Полный текст (576 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لَا يَبِيع إِلَّا بِثمن غال وكل هَذِه الْأُمُور تفوت مَقْصُود عقد الْقَرَاض فَلَا بُد من عدم اشْتِرَاطهَا حَتَّى لَو شَرط رب المَال أَن يكون رَأس المَال مَعَه ويوفي الثّمن إِذا اشْترى الْعَامِل فسد الْقَرَاض لوُجُود التَّضْيِيق الْمنَافِي لعقد الْقَرَاض نعم لَو شَرط عَلَيْهِ أَن لَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا فِي سوق صَحَّ بِخِلَاف الدّكان الْمعِين لِأَن السُّوق الْمعِين كالنوع الْعَام الْمَوْجُود بِخِلَاف الْحَانُوت فَإِنَّهُ كالشخص الْمعِين كَذَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يشْتَرط بَيَان مُدَّة الْقَرَاض بِخِلَاف الْمُسَاقَاة لِأَن الرِّبْح لَيْسَ لَهُ وَقت مَعْلُوم بِخِلَاف الثَّمَرَة وَأَيْضًا فهما قادران على فسخ الْقَرَاض مَتى شَاءَ لِأَنَّهُ عقد جَائِز فَلَو ذكر مُدَّة وَمنعه التَّصَرُّف بعْدهَا فسد العقد لِأَنَّهُ يخل بِالْمَقْصُودِ وَإِن مَنعه الشِّرَاء بعْدهَا فَلَا يضر على الْأَصَح لِأَن الْمَالِك مُتَمَكن من مَنعه من الشِّرَاء فِي كل وَقت فَجَاز أَن يتَعَرَّض لَهُ فِي العقد وَالله أعلم
(فرع) قارض شخصا على أَن يَشْتَرِي حِنْطَة فيطحن ويخبز أَو يغزل غزلاً فينسجه ويبيعه فسد الْقَرَاض لِأَن الْقَرَاض رخصَة شرع للْحَاجة وَهَذِه الْأَعْمَال مضبوطة يُمكن الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا فَلم تكن الرُّخْصَة شَامِلَة لَهَا فَلَو فعل الْعَامِل ذَلِك بِلَا شَرط لم يفْسد الْقَرَاض على الرَّاجِح وَيُقَاس بَاقِي الْأُمُور بِمَا ذكرنَا وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن يشْتَرط لَهُ جُزْءا مَعْلُوما من الرِّبْح وَأَن لَا يقدره بِمدَّة)
من شُرُوط عقد الْقَرَاض اشْتِرَاك رب المَال وَالْعَامِل فِي الرِّبْح ليَأْخُذ هَذَا بِمَالِه وَذَاكَ بِعَمَلِهِ فَلَو قَالَ قارضتك على أَن الرِّبْح كُله لي أَو كُله لَك فسد العقد لِأَنَّهُ على خلاف مُقْتَضى العقد وكما يشْتَرط أَن يكون الرِّبْح بَينهمَا يشْتَرط أَن يكون مَعْلُوما بالجزئية ككون الرِّبْح بَيْننَا نِصْفَيْنِ أَو أَثلَاثًا وَنَحْو ذَلِك فَلَو قَالَ على أَن لَك نَصِيبا أَو جُزْءا فَهُوَ فَاسد للْجَهْل بِالْعِوَضِ فَلَو قَالَ على أَن الرِّبْح بَيْننَا صَحَّ وَيكون نِصْفَيْنِ وَلَو اشْترط لِلْعَامِلِ قدرا مَعْلُوما كمائة مثلا أَو ربح نوع كربح هَذِه البضاعة فسد لِأَن الرِّبْح قد ينْحَصر فِي الْمِائَة أَو فِي ذَلِك النَّوْع فَيُؤَدِّي إِلَى اخْتِصَاص الْعَامِل بِالرِّبْحِ وَقد لَا يربح ذَلِك النَّوْع ويربح غَيره فَيُؤَدِّي إِلَى أَن عمله يضيع وَهُوَ خلاف مَقْصُود العقد وَلَو شَرط أَن يلبس الثَّوْب الَّذِي يَشْتَرِيهِ فسد لِأَنَّهُ دَاخل فِي الْعِوَض مَا لَيْسَ من الرِّبْح وَقِيَاسه أَنه لَو اشْترط عَلَيْهِ أَن ينْفق من رَأس المَال أَنه لَا يَصح وَهَذَا النَّوْع كثير الْوُقُوع وَالله أعلم وَقَوله وَأَن لَا يقدره بِمدَّة يجوز أَن يُرَاد بِهِ العقد وَقد تقدم حكمه وَيجوز أَن يُرِيد أَن يقدر الرِّبْح بِمدَّة بِأَن يَقُول كَمَا يَفْعَله كثير من النَّاس اتّجر وَربح هَذِه السّنة بَيْننَا وَربح السّنة الْآتِيَة أختص بهَا دُونك أَو عَكسه وَالْأول أقرب وَالله أعلم
(فرع) لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَن ينْفق على نَفسه من رَأس المَال حضرا للْعُرْف وَلَا سفرا على الرَّاجِح لِأَن النَّفَقَة قد تكون قدر الرِّبْح فيفوز بِالرِّبْحِ دون رب المَال وَلِأَن لَهُ جعلا مَعْلُوما فَلَا يسْتَحق مَعَه
стр. 282
شَيْئا آخر وَلَيْسَ لَهُ أَن يُسَافر بِغَيْر إِذن رب المَال فَإِن أذن لَهُ فسافر وَمَعَهُ مَال لنَفسِهِ وَقُلْنَا لَهُ أَن ينْفق فِي السّفر كَمَا رَوَاهُ الْمُزنِيّ لِأَنَّهُ بِالسَّفرِ قد سلم نَفسه فَأشبه الزَّوْجَة فتتوزع النَّفَقَة على قدر الْمَالَيْنِ وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا ضَمَان على الْعَامِل إِلَّا بالعدوان)
الْعَامِل أَمِين لِأَنَّهُ قبض المَال بِإِذن مَالِكه فَأشبه سَائِر الْأُمَنَاء فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّعَدِّي لتَقْصِيره كالأمناء فَلَو ادّعى عَلَيْهِ رب المَال الْخِيَانَة فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَن الأَصْل عدمهَا وَكَذَا يصدق فِي قدر رَأس المَال لِأَن الأَصْل عدم الزِّيَادَة وَكَذَا يصدق فِي قَوْله لم أربح أَو لم أربح إِلَّا كَذَا أَو اشْتريت للقراض أَو اشْتريت لي لِأَنَّهُ أعرف بنيته وَكَذَا لَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه نَهَاهُ عَن كَذَا فَالْقَوْل قَول الْعَامِل لِأَن الأَصْل عدم النَّهْي وَيقبل قَوْله فِي دَعْوَى التّلف كَالْوَكِيلِ وَالْمُودع إِلَّا أَن يذكر شَيْئا ظَاهرا فَلَا يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على السَّبَب الظَّاهِر غير متعذرة وَلَو ادّعى رد رَأس المَال فَهَل يقبل وَجْهَان الْأَصَح نعم لِأَنَّهُ أَمِين فَأشبه الْمُودع وَلَو اخْتلفَا فِي جنس رَأس المَال صدق الْعَامِل وَالله أعلم
(فرع) اخْتلف رب المَال وَالْعَامِل فِي الْقدر الْمَشْرُوط تحَالفا وللعامل أُجْرَة الْمثل ويفوز الْمَالِك بِالرِّبْحِ كُله وبمجرد التَّحَالُف يَنْفَسِخ العقد صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة عَن الْبَيَان بِلَا مُخَالفَة وَكَلَام الْمِنْهَاج يَقْتَضِيهِ وَصرح بِهِ الرَّوْيَانِيّ أَيْضا وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن حصل خسران وَربح جبر الخسران بِالرِّبْحِ)
الْقَاعِدَة المقررة فِي الْقَرَاض أَن الرِّبْح وقاية لرأس المَال ثمَّ الخسران تَارَة يكون برخص السّعر فِي البضاعة وَتارَة يكون بِنَقص جُزْء من مَال التِّجَارَة بِأَن يتْلف بعضه وَقد يكون بِتَلف بعض رَأس المَال فَإِذا دفع إِلَيْهِ مِائَتَيْنِ مثلا وَقَالَ اتّجر بهما فَتلفت إِحْدَاهمَا فَتَارَة تتْلف قبل التَّصَرُّف وَتارَة بعْدهَا فَإِذا تلفت قبل التَّصَرُّف فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَنَّهَا خسران وَرَأس المَال مِائَتَان لِأَن الْمِائَتَيْنِ بِقَبض الْعَامِل صارتا مَال قِرَاض فتجبر الْمِائَة التالفة بِالرِّبْحِ وأصحهما تتْلف من رَأس المَال وَيكون رَأس المَال مائَة لِأَن العقد لم يتَأَكَّد بِالْعَمَلِ فَلَو اشْترى بالمائتين شَيْئَيْنِ فَتلف أَحدهمَا فَقيل يتْلف من رَأس المَال لِأَنَّهُ لم يتَصَرَّف بِالْبيعِ لِأَن بِهِ يظْهر الرِّبْح فَهُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم وَالْمذهب أَنه يجْبر من الرِّبْح لِأَنَّهُ تصرف فِي مَال الْقَرَاض بِالشِّرَاءِ فَلَا يَأْخُذ شَيْئا حَتَّى يرد مَا تصرف فِيهِ إِلَى مَالِكه فَلَو أتلف أَجْنَبِي جَمِيعه أَو بعضه أَخذ مِنْهُ بدله وَاسْتمرّ الْقَرَاض وَالله أعلم
стр. 283
(فرع) عقد الْقَرَاض جَائِز من الطَّرفَيْنِ لِأَن أَوله وكَالَة وَبعد ظُهُور الرح شركَة وَكِلَاهُمَا عقد جَائِز فَلِكُل من الْمَالِك وَالْعَامِل الْفَسْخ فَإِذا فسخ أَحدهمَا ارْتَفع الْقَرَاض وَإِن لم يحضر صَاحبه وَلَو مَاتَ أَحدهمَا أَو جن أَو أغمى عَلَيْهِ انْفَسَخ أَيْضا فَإِذا انْفَسَخ لم يكن لِلْعَامِلِ أَن يَشْتَرِي ثمَّ ينظر إِن كَانَ المَال دينا لزم الْعَامِل اسْتِيفَاؤهُ سَوَاء ظهر الرِّبْح أم لَا لِأَن الدّين ملك نَاقص وَقد أَخذ من رب المَال ملكا تَاما فليرد مثل مَا أَخذ وَإِن لم يكن دينا نظر إِن كَانَ نَقْدا من جنس رَأس المَال وَلَا ربح أَخذه رب المَال وَإِن كَانَ هُنَاكَ ربح اقتسماه بِحَسب الشَّرْط فَإِن كَانَ نَقْدا من غير جنس رَأس المَال أَو عرضا نظر إِن كَانَ هُنَاكَ ربح لزم الْعَامِل بَيْعه إِن طلبه الْمَالِك وللعامل بَيْعه وَإِن أَبى الْمَالِك لأجل الرِّبْح وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ تَأْخِير البيع إِلَى موسم رواج الْمَتَاع لِأَن حق الْمَالِك معجل فَلَو قَالَ الْعَامِل تركت حَقي لَك فَلَا تكلفني البيع لم تلْزمهُ الْإِجَابَة على الْأَصَح لِأَن التنضيض كلفة فَلَا تسْقط عَن الْعَامِل وَلَو قَالَ رب المَال لَا تبع ونقتسم الْعرُوض أَو قَالَ أُعْطِيك قدر نصيبك ناضاً فَفِي تمكن الْعَامِل من البيع وَجْهَان وَالَّذِي قطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب أَنه لَا يُمكن لِأَنَّهُ إِذا جَازَ للْمُعِير أَن يتَمَلَّك غراس الْمُسْتَعِير بِقِيمَتِه لدفع الضَّرَر فالمالك هُنَاكَ أولى لِأَنَّهُ شريك هَذَا إِذا كَانَ فِي المَال ربح فَإِن لم يكن ربح فَهَل للْمَالِك تَكْلِيف الْعَامِل البيع وَجْهَان الرَّاجِح نعم ليرد كَمَا أَخذ وَلِأَنَّهُ لَا يلْزم الْمَالِك مشقة البيع هَل لِلْعَامِلِ البيع إِن رَضِي الْمَالِك بامساكها وَجْهَان الصَّحِيح أَن لَهُ ذَلِك إِذا توقع ربحا بِأَن ظفر براغب أَو بسوق يتَوَقَّع فِيهِ الرِّبْح وَاعْلَم أَنه حَيْثُ لزم البيع لِلْعَامِلِ قَالَ الامام فَالَّذِي قطع بِهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن الَّذِي يلْزمه بَيْعه وتنضيضه قدر رَأس المَال وَأما الزَّائِد فَحكمه حكم عرض مُشْتَرك بَين اثْنَيْنِ فَلَا يُكَلف وَاحِد مِنْهُمَا بَيْعه وَمَا ذكره الامام سكت عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح وَالنَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وجزما بذلك فِي الْمُحَرر والمنهاج نعم كَلَام التَّنْبِيه يَقْتَضِي بيع الْجَمِيع وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْمُسَاقَاة فصل وَالْمُسَاقَاة جَائِزَة على النّخل وَالْكَرم وَلها شَرَائِط أَن يقدرها بِمدَّة مَعْلُومَة وَأَن ينْفَرد الْعَامِل بِعَمَلِهِ وَألا يشْتَرط مُشَاركَة الْمَالِك فِي الْعَمَل وَيشْتَرط لِلْعَامِلِ جُزْء مَعْلُوم من الثَّمَرَة
الْمُسَاقَاة هِيَ أَن يُعَامل إِنْسَان على شجر ليتعهدها بالسقي والتربية على أَن مَا رزق الله تَعَالَى من ثَمَر يكون بَينهمَا وَلما كَانَ السَّقْي أَنْفَع الْأَعْمَال اشتق مِنْهُ اسْم العقد
وَاتفقَ على جَوَازهَا الصَّحَابَة والتابعون وَقبل الِاتِّفَاق حجَّة الْجَوَاز مَا ورد عَن ابْن عمر
стр. 284
رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ
(اعطى خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر أَو زرع) وَفِي رِوَايَة
(دفع إِلَى يهود خَيْبَر نخل خَيْبَر وأرضها على أَن يعملوها من أَمْوَالهم وَأَن لرَسُول الله ﷺ شطرها) وَغير ذَلِك من الْأَخْبَار وَلَا شكّ فِي جَوَازهَا على النّخل لِأَنَّهُ مورد النَّص وَهل الْعِنَب مَنْصُوص عَلَيْهِ أم مقاس قيل إِن الشَّافِعِي قاسه على النّخل بِجَامِع وجوب الزَّكَاة وامكان الْخرص وَقيل إِن الشَّافِعِي أَخذه من النَّص وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ عَامل أهل خَيْبَر على الشّطْر مِمَّا يخرج من النّخل وَالْكَرم وَهل يجوز على غير النّخل وَالْعِنَب من الْأَشْجَار المثمرة كالتين والمشمش وَغَيرهمَا من الْأَشْجَار قَولَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ بِلَا تَرْجِيح والجديد الْمَنْع لِأَنَّهَا أَشجَار لَا زَكَاة فِيهَا فَلم تجز الْمُسَاقَاة عَلَيْهَا كالموز والصوبر وَهَذَا مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَالْقَدِيم أَنه يجوز لِأَنَّهُ ﵊ عَامل أهل خَيْبَر بالشطر مِمَّا يخرج من النّخل وَالشَّجر وَبِهَذَا قَالَ الإمامان مَالك وَأحمد ﵄ وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه وَأجَاب الْقَائِلُونَ بالجديد بِأَن الشّجر المُرَاد بهَا النّخل لِأَنَّهَا الْمَوْجُودَة فِي خَيْبَر وَفرقُوا بَين النّخل وَالْعِنَب وَغَيرهمَا من الْأَشْجَار بِأَن النّخل وَالْكَرم لَا يَنْمُو إِلَّا بِالْعَمَلِ فِيهَا لِأَن النّخل يحْتَاج إِلَى اللقَاح وَالْكَرم إِلَى الكساح وَبَقِيَّة الْأَشْجَار تنمو من غير تعهد نعم التعهد يزيدها فِي كبر الثَّمر وطيبه
وَاعْلَم أَن مَحل الْخلاف فِيمَا إِذا أفردت بالمساقاة أما إِذا ساقاه عَلَيْهَا تبعا لنخل أَو عِنَب فَفِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي آخر الْمُزَارعَة بِلَا تَرْجِيح قَالَ النَّوَوِيّ أصَحهمَا أَنه يجوز قِيَاسا على الْمُزَارعَة
إِذا عرفت هَذِه فللمساقاة شُرُوط
أَحدهمَا التَّوْقِيت لِأَنَّهَا عقد لَازم فَأشبه الْإِجَارَة وَنَحْوهَا بِخِلَاف الْقَرَاض وَالْفرق أَن لخُرُوج الثِّمَار غَايَة مَعْلُومَة سهل ضَبطهَا بِخِلَاف الْقَرَاض فَإِن الرِّبْح لَيْسَ لَهُ وَقت مضبوط فقد لَا يحصل الرِّبْح فِي الْمدَّة الْمقدرَة وَلَو وَقت بالإدراك لم يَصح على الرَّاجِح لجهل الْمدَّة
الشَّرْط الثَّانِي أَن ينْفَرد الْعَامِل بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ وضع الْبَاب فَلَو شَرط أَن يعْمل مَعَه مَالك الْأَشْجَار فسخ العقد لِأَنَّهُ مُخَالف لوضع الْمُسَاقَاة وَالْقَاعِدَة أَن كل مَا يجب على الْعَامِل إِذا شَرط على الْمَالِك يفْسد العقد على الْأَصَح وَقيل يفْسد الشَّرْط فَقَط نعم يسْتَثْنى مَسْأَلَة ذكرهَا ابْن الرّفْعَة عَن نَص الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ وَهُوَ أَنه إِذا شَرط على الْمَالِك السَّقْي جَازَ حَكَاهُ
стр. 285
الْبَنْدَنِيجِيّ عَن النَّص وَالنَّص مَفْرُوض فِيمَا إِذا كَانَ يشرب بعروقه لَكِن حكى الْمَاوَرْدِيّ فِيمَا يشرب بعروقه فِيمَا يشرب بعروقه كنخل الْبَصْرَة أوجهاً
أَحدهَا أَن سقيها على الْعَامِل
وَالثَّانِي على الْمَالِك حَتَّى لَو شَرطهَا على الْعَامِل بَطل العقد
وَالثَّالِث يجوز اشْتِرَاطهَا على الْمَالِك وعَلى الْعَامِل فَإِن أطلق لم تلْزم وَاحِدًا مِنْهُمَا
الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون لِلْعَامِلِ جُزْء مَعْلُوم من الثَّمَرَة وَيكون الْجُزْء مَعْلُوما بالجزئية كالنصف وَالثلث للنَّص فَلَو شَرط لَهُ ثَمَر نخلات مُعينَة لم تصح لِأَنَّهُ خَالف النَّص وَلِأَنَّهُ قد لَا تثمر هَذِه النخلات فيضيع عمله أَو لَا يُثمر غَيرهَا فيضيع الْمَالِك وَهَذَا غرر وَعقد الْمُسَاقَاة غرر لِأَنَّهُ عقد على مَعْدُوم جوز للْحَاجة وغرران على شَيْء يمنعان صِحَّته وَلَو قَالَ على أَن مَا فتح الله بَيْننَا صَحَّ وَحمل على النّصْف وَلَو قَالَ أَنا أرضيك وَنَحْو ذَلِك لم يَصح العقد وَلَو ساقاه ثَلَاث سِنِين مثلا جَازَ أَن يَجْعَل لَهُ فِي الأولى النّصْف وَفِي الثَّانِيَة الثُّلُث وَفِي الثَّالِثَة السُّدس وَبِالْعَكْسِ لانْتِفَاء الْغرَر وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم
(فرع) لَو شَرط فِي العقد أَن يكون سواقط النّخل من السعف والليف وَنَحْوهمَا لِلْعَامِلِ بَطل العقد لِأَنَّهَا لرب النّخل وَهِي غير مَقْصُودَة فَلَو شَرط لَهما فَوَجْهَانِ وَيشْتَرط رُؤْيَة الْأَشْجَار لصِحَّة الْمُسَاقَاة على الْمَذْهَب وَالله أعلم قَالَ
(ثمَّ الْعَمَل فِيهَا على ضَرْبَيْنِ عمل يعود نَفعه على الثَّمَرَة فَهُوَ على الْعَامِل وَعمل يعود نَفعه على الأَصْل فَهُوَ على رب المَال)
على الْعَامِل كل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الثِّمَار لزِيَادَة أَو اصلاح من عمل بِشَرْط أَن يتَكَرَّر كل سنة وَإِنَّمَا اعْتبرنَا التكرر لِأَن مَا لَا يتَكَرَّر كل سنة يبْقى أَثَره بعد الْفَرَاغ من الْمُسَاقَاة وتكليف الْعَامِل مثل ذَلِك إجحاف بِهِ فَيجب على الْعَامِل السَّقْي وتوابعه من اصلاح طرق المَاء والمواضع الَّتِي يقف فِيهَا المَاء وسمل الْآبَار والأنهار وإدارة الدواليب وَفتح رَأس الساقية وسدها بِحَسب قدر الْحَاجة وكل مَا اطردت بِهِ الْعَادة قَالَ الْمُتَوَلِي عَلَيْهِ وضع حشيش فَوق العناقيد إِن احْتَاجَت إِلَيْهِ صونا لَهَا وَهل يجب عَلَيْهِ حفظ الثِّمَار وَجْهَان أصَحهمَا على الْعَامِل كحفظ مَال الْقَرَاض وَقيل على الْمَالِك قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ أَقيس بعد تَصْحِيح الأول وَيلْزم الْعَامِل قطف الثَّمَرَة على الصَّحِيح لِأَنَّهُ من الاصلاح وَكَذَا يلْزمه تحفيف الثَّمَرَة على الصَّحِيح إِن اضطردت بِهِ عَادَة أَو شَرط وَإِذا وَجب التجفيف عَلَيْهِ وَجب توابعه وَهِي تهيئة مَوضِع الْجَفَاف ونقلها إِلَيْهِ وتقليب الثَّمَرَة فِي الشَّمْس وَالله أعلم وَأما مَا لَا يتَكَرَّر كل سنة ويقصد بِهِ حفظ الْأُصُول فَمن وَظِيفَة الْمَالِك كحفر الْأَنْهَار والآبار الجديدة وَبِنَاء الْحِيطَان وَنصب الْأَبْوَاب والدولاب وَنَحْو ذَلِك وَفِي سد
стр. 286
ثلم يسيرَة تقع فِي الجدران وَوضع شوك على الْحِيطَان وَجْهَان الْأَصَح اتِّبَاع الْعرف وكما تجب هَذِه الْأُمُور على الْمَالِك كَذَلِك تجب عَلَيْهِ الْآلَات الَّتِي يتوفر بهَا الْعَمَل كالفأس والمعول والمنجل والمسحاة وَكَذَا الثور الَّذِي يُدِير الدولاب وَالصَّحِيح أَنه على الْمَالِك وخراج الأَرْض على الْمَالِك بِلَا خلاف وَكَذَا يجب على الْمَالِك كل عين تلفت فِي الْعَمَل قَالَ فِي الرَّوْضَة قطعا والدولاب يجوز فتح داله وَضمّهَا وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْإِجَارَة فصل فِي الْإِجَارَة وكل مَا أمكن الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه صحت إِجَارَته إِذا قدرت منفعَته بِأحد أَمريْن مُدَّة أَو عمل
الْقيَاس عدم صِحَة الْإِجَارَة لِأَن الْإِجَارَة مَوْضُوعَة للمنافع وَهِي مَعْدُومَة وَالْعقد على الْمَعْدُوم غرر لَكِن الْحَاجة الماسة دَاعِيَة إِلَى ذَلِك بل الضَّرُورَة المحققة دَاعِيَة إِلَى الْإِجَارَة فَإِنَّهُ لَيْسَ لكل أحد مسكن وَلَا مركوب وَلَا خَادِم وَلَا آلَة يحْتَاج إِلَيْهَا فجوزت لذَلِك كَمَا جوز السّلم وَغَيره من عُقُود الْغرَر وَقد أَجمعت الصَّحَابَة والتابعون على جَوَازهَا وَقبل الْإِجْمَاع جَاءَ بهَا الْقُرْآن وَالسّنة المطهرة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ ورد أَنه ﵊ قَالَ
(ثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة رجل أعْطى بِي ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حرا فَأكل ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ وَلم يُعْطه أجره) وروى أَنه ﵊ قَالَ
(أعْطوا الْأَجِير أجره قبل أَن يجِف عرقه)
وحد عقد الْإِجَارَة عقد على مَنْفَعَة مَقْصُودَة مَعْلُومَة قَابِلَة للبدل وَالْإِبَاحَة بعوض مَعْلُوم وَفِيه قيود فاحترزنا بِالْمَنْفَعَةِ عَن الْإِجَارَة المعقودة على مَا يتَضَمَّن إِتْلَاف عين فَمن ذَلِك اسْتِئْجَار الْبُسْتَان للثمار وَالشَّاة للبنها وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَكَذَا لصوفها ولولدها فَهَذِهِ الاجارة بَاطِلَة نعم قد تقع الْعين تبعا كَمَا إِذا اسْتَأْجر امْرَأَة للرضاع فَإِنَّهُ جَائِز وَالْقِيَاس فِيهِ الْبطلَان إِلَّا أَن النَّص ورد فِيهِ فَلَا معدل عَنهُ ثمَّ هَل للمعقود عَلَيْهِ الْقيام بأَمْره من وضع الصَّبِي فِي حجرها وتلقيمه الثدي وعصره بِقدر الْحَاجة أم تنَاول هَذِه الاشياء مَعَ اللَّبن وَجْهَان أصَحهمَا أَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ الْفِعْل وَاللَّبن
стр. 287
يسْتَحق تبعا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ علق الْأُجْرَة بِفعل الْإِرْضَاع لَا بِاللَّبنِ وَهَذَا كَمَا إِذا اسْتَأْجر دَارا وفيهَا بِئْر مَاء يجوز الشّرْب مِنْهَا تبعا لَو اسْتَأْجر للارضاع وَنفى الْحَضَانَة فَهَل يجوز وَجْهَان أَحدهمَا لَا كَمَا إِذا اسْتَأْجر شَاة لارضاع سخلة لِأَنَّهُ عقد على اسْتِيفَاء عين وأصحهما الصِّحَّة كَمَا يجوز الاستجئار لمُجَرّد الْحَضَانَة وَكَذَا لَا يجوز اسْتِئْجَار الْفَحْل للنزوان على الاناث للنَّهْي عَن ذَلِك وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن عسب الْفَحْل وَفِي مُسلم عَن بيع ضراب الْفَحْل وروى عَن الشَّافِعِي عَن ثمن عسب الْفَحْل وَالله أعلم وَقَوْلنَا مَقْصُودَة احْتِرَاز عَن مَنْفَعَة تافهة كاستئجار تفاحة وَنَحْوهَا للشم نعم إِذا كثر التفاح قَالَ الرَّافِعِيّ فَالْوَجْه الصِّحَّة كاستئجار الرياحين للشم وَمن الْمَنَافِع التافهة اسْتِئْجَار الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِن أطلق العقد فَبَاطِل وَإِن صرح باستئجارها للتزيين فَالْأَصَحّ الْبطلَان أَيْضا وَكَذَا لَا يجوز اسْتِئْجَار الطَّعَام لتزيين الحوانيت على الْمَذْهَب وَالله أعلم وَقَوْلنَا مَعْلُومَة احْتِرَاز عَن الْمَنْفَعَة المجهولة فَإِنَّهَا لَا تصح للغرر فَلَا بُد من الْعلم بِالْمَنْفَعَةِ قدرا ووصفاً وَقَوْلنَا قَابِلَة للبذل وَالْإِبَاحَة فِيهِ احْتِرَاز عَن اسْتِئْجَار آلَات اللَّهْو كالطنبور والمزمار والرباب وَنَحْوهَا فَإِن استئجارها حرَام وَيحرم بذل الْأُجْرَة فِي مقابلتها وَيحرم أَخذ الْأُجْرَة لِأَنَّهُ من قبيل أكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وَكَذَا لَا يجوز اسْتِئْجَار المغاني وَلَا اسْتِئْجَار شخص لحمل خمر وَنَحْوه وَلَا لجبي المكوس والرشا وَجَمِيع الْمُحرمَات عَافَانَا الله تَعَالَى مِنْهَا
وَقَوْلنَا بعوض مَعْلُوم احترزنا بِهِ عَن الْأُجْرَة المجهولة فَإِنَّهُ لَا يَصح جعلهَا أُجْرَة فَإِنَّهَا ثمن الْمَنْفَعَة وَشرط الثّمن أَن يكون مَعْلُوما وَلِأَن الْجَهْل بِهِ غرر إِذا عرفت هَذَا فَكل عين وجد فِي مَنْفَعَتهَا شُرُوط الصِّحَّة صَحَّ استئجارها كاستئجار الدَّار للسُّكْنَى وَالدَّوَاب للرُّكُوب والرحل لِلْحَجِّ وللبيع وَالشِّرَاء وَالْأَرْض للزَّرْع وَشبهه وَيشْتَرط فِي الْعين الْمُسْتَأْجرَة الْقُدْرَة على تَسْلِيمهَا فَلَا يجوز إِيجَار عبد آبق وَلَا دَابَّة شاردة ومغصوب لَا يقدر على انْتِزَاعه وَكَذَا لَا يجوز اسْتِئْجَار أعمى للْحِفْظ لِأَنَّهُ يعجز عَن تَسْلِيم منفعَته كَمَا لَا يجوز اسْتِئْجَار دَابَّة زمنة للرُّكُوب وَالْحمل وَأَرْض لَا مَاء لَهَا وَلَا يكفيها الْمَطَر ونداوة الأَرْض وَمَا أشبه ذَلِك لِأَن الْأُجْرَة فِي مُقَابلَة الْمَنْفَعَة وَهِي مَعْدُومَة فَلَا يَصح إيجارها كَمَا لَا يَصح بيع الْعين المعدومة أَو الَّتِي لَا مَنْفَعَة فِيهَا وَقَول الشَّيْخ إِذا قدرت منفعَته أَي الْمُسْتَأْجرَة بِفَتْح الْجِيم بِمدَّة أَو عمل إِشَارَة إِلَى قَاعِدَة وَهِي أَن الْمَنْفَعَة المقعود عَلَيْهَا إِن كَانَت لَا تنقدر إِلَّا بِالزَّمَانِ فَالشَّرْط فِي صِحَة الْإِجَارَة فِيهَا أَن تقدر بِمدَّة وَذَلِكَ كَالْإِجَارَةِ للسُّكْنَى وَالرّضَاع وَنَحْو ذَلِك لتعينه طَرِيقا لِأَن تعْيين ذَلِك قد يعسر كالرضاع وَقد يتَعَذَّر وَإِن كَانَت لَا تتقدر إِلَّا بِالْعَمَلِ قدرت بِهِ وَإِن ورد العقد فِيهِ على الذِّمَّة كالركوب وَالْحج وَنَحْو ذَلِك وَإِن كَانَ يتَقَدَّر بالمدة وَالْعَمَل كالخياطة وَالْبناء قدر
стр. 288
بِأَحَدِهِمَا قَوْله استأجرتك لتخيط هَذَا الثَّوْب أَو قَالَ استأجرتك لتخيط لي يَوْمًا وَنَحْوه من الْأَعْمَال فَإِن قدر بهما لم تصح على الرَّاجِح بِأَن قَالَ لتخيط هَذَا الثَّوْب فِي هَذَا الْيَوْم لِأَنَّهُ إِن فرغ فِي بعض الْيَوْم فَإِن طَالبه بِالْعَمَلِ فِي بَقِيَّة الْيَوْم فقد أخل بِشَرْط الْعَمَل وَإِلَّا أخل بِشَرْط الْمدَّة وَالله أعلم قَالَ
(وإطلاقها يَقْتَضِي تَعْجِيل الْأُجْرَة إِلَّا أَن يشْتَرط التَّأْجِيل)
تجب الْأُجْرَة بِنَفس العقد كَمَا يملك الْمُسْتَأْجر بِالْعقدِ الْمَنْفَعَة وَلِأَن الْإِجَارَة عقد لَو شَرط فِي عوضه التَّعْجِيل أَو التَّأْجِيل اتبع فَكَانَ مطلقه حَالا كَالثّمنِ فِي البيع نعم إِن شَرط فِيهِ التَّأْجِيل اتبع لِأَن الْمُؤمنِينَ عِنْد شروطهم فَإِذا حل الْأَجَل وَجَبت الْأُجْرَة كَالثّمنِ فِي البيع وَهَذَا فِي إِجَارَة الْعين كَقَوْلِه اسْتَأْجَرت مِنْك هَذِه الدَّابَّة وَنَحْو ذَلِك أما فِي إِجَارَة الذِّمَّة فَإِن عقد بِلَفْظ السّلم فَيشْتَرط قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس وَكَذَا إِن عقد بِلَفْظ الْإِجَارَة على الْأَصَح نظرا إِلَى الْمَعْنى فَيشْتَرط أَن تكون الْأُجْرَة حَالَة فِي إِجَارَة الذِّمَّة وَلَا يجوز تأجيلها لِئَلَّا يلْزم بيع الكالئ بالكالئ وَهُوَ بيع الدّين بِالدّينِ وَقد نهى عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا تبطل الْإِجَارَة بِمَوْت أحد الْمُتَعَاقدين وَتبطل بِتَلف الْعين الْمُسْتَأْجرَة)
إِذا مَاتَ أحد المستأجرين وَالْعين الْمُسْتَأْجرَة بَاقِيَة لم يبطل العقد لِأَن الْإِجَارَة عقد مُعَاوضَة على شَيْء يقبل النَّقْل وَلَيْسَ لأحد الْمُتَعَاقدين فَسخه بِلَا عذر فَلَا تبطل بِمَوْت أحد الْمُتَعَاقدين كَالْبيع فَإِذا مَاتَ الْمُسْتَأْجر قَامَ وَارثه مقَامه فِي اسْتِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَإِن مَاتَ الْمُؤَجّر ترك الْمَأْجُور فِي يَد الْمُسْتَأْجر إِلَى إنقضاء الْمدَّة وَالله أعلم وَلَو تلفت الْعين الْمُسْتَأْجرَة بِأَن كَانَت دَابَّة فَمَاتَتْ أَو كَانَت أَرضًا فغرقت أَو ثوبا فَاحْتَرَقَ نظر إِن كَانَ ذَلِك قبل الْقَبْض أَو بعده وَلم تمض مُدَّة لمثلهَا أُجْرَة انْفَسَخت الْإِجَارَة وَإِن تلفت بعد الْقَبْض وَبعد مُضِيّ مُدَّة لمثلهَا أُجْرَة انْفَسَخت الْإِجَارَة فِي الْمُسْتَقْبل لفَوَات المعقد عَلَيْهِ وَفِي الْمَاضِي خلاف وَالأَصَح أَنه لَا يَنْفَسِخ لاستقراره بِالْقَبْضِ وَهَذَا كُله فِي إِجَارَة الْعين كَقَوْلِه اسْتَأْجَرت مِنْك هَذِه الدَّابَّة أما إِذا وَقعت الْإِجَارَة على الذِّمَّة كَمَا إِذا قَالَ ألزمت ذِمَّتك حمل كَذَا إِلَى مَوضِع كَذَا فسلمه دَابَّة ليستوفي مِنْهَا حَقّهَا فَهَلَكت لم تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بل يُطَالب الْمُؤَجّر بإبدالها لِأَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ بَاقٍ فِي الذِّمَّة بِخِلَاف إِجَارَة الْعين فَإِن الْمَعْقُود عَلَيْهِ نَفسه قد فَاتَ بِفَوَات الْعين الْمُسْتَوْفى مِنْهَا
وَاعْلَم أَن الْعين الْمسلمَة عَن هَذِه الْإِجَارَة وَإِن لم يَنْفَسِخ العقد بتلفها فَإِن للْمُسْتَأْجر اختصاصاً بهَا حَتَّى يجوز لَهُ إِجَارَة الْعين وَلَو أَرَادَ الْمُؤَجّر ابدالها دون رضى الْمُسْتَأْجر لَا يُمكن على الْأَصَح وَالله أعلم
стр. 289
(فرع) لَو أَرَادَ الْمُسْتَأْجر أَن يعتاض عَن حَقه فِي إِجَارَة الذِّمَّة قَالَ الرَّافِعِيّ إِن كَانَ بعد تَسْلِيم الدَّابَّة جَازَ وَإِن كَانَ قبله فَلَا وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا ضَمَان على الْأَجِير إِلَّا بعدوان)
الْأَجِير أَمِين فِيمَا فِي يَده لِأَنَّهُ يعْمل فِيهِ كَمَا إِذا اسْتَأْجرهُ لقصارة ثوب وَنَحْوه وَتلف فَإِنَّهُ لَا يضمنهُ لِأَنَّهُ أَمِين وَلَا تعدى مِنْهُ فَأشبه عَامل الْقَرَاض فَإِن تعدى لزمَه الضَّمَان كَمَا إِذا اسْتَأْجرهُ للْخَبَر فأسرف فِي الإيقاد أَو تَركه حَتَّى احْتَرَقَ أَو ألصقه قبل وقته وَأَشْبَاه ذَلِك فَإِنَّهُ تَقْصِير فَلَزِمَهُ الضَّمَان وكما لَا يضمن الْأَجِير كَذَلِك لَا يضمن الْمُسْتَأْجر الْعين الْمُسْتَأْجرَة إِلَّا بِالتَّعَدِّي لِأَنَّهَا عين قبضهَا ليستوفي مِنْهَا مَا ملكه بِعقد الْإِجَارَة فَلم يضمنهَا بِالْقَبْضِ كالنخلة إِذا اشْترى ثَمَرهَا وَلَيْسَ هَذَا كَمَا إِذا اشْترى سمناً فِي ظرف فَقَبضهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يضمن الظّرْف فِي أصح الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِفَايَة لِأَن قَبضه بِدُونِ الظّرْف مُمكن
وَاعْلَم أَن الْمرجع فِي الْعدوان إِلَى الْعرف فَلَو ربط الدَّابَّة فِي الإسطبل فَمَاتَتْ لم يضمن وَإِن انْهَدم عَلَيْهَا فَمَاتَتْ أطلق الْغَزالِيّ النَّقْل عَن الْأَصْحَاب أَنه يضمن وَقَالَ غَيره إِن انْهَدم فِي وَقت لَا يعْهَد أَن يكون فِيهِ الِانْتِفَاع كالليل فِي الشتَاء والمطر الشَّديد فِي النَّهَار فَلَا ضَمَان وَإِلَّا ضمن وَجزم بِهَذَا التَّفْصِيل فِي الرَّوْضَة وَفِي الْمِنْهَاج وَلَو ربط دَابَّة أكتراها لحمل أَو ركُوب وَلم ينْتَفع بهَا لم يضمن إِلَّا إِذا انْهَدم عَلَيْهَا الإسطبل فِي وَقت لَو انْتفع بهَا لم يصبهَا الْهدم فاعرف ذَلِك وَمن تعدِي الْمُسْتَأْجر أَن يكبح الدَّابَّة باللجام أَو يضْربهَا بِرجلِهِ أَو يعدو بهَا فِي غير مَحل الْعَدو على خلاف الْعَادة فِي هَذِه الْأُمُور فَإِنَّهُ يضمنهَا بِخِلَاف مَا إِذا فعل ذَلِك على الْعَادة وَالله أعلم
(فرع حسن) غصبت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة مَعَ دَوَاب الرّفْقَة فَذهب بَعضهم فِي طلب دَابَّته وَلم يذهب الْمُسْتَأْجر فَإِن لم يلْزمه الرَّد عِنْد انْقِضَاء الْمدَّة لم يضمن وَإِلَّا فَإِن اسْتردَّ الذاهبون بِلَا مشقة وَلَا غَرَامَة ضمن المتخلف وَإِن كَانَ بِمَشَقَّة وغرامة فَلَا ضَمَان قَالَه الْعَبَّادِيّ وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْجعَالَة فصل والجعالة جَائِزَة وَهِي أَن يشْتَرط على رد ضالته عوضا مَعْلُوما فَإِذا ردهَا اسْتحق ذَلِك الْعِوَض الْمَشْرُوط
الْجعَالَة بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير﴾
стр. 290
وَكَانَ مَعْلُوما وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث اللديغ الَّذِي رقاه الصَّحَابِيّ على قطيع غنم وَغير ذَلِك وَلِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَى الْجعَالَة بل الْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهَا وَلَا بُد فِي اسْتِحْقَاق الْأُجْرَة من إِذن وَيجوز أَن يكون المعجول لَهُ معينا كَقَوْلِه لزيد مثلا إِن رددت عَبدِي أَو دَابَّتي فلك كَذَا وَيجوز أَن لَا يكون معينا كَقَوْلِه من رد ضالتي فَلهُ كَذَا فَإِذا رد المجعول لَهُ ذَلِك اسْتحق الْجعل وَلَو لم يسمع الرَّاد ذَلِك من الْجَاعِل بل سَمعه مِمَّن يوثق بِخَبَرِهِ فَرده اسْتحق وَلَا يشْتَرط أَيْضا أَن يكون الْجعل من مَالك الْمَتَاع بل لَو قَالَ بعض آحَاد النَّاس من رد ضَالَّة فلَان فَلهُ عَليّ كَذَا فَرد من سَمعه أَو من بلغه ذَلِك بطريقة اسْتحق الْجعل
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﷺ
(الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم) وَيشْتَرط فِي الْجعل أَن يكون مَعْلُوما لِأَنَّهُ عوض فَلَا بُد من الْعلم بِهِ كالأجرة فِي الْإِجَارَة فَلَو كَانَ مَجْهُولا كَقَوْلِه من رد آبقي أَو ضالتي فَلهُ ثوب أَو عَليّ رِضَاهُ وَنَحْو ذَلِك كَقَوْلِه أعْطِيه شَيْئا فَهُوَ فَاسد فَإِذا رد اسْتحق أُجْرَة الْمثل وَكَذَا لَو جعل لَهُ ثِيَاب العَبْد وَهِي مَجْهُولَة فَكَذَلِك وَلَو جعل مَالك الدَّابَّة الضَّالة ربعهَا أَو ثلثهَا لمن ردهَا قَالَ السَّرخسِيّ لَا يَصح وَقَالَ الْمُتَوَلِي يَصح قَالَ الرَّافِعِيّ هَذَا قريب من اسْتِئْجَار الْمُرضعَة بِجُزْء من الرَّضِيع بعد الْفِطَام وَالْحكم فِي مَسْأَلَة الرَّضِيع أَنه فَاسد كَمَا لَو اسْتَأْجرهُ على سلخ الدَّابَّة بجلدها بعد الْفَرَاغ أَو أَن لَهُ ربع الثَّوْب بعد النسج وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ فَاسد وَقَالَ ابْن الرّفْعَة لَيْسَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ فَإِن فِي الرَّضِيع جعل جُزْءا مِنْهُ ملكا لَهَا بعد الْفِطَام والجزء عين والأعيان لَا تؤجل وَهنا إِن كَانَ مَوضِع الدَّابَّة مَعْلُوما وَالْعَبْد مرئياً فَالْوَجْه الصِّحَّة وَإِلَّا فَيظْهر أَنه مَوضِع الْخلاف
وَاعْلَم أَنه لَو اشْترك جمَاعَة فِي الرَّد اشْتَركُوا فِي الْجعل لأَنهم اشْتَركُوا فِي السَّبَب وَيقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ وَإِن تفاوتت أَعْمَالهم لِأَن الْعَمَل فِي أَصله مَجْهُول فَلَا يُمكن رِعَايَة مِقْدَاره فِي التقسيط وَللْإِمَام احْتِمَال فِي توزيع الْجعل على قدر أَعْمَالهم لِأَن الْعَمَل بعد تَمَامه قد انضبط وَالله أعلم
(فرع) قَالَ مَالك الْمَتَاع لزيد مثلا إِن رددت ضالتي فلك دِينَار فساعده غَيره فِي الرَّد نظر إِن قصد مساعدة زيد اسْتحق زيد الدِّينَار وَإِلَّا اسْتحق نصفه فَقَط وَإِن رده غير زيد لم يسْتَحق شَيْئا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَقَالَ الرَّافِعِيّ إِن رده غير زيد اتجه تَخْرِيجه على أَن الْوَكِيل هَل يُوكل وَالله أعلم قَالَ
стр. 291
بَاب الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة فصل فِي الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة وَإِذا دفع إِلَى رجل أَرضًا ليزرعها شَرط لَهُ جُزْءا مَعْلُوما من زَرعهَا لم يجز وَإِن اكتراه بِذَهَب أَو فضَّة أَو شَرط لَهُ طَعَاما مَعْلُوما فِي ذمَّته جَازَ
الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة هَل هما بِمَعْنى أم لَا قَالَ الرَّافِعِيّ الصَّحِيح وَظَاهر نَص الشَّافِعِي أَنَّهُمَا عقدان مُخْتَلِفَانِ فالمخابرة هِيَ الْمُعَامَلَة على الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا والمزارعة هِيَ اكتراء الْعَامِل ليزرع الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا وَالْمعْنَى لَا يخْتَلف قَالَ النَّوَوِيّ وَمَا صَححهُ الرَّافِعِيّ هُوَ الصَّوَاب وَقَول العمراني إِن أَكثر أَصْحَابنَا قَالُوا هما بِمَعْنى لم يُوَافق عَلَيْهِ نبهت عَلَيْهِ لِئَلَّا يغتر بِهِ وَالله أعلم قلت لم ينْفَرد بذلك العمراني بل نقل صَاحب التموية أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد عَن أَكثر الْأَصْحَاب وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ هما بِمَعْنى وَلَا يعرف فِي اللُّغَة بَينهمَا فرق وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب هما بِمَعْنى وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْمُزَارعَة المخابرة وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ قَالَا إِن الْمُزَارعَة يكون النّذر فِيهَا من الْمَالِك وَالْمُخَابَرَة يكون النّذر فِيهَا من الْعَامِل وَبِالْجُمْلَةِ فالمزارعة وَالْمُخَابَرَة باطلان فَفِي الصَّحِيحَيْنِ النَّهْي عَن المخابرة فَإِن كَانَتَا بِمَعْنى فَلَا كَلَام وَإِلَّا قسنا الْمُزَارعَة على المخابرة مَعَ أَنه رُوِيَ أَنه ﵊ نهى عَن الْمُزَارعَة وَأمر بالمؤاجرة وَقَالَ لَا بَأْس بهَا وسر النَّهْي أَن تَحْصِيل مَنْفَعَة الأَرْض مُمكنَة بِالْإِجَارَة فَلم يجز الْعَمَل عَلَيْهَا بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا كالمواشي بِخِلَاف الشّجر وَقَالَ ابْن سُرَيج يجوز الْمُزَارعَة وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ بِجَوَاز الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة من كبار أَصْحَابنَا أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن الْمُنْذر والخطابي وصنف فِيهَا ابْن خُزَيْمَة جُزْءا وَبَين فِيهِ علل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالنَّهْي عَنْهَا وَجمع بَين أَحَادِيث الْبَاب ثمَّ تَابعه الْخطابِيّ وَقد ضعف أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى حَدِيث النَّهْي وَقَالَ هُوَ مُضْطَرب كثير الألوان قَالَ الْخطابِيّ وأبطلها مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى لأَنهم لم يقفوا على علته قَالَ والمزارعة جَائِزَة وَهِي من عمل الْمُسلمين فِي جَمِيع الْأَمْصَار لَا يبطل الْعَمَل بهَا أحد هَذَا كَلَام الْخطابِيّ وَالْمُخْتَار جَوَاز الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة وَتَأْويل الْأَحَادِيث على مَا إِذا اشْترط لوَاحِد زرع قِطْعَة مُعينَة وَلآخر آخرى وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب إبِْطَال هَذِه الْمُعَامَلَة وَالله أعلم هَذَا كَلَام الرَّوْضَة وَقَالَ فِي شرح مُسلم إِن الْجَوَاز هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار لحَدِيث خَيْبَر وَلَا يقبل دَعْوَى كَون الْمُزَارعَة فِي خَيْبَر إِنَّمَا جَازَت تبعا للمساقاة بل جَازَت مُسْتَقلَّة لِأَن الْمَعْنى المجوز للمساقاة مَوْجُود فِي الْمُزَارعَة وَقِيَاسًا على الْقَرَاض فَإِنَّهُ جَائِز بِالْإِجْمَاع وَهُوَ
стр. 292
كالمزارعة فِي كل شَيْء والمسلمون فِي جَمِيع الْأَمْصَار والأعصار مستمرون على الْعَمَل بالمزارعة وَقد قَالَ بِجَوَاز الْمُزَارعَة أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن أبي ليلى وَسَائِر الْكُوفِيّين والمحدثين وَالله أعلم
فَإِذا فرعنا على الْبطلَان فالطريق كَمَا قَالَه الشَّيْخ أَن يستأجره بِأُجْرَة مَعْلُومَة نَقْدا كَانَ أَو غَيره وَمَا قَالَه الشَّيْخ فَحَمله كَمَا ذكره فِي الأَرْض خَاصَّة أما لَو دفع إِلَيْهِ أَرضًا فِيهَا أَشجَار فساقاه على النّخل وزارعه على الأَرْض فَإِنَّهُ يجوز وَتَكون الْمُزَارعَة تبعا للمساقاة بِشَرْط أَن يكون الْبذر من صَاحب الأَرْض على الْأَصَح وَلَا فرق بَين كَثْرَة الْأَشْجَار وقلتها وَعكس على الرَّاجِح لِأَنَّهُ ﵊ أعْطى أهل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر أَو زرع وَإِنَّمَا اشْترط كَون الْبذر من الْمَالِك ليَكُون العقدان أَعنِي الْمُسَاقَاة والمزارعة واردين على الْمَنْفَعَة فتتحقق التّبعِيَّة وَلِهَذَا لَو أمكن سقِِي النخيل بِدُونِ سقِِي الأَرْض لم تجز الْمُزَارعَة وَالله أعلم
فَإِن قلت مَا الْحِيلَة فِي تَصْحِيح عقد يحصل بِهِ مَقْصُود الْمُزَارعَة إِذا لم يكن ثمَّ نخل
فَالْجَوَاب ذكر الْأَصْحَاب لذَلِك طرقاً فنقتصر مِنْهَا على مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَصُورَة ذَلِك أَن يكتري صَاحب الأَرْض نصفهَا بِنصْف عمل الْعَامِل وَنصف عمل الْآلَة وَيكون الْبذر مُشْتَركا بَينهمَا فيشتركان فِي الزَّرْع على حسب الِاشْتِرَاك فِي الْبذر وَالله أعلم قَالَ
بَاب احياء الْموَات فصل وإحياء الْموَات جَائِز بِشَرْطَيْنِ أَن يكون المحيي مُسلما وَأَن تكون الأَرْض حرَّة لم يجر عَلَيْهَا ملك لمُسلم
الْموَات هِيَ الأَرْض الَّتِي لم تعمر قطّ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﵊
(من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق) وَرَوَاهُ الْعرق مُضَافا ومنوناً
(فَائِدَة) الْعرق أَرْبَعَة الْغِرَاس وَالْبناء وَالنّهر والبئر
стр. 293
اعْلَم أَن الْإِحْيَاء مُسْتَحبّ لقَوْله ﷺ من
(أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَلهُ أجر وَمَا أكله العوافي فَهُوَ لَهُ صَدَقَة) والعوافي الطير والوحش وَالسِّبَاع ثمَّ كل من جَازَ لَهُ أَن يتَمَلَّك الْأَمْوَال جَازَ لَهُ الْإِحْيَاء وَيملك بِهِ الْمحيا لِأَنَّهُ ملك بِفعل فَأشبه الِاصْطِيَاد والاحتطاب وَنَحْوهمَا وَلَا فرق فِي حُصُول الْملك لَهُ بَين أَن يَأْذَن الإِمَام أم لَا اكْتِفَاء بِإِذن سيد السَّابِقين واللاحقين مُحَمَّد ﷺ وَيشْتَرط كَمَا ذكره الشَّيْخ أَنه لم يجر على الأَرْض ملك مُسلم فَإِن جرى ذَلِك حرم التَّعَرُّض لَهَا بالأحياء وَغَيره إِلَّا بِإِذن شَرْعِي فَفِي الْخَبَر عَن سيد الْبشر
(من أَخذ شبْرًا من الأَرْض ظلما فَإِنَّهُ يطوق بِهِ يَوْم الْقِيَامَة من سبع أَرضين) ثمَّ حَرِيم الْمَعْمُور لَا يملك بِالْإِحْيَاءِ لِأَن مَالك الْمَعْمُور يسْتَحق مرافقه وَهل تملك تِلْكَ الْمَوَاضِع وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَن لم يُحْيِيهَا وَالصَّحِيح نعم كَمَا يملك عَرصَة الدَّار بِبِنَاء الدَّار والحريم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لتَمام الِانْتِفَاع كطريق ومسيل المَاء وَنَحْوهمَا كموضع إِلْقَاء الرماد والزبالة وكما يشْتَرط أَن يكون الَّذِي يقْصد إحياءه مواتاً كَذَلِك يشْتَرط أَن يكون المحيي مُسلما فَلَا يجوز إحْيَاء الْكَافِر الذِّمِّيّ الَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام لقَوْله ﷺ
(عادي الأَرْض وروى موتان الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ ثمَّ هِيَ لكم مني) وَيُؤَيِّدهُ أَنه فِي رِوَايَة
(هِيَ لكم مني أَيهَا الْمُسلمُونَ) وَلِأَنَّهُ نوع تمْلِيك يُنَافِيهِ كفر الْحَرْبِيّ فنافاه كفر الذِّمِّيّ كَالْإِرْثِ من الْمُسلم وَيُخَالف الْإِحْيَاء الاحتطاب والاحتشاش حَيْثُ يجوز للذِّمِّيّ ذَلِك بِأَن يسْتَخْلف فَلَا يتَضَرَّر بِهِ الْمُسلمُونَ بِخِلَاف الْموَات فَلَو أَحْيَا الذِّمِّيّ فجَاء مُسلم فَوجدَ أثر عمَارَة فأحياه بِإِذن الإِمَام ملكه وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَوَجْهَانِ صحّح النَّوَوِيّ أَنه يملكهُ أَيْضا وَإِن ترك الْعِمَارَة الذِّمِّيّ مُتَبَرعا صرفهَا الإِمَام فِي الْمصَالح وَلَيْسَ لأحد تَملكهَا وَالله أعلم قَالَ
(وَصفَة الْإِحْيَاء مَا كَانَ فِي الْعَادة عمَارَة للمحيي)
الْإِحْيَاء عبارَة عَن تهيئة الشَّيْء لما يُرِيد بِهِ المحيي لِأَن الشَّارِع ﷺ أطلقهُ وَلَا حد لَهُ فِي
стр. 294
اللُّغَة فَرجع فِيهِ إِلَى الْعرف كالاحراز فِي السّرقَة وَالْقَبْض فِي الْبيُوع وَبَيَانه بصور مِنْهَا إِذا أَرَادَ الْمسكن فَيشْتَرط التحويط إِمَّا بحجارة أَو آجر أَو طين أَو خشب أَو قصب بسب الْعَادة وَيشْتَرط أَيْضا تسقيف الْبَعْض وَنصب الْبَاب على الصَّحِيح فيهمَا وَلَا يشْتَرط السُّكْنَى بِحَال وَقَالَ الْمحَامِلِي الإيواء إِلَيْهَا شَرط
قلت نصب الْأَبْوَاب مَفْقُود فِي كثير من قرى الْبَوَادِي وَقد اطردت عَادَتهم بتعريض خَشَبَة فَقَط فَالْمُتَّجه فِي مثل ذَلِك اتِّبَاع عَادَتهم وَلَعَلَّ من اشْترط نصب الْأَبْوَاب كَلَامه مَحْمُول على من اطردت ناحيتهم بذلك وَالله أعلم وَمِنْهَا إِذا أَرَادَ بستاناً أَو كرماً فَلَا بُد من تحويطه وَيرجع فِي تحويطه إِلَى الْعَادة قَالَ ابْن كج فَإِن كَانَت عَادَة تِلْكَ الْبَلَد بِنَاء الجدران اشْترط وَإِن كَانَ التحويط بقصب أَو شوك وَرُبمَا تَرَكُوهُ اعْتبرت عَادَتهم وَيعْتَبر غرس الْأَشْجَار على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ مُلْحق بالأبنية وَكَذَا بَقِيَّة الصُّور يعْتَبر فِيهَا الْعرف وَالله أعلم قَالَ
(وَيجب بذل المَاء بِثَلَاثَة شَرَائِط أَن يفضل عَن حَاجته وَأَن يحْتَاج إِلَيْهِ غَيره لنَفسِهِ أَو لبهيمته وَأَن يكون مِمَّا يسْتَخْلف فِي بِئْر أَو عين وَنَحْوه)
اعْلَم أَن المَاء على قسمَيْنِ
أَحدهمَا مَا نبع فِي مَوضِع لَا يخْتَص بأحذ وَلَا صنع لآدَمِيّ فِي انباطه واجرائه كالفرات وجيحون وعيون الْجبَال وسيول الأمطار فَالنَّاس فِيهَا سَوَاء نعم إِن قل المَاء أَو ضَاقَ المشرع قدم السَّابِق وَإِن كَانَ ضَعِيفا لقَضَاء الشَّرْع بذلك فَإِن جاؤوا مَعًا أَقرع فَإِن جَاءَ وَاحِد يُرِيد السَّقْي وَهُنَاكَ مُحْتَاج للشُّرْب فَالَّذِي يشرب أولى قَالَه الْمُتَوَلِي وَمن أَخذ مِنْهُ شَيْئا فِي إِنَاء أَو حَوْض ملكه وَلم يكن لغيره مزاحمته فِيهِ كَمَا لَو احتطب هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم
الْقسم الثَّانِي الْمِيَاه المختصة كالآبار والقنوات فَإِذا حفر الشَّخْص بِئْرا فِي ملكه فَهَل يكون مَاؤُهَا ملكا وَجْهَان أصَحهمَا نعم لِأَنَّهُ نَمَاء ملكه فَأشبه ثَمَرَة شجرته وكمعدن ذهب أَو فضَّة خرج فِي ملكه وَقد نَص الشَّافِعِي على هَذَا فِي غير مَوضِع فعلى هَذَا لَيْسَ لأحد أَن يَأْخُذهُ لَو خرج عَن ملكه وَقد نَص لِأَنَّهُ ملكه فَأشبه لبن شاته وَقيل إِن المَاء لَا يملك لقَوْله ﷺ
(الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث المَاء والكلأ وَالنَّار) وَالْمذهب الأول والْحَدِيث وعَلى الْوَجْهَيْنِ لَا يجب على صَاحب الْبِئْر بذل مَا فضل عَن حَاجته لزرع غَيره على الصَّحِيح وَيجب بذله للماشية على الصَّحِيح لما روى
стр. 295
الشَّافِعِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(من منع فضل المَاء ليمنع بِهِ فضل الْكلأ مَنعه الله فضل رَحمته يَوْم الْقِيَامَة) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ
(لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ الْكلأ) وَالْفرق بَين الْمَاشِيَة وَالزَّرْع وَنَحْوه حُرْمَة الرّوح بِدَلِيل وجوب سقيها بخلاق الزَّرْع ثمَّ لوُجُوب الْبَذْل شُرُوط
أَحدهَا أَن يفضل عَن حَاجته فَإِن لم يفضل لم يجب وَيبدأ بِنَفسِهِ
الثَّانِي أَن يحْتَاج إِلَه صَاحب الْمَاشِيَة بِأَن لَا يجد مَاء مُبَاحا
الثَّالِث أَن يكون هُنَاكَ كلأ يرْعَى وَلَا يُمكن رعيه إِلَّا بسقي المَاء
الرَّابِع أَن يكون المَاء فِي مستقره وَهُوَ مِمَّا يسْتَخْلف فَأَما إِذا أَخذه فِي الْإِنَاء فَلَا يجب بذله على الصَّحِيح وَإِذا وَجب الْبَدَل مكن الْمَاشِيَة من حُضُور الْبِئْر بِشَرْط أَن لَا يتَضَرَّر صَاحب الْمَار فِي زرع وَلَا مَاشِيَة فَإِن تضرر بورودها منعت ويستقي الرُّعَاة لَهَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَإِذا وَجب الْبَذْل فَهَل يجوز لَهُ أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ عوضا كطعام الْمُضْطَر وَجْهَان الصَّحِيح لَا للْحَدِيث الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ
(نهى عَن بيع فضل المَاء) فَلَو لم يجب بذل فضل المَاء جَازَ بَيْعه بكيل أَو وزن وَلَا يجوز بري الْمَاشِيَة أَو الزَّرْع لِأَنَّهُ مَجْهُول وَهُوَ غرر وَالله أعلم
(فرع) من حفر بِئْرا فِي موَات فَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ لغيره أَن يحْفر بِئْرا يحصل بِسَبَبِهَا نقص مَاء الْبِئْر الأولى وَيكون ذَلِك الْموضع من حَرِيم الْبِئْر الأولى وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا حفر بِئْرا فِي ملكه فنقص مَاء بِئْر جَاره فَإِنَّهُ لَا يمْنَع لِأَنَّهُ تصرف فِي عين ملكه وَفِي الْموَات ابْتِدَاء تملك فَيمْنَع مِنْهُ إِذا أضرّ بِالْغَيْر وَحكم غرس الْأَشْجَار كالبئر قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب وَالله أعلم
بَاب الْوَقْف فصل وَالْوَقْف جَائِز بِثَلَاث شَرَائِط أَن يكون مِمَّا ينْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه
يُقَال وقفت وأوقفت لُغَة رَدِيئَة
وَحده فِي الشَّرْع حبس مَال يُمكن الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه مَمْنُوع من التَّصَرُّف فِي عينه
стр. 296
تصرف مَنَافِعه فِي الْبر تقرباً إِلَى الله تَعَالَى وَلَو قيل حبس مَا يُمكن الإنتفاع بِهِ إِلَى آخِره فَهُوَ أحسن ليشْمل الْكَلْب الْمعلم على وَجه وَالرَّاجِح أَنه لَا يَصح وَقفه وَقيل لَا يَصح قطعا لِأَنَّهُ لَا يملك وَهُوَ قربَة مَنْدُوب إِلَيْهَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ ﵊
(إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاثَة أَشْيَاء من صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) وَحمل عُلَمَاء الصَّدَقَة الْجَارِيَة على الْوَقْف قَالَ جَابر ﵁ مَا بَقِي أحد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَهُ مقدرَة إِلَّا وقف وَقَول الشَّيْخ أَن ينْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه دخل فِيهِ العقاء وَغَيره مُفردا كَانَ أَو مشَاعا حَيَوَانا كَانَ أَو غَيره وَاحْترز بِهِ عَمَّا لَا ينْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه كالأثمار وَالطَّعَام وَكَذَا المشموم لِأَن الأثمار ينْتَفع بإخراجها وَالطَّعَام بِأَكْلِهِ والمشموم لَا يَدُوم وَاعْلَم أَنه يجوز وقف الْأَشْجَار لثمارها والماشية للبنها وصوفها وَكَذَا الْفَحْل ليقفز على شِيَاه الْبَلَد لِأَن الْمَوْقُوف ذواتها وَهَذِه الْأُمُور هِيَ مَنَافِعهَا وَلَيْسَ من شَرط الْمَوْقُوف أَن ينْتَفع بِهِ فِي الْحَال فَيصح وقف الأَرْض الجدبة لتصلح وَيُمكن زَرعهَا وَكَذَا يَصح وقف العَبْد والجحش الصغيرين وَكَذَا يَصح وقف الأَرْض الْمُؤجرَة كَمَا يَصح وقف الْعين الْمَغْصُوبَة وَالله أعلم قَالَ (وَأَن يكون على أصل مَوْجُود وَفرع لَا يَنْقَطِع)
لَا شكّ أَن الْوَقْف صَدَقَة يُرَاد بهَا الدَّوَام
وَحَقِيقَة الْوَقْف نقل ملك الْمَنَافِع إِلَى الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وتمليك الْمَعْدُوم بَاطِل وَكَذَا تمْلِيك من لَا يملك مِثَال الأول مَا إِذا وقف على من سيولد ثمَّ على الْفُقَرَاء أَو وقف على وَلَده ثمَّ على الْفُقَرَاء وَلَا ولد لَهُ وَفِي معنى ذَلِك مَا إِذا وقف على مَسْجِد سيبنى ثمَّ على الْفُقَرَاء وَمِثَال الثَّانِي الْوَقْف على الْحمل وَكَذَا على عبد إِذا قصد نَفسه دون سَيّده وفرعنا على الصَّحِيح أَن العَبْد لَا يملك بالتمليك فَهَذَا وأشباهه بَاطِل على الْمَذْهَب لِأَن الْوَقْف تمْلِيك منجر فَلَا يَصح على من لَا يملك كَالْبيع وَسَائِر التمليكات وَإِلَى مَا ذكرنَا أَشَارَ الشَّيْخ بقوله على أصل مَوْجُود وَالله أعلم
(فرع) الْوَقْف على الْمَيِّت لَا يَصح وَقيل يَصح وَيصرف على الْفُقَرَاء وَهَذَا النَّوْع يعبر عَنهُ الْفُقَهَاء بقَوْلهمْ مُنْقَطع الأول وَقَوله وَفرع لَا يَنْقَطِع احْتَرز بِهِ الشَّيْخ عَن غير مُنْقَطع الأول وَهُوَ الَّذِي يعبرون عَن بقَوْلهمْ مُنْقَطع الآخر وَهل هُوَ بَاطِل كالنوع الأول وَهُوَ مُنْقَطع الأول أم هُوَ
стр. 297
صَحِيح يخْتَلف التَّرْجِيح فِيهِ باخْتلَاف صيفة الْوَقْف فَإِن قَالَ وقفت على أَوْلَادِي ثمَّ سكت أَو على الْفَقِير فلَان ثمَّ سكت وَلم يذكر مصرفاً لَهُ دوَام فَفِي هَذِه الصِّيغَة خلاف منتشر وَالرَّاجِح الصِّحَّة وَبِه قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم القَاضِي أَبُو حَامِد وَالْقَاضِي الطَّبَرِيّ وَالرُّويَانِيّ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر وَبِه قَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن مَقْصُود الْوَقْف الْقرْبَة وَالثَّوَاب فَإِذا بَين مصرفه فِي الْحَال سهل إدامته على سَبِيل الْخَيْر فعلى هَذَا إِذا انقرض الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لَا يبطل الْوَقْف على الرَّاجِح فعلى هَذَا إِلَى من يصرفهُ الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر إِلَى أقرب النَّاس إِلَى الْوَاقِف إِلَى يَوْم انْقِرَاض الْمَوْقُوف عَلَيْهِم فعلى هَذَا هَل الْمُعْتَبر الْإِرْث أم لَا الصَّحِيح إعتبار قرب الرَّحِم فعلى هَذَا يقدم ابْن الْبِنْت وَإِن لم يَرث على ابْن الْعم وَهل يشْتَرط الْكل أم يخْتَص بِهِ الْفُقَرَاء الرَّاجِح اخْتِصَاص الْفُقَرَاء لِأَن مصرفه مصرف الصَّدَقَة وَهل ذَلِك على سَبِيل الْوُجُوب أم الِاسْتِحْبَاب فِيهِ خلاف لم يرجح الشَّيْخَانِ فِي ذَلِك شَيْئا فَلَو انقرض الْفُقَرَاء فالمنصوص أَن الإِمَام يَجْعَل الْوَقْف حسبا على الْمُسلمين يصرف غَلَّته فِي مصالحهم وَرجحه الطَّبَرِيّ وَفِي الشَّامِل لِابْنِ الصّباغ يصرف للْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين وَالله أعلم أما إِذا قَالَ وقفت هَذَا سنة فَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور بطلَان الْوَقْف لفساد الشَّرْط لِأَن الْمَقْصُود دوَام الثَّوَاب هُوَ مَفْقُود وَالله أعلم
(فرع) هَل يشْتَرط الْقبُول فِي الْوَقْف ينظر إِن كَانَ الْوَقْف على جِهَة عَامَّة كالفقراء أَو الرَّبْط والمساجد فَلَا يشْتَرط لتعذره وَإِن كَانَ على معِين وَاحِدًا كَانَ أَو جمَاعَة فَفِيهِ خلاف الرَّاجِح فِي الْمُحَرر والمنهاج اشْتِرَاط الْقبُول فعلى هَذَا يكون الْقبُول مُتَّصِلا بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي البيع وَالْهِبَة وَخص الْمُتَوَلِي الْخلاف بِمَا إِذا قُلْنَا الْملك فِي الْمَوْقُوف ينْتَقل إِلَى الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أما إِذا قُلْنَا ينْتَقل إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يشْتَرط الْقبُول قطعا
وَاعْلَم أَن مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج من اشْتِرَاط الْقبُول فِي بَاب الْوَقْف خَالفه فِي الرَّوْضَة فِي كتاب السّرقَة فَقَالَ فِي زياده الْمُخْتَار أَنه لَا يشْتَرط وَالْمُخْتَار فِي الرَّوْضَة بِمَعْنى الصَّحِيح وَكَلَام التَّنْبِيه يقتضضيه فَإِنَّهُ ذكر الْإِيجَاب وَلم يشْتَرط الْقبُول وَكَذَا فِي الْمُهَذّب وَمِمَّنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاط الْقبُول خلائق تَشْبِيها لَهُ بِالْعِتْقِ مِنْهُم الْمَاوَرْدِيّ بل قطع بِهِ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ بل نَص الشَّافِعِي على أَنه لَا يشْتَرط وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن لَا يكون فِي مَحْظُور)
الْمَحْظُور الْحَرَام فَيشْتَرط فِي صِحَة الْوَقْف انْتِفَاء الْمعْصِيَة لِأَن الْوَقْف مَعْرُوف وبر وَالْمَعْصِيَة عكس ذَلِك فَيحرم الْوَقْف على شِرَاء آلَة لقطع الطَّرِيق وَكَذَا الْآلَات الْمُحرمَة كَسَائِر آلَات الْمعاصِي كَمَا يصنعه أهل الْبدع من صوفية الزوايا بِأَن يوقفوا آلَة لَهو لأجل السماع وَيَقُولُونَ
стр. 298
لَا سَماع إِلَّا من تَحت قناع وَلَا يَأْبَى ذَلِك إِلَّا فَاسد الطباع وَهَؤُلَاء قد نَص الْقُرْآن على إلحادهم وَلَيْسَ فِي كفرهم نزاع وَكَذَا لَا يجوز الْوَقْف على البيع وَالْكَنَائِس وَكتب التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لِأَنَّهَا مُحرمَة وَلَو كَانَ الْوَقْف ذِمِّيا حَتَّى لَو ترافعوا إِلَيْنَا فِي ذَلِك أبطلناه هَذَا إِذا كَانَ الْوَقْف على جِهَة أما إِذا وقف على ذمِّي بِعَيْنِه فَإِنَّهُ يَصح لِأَن الْوَقْف كصدقة التَّطَوُّع وَهِي عَلَيْهِ جَائِزَة بِخِلَاف الْوَقْف على الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ فَإِنَّهُ لَا يَصح على الرَّاجِح لِأَنَّهُمَا مقتولان فَهُوَ وقف على من لَا دوَام لَهُ فَأشبه وقف شَيْء لَا دوَام لَهُ وَلَو وقف على الْأَغْنِيَاء فَفِيهِ خلاف مَبْنِيّ على أَن المرعي فِي الْوَقْف جِهَة التَّمْلِيك أم جِهَة الْقرْبَة وَكَذَا لَو وقف على الْفُسَّاق فِيهِ هَذَا الْخلاف قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْأَشْبَه بِكَلَام الْأَكْثَرين تَرْجِيح كَونه تَمْلِيكًا وَتَصْحِيح الْوَقْف على هَؤُلَاءِ وَصرح بِتَصْحِيحِهِ فِي الْمُحَرر وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على التَّصْحِيح فِي الْمِنْهَاج إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ قَالَ فِي الشَّرْح بعد ذَلِك وَتَبعهُ فِي الرَّوْضَة الْأَحْسَن تَصْحِيح الْوَقْف على الْأَغْنِيَاء دون الْفُسَّاق لتَضَمّنه الْإِعَانَة على الْمعْصِيَة وَالله أعلم قَالَ
(وَهُوَ على مَا شَرط الْوَاقِف من تَقْدِيم وَتَأْخِير وتسوية وتفضيل)
إِذا صَحَّ الْوَقْف لزم كَالْعِتْقِ وَاسْتحق الْمَوْقُوف عَلَيْهِ غَلَّته مَنْفَعَة كَانَت كالسكنى أَو عينا كالثمرة وَالصُّوف وَاللَّبن وَكَذَا الْوَلَد على الْأَصَح لِأَنَّهَا نَمَاء الْمَوْقُوف وَيجب صرف ذَلِك بِحَسب الشَّرْط من التقييم كوقفت على أَوْلَادِي بِشَرْط تَقْدِيم الأعلم أَو الأورع أَو المزوج وَنَحْو ذَلِك أَو التَّأْخِير بِأَن يَقُول وقفت على أَوْلَادِي فَإِن انقرضوا فلأولادهم وَنَحْو ذَلِك أَو على أَن ريع السّنة الأولى للإناث وَالثَّانيَِة للذكور أَو التَّسْوِيَة كَمَا إِذا وقف على أَوْلَاده بِشَرْط أَن لَا يفضل أحدا على أحد فِي قدر النَّصِيب وَنَحْو ذَلِك والتفضيل كَمَا إِذا قَالَ وقفت على أَوْلَادِي على أَن للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَنَحْو ذَلِك وَوجه ذَلِك كُله على أَن الْوَقْف تمْلِيك مَنَافِع الْمَوْقُوف فَاعْتبر قَول المملك كَالْهِبَةِ وَالله أعلم
(فرع) إِذا جهل شَرط الْوَاقِف فِي الْمَقَادِير أَو فِي كَيْفيَّة التَّرْتِيب لِانْعِدَامِ كتاب الْوَقْف وَعدم الشُّهُود قَالَ الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة تقسم الْغلَّة بَينهم بِالسَّوِيَّةِ وَحكى بَعضهم أَن الْأَوْجه الْوَقْف حَتَّى يصطلحوا وَهُوَ الْقيَاس وَالْقَائِل بِهَذَا هُوَ الإِمَام وَمحل الْقِسْمَة بَينهم بِالسَّوِيَّةِ إِذا كَانَ الْمَوْقُوف فِي أَيْديهم فَإِن كَانَ فِي بُد بَعضهم فَالْقَوْل قَوْله وَلَو كَانَ الْوَاقِف حَيا رَجَعَ إِلَى قَوْله ذكره الْبَغَوِيّ وَصَاحب الْمُهَذّب قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَو قيل لَا رُجُوع إِلَيْهِ كالبائع إِذا اخْتلف المشتريان مِنْهُ لم يبعد قَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب الرُّجُوع إِلَيْهِ وَالْفرق ظَاهر قلت وَمَا قَالَه النَّوَوِيّ ذكره الرَّوْيَانِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ وصرحا بِأَنَّهُ يقبل قَوْله بِلَا يَمِين وَزَاد بِأَنَّهُ إِذا مَاتَ الْوَاقِف يرجع إِلَى ورثته فَإِن لم يكن لَهُ وَرَثَة وَكَانَ لَهُ نَاظر من جِهَة الْوَاقِف رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَا يرجع إِلَى الْمَنْصُوب من جِهَة الْوَارِث فَلَو اخْتلف النَّاظر والواقف فَهَل يرجع إِلَى النَّاظر أَو الْوَاقِف فِيهِ قَولَانِ وَلَو اخْتلف النَّاظر وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ فَفِيهِ
стр. 299
الْوَجْهَانِ قَالَ النَّوَوِيّ وَيرجع إِلَى عَادَة من تقدم النَّاظر من النظار إِن اتّفقت عَادَتهم وَلَو عرفنَا الْوَقْف وَلم نَعْرِف أَرْبَاب الْوَقْف قَالَ الْغَزالِيّ وَغَيره جعل كوقف لم يذكر مصرفه فَيكون كوقف مُطلق كَذَا نَقله النَّوَوِيّ عَن الْغَزالِيّ وَهُوَ سَهْو وَإِنَّمَا قَالَ الْغَزالِيّ إِنَّه كمنقطع آخر فَيكون الْوَقْف صَحِيحا والحاقه بِالْوَقْفِ الْمُطلق يَقْتَضِي عدم الصِّحَّة لِأَن الْأَصَح فِي الْوَقْف الْمُطلق أَنه لَا يَصح وَالله أعلم
(فرع) هَل يَصح أَن يُوقف الشَّخْص على نَفسه وَإِن ذكر بعده مصرفاً قَالَ جمَاعَة من الْأَصْحَاب بِالصِّحَّةِ مِنْهُم الزبيرِي وَابْن سُرَيج وَاسْتَحْسنهُ الرَّوْيَانِيّ وَاحْتَجُّوا لذَلِك بِأَن عُثْمَان ﵁ لما وقف بِئْر رومة قَالَ دلوي فِيهَا كدلاء الْمُسلمين وَالصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي أَنه لَا يجوز لِأَن معنى الْوَقْف تمْلِيك الْمَنْفَعَة قطعا والشخص لَا يملك نَفسه بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء وَلِهَذَا لَا يَصح أَن يَبِيع من نَفسه وَالْجَوَاب أَن عُثْمَان ﵁ لم يقل ذَلِك شرطا وَلَكِن أخبر أَن للْوَاقِف أَن ينْتَفع بالأوقاف الْعَامَّة كَالصَّلَاةِ فِي الْبقْعَة الَّتِي جعلهَا مَسْجِدا وَالْفرق بَين الْأَوْقَاف الْعَامَّة والخاصة الْعَامَّة عَادَة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْإِبَاحَة بِخِلَاف الْخَاصَّة وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْهِبَة فصل فِي الْهِبَة وكل مَا جَازَ بَيْعه جَازَت هِبته
اعْلَم أَن التَّمْلِيك بِغَيْر عوض أَن تمحض فِيهِ طلب الثَّوَاب فَهُوَ صَدَقَة وَإِن حمل إِلَى المملك إِكْرَاما وتودداً فَهُوَ هَدِيَّة وَإِلَّا فَهُوَ هبة وَهل من شرك الْهَدِيَّة أَن يكون بَين الْمهْدي وَالْمهْدِي إِلَيْهِ رَسُول وَجْهَان الرَّاجِح لَا وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِيمَا لَو حلف لَا يهدي إِلَيْهِ فوهبه شَيْئا يدا بيد فَفِي الْحِنْث وَجْهَان
وَالْهِبَة مَنْدُوبَة بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وَالْهِبَة بر ومعروف وَأما السّنة الْكَرِيمَة فكثيرة مِنْهَا حَدِيث بَرِيرَة ﵂ فِي قَوْله ﵊
(هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلنَا هَدِيَّة) وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه ﵊
(كَانَ إِذا أُتِي بِطَعَام سَأَلَ عَنهُ فَإِن قيل هَدِيَّة أكل مِنْهَا وَإِن قيل صَدَقَة لم يَأْكُل مِنْهُ)
стр. 300
وَاعْلَم أَن كل صَدَقَة وهدية هبة وَلَا تنعكس إِذا عرفت هَذَا فالشيء الْمَوْهُوب هُوَ أحد أَرْكَان الْهِبَة وَهُوَ مُعْتَبر بِالْبيعِ فَإِن الْهِبَة تمْلِيك ناجز كَالْبيع فَمَا جَازَ بَيْعه جَازَت هِبته وَمَا لَا يجوز بَيْعه كالمجهول كَقَوْلِه وَهبتك أحد عَبِيدِي لَا يَصح وَكَذَا لَا تصح هبة الْآبِق والضال كَمَا لَا يَصح بيعهمَا وَيجوز هبة الْمَغْصُوب لغير الْغَاصِب إِن قدر على الانتزاع وَإِلَّا فَلَا وَتجوز هبة الْمشَاع للشَّرِيك وَغَيره وَكَذَا تجوز هبة أَرض يَزْرَعهَا وكل مَا يَصح بَيْعه فَلَا تجوز هبة الْمَرْهُون وَالْكَلب وَجلد الْميتَة قبل دبغه كَذَا الدّهن النَّجس وَالصَّدَََقَة بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي الْقطع بِصِحَّة الصَّدَقَة بِهِ
وَاعْلَم أَن هبة الدّين للْمَدِين إِبْرَاء وَلَا يحْتَاج إِلَى قبُول على الْمَذْهَب وَلغيره بَاطِل على الْمَذْهَب وَلَو وهب لفقير دينا عَلَيْهِ بنية الزَّكَاة لم يَقع عَنْهَا وَلَو قَالَ تَصَدَّقت بِمَالي عَلَيْك برِئ قَالَه ابْن سُرَيج وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالله أعلم
(فرع) إِذا ختن شخص وَلَده وَعمل وَلِيمَة فَحملت إِلَيْهِ الْهَدَايَا وَلم يسم أَصْحَابهَا الْأَب وَلَا الابْن فَهَل هِيَ للْأَب أَو للِابْن وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ أَنَّهَا للْأَب وَأجَاب القَاضِي حُسَيْن أَنَّهَا للإبن وَتقبل للْأَب قلت يَنْبَغِي أَمر ثَالِث وَهُوَ أَنه إِن كَانَ الْمهْدي مِمَّا يصلح للصَّبِيّ دون أَبِيه كشيء من ملبوس الصغار فَهُوَ للصَّبِيّ وَإِن كَانَ لَا يصلح للصَّغِير فَهُوَ للْأَب وَإِن احتملهما فَهُوَ مَوضِع التَّرَدُّد لعدم الْقَرِينَة المرجحة وَالله أعلم
(الْمَسْأَلَة) كتب شخص إِلَى آخر كتابا فَهَل يملك الْمَكْتُوب إِلَيْهِ القرطاس قَالَ الْمُتَوَلِي إِن استدعى مِنْهُ الْجَواب على ظَهره لم يملكهُ وَعَلِيهِ رده وَإِلَّا فَهُوَ هَدِيَّة يملكهَا الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وَصحح النَّوَوِيّ هَذَا وَقَالَ غير الْمُتَوَلِي إِنَّه يبْقى على ملك الْكَاتِب وللمكتوب إِلَيْهِ الِانْتِفَاع بِهِ إِبَاحَة وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا تلْزم إِلَّا بِالْقَبْضِ وَإِذا قبضهَا الْمَوْهُوب لَهُ لم يكن للْوَاهِب أَن يرجع فِيهَا إِلَّا أَن يكون والداً)
لَا تلْزم الْهِبَة وَلَا تملك إِلَّا بِالْقَبْضِ لِأَن الصّديق ﵁ نحل عَائِشَة ﵂ جذاذ عشْرين وسْقا فَلَمَّا مرض قَالَ ودتت أَنَّك حُزْتِيهِ أَو قبضتيه وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث فلولا توقف الْملك على الْقَبْض لما قَالَ إِنَّه ملك الْوَارِث وَقَالَ عمر ﵁ لَا تتمّ النحلة حَتَّى
стр. 301
يجوزها المنحول وروى مثل ذَلِك عَن عُثْمَان ﵁ وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأنس وَعَائِشَة ﵃ أَجْمَعِينَ وَلَا يعرف لَهُم مُخَالف وَلِأَنَّهُ عقد إرفاق يَقْتَضِي الْقبُول فافتقر إِلَى الْقَبْض كالقرض وَسَائِر الهبات حَتَّى لَو أرسل هَدِيَّة ثمَّ استرجعها قبل أَن تصل أَو مَاتَ لم يملكهَا الْمهْدي إِلَيْهِ وَلَا يشْتَرط فِي الْقَبْض الْفَوْر نعم لَا يَصح الْقَبْض إِلَّا بِإِذن الْوَاهِب لِأَنَّهُ سَبَب نقل الْملك فَلَا يجوز من غير رضى الْمَالِك وبالقياس على الرَّهْن فَمَتَى أذن لَهُ فِي الْقَبْض فَقبض كفى صرح بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَغَيره وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ لَا بُد من إقباض من الْوَاهِب أَو وَكيله وَلَا يَكْفِي الْإِذْن وَفِي قَول قديم إِن الْملك فِي الْمَوْهُوب يحصل بِنَفس العقد وَإِن لم يَقع قبض وَفِي قَول ثَالِث أَنه مَوْقُوف فَإِذا قبض بَان أَنه ملكه من وَقت العقد وَقد جزم الرَّافِعِيّ فِي بَاب الِاسْتِبْرَاء بِمَا حَاصله القَوْل الثَّالِث وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِي فَوَائِد الْمَوْهُوب من الثَّمَرَة وَاللَّبن وَغَيرهمَا وَكَذَا فِي الْمُؤَن من نَفَقَة وَغَيرهَا وَكَيْفِيَّة الْقَبْض مُعْتَبرَة بِالْعرْفِ كقبض الْمَبِيع والمرهون وَلَو مَاتَ الْوَاهِب قبل الْقَبْض لم يبطل العقد لِأَنَّهُ عقد يؤول إِلَى اللُّزُوم فَلم يَنْفَسِخ بِالْمَوْتِ كَالْبيع الْمَشْرُوط فِيهِ الْخِيَار وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص وَالْوَارِث بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قبض وَإِن شَاءَ لم يقبض لِأَنَّهُ قَائِم مقَام مُوَرِثه وَالله أعلم ثمَّ إِذا حصل الْقَبْض الْمُعْتَبر لَزِمت الْهِبَة وَلَيْسَ للْوَاهِب الرُّجُوع فِيهَا كَسَائِر الْعُقُود اللَّازِمَة إِلَّا أَن يكون الْوَاهِب أَبَا أَو أما أَو جدا وَإِن علا وَكَذَا الْجدّة بِشَرْط أَن يكون الْمَوْهُوب خَالِيا عَن حق الْغَيْر كَمَا إِذا رهن وأقبض وَغير ذَلِك وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﷺ لَا يحل لرجل أَن يُعْطي عَطِيَّة أَو يهب هبة فَيرجع فِيهَا إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطي لوَلَده فَإِذا دخل الْجد فِي اسْم الْأَب فَلَا كَلَام وَإِلَّا فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ وَكَذَا الْجدَّات لِأَنَّهُنَّ كَالْأَبِ فِي الْعتْق وَوُجُوب النَّفَقَة وَسُقُوط الْقصاص فِي قَتله وَقيل لَا رُجُوع إِلَّا للْأَب فَقَط لِأَنَّهُ مورد النَّص وَقيل للْأَب وَالأُم فَقَط
وَاعْلَم أَن الْهَدِيَّة كَالْهِبَةِ وَلَو تصدق على ابْنه فَهَل لَهُ الرُّجُوع وَجْهَان صَحَّ الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَن لَهُ الرُّجُوع فِي الشَّرْح الْكَبِير وَصحح فِي الشَّرْح الصَّغِير أَنه لَا يرجع وبعدم الرُّجُوع جزم فِي الشَّرْح الْكَبِير فِي بَاب الْعَارِية وَكَأن الْفرق أَن الْمَقْصُود من الصَّدَقَة ثَوَاب الْآخِرَة وَقد حصل فَلَا رُجُوع لَهُ مَعَ الثَّوَاب بِخِلَاف الْهِبَة وَلَو كَانَ لَهُ على وَلَده دين فَأَبْرَأهُ فَهَل لَهُ أَن يرجع قَالَ الرَّافِعِيّ إِن قُلْنَا إِن الْإِبْرَاء تمْلِيك رَجَعَ وَإِن قُلْنَا إِسْقَاط فَلَا يرجع قَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي أَن لَا يرجع على التَّقْدِيرَيْنِ وَالله أعلم
(فرع) وهب لأبنه شَيْئا فوهبه الابْن لِابْنِهِ فَهَل للْجدّ الرُّجُوع فِيهِ وَجْهَان فَلَو مَاتَ الابْن الموهب بعد مَا وهبه من ابْنه أَو بَاعه لَهُ فَهَل للْجدّ أَيْضا الرُّجُوع فِيهِ خلاف وَالأَصَح فِي الْكل
стр. 302
الْمَنْع وَلَو وهب الابْن لِأَخِيهِ الْعين الْمَوْهُوبَة فَهَل للْأَب الرُّجُوع قَالَ العمراني يَنْبَغِي أَنه لَا يجوز للْأَب الرُّجُوع قطعا لِأَن الْوَاهِب وَهُوَ الْأَخ لَا يملك الرُّجُوع فالأب أولى وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا أعمر شَيْئا أَو أرقبه كَانَ للمعمر أَو المرقب ولورثته من بعده)
إِذا قَالَ شخص لآخر أعمرتك هَذِه الدَّار مثلا حياتك أَو مَا حييت أَو مَا عِشْت ولعقبك من بعْدك صَحَّ لقَوْله ﵊
(أَيّمَا رجل أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَقَالَ أعطيتكها وَعَقِبك مَا بقى مِنْكُم أحد فَهِيَ لمن أَعْطَاهَا وعقبه لَا ترجع إِلَى صَاحبهَا من أجل أَنه أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث) وَلِأَن هَذَا معنى الْهِبَة وَإِن لم يذكر الْعقب بل قَالَ أعمرتكها حياتك صَحَّ أَيْضا فِي حَيَاته ولعقبه من بعده على الْجَدِيد لقَوْله ﷺ
(الْعمريّ جَائِزَة) وَلَو قَالَ أعمرتكها حياتك فَإِذا مت عَادَتْ إِلَيّ فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ أرقبتك هَذِه الدَّار أَو هِيَ لَك رقبى فَهِيَ كالعمري لقَوْل ﷺ
(الْعمريّ جَائِزَة والرقبى جَائِزَة لأَهْلهَا) نعم لَو قَالَ جَعلتهَا لَك عمري أَو حَياتِي لم تصح فِي الْأَصَح وَالله أعلم
(فرع) وهب شخص لآخر دَارا فَقبل نصفهَا أَو عيدين فَقبل أَحدهمَا فَفِي صِحَة الْهِبَة وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ بِلَا تَرْجِيح وَكَذَا حَكَاهُمَا النَّوَوِيّ بِلَا تَرْجِيح وَفِي نَظِيره فِي البيع لَا يَصح قطعا قَالَ الاسنائي الْمُرَجح أَنه لَا يَصح لِأَنَّهُ لَو وهب لاثْنَيْنِ شَيْئا فَقبل أَحدهمَا نصفه كَانَ كَالْبيع لَا يَصح على الْأَصَح ذكره الرَّافِعِيّ فِي الرُّكْن الرَّابِع ومسألتنا أولى بِعَدَمِ الصِّحَّة لِأَن الْهِبَة لاثْنَيْنِ صفقتان ومسألتنا صَفْقَة وَاحِدَة وَالله أعلم تمّ الْجُزْء الأول ويليه الْجُزْء الثَّانِي وأوله فصل فِي اللّقطَة كِفَايَة الأخيار فِي حل غَايَة الِاخْتِصَار الْجُزْء الثَّانِي
стр. 303
من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين (حَدِيث شرِيف) بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فصل فِي اللّقطَة
قَالَ (وَإِذا وجد لقطَة فِي موَات أَو طَرِيق فَلهُ أَخذهَا أَو تَركهَا وَأَخذهَا أولى إِذا كَانَ على ثِقَة من الْقيام بهَا)
اللّقطَة بِفَتْح الْقَاف على الْمَشْهُور وَهِي الشَّيْء الملقوط قَالَ الْأَزْهَرِي وَأجْمع عَلَيْهِ أهل اللُّغَة وَكَذَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَالْفراء وَابْن الْأَعرَابِي وَقَالَ الْخَلِيل هِيَ بِفَتْح الْقَاف الْوَاجِد لِأَن فعلة للْفَاعِل مثل ضحكة وفعلة بالاسكان للْمَفْعُول فَتكون للملقوط قَالَ الْأَزْهَرِي وَهُوَ الْقيَاس
والالتقاط فِي الشَّرْع هُوَ أَخذ مَال مُحْتَرم من مضيعة ليحفظه أَو ليتملكه بعد التَّعْرِيف وَفِيه نظر لِأَنَّهُ يخرج مِنْهُ الْكَلْب الْمعلم وَلَا شكّ فِي جَوَاز الْتِقَاطه للْحِفْظ فَيَنْبَغِي أَن يُقَال أَخذ شَيْء ليختص بِهِ لِأَن الشَّيْء يعم كل جنس وَقَوْلنَا ليختص لِأَن الْكَلْب لَا يملكهُ
(فَائِدَة) هَل الْمُغَلب فِي اللّقطَة حكم الْأَمَانَة أَو حكم الِاكْتِسَاب قَولَانِ وَالله أعلم وَالْأَصْل فِيهَا أَحَادِيث مِنْهَا
حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ رَضِي الله ((عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن لقطَة الذَّهَب وَالْوَرق فَقَالَ اعرف وكاءها وعفاصها ثمَّ عرفهَا سنة فَإِن لم تعرفها فاستبقها ولتكن عنْدك وَدِيعَة فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن ضَالَّة الْإِبِل فَقَالَ مَالك وَلها دعها فَإِن مَعهَا حذاءها وسقاءها ترد المَاء وتأكل الشّجر حَتَّى يلقاها رَبهَا وَسَأَلَهُ عَن الشَّاة فَقَالَ
стр. 304
خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب وَأجْمع الْمُسلمُونَ على الْجَوَاز فِي الْجُمْلَة وَهل تسْتَحب أَو تجب أَو كَيفَ الْحَال ينظر إِن كَانَ الْوَاجِد فَاسِقًا كره الِالْتِقَاط وَمن الْأَصْحَاب من مَنعه الِالْتِقَاط وَهُوَ قوي وَإِذا الْتقط نزعت من يَده كَمَا ينتزع مَال وَلَده وَإِن كَانَ الْوَاجِد حرا رشيدا وَهُوَ مِمَّن يَأْمَن على نَفسه عدم الْخِيَانَة فِيهَا نظر إِن وجدهَا فِي مَوضِع يَأْمَن عَلَيْهَا لأمانة أَهله وَلَيْسَ الْموضع مَمْلُوكا وَلَا دَار شرك فَالْأولى فِي حَقه أَن يَأْخُذهَا لقَوْله ﷺ ((وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه)) وَإِن كَانَت فِي مَوضِع لَا يَأْمَن عَلَيْهَا فَهَل يلْزمه أَخذهَا فِيهِ خلاف قيل يجب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فَيلْزم بَعضهم حفظ مَال بعض كَمَا أَو ولي مَال الْيَتِيم يلْزمه حفظ مَاله وَقيل لَا يلْزمه الِالْتِقَاط بل يسْتَحبّ وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الِالْتِقَاط إِمَّا أَمَانَة أَو كسب وَلَا يجب شَيْء مِنْهُمَا فَإِذا قُلْنَا بِالْوُجُوب فَلم يَأْخُذهَا حَتَّى تلفت لم يضمنهَا لِأَن المَال لم يحصل فِي يَده كَمَا لَو رأى مَال شخص يغرق أَو يَحْتَرِق وَأمكنهُ خلاصه فَلم يفعل وَكَذَا لَو لم يطعم الْمُضْطَر حَتَّى مَاتَ لَا يلْزمه ضَمَانه وَإِن كَانَ عَاصِيا وَقَول الشَّيْخ فِي موَات أَو طَرِيق احْتَرز بذلك عَمَّا إِذا وجدهَا فِي ملك شخص فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ أَخذهَا صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ لِأَن الظَّاهِر أَنَّهَا لصَاحب الْملك وَقَوله وَكَانَ على ثِقَة يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه إِذا كَانَ لَا يَثِق بِنَفسِهِ أَن الأولى أَن لَا يَأْخُذ وَهُوَ كَذَلِك بل فِي جَوَاز أَخذه لَهَا وَجْهَان حَكَاهُمَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَالله أعلم
(فرع) لَيْسَ للْعَبد الِالْتِقَاط على الرَّاجِح لِأَن الِالْتِقَاط أَمَانَة أَو ولَايَة فِي الِابْتِدَاء وتملك بالانتهاء وَالْعَبْد لَيْسَ أَهلا لذَلِك فَلَا يعْتد بتعريفه فَإِن تلفت ضمنهَا فِي رقبته إِن لم يعلم السَّيِّد سَوَاء كَانَ بتفريط أَو غَيره لِأَنَّهُ مَال لزمَه بِغَيْر رضى مُسْتَحقّه فَأشبه أرش جِنَايَته فَإِن علم بهَا السَّيِّد فَأَخذهَا مِنْهُ فَهِيَ لقطَة فِي يَد السَّيِّد وَيسْقط الضَّمَان عَن العَبْد وَإِن لم يَأْخُذهَا مِنْهُ وأقرها فِي يَد العَبْد صَحَّ واستحفظه ليعرفها فَإِن كَانَ العَبْد خائناً فالسيد مُتَعَدٍّ وَإِن كَانَ العَبْد أَمينا فَلَا وَهل يسْقط الضَّمَان الْأَصَح فِي النِّهَايَة أَنه لَا يسْقط وَقِيَاس كَلَام الْجُمْهُور السُّقُوط وَإِن أهمله السَّيِّد
стр. 305
فَفِيهِ خلاف الرَّاجِح تعلق الضَّمَان بِالْعَبدِ وَسَائِر أَمْوَال السَّيِّد حَتَّى لَو أفلس السَّيِّد قدم صَاحب اللّقطَة على سَائِر الْغُرَمَاء وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا أَخذهَا وَجب عَلَيْهِ أَن يعرف سِتَّة أَشْيَاء وعاءها وعفاصها ووكاءها وجنسها وعددها ووزنها ويحفظها فِي حرز مثلهَا)
من جَازَ لَهُ الِالْتِقَاط فالتقط فَعَلَيهِ أَن يعرف مَا ذكره الشَّيْخ قَالَ الْمُتَوَلِي وَهُوَ على الْفَوْر أما معرفَة العفاص والوكاء فللحديث السَّابِق وَأما الْعدَد فَلَمَّا ورد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ ((وجدت صرة فِيهَا مائَة دِينَار فَأتيت بهَا النَّبِي ﷺ فَقَالَ عرفهَا حولا فعرفتها حولا ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ عرفهَا حولا فعرفتها حولا ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ عرفهَا حولا فعرفتها حولا ثمَّ أَتَيْته الرَّابِعَة فَقَالَ اعرف عدتهَا ووكاءها ووعاءها فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فاستمتع بهَا)) وَبَاقِي الصِّفَات بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا صِفَات تتَمَيَّز بهَا فَأَشْبَهت الْمَنْصُوص عَلَيْهِ والوعاء الْإِنَاء والعفاص السدادة وَيُطلق على الْوِعَاء مجَازًا وَالْجُمْهُور على أَن العفاص الْوِعَاء وَلَكِن جمع الشَّيْخ بَينهمَا والوكاء هُوَ الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ وَبَاقِي الصِّفَات مَعْرُوفَة وَيجب عَلَيْهِ أَن يحفظها فِي حرز مثلهَا فَإِنَّهَا أَمَانَة فَأَشْبَهت سَائِر الْأَمَانَات وَلَا يجب الْإِشْهَاد عَلَيْهَا على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ ﵊ لم يتَعَرَّض لَهُ وَقيل يجب وَفِيه حَدِيث وَهُوَ مَحْمُول على النّدب عِنْد الْقَائِلين بِالْمذهبِ وَالله أعلم قَالَ
(ثمَّ إِذا أَرَادَ تَملكهَا عرفهَا سنة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد وَفِي الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ فَإِن لم يجد صَاحبهَا كَانَ لَهُ أَن يتملكها بِشَرْط الضَّمَان)
أَخذ اللّقطَة إِن قصد حفظهَا على مَالِكهَا لم يلْزمه التَّعْرِيف لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب لأجل التَّمَلُّك وَلَا يملك عِنْد إِرَادَة الْحِفْظ والْحَدِيث إِنَّمَا ألزمهُ التَّعْرِيف لِأَنَّهُ جعلهَا لَهُ بعده وَهَذَا مَا ذكره الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَقيل يلْزمه التَّعْرِيف وَصَححهُ الإِمَام وَغَيره قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ الْأَقْوَى وَالْمُخْتَار قَالَه فِي الرَّوْضَة وَمُقْتَضَاهُ أَنه الصَّحِيح لِأَن الْمُخْتَار فِي الرَّوْضَة بِمَنْزِلَة الرَّاجِح كَمَا تقدم وَإِن أَرَادَ أَن يتملكها عرفهَا سنة للْحَدِيث الْمُتَقَدّم وَالْمعْنَى فِيهِ أَن السّنة لَا تتأخر عَن القوافل إِذْ الظفر بصاحبها قريب التوقع ثمَّ إِذا وَجب التَّعْرِيف فَهَل يجب على الْفَوْر أم يَكْفِي تَعْرِيف سنة مَتى أَرَادَ وَجْهَان أصَحهمَا لَا يجب على الْفَوْر وَيكون التَّعْرِيف على
стр. 306
أَبْوَاب الْمَسَاجِد عِنْد خُرُوج النَّاس مِنْهَا وَفِي الاسواق لِأَنَّهَا مظان الِاجْتِمَاع وَكَذَا فِي الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ لِأَن صَاحبهَا يتعهد وَلِأَن هَذِه الْمَوَاضِع أقرب إِلَى وجود مَالِكهَا فِيهَا وَقَوله على أَبْوَاب الْمَسَاجِد يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يعرف فِي الْمَسَاجِد لقَوْله ﷺ ((أَنْت الفاقد وَغَيْرك الْوَاجِد)) فِيهِ النَّهْي عَنهُ صَحَّ وَهُوَ كَذَلِك قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَا تعرف فِي الْمَسَاجِد كَمَا لَا تستطلب الضَّالة فِيهِ إِلَّا أَن الشَّاشِي قَالَ إِن أصح الْوَجْهَيْنِ جَوَاز التَّعْرِيف فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِخِلَاف سَائِر الْمَسَاجِد وَذكر مثله النَّوَوِيّ وَابْن الرّفْعَة وَمُقْتَضَاهُ التَّحْرِيم فِي بَقِيَّة الْمَسَاجِد إِلَّا أَن النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نقل الْكَرَاهَة فاعرفه وَكَيْفِيَّة التَّعْرِيف أَن يَقُول من ضَاعَ مِنْهُ شَيْء وَلَا يجب عَلَيْهِ ذكر الْأَوْصَاف وَيسْتَحب ذكر بَعْضهَا وَقيل يجب ذكر بعض الْأَوْصَاف قَالَ الإِمَام وَلَا يستوعب الْأَوْصَاف لِئَلَّا يتعمدها الْكَاذِب فَإِن استوعبها فَهَل يضمن وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ الضَّمَان وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمِنْهَاج وَيذكر بعض أوصافها وَقَول الشَّيْخ عرفهَا سنة يَقْتَضِي إِطْلَاقه أَنه لَا يجب التَّرْتِيب فِي السّنة حَتَّى لَو عرف شَهْرَيْن أَو أقل أَو أَكثر فِي كل سنة كفى وَهُوَ كَذَلِك على الْأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ وَقيل يجب التَّرْتِيب لِأَن الْمَقْصُود أَن يبلغ الْخَبَر الْمَالِك والتفريق لَا يحصل هَذَا الْمَقْصُود وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَن فِي الْمُحَرر وَصَححهُ الإِمَام وَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ صَححهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَاعْلَم أَنه لَا يجب اسْتِيعَاب السّنة بالتعريف بل يعرف أَولا فِي كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات ثمَّ فِي كل يَوْم مرّة ثمَّ فِي كل أُسْبُوع مرّة ثمَّ فِي كل شهر مرّة بِحَيْثُ لَا ينسى أَنه تكْرَار لما مضى وَلَو قطع الْمُوَالَاة الْوَاجِبَة وَجب اسْتِئْنَاف السّنة وَفِي صَيْرُورَته ضَامِنا خلاف وَالله أعلم
(فرع) إِذا وجد مَالا يتمول كزبيبة وَنَحْوهَا فَلَا يعرف ولواجده الاستبداد بِهِ وَإِن تمول وَهُوَ قَلِيل فَالْأَصَحّ أَنه لَا يعرف سنة بل يعرف زَمنا يظنّ أَن فاقده يعرض عَنهُ غَالِبا وَضَابِط الْقَلِيل مَا يغلب على الظَّن أَن فاقده لَا يكثر أسفه عَلَيْهِ وَلَا يطول طلبه غَالِبا وَالله أعلم فَإِذا عرف التَّعْرِيف الْمُعْتَبر وَكَانَ قد قصد التَّمْلِيك وَلم يجد الْمَالِك وَاخْتَارَ التَّمْلِيك ملك لِأَنَّهُ تمْلِيك مَال يُبدل فتوقف على الِاخْتِيَار كَالْبيع وَسَوَاء فِي ذَلِك الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَقيل يملك بالتعريف وَإِن لم يرض لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ وَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك وَالصَّحِيح الأول فَعَلَيهِ أَن يَقُول تملكتها أَو نَحْو ذَلِك كَالْبيع وَإِذا ملكهَا صَارَت قرضا عَلَيْهِ فَإِن هَلَكت قبل التَّمْلِيك لم يضمنهَا لِأَنَّهَا مَحْفُوظَة لصَاحِبهَا وَلم يفرط فِيهَا كَالْمُودعِ وَإِذا ملكهَا وَجَاء صَاحبهَا إِن كَانَت مثلية ضمنهَا بِالْمثلِ وَإِلَّا فبالقية وَقت التَّمْلِيك جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَغَيره وَفِي وَجه وَقت طلب صَاحبهَا فَإِن
стр. 307
اخْتلفَا فِي قدرهَا صدق الْمُلْتَقط لِأَنَّهُ غَارِم وَلَو لم تتْلف وَلَكِن تعيبت استردها مَعَ الْأَرْش على الْأَصَح وَقيل يقنع بهَا بِلَا أرش وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم
(فرع) أَخذ الْمُلْتَقط اللّقطَة بِقصد الْخِيَانَة فِيهَا صَار ضَامِنا فَلَو عرف بعد ذَلِك وَأَرَادَ التَّمَلُّك بعده لم يكن لَهُ ذَلِك على الْمَذْهَب وَلَو قصد الْأَمَانَة أَولا ثمَّ قصد الْخِيَانَة بِلَا تعرف فَالْأَصَحّ أَنه لَا يصير ضَامِنا بِمُجَرَّد قصد الْخِيَانَة كَالْمُودعِ وَالله أعلم
(فرع) إِذا جَاءَ صَاحبهَا بعد التَّمَلُّك أَخذهَا مَعَ زيادتها الْمُتَّصِلَة دون الْمُنْفَصِلَة وَالله أعلم قَالَ
(وَجُمْلَة اللّقطَة أَرْبَعَة أضْرب
أَحدهَا مَا يبْقى على الدَّوَام كالذهب وَالْفِضَّة وَهَذَا حكمه
وَالثَّانِي مَالا يبْقى كالطعام الرطب فَهُوَ مُخَيّر بَين أكله وغرمه أَو بَيْعه أَو حفظ ثمنه
وَالثَّالِث مالايبقى إِلَّا بعلاج كالرطب فيفعل مَا فِيهِ الْمصلحَة من بَيْعه وَحفظ ثمنه أَو تجفيفه وَحفظه)
اللّقطَة تَارَة تكون حَيَوَانا وَتارَة تكون غَيره فَإِن كَانَت حَيَوَانا فَسَيَأْتِي وَإِن كَانَت غير حَيَوَان فَتَارَة تكون مِمَّا يُؤْكَل وَتارَة تكون مِمَّا لَا يُؤْكَل فَإِن كَانَت لَا تُؤْكَل وَلها بَقَاء فِي نَفسهَا كالنقود وَنَحْوهمَا فَهُوَ الَّذِي تقدم من اشْتِرَاط التَّعْرِيف وَغَيره مُتَعَلق بِهَذِهِ اللّقطَة وَإِن كَانَت مِمَّا يُؤْكَل فَتَارَة تكون مِمَّا يفْسد فِي الْحَال كالأطعمة والشواء والبطيخ وَالرّطب الَّذِي لَا يتتمر والبقول فالواجد فِيهَا بِالْخِيَارِ بَين أَن يأكلها وَيغرم قيمتهَا وَبَين أَن يَبِيع وَيَأْخُذ الثّمن وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فَإِن أكل عزل قيمتهَا من التَّعْرِيف وَعرف اللّقطَة سنة ثمَّ يتَصَرَّف فِيهَا لِأَن الْقيمَة قَائِمَة مقَام اللّقطَة وَلَو لم يقدر على البيع فَلَا خلاف فِي جَوَاز الْأكل وَهل يجب إِفْرَاز الْقيمَة فِيهِ خلاف الْأَظْهر فِي الرَّافِعِيّ لَا يجب لِأَن مَا فِي الذِّمَّة لَا يخْشَى هَلَاكه فَإِذا أفرز صَار أَمَانَة فِي يَده وَالله أعلم
وَإِن كَانَت اللّقطَة مِمَّا لَا يفْسد وَيقبل العلاج كالرطب الَّذِي يتتمر وَالْعِنَب الَّذِي يتزبب وَاللَّبن الَّذِي يصنع مِنْهُ الْجُبْن وَنَحْوهَا روعي فِي ذَلِك الْحَظ والمصلحة للْمَالِك فَإِن كَانَ الْحَظ فِي البيع بَاعه وَإِن كَانَ فِي التجفيف جففه ثمَّ إِن تبرع الْوَاجِد بتجفيفه فَذَاك وَإِلَّا بَاعَ بعضه وأنفقه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمصلحَة فِي حق الْمَالِك وَهَذَا بِخِلَاف الْحَيَوَان حَيْثُ يُبَاع جَمِيعه لِأَن النَّفَقَة فِي الْحَيَوَان تَتَكَرَّر فتؤدي إِلَى أَن تَأْكُل اللّقطَة نَفسهَا وَالله أعلم قَالَ
(وَالرَّابِع مَا يحْتَاج إِلَى النَّفَقَة كالحيوان وَهُوَ ضَرْبَان حَيَوَان لَا يمْتَنع بِنَفسِهِ فَهُوَ مُخَيّر فِيهِ
стр. 308
بَين أكله وَغرم ثمنه أَو تَركه والتطوع بالانفاق عَلَيْهِ أَو بَيْعه وَحفظ ثمنه وحيوان يمْتَنع بِنَفسِهِ فَإِن وجده فِي الصَّحرَاء تَركه وَإِن وجده فِي الْحَضَر فَهُوَ مُخَيّر بَين الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فِيهِ)
غير الْآدَمِيّ من الْحَيَوَان ضَرْبَان
الأول مَا لَا قُوَّة لَهُ تَمنعهُ من صغَار السبَاع كالغنم والعجول والفصلان من الْإِبِل وَفِي مَعْنَاهَا الكسير من كبار الْإِبِل وَالْبَقر إِذا وجده من يجوز الْتِقَاطه جَازَ لَهُ أَخذه إِن شَاءَ للْحِفْظ وَإِن شَاءَ للتَّمَلُّك لِأَنَّهَا لَو لم تلْتَقط لضاعت بَيْننَا وَبَين السبَاع وَرُبمَا أَخذهَا خائن وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي ضَالَّة الْغنم ((هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب)) فَإِذا الْتقط
فَإِن كَانَ الِالْتِقَاط من مضيعة فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَين الْخِصَال الثَّلَاث الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ وَالْأولَى أَن يمْسِكهَا ويعرفها ثمَّ يَليهَا البيع أَو الْحِفْظ وخصلة الْأكل مُتَأَخِّرَة فِي الْفَضِيلَة
وَلقَائِل أَن يَقُول تقدم فِيمَا يُمكن تجفيفه أَنه يجب مُرَاعَاة مصلحَة الْمَالِك فَهَلا كَانَ هُنَا كَذَلِك وَإِن كَانَ الِالْتِقَاط فِي الْعمرَان تخير بَين خَصْلَتَيْنِ فَقَط على الصَّحِيح الْإِمْسَاك وَالْبيع وَلَا يَأْكُل لِإِمْكَان البيع وَكَلَام الشَّيْخ مَحْمُول على الِالْتِقَاط من المضيعة وَإِن أطلق كَلَامه وَالله أعلم
الضَّرْب الثَّانِي مَاله قُوَّة تَمنعهُ من صغَار السبَاع إِمَّا بقوته كَالْإِبِلِ أَو بعدوه كالخيل وَكَذَا البغال وَالْحمير قَالَه الرَّافِعِيّ أَو بطيرانه كالحمام وَنَحْو ذَلِك ينظر إِن كَانَ وجدهَا فِي مضيعة كالبرية لم يجز للواجد أَن يلتقطها للتَّمَلُّك وَتجوز للْحِفْظ لقَوْله ﵊ فِي ضَالَّة الْإِبِل ((مَالك وَلها مَعهَا سقاؤها)) الحَدِيث وَقس على الْإِبِل مَا فِي مَعْنَاهَا فَإِن التقطها للتَّمَلُّك ضمنهَا لَو تلفت للتعدي نعم يبرأ بِالدفع إِلَى القَاضِي قلت يشْتَرط عَدَالَة القَاضِي وَإِلَّا فَلَا يسْقط عَنهُ الضَّمَان ولصاحبها مُطَالبَة كل مِنْهُمَا أما الْمُلْتَقط فلتعديه بِالْأَخْذِ وَأما القَاضِي فلتعديه على الشَّرِيعَة المطهرة وَالله أعلم وَإِن وجدهَا فِي الْعمرَان أَو قَرِيبا مِنْهَا جَازَ أَخذهَا للْحِفْظ وَهل يجوز أَخذهَا للتَّمَلُّك فِيهِ خلاف قيل لَا يجوز لإِطْلَاق الْخَبَر وَالرَّاجِح الْجَوَاز
وَالْفرق بَين الْبَريَّة والعمران أَنَّهَا فِي الْعمرَان تتطرق إِلَيْهَا أَيدي النَّاس فَلَا تتْرك فَرُبمَا
стр. 309
ضَاعَت على مَالِكهَا بِأخذ خائن بِخِلَاف الْبَريَّة فَإِن طروق النَّاس بهَا لَا يعم وَلها اسْتغْنَاء بِأَن تسرح وَترد المَاء وَهَذَا الْمَعْنى مَفْقُود فِي الْعمرَان وَمحل الْخلاف إِذا كَانَ الزَّمَان زمَان أَمن إِمَّا إِذا كَانَ زمن نهب وَفَسَاد فَيجوز قطعا فِي الصَّحرَاء وَغَيرهَا قَالَه الْمُتَوَلِي وَغَيره وَألْحق الْمَاوَرْدِيّ بذلك مَا إِذا عرف مَالِكهَا وَأَخذهَا ليردها عَلَيْهِ قَالَ وَتَكون أَمَانَة فِي يَده وَالله أعلم
(فرع) الْتقط رجلَانِ لقطَة يعرفانها ويتملكانها وَلَيْسَ لأَحَدهمَا نقل حَقه إِلَى صَاحبه كَمَا لَا يجوز للملتقط نقل حَقه إِلَى غَيره وَالله أعلم (فرع) قَالَ فِي التتمه يجوز الْتِقَاط السنابل وَقت الْحَصاد إِن أذن فِيهِ الْمَالِك أَو كَانَ قدرا لَا يشق على الْمَالِك الْتِقَاطه وَكَانَ لَا يلتقطه بِنَفسِهِ فَإِن
كَانَ قدرا يشق على الْمَالِك أَو كَانَ يلتقطه بِنَفسِهِ حرم وَوَقع فِي عبارَة الرَّوْضَة فِي هَذَا الْفَرْع بعض خلل وَالله أعلم قَالَ
بَاب اللَّقِيط فصل فِي اللَّقِيط وَإِن وجد لَقِيط بقارعة الطَّرِيق فَأَخذه وتربيته وكفالته وَاجِبَة على الْكِفَايَة وَلَا يقر إِلَّا فِي يَد أَمِين
اللَّقِيط كل صبي ضائع لَا كافل لَهُ وَلَا فرق بَين الْمُمَيز وَغَيره وَفِي الْمُمَيز احْتِمَال للأمام وَالْمُعْتَمد الأول لاحتياجه إِلَى التعهد وَيُقَال لَهُ دعِي ومنبوذ فقولنا كل صبي خرج بِهِ الْبَالِغ لِأَنَّهُ مستغن عَن الْحَضَانَة والتعهد فَلَا معنى لأَخذه وَقَوْلنَا ضائع المُرَاد بِهِ المنبوذ وَأما غَيره فَإِن لم يكن لَهُ أَب وَلَا جد وَلَا وَصِيّ فحفظه من وَظِيفَة القَاضِي لِأَن لَهُ فِي كتاب الله الْحَكِيم وَسنة رَسُوله الْكَرِيم مَا يقوم بِهِ وَبِغَيْرِهِ من الضُّعَفَاء قَاتل الله قُضَاة السوء كم فِي ذمتهم من نفس قد هَلَكت يَأْخُذُونَ أَمْوَالهم ويدفعونها إِلَى الظلمَة وَمَعَ ذَلِك يدعونَ محبَّة الله وَرَسُوله وَقَوْلنَا لَا كافل لَهُ المُرَاد بالكافل الْأَب وَالْجد وَمن يقوم مقامهما إِذا عرفت هَذَا فَأخذ اللَّقِيط فرض كِفَايَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَغير ذَلِك وَلِأَنَّهُ آدَمِيّ لَهُ حُرْمَة فَوَجَبَ حفظه بالتربية وَإِصْلَاح حَاله كالمضطر وَهَذَا أولى لِأَن الْبَالِغ رُبمَا احتال لنَفسِهِ فَإِذا الْتقط من هُوَ أهل للحضانة سقط الْإِثْم وَإِلَّا أَثم وَعصى كل من علم بِهِ من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة بإضاعة نفس مُحْتَرمَة وَقَول الشَّيْخ وَلَا يقر إِلَّا فِي يَد أَمِين إِشَارَة إِلَى شُرُوط الْمُلْتَقط
أَحدهَا التَّكْلِيف فَلَا يَصح الْتِقَاط الصَّبِي وَالْمَجْنُون
стр. 310
الثَّانِي الْحُرِّيَّة فَلَا يلتقط العَبْد لِأَن الِالْتِقَاط ولَايَة فَإِن الْتقط انتزع مِنْهُ إِلَّا أَن يَأْذَن السَّيِّد لَهُ أَو يقره الْحَاكِم فِي يَده
الثَّالِث الْإِسْلَام فَلَا يلتقط الْكَافِر الصَّبِي الْمُسلم لِأَن الِالْتِقَاط ولَايَة نعم يلتقط الطِّفْل الْكَافِر وللمسلم الْتِقَاط الطِّفْل الْمَحْكُوم بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ من أهل الْولَايَة عَلَيْهِ
الرَّابِع الْعَدَالَة فَلَيْسَ لِلْفَاسِقِ الِالْتِقَاط فَلَو الْتقط انتزع من يَده لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يسترقه
الْخَامِس الرشد فالمبذر الْمَحْجُور عَلَيْهِ لَا يقر فِي يَده وَلَا يشْتَرط فِي الِالْتِقَاط الذُّكُورَة بِلَا خلاف وَلَا الْغَنِيّ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يلْزمه نَفَقَته نعم يجب عَلَيْهِ رعايته بِمَا يحفظه وَالله أعلم قَالَ
(فَإِن وجد مَعَه مَال أنْفق عَلَيْهِ الْحَاكِم مِنْهُ وَإِن لم يُوجد مَعَه مَال فنفقته من بَيت المَال)
اعْلَم أَن اللَّقِيط قد يكون لَهُ مَال يسْتَحق بِكَوْنِهِ لقيطاً أَو بِغَيْرِهِ فَالْأول كالوقف على اللقطاء وَالْوَصِيَّة لَهُم أَو لهَذَا بِخُصُوصِهِ وَالثَّانِي مَا يُوجد تَحت يَده واختصاصه فَإِن للصَّغِير يدا واختصاصا كَالْبَالِغِ إِذْ الأَصْل الْحُرِّيَّة مالم يعرف غَيرهَا وَذَلِكَ كالثياب الَّتِي هِيَ لَابسهَا ومفروشة تَحْتَهُ وملفوفة عَلَيْهِ وَكَذَا مَا غطي بِهِ كاللحاف وَغَيره وَكَذَا مَا شدّ عَلَيْهِ أَو جعل فِي جيبه من دَرَاهِم وحلي وَغَيرهمَا وَكَذَا دَابَّة عناتها بِيَدِهِ وَلَو كَانَ فِي خيمته فَهِيَ لَهُ أَو فِي دَار لَيْسَ فِيهَا غَيره أَو فِي بُسْتَان وَجْهَان حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وطردهما صَاحب المستظهر فِي الضَّيْعَة وَهُوَ بعيد وَيَنْبَغِي الْقطع بِأَنَّهُ لَا يحكم لَهُ بهَا وَالله أعلم
فَإِذا عرف لَهُ مَال أنْفق عَلَيْهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي حضَانَة أَبِيه الْمُوسر وَله مَال كَانَت نَفَقَته فِي مَاله فَهَذَا أولى وَلَا ينْفق عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاكِم لِأَن الَّذِي يَلِي التَّصَرُّف فِي مَاله بِغَيْر أبوة وجدوده وَلَا وصاية هُوَ الْحَاكِم فَإِنَّهُ ولي من لَا ولي لَهُ نعم للملتقط الِاسْتِقْلَال بِحِفْظ مَال الطِّفْل على الصَّحِيح وَقيل لَا يَلِي كالإنفاق وَالْقَوْل الأول تعضده اللّقطَة وَلَو لم يكن حَاكم فليشهد فَإِذا أنْفق بِلَا إِشْهَاد ضمن لتَركه الِاحْتِيَاط وَقيل لَا يضمن فَإِن أشهد لم يضمن على الْأَصَح قَالَ مجلي وَيشْهد فِي كل مرّة فَإِن لم يكن لَهُ مَال وَجَبت نَفَقَته فِي بَيت المَال من سهم الْمصَالح لِأَن عمر ﵁ اسْتَشَارَ الصَّحَابَة فِي نَفَقَة اللَّقِيط فَأَجْمعُوا على أَنَّهَا فِي بَيت المَال وَلِأَن الْبَالِغ الْمُعسر
стр. 311
ينْفق عَلَيْهِ مِنْهُ وَهَذَا أولى وَقيل يستقرض لَهُ القَاضِي من بَيت المَال فَإِن لم يكن فِي بَيت المَال شَيْء أَو كَانَ وَلَكِن كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أهم من نَفَقَة اللَّقِيط كسد ثغر اسْتقْرض لَهُ القَاضِي فَإِن لم يجد من يقْرضهُ جمع القَاضِي النَّاس وعد نَفسه مِنْهُم وقسط نَفَقَته على أهل الثروة ثمَّ إِن بَان رَقِيقا رَجَعَ على سَيّده أَو حرا وَله مَال أَو قريب رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِن بِأَن حرا لَا مَال لَهُ وَلَا قريب وَلَا كسب قضى الإِمَام حَقهم من سهم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والغارمين كَمَا يرى وَالله أعلم
(فرع) التقطه اثْنَان غَنِي وفقير قدم الْغَنِيّ على الرَّاجِح فَلَو اشْتَركَا فِي الْغنى وَفضل أَحدهمَا الآخر فَوَجْهَانِ صحّح النَّوَوِيّ فِي زِيَادَته عدم التَّقَدُّم وَالله أعلم
(فرع) ادّعى شخص رقّه سَوَاء الْمُلْتَقط وَغَيره قَالَ الْمَاوَرْدِيّ لَا يقبل قَوْله لِأَن الظَّاهِر حُرِّيَّته وَفِيه اضرار بِهِ وَفِي الرَّوْضَة تبعا للرافعي أَنه إِذا ادّعى رقّه من هُوَ فِي يَده فَإِن عرفنَا اسناد يَده إِلَى الِالْتِقَاط لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وَإِلَّا حكم لَهُ بِالرّقِّ فِي الْأَصَح ثمَّ إِذا بلغ وَأنكر الرّقّ لم يقبل مِنْهُ فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْوَدِيعَة فصل فِي الْوَدِيعَة والوديعة أَمَانَة يسْتَحبّ قبُولهَا لمن قَامَ بالأمانة فِيهَا
الْوَدِيعَة اسْم لعين يَضَعهَا مَالِكهَا أَو نَائِبه عِنْد آخر ليحفظها وَالْأَصْل فِيهَا الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وَغَيرهَا وَقَالَ ﵊ ((أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك)) وَورد من رِوَايَة
أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه ﵊ قَالَ ((آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا اؤتمن خَان)) وَفِي رِوَايَة ((وَإِن صَامَ وَصلى وَزعم أَنه مُسلم)) وَلَا خَفَاء أَن الْحَاجة بل الضَّرُورَة دَاعِيَة إِلَى الإبداع ثمَّ من عرض عَلَيْهِ شَيْء ليستودعه نظر أَن كَانَ أَمينا قَادِرًا على حفظهَا ووثق من نَفسه بذلك اسْتحبَّ لَهُ أَن يستودع لقَوْله ﵊ ((وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه)) وَلَو لم يكن هُنَاكَ
стр. 312
غَيره فقد أطلق مطلقون أَنه يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْقبُول وَهُوَ مَحْمُول كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ نقلا عَن السَّرخسِيّ أَنه يجب أصل الْقبُول بِشَرْط أَن لَا يتْلف مَنْفَعَة نَفسه وحرزه بِلَا عوض فِي الْحِفْظ وَإِن كَانَ يعجز عَن حفظهَا حرم عَلَيْهِ قبُولهَا كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَقيد ذَلِك ابْن الرّفْعَة بِمَا إِذا لم يعلم بذلك الْمَالِك فَإِن علم الْمَالِك بِحَالهِ فَلَا يحرم وَهُوَ ظَاهر وَإِن كَانَ قَادِرًا على حفظهَا لكنه لَا يَثِق بأمانة نَفسه فَهَل يحرم قبُولهَا وَجْهَان لَيْسَ فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة تَرْجِيح وَلَا شكّ فِي الْكَرَاهَة وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يضمن إِلَّا بِالتَّعَدِّي)
لَا شكّ أَن الْوَدِيعَة أَمَانَة فِي يَد الْمُودع بِفَتْح الدَّال كَمَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ كَسَائِر الْأَمَانَات نعم إِن تعدِي فِيهَا أَو قصر ضمن وَأَسْبَاب التَّقْصِير تِسْعَة واستيعابها لَا يَلِيق بِالْكتاب فلنذكر مَا يَتَيَسَّر ذكره
السَّبَب الأول أَن يودعها الْمُودع بِفَتْح الدَّال عِنْد غَيره بِلَا عذر من غير إِذن الْمَالِك فَيضمن سَوَاء أودع عِنْده عَبده أَو زَوجته أَو ابْنه أَو أَجْنَبِي وَلَو أودعها عِنْد القَاضِي فَهَل يضمن وَجْهَان أصَحهمَا يضمن لِأَنَّهُ لم يُؤذن لَهُ قلت هَذَا فِي القَاضِي الْعَادِل أما قُضَاة الرشا والظلمة فيضمنها بِلَا نزاع وَالله أعلم وَهَذَا إِذا لم يكن عذر فَإِن كَانَ عذر بِأَن أَرَادَ سفرا فَيَنْبَغِي أَن يردهَا إِلَى مَالِكهَا أَو وَكيله فَإِن تعذر دَفعهَا إِلَى قَاض عدل وَوَجَب عَلَيْهِ قبُولهَا فَإِن لم يجد قَاضِيا دَفعهَا إِلَى أَمِين وَلَا يُكَلف تَأْخِير السّفر فَإِن ترك الدّفع إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله مَعَ الْقُدْرَة وَدفعهَا إِلَى الْحَاكِم الْعدْل أَو إِلَى أَمِين مَعَ إِمْكَان الدّفع إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله ضمن وَلَو دفع إِلَى أَمِين مَعَ الْقُدْرَة على الْحَاكِم الْعدْل ضمن على الْمَذْهَب وَلَو دفن الْوَدِيعَة فِي غير حرز عِنْد إِرَادَة السّفر ضمن أَو فِي حرز وَلم يعلم بهَا أَمينا أَو أعلمهُ حَيْثُ لَا يجوز الايداع عِنْد الْأمين ضمن وَإِن كَانَ يجوز وَلَكِن الْأمين لَا يسكن الْموضع ضمن فَإِن كَانَ يسكنهُ لم يضمن على الْأَصَح كَذَا قَالَ الْجُمْهُور وَاعْلَم أَنه كَمَا يجوز الايداع بِعُذْر السّفر وَكَذَا
سَائِر الاعذار كَمَا إِذا وَقع فِي الْبقْعَة حريق أَو غرق أَو نهب أَو غَارة وَفِي معنى ذَلِك إشراف الْحِرْز على الخراب وَلم يجد حرْزا ينقلها إِلَيْهِ وَالله أعلم
السَّبَب الثَّانِي السّفر بهَا فَإِن سَافر بهَا ضمن وَإِن كَانَ الطَّرِيق آمنا على الصَّحِيح وَهَذَا حَيْثُ لَا عذر فَإِن حصل عذر بِأَن رَحل أهل الْبَلَد أَو وَقع حريق أَو غَارة فَلَا ضَمَان بِشَرْط أَن يعجز عَن ردهَا إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله أَو أَمِين وَحِينَئِذٍ يلْزمه السّفر فِي هَذِه الْحَالة وَإِلَّا فَهُوَ مضيع وَيلْزمهُ الضَّمَان وَلَو كَانَ فِي وَقت سَلامَة وَعجز عَن الرَّد إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله أَو الْحَاكِم الْأمين فسافر بهَا وَالْحَالة هَذِه فَلَا ضَمَان على الْأَصَح لِئَلَّا يَنْقَطِع عَن مَصَالِحه وينفر النَّاس عَن قبُول الودائع وَشرط
стр. 313
الْجَوَاز أَمن الطَّرِيق وَإِلَّا فَيضمن
وَاعْلَم أَن هَذَا فِي حق الْمُقِيم أما إِذا أودع مُسَافِرًا فسافر بالوديعة أَو منتجعاً فانتجع بالوديعة فَلَا ضَمَان لِأَن الْمَالِك رَضِي بِالسَّفرِ حِين أودعهُ وَالله أعلم
السَّبَب الثَّالِث ترك الْإِيصَاء فَإِذا مرض الْمُودع مَرضا مخوفا أَو حبس ليقْتل لزمَه أَن يُوصي فَإِن سكت عَن ذَلِك لزمَه الضَّمَان لِأَنَّهُ عرضهَا للفوات لِأَن الْوَارِث يعْتَمد ظَاهر الْيَد وَلَا بُد فِي الْوَصِيَّة من بَيَان الْوَدِيعَة حَتَّى لَو قَالَ عِنْدِي لفُلَان ثوب وَلم يُوجد فِي تركته ضمن لعدم بَيَانه وَهَذَا كُله فِيمَا إِذا تمكن من الايداع أَو الْوَصِيَّة فَإِن لم يتَمَكَّن بِأَن قتل غيلَة أَو مَاتَ فَجْأَة فَلَا ضَمَان
(فرع) مَاتَ الْمُودع وَلم يذكر وَدِيعَة أصلا فَوجدَ فِي تركته كيس مختوم وَعَلِيهِ هَذِه وَدِيعَة فلَان أَو وجد فِي جريدته لفُلَان عِنْدِي وَدِيعَة كَذَا لم يلْزم الْوَرَثَة التَّسْلِيم بِهَذَا لاحْتِمَال أَنه كتبه غَيره أَو كتبه هُوَ نَاسِيا أَو اشْترى الْكيس بِتِلْكَ الْكِتَابَة أورد الْوَدِيعَة بعد الْكِتَابَة فِي الجريدة وَلم يمحها وَإِنَّمَا يلْزم الْوَارِث التَّسْلِيم بِالْإِقْرَارِ وَلَو مَاتَ وَلم يذكر وَصِيَّة أصلا فَادّعى صَاحب الْوَدِيعَة أَنه قصر وَقَالَت الْوَرَثَة لَعَلَّهَا تلفت قبل نسبته إِلَى التَّقْصِير قَالَ امام الْحَرَمَيْنِ فَالظَّاهِر بَرَاءَة ذمَّته وَالله أعلم
السَّبَب الرَّابِع نقلهَا فَإِذا أودعها فِي قَرْيَة فنقلها إِلَى قَرْيَة أُخْرَى إِن كَانَ بَينهمَا مَا يُسمى سفرا ضمن وَإِن لم يسم سفرا ضمن إِن كَانَ فِي النقلَة خوف أَو كَانَ الْمَنْقُول عَنْهَا أحرز وَإِلَّا فَلَا ضَمَان على الْأَصَح وَهَذَا إِن لم يكن ضَرُورَة فَإِن وجدت فَكَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمُسَافِر والنقلة من دَار إِلَى دَار وَمن محلّة إِلَى محلّة وَمن قَرْيَة إِلَى قَرْيَة مُتَّصِلَة الْعِمَارَة وَالله أعلم
السَّبَب الْخَامِس التَّقْصِير فِي دفع المهلكات فَيجب على الْمُودع دَفعهَا على الْعَادة فَيجب عَلَيْهِ نشر ثِيَاب الصُّوف خوف العثة وتعريضها للريح بل لَو كَانَ ذَلِك لَا ينْدَفع إِلَّا بلبسها وَجب عَلَيْهِ فَإِن لم يفعل ضمن وَهَذَا عِنْد علم الْمُودع بذلك فَإِن كَانَ فِي صندوق مقفل أَو كيس مشدود وَلم يُعلمهُ الْمَالِك بذلك فَلَا ضَمَان إِذْ لَا تَقْصِير وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا بَاقِي الصُّور كعلف الدَّوَابّ وَمَا أشبه ذَلِك وَالله أعلم
السَّبَب السَّادِس التَّعَدِّي بِالِانْتِفَاعِ كالانتفاع بالوديعة كلبس الثَّوْب والطحن فِي الأعدال وَنَحْوهَا وركوب الدَّوَابّ على وَجه الِانْتِفَاع إِلَّا إِذا كَانَ لعذر بِأَن ركبهَا لأجل السَّقْي وَكَانَت لَا تقاد إِلَّا بِهِ حَيْثُ يجوز إخْرَاجهَا للسقي فَإِن أمكن قودها وركبها ضمن كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ
قلت فِي ذَلِك نظر ظَاهر وَيَنْبَغِي تَخْصِيصه بِنَاحِيَة يسهل السَّقْي بهَا أما بعض النواحي الَّتِي يرد أَهلهَا المَاء من بعد واطردت عَادَتهم بركوب الدَّوَابّ والعواري والودائع وَغَيرهَا فَلَا يتَّجه الضَّمَان وَالْحَالة هَذِه للْعَادَة المطردة إِذْ الْعَادة محكمَة وَقد جَاءَ بهَا الْقُرْآن وَالسّنة وَالله أعلم
стр. 314
السَّبَب السَّابِع الْمُخَالفَة فِي الْحِفْظ فَإِذا أمره بِالْحِفْظِ على وَجه مَخْصُوص فَعدل عَنهُ وَتَلفت بِسَبَب الْعُدُول ضمنهَا للمخالفة وَإِن تلفت بِسَبَب آخر فَلَا ضَمَان وَفِي هَذَا صور مِنْهَا أودعهُ دَرَاهِم وَقَالَ اربطها فِي كمك فَأَمْسكهَا فِي يَده وَتَلفت هَل يضمن فِيهِ خلاف منتشر الرَّاجِح مِنْهَا أَنَّهَا إِن تلفت بنوم أَو نِسْيَان ضمن وَإِن أَخذهَا غَاصِب قهرا فَلَا ضَمَان لِأَن الْيَد أحرز وَلَو لم يربطها فِي كمه وَجعلهَا فِي جيبه لم يضمن لِأَنَّهُ أحرز إِلَّا إِذا كَانَ وَاسِعًا غير مزرر وَبِالْعَكْسِ يضمن قطعا بِأَن قَالَ اجْعَلْهَا فِي جيبك فربطها فِي كمه وَلَو ربطها فِي كمه كَمَا أمره لم يلْزمه الامساك بِالْيَدِ ثمَّ ينظر إِن جعل الْخَيط الرابط خَارج الْكمّ فَأَخذهَا طراز ضمن لِأَن فِيهِ اظهاراً للوديعة وتنبيهاً للطراز وسهولة فِي قطعه وحله وَإِن ضَاعَت بانحلال العقد لم يضمن إِذا كَانَ قد احتاط فِي الرَّبْط وَإِن جعل الْخَيط الرابط من دَاخل الْكمّ انعكس الحكم إِن أَخذهَا لص لم يضمن وَإِن ضَاعَت بالانحلال ضمن لِأَن الْعقْدَة إِذا انْحَلَّت تناثرت الدَّرَاهِم إِلَى خَارجه فَلَا يشْعر بِخِلَاف الْعَكْس فَإِنَّهَا إِن تناثرت فِي الْكمّ فيشعر بهَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَكَذَا قَالَه الْأَصْحَاب وَهُوَ مُشكل لِأَن الْمَأْمُور بِهِ مُطلق الرَّبْط فَإِذا أَتَى بِهِ وَجب أَن لَا ينظر إِلَى جِهَات التّلف بِخِلَاف مَا إِذا عدل عَن الْمَأْمُور بِهِ
قلت وَمَا استشكله الرَّافِعِيّ قوي وَيَنْبَغِي الْفَتْوَى بِهِ وَيُؤَيِّدهُ أَن ابْن الرّفْعَة قَالَ وَقِيَاس مَا قَالَه الْأَصْحَاب أَنه لَو قَالَ الْمُودع للْمُودع احفظها فِي هَذَا الْبَيْت فوضعها فِي زَاوِيَة مِنْهُ فانهدمت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي غَيرهَا لسلم وَمَعْلُوم أَنه بعيد وَالله أعلم وَلَو أودعهُ دَرَاهِم فِي طَرِيق أَو سوق وَلم يقل اربطها فِي كمك وَلَا أمْسكهَا فِي يدك فربطها فِي الْكمّ وأمسكها بِالْيَدِ فقد بَالغ فِي الْحِفْظ وَكَذَا لَو جعلهَا فِي جيبه وَهُوَ ضيق أَو وَاسع وزرره وَلَو أمْسكهَا بِالْيَدِ وَلم يربطها لم يضمن أَن أَخذهَا غَاصِب وَيضمن إِن تلفت بغفلة أَو نوم وَلَو ربطها فِي كمه وَلم يمْسِكهَا بِيَدِهِ فَقِيَاس مَا تقدم أَن ينظر إِلَى كَيْفيَّة الرَّبْط وجهة التّلف وَلَو وَضعهَا فِي الْكمّ وَلم يربطها فَسَقَطت نظر إِن كَانَت خَفِيفَة لَا يشْعر بهَا ضمن لتَقْصِيره وَإِن كَانَت ثَقيلَة يشْعر بهَا لم يضمن ذكره فِي الْمُهَذّب وَلَو وَضعهَا فِي كور الْعِمَارَة وَلم يشد ضمن
(فرع) أودعهُ شَيْئا فِي سوق وَنَحْوه ثمَّ قَالَ احفظها فِي بَيْتك فَيَنْبَغِي أَن يمْضِي إِلَى الْبَيْت ويحفظها فِيهِ فَإِن تَأَخّر بِلَا عذر وَتَلفت ضمن لتَقْصِيره وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا بَقِيَّة الصُّور
(فرع) أودعهُ خَاتمًا وَلم يقل شَيْئا فَإِن جعله فِي غير الْخِنْصر لم يضمن إِن كَانَ رجلا بِخِلَاف الْمَرْأَة لِأَن غير الْخِنْصر فِي حَقّهَا كالخنصر فِي حق الرجل وَإِن جعله فِي الْخِنْصر فَقيل يضمن لِأَنَّهُ اسْتِعْمَال وَقيل إِن قصد الْحِفْظ لم يضمن وَإِن قصد الِاسْتِعْمَال ضمن وَقيل إِن جعل فصه إِلَى ظَاهر ضمن وَإِلَّا فَلَا قَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار أَنه يضمن مُطلقًا إِلَّا إِذا قصد الْحِفْظ وَالله أعلم
стр. 315
السَّبَب الثَّامِن التضييع لِأَنَّهُ مَأْمُور بالتحرز عَن أَسبَاب التّلف فَلَو أخر الِاحْتِرَاز مَعَ الْقُدْرَة أَو جعلهَا فِي غير حرز مثلهَا ضمن وَلَو جعلهَا فِي أحرز من حرزها ثمَّ نقلهَا إِلَى حرز مثلهَا فَلَا ضَمَان وَلَو أعلم بالوديعة من يصادر أَمْوَال الْمَالِك ويأخذها ضمن وَلَو ضيعها نَاسِيا ضمن على الْأَصَح لتَقْصِيره وَلَو أَخذ الْوَدِيعَة ظَالِم لم يضمن كَمَا لَو سرقت وَلَو طَالب ظَالِم الْمُودع بِفَتْح الدَّال بالوديعة لزمَه دَفعه بالانكار والاخفاء بِكُل قدرته فَإِن ترك الدّفع مَعَ الْقُدْرَة ضمن لتَقْصِيره وَإِن أنكر فحلفه الظَّالِم جَازَ لَهُ أَن يحلف لمصْلحَة حفظ الْوَدِيعَة وَتلْزَمهُ الْكَفَّارَة على الْمَذْهَب وَإِن أكرهه على الْحلف بِالطَّلَاق تخير بَين الْحلف وَبَين الِاعْتِرَاف فَإِن اعْترف وَسلم ضمن على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ فدى زَوجته بالوديعة وَإِن حلف بِالطَّلَاق طلقت زَوجته على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ فدى الْوَدِيعَة بِزَوْجَتِهِ وَالله أعلم
السَّبَب التَّاسِع جحود الْوَدِيعَة فَإِن طلبَهَا مَالِكهَا فجحدها فَهُوَ خائن ضَامِن لتعديه بالجحود
(فرع) قَالَ الْمُودع لَا وَدِيعَة لأحد عِنْدِي إِمَّا ابْتِدَاء وَأما جَوَابا السُّؤَال غير الْمَالِك فَلَا ضَمَان سَوَاء جرى ذَلِك بِحَضْرَة الْمَالِك أَو فِي غيبته لِأَن اخفاءها أبلغ فِي حفظهَا قَالَ
(وَقَول الْمُودع مَقْبُول فِي ردهَا على الْمُودع)
إِذا قَالَ الْمُسْتَوْدع للْمُودع رددت عَلَيْك الْوَدِيعَة فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ لقَوْله تعال ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أمره بِالرَّدِّ بِلَا اشهاد فَدلَّ على أَن قَوْله مَقْبُول لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لأَرْشَد إِلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَلِأَنَّهُ يصدق فِي التّلف قطعا فَكَذَا فِي الرَّد وَفِيه اشكال من جِهَة أَن الْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر القَوْل قَوْلهمَا فِي التّلف دون الرَّد عِنْد الْعِرَاقِيّين وَالله أعلم قَالَ
(وَعَلِيهِ أَن يحفظها فِي حرز مثلهَا)
كَمَا إِذا قبل الْمُودع الْوَدِيعَة لزمَه حفظهَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُود وَقد الْتَزمهُ وَيجب عَلَيْهِ أَن يحفظها فِي حرز مثلهَا لِأَن الاطلاق يَقْتَضِيهِ فتوضع الدَّرَاهِم فِي الصندوق والأثاث فِي الْبَيْت وَالْغنم فِي صحن الدَّار وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا طُولِبَ بهَا أَو أخر الْوَدِيعَة مَعَ الْقُدْرَة حَتَّى تلفت ضمن)
إِذا طَالب الْمُودع الْمُودع بالوديعة وَجب عَلَيْهِ الرَّد لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
стр. 316
فَإِن أخر بِلَا عذر فَتلفت ضمنهَا لتعديه وَإِن كَانَ لعذر فَلَا والعذر مثل كَونه بِاللَّيْلِ وَلم يتأت فتح الْحِرْز حِينَئِذٍ أَو كَانَ فِي صَلَاة أَو قَضَاء حَاجَة أَو طَهَارَة أَو أكل أَو حمام أَو مُلَازمَة غَرِيم يخَاف هربه أَو يخْشَى الْمَطَر والوديعة فِي مَوضِع آخر وَنَحْو ذَلِك فالتأخير جَائِز قَالَ الْأَصْحَاب وَلَا يضمن وطردوه فِي كل يَد أَمَانَة وَالله أعلم
(فرع) فِي فَتَاوَى الْقفال لَو ترك حِمَاره فِي صحن خَان وَقَالَ للخاني احفظه كَيْلا يخرج وَكَانَ الخاني ينظره فَخرج فِي بعض غفلاته فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ لم يقصر فِي الْحِفْظ الْمُعْتَاد وَفِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْن أَن الثِّيَاب فِي مشلح الْحمام إِذا سرقت والحمامي جَالس مَكَانَهُ مستيقظ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن نَام أَو قَامَ من مَكَانَهُ وَلم يتْرك نَائِبا ضمن وعَلى الحمامي الْحِفْظ إِذا استحفظ وَإِن لم يستحفظ حكى القَاضِي حُسَيْن عَن الْأَصْحَاب أَنه لَا حفظ عَلَيْهِ قَالَ وَعِنْدِي يجب للْعَادَة وَالله أعلم
(فرع) إِذا وَقع فِي بَيت الْمُودع أَو خزانته حريق فبادر إِلَى نقل أمتعته وَأخر الْوَدِيعَة فاحترقت لم يضمن كَمَا لَو لم يكن فِيهَا إِلَّا ودائع وَأخذ فِي نقلهَا فاحترقت وَتَأَخر وَالله أعلم
стр. 317
كتاب الْفَرَائِض والوصايا
الْفَرَائِض جمع فَرِيضَة مَأْخُوذَة من الْفَرْض وَهُوَ التَّقْدِير قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أَي قدرتم هَذَا فِي اللُّغَة
وَأما فِي الشَّرْع فالفرض نصيب مُقَدّر شرعا لمستحقه وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يورثون الرِّجَال دون النِّسَاء والكبار دون الصغار وبالحلف فنسخ الله تَعَالَى ذَلِك وَكَذَا كَانَت الْمَوَارِيث فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام فنسخت فَلَمَّا نزلت آيَات النِّسَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ ((إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث)) واشتهر من الصَّحَابَة فِي علم الْفَرَائِض أَرْبَعَة عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَزيد ﵃ أَجْمَعِينَ وَاخْتَارَ الشَّافِعِي ﵁ مَذْهَب زيد ﵁ لقَوْله ﷺ ((أفرضكم زيد)) وَلِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْقيَاس وَمعنى اخْتِيَاره لمَذْهَب زيد أَنه نظر فِي أدلته فَوَجَدَهَا مُسْتَقِيمَة فَعمل بهَا لَا أَنه قَلّدهُ وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْوَارِثين
(والوارثون من الرِّجَال عشرَة الابْن وَابْن لِابْنِ وَإِن سفل وَالْأَب وَالْجد وَإِن علا وَالْأَخ وَابْن الْأَخ وَإِن تراخيا وَالْعم وَابْن الْعم وَإِن تباعدا وَالزَّوْج وَالْمولى الْمُعْتق والوارثات من النِّسَاء سبع
стр. 318
الْبِنْت وَبنت الابْن وَالأُم وَالْجدّة وَالْأُخْت وَالزَّوْجَة والمولاة الْمُعتقَة)
وَالْوَرَثَة قد يكونُونَ مختلطين وَقد يكونُونَ متميزين فَبَدَأَ الشَّيْخ بِنَوْع المتميزين فَقَالَ والوارثون من الرِّجَال وعدهم وَلِلنَّاسِ فِي عدهم طَرِيقَانِ طَرِيق الإيجاز وَهُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ وَمِنْهُم من يعدهم على سَبِيل الْبسط فَيَقُول الوارثون من الرِّجَال خَمْسَة عشر الابْن وَابْن الابْن وَإِن سفل وَالْأَب وَالْجد وَإِن علا وَالْأَخ من الْأَبَوَيْنِ وَالْأَخ من الْأَب وَالْأَخ من الْأُم وَابْن الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ وَابْن الْأَخ من الْأَب وَالْعم لِلْأَبَوَيْنِ وَالْعم لأَب وَابْن الْعم لِلْأَبَوَيْنِ وَابْن الْعم للْأَب وَالزَّوْج وَالْمُعتق وَهَؤُلَاء مجمع على توريثهم وَالْمرَاد بالجد أَبُو الْأَب وَإِذا اجْتَمعُوا لم يَرث مِنْهُم إِلَّا ثَلَاثَة الْأَب وَالِابْن وَالزَّوْج
وَأما النِّسَاء فالوارثات مِنْهُنَّ سبع الْبِنْت وَبنت الابْن إِلَى آخِره وَمَا ذكره على سَبِيل الإيجاز وَأما على سَبِيل الْبسط فعشرة الْبِنْت وَبنت الابْن وَإِن سفلت وَالأُم وَالْجدّة للْأَب وَالْجدّة للْأُم وَإِن علتا وَالْأُخْت لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأُخْت للْأَب وَالْأُخْت للْأُم وَالزَّوْجَة والمعتقة وَهَؤُلَاء أَيْضا مجمع على توريثهم وَإِذا اجْتَمعْنَ جَمِيعهنَّ لم يَرث مِنْهُنَّ إِلَّا خَمْسَة الزَّوْجَة وَالْبِنْت وَبنت الابْن وَالأُم وَالْأُخْت من الْأَبَوَيْنِ وَإِذا اجْتمع من يُمكن اجتماعه من الصِّنْفَيْنِ أَعنِي الرِّجَال وَالنِّسَاء ورث الأبوان وَالِابْن وَالْبِنْت وَمن يُوجد من الزَّوْجَيْنِ وَالدَّلِيل على أَن من ذكرنَا وَارِث الاجماع كَمَا مر والنصوص الْآتِيَة وَالدَّلِيل على عدم تَوْرِيث غَيرهم التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ
وَاعْلَم أَن كل من انْفَرد من الرِّجَال حَاز جَمِيع التَّرِكَة إِلَّا الزَّوْج وَالْأَخ للْأُم وَمن انْفَرَدت من النِّسَاء لم تحز جَمِيع التَّرِكَة إِلَّا من كَانَ لَهَا الْوَلَاء وَالله أعلم قَالَ
(وَمن لَا يسْقط بِحَال خَمْسَة الزَّوْجَانِ والأبوان وَولد الصلب)
اعْلَم أَن الْحجب نَوْعَانِ حجب نُقْصَان كحجب الْوَلَد للزَّوْج من النّصْف إِلَى الرّبع وَالزَّوْجَة من الرّبع إِلَى الثّمن وَالأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس وحجب حرمَان ثمَّ الْوَرَثَة قِسْمَانِ قسم لَيْسَ بَينهم وَبَين الْمَيِّت وَاسِطَة وهم الزَّوْجَانِ والأبوان وَالْأَوْلَاد فَهَؤُلَاءِ لَا يحجبهم أحد لعدم الْوَاسِطَة بَينهم وَبَين الْمَيِّت وَالله أعلم قَالَ
(وَمن لَا يَرث بِحَال سَبْعَة العَبْد وَالْمُدبر وَأم الْوَلَد وَالْمكَاتب وَالْقَاتِل وَالْمُرْتَدّ وَأهل الملتين)
اعْلَم أَن الْإِرْث يمْتَنع بِأَسْبَاب مِنْهَا الرّقّ فَلَا يَرث الرَّقِيق لِأَنَّهُ لَو ورث لَكَانَ الْمَوْرُوث لسَيِّده وَالسَّيِّد أَجْنَبِي من الْمَيِّت فَلَا يُمكن توريثه وكما لَا يَرث لَا يُورث لِأَنَّهُ ملك لَهُ كَمَا قَالَ الله
стр. 319
تَعَالَى ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وَسَوَاء فِي ذَلِك الْمُدبر وَالْمكَاتب وَأم الْوَلَد لوُجُود الرّقّ وَفِي الْمبعض خلاف الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقطع بِهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يَرث لِأَنَّهُ لَو ورث لَكَانَ بعض المَال لمَالِك الْبَاقِي وَهُوَ أَجْنَبِي عَن الْمَيِّت وَقَالَ الْمُزنِيّ وَابْن سُرَيج يَرث بِقدر مَا فِيهِ من الْحُرِّيَّة وَهل يُورث قَولَانِ الْأَظْهر نعم وَهُوَ الْجَدِيد لِأَنَّهُ تَامّ الْملك فعلى هَذَا يُورث عَنهُ جَمِيع مَا جمعه بِنصفِهِ الْحر وَالله أعلم
وَمن الْأَسْبَاب الْمَانِعَة للإرث الْقَتْل فَلَا يَرث الْقَاتِل سَوَاء قتل بِمُبَاشَرَة أَو بِسَبَب وَسَوَاء كَانَ الْقَتْل مَضْمُونا بِالْقصاصِ أَو الدِّيَة أَو الْكَفَّارَة أَو غير مَضْمُون ألبته كوقوع عَن حد أَو قصاص سَوَاء صدر عَن مُكَلّف أَو من غَيره كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون أم لَا وَسَوَاء كَانَ الْقَاتِل مُخْتَارًا أَو مكْرها لعُمُوم قَوْله ﵊ ((لَيْسَ للْقَاتِل مِيرَاث)) وَلقَوْله ﷺ ((لَا يَرث الْقَاتِل من الْمَقْتُول شَيْئا)) وَفِي رِوَايَة ((لَيْسَ للْقَاتِل من الْمِيرَاث شي)) ء وَأما الْمُرْتَد فَلَا يَرث وَلَا يُورث وَمَا لَهُ فَيْء وَعَن أبي بردة ﵁ قَالَ ((بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى رجل عرس بِامْرَأَة أَبِيه فَأمرنِي أَن أضْرب عُنُقه وأخمس مَاله وَكَانَ مُرْتَدا)) لِأَنَّهُ اسْتحلَّ ذَلِك وَلَا فرق فِي الْمُرْتَد بَين الْمُعْلن والزنديق وَهُوَ الَّذِي يتجمل بِالْإِسْلَامِ ويخفي الْكفْر كَذَا فسره الرَّافِعِيّ هُنَا قَالَ ابْن الرّفْعَة وَكَونه لَا يَرث وَلَا يُورث مَحَله إِذا مَاتَ على الرِّدَّة فَإِن عَاد إِلَى الْإِسْلَام تَبينا إِرْثه وَمَا قَالَه سَهْو وَقد صرح أَبُو مَنْصُور بِالْمَسْأَلَة وَحكى بِالْإِجْمَاع على عدم إِرْثه فِي هَذِه الْحَالة وَوَجهه أَنه كَانَ كَافِرًا فِي تِلْكَ الْحَالة حَقِيقَة وَهُوَ غير مقرّ على الْكفْر وَالْإِسْلَام إِنَّمَا حدث بعد ذَلِك وَفِي توريثه مصادمة للنصوص الْمَانِعَة لَهُ من التوريث وَالله أعل وَقَوله وَأهل الملتين يشْتَمل على صور مِنْهَا أَنه لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَعَكسه لاخْتِلَاف الملتين قَالَ رَسُول الله ﷺ ((لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم)) وَلَا فرق بَين النّسَب وَالْمُعتق وَالزَّوْج وَلَا بَين أَن يسلم قبل الْقِسْمَة أَو بعْدهَا وَهل يَرث الْيَهُودِيّ من النَّصْرَانِي وَعَكسه فِيهِ خلاف الصَّحِيح نعم وَهَذَا إِذا كَانَا ذميين أَو حربيين سَوَاء اتّفقت دارهما أَو اخْتلفت فَلَو كَانَ أَحدهمَا ذِمِّيا وَالْآخر حَرْبِيّا فَفِيهِ خلاف أَيْضا وَالْمذهب الْقطع بِعَدَمِ التَّوَارُث لانْقِطَاع الْمُوَالَاة قَالَ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَرُبمَا نقل بعض الفرضيين الاجماع على ذَلِك وَالله أعلم
стр. 320
والمعاهد والمستأمن كالذمي على الصَّحِيح الْمَنْصُوص لِأَنَّهُمَا معصومان بالعهد والأمان وَقيل هما كالحربي وَالله أعلم
(فرع) شككنا فِي موت إِنْسَان بِأَن غَابَ شخص وَانْقطع خَبره أَو جهل حَاله بعد أَن دخل فِي دَار الْحَرْب أَو انْكَسَرت سَيْفه هُوَ فِيهَا وَلم يعرف حَاله فَهَذَا لَا يُورث حَتَّى تقوم بَيِّنَة أَنه مَاتَ فَإِن لم تقم بَيِّنَة أَنه مَاتَ فَقيل لَا يقسم مَاله حَتَّى يتَحَقَّق مَوته لاخْتِلَاف النَّاس فِي الْأَعْمَار وَالصَّحِيح أَنه إِذا مَضَت مُدَّة يحكم القَاضِي فِيهَا بِأَن مثله لَا يعِيش فِيهَا قسم مَاله بَين الْوَرَثَة حَالَة الحكم ثمَّ فِي قدرَة الْمدَّة أوجه أَصَحهَا يَكْفِي مُدَّة يغلب على الظَّن أَنه لَا يعِيش أَكثر مِنْهَا وَالله أعلم قَالَ
(وَأقرب الْعصبَة الابْن ثمَّ ابْنه ثمَّ الْأَب ثمَّ أَبوهُ ثمَّ الْجد ثمَّ الْأَخ للْأَب وَالأُم ثمَّ الْأَخ للْأَب ثمَّ ابْن الْأَخ للْأَب وَالأُم ثمَّ ابْن الْأَخ للْأَب ثمَّ الْعم على هَذَا التَّرْتِيب ثمَّ إِذا عدمت الْعَصَبَات فالمولى الْمُعْتق)
الْعصبَة مُشْتَقَّة من التَّعْصِيب وَهُوَ الْمَنْع سميت بذلك لتقوى بَعضهم بِبَعْض وَمِنْهَا الْعِصَابَة لِأَنَّهَا تشد الرَّأْس وَقيل غير ذَلِك وَلِلنَّاسِ فِي تَعْرِيف الْعصبَة أَلْفَاظ مِنْهَا أَنه كل من لَيْسَ لَهُ سهم مُقَدّر من الْمجمع على توريثهم وَيَرِث كل المَال لَو انْفَرد أَو مَا فضل عَن أَصْحَاب الْفُرُوض ثمَّ أولى الْعَصَبَات الابْن لقَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الْآيَة بَدَأَ بالأولاد لِأَن الْعَرَب تبدأ بأولادهم وَلِأَن الله تَعَالَى أسقط بِهِ تعصيب الْأَب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وَإِذا سقط بِهِ تعصيب الْأَب فَغَيره أولى لِأَنَّهُ إِمَّا مدل بالابن أَو بِالْأَبِ ثمَّ ابْن الابْن بعد الابْن وَإِن سفل كالابن فِي سَائِر الْأَحْكَام ثمَّ الْأَب لِأَنَّهُ يعصبه وَله الْولَايَة عَلَيْهِ بِنَفسِهِ وَمن عداهُ يُدْلِي بِهِ فَقدم لقُرْبه ثمَّ الْجد أَبُو الْأَب وَإِن علا مَا لم يكن أخوة لِأَنَّهُ كَالْأَبِ أما إِذا كَانَ مَعَه أخوة فَلم يذكرهُ الشَّيْخ ثمَّ يقدم ابْن الْأَب وَهُوَ الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ ثمَّ الْأَخ من الْأَب يقدم على ابْن الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ ثمَّ يقدم بَنو الْأُخوة من الْأَبَوَيْنِ ثمَّ من الْأَب على الْأَعْمَام وَإِن تباعدوا لِأَن الْقَرِيب من نوع مقدم على نوع مُتَأَخّر عَنهُ وَإِن كَانَ أقرب مِنْهُ فَلهَذَا يقدم ابْن الْأَخ وَإِن تبَاعد على الْعم ثمَّ بعد بني الْأُخوة يقدم الْعم لِلْأَبَوَيْنِ ثمَّ الْأَب ثمَّ بَنو الْعم كَذَلِك ثمَّ يقدم عَم الْأَب من الْأَبَوَيْنِ ثمَّ من الْأَب ثمَّ بنوهما كَذَلِك ثمَّ يقدم عَم الْجد من الْأَبَوَيْنِ ثمَّ من الْأَب كَذَلِك إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فَإِن لم يُوجد أحد من عصبات النّسَب وَالْمَيِّت عَتيق فالعصوبة لمن أعْتقهُ رجلا كَانَ أَو امْرَأَة لِأَن رجلا أَتَى بِرَجُل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي اشْتَرَيْته وأعتقته فَمَا أَمر مِيرَاثه فَقَالَ عَلَيْهِ
следующие страницы →