّهُ عقد وضع للُزُوم وَقيل يجوز إِذا راج رواج الْخَالِص قَالَ الإِمَام مَحَله إِذا كَانَت قِيمَته قريبَة من المَال الْخَالِص
قلت الْعَمَل على هَذَا إِذْ الْمَعْنى الْمَقْصُود من الْقَرَاض يحصل بِهِ لَا سِيمَا وَقد تعذر الْخَالِص فِي أغلب الْبِلَاد فَلَو اشترطنا ذَلِك لَأَدَّى إِلَى إبِْطَال هَذَا الْبَاب فِي غَالب النواحي وَهُوَ حرج فَالْمُتَّجه الصِّحَّة لعمل النَّاس عَلَيْهِ بِلَا نَكِير وَيُؤَيِّدهُ أَن الشّركَة تجوز على الْمَغْشُوش على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَته مَعَ أَنه عقد فِيهِ غرر من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة فِي الْقَرَاض من جِهَة أَن عمل كل من الشَّرِيكَيْنِ غير مضبوط وَالرِّبْح غير موثوق بِهِ وَهُوَ عقد عقد لينفسخ وَعلة الْحَاجة مَوْجُودَة وَالله أعلم
الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يكون الْعَامِل مضيقاً عَلَيْهِ ثمَّ التَّضْيِيق تَارَة يكون بِمَنْع التَّصَرُّف مُطلقًا بِأَن يَقُول لَا تشتر شَيْئا حَتَّى تشاورني وَكَذَلِكَ لَا تبع إِلَّا بمشورتي لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى فَوَات مَقْصُود العقد فقد يجد شَيْئا يربح وَلَو رَاجعه لفات وَكَذَا البيع فَيُؤَدِّي إِلَى فَوَات مَقْصُود الْقَرَاض وَهُوَ الرِّبْح وَتارَة يكون التَّضْيِيق بِأَن يشْتَرط عَلَيْهِ شِرَاء مَتَاع معِين كهذه الْحِنْطَة أَو هَذِه الثِّيَاب أَو يشْتَرط عَلَيْهِ شِرَاء نوع ينْدر وجوده كالخيل الْعتاق أَو البلق وَنَحْو ذَلِك أَو فِيمَا لَا يُوجد صيفاً وشتاء كالفواكه الرّطبَة وَنَحْو ذَلِك أَو يشْتَرط عَلَيْهِ مُعَاملَة شخص معِين أَن لَا تشتر إِلَّا من فلَان أَو لَا تبع إِلَّا مِنْهُ فَهَذِهِ الشُّرُوط كلهَا مفْسدَة لعقد الْقَرَاض لِأَن الْمَتَاع الْمعِين قد لَا يَبِيعهُ مَالِكه وعَلى تَقْدِير بَيْعه قد لَا يربح وَأما الشَّخْص الْمعِين فقد لَا يعامله وَقد لَا يجد عِنْده مَا يظنّ فِيهِ ربحا وَقد
стр. 281
لَا يَبِيع إِلَّا بِثمن غال وكل هَذِه الْأُمُور تفوت مَقْصُود عقد الْقَرَاض فَلَا بُد من عدم اشْتِرَاطهَا حَتَّى لَو شَرط رب المَال أَن يكون رَأس المَال مَعَه ويوفي الثّمن إِذا اشْترى الْعَامِل فسد الْقَرَاض لوُجُود التَّضْيِيق الْمنَافِي لعقد الْقَرَاض نعم لَو شَرط عَلَيْهِ أَن لَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا فِي سوق صَحَّ بِخِلَاف الدّكان الْمعِين لِأَن السُّوق الْمعِين كالنوع الْعَام الْمَوْجُود بِخِلَاف الْحَانُوت فَإِنَّهُ كالشخص الْمعِين كَذَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يشْتَرط بَيَان مُدَّة الْقَرَاض بِخِلَاف الْمُسَاقَاة لِأَن الرِّبْح لَيْسَ لَهُ وَقت مَعْلُوم بِخِلَاف الثَّمَرَة وَأَيْضًا فهما قادران على فسخ الْقَرَاض مَتى شَاءَ لِأَنَّهُ عقد جَائِز فَلَو ذكر مُدَّة وَمنعه التَّصَرُّف بعْدهَا فسد العقد لِأَنَّهُ يخل بِالْمَقْصُودِ وَإِن مَنعه الشِّرَاء بعْدهَا فَلَا يضر على الْأَصَح لِأَن الْمَالِك مُتَمَكن من مَنعه من الشِّرَاء فِي كل وَقت فَجَاز أَن يتَعَرَّض لَهُ فِي العقد وَالله أعلم
(فرع) قارض شخصا على أَن يَشْتَرِي حِنْطَة فيطحن ويخبز أَو يغزل غزلاً فينسجه ويبيعه فسد الْقَرَاض لِأَن الْقَرَاض رخصَة شرع للْحَاجة وَهَذِه الْأَعْمَال مضبوطة يُمكن الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا فَلم تكن الرُّخْصَة شَامِلَة لَهَا فَلَو فعل الْعَامِل ذَلِك بِلَا شَرط لم يفْسد الْقَرَاض على الرَّاجِح وَيُقَاس بَاقِي الْأُمُور بِمَا ذكرنَا وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن يشْتَرط لَهُ جُزْءا مَعْلُوما من الرِّبْح وَأَن لَا يقدره بِمدَّة)
من شُرُوط عقد الْقَرَاض اشْتِرَاك رب المَال وَالْعَامِل فِي الرِّبْح ليَأْخُذ هَذَا بِمَالِه وَذَاكَ بِعَمَلِهِ فَلَو قَالَ قارضتك على أَن الرِّبْح كُله لي أَو كُله لَك فسد العقد لِأَنَّهُ على خلاف مُقْتَضى العقد وكما يشْتَرط أَن يكون الرِّبْح بَينهمَا يشْتَرط أَن يكون مَعْلُوما بالجزئية ككون الرِّبْح بَيْننَا نِصْفَيْنِ أَو أَثلَاثًا وَنَحْو ذَلِك فَلَو قَالَ على أَن لَك نَصِيبا أَو جُزْءا فَهُوَ فَاسد للْجَهْل بِالْعِوَضِ فَلَو قَالَ على أَن الرِّبْح بَيْننَا صَحَّ وَيكون نِصْفَيْنِ وَلَو اشْترط لِلْعَامِلِ قدرا مَعْلُوما كمائة مثلا أَو ربح نوع كربح هَذِه البضاعة فسد لِأَن الرِّبْح قد ينْحَصر فِي الْمِائَة أَو فِي ذَلِك النَّوْع فَيُؤَدِّي إِلَى اخْتِصَاص الْعَامِل بِالرِّبْحِ وَقد لَا يربح ذَلِك النَّوْع ويربح غَيره فَيُؤَدِّي إِلَى أَن عمله يضيع وَهُوَ خلاف مَقْصُود العقد وَلَو شَرط أَن يلبس الثَّوْب الَّذِي يَشْتَرِيهِ فسد لِأَنَّهُ دَاخل فِي الْعِوَض مَا لَيْسَ من الرِّبْح وَقِيَاسه أَنه لَو اشْترط عَلَيْهِ أَن ينْفق من رَأس المَال أَنه لَا يَصح وَهَذَا النَّوْع كثير الْوُقُوع وَالله أعلم وَقَوله وَأَن لَا يقدره بِمدَّة يجوز أَن يُرَاد بِهِ العقد وَقد تقدم حكمه وَيجوز أَن يُرِيد أَن يقدر الرِّبْح بِمدَّة بِأَن يَقُول كَمَا يَفْعَله كثير من النَّاس اتّجر وَربح هَذِه السّنة بَيْننَا وَربح السّنة الْآتِيَة أختص بهَا دُونك أَو عَكسه وَالْأول أقرب وَالله أعلم
(فرع) لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَن ينْفق على نَفسه من رَأس المَال حضرا للْعُرْف وَلَا سفرا على الرَّاجِح لِأَن النَّفَقَة قد تكون قدر الرِّبْح فيفوز بِالرِّبْحِ دون رب المَال وَلِأَن لَهُ جعلا مَعْلُوما فَلَا يسْتَحق مَعَه
стр. 282
شَيْئا آخر وَلَيْسَ لَهُ أَن يُسَافر بِغَيْر إِذن رب المَال فَإِن أذن لَهُ فسافر وَمَعَهُ مَال لنَفسِهِ وَقُلْنَا لَهُ أَن ينْفق فِي السّفر كَمَا رَوَاهُ الْمُزنِيّ لِأَنَّهُ بِالسَّفرِ قد سلم نَفسه فَأشبه الزَّوْجَة فتتوزع النَّفَقَة على قدر الْمَالَيْنِ وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا ضَمَان على الْعَامِل إِلَّا بالعدوان)
الْعَامِل أَمِين لِأَنَّهُ قبض المَال بِإِذن مَالِكه فَأشبه سَائِر الْأُمَنَاء فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّعَدِّي لتَقْصِيره كالأمناء فَلَو ادّعى عَلَيْهِ رب المَال الْخِيَانَة فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَن الأَصْل عدمهَا وَكَذَا يصدق فِي قدر رَأس المَال لِأَن الأَصْل عدم الزِّيَادَة وَكَذَا يصدق فِي قَوْله لم أربح أَو لم أربح إِلَّا كَذَا أَو اشْتريت للقراض أَو اشْتريت لي لِأَنَّهُ أعرف بنيته وَكَذَا لَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه نَهَاهُ عَن كَذَا فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَن الأَصْل عدم النَّهْي وَيقبل قَوْله فِي دَعْوَى التّلف كَالْوَكِيلِ وَالْمُودع إِلَّا أَن يذكر شَيْئا ظَاهرا فَلَا يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على السَّبَب الظَّاهِر غير متعذرة وَلَو ادّعى رد رَأس المَال فَهَل يقبل وَجْهَان الْأَصَح نعم لِأَنَّهُ أَمِين فَأشبه الْمُودع وَلَو اخْتلفَا فِي جنس رَأس المَال صدق الْعَامِل وَالله أعلم
(فرع) اخْتلف رب المَال وَالْعَامِل فِي الْقدر الْمَشْرُوط تحَالفا وللعامل أُجْرَة الْمثل ويفوز الْمَالِك بِالرِّبْحِ كُله وبمجرد التَّحَالُف يَنْفَسِخ العقد صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة عَن الْبَيَان بِلَا مُخَالفَة وَكَلَام الْمِنْهَاج يَقْتَضِيهِ وَصرح بِهِ الرَّوْيَانِيّ أَيْضا وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن حصل خسران وَربح جبر الخسران بِالرِّبْحِ)
الْقَاعِدَة المقررة فِي الْقَرَاض أَن الرِّبْح وقاية لرأس المَال ثمَّ الخسران تَارَة يكون برخص السّعر فِي البضاعة وَتارَة يكون بِنَقص جُزْء من مَال التِّجَارَة بِأَن يتْلف بعضه وَقد يكون بِتَلف بعض رَأس المَال فَإِذا دفع إِلَيْهِ مِائَتَيْنِ مثلا وَقَالَ اتّجر بهما فَتلفت إِحْدَاهمَا فَتَارَة تتْلف قبل التَّصَرُّف وَتارَة بعْدهَا فَإِذا تلفت قبل التَّصَرُّف فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَنَّهَا خسران وَرَأس المَال مِائَتَان لِأَن الْمِائَتَيْنِ بِقَبض الْعَامِل صارتا مَال قِرَاض فتجبر الْمِائَة التالفة بِالرِّبْحِ وأصحهما تتْلف من رَأس المَال وَيكون رَأس المَال مائَة لِأَن العقد لم يتَأَكَّد بِالْعَمَلِ فَلَو اشْترى بالمائتين شَيْئَيْنِ فَتلف أَحدهمَا فَقيل يتْلف من رَأس المَال لِأَنَّهُ لم يتَصَرَّف بِالْبيعِ لِأَن بِهِ يظْهر الرِّبْح فَهُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم وَالْمذهب أَنه يجْبر من الرِّبْح لِأَنَّهُ تصرف فِي مَال الْقَرَاض بِالشِّرَاءِ فَلَا يَأْخُذ شَيْئا حَتَّى يرد مَا تصرف فِيهِ إِلَى مَالِكه فَلَو أتلف أَجْنَبِي جَمِيعه أَو بعضه أَخذ مِنْهُ بدله وَاسْتمرّ الْقَرَاض وَالله أعلم
стр. 283
(فرع) عقد الْقَرَاض جَائِز من الطَّرفَيْنِ لِأَن أَوله وكَالَة وَبعد ظُهُور الرح شركَة وَكِلَاهُمَا عقد جَائِز فَلِكُل من الْمَالِك وَالْعَامِل الْفَسْخ فَإِذا فسخ أَحدهمَا ارْتَفع الْقَرَاض وَإِن لم يحضر صَاحبه وَلَو مَاتَ أَحدهمَا أَو جن أَو أغمى عَلَيْهِ انْفَسَخ أَيْضا فَإِذا انْفَسَخ لم يكن لِلْعَامِلِ أَن يَشْتَرِي ثمَّ ينظر إِن كَانَ المَال دينا لزم الْعَامِل اسْتِيفَاؤهُ سَوَاء ظهر الرِّبْح أم لَا لِأَن الدّين ملك نَاقص وَقد أَخذ من رب المَال ملكا تَاما فليرد مثل مَا أَخذ وَإِن لم يكن دينا نظر إِن كَانَ نَقْدا من جنس رَأس المَال وَلَا ربح أَخذه رب المَال وَإِن كَانَ هُنَاكَ ربح اقتسماه بِحَسب الشَّرْط فَإِن كَانَ نَقْدا من غير جنس رَأس المَال أَو عرضا نظر إِن كَانَ هُنَاكَ ربح لزم الْعَامِل بَيْعه إِن طلبه الْمَالِك وللعامل بَيْعه وَإِن أَبى الْمَالِك لأجل الرِّبْح وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ تَأْخِير البيع إِلَى موسم رواج الْمَتَاع لِأَن حق الْمَالِك معجل فَلَو قَالَ الْعَامِل تركت حَقي لَك فَلَا تكلفني البيع لم تلْزمهُ الْإِجَابَة على الْأَصَح لِأَن التنضيض كلفة فَلَا تسْقط عَن الْعَامِل وَلَو قَالَ رب المَال لَا تبع ونقتسم الْعرُوض أَو قَالَ أُعْطِيك قدر نصيبك ناضاً فَفِي تمكن الْعَامِل من البيع وَجْهَان وَالَّذِي قطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب أَنه لَا يُمكن لِأَنَّهُ إِذا جَازَ للْمُعِير أَن يتَمَلَّك غراس الْمُسْتَعِير بِقِيمَتِه لدفع الضَّرَر فالمالك هُنَاكَ أولى لِأَنَّهُ شريك هَذَا إِذا كَانَ فِي المَال ربح فَإِن لم يكن ربح فَهَل للْمَالِك تَكْلِيف الْعَامِل البيع وَجْهَان الرَّاجِح نعم ليرد كَمَا أَخذ وَلِأَنَّهُ لَا يلْزم الْمَالِك مشقة البيع هَل لِلْعَامِلِ البيع إِن رَضِي الْمَالِك بامساكها وَجْهَان الصَّحِيح أَن لَهُ ذَلِك إِذا توقع ربحا بِأَن ظفر براغب أَو بسوق يتَوَقَّع فِيهِ الرِّبْح وَاعْلَم أَنه حَيْثُ لزم البيع لِلْعَامِلِ قَالَ الامام فَالَّذِي قطع بِهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن الَّذِي يلْزمه بَيْعه وتنضيضه قدر رَأس المَال وَأما الزَّائِد فَحكمه حكم عرض مُشْتَرك بَين اثْنَيْنِ فَلَا يُكَلف وَاحِد مِنْهُمَا بَيْعه وَمَا ذكره الامام سكت عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح وَالنَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وجزما بذلك فِي الْمُحَرر والمنهاج نعم كَلَام التَّنْبِيه يَقْتَضِي بيع الْجَمِيع وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْمُسَاقَاة فصل وَالْمُسَاقَاة جَائِزَة على النّخل وَالْكَرم وَلها شَرَائِط أَن يقدرها بِمدَّة مَعْلُومَة وَأَن ينْفَرد الْعَامِل بِعَمَلِهِ وَألا يشْتَرط مُشَاركَة الْمَالِك فِي الْعَمَل وَيشْتَرط لِلْعَامِلِ جُزْء مَعْلُوم من الثَّمَرَة
الْمُسَاقَاة هِيَ أَن يُعَامل إِنْسَان على شجر ليتعهدها بالسقي والتربية على أَن مَا رزق الله تَعَالَى من ثَمَر يكون بَينهمَا وَلما كَانَ السَّقْي أَنْفَع الْأَعْمَال اشتق مِنْهُ اسْم العقد
وَاتفقَ على جَوَازهَا الصَّحَابَة والتابعون وَقبل الِاتِّفَاق حجَّة الْجَوَاز مَا ورد عَن ابْن عمر
стр. 284
رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ
(اعطى خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر أَو زرع) وَفِي رِوَايَة
(دفع إِلَى يهود خَيْبَر نخل خَيْبَر وأرضها على أَن يعملوها من أَمْوَالهم وَأَن لرَسُول الله ﷺ شطرها) وَغير ذَلِك من الْأَخْبَار وَلَا شكّ فِي جَوَازهَا على النّخل لِأَنَّهُ مورد النَّص وَهل الْعِنَب مَنْصُوص عَلَيْهِ أم مقاس قيل إِن الشَّافِعِي قاسه على النّخل بِجَامِع وجوب الزَّكَاة وامكان الْخرص وَقيل إِن الشَّافِعِي أَخذه من النَّص وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ عَامل أهل خَيْبَر على الشّطْر مِمَّا يخرج من النّخل وَالْكَرم وَهل يجوز على غير النّخل وَالْعِنَب من الْأَشْجَار المثمرة كالتين والمشمش وَغَيرهمَا من الْأَشْجَار قَولَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ بِلَا تَرْجِيح والجديد الْمَنْع لِأَنَّهَا أَشجَار لَا زَكَاة فِيهَا فَلم تجز الْمُسَاقَاة عَلَيْهَا كالموز والصوبر وَهَذَا مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَالْقَدِيم أَنه يجوز لِأَنَّهُ ﵊ عَامل أهل خَيْبَر بالشطر مِمَّا يخرج من النّخل وَالشَّجر وَبِهَذَا قَالَ الإمامان مَالك وَأحمد ﵄ وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه وَأجَاب الْقَائِلُونَ بالجديد بِأَن الشّجر المُرَاد بهَا النّخل لِأَنَّهَا الْمَوْجُودَة فِي خَيْبَر وَفرقُوا بَين النّخل وَالْعِنَب وَغَيرهمَا من الْأَشْجَار بِأَن النّخل وَالْكَرم لَا يَنْمُو إِلَّا بِالْعَمَلِ فِيهَا لِأَن النّخل يحْتَاج إِلَى اللقَاح وَالْكَرم إِلَى الكساح وَبَقِيَّة الْأَشْجَار تنمو من غير تعهد نعم التعهد يزيدها فِي كبر الثَّمر وطيبه
وَاعْلَم أَن مَحل الْخلاف فِيمَا إِذا أفردت بالمساقاة أما إِذا ساقاه عَلَيْهَا تبعا لنخل أَو عِنَب فَفِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي آخر الْمُزَارعَة بِلَا تَرْجِيح قَالَ النَّوَوِيّ أصَحهمَا أَنه يجوز قِيَاسا على الْمُزَارعَة
إِذا عرفت هَذِه فللمساقاة شُرُوط
أَحدهمَا التَّوْقِيت لِأَنَّهَا عقد لَازم فَأشبه الْإِجَارَة وَنَحْوهَا بِخِلَاف الْقَرَاض وَالْفرق أَن لخُرُوج الثِّمَار غَايَة مَعْلُومَة سهل ضَبطهَا بِخِلَاف الْقَرَاض فَإِن الرِّبْح لَيْسَ لَهُ وَقت مضبوط فقد لَا يحصل الرِّبْح فِي الْمدَّة الْمقدرَة وَلَو وَقت بالإدراك لم يَصح على الرَّاجِح لجهل الْمدَّة
الشَّرْط الثَّانِي أَن ينْفَرد الْعَامِل بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ وضع الْبَاب فَلَو شَرط أَن يعْمل مَعَه مَالك الْأَشْجَار فسخ العقد لِأَنَّهُ مُخَالف لوضع الْمُسَاقَاة وَالْقَاعِدَة أَن كل مَا يجب على الْعَامِل إِذا شَرط على الْمَالِك يفْسد العقد على الْأَصَح وَقيل يفْسد الشَّرْط فَقَط نعم يسْتَثْنى مَسْأَلَة ذكرهَا ابْن الرّفْعَة عَن نَص الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ وَهُوَ أَنه إِذا شَرط على الْمَالِك السَّقْي جَازَ حَكَاهُ
стр. 285
الْبَنْدَنِيجِيّ عَن النَّص وَالنَّص مَفْرُوض فِيمَا إِذا كَانَ يشرب بعروقه لَكِن حكى الْمَاوَرْدِيّ فِيمَا يشرب بعروقه فِيمَا يشرب بعروقه كنخل الْبَصْرَة أوجهاً
أَحدهَا أَن سقيها على الْعَامِل
وَالثَّانِي على الْمَالِك حَتَّى لَو شَرطهَا على الْعَامِل بَطل العقد
وَالثَّالِث يجوز اشْتِرَاطهَا على الْمَالِك وعَلى الْعَامِل فَإِن أطلق لم تلْزم وَاحِدًا مِنْهُمَا
الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون لِلْعَامِلِ جُزْء مَعْلُوم من الثَّمَرَة وَيكون الْجُزْء مَعْلُوما بالجزئية كالنصف وَالثلث للنَّص فَلَو شَرط لَهُ ثَمَر نخلات مُعينَة لم تصح لِأَنَّهُ خَالف النَّص وَلِأَنَّهُ قد لَا تثمر هَذِه النخلات فيضيع عمله أَو لَا يُثمر غَيرهَا فيضيع الْمَالِك وَهَذَا غرر وَعقد الْمُسَاقَاة غرر لِأَنَّهُ عقد على مَعْدُوم جوز للْحَاجة وغرران على شَيْء يمنعان صِحَّته وَلَو قَالَ على أَن مَا فتح الله بَيْننَا صَحَّ وَحمل على النّصْف وَلَو قَالَ أَنا أرضيك وَنَحْو ذَلِك لم يَصح العقد وَلَو ساقاه ثَلَاث سِنِين مثلا جَازَ أَن يَجْعَل لَهُ فِي الأولى النّصْف وَفِي الثَّانِيَة الثُّلُث وَفِي الثَّالِثَة السُّدس وَبِالْعَكْسِ لانْتِفَاء الْغرَر وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم
(فرع) لَو شَرط فِي العقد أَن يكون سواقط النّخل من السعف والليف وَنَحْوهمَا لِلْعَامِلِ بَطل العقد لِأَنَّهَا لرب النّخل وَهِي غير مَقْصُودَة فَلَو شَرط لَهما فَوَجْهَانِ وَيشْتَرط رُؤْيَة الْأَشْجَار لصِحَّة الْمُسَاقَاة على الْمَذْهَب وَالله أعلم قَالَ
(ثمَّ الْعَمَل فِيهَا على ضَرْبَيْنِ عمل يعود نَفعه على الثَّمَرَة فَهُوَ على الْعَامِل وَعمل يعود نَفعه على الأَصْل فَهُوَ على رب المَال)
على الْعَامِل كل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الثِّمَار لزِيَادَة أَو اصلاح من عمل بِشَرْط أَن يتَكَرَّر كل سنة وَإِنَّمَا اعْتبرنَا التكرر لِأَن مَا لَا يتَكَرَّر كل سنة يبْقى أَثَره بعد الْفَرَاغ من الْمُسَاقَاة وتكليف الْعَامِل مثل ذَلِك إجحاف بِهِ فَيجب على الْعَامِل السَّقْي وتوابعه من اصلاح طرق المَاء والمواضع الَّتِي يقف فِيهَا المَاء وسمل الْآبَار والأنهار وإدارة الدواليب وَفتح رَأس الساقية وسدها بِحَسب قدر الْحَاجة وكل مَا اطردت بِهِ الْعَادة قَالَ الْمُتَوَلِي عَلَيْهِ وضع حشيش فَوق العناقيد إِن احْتَاجَت إِلَيْهِ صونا لَهَا وَهل يجب عَلَيْهِ حفظ الثِّمَار وَجْهَان أصَحهمَا على الْعَامِل كحفظ مَال الْقَرَاض وَقيل على الْمَالِك قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ أَقيس بعد تَصْحِيح الأول وَيلْزم الْعَامِل قطف الثَّمَرَة على الصَّحِيح لِأَنَّهُ من الاصلاح وَكَذَا يلْزمه تحفيف الثَّمَرَة على الصَّحِيح إِن اضطردت بِهِ عَادَة أَو شَرط وَإِذا وَجب التجفيف عَلَيْهِ وَجب توابعه وَهِي تهيئة مَوضِع الْجَفَاف ونقلها إِلَيْهِ وتقليب الثَّمَرَة فِي الشَّمْس وَالله أعلم وَأما مَا لَا يتَكَرَّر كل سنة ويقصد بِهِ حفظ الْأُصُول فَمن وَظِيفَة الْمَالِك كحفر الْأَنْهَار والآبار الجديدة وَبِنَاء الْحِيطَان وَنصب الْأَبْوَاب والدولاب وَنَحْو ذَلِك وَفِي سد
следующие страницы →