Полный текст (576 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَابْن الْمَرْزُبَان لَيْسَ لَهُ إجبارها وعَلى ذَلِك جرى الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ قَالَ الحناطي وَيحْتَمل الْجَوَاز
قلت جزم الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ بِبَقَائِهِ على ولَايَته وأوردا على أَنفسهمَا بِأَن الْأَب إِذا كَانَ عدوا ووضعها تَحت غير كُفْء وَأجَاب بِأَن خوف الْعَار يرشد إِلَى دفع هَذَا التَّوَهُّم وَالله أعلم وَيسْتَحب أَن تستأذن الْبَالِغَة للْخَبَر وَلَو أقرّ الْأَب أَو الْجد بِالنِّكَاحِ حَيْثُ لَهُ الْإِجْبَار قبل على الْأَصَح لِأَنَّهُ يقدر على الْإِنْشَاء وَمن قدر على الْإِنْشَاء قدر على الاقرار وَفِي وَجه لَا يقبل حَتَّى تشاهده الْبَالِغَة وَلَو استأذنها فِي دون مهر الْمثل فَسَكَتَتْ لم يكف أَو فِي أَن يُزَوّجهَا بِغَيْر كُفْء فَسَكَتَتْ كفى فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَإِن زوج غير الْأَب وَالْجد فَلَا بُد من إِذن الْبكر بعد الْبلُوغ وَيَكْفِي السُّكُوت على الْأَصَح لعُمُوم الْخَبَر ثمَّ حَيْثُ يَكْفِي السُّكُوت فَسَوَاء ضحِكت أَو بَكت إِلَّا أَن تبْكي بصياح أَو ضرب خد فَلَا يَكْفِي وَلَا يكون رضَا وَالله أعلم وَأما الثّيّب أَي الْعَاقِلَة فَلَا يجوز تَزْوِيجهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا بعد الْبلُوغ وإذنها النُّطْق لقَوْله ﷺ الثّيّب تستنطق وَلَا استنطاق إِلَّا بعد الْبلُوغ بِالْإِجْمَاع فَإِن كَانَت مَجْنُونَة أَو صَغِيرَة جَازَ للْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا لَا لغَيْرِهِمَا لِأَن الْجُنُون إِذا انْضَمَّ إِلَى الصغر تأكدت الْولَايَة وَلَيْسَ لَهَا حَالَة تستأذن فِيهَا وَلَهُمَا ولَايَة الْإِجْبَار فِي الْجُمْلَة فاقتضت الْمصلحَة تَزْوِيجهَا وَيَكْفِي ظُهُور الْمصلحَة وَإِن لم يكن بهَا حَاجَة إِلَى النِّكَاح لِأَن النِّكَاح يفيدها الْمهْر وَالنَّفقَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل لَا تزوج الثّيّب الصَّغِيرَة الْمَجْنُونَة وَلَو كَانَت كَبِيرَة وَقد بلغت مَجْنُونَة جَازَ للْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا وَكَذَا يجوز للْحَاكِم عِنْد عدم الْأَب وَالْجد وَإِن كَانَ لَهَا قريب من أَخ وَغَيره هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن ولَايَته عَامَّة وَله ولَايَة على مَالهَا ويرجى شفاؤها وَبِهَذَا فَارَقت الصَّغِيرَة وَقيل يُزَوّجهَا الْقَرِيب كالأخ وَهل يلْزمه مُرَاجعَة أقاربها أَو يسْتَحبّ وَجْهَان ثمَّ الْحَاكِم إِنَّمَا يُزَوّجهَا بِظُهُور الْحَاجة بِأَن تظهر مخايل شهوتها أَو لقَوْل الْأَطِبَّاء إِن شفاءها يتَوَقَّع بِهِ فَيجب حينئذوفال ابْن الصّباغ لَا يُزَوّجهَا الْحَاكِم إِلَّا إِذا فال الْأَطِبَّاء إِن شفاءها فِيهِ فَلَو انْتَفَى ذَلِك فزوج لأجل النَّفَقَة أَو لمصْلحَة أُخْرَى لم يجز فِي الْأَصَح لِأَن تَزْوِيجهَا يَقع إجبارا وَغير للْأَب وَالْجد لَا يجْبر وَقيل يجوز كَمَا يُزَوّج الْأَب للْمصْلحَة أما إِذا بلغت عَاقِلَة ثمَّ جنت فَهَل للْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا إِذْ قُلْنَا لَا تعود ولَايَة المَال إِلَيْهِمَا وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَفِي التَّتِمَّة يُزَوّجهَا الْأَب بِلَا خلاف وَالصَّحِيح أَنه تعود ولَايَة من لَهُ الْولَايَة بالجنون وَلَا يَلِي القَاضِي فعلى هَذَا الْأَب وَالْجد يُزَوّج لَا محَالة وَقَول الشَّيْخ وَالثَّيِّب لَا تزوج إِلَّا بعد بُلُوغهَا وإذنها يسْتَثْنى الصغيرى والمجنونة الثّيّب على مَا تقدم وَالله أعلم وَاعْلَم أَن الْبكارَة تَزُول بِوَطْء حَلَال أَو شُبْهَة أَو زنا وَفِي الْقَدِيم أَن الزَّانِيَة حكمهَا حكم الْبكر وَهُوَ ضَعِيف وَلَو حصلت الثيوبة بالسقطة أَو بإصبع أَو خدة الطمث وَهُوَ
стр. 352
الْحيض أَو طول التعنيس وَهُوَ بَقَاؤُهَا زَمَانا بعد أَن بلغت حد التَّزْوِيج وَلم تزوج فَالصَّحِيح أَنَّهَا كالأبكار وَلَو وطِئت مُكْرَهَة أَو نَائِمَة أَو مَجْنُونَة فَالْأَصَحّ أَنَّهَا كالثيب فَلَا بُد من نطقها وَقيل كالبكر قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَلَو خلقت الْمَرْأَة بِلَا بكارة فَهِيَ بكر وَالله أعلم
(فرع) ادَّعَت الْمَرْأَة الْبكارَة أَو الثيوبة فَقطع الصَّيْمَرِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ بِأَن القَوْل قَوْلهَا وَلَا يكْشف حَالهَا لِأَنَّهَا أعلم قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا تسْأَل عَن الْوَطْء وَلَا يشْتَرط أَن يكون لَهَا زوج قَالَ الشَّاشِي وَفِي هَذَا نظر لِأَنَّهَا رُبمَا أذهبت بَكَارَتهَا بأصبعها فَلهُ أَن يسْأَلهَا فَإِن اتهمها حَلفهَا قلت طبع النِّسَاء نزاع إِلَى ادِّعَاء نفي مَا يجر إِلَى الْعَار فَيَنْبَغِي مُرَاجعَة القوابل فِي ذَلِك وَإِن كَانَ الأَصْل الْبكارَة لِأَن الزَّمَان قد كثر فَسَاده فَلَا بُد من مُرَاجعَة القوابل وَلَا يَكْفِي السُّكُوت احْتِيَاطًا للأبضاع والأنساب وَالله أعلم
(فرع) فِي أصل الرَّوْضَة أقرَّت لزوج وَأقر وَليهَا المقبول إِقْرَاره لآخر فَهَل المقبول إِقْرَارهَا أَو إِقْرَاره فِيهِ وَجْهَان بِلَا تَرْجِيح وَالله أعلم قلت وَفِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة إِذا أقرَّت الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ وصدقها الزَّوْج قبل على الْجَدِيد فعلى هَذَا لَا يَكْفِي الاطلاق على الْأَصَح فَلَا بُد أَن تَقول زَوجنِي وليي بعد لين ورضاي حَيْثُ يعْتَبر وَكَذَا لَو ادّعى الزَّوْج فَهَل يشْتَرط عدم تَكْذِيب الْوَلِيّ وَالشُّهُود لَهَا فِيهِ أوجه أَصَحهَا لَا ثمَّ قَالَ فَإِذا قبلنَا إِقْرَارهَا وَإِن كذبهَا الْوَلِيّ فَلَو أقرَّت لشخص وَأقر الْمُجبر لآخر فَهَل يقبل إِقْرَاره أم إِقْرَارهَا وَجْهَان وَحكى الإِمَام عَن الْأَصْحَاب تردداً فِي قبُول إِقْرَار الْبكر وَمَعَهَا مجبر وَرجح عدم الْقبُول انْتهى مُلَخصا وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْمُحرمَات
والمحرمات بِالنَّصِّ أَربع عشرَة سبع من جِهَة النّسَب وَهن الْأُم وَإِن علت وَالْبِنْت وَإِن سفلت وَالْأُخْت والعمة وَالْخَالَة وَبنت الْأَخ وَبنت الْأُخْت)
اعْلَم أَن أَسبَاب الْحُرْمَة المؤبدة للنِّكَاح ثَلَاث قرَابَة ورضاع ومصاهرة السَّبَب الأول الْقَرَابَة وَيحرم بهَا سبع كَمَا ذكرهن الشَّيْخ لقَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فَهَؤُلَاءِ مُحرمَات بِالنَّصِّ وَلَا تحرم بَنَات الْأَعْمَام والعمات والأخوال والخالات قربن أم بعدن عكس السابقات قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور وَيحرم نسَاء الْقَرَابَة إِلَّا من دخلت فِي اسْم ولد العمومة أَو ولد الخؤولة وَالله أعلم قَالَ
стр. 353
(وَاثْنَتَانِ بِالرّضَاعِ وهما الْمُرضعَة وَالْأُخْت من الرَّضَاع)
هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّانِي من الْمحرم وَهُوَ الرضَاعَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَاعْلَم أَن كل مَا حرم بِالنّسَبِ حرم بالرضاعة كَمَا ذكره الشَّيْخ بعد لقَوْله ﷺ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب وَفِي رِوَايَة مَا يحرم من الْولادَة
وَيسْتَثْنى من ذَلِك صور مِنْهَا أم أَخِيك أَو أختك من الرَّضَاع فَإِنَّهَا قد لَا تحرم كَمَا إِذا أرضعت أَجْنَبِيَّة أَخَاك أَو أختك فَإِنَّهَا لَا تحرم عَلَيْك وَفِي النّسَب تحرم لِأَنَّهَا إِمَّا أمك أَو زَوْجَة أبيَّة وَمِنْهَا أم نافلتك أَي أم ولد ولدك وَهِي فِي النّسَب حرَام لِأَنَّهَا إِمَّا بنتك أَو زَوْجَة ابْنك وَفِي الرَّضَاع قد لَا تكون بِنْتا وَلَا زَوْجَة ابْن بِأَن أرضعت أَجْنَبِيَّة ولد ولدك وَمِنْهَا جدة ولدك حرَام فِي النّسَب لِأَنَّهَا أم أمك أَو أم زَوجتك وَفِي الرَّضَاع قد لَا تكون كَذَلِك بِأَن أرضعت أَجْنَبِيَّة ولدك فَإِن أمهَا جدته وَلَيْسَت بأمك وَلَا بِأم زَوجتك وَمِنْهَا أُخْت ولدك حرَام بِالنّسَبِ لِأَنَّهَا إِمَّا بنتك أَو ربيبتك وَإِذا أرضعت أَجْنَبِيَّة ولدك فبنتها أُخْته وَلَيْسَت بنتك وَلَا ربيبتك
وَاعْلَم أَن أُخْت الْأَخ فِي النّسَب وَالرّضَاع لَا تحرم وَصورته فِي النّسَب أَن يكون لَك أُخْت لأم وَأَخ لأَب فَيجوز لَهُ نِكَاحهَا لِأَنَّهَا لَيست بأخته من أَبِيه وَلَا أُخْته من أمه بل هِيَ من رجل آخر وَأم أُخْرَى فَهِيَ أَجْنَبِيَّة وَصورته من الرَّضَاع أَن امْرَأَة أَرْضَعتك وأرضعت صَغِيرَة أَجْنَبِيَّة مِنْك يجوز لأخيك نِكَاحهَا وَهِي أختك من الرَّضَاع وَقد ذكر الرَّافِعِيّ هَذِه الْمسَائِل الْأَرْبَع فِي كونهن لَا يحرمن من الرَّضَاع ويحرمن من النّسَب وَقد نظمها بَعضهم فَقَالَ
أَربع فِي الرَّضَاع هن حَلَال
وَإِذا مَا ناسبهن حرَام ... جدة ابْن أُخْته ثمَّ أم
لِأَخِيهِ وحاقد وَالسَّلَام
وَقَالَ فِي الرَّوْضَة قلت كَذَا قَالَ جمَاعَة من أَصْحَابنَا تستثنى الْأَرْبَع وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ لَا حَاجَة إِلَى إستثنائها لِأَنَّهَا لَيست دَاخِلَة فِي الضَّابِط لهَذَا لم يستثنها الشَّافِعِي انْتهى وَكَذَا لم يسْتَثْن فِي الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ (يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب) وَبَيَان كَونهَا لم تدخل فِي الضَّابِط
стр. 354
أَن أم الْأَخ فِي النّسَب لم تحرم لكَونهَا أم أَخ بل لكَونهَا أما أَو حَلِيلَة أَب وَلَا كَذَلِك الرَّضَاع وَقس الْبَاقِي وَالله أعلم
وَزَاد ابْن الرّفْعَة أم الْعم وَأم الْعمة وَأم الْخَال وَأم الْخَالَة من الرَّضَاع لَا يحرمن فَلَا تحرم عَلَيْك أم عمك وَلَا أم عَمَّتك وَلَا أم خَالك وَلَا أم خالتك من الرَّضَاع وَالله أعلم قَالَ
(وَأَرْبع بالمصاهرة وَهن أم الزَّوْجَة والربيبة إِذا خلا بِالْأُمِّ وَزَوْجَة الْأَب وَزَوْجَة الابْن)
هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّالِث وَهُوَ الْمُصَاهَرَة فَيحرم بهَا على التأييد أَربع إِحْدَاهُنَّ أم امْرَأَتك وَكَذَا جداتها بِمُجَرَّد العقد سَوَاء فِي ذَلِك من النّسَب أَو الرَّضَاع لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وَفِي وَجه لَا تحرم إِلَّا بِالدُّخُولِ كالربيبة وَهُوَ ضَعِيف الثَّانِيَة بنت الزَّوْجَة سَوَاء بنت النّسَب أَو الرَّضَاع وَكَذَا بَنَات أَوْلَادهَا بِشَرْط أَن يدْخل بِالْأُمِّ فَإِن بَانَتْ مِنْهُ قبل الدُّخُول بهَا حللن لَهُ وَإِن دخل بهَا حرمن عَلَيْهِ على التَّأْبِيد لقَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وَقَول الشَّيْخ إِذا خلا بِالْأُمِّ المُرَاد الْخلْوَة الدُّخُول بهَا لِأَنَّهُ اصْطِلَاح عرفي والربيبة بنت الزَّوْجَة من غَيره وَإِن لم تكن فِي حجره وَذكر الحجور ورد على الْغَالِب
فَإِن قلت لم حرمت أم الزَّوْجَة بِمُجَرَّد العقد بِخِلَاف الْبِنْت فَإِنَّهَا لَا تحرم إِلَّا بِالدُّخُولِ على أمهَا فَالْجَوَاب أَن الزَّوْج يبتلى فِي الْعَادة بمعاملة أم الزَّوْجَة عقب العقد لِأَنَّهَا ترَتّب أَمر بَيتهَا فَحرمت بِمُجَرَّد العقد لتمكن من الْخُلُو بهَا لذَلِك بِخِلَاف الْبِنْت
وَاعْلَم أَنه لَا يحرم على الرجل بنت زوج الْأُم وَلَا أمه وَلَا بنت زوج الْبِنْت وَلَا ابْنَته وَلَا أم زَوْجَة الْأَب وَلَا ابْنَتهَا وَلَا أم زَوْجَة الابْن وَلَا ابْنَتهَا وَلَا زَوْجَة الربيب وَلَا زَوْجَة الراب الثَّالِثَة زَوْجَة الْأَب حرَام وَكَذَا زَوْجَة الأجداد سَوَاء فِي ذَلِك من جِهَة الْأَب أَو الْأُم وَسَوَاء فِي ذَلِك من النّسَب أَو الرَّضَاع لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فاسم الْأُبُوَّة صَادِق على الْكل بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَو بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة مُطلقًا وَالله أعلم الرَّابِعَة زَوْجَة الابْن حرَام وَكَذَا بَنو الابْن وَإِن سلفوا سَوَاء فِي ذَلِك النّسَب وَالرّضَاع لقَوْله تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ وَالْمرَاد أَنه لَا تحرم زَوْجَة الْوَلَد الَّذِي تبناه وَهَذَا التَّحْرِيم بِالْعقدِ وَالله أعلم
стр. 355
وَاعْلَم أَن هَذَا التَّحْرِيم مَحَله فِي العقد الصَّحِيح أما بِالنِّكَاحِ الْفَاسِد فَلَا تتَعَلَّق بِهِ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة لِأَنَّهُ لَا يُفِيد حل الْمَنْكُوحَة نعم وَطْء الشُّبْهَة يحرم فَإِذا تزوج امْرَأَة وَوَطئهَا أَبوهُ أَو ابْنه بِشُبْهَة انْفَسَخ نِكَاحهَا لِأَنَّهُ معنى يؤبد الْحُرْمَة فَإِذا طَرَأَ أبطل النِّكَاح كالرضاع وَقَول الشَّيْخ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب قد تقدم وَمَا يسْتَثْنى مِنْهُ وَالله أعلم قَالَ
(وَاحِدَة من جِهَة الْجمع وَهِي أُخْت الزَّوْجَة وَلَا يجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَلَا بَين الْمَرْأَة وخالتها)
يحرم على الرجل أَن يجمع فِي نِكَاح بَين الْمَرْأَة وَأُخْتهَا سَوَاء فِي ذَلِك الْأخْتَان من الْأَبَوَيْنِ أَو من الْأَب أَو من الْأُم وَسَوَاء فِي ذَلِك الْأُخْت من النّسَب أَو لرضاع لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عطف تَحْرِيم الْجمع على تَحْرِيم الْمُحرمَات الْمَذْكُورَات فِي أول الْآيَة وَفِي الحَدِيث مَلْعُون من جمع مَاءَهُ فِي رحم الْأُخْتَيْنِ وَكَذَلِكَ يحرم الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَبَين الْمَرْأَة وخالتها لقَوْله ﷺ ((لَا يجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَلَا بَين الْمَرْأَة وخالتها)) وَالْمعْنَى فِي منع الْجمع فِيمَا تقدم أَنه يُؤَدِّي إِلَى قطع الرَّحِم وكما يحرم الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها كَذَلِك يحرم الْجمع بَين الْمَرْأَة وَبنت أَخِيهَا وَبَنَات أَوْلَاد أَخِيهَا وَكَذَلِكَ بَين الْمَرْأَة وَبنت أُخْتهَا وَبَنَات أَوْلَاد أُخْتهَا سَوَاء فِي ذَلِك النّسَب وَالرّضَاع وَضَابِط من يحرم الْجمع بَينهمَا كل امْرَأتَيْنِ لَو قدرت إِحْدَاهمَا ذكر لما حل لَهُ نِكَاح الْأُخْرَى لأجل الْقَرَابَة واحترزنا بِالْقَرَابَةِ عَن الْمَرْأَة وَأم زَوجهَا وَعَن الْمَرْأَة وَابْنَة زَوجهَا فَإِنَّهُ يجوز الْجمع بَينهمَا وَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا لَو كَانَت ذكرا لم تحل لِلْأُخْرَى وَالله أعلم
(فرع) ملك أمة فادعت أَنَّهَا أُخْته من الرَّضَاع فَإِن كَانَ ذَلِك قبل أَن يملكهَا لم تحل لَهُ وَإِن ادَّعَتْهُ بعد أَن مكنته من الْوَطْء لم تحرم عَلَيْهِ وَإِن ادَّعَتْهُ بعد الْملك وَقبل الْوَطْء فَوَجْهَانِ جاريان فِيمَا إِذا ادَّعَت أَنَّهَا مَوْطُوءَة أَبِيه وَلَو ادَّعَت إخْوَة نسب لم تحرم عَلَيْهِ لِأَن النّسَب لَا يثبت بِالنسَاء فَلَا يثبت بِهن التَّحْرِيم بِالنّسَبِ بِخِلَاف الرَّضَاع قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَالله أعلم
(فرع) كل امْرَأتَيْنِ يحرم الْجمع بَينهمَا فِي النِّكَاح يحرم الْجمع بَينهمَا فِي الْوَطْء بِملك الْيَمين لَكِن يجوز الْجمع بَينهمَا فِي أصل الْملك وَالله أعلم قَالَ
стр. 356
بَاب عُيُوب الْمَرْأَة وَالرجل
(وَترد الْمَرْأَة بِخَمْسَة عُيُوب بالجنون والجذام والبرص والرتق والقرن وَيرد الرجل أَيْضا بِخَمْسَة عُيُوب بالجنون والجذام والبرص والجب والعنة)
لَا شكّ أَن النِّكَاح يُرَاد للدوام ومقصوده الْأَعْظَم الِاسْتِمْتَاع وَهَذِه الْعُيُوب مِنْهَا مَا يمْنَع الْمَقْصُود الْأَعْظَم وَهُوَ الْوَطْء كالجب وَهُوَ قطع الذّكر والعنة فَإِنَّهَا تمنع الْجِمَاع أَو الرتق وَهُوَ انسداد مَحل الْجِمَاع بِاللَّحْمِ وَكَذَا الْقرن لِأَنَّهُ عظم فِي الْفرج يمْنَع الْجِمَاع أَو مَا يشوش النَّفس فَيمْنَع كَمَال الِاسْتِمْتَاع كالجنون والجذام وَهُوَ عِلّة صعبة يحمر مِنْهَا الْعُضْو ثمَّ يسود ثمَّ يَنْقَطِع ويتناثر نسْأَل الله الْكَرِيم الْعَافِيَة والبرص فَيثبت الْخِيَار بِسَبَب ذَلِك لأَنا لَو لم نثبت الْخِيَار فِي الْفَسْخ بذلك لَأَدَّى إِلَى دوَام الضَّرَر وَلَا ضَرَر فِي الْإِسْلَام
وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا رُوِيَ أَنه ﵊ تزوج امْرَأَة من غفار فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ رأى بكشحها بَيَاضًا فَقَالَ البسي ثِيَابك والحقي بأهلك وَقَالَ لأَهْلهَا دلستم عَليّ رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ والكشح الْجنب فَثَبت فِي البرص النَّص وَقس الْبَاقِي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فِي الْمَنْع من كَمَال الِاسْتِمْتَاع وَأولى وروى ابْن عمر ﵄ قَالَ ((ايما رجل تزوج امْرَأَة بهَا جُنُون أَو جذام أَو برص فمسها فلهَا صَدَاقهَا وَذَلِكَ لزَوجهَا على وَليهَا)) وَلِأَن النِّكَاح عقد مُعَاوضَة قَابل للرفع فَجَاز رَفعه بِسَبَب الْعُيُوب المؤثرة فِي الْمَقْصُود كَالْبيع وَلَا فرق فِي الْجُنُون بَين المطبق والمتقطع وَسَوَاء كَانَ يقبل العلاج أم لَا وَلَا يلْحق بِهِ الْإِغْمَاء إِلَّا أَن يَزُول الْمَرَض وَيبقى زَوَال الْعقل وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْعُيُوب سَبْعَة ثَلَاثَة يشْتَرك فِيهَا الزَّوْجَانِ وَهِي الْجُنُون والجذام والبرص وَاثْنَانِ يختصان بِالزَّوْجِ وهما الْجب والعنة وَاثْنَانِ يختصان بِالْمَرْأَةِ وهما الرتق والقرن وَيُمكن حُصُول خَمْسَة فِي كل من الزَّوْجَيْنِ كَمَا ذكره الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ الرَّافِعِيّ والعبارة للروضة وَمَا سواهَا من الْعُيُوب لَا خِيَار بِهِ على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور فَلَا يثبت الْخِيَار بالصنان والبخر وَإِن لم يقبلا العلاج وَلَا بدوام الاستيحاضة والقروح السائلة وَمَا فِي معنى ذَلِك وَقيل يثبت فِي ذَلِك لحُصُول التنفير ثمَّ إِن الرَّافِعِيّ ذكر فِي بَاب الدِّيات أَن الْمَرْأَة إِن كَانَت لَا تتحمل الْوَطْء إِلَّا بالافضاء لم يجز للزَّوْج وَطْؤُهَا قَالَ الْغَزالِيّ إِن كَانَ سَببه ضيق المنفذ بِحَيْثُ
стр. 357
يُخَالف الْعَادة فَلهُ الْخِيَار وَالْمَشْهُور من كَلَام الْأَصْحَاب أَنه لَا يثبت الْخِيَار بِمثل هَذَا ثمَّ قَالَ وَيُشبه أَن يُقَال إِن كَانَت الْمَرْأَة تتحمل وَطْء نحيف مثلهَا فَلَا فسخ وَإِن كَانَ بِسَبَب ضيق المنفذ بِحَيْثُ يحصل بِهِ الافضاء من كل وَطْء فَهَذَا كالرتق وَينزل مَا قَالَه الْأَصْحَاب على الْحَالة الأولى وَمَا قَالَه الْغَزالِيّ على الْحَالة الثَّانِيَة قَالَ الرَّافِعِيّ
وَلَا خِيَار بِكَوْن الزَّوْج أَو الْمَرْأَة عقيماً وَلَا بِكَوْنِهَا مفضاة والافضاء هُوَ رفع الْحَاجة بَين مخرج الْبَوْل ومدخل الذّكر وَالله أعلم قَالَ
بَاب الصَدَاق فصل وَيسْتَحب تَسْمِيَة الْمهْر فِي النِّكَاح فَإِن لم يسم صَحَّ العقد وَوَجَب مهر الْمثل بِثَلَاثَة أَشْيَاء أَن يفرضه الْحَاكِم أَو يفرضه الزَّوْجَانِ أَو يدْخل بهَا فَيجب مهر الْمثل
الصَدَاق بِفَتْح الصَّاد وَكسرهَا هُوَ اسْم لِلْمَالِ الْوَاجِب للْمَرْأَة على الرجل بِالنِّكَاحِ أَو الْوَطْء وَله اسماء صدَاق ونحلة وفريضة وَأجر وَهَذِه فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَمهر وعقيلة وعقر وَهَذِه فِي السّنة الشَّرِيفَة وَالصَّدَاق مَأْخُوذ من الصدْق وَهُوَ الشَّديد الصلب لِأَنَّهُ أَشد الأعواض ثبوتاً فَإِنَّهُ لَا يسْقط بِالتَّرَاضِي وَالْأَصْل فِي الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ والنحلة الْهِبَة وَسمي نحلة لِأَن الْمَرْأَة تستمتع بِالزَّوْجِ كَهُوَ بل هِيَ أَكثر فَكَأَنَّهَا تَأْخُذ الصَدَاق من غير مُقَابلَة شَيْء وَمن السّنة قَوْله ﷺ ((التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد)) ثمَّ إِنَّه لم يجده فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ((زوجتكما بِمَا مَعَك من الْقُرْآن)) إِذا عرفت هَذَا فالمستحب أَن لَا يعْقد النِّكَاح إِلَّا بِصَدَاق اقْتِدَاء برَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ لم يعْقد إِلَّا بمسمى وَلِأَنَّهُ أدفَع للخصومة وَمُقْتَضى كَلَام الشَّيْخ أَن الْمهْر لَيْسَ ركنا فِي النِّكَاح وَهُوَ كَذَلِك قَالَ الْأَصْحَاب لَيْسَ الْمهْر ركنا فِي النِّكَاح بِخِلَاف البيع فَإِن ذكر الثّمن ركن فِيهِ وَالْفرق أَن الْمَقْصُود الْأَعْظَم من النِّكَاح الِاسْتِمْتَاع وتوابعه وَهُوَ قَائِم بالزوجين فَلهَذَا لم يكن ركنا فِي النِّكَاح بِخِلَاف البيع فَإِن الْعِوَض مَقْصُود فِيهِ وَيدل على مَا ذَكرْنَاهُ فِي النِّكَاح بِاعْتِبَار جَوَاز اخلائه عَن ذكر الصَدَاق قَوْله تَعَالَى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ وَهُوَ دَلِيل لمسألة التفريض الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ بقوله فَإِن لم يسم صَحَّ العقد وَمعنى التفريض إخلاء النِّكَاح عَن ذكر الصَدَاق وَصورته أَن يصدر من مُسْتَحقّ الْمهْر وَذَلِكَ
стр. 358
بِأَن تَقول الْبَالِغَة الرشيدة ثَيِّبًا كَانَت أوبكرا زَوجنِي بِلَا مهر أَو على أَن لَا مهر لي فيزوجها الْوَلِيّ وينفي الْمهْر أَو يسكت وَمن التَّفْوِيض الصَّحِيح أَيْضا أَن يَقُول سيد الْأمة زوجتكها بِلَا مهر أَو يسكت لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الْمهْر فَإِذا وَقع العقد صَحِيحا لم يجب بِهِ مهر على الْجَدِيد الْأَظْهر كَمَا هُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّيْخ ﵀ وَوجه عدم ثُبُوته بِالْعقدِ أَنه حَقّهَا فَإِذا رضيت بِعَدَمِ ثُبُوته لم يثبت وَلِأَن الصَدَاق لَو وَجب بِالْعقدِ لتنصف بِالطَّلَاق وعَلى الْأَظْهر هَل يَقُول ملكت بِالْعقدِ أَن تملك مهر الْمثل أَو أَن تملك مهْرا مَا فِيهِ قَولَانِ وَبِالْجُمْلَةِ فلهَا مُطَالبَة الزَّوْج بِفَرْض مهر قبل الْمس وَهُوَ الْوَطْء لِأَن خلو العقد عَن الْمهْر خَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ ولتكن على تثبت مِمَّا تسلم نَفسهَا بِهِ
وَله طرق كَمَا ذكره الشَّيْخ
أَحدهَا أَن يفرضه القَاضِي وَذَلِكَ عَن امْتنَاع الزَّوْج من الْفَرْض أَو عِنْد تنازعهما فِي الْقدر الْمَفْرُوض فيفرض الْحَاكِم مهر الْمثل بِنَقْد الْبَلَد حَالا وَلَا يزِيد على مهر الْمثل وَلَا ينقص كَمَا فِي قيم الْمُتْلفَات نعم الزِّيَادَة وَالنَّقْص اليسيران الْوَاقِع مِنْهُمَا فِي مَحل الِاجْتِهَاد لَا اعْتِبَار بِهِ وَيشْتَرط علم الْحَاكِم بِقدر مهر الْمثل وَإِذا فرض لم يتَوَقَّف لُزُومه على رضَا الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّهُ حكم مِنْهُ وَحكم القَاضِي لَا يفْتَقر لُزُومه إِلَى رضَا الْخَصْمَيْنِ
الطَّرِيق الثَّانِي أَن يفرضه الزَّوْجَانِ فَإِن قدرا قدر مهر الْمثل وهما يعلمَانِهِ فَلَا كَلَام وَإِن جهلا قدر مهر الْمثل أَو أَحدهمَا وَقدرا فرضا فَقَوْلَانِ أظهرهمَا عِنْد الْجُمْهُور صِحَة مَا قدراه نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم سَوَاء كَانَ قدر مهر الْمثل أَو دونه أَو فَوْقه وَسَوَاء كَانَ من جنسه أَو من غير جنسه وَسَوَاء كَانَ من نقد أَو عرض وَسَوَاء كَانَ حَالا أَو مُؤَجّلا لِأَن الْفَرْض بِمَنْزِلَة الاصداق وَلَو تَرَاضيا على صدَاق عِنْد العقد كَذَلِك صَحَّ وَلِهَذَا لَو طَلقهَا قبل الدُّخُول يشطر مَا فرضاه لِأَنَّهُ كالمسمى فِي العقد
الطَّرِيق الثَّالِث أَن يدْخل بهَا قبل فرض من الْحَاكِم وَقبل تراضيهما على شَيْء فَيجب لَهَا بِهِ مهر الْمثل لِأَن الْوَطْء بِلَا مهر خَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلِأَن الْبضْع فِيهِ حق الله وَلِهَذَا لَا يُبَاح بِالْإِبَاحَةِ فيصان عَن صُورَة الاباحة ثمَّ الْمُعْتَبر مهر مثلهَا وَقت الْوَطْء أم وَقت العقد أم أَكثر مهْرا من يَوْم العقد إِلَى الْوَطْء فِيهِ أوجه اصحهما فِي الْمُحَرر والمنهاج أَن الِاعْتِبَار بِيَوْم العقد وَهَذَا الْوَجْه لم يحكه فِي الرَّوْضَة بِالْكُلِّيَّةِ بل صحّح أَن الْوَاجِب أَكثر مهْرا من يَوْم العقد إِلَى الْوَطْء وَنَقله الرَّافِعِيّ عَن المعتبرين ثمَّ نقل الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْعتْق أَن الْأَكْثَرين على إعتبار يَوْم العقد ذكره عِنْد شِرَائِهِ نصيب الشَّرِيك وَالله أعلم وَلَو مَاتَ أحد الزَّوْجَيْنِ قبل الْفَرْض وَالْوَطْء فَهَل يجب مهر الْمثل أم لَا يجب شَيْء فِيهِ خلاف مَبْنِيّ على حَدِيث بروع بنت واشق فَإِنَّهَا نكحت بِلَا مهر فَمَاتَ زَوجهَا قبل أَن يفْرض لَهَا فقضي لَهَا رَسُول الله ﷺ بِمهْر نسائها وَالْمِيرَاث فَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك على
стр. 359
طرق فَقيل إِن ثَبت الحَدِيث وَجب الْمهْر وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَقيل إِن لم يثبت فَلَا مهر وَقيل إِن ثَبت وَجب الْمهْر وَإِلَّا فَلَا يجب وَقيل قَولَانِ مُطلقًا وَهُوَ الْأَصَح وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَاخْتلفُوا فِي الْأَرْجَح من الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الرَّافِعِيّ رجح صَاحب التَّقْرِيب وَالْمُتوَلِّيّ الْوُجُوب وَرجح الْعِرَاقِيُّونَ وَالْإِمَام وَالْبَغوِيّ وَالرُّويَانِيّ أَنه لَا يجب وَمُقْتَضَاهُ رُجْحَان الثَّانِي وَهُوَ أَنه لَا يجب وَصرح بِتَصْحِيحِهِ فِي الْمُحَرر وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج الْأَظْهر وُجُوبه وَلَفظ الرَّوْضَة
قلت الرَّاجِح تَرْجِيح الْوُجُوب والْحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَالِاعْتِبَار بِمَا قيل فِي إِسْنَاده وَقِيَاسًا على الدُّخُول فَإِن الْمَوْت مُقَرر كالدخول وَلَا وَجه لِلْقَوْلِ الآخر مَعَ صِحَة الحَدِيث وَالله أعلم فَإِن أَوجَبْنَا مهر الْمثل فَهَل الِاعْتِبَار بِيَوْم العقد أم بِيَوْم الْمَوْت أم بأكثرهما فِيهِ أوجه لَيْسَ فِي الرَّافِعِيّ وَلَا فِي الرَّوْضَة تَرْجِيح وَالله أعلم وَلَو طَلقهَا قبل الدُّخُول وَالْفَرْض وَجَبت لَهَا الْمُتْعَة وَلَا تشطير تَفْرِيعا على الْأَظْهر أَنه لَا يجب بِالْعقدِ شَيْء فينحط الْأَمر إِلَى الْمُتْعَة لمَفْهُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فَخص التشطير بالمفروض
وَاعْلَم أَن مهر الْمثل هُوَ الْقدر الَّذِي يرغب بِهِ فِي أَمْثَال الْمَرْأَة وَلَكِن الرُّكْن الْأَعْظَم النّسَب فيراعى أقرب من ينْسب إِلَى من تنتسب إِلَيْهِ هَذِه الْمَرْأَة كالأخت ويرعى فِي نسَاء الْعَصَبَات قرب الدرجَة وَإِن متن وأقربهن الْأُخْت لِلْأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب ثمَّ بَنَات الْأُخوة لِلْأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب ثمَّ العمات كَذَلِك ثمَّ بَنَات الْأَعْمَام فَإِن تعذر نسَاء الْعَصَبَات اعْتبر بذوات الْأَرْحَام كالجدات والخالات وَيقدم الْقُرْبَى فالقربى من الْجِهَات وَكَذَا تقدم الْقُرْبَى فالقربى من الْجِهَة الْوَاحِدَة وَقد يتَعَذَّر ذَلِك إِمَّا بفقدهن أَو لِأَنَّهَا لم ينكحن أَو للْجَهْل بِمِقْدَار مهورهن وَحِينَئِذٍ فالاعتبار بِمِثْلِهَا من الأجنبيات وَتعْتَبر الْعَرَبيَّة بعربية مثلهَا وَالْأمة بِأمة مثلهَا وَينظر إِلَى شرف سَيِّدهَا وَعَدَمه وَيعْتَبر مهر الْمُعتقَة بمعتقة مثلهَا وَيعْتَبر مَعَ مَا ذكرنَا نسَاء الْبَلَد فَإِن كَانَ نسَاء عصباتها ببلدتين هِيَ فِي إِحْدَاهمَا اعْتبر بعصبات بَلَدهَا فَإِن كن كُلهنَّ ببلدة أُخْرَى فالاعتبار بِهن لَا بأجنبيات بَلَدهَا
قلت كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَهُوَ غير خَال عَن الأشكال وبالمثال بِظهْر الاشكال مِثَاله امْرَأَة فِي قَرْيَة من قرى مَدِينَة مثل تِلْكَ الْمَرْأَة فِي قريتها مَعَ ظُهُور الرَّغْبَة أَلفَانِ وَمهر أخواتها فِي الْمَدِينَة مِائَتَان فَكيف تمهر مَعَ الرَّغْبَة بالألفين فَإِن فرض تَسَاوِي البلدين فِي الْمهْر أَو حصل تفَاوت قريب سهل الْأَمر وَإِلَّا فالاشكال قوي فَيَنْبَغِي الْأَخْذ بِهِ وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه تعْتَبر
стр. 360
الْمُشَاركَة فِي الصِّفَات المرغبة كالعفة وَالْجمال وَالسّن وَالْعقل واليسار والبكارة وَالْعلم والفصاحة وَشرف الْأَبَوَيْنِ وَسَائِر الصِّفَات الَّتِي تخْتَلف بهَا الْأَغْرَاض وَمَتى اخْتصّت بِصفة مرغبة زيد فِي مهرهَا وَإِن كَانَ فِيهَا نقص لَيْسَ فِي النسْوَة الْمُعْتَبرَات نقص فِي الْمهْر بِقدر مَا يَلِيق بِهِ وَلَو سامحت وَاحِدَة لم تلْزم الْمُسَامحَة وَالله أعلم قَالَ
(وَلَيْسَ لأَقل الصَدَاق وَأَكْثَره حد وَيجوز أَنه يَتَزَوَّجهَا على مَنْفَعَة مَعْلُومَة)
لَيْسَ للصداق حد فِي الْقلَّة وَلَا فِي الْكَثْرَة بل كل مَا جَازَ أَن يكون ثمنا من عين أَو مَنْفَعَة جَازَ جعله صَدَاقا وَقَالَ أَبُو ثَوْر يتَقَدَّر بِخَمْسَة دَرَاهِم وَأَبُو حنيفَة بِعشْرَة دَرَاهِم وَهَذَا التَّقْدِير إِن ثَبت فِيهِ سنة وَإِلَّا فَهُوَ تحكم وَفِي السّنة الشَّرِيفَة مَا يدل لما قُلْنَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﵊ قَالَ للرجل الَّذِي أَرَادَ التَّزْوِيج التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد وَهُوَ حَدِيث مطول وَفِي آخِره زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن وَفِيه دَلِيل للْمُبَالَغَة فِي الْقلَّة وَجَوَاز جعل الْمَنْفَعَة صَدَاقا وَفِي حَدِيث عَامر بن ربيعَة أَن امْرَأَة من بني فَزَارَة تزوجت على نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أرضيت من نَفسك وَمَالك بنعلين قَالَت نعم فَأَجَازَهُ قلت وَفِي الِاسْتِدْلَال على أبي حنيفَة بِهِ وَقْفَة لجَوَاز أَن النَّعْلَيْنِ كَانَا يعدلان عشرَة دَرَاهِم وَأحسن من هَذَا فِي الرَّد قَوْله ﷺ أَدّوا العلائق قيل وَمَا العلائق قَالَ مَا تراضى بِهِ الأهلون وبالقياس فَيُقَال إِنَّه لَا يتَقَدَّر لِأَنَّهُ بدل مَنْفَعَتهَا فَلَا يتَقَدَّر كالأجرة ثمَّ هَذَا فِي الْمَرْأَة الرشيدة وَفِي سيد الْأمة أما الْوَلِيّ إِذا زوج الْمَحْجُور عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ النُّزُول عَن مهر مثلهَا نعم يسْتَحبّ أَن لَا ينقص عَن عشرَة دَرَاهِم لِلْخُرُوجِ من خلاف أبي حنيفَة وَيسْتَحب أَن لَا يُزَاد على صدَاق أَزوَاج رَسُول الله ﷺ وَهُوَ خَمْسمِائَة دِرْهَم فَإِن قلت فَهَذِهِ أم حَبِيبَة زوج النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ ﵊ أصدقهَا أَرْبَعمِائَة دِينَار
فَالْجَوَاب أَن هَذَا الْقدر من فعل النَّجَاشِيّ ﵁ من مَاله اكراماً لسَيِّد الْأَوَّلين والآخرين ﷺ لِأَنَّهُ ﵊ أَدَّاهُ وَعقد بِهِ وَفعل ذَلِك النَّجَاشِيّ ﵁ جَريا على أَخْلَاق الْمُلُوك اسْتِعْمَالا لحسن الصنيعة وَالله أعلم قَالَ
(وَيسْقط بِالطَّلَاق قبل الدُّخُول نصف الْمهْر)
اعْلَم أَن الْمَرْأَة تملك الصَدَاق بِالْعقدِ الصَّحِيح أَو بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ عقد يملك بِهِ الْعِوَض وَهُوَ
стр. 361
الِانْتِفَاع بالبضع وتوابعه فتملك بِهِ الْعِوَض كَالْبيع وَهَذَا إِذا كَانَت التَّسْمِيَة صَحِيحَة وَإِلَّا فتملك مهر الْمثل ثمَّ استقراره يحصل بطريقين
أَحدهمَا الْوَطْء وَإِن كَانَ حَرَامًا كَالْوَطْءِ فِي الْحيض أَو الاحرام لقَوْله تَعَالَى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ وَفسّر الافضاء بِالْجِمَاعِ وَيحصل ذَلِك بوطأة وَاحِدَة
الطَّرِيق الثَّانِي يسْتَقرّ بِمَوْت أحد الزَّوْجَيْنِ وَلَو قبل الدُّخُول لِأَن بِالْمَوْتِ انْتهى العقد فَكَانَ كاستيفاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ كالاجارة وَيسْتَثْنى من الْمَوْت مَا إِذا قتل السَّيِّد أمته الْمُزَوجَة فَإِنَّهُ يسْقط مهرهَا على الْمَذْهَب فَلَو لم يحصل وَطْء وَلَا موت وحصلت فرقة قبل الدُّخُول نظر إِن كَانَت الْفرْقَة مِنْهَا بِأَن فسخت النِّكَاح بِعَيْبِهِ أَو أرضعت زَوْجَة لَهُ أُخْرَى صَغِيرَة وَنَحْو ذَلِك أَو فسخ النِّكَاح بعيبها فَيسْقط الْجَمِيع وَإِن كَانَت الْفرْقَة لَا بِسَبَب مِنْهَا وَلَا مِنْهُ تشطر الْمهْر وَذَلِكَ كَمَا إِذا طَلقهَا بِنَفسِهِ أَو فوض الطَّلَاق إِلَيْهَا فَفعلت أَو علق طَلاقهَا بِدُخُولِهَا الدَّار وَنَحْوهَا فَدخلت أَو خَالعهَا وَبِكُل فرقة تحصل لَا بِسَبَب من الْمَرْأَة وَاحْتج للتشطير بقوله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وَوجه ذَلِك من جِهَة الْمَعْنى بشيئين وَكَانَ الْقيَاس سُقُوط جَمِيع الْمهْر لِأَن ارْتِفَاع العقد قبل تَسْلِيم الْمَعْقُود عَلَيْهِ يَقْتَضِي سُقُوط جَمِيع الْعِوَض كَمَا فِي البيع والاجارة
أحد الشَّيْئَيْنِ أَن الزَّوْجَة كالمسلمة إِلَى الزَّوْج نَفسهَا بِنَفس العقد لِأَن التَّصَرُّفَات الَّتِي يملكهَا الزَّوْج تنفذ من وَقت النِّكَاح وَلَا تتَوَقَّف على الْقَبْض فَمن حَيْثُ إِنَّه تنفذ تَصَرُّفَاته اسْتَنْفَذَ بِبَعْض الْعِوَض وَمن حَيْثُ أَنه لَا يتَّصل بِهِ الْمَقْصُود سقط بعضه الشَّيْء الثَّانِي أَنا لَو حكمنَا بِسُقُوط الْمهْر جَمِيعه لاحتجنا إِلَى إِيجَاب شَيْء للمتعة فَكَانَ إبْقَاء شَيْء مِمَّا هُوَ وَاجِب أولى من اثبات مَا لم يجب إِذا عرفت هَذَا فَمَتَى يرجع إِلَيْهِ النّصْف الصَّحِيح أَنه يعود إِلَيْهِ بِنَفس الطَّلَاق لقَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أَي فلكم نصف مَا فرضتم فَهُوَ كَقَوْلِه ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْفِرَاق يثبت لَهُ خِيَار الرُّجُوع فِي النّصْف فَإِن شَاءَ تملكه وَإِن شَاءَ تَركه كالشفعة
وَالثَّالِث لَا يرجع إِلَّا بِقَضَاء القَاضِي فعلى الصَّحِيح لَو حدثت فِي الصَدَاق زِيَادَة بعد الطَّلَاق
стр. 362
كَانَ لَهُ نصفهَا سَوَاء كَانَت الزِّيَادَة مُتَّصِلَة أَو مُنْفَصِلَة وَإِن حدث فِي الصَدَاق نقص كَأَن وجد من الزَّوْجَة تعد بِأَن طالبها برد النّصْف فامتنعت مَعَ أرش النَّقْص وَإِن تلف كل الصَدَاق وَالْحَالة هَذِه فعلَيْهَا الضَّمَان وَإِن لم يُوجد مِنْهَا تعد فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا وَهُوَ ظَاهر النَّص وَبِه قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيّ أَنَّهَا تغرم أرش النَّقْص وَإِن تلف غرمت الْبَدَل لِأَنَّهُ مَقْبُوض عَن مُعَاوضَة فَأشبه الْمَبِيع فِي يَد المُشْتَرِي بعد الاقالة وَفِي الْأُم نَص يشْعر بِأَنَّهُ لَا ضَمَان وَبِه قَالَ المراوزة لِأَنَّهُ فِي يَده بِلَا تعد فَأشبه الْوَدِيعَة وَلم يصحح فِي الرَّوْضَة شَيْئا كالشرح الْكَبِير لَكِن رجح الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير الأول فعلى الأول وَهُوَ الْمُصَحح لَو قَالَ الزَّوْج حدث النَّقْص بعد الطَّلَاق فَعَلَيْك الضَّمَان وَقَالَت بل قبله فَلَا ضَمَان عَليّ فَمن الْمُصدق وَجْهَان أصَحهمَا الْمَرْأَة إِذْ الأَصْل بَرَاءَة ذمَّتهَا وَلَو رَجَعَ إِلَيْهِ كل الصَدَاق بنفسخ فَتلف فِي يَدهَا فَهُوَ مَضْمُون عَلَيْهَا كَالْبيع يَنْفَسِخ باقالة أورد بِعَيْب وَالله أعلم
وَقَوله يسْقط نصف الْمهْر يعْنى فِي الدّين فَإِذا أصدقهادينا فِي ذمَّته سقط نصفه بِمُجَرَّد الطَّلَاق على الصَّحِيح وَعند الِاخْتِيَار على الْوَجْه الثَّانِي فَلَو كَانَ أَعْطَاهَا الصَدَاق الَّذِي فِي ذمَّته والمؤدى بَاقٍ فَهَل لَهَا أَن تدفع قدر النّصْف من مَوضِع آخر لِأَن العقد لم يتَعَلَّق بِعَيْنِه أم يتَعَلَّق حَقه فِيهِ لِأَنَّهُ تعين بِالدفع فَأشبه الصَدَاق الْمعِين إبتداء وَجْهَان أصَحهمَا الثَّانِي وَالله أعلم
(فرع) إِذا وهبت الزَّوْجَة الزَّوْج صَدَاقهَا الْمعِين نظر إِن كَانَ بعد أَن قَبضته وَطَلقهَا قبل الدُّخُول فَهَل يرجع عَلَيْهَا قَولَانِ الْأَظْهر عِنْد الْجُمْهُور يرجع بِنصْف بدله إِمَّا الْمثل أَو الْقيمَة وَإِن وهبته إِيَّاه قبل أَن نقبضه فطريقان قيل لَا يرجع قطعا وَالْمذهب طرد الْقَوْلَيْنِ سَوَاء قَبضته أم لَا وَلَو كَانَ الصَدَاق دينا فأبرأته مِنْهُ لم يرجع على الْمَذْهَب كَمَا لَو شهد شَاهِدَانِ بدين وَحكم بِهِ حَاكم ثمَّ أَبْرَأ الْمَحْكُوم لَهُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ ثمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَن الشَّهَادَة فَإِنَّهُمَا لَا يغرمان للمحكوم عَلَيْهِ شَيْئا وَلَو أصدقهَا دينا فقبضته ثمَّ وهبته مِنْهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي هِبته الْعين وَقيل يرجع بالشطر قطعا وَالله أعلم
(فرع) خَالع زَوجته قبل الدُّخُول على شَيْء غير الصَدَاق فَلهُ الْمُسَمّى الَّذِي خَالع عَلَيْهِ وَلها نصف الصَدَاق وَإِن خَالعهَا على صَدَاقهَا فقد خَالعهَا على مَاله وعَلى مَالهَا لِأَنَّهُ عَاد إِلَيْهِ نصف الصَدَاق بِالْخلْعِ فَتحصل الْبَيْنُونَة وَتبطل التَّسْمِيَة فِي نصِيبه وَفِي نصِيبهَا قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة وَإِن صححنا التَّسْمِيَة فِيهِ وَهُوَ الْأَصَح أَي فِي نصِيبهَا فَللزَّوْج الْخِيَار إِن كَانَ جَاهِلا بالتشطير والتفريق فَإِن فسخ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمهْر الْمثل على الْأَظْهر وَفِي قَول بِبَدَل الْمُسَمّى الْمثل إِن كَانَ مثلِيا أَو الْقيمَة وَإِن أجَاز رَجَعَ عَلَيْهَا بِنصْف مهر الْمثل على الْأَظْهر وعَلى القَوْل الآخر بِمثل نصف الصَدَاق أَو قِيمَته وَالله أعلم قَالَ
стр. 363
بَاب الْمُتْعَة فصل فِي الْمُتْعَة وَهِي اسْم لِلْمَالِ الَّذِي يَدْفَعهُ الرجل إِلَى امْرَأَته لمفارقته إِيَّاهَا
الْفرْقَة ضَرْبَان فرقة تحصل بِالْمَوْتِ فَلَا توجب مُتْعَة بالاجماع قَالَه النَّوَوِيّ وَفرْقَة تحصل فِي الْحَيَاة كَالطَّلَاقِ فَإِن كَانَ قبل الدُّخُول نظر إِن لم يتشطر الْمهْر فلهَا الْمُتْعَة وَإِن تشطر فَلَا مُتْعَة لَهَا على الْمَشْهُور وَإِن كَانَ بعد الدُّخُول فلهَا الْمُتْعَة على الْأَظْهر وكل فرقة من الزَّوْج لَا سَبَب فِيهَا أَو من أَجْنَبِي فكالطلاق مثل أَن لَاعن أَو وطئ أَبوهُ أَو ابْنه زَوجته بِشُبْهَة وَنَحْو ذَلِك وَالْخلْع كَالطَّلَاقِ على الصَّحِيح وَلَو علق الطَّلَاق بِفِعْلِهَا فَفعلت أَو لامسها ثمَّ طَلقهَا بعد الْمدَّة بطلبها فكالطلاق على الصَّحِيح وكل فرقة مِنْهَا أَو بِسَبَب لَهَا فِيهَا لَا مُتْعَة فِيهَا كفسخها باعساره أَو غيبته أَو فَسخه بعيبها وَلَو اشْترى زَوجته فَلَا مُتْعَة على الْأَظْهر
وَاعْلَم أَن المعتة يَسْتَوِي فِيهَا الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالْحر وَالْعَبْد والحرة وَالْأمة وَهِي فِي كسب العَبْد ولسيد الْأمة كالمهر وَيسْتَحب فِي الْمُتْعَة أَن لَا تنقص عَن ثَلَاثِينَ درهما وَأما الْوَاجِب فَإِن تَرَاضيا بِشَيْء فَذَاك وَإِن تنَازعا قدرهَا القَاضِي بِاجْتِهَادِهِ على الصَّحِيح وَيعْتَبر حَالهمَا على الصَّحِيح وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر وَيجوز أَن تزاد الْمُتْعَة على نصف مهرهَا على الصَّحِيح لاطلاق الْآيَة وَفِي قَول يشْتَرط أَن لَا تزاد على النّصْف من صَدَاقهَا وَفِي آخر أَن تنقص عَن النّصْف وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْوَلِيمَة على الْعرس فصل والوليمة على الْعرس مُسْتَحبَّة والإجابة إِلَيْهَا وَاجِبَة إِلَّا من عذر
الْوَلِيمَة طَعَام الْعرس مُشْتَقَّة من الولم وَهُوَ الْجمع لِأَن الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب الْوَلِيمَة تقع على كل دَعْوَة تتَّخذ لسرور حَادث كَنِكَاح أَو ختان أَو غَيرهمَا وَالْأَشْهر اسْتِعْمَالهَا عِنْد الاطلاق فِي النِّكَاح وتقيد فِي غَيره فَيُقَال لدَعْوَة الْخِتَان أعذارا ولدعوة الْولادَة عقيقة ولسلامة الْمَرْأَة من الطلق خرس لقدوم الْمُسَافِر نقيعة ولأحداث الْبناء وكيرة وَلما يتَّخذ للمصيبة وضيمة وَلما يتَّخذ بِلَا سَبَب مأدبة قَالَ النَّوَوِيّ لم يبين الْأَصْحَاب من يصنع وَلِيمَة القادم من السّفر وَفِيه خلاف لأهل اللُّغَة فَنقل الْأَزْهَرِي عَن الْفراء أَنه القادم وَقَالَ صَاحب الْمُحكم هُوَ طَعَام يصنع للقادم وَهُوَ الْأَظْهر وَالله أعلم قلت ذكر الْحَلِيمِيّ الْمَسْأَلَة وَقَالَ يسْتَحبّ للْمُسَافِر أَن يطعم النَّاس وَنقل فِيهِ آثاراً عَن الصَّحَابَة وَغَيرهم وَجزم بذلك وَهُوَ عكس مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَالله أعلم وَهل وَلِيمَة الْعرس وَاجِبَة أم لَا قَولَانِ
стр. 364
أَحدهمَا أَنَّهَا وَاجِبَة لقَوْله لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد تزوج أولم وَلَو بِشَاة وَلِأَن ﵊ مَا تَركهَا حضرا وَلَا سفرا وَالْأَظْهَر وَهُوَ مَا جزم بِهِ الشَّيْخ أَنَّهَا مُسْتَحبَّة لقَوْله ﷺ لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة وَلِأَنَّهَا طَعَام لَا يخْتَص بالمحتاجين فَأشبه الْأُضْحِية وَقِيَاسًا على سَائِر الولائم والْحَدِيث الأول مَحْمُول على تَأَكد الِاسْتِحْبَاب وَقيل إِنَّهَا فرض كِفَايَة إِذا فعلهَا وَاحِد اَوْ اثْنَان فِي نَاحيَة وشاع وَظهر سقط عَن البَاقِينَ وَأما سَائِر الولائم غير وَلِيمَة الْعرس فَالْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور أَنَّهَا مُسْتَحبَّة وَلَا تتأكد تَأَكد وَلِيمَة الْعرس وَفِي قَول إِن سَائِر الولائم وَاجِبَة وَهُوَ قَول مخرج وَأَقل الْوَلِيمَة للقادر شَاة لِأَنَّهُ ﵊ أَو لم على زَيْنَب بنت جحش ﵂ بِشَاة وَبِأَيِّ شَيْء أولم كفى لِأَنَّهُ ﵊ أولم على صَفِيَّة ﵂ بسويق وتمر وَأما الْإِجَابَة إِلَى الْوَلِيمَة فَإِن كَانَت وَلِيمَة عرس فَإِن أَوجَبْنَا الْوَلِيمَة وَجَبت وَإِن لم نوجبها وَجَبت الْإِجَابَة على الرَّاجِح وَرجح الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيّ وَغَيرهم للأحاديث الصَّحِيحَة من دعِي إِلَى وَلِيمَة فليأتها وَفِي رِوَايَة من لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله رَوَاهُ مُسلم وَأما غير وَلِيمَة الْعرس فَالْمَذْهَب أَن الْإِجَابَة إِلَيْهَا مُسْتَحبَّة ثمَّ إِذا أَوجَبْنَا الْإِجَابَة فَهِيَ فرض عين على الرَّاجِح وَقيل فرض كِفَايَة ثمَّ الْإِجَابَة حَيْثُ أوجبناها أَو استحببناها إِنَّمَا تجب أَو تسْتَحب بِشُرُوط وَهِي معنى قَول الشَّيْخ إِلَّا من عذر
أَحدهَا أَن يعم بدعوته جَمِيع عشيرته أَو جِيرَانه أَو أهل جيرته أَو أهل حرفته أغنيائهم وفقرائهم دون مَا إِذا خص الْأَغْنِيَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة يمْنَعهَا من يَأْتِيهَا ويدعى إِلَيْهَا من يأباها
стр. 365
الثَّانِي أَن يَخُصُّهُ بالدعوة بِنَفسِهِ أَو يبْعَث إِلَيْهِ شخصا أما إِذا فتح بَاب دَاره وَقَالَ ليحضر من أَرَادَ أَو يبْعَث شخصا ليحضر من أَرَادَ أَو قَالَ لشخص احضر واحضر مَعَك من شِئْت فَلَا تجب الْإِجَابَة وَلَا تسْتَحب
الثَّالِث أَن لَا يكون إِحْضَاره لخوف مِنْهُ لكَونه من الظلمَة أَو أعوانهم أَو كَونه قَاضِي الظلمَة أَو أعوانه وَنَحْو ذَلِك وَأَن لَا يطْمع فِي جاهه أَو ليعاونه على مطلب من بَاطِل بل يكون للتقرب والتودد
الرَّابِع أَن لَا يكون هُنَاكَ من يتَأَذَّى بِهِ لحضوره لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بِهِ مُجَالَسَته فَإِن كَانَ فَهُوَ مَعْذُور فِي التَّخَلُّف كَأَن يَدْعُو السفلة وَهُوَ ذُو شرف والسفلة أسقاط النَّاس كالسوقة والجلاوزة وهم رسل الظلمَة وقضاة الرشا والقلندرية وفقراء الزوايا الَّذين يأْتونَ ولائم من دب ودرج من المكسة وَغَيرهم فَإِنَّهُم أرذل الأرذال وَمثل ذَلِك وأشباهه وَهُوَ شَيْء لَا يخفى وَمن ذَلِك طَالب علم يقْصد بِطَلَبِهِ معرفَة الْعلم لأجل حفظ الشَّرِيعَة وَيَدْعُو مَعَه طلبة قد ظهر عَلَيْهِم طلب الْعلم لأجل الدُّنْيَا والترفع على الأقران وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَا يجب عَلَيْهِ الْحُضُور وَكَذَلِكَ أَمر الصُّوفِي الصَّادِق فِي سلكوه لَا يجب عَلَيْهِ الْحُضُور إِذا دَعَا غَيره من صوفية هَذَا الزَّمَان الَّذين يأْتونَ دَعْوَة كل بر وَفَاجِر ويتعبدون بآلات اللَّهْو والطرب وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذِه أُمُور ظَاهِرَة لَا تخفى إِلَّا على أكمه لَا يعرف الْقَمَر
الْخَامِس أَن لَا يكون هُنَاكَ مُنكر كشرب الْخمر والملاهي من زمر وَغَيره فَإِن كَانَ نظر إِن كَانَ مِمَّن إِذا حضر رفع الْمُنكر فليحضر إِجَابَة للدعوة وَإِزَالَة للْمُنكر وَإِلَّا حرم عَلَيْهِ الْحُضُور لِأَن كالراضي بالمنكر وَإِقْرَاره وَفِي وَجه يجوز لَهُ الْحُضُور فَلَا يسمع وينكر بِقَلْبِه كَمَا لَو كَانَ فِي جواره مُنكر يضْرب فَلَا يلْزمه التَّحَوُّل وَإِذا بلغه الصَّوْت قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا الْوَجْه غلط وَهُوَ خطأ وَلَا يغتر بجلالة صَاحب التَّنْبِيه وَنَحْوه من ذكره وَالله أعلم فعلى الصَّحِيح لَو لم يعلم بالمنكر حَتَّى حضر نَهَاهُم فَإِن لم ينْتَهوا فَليخْرجْ فَإِن قعد حرم عَلَيْهِ الْقعُود على الصَّحِيح فَإِن تعذر عَلَيْهِ الْخُرُوج بِأَن كَانَ فِي ليل وَهُوَ يخَاف من الْخُرُوج قعد وَهُوَ كارهه وَلَا يستمع فَإِن اسْتمع فَهُوَ عَاص وَفِي الحَدِيث إِن من جلس واستمع إِلَى قينة صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك وَهُوَ الرصاص الْمُذَاب وَمن الْمُنكر فرش الْحَرِير وصور الْحَيَوَانَات على الجدران والسقوف وَالثيَاب الْحَرِير الملبوسة كَمَا يصنعه مخانثة الرِّجَال من أَبنَاء الدُّنْيَا الملعونون على لِسَان النُّبُوَّة من تشبههم بِالنسَاء وَمن اعْتقد حلّه بعد تَعْرِيفه بِالتَّحْرِيمِ فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ اعْتقد حل مَا جَاءَ الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ فيستتاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه وَيجب على من حضر إِنْكَاره على اللابس وَلَا يسْقط عَنهُ الْإِنْكَار بِحُضُور فُقَهَاء السوء فَإِنَّهُم مفسدون للشريعة وَلَا بفقراء الرجس فَإِنَّهُم جهلة أَتبَاع كل ناعق لَا يَهْتَدُونَ بِنور الْعلم ويميلون مَعَ كل ريح
стр. 366
الشَّرْط السَّادِس أَن يَدعُوهُ فِي الْيَوْم الأول فَلَو أولم ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا تجب فِي الثَّانِي بِلَا خلاف وَلَا يتَأَكَّد استحبابها كَالْيَوْمِ الأول وَتكره الْإِجَابَة فِي الْيَوْم الثَّالِث
الشَّرْط السَّابِع أَن يَدعُوهُ مُسلم فَإِن دَعَاهُ ذمِّي فَلَا تجب الْإِجَابَة على مَا قطع بِهِ الْجُمْهُور لِأَن مُخَالطَة الذِّمِّيّ مَكْرُوهَة لنجاسته وتصرفاته الْفَاسِدَة وَغير ذَلِك وَلِأَن فِي ذَلِك مواددة قَالَ الرَّافِعِيّ هُنَا وَهِي مَكْرُوهَة لكنه جزم فِي آخر بَاب الْجِزْيَة بِأَن مواددته حرَام
قلت وَهُوَ الصَّوَاب وتدل لَهُ الْآيَات الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن فِي غير مَوضِع قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيه فقد نفى وَقَالَ الله تَعَالَى الوجدان مِمَّن آمن فَدلَّ على أَن من واددهم لَيْسَ بِمُؤْمِن وَقد عدى بعض الْعلمَاء ذَلِك إِلَى مواددة الفسقة من الْمُسلمين فَحرم مجالسة الْفُسَّاق على سَبِيل المؤانسة وَقد صرح الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ بذلك فِي كتاب الشَّهَادَات وَلِهَذَا كَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يطوف بِالْبَيْتِ فَقدم الرشيد يُرِيد الطّواف فَقطع سُفْيَان طَوَافه وَذهب وتلا هَذِه الْآيَة ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ الْآيَة وَكَذَلِكَ صنع ابْن أبي وراد وَتمسك أُولَئِكَ بِعُمُوم اللَّفْظ وَالله أعلم
(فرع) لَو اعتذر الْمَدْعُو إِلَى صَاحب الدعْوَة فرضى بتخلفه زَالَ الْوُجُوب وَلَو دَعَاهُ جمَاعَة أجَاب الأسبق فَإِن جاؤوا مَعًا أجَاب الْأَقْرَب رحما ثمَّ الْأَقْرَب دَارا كالصدقة وَالصَّوْم لَيْسَ عذرا فِي ترك الْإِجَابَة فَإِن حضر وَكَانَ فِي صَوْم فرض مضيف حرم الْفطر قطعا وَكَذَا إِن كَانَ غير مضيق على الرَّاجِح وَإِن كَانَ فِي صَوْم نفل فَإِن لم يشق على صَاحب الدعْوَة صَوْمه اسْتحبَّ إتْمَام صَوْمه وَإِن شقّ عَلَيْهِ اسْتحبَّ لَهُ الْفطر ثمَّ الْمُفطر هَل يجب عَلَيْهِ أَن يَأْكُل وَلَو لقْمَة فِيهِ خلاف الصَّحِيح فِي الرَّوْضَة هُنَا تبعا للرافعي أَنه مُسْتَحبّ لِأَن الْمَقْصُود الْحُضُور وَقد وجد وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي شرح صَحِيح مُسلم فِي بَاب الْوَلِيمَة وَاخْتَارَ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه وجوب الْأكل وَصرح بِهِ فِي شرح مُسلم فِي بَاب نذر الصَّوْم فَقَالَ الصَّحِيح أَنه يلْزمه الْأكل عندنَا وَالله أعلم
(فرع) الْمَرْأَة إِذا دعت النِّسَاء فَهُوَ كَمَا ذكرنَا فِي الرِّجَال فَإِن كَانَ رجلا أَو رجَالًا قَالَ فِي الرَّوْضَة وَجَبت الْإِجَابَة إِذا لم تكن خلْوَة مُحرمَة قَالَ الاسنائي وَفِي تَعْبِيره بِالْوُجُوب نظر من جِهَة أَن شَرط الدعْوَة أَن تكون عَامَّة كالعشيرة والإخوان وَأهل الصِّنَاعَة فَكيف يَجِيء الْوُجُوب عِنْد دَعْوَة الرجل
стр. 367
الْوَاحِد وَعبارَة الرَّافِعِيّ صَحِيحَة فَإِنَّهُ عبر بتجاب فَصرحَ فِي الرَّوْضَة بِالْوُجُوب فَحصل الْخلَل انْتهى قلت صُورَة الْمسَائِل عِنْد الدعْوَة الْعَامَّة والتنصيص على هَذَا الرجل بِعَيْنِه فَلَا خلل وَالله أعلم قَالَ
بَاب التَّسْوِيَة بَين الزَّوْجَات فصل والتسوية فِي الْقسم بَين الزَّوْجَات وَاجِبَة وَلَا يدْخل على غير الْمَقْسُوم لَهَا لغير حَاجَة
يجب على كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ معاشرة صَاحبه بِالْمَعْرُوفِ وَيجب على كل وَاحِد بذل مَا يجب عَلَيْهِ بِلَا مطل وَلَا إِظْهَار كَرَاهِيَة بل يُؤَدِّيه وَهُوَ طلق الْوَجْه والمطل مدافعة الْحق مَعَ الْقُدْرَة وَهُوَ ظلم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَالْمرَاد تماثلها فِي وجوب الْأَدَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يجب عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وجماع الْمَعْرُوف الْكَفّ عَمَّا يكره وإعفاء صَاحب الْحق من مُؤنَة الطّلب وتأديته بِلَا كَرَاهَة قَالَه الشَّافِعِي فَإِذا كَانَ تَحت الشَّخْص زوجتان فَأكْثر فَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يقسم لَهُنَّ لِأَن الْمبيت حَقه فَلهُ تَركه كسكنى الدَّار الْمُسْتَأْجرَة وَالْحكمَة فِي ذَلِك أَن فِي دَاعِيَة الطَّبْع مَا يُغني عَن الْإِيجَاب نعم يسْتَحبّ الْقسم وَلَا يعضلهن لِأَنَّهُ إِضْرَار وَفِي وَجه لَيْسَ لَهُ الْإِعْرَاض عَنْهُن فَإِذا أَرَادَ أَن يبيت عِنْد وَاحِدَة وَجب عَلَيْهِ الْقسم وَلَا يبْدَأ بِوَاحِدَة إِلَّا بِقرْعَة أَو بِإِذن الْبَاقِيَات لِأَنَّهُ الْعدْل فَإِذا قسم وَجب عَلَيْهِ التَّسْوِيَة وَلها اعتباران اعْتِبَار بِالْمَكَانِ وَاعْتِبَار بِالزَّمَانِ أما الْمَكَان فَيحرم عَلَيْهِ أَن يجمع بَين زَوْجَتَيْنِ أَو زَوْجَات فِي مسكن وَاحِد وَلَو لَيْلَة وَاحِدَة إِلَّا برضاهن لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى كَثْرَة الْمُخَاصمَة وَالْخُرُوج عَن الطَّاعَة لما بَينهمَا من الوحشة وَلَيْسَ ذَلِك من المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ وَلِأَن كل وَاحِدَة تسْتَحقّ السُّكْنَى فَلَا يلْزمهَا الِاشْتِرَاك كَمَا لَا يلْزمهَا الِاشْتِرَاك فِي كسْوَة وَاحِدَة يتناوبانها وَهَذَا عِنْد اتِّحَاد الْمرَافِق وَإِلَّا فَيجوز إِذا كَانَ لائقاً بِالْحَال
وَاعْلَم أَن الْجمع بَين الزَّوْجَة والسرية أَو السراري فِي بَيت وَاحِد حرَام كالزوجات صرح بِهِ الرَّوْيَانِيّ وَالله أعلم وَأما الزَّمَان فَاعْلَم أَن عماد الْقسم اللَّيْل وَالنَّهَار تَابع لَهُ لِأَن الله تَعَالَى جعله سكناً وَالنَّهَار للتردد فِي الْمصَالح وَهَذَا حكم غَالب النَّاس أما من يعْمل لَيْلًا كالحارس فعماد قسمه النَّهَار وَاللَّيْل تبع وعماد قسم الْمُسَافِر وَقت نُزُوله لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا كثيرا كَانَ أَو قَلِيلا إِذا عرفت هَذَا فَمن عماده الْقسم بِاللَّيْلِ يحرم عَلَيْهِ أَن يدْخل فِي نوبَة وَاحِدَة على أُخْرَى لَيْلًا سَوَاء كَانَ
стр. 368
لغير حَاجَة أَو لحَاجَة كعيادة وَغَيرهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَنقل الْمُزنِيّ فِي الْمُخْتَصر عَن الشَّافِعِي أَنه يجوز أَن يعودها لَيْلًا فِي نوبَة غَيرهَا وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّيْخ وَقَالَ عَامَّة الْأَصْحَاب إِن الْمُزنِيّ سَهَا فِي النَّقْل عَن الشَّافِعِي وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي يَوْم غَيرهَا نعم لَو دخل نَهَارا لحَاجَة كأخذ حَاجَة أَو تَعْرِيف خبر أَو تَسْلِيم نَفَقَة أَو وضع مَتَاع وَنَحْو ذَلِك فَلَا قَضَاء على الصَّحِيح وَقيل النَّهَار كالليل نعم يجوز الدُّخُول فِي نوبَة الْغَيْر للضَّرُورَة بِلَا خلاف وَاخْتلف فِي الضَّرُورَة الَّتِي تجوز الدُّخُول لَيْلًا فِي نوبَة الضرة فَقَالَ ابْن الصّباغ هِيَ مثل أَن تَمُوت أَو يكون منزولاً بهَا فِي النزع وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَغَيره الضَّرُورَة كالمرض الشَّديد وَقَالَ الْغَزالِيّ هِيَ كالمرض الْمخوف وَكَذَا الْمَرَض الَّذِي يحْتَمل كَونه مخوفا فَيدْخل ليتبين الْحَال وَفِي وَجه لَا يدْخل حَتَّى يتَحَقَّق أَنه مخوف ثمَّ إِذا دخل على الضرة للضَّرُورَة فَإِن مكث سَاعَة طَوِيلَة قضى لصاحبة النّوبَة مثل ذَلِك الْقدر فِي نوبَة الْمَدْخُول عَلَيْهَا وَإِن لم يمْكث إِلَّا لَحْظَة يسيرَة فَلَا قَضَاء وَلَو تعدى بِالدُّخُولِ فَدخل بِلَا ضَرُورَة وَلَو كَانَ لحَاجَة نظر إِن طَال الزَّمَان قضى وَإِلَّا فَلَا يقْضى وَلكنه يَعْصِي وَفِي الحَدِيث من
رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فَمن كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَال إِلَى إِحْدَاهمَا وَفِي رِوَايَة فَلم يعدل بَينهمَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وشقة مائل وَفِي رِوَايَة سَاقِط وَإِذا سَاوَى بَينهُنَّ فِي الظَّاهِر لم يُؤَاخذ بِزِيَادَة ميل قلبه إِلَى بَعضهنَّ وَلَا تجب التَّسْوِيَة فِي الْجِمَاع لَكِن تسْتَحب التَّسْوِيَة فِيهِ وَفِي سَائِر الاستمتاعات وَوجه عدم التَّسْوِيَة فِي الْجِمَاع بِأَنَّهُ أَمر مُتَعَلق بالشهوة وَهِي أَمر لَا يَتَأَتَّى فِي كل وَقت إِذْ لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ يقسم فيعدل وَيَقُول اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك فَلَا تلمني فِيمَا تملك وَلَا أملك يَعْنِي الْقلب
وَاعْلَم أَن الْقسم تستحقه الْمَرِيضَة والرتقاء والقرناء وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء والمحرمة وَالْمولى عَلَيْهَا والمظاهر مِنْهَا والمراهقة والمجنونة الَّتِي لَا يخَاف مِنْهَا لِأَن المُرَاد الْأنس وَاسْتثنى الْمُتَوَلِي الْمُعْتَدَّة عَن وَطْء شُبْهَة لِأَنَّهُ تحرم الْخلْوَة بهَا وَهَذَا كُله عِنْد طَاعَة الزَّوْجَة أما لَو نشزت عَن زَوجهَا بِأَن خرجت من منزلَة أَو أَرَادَ الدُّخُول عَلَيْهَا فأغلقت الْبَاب ومنعته أَو ادَّعَت أَنه طلق أَو منعته التَّمْكِين من نَفسهَا فَلَا قسم لَهَا كَمَا لَا نَفَقَة لَهَا وَإِذا عَادَتْ إِلَى الطَّاعَة لم تسْتَحقّ الْقَضَاء وَامْتِنَاع الْمَجْنُونَة كامتناع الْعَاقِلَة لَكِن لَا تأثم وَالله أعلم قَالَ
стр. 369
(وَإِذا أَرَادَ السّفر أَقرع بَينهُنَّ وَيخرج بِالَّتِي تخرج لَهَا الْقرعَة)
الأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ السّفر أَقرع بَين نِسَائِهِ فأيتهن خرج سهمها خرج بهَا فَإِذا سَافر بِالْقُرْعَةِ لم يقْض مُدَّة الذّهاب والإياب وَالْإِقَامَة فِي الْبلدَانِ إِذا لم ينْو الْإِقَامَة بهَا مُدَّة تزيد على مُدَّة الْمُسَافِرين وَلَا امْتَدَّ مقَامه وَسَوَاء كَانَ السّفر طَويلا أَو قَصِيرا لِأَنَّهُ ﵊ سَافر بعائشة ﵂ وَلم ينْقل أَنه قضى بعد عوده بل ظهر أَنه كَانَ يَدُور على النّوبَة بل رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنه مَا كَانَ يقْضِي وَلِأَن المسافرة تحملت مشاق بِإِزَاءِ مقَام الزَّوْج مَعهَا فَلَو قضى لتوفر حَظّ المقيمات
وَاعْلَم أَن مُدَّة السّفر إِنَّمَا لَا تقضي بِشُرُوط
أَحدهَا أَن يقرع فَإِن لم يقرع قضى للمتخلفات وَيَقْضِي جَمِيع مُدَّة مَا بَين إنْشَاء السّفر إِلَى رُجُوعه إلَيْهِنَّ على الصَّحِيح
الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يقْصد بِسَفَرِهِ النقلَة فَإِن قصد النقلَة فَلَا يجوز أَن يستصحب فِيهِ بَعضهم دون بعض بِقرْعَة وَلَا بغَيْرهَا فَلَو فعل قضى للمتخلفات على الصَّحِيح وَقيل إِن أَقرع فَلَا يقْضِي مُدَّة السّفر وَلَا يجوز أَن يخلف نِسَاءَهُ بل ينقلهن بِنَفسِهِ أَو بوكيله أَو يُطَلِّقهُنَّ لما فِي تخلفهن من الْإِضْرَار بِهن قَالَ الرَّافِعِيّ كَذَا أطلقهُ الْغَزالِيّ وَفِيمَا علق عَن الإِمَام أَن ذَلِك أدب وَلَيْسَ بِوَاجِب
الشَّرْط الثَّالِث أَن لَا يعزم على الْإِقَامَة كَمَا تقدم فَلَا يقْضِي مُدَّة السّفر أما إِذا صَار مُقيما فَينْظر فَإِن انْتهى إِلَى مقْصده الَّذِي نوى فَإِن نوى إِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام فَأكْثر أَو نَوَاهَا عِنْد دُخُوله قضى مُدَّة إِقَامَته وَفِي مُدَّة الرُّجُوع وَجْهَان الصَّحِيح لَا يقْضِي كمدة الذّهاب وَإِن لم ينْو الْإِقَامَة وَأقَام قَالَ الإِمَام وَالْغَزالِيّ إِن أَقَامَ يَوْمًا لم يقضه وَالْأَقْرَب مَا ذكره الْبَغَوِيّ إِن زَاد مقَامه فِي بلد على مقَام الْمُسَافِرين وَجب قَضَاء الزَّائِد وَلَو أَقَامَ لشغل ينتظره فَفِي الْقَضَاء خلاف كالخلاف فِي التَّرَخُّص قَالَ الْمُتَوَلِي إِن قُلْنَا يترخص لم يقْض وَإِلَّا فَيَقْضِي مَا زَاد على مُدَّة الْمُسَافِرين وَالْمذهب فِي التَّرَخُّص أَنه إِن كَانَ يتَوَقَّع تَنْجِيز شغله سَاعَة بعد سَاعَة ترخص ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وَإِن علم أَنه لَا يتنجر فِي أَرْبَعَة أَيَّام لم يترخص أصلا وَلَو استصحب وَاحِدَة بِقرْعَة ثمَّ عزم على الْإِقَامَة فِي بلد وَكتب إِلَى الْبَاقِيَات يستحضرهن فَفِي وجوب الْقَضَاء من وَقت كِتَابَته وَجْهَان حَكَاهَا الْبَغَوِيّ وَلم يرجح الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فيهمَا شَيْئا وَلَو كَانَ تَحْتَهُ نسْوَة وَله إِمَاء هَل لَهُ أَن يُسَافر بِأمة بِلَا قرعَة وَجْهَان قَالَ الرَّافِعِيّ الْقيَاس الْجَوَاز وَقَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم
стр. 370
(فرع) وَلَو وهبت وَاحِدَة حَقّهَا من الْقسم للزَّوْج لم يلْزمه الْقبُول وَله أَن يبيت عِنْدهَا فِي نوبتها فَإِن رَضِي بِالْهبةِ نظر إِن وهبت لمعينة جَازَ ويبيت عِنْد الْمَوْهُوبَة لَيْلَتَيْنِ وَلَا يشْتَرط فِي هَذِه الْهِبَة رضَا الْمَوْهُوب لَهَا على الصَّحِيح وَلَو وهبت حَقّهَا للزَّوْج فَهَل لَهُ أَن يخْتَص وَاحِدَة بنوبة الواهبة وَجْهَان
أَحدهمَا نعم وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيّ وَغَيره وَإِلَيْهِ ميل الْأَكْثَرين وَلَو وهبت حَقّهَا لجَمِيع الضرات أَو أسقطت حَقّهَا مُطلقًا وَجَبت التَّسْوِيَة فِيهِ بَين الْبَاقِيَات بِلَا خلاف وللواهبة الرُّجُوع مَتى شَاءَت وَيعود حَقّهَا فِي الْمُسْتَقْبل لِأَن الْمُسْتَقْبل هبة لم تقبض حَتَّى لَو رجعت فِي أثْنَاء اللَّيْل يخرج من عِنْد الْمَوْهُوب لَهَا وَمَا مضى لَا يُؤثر الرُّجُوع فِيهِ وَكَذَا مَا فَاتَ قبل علم الزَّوْج بِالرُّجُوعِ لَا يُؤثر فِيهِ الرُّجُوع فَلَا يَقْضِيه على الْمَذْهَب وَشبهه الْغَزالِيّ بِمَا إِذا أَبَاحَ ثَمَرَة بستانه ثمَّ رَجَعَ فَأكل الْمُبَاح لَهُ بَعْضهَا قبل الْعلم بِالرُّجُوعِ وَفِي هَذِه الصُّورَة طَرِيقَانِ فَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد فِي وجوب الْغرم قَولَانِ كَمَسْأَلَة الْوَكِيل وَعَن الصيدلاني الْقطع بالغرم وَمَال إِلَيْهِ الإِمَام لِأَن الغرامات يَسْتَوِي فِيهَا الْعلم وَالْجهل كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَقَوْلهمْ إِن الإِمَام مَال إِلَى الْغرم مَمْنُوع فَفِي النِّهَايَة الْجَزْم بِعَدَمِ الْغرم وَالله أعلم
(مَسْأَلَة) لَا يجوز للْمَرْأَة أَن تَأْخُذ عَن حَقّهَا من الْقسم عوضا لَا من الزَّوْج وَلَا من الضرة فَإِن أخذت لَزِمَهَا رده لِأَن الْحُقُوق لَا تقبل الْعِوَض كحق الشُّفْعَة وَغَيره وَلِهَذَا لَا يجوز أَخذ الْعِوَض بالنزول عَن الْوَظَائِف وَإِن جرت عَادَة المتساهلي من الْفُقَهَاء بذلك وَالله أعلم قَالَ
(وَإِن تزوج جَدِيدَة خصيها بِسبع لَيَال إِن كَانَت بكرا وَأقَام عِنْدهَا سبعا وَإِن كَانَت ثَيِّبًا بِثَلَاث)
إِذا جدد الشَّخْص نِكَاح امْرَأَة وَعِنْده زوجتان مثلا قد قسم لَهما قطع الدّور للجديدة فَإِن كَانَت بكرا أَقَامَ عِنْدهَا سبعا أَو ثَيِّبًا ثَلَاثًا وَلَا يقْضِي لقَوْل أنس ﵁ من السّنة إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا سبعا ثمَّ قسم وَإِذا تزوج الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا ثمَّ قسم وَقَالَ أَبُو قلَابَة لَو شِئْت لَقلت إِن أنسا ﵁ رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ وَالْمعْنَى فِي ذَلِك زَوَال الحشمة بَين الزَّوْجَيْنِ وَهَذَا التَّخْصِيص وَاجِب على الزَّوْج على الْمَذْهَب حَتَّى قَالَ الْمُتَوَلِي لَو خرج بعض تِلْكَ اللَّيَالِي بِعُذْر قضى عِنْد التَّمَكُّن وَتجب الْمُوَالَاة بَين السَّبع وَالثَّلَاث لِأَن الحشمة لَا تَزُول بالمتفرق فَلَو فرق فَفِي الاحتساب بالمفرق وَجْهَان ظَاهر كَلَام الْجُمْهُور الْمَنْع وَإِن كَانَت الجديدة ثَيِّبًا اسْتحبَّ لَهُ أَن يخيرها بَين أَن يُقيم عِنْدهَا ثَلَاثًا بِلَا قَضَاء وَبَين أَن يُقيم عِنْدهَا سبعا وَيَقْضِي
стр. 371
للباقيات كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ بِأم سَلمَة فَإِن اخْتَارَتْ السَّبع قضى للباقيات السَّبع وَإِن أَقَامَ بِغَيْر اخْتِيَارهَا لم يقْض إِلَّا الْأَرْبَع الزَّائِدَة هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَصْحَاب وَلَو التمست أَرْبعا أَو خمْسا لم يقْض إِلَّا مَا زَاد على الثَّلَاث وَلَو طلبت الْبكر عشرا لم تجز إجابتها فَإِن أجابها لم يقْض إِلَّا مَا زَاد على السَّبع وَالله أعلم
(فرع) وفى الزَّوْج حق الجديدة من الزفاف ثمَّ طَلقهَا ثمَّ رَاجعهَا فَلَيْسَ لَهَا حق الزفاف لِأَن الرَّجْعِيَّة بَاقِيَة على النِّكَاح الأول وَقد وفى حَقه وَإِن أَبَانهَا ثمَّ جدد نِكَاحهَا فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه يجدد حَقّهَا من الزفاف لِأَنَّهُ نِكَاح جَدِيد وَالله اعْلَم قَالَ
(وَإِذا بَان نشوز الْمَرْأَة وعظها فَإِن أَبَت إِلَّا النُّشُوز هجرها فَإِن أَقَامَت عَلَيْهِ ضربهَا وَيسْقط بالنشوز قسمهَا ونفقتها)
إِذا ظهر من الْمَرْأَة أَمَارَات النُّشُوز إِمَّا بالْقَوْل مثل إِن اعتادت حسن الْكَلَام أَو كَانَ إِذا دَعَاهَا أجابت بلبيك وَنَحْوه فَتغير ذَلِك وَإِمَّا بِالْفِعْلِ بِأَن كَانَت فِي حَقه طَلْقَة الْوَجْه فأظهرت عبوسة أَو أبدت إعْرَاضًا على خلاف مَا أَلفه من حسن الْمُلْتَقى وعظها بالْكلَام بِأَن يَقُول مَا هَذَا التَّغْيِير الَّذِي حدث مِنْك وَكنت ألفت مِنْك غير ذَلِك فاتقي الله فَإِن حَقي وَاجِب عَلَيْك وَيبين لَهَا أَن النُّشُوز يسْقط النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالْقسم وَحجَّة ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ وَلَا يهجرها وَلَا يضْربهَا لاحْتِمَال أَن لَا يكون ذَلِك نُشُوزًا ولعلها تبدي عذرا أَو تتوب وَيحسن أَن يبرها ويستميل قَلبهَا فَإِن أَبَت إِلَّا النُّشُوز وَظهر ذَلِك مِنْهَا بِأَن دَعَاهَا إِلَى فرَاشه فَأَبت وَصَارَت بِحَيْثُ يحْتَاج فِي ردهَا إِلَى الطَّاعَة إِلَى تَعب لَا امْتنَاع دلال أَو خرجت من منزله وَنَحْو ذَلِك هجرها فِي المضجع وَلَا يهجرها فِي الْكَلَام وَهل هجرانها فِي الْكَلَام حرَام أم مَكْرُوه فِي وَجْهَان عَن الإِمَام قَالَ الإِمَام وَعِنْدِي أَنه لَا يحرم الِامْتِنَاع من الْكَلَام أبدا نعم إِذا كلم فَعَلَيهِ أَن يُجيب كجواب السَّلَام وابتدائه قَالَ الرَّافِعِيّ وَلمن قَالَ بِالتَّحْرِيمِ أَن يَقُول لَا منع من ترك الْكَلَام بِلَا قصد أما إِذا قصد الهجران فَحَرَام كَمَا أَن الطّيب وَنَحْوه إِذا تَركه الْإِنْسَان بِلَا قصد لَا يَأْثَم وَلَو قصد بترك إِلَّا حداد أَثم وَحكى عَن الشَّافِعِي أَنه لَو هجرها بالْكلَام لم يزدْ على ثَلَاثَة فَإِن زَاد أَثم قَالَ ابْن الرّفْعَة وَمحل الْخلاف فَوق الثَّلَاث أما الثَّلَاث فَلَا يحرم قطعا قَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب الْجَزْم بِتَحْرِيم الهجران فِيمَا زَاد على ثَلَاثَة أَيَّام وَعدم التَّحْرِيم فِي الثَّلَاث للْحَدِيث الصَّحِيح لَا يحل لمُسلم أَن
стр. 372
يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرهم هَذَا فِي الهجران لغير عذر شَرْعِي فَإِن كَانَ عذر بِأَن كَانَ المهجور مَذْمُوم الْحَال لبدعة أَو فسق أَو نَحْوهمَا أَو كَانَ فِيهِ صَلَاح لدين الهاجر أَو المهجور فَلَا يحرم وعَلى هَذَا يحمل مَا ثَبت من هجر النَّبِي ﷺ كَعْب بن مَالك وصاحبيه وَنَهْيه ﵊ الصَّحَابَة عَن كَلَامهم وَكَذَا مَا جَاءَ من هجران السّلف بَعضهم بَعْضًا كَذَا ذكره هُنَا وَقَالَ فِي كتاب الْإِيمَان وهجران الْمُسلم حرَام فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَهَذَا إِذا كَانَ الهجر لحظوظ النَّفس وتعقبات أهل الدُّنْيَا فَأَما إِذا كَانَ المهجور مبتدعاً أَو متجاهراً بالظلم أَو الْفسق فَلَا تحرم مهاجرته أبدا وَكَذَا إِذا كَانَ فِي المهاجرة مصلحَة دينية وَالله أعلم
قلت وَأَشد النَّاس فسقاً من الْمُسلمين فُقَهَاء السوء وفقراء الرجس الَّذين يَتَرَدَّدُونَ إِلَى الظلمَة طَمَعا فِي مزابلتهم مَعَ علمهمْ بِمَا هم عَلَيْهِ من شرب الْخُمُور وأنواع الْفُجُور وَأخذ المكوس وقهر النَّاس على مَا تدعوهم إِلَيْهِ أنفسهم الامارة وَسَفك الدِّمَاء وقمع من دعاهم إِلَى مَا نزلت بِهِ الْكتب وَأرْسلت بِهِ الرُّسُل فَلَا يغتر بصنع هَؤُلَاءِ الأراذل من الْفُقَهَاء وَيجب اتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ سيد السَّابِقين واللاحقين ﷺ وَقد حرر بعض فُقَهَاء الْعَصْر بحثا فِيمَن يتعاطى شَيْئا يحصل بِهِ اعْتِقَاد حل مَا حرم الله لأجل عدم إِنْكَاره ذَلِك لِأَن بِهِ تُقَام الشَّرِيعَة فَقَالَ من ألْقى مُصحفا فِي القاذورة كفر وَإِن ادّعى الْإِيمَان لِأَن ذَلِك يدل على استهزائه بِالدّينِ فَهَل يكون متعاطي سَبَب اندراس الشَّرِيعَة أولى بالتكفير أم لَا وَجعل هَذَا أولى لِأَن مثل ذَلِك قد يخفى على الْعَوام بِخِلَاف إِلْقَاء الْمُصحف شرفه الله تَعَالَى وَلِأَن السَّبَب الْمُؤَدِّي إِلَى طمس الدّين وإماتة الْحق أدل دَلِيل على خبث الطوية وَإِن قَالَ إِن سَرِيرَته حَسَنَة كَمَا قَالَه عَليّ ﵁ وَهَذَا جلي لَا شكّ فِيهِ وَالله أعلم
أما إِذا تكَرر مِنْهَا الهجران وأصرت عَلَيْهِ فَلهُ الهجران وَالضَّرْب بِلَا خلاف وَهَذِه هِيَ الطَّرِيقَة الصَّحِيحَة الْمُعْتَمدَة فِي الْمَرَاتِب الثَّلَاث وَفِي قَول يجوز الهجران وَالضَّرْب فِي الْمرتبَة الأولى وَهِي عِنْد خوف النُّشُوز وَظَاهر الْآيَة يدل لذَلِك وَهل يجوز الضَّرْب فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة وَهِي مَا إِذا ظهر مِنْهَا النُّشُوز وَلم يتَكَرَّر فِيهِ خلاف رجح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر الْمَنْع وَصحح النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج الْجَوَاز وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَة وَقَالَ إِنَّه الْمُوَافق لظَاهِر الْقُرْآن وَحَيْثُ جَازَ لَهُ الضَّرْب فَهُوَ ضرب تَأْدِيب وتعزير وَيَنْبَغِي أَن لَا يكون مدمياً وَلَا مبرحاً وَلَا مهْلكا وَلَا على الْوَجْه فَإِن فعل وَأدّى إِلَى تلف وَجب الْغرم لِأَنَّهُ تبين أَنه إِتْلَاف لَا إصْلَاح ثمَّ الزَّوْج وَإِن جَازَ لَهُ الضَّرْب فَالْأولى لَهُ الْعَفو بِخِلَاف
стр. 373
الْوَلِيّ فَإِنَّهُ لَا يتْرك ضرب التَّأْدِيب للصَّبِيّ لِأَنَّهُ مصلحَة لَهُ وَفِي الحَدِيث النَّهْي عَن ضرب النِّسَاء وَأَشَارَ الشَّافِعِي فِيهِ إِلَى تأويلين
أَحدهمَا أَنه مَنْسُوخ بِالْآيَةِ أَو حَدِيث آخر ورد بضربهن
وَالثَّانِي حمل النَّهْي على الْكَرَاهَة أَو ترك الأولى قَالَ الرَّافِعِيّ وَقد يحمل النَّهْي على الْحَال الَّذِي لم يُوجد فِي السَّبَب المجوز للضرب قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا التَّأْوِيل الْأَخير هُوَ الْمُخْتَار فَإِن النّسخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذا تعذر الْجمع وَعلمنَا التَّارِيخ وَالله أعلم
(فرع) لَيْسَ من النُّشُوز الشتم وبذاءة اللِّسَان لَكِنَّهَا تأثم بإيذائه وتستحق التَّأْدِيب وَهل يؤدبها الزَّوْج أم يرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ هُنَا بِلَا تَرْجِيح وَجزم فِي بَاب التعزيز بِأَن الزَّوْج يؤدبها وَصَححهُ النَّوَوِيّ هُنَا من زِيَادَته فَقَالَ قلت الْأَصَح أَنه يؤدبها بِنَفسِهِ لِأَن فِي رَفعهَا إِلَى القَاضِي مشقة وعاراً وتنكيداً للاستمتاع فِيمَا بعد وتوحيشاً للقلوب وَالله أعلم وَلَو مكنت من الْجِمَاع ومنعت من بَقِيَّة الاستمتاعات فَهَل هُوَ نشوز يسْقط النَّفَقَة فِيهِ وَجْهَان ذكرهمَا الرَّافِعِيّ بِلَا تَرْجِيح وَصحح النَّوَوِيّ من زِيَادَته أَنَّهَا تسْقط وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْخلْع فصل فِي الْخلْع وَالْخلْع جَائِز على عوض مَعْلُوم
الْخلْع مُشْتَقّ من الْخلْع وَهُوَ النزع وَمِنْه خلع الثَّوْب فغذا فَارقهَا فقد خلعها مِنْهُ
وَهُوَ فِي الشَّرْع عبارَة عَن الْفرْقَة على عوض يَأْخُذهُ الزَّوْج وَفِيه نظر من جِهَة أَنه لَو خَالعهَا على مَا ثَبت لَهَا عَلَيْهِ من الْقصاص أَو الدِّيوَان وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يَصح وَلَا أَخذ فَالْأَحْسَن أَن يُقَال فرقة على عوض رَاجع إِلَى الزَّوْج
وأصل الْخلْع مجمع على جَوَازه وَجَاء بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن امْرَأَة ثَابت بن قيس أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله ثَابت بن قيس مَا أَعتب عَلَيْهِ فِي خلق وَلَا دين وَلَكِنِّي أكره الْكفْر فِي الْإِسْلَام فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَتردينَ عَلَيْهِ حديقته قَالَت نعم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اقبل الحديقة وَطَلقهَا تَطْلِيقَة
стр. 374
وَلَا فرق فِي جَوَاز الْخلْع بَين أَن يخالع على الصَدَاق أَو على بعضه أَو على مَال آخر سَوَاء كَانَ أقل من الصَدَاق أَو أَكثر وَلَا فرق بَين الْعين وَالدّين وَالْمَنْفَعَة وضابطه أَن كل مَا جَازَ أَن يكون صَدَاقا جَازَ أَن يكون عوضا فِي الْخلْع لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَلِأَنَّهُ عقد على بضع فَأشبه النِّكَاح وَيشْتَرط فِي عوض الْخلْع أَن يكون مَعْلُوما متمولاً مَعَ سَائِر شُرُوط الأعواض كالقدرة على التَّسْلِيم واستقرار الْملك وَغير ذَلِك لِأَن الْخلْع عقد مُعَاوضَة فَأشبه البيع وَالصَّدَاق وَهَذَا صَحِيح فِي الْخلْع الصَّحِيح أما الْخلْع الْفَاسِد فَلَا يشْتَرط الْعلم بِهِ فَلَو خَالعهَا على مَجْهُول كَثوب غير معِين أَو على حمل هَذِه الدَّابَّة أَو خَالعهَا بِشَرْط فَاسد كَشَرط أَن لَا ينْفق عَلَيْهَا وَهِي حَامِل أَو لَا سُكْنى لَهَا أَو خَالعهَا بِأَلف إِلَى أجل مَجْهُول وَنَحْو ذَلِك بَانَتْ مِنْهُ فِي هَذِه الصُّورَة بِمهْر الْمثل أما حُصُول الْفرْقَة فَلِأَن الْخلْع إِمَّا فسخ أَو طَلَاق إِن كَانَ فسخا فَالنِّكَاح لَا يفْسد بِفساد الْعِوَض فَكَذَا فَسخه إِذْ الفسوخ تحكي الْعُقُود وَإِن كَانَ طَلَاقا فالطلاق يحصل بِلَا عوض وَمَاله حُصُول بِلَا عوض فَيحصل مَعَ فَسَاد الْعِوَض كَالنِّكَاحِ بل أولى لقُوَّة الطَّلَاق وسيراته وَأما الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل فَلِأَن قَضِيَّة فَسَاد الْعِوَض ارتداد الْعِوَض الآخر والبضع لَا يرْتَد بعد حُصُول الْفرْقَة فَوَجَبَ رد بدله كَمَا مر فِي فَسَاد الصَدَاق وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا مَا يُشبههُ لِأَن مَا لم يكن ركنا فِي شَيْء لَا يضر الْجَهْل بِهِ كالصداق وَمن صور ذَلِك مَا لَو خَالعهَا على مَا فِي كفها وَلم يُعلمهُ فَإِنَّهَا تبين مِنْهُ بِمهْر الْمثل فَإِن لم يكن فِي كفها شَيْء فَفِي الْوَسِيط أَنه يَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَالَّذِي نَقله غَيره أَنه يَقع بَائِنا بِمهْر الْمثل قَالَ الرَّافِعِيّ وَيُشبه أَن يكون الأول فِيمَا إِذا كَانَ عَالما بِالْحَال وَالثَّانِي فِيمَا إِذا ظن أَن فِي كفها شَيْئا قَالَ النَّوَوِيّ الْمَعْرُوف الَّذِي أطلقهُ الْجُمْهُور وُقُوعه بَائِنا بِمهْر الْمثل وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن الْخلْع على مَا لَيْسَ بِمَال وَلَكِن قد يقْصد يَقع بِهِ الطَّلَاق بَائِنا بِمهْر الْمثل كَمَا لَو خَالعهَا على خمر أَو حر أَو مَغْصُوب بِخِلَاف مَا لَو خَالعهَا على دم فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَفرق بِأَن الدَّم لَا يقْصد بِحَال فَكَأَنَّهُ لم يطْمع فِي شَيْء وَالْخلْع على الْميتَة كَالْخمرِ لَا كَالدَّمِ لِأَنَّهَا قد تقصد للضَّرُورَة والجوارح وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن يَقع فِي ذكر الْخمر وَالْمَغْصُوب رَجْعِيًا لِأَن الْمَذْكُور لَيْسَ بِمَال فَلَا يظْهر طمعه فِي شَيْء وَالصَّحِيح أَنه يَقع بَائِنا بِمهْر الْمثل وَقطع بِهِ الْأَصْحَاب وَالْخلْع على مَا لَا يقدر على تَسْلِيمه وَمَا لم يتم الْملك عَلَيْهِ كالخلع على الْخمر وَلَو خَالعهَا على عين فَتلفت قبل الْقَبْض أَو خرجت مُسْتَحقَّة للْغَيْر أَو مَعِيبَة فَردهَا أَو فَاتَت مِنْهَا صفة مَشْرُوطَة فَردهَا رَجَعَ بِمهْر الْمثل فِي الْأَصَح وَقيل بِقِيمَة الْعين بِخِلَاف مَا لَو خَالعهَا على شَيْء مَوْصُوف فِي الذِّمَّة بِصِفَات مُعْتَبرَة فَأَعْطَتْهُ ذَلِك الشَّيْء فَبَان معيبا فَلهُ رده ويطالبها بسليم كَمَا فِي السّلم وَلَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ثوبا صفته كَذَا فَأَنت طَالِق فَأَعْطَتْهُ ثوبا بِتِلْكَ الصّفة طلقت فَإِن خرج معيبا فَرده رَجَعَ بِمهْر الْمثل على
стр. 375
الْأَظْهر وبقيمة ذَلِك الثَّوْب سليما على قَول ضَعِيف وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه يشْتَرط أَن لَا يَتَخَلَّل بَين الْإِيجَاب وَالْقَبُول كَلَام أَجْنَبِي فَإِن تخَلّل كَلَام كثير بَطل الارتباط بَينهمَا وَلَا يضر الْيَسِير على الصَّحِيح
(فرع كثير الْوُقُوع) قَالَت الزَّوْجَة إِن طلقتني فَأَنت بَرِيء من صَدَاقي أَو فقد أَبْرَأتك فَطلق وَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَلم يبرأ من الصَدَاق لِأَن تَعْلِيق الأبراء لَا يَصح وَطَلَاق الزَّوْج طَمَعا فِي الْبَرَاءَة من غير لفظ صَحِيح فِي الِالْتِزَام لَا يُوجب عوضا قَالَ الرَّافِعِيّ وَكَانَ لَا يبعد أَن يُقَال طلق طَمَعا فِي حُصُول الْبَرَاءَة وَهِي رغبت فِي الطَّلَاق بِالْبَرَاءَةِ فَيكون ذَلِك عوضا فَاسِدا فَأشبه مَا إِذا ذكر خمرًا وَنَحْوه وَالله أعلم وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَحثه الرَّافِعِيّ نَقله الْخَوَارِزْمِيّ وَنقل فِي الْمَسْأَلَة وَجْهَيْن بل جزم بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَنَقله عَن الرَّافِعِيّ فِي آخر الْبَاب الْخَامِس من الْخلْع فَقَالَ وَلَو قَالَت إِن طلقتني أَبْرَأتك من صَدَاقي أَو فَأَنت بَرِيء فَطلق لَا يحصل الْإِبْرَاء لِأَن تَعْلِيق الْإِبْرَاء لَا يَصح لَكِن عَلَيْهَا مهر الْمثل لِأَنَّهُ لم يُطلق مجَّانا بل بِالْإِبْرَاءِ وَظن صِحَّته وَالله أعلم قَالَ الأسنوي وَمَا نَقله من وجوب مهر الْمثل وأقرا الْمَشْهُور خِلَافه فَلَا يجب شَيْء وَيَقَع رَجْعِيًا وَالله أعلم
قلت يعضد قَول الرَّافِعِيّ مسَائِل مِنْهَا مَا احْتج بِهِ من ذكر الْخمر وَالْخِنْزِير وَالْحر وَالْمَغْصُوب وَالْميتَة وعللوا الْبَيْنُونَة بالطمع فِيمَا قد يقْصد وَفِي مَسْأَلَتنَا الْبَرَاءَة من الصَدَاق مَقْصُودَة لَا محَالة وَمِنْهَا مَا تقدم أَيْضا فِيمَا إِذا خَالعهَا على مَا فِي كفها وَلَا شَيْء فِيهِ أَنَّهَا تبين بِمهْر الْمثل لِأَنَّهُ إِنَّمَا طلق طَمَعا فِي شَيْء كَذَا ذكره فِي الشَّامِل والتتمة وَرجحه النَّوَوِيّ واعتمدوا فِي الْبَيْنُونَة على تَعْلِيل الطمع وَمِنْهَا لَو تخالعا بِمَا بَقِي من صَدَاقهَا وَلم يكن بَقِي لَهَا شَيْء فَهَل تبين بِمهْر الْمثل فِيهِ وَجْهَان فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ وَرجح الْحُصُول وَفِي فَتَاوَى الْقفال أَنه إِذا خَالعهَا على صَدَاقهَا وَقد أَبرَأته مِنْهُ فَإِن جهلت الْحَال فعلَيْهَا مهر الْمثل أم مثل ذَلِك الْقدر قَولَانِ وَإِن كَانَت عَالِمَة فَإِن جرى لفظ الطَّلَاق فَهَل تبين أَو يَقع رَجْعِيًا وَجْهَان وَإِن جرى لفظ الْخلْع فَإِن قُلْنَا فِي الطَّلَاق يجب المَال فَهُنَا أولى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ بِنَاء على أَن لفظ الْخلْع يَقْتَضِيهِ أم لاانتهى كَلَام الْقفال وَالصَّحِيح أَن مُطلق الْخلْع يَقْتَضِي المَال وَقد يجب بِأَن هَذِه الصُّورَة فِيهَا تَعْلِيق من جِهَة الزَّوْج بِخِلَاف مَسْأَلَة الْبَرَاءَة فَإِنَّهُ لَا تَعْلِيق فِيهَا من جِهَته بل من الْمَرْأَة وَالله أعلم قَالَ
(وتملك بِهِ الْمَرْأَة نَفسهَا وَلَا رَجْعَة لَهُ عَلَيْهَا)
(إِذا طلق الرجل زَوجته على عوض أَو خَالعهَا فَلَا رَجْعَة لَهُ سَوَاء كَانَ الْعِوَض صَحِيحا أَو فَاسِدا سَوَاء قُلْنَا الْخلْع فسخ أَو طَلَاق لِأَنَّهَا بذلت المَال لتملك الْبضْع فَلَا يملك الزَّوْج ولَايَة الرُّجُوع إِلَيْهِ كَمَا أَن الزَّوْج إِذا بذل المَال صَدَاقا ليتملك الْبضْع لَا يكون للْمَرْأَة ولَايَة الرُّجُوع إِلَى الْبضْع وَالله أعلم
стр. 376
(فرع) قَالَ لزوجته خالعتك بِدِينَار على أَن لي عَلَيْك رَجْعَة فَهَل يَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَلَا مَال أَو يَلْغُو شَرط الرّجْعَة وَتجْعَل الْبَيْنُونَة بِمهْر الْمثل فِي ذَلِك نُصُوص للشَّافِعِيّ قَالَ ابْن مسلمة وَابْن الْوَكِيل فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ جُمْهُور الْأَصْحَاب على الْقطع بِوُقُوعِهِ رَجْعِيًا بِلَا مَال وَلَو خَالعهَا بِمِائَة على أَنه مَتى شَاءَ رد الْمِائَة وَكَانَت لَهُ الرّجْعَة نَص الشَّافِعِي على أَنه يفْسد الشَّرْط وَتحصل الْبَيْنُونَة بِمهْر الْمثل فَقيل بطرد الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة الأولى وَقيل بِالْجَزْمِ بالمنصوص لِأَنَّهُ رَضِي بِسُقُوط الرّجْعَة هُنَا وَمَتى سَقَطت لَا تعود وَالله أعلم
(فرع) وكل رجل امْرَأَة بِطَلَاق زَوجته أَو خلعها صَحَّ على الْأَصَح وَقيل لَا لِأَنَّهَا لَا تستقل وَيجوز أَن يُوكل فِي الْخلْع عبدا وَالسَّفِيه والمحجور عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يُوكل الْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي الْقَبْض فَإِن فعل وَقبض فَفِي التَّتِمَّة أَن المختلعة تَبرأ وَيكون الزَّوْج مضيعاً لمَاله وَلَو وكل الْمَرْأَة فِي الاختلاع مَحْجُورا عَلَيْهِ بِسَفَه قَالَ الْبَغَوِيّ لَا يَصح وَإِن أذن الْوَلِيّ فَلَو فعل وَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا كاختلاع السَّفِيه وَهَذَا على مَا ذكره الْمُتَوَلِي فِيمَا إِذا أطلق أما إِذا أضَاف المَال إِلَيْهَا فَتحصل الْبَيْنُونَة ويلزمها المَال إِذْ لَا ضَرَر على السَّفِيه وَالله أعلم قَالَ
(وَيجوز الْخلْع فِي الطُّهْر وَالْحيض وَلَا يلْحق المختلعة طَلَاق)
الطَّلَاق فِي زمن الْحيض حرَام على مَا سَيَأْتِي وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا إِذا طَلقهَا على عوض وَكَذَا إِذا خَالعهَا وَاحْتج لذَلِك بِإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَبِأَن النَّبِي ﷺ أطلق الْإِذْن لِثَابِت بن قيس فِي الْخلْع من غير بحث واستفصال عَن حَال الزَّوْجَة وَلَيْسَ الْحيض بِأَمْر مادر الْوُجُود فِي حق النِّسَاء قَالَ الشَّافِعِي ترك الاستفصال فِي قضايا الْأَحْوَال مَعَ قيام الِاحْتِمَال ينزل منزلَة الْعُمُوم فِي الْمقَال وَالنَّبِيّ ﷺ لم يستفصل هَل هِيَ حَائِض أم لَا ثمَّ الْمَعْنى المجوز لِلْخلعِ اخْتلف فِيهِ على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الْمَنْع فِي الْحيض إِنَّمَا كَانَ مُحَافظَة على جَانبهَا لتضررها بطول الْعدة فَإِذا اخْتلعت بِنَفسِهَا فقد رضيت بالتطويل
وَالثَّانِي أَن بذل المَال يشْعر بِقِيَام الضَّرُورَة أَو الْحَاجة الشَّدِيدَة إِلَى الْخَلَاص وَفِي مثل هَذَا لَا يحسن الْأَمر بِالتَّأْخِيرِ ومراقبة الْأَوْقَات وَتظهر ثَمَرَة الْخلاف فِي مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا إِذا سَأَلت الطَّلَاق ورضيت بِهِ بِلَا عوض فِي الْحيض فَهَل يكون الطَّلَاق حَرَامًا إِن
стр. 377
عللنا بِالرِّضَا فَلَا يحرم كرضاها بتطويل الْعدة وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح يحرم لِأَن الضَّرُورَة لم تتَحَقَّق لعدم بذل المَال
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَو خَالع الزَّوْج أَجْنَبِي فِي الْحيض فَهَل يحرم وَجْهَان وَجه الْجَوَاز أَن وجود بذل المَال يدل على الضَّرُورَة وَالأَصَح التَّحْرِيم لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهَا رضَا وَلَا بدل وَقَوله وَلَا يلْحق المختلعة طَلَاق لِأَنَّهَا تبين بِالْخلْعِ والبائن لَا يلْحقهَا طَلَاق لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّة بِدَلِيل عدم جَوَاز النّظر وَالْخلْوَة وَنَحْوهمَا وَالله أعلم
(فرع) قد علمت أَن الْخلْع يَصح مَعَ الزَّوْجَة للنَّص وكما يَصح مَعهَا كَذَلِك يَصح مَعَ الْأَجْنَبِيّ إِذا قُلْنَا إِن الْخلْع طَلَاق وَهُوَ الْأَصَح وَوَجهه أَن للزَّوْجَة حَقًا على الزَّوْج وَلها أَن تسقطه بعوض فَجَاز ذَلِك لغَيْرهَا كَالدّين وَفِي وَجه لَا يَصح فَلَو قُلْنَا إِن الْخلْع فسح لم يَصح من الْأَجْنَبِيّ لِأَن الْفَسْخ بِلَا عِلّة لَا ينْفَرد بِهِ الزَّوْج فَلَا يَصح طلبه وَالله أعلم قَالَ
стр. 378
كتاب الطَّلَاق
بَاب صَرِيح الطَّلَاق وكنايته فصل وَالطَّلَاق ضَرْبَان صَرِيح وكناية
الطَّلَاق فِي اللُّغَة هُوَ حل الْقَيْد وَالْإِطْلَاق وَلِهَذَا يُقَال نَاقَة طَالِق أَي مُرْسلَة ترعى حَيْثُ شَاءَت
وَهُوَ فِي الشَّرْع اسْم لحل قيد النِّكَاح وَهُوَ لفظ جاهلي ورد الشَّرْع بتقريره وَيُقَال طلقت الْمَرْأَة بِفَتْح اللَّام على الْأَصَح وَيجوز ضمهَا
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع أهل الْملَل مَعَ أهل السّنة وسنورد ذَلِك فِي مَحَله
ثمَّ للطَّلَاق أَرْكَان مِنْهَا اللَّفْظ فَلَا يَقع الطَّلَاق بِمُجَرَّد النِّيَّة وَلَو حرك لِسَانه بِكَلِمَة الطَّلَاق وَلم يرفع صَوته قدرا يسمع نَفسه نقل الْمُزنِيّ فِيهِ قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا تطلق لِأَنَّهُ أقوى من الْكِتَابَة مَعَ النِّيَّة
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَام وَلِهَذَا اشْترط فِي صلَاته أَن يسمع نَفسه قَالَ النَّوَوِيّ الْأَظْهر الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي حكم النِّيَّة الْمُجَرَّدَة بِخِلَاف الْكِتَابَة فَإِن فِي وُقُوع الطَّلَاق بِهِ حُصُول الإفهام وَلم يحصل هُنَا وَالله أعلم
ثمَّ اللَّفْظ إِمَّا صَرِيح وَإِمَّا كِنَايَة فالصريح مَالا يتَوَقَّف وُقُوع الطَّلَاق بِهِ على نِيَّة لِأَنَّهُ لذَلِك وضع أَي وَضعه الشَّارِع لذَلِك وَأما الْكِنَايَة فَهُوَ مَا يتَوَقَّف على النِّيَّة وَهَذَا بِالْإِجْمَاع وَلَا يَقع الطَّلَاق فِي الْكِنَايَة بِلَا نِيَّة قَالَ
(فالصريح ثَلَاثَة أَلْفَاظ الطَّلَاق والفراق والسراح وَلَا يفْتَقر صَرِيح الطَّلَاق إِلَى النِّيَّة)
أما كَون الطَّلَاق صَرِيحًا فَلِأَنَّهُ قد تكَرر فِي الْقُرْآن واشتهر مَعْنَاهُ وَهُوَ حل قيد النِّكَاح فِي
стр. 379
الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وأطبق عَلَيْهِ مُعظم الْخلق وَلم يخْتَلف فِيهِ أحد قَالَ الله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إِلَى غير ذَلِك وَأما الْفِرَاق والسراح فلورودهما فِي الشَّرْع ولتكرارهما فِي الْقُرْآن بِمَعْنى الطَّلَاق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ وَرُوِيَ أَنه ﵊ سُئِلَ عَن الطَّلقَة الثَّالِثَة فَقَالَ أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان وَفِي الْقَدِيم أَن الْفِرَاق والسراح كنايتان لِأَنَّهُمَا يستعملان فِي الطَّلَاق وَغَيره فأشبها لفظ الْبَائِن والجديد الصَّحِيح الأول لما ذكرنَا
وَاعْلَم أَن لفظ الطَّلَاق مصدر والمشتق مِنْهُ فِي حكمه فِي الصراحة فَلَو قَالَ أَنْت طَالِق أَو مُطلقَة أَو يَا طَالِق أَو يَا مُطلقَة بتَشْديد اللَّام وَقع الطَّلَاق وَإِن لم ينْو لِأَنَّهُ صَرِيح فِي حل قيد النِّكَاح مشتهر بِخِلَاف الْمُشْتَقّ من الْإِطْلَاق كَقَوْلِه أَنْت مُطلقَة بِإِسْكَان الطَّاء أَو يَاء مُطلقَة فَلَيْسَ بِصَرِيح على الصَّحِيح لعدم اشتهاره وَإِن كَانَ الْإِطْلَاق والتطليق متقاربين كالإكرام والتكريم وَفِي قَوْله أَنْت طَالِق أَو الطَّلَاق أَو طَلْقَة وَجْهَان أصَحهمَا أَنه كِنَايَة وَلَو قَالَ أَنْت مُفَارقَة أَو فارقتك أَو سرحتك وَأَنت مسرحة طلقت وَإِن لم ينْو كَالطَّلَاقِ وَالله أعلم
(فرع) قَالَ أردْت بِقَوْلِي أَنْت طَالِق إِطْلَاقهَا من الوثاق وَلَيْسَ هُنَاكَ قرينَة وبالفراق الْمُفَارقَة فِي الْمنزل وبالسراح إِلَى منزل أَهلهَا أَو قَالَ أردْت خطاب غَيرهَا فَسبق لساني إِلَيْهَا لم يقبل مِنْهُ فِي ظَاهر الحكم فَلَو صرح بذلك فَقَالَ أَنْت طَالِق من وثاق أَو سرحتك إِلَى مَوضِع كَذَا أَو فارقتك فِي الْمنزل خرج عَن كَونه صَرِيحًا وَصَارَ كِنَايَة وَالله أعلم
(مَسْأَلَة) إِذا اشْتهر فِي الطَّلَاق لفظ سوى الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة الصَّرِيحَة كَقَوْل النَّاس أَنْت عَليّ حرَام فَفِي إِلْحَاقه بِالصَّرِيحِ أوجه أَصَحهَا عِنْد الرَّافِعِيّ أَنه يلْحق بِالصَّرِيحِ حَتَّى يَقع الطَّلَاق وَإِن لم
стр. 380
ينْو لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال وَحُصُول التفاهم وَنسبه إِلَى التَّهْذِيب وفتاوى الْقفال وَالْقَاضِي حُسَيْن والمتأخرين وَالثَّانِي لَا يلْتَحق بالصرائح قَالَ الرَّافِعِيّ وَرجحه الْمُتَوَلِي وَوَجهه بِأَن الصرائح تُؤْخَذ من وُرُود الْقُرْآن بهَا وتكرارها على لِسَان حلَّة الشَّرِيعَة وَإِلَّا فَلَا فرق إِذا نَظرنَا إِلَى مُجَرّد اللُّغَة والاستعمال بَين الْفرق والبينونة قَالَ النَّوَوِيّ الْأَرْجَح الَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ والمتقدمون أَنه كِنَايَة مُطلقًا وَالله أعلم وَأما الْبِلَاد الَّتِي لم يشْتَهر فِيهَا هَذَا اللَّفْظ للطَّلَاق فَهُوَ كِنَايَة فِي حق أَهلهَا بِلَا خلاف وَلَو قَالَ أَنْت حرَام وَلم يقل عَليّ قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ كِنَايَة بِلَا خلاف وَالله أعلم قَالَ
(وَالْكِنَايَة كل لفظ احْتمل الطَّلَاق وَغَيره ويفتقر إِلَى النِّيَّة)
هَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَة وَيَقَع الطَّلَاق بهَا مَعَ النِّيَّة بِالْإِجْمَاع وَرُوِيَ أَن عمر ﵁ قَالَ لرجل قَالَ لزوجته حبلك على غاربك أنْشدك بِرَبّ هَذِه البنية هَل أردْت الطَّلَاق فَقَالَ الرجل أردْت الْفِرَاق فَقَالَ هُوَ مَا أردْت وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن ابْنة الجون لما دخلت على رَسُول الله ﷺ ودنا مِنْهَا قَالَت أعوذ بِاللَّه مِنْك فَقَالَ لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك فَإِن لم ينْو لم يَقع الطَّلَاق لأثر عمر لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقع بِلَا نِيَّة لم يكن للتحليف فَائِدَة وَلما بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى كَعْب بن مَالك أَن يعتزل امْرَأَته قَالَ لَهَا كَعْب الحقي بأهلك فَلَمَّا نزلت تَوْبَته لم يفرق النَّبِي ﷺ بَينهمَا وَلِأَن أَلْفَاظ الْكِنَايَة تحْتَمل الطَّلَاق وَغَيره فَلَا يَقع مَا لم يُنَوّه كَمَا أَن الامساك عَن الطَّعَام لما احْتمل الْعِبَادَة وَغَيرهَا لم ينْصَرف إِلَيْهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ ثمَّ أَلْفَاظ الْكِنَايَة كَثِيرَة جدا فنقتصر على ذكر بَعْضهَا فَمِنْهَا قَوْله أَنْت خلية أَي خَالِيَة من الْأزْوَاج وبرية ي بَرِئت من الزَّوْج وبتة أَي قطعت الْوَصْل بَيْننَا وبتلة من تبتل الرجل إِذا ترك النِّكَاح وَانْفَرَدَ وبائن من الْبَين وَهُوَ الْفِرَاق وَيجوز بَائِنَة والأفصح بَائِن كحائض وَطَالِق وَأَنت حرَّة وَأَنت وَاحِدَة واعتدي واستبرئي رَحِمك والحقي بأهلك وحبلك على غاربك وَمَا أشبه ذَلِك كَقَوْلِه أَخْرِجِي واذهبي وسافري وتقنعي وتستري وبيني وابعدي وتجرعي وَمَا أشبه ذَلِك كَقَوْلِه أَنْت حرَام وَأَنت عَليّ مُحرمَة أَو حرمتك ثمَّ إِن نوى الطَّلَاق بقوله أَنْت عَليّ حرَام وَنَحْوهَا يَقع رَجْعِيًا وَإِن نوى عددا وَقع مَا نوى وَإِن نوى الظِّهَار فَهُوَ ظِهَار وَإِن نوى الطَّلَاق وَالظِّهَار مَعًا فأوجه أَصَحهَا بتخير بَين جعله طَلَاقا أَو ظِهَارًا وَبِهَذَا قَالَ ابْن الْحداد وَأكْثر الْأَصْحَاب وَلَا ينفذ الإثنان مَعًا بِلَا خلاف وَقيل يكون طَلَاقا وَقيل يكون ظِهَارًا قَالَ الأسنوي وَتَقْرِير منع الْجمع مَمْنُوع يَعْنِي كَونه طَلَاقا وظهاراً فَإِنَّهُ يجوز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي الْمَعْنيين مَعًا على مَذْهَب الشَّافِعِي سَوَاء كَانَ اللَّفْظ حَقِيقَة فيهمَا كالمشترك أَو حَقِيقَة فِي أَحدهمَا
стр. 381
مجَازًا فِي الآخر وَقد صرح الرَّافِعِيّ بِأَن الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز غير مُمْتَنع ذكره فِي كتاب الْأَيْمَان وَإِن أطلق قَوْله أَنْت عَليّ حرَام وَلم ينْو الطَّلَاق وَلَا الظِّهَار فَقَوْلَانِ وَهَذَا كُله تَفْرِيع على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ أَن قَوْله أَنْت عَليّ حرَام كِنَايَة أما على قَول الرَّافِعِيّ فَإِنَّهُ يكون طَلَاقا وَإِن أَرَادَ بقوله أَنْت عَليّ حرَام تَحْرِيم عينهَا أَو ذَاتهَا أَو وَطئهَا لزمَه كَفَّارَة يَمِين فِي الْحَال وَكَذَا إِن لم يكن لَهُ نِيَّة فِي الْأَظْهر وَإِن قَالَ أَنْت كالميتة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَقَالَ أردْت بِهِ الطَّلَاق أَو الظِّهَار نفذا وَإِن نوى التَّحْرِيم لزمَه الْكَفَّارَة وَإِن أطلق فالنص أَنه كالتحريم فَيكون على الْخلاف وعَلى هَذَا جرى الإِمَام وَالَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ وَغَيره أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَو قَالَ أردْت أَنَّهَا حرَام عَليّ فَإِن جَعَلْنَاهُ صَرِيحًا وَجَبت الْكَفَّارَة وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ للكناية كِنَايَة وَتَبعهُ على هَذَا جمَاعَة قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَا يكَاد يتَحَقَّق هَذَا التَّصْوِير وَلَو قَالَ أردْت أَنَّهَا كالميتة فِي الاستقذار صدق وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن نِيَّة الْكِنَايَة لَا بُد أَن تقترن بِاللَّفْظِ فَلَو تقدّمت أَو تَأَخَّرت لم تُؤثر وَلَو نوى فِي أَوله عِنْد قَوْله أَنْت أَو عَكسه كمن نوى عِنْد قَوْله بَائِن فَفِيهِ وَجْهَان الْأَصَح فِي الشَّرْح الصَّغِير الْوُقُوع فِي الصُّورَة الأولى وَخَالف فِي الْمُحَرر فرجح أَنه لَا بُد من اقترانها بِجَمِيعِ اللَّفْظ وَاخْتلف كَلَام الرَّوْضَة والمنهاج أَيْضا فرجح فِيهِ اقتران النِّيَّة بِكُل اللَّفْظ وَقَالَ فِي الرَّوْضَة وَلَو اقترنت النِّيَّة بِأول اللَّفْظ دون آخِره أَو عَكسه طلقت فِي الْأَصَح وَقَالَ الأسنوي وَالْفَتْوَى أَنه يَقع فِي الأولى فِيمَا إِذا نوى فِي أول اللَّفْظ دون الثَّانِيَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ بعد تَصْحِيحه إِنَّه أشبه بِمذهب الشَّافِعِي وَالله أعلم
(فرع) قَالَ هَذَا الطَّعَام أَو الثَّوْب أَو الشَّاة حرَام عَلَيْهِ فَهُوَ لَغْو لَا يتَعَلَّق بِهِ كَفَّارَة وَلَا غَيرهَا وَالله أعلم قَالَ
بَاب الطَّلَاق السّني والبدعي فصل وَالنِّسَاء فِيهِ ضَرْبَان ضرب فِي طلاقهن سنة وبدعة وَهن ذَوَات الْحيض فَالسنة أَن يُوقع الطَّلَاق فِي طهر غير مجامع فِيهِ والبدعة أَن يُوقع الطَّلَاق فِي الْحيض أَو فِي طهر جَامعهَا فِيهِ وَضرب لَيْسَ فِي طلاقهن سنة وَلَا بِدعَة وَهن أَربع الصَّغِيرَة والآيسة وَالْحَامِل والمختلعة الَّتِي لم يدْخل بهَا الزَّوْج
لم يزل الْعلمَاء قَدِيما وحديثاً يصفونَ الطَّلَاق بِالسنةِ والبدعة وَفِي مَعْنَاهُمَا اصطلاحان أَحدهمَا أَن السّني مَا لَا يحرم إِيقَاعه والبدعي مَا يحرم وعَلى هَذَا فَلَا قسم سواهُمَا وَالثَّانِي وَهُوَ المتداول وَعَلِيهِ جرى الشَّيْخ أَن السّني طَلَاق الْمَدْخُول بهَا وَلَيْسَت الْحَامِل وَلَا صَغِيرَة وَلَا آيسة والبدعي طَلَاق الْمَدْخُول بهَا فِي حيض أَو نِفَاس أَو طهر جَامعهَا فِيهِ وَلم يتَبَيَّن حملهَا وَيبقى قسم
стр. 382
آخر وَهُوَ لَا سنة فِيهِ وَلَا بِدعَة كَطَلَاق غير الْمَدْخُول بهَا وَالْحَامِل والآيسة وَالصَّغِيرَة كَمَا ذكره الشَّيْخ وَهُوَ الضَّرْب الثَّالِث
إِذا عرفت هَذَا فطلاق السّنة أَن يوقعه فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَهِي مَدْخُول بهَا لِأَن ابْن عمر ﵄ طلق زَوجته وَهِي حَائِض فَسَأَلَ عمر ﵁ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ مره فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ ليمسكها حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تظهر فَإِن شَاءَ أمْسكهَا وَإِن شَاءَ طَلقهَا قبل أَن يُجَامع فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى أَن يُطلق بهَا النِّسَاء وَفِي رِوَايَة قبل أَن يَمَسهَا وَالْأَمر الْمشَار إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَي فِي عدتهن لِأَن اللَّام تَأتي بِمَعْنى فِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أَي فِي يَوْم الْقِيَامَة وَقيل المُرَاد لوقت يشرعن عقبه فِي الْعدة وَرُوِيَ أَنه ﵊ قَرَأَ ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ قَالَ الإِمَام وَالظَّاهِر أَنه كَانَ يذكرهُ تَفْسِيرا فانتظم من الْآيَة وَالْخَبَر أَن الطُّهْر الَّذِي لم يُجَامع فِيهِ مَحل لطلاق السّنة وَقَول الشَّيْخ فَالسنة أَن يُوقع الطَّلَاق فِي طهر غير مجامع فِي يرد عَلَيْهِ أَنه لَو وَطئهَا فِي آخر الْحيض ثمَّ طلق فِي الطُّهْر الَّذِي يَلِيهِ قبل أَن يُجَامع فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يكون سنة على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة وَالله أعلم
وَأما طَلَاق الْبِدْعَة فَهُوَ أَن يطلقهَا فِي الْحيض مُخْتَارًا وَهِي مِمَّن تَعْتَد بِالْأَقْرَاءِ من غير عوض من جِهَتهَا أَو يطلقهَا فِي طهر جَامعهَا فِيهِ بِلَا عوض مِنْهَا وَهِي مِمَّن يجوز أَن تحبل وَلم يتَحَقَّق حملهَا وَدَلِيله حَدِيث ابْن عمر وَادّعى الإِمَام الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَالْحكمَة فِي ذَلِك أَن الطَّلَاق فِي الْحيض يطول عَلَيْهَا الْعدة لِأَن بَقِيَّة الْحيض لَا يحْسب من الْعدة وَفِيه إِضْرَار بهَا وَأما الطَّلَاق فِي الطُّهْر الَّذِي جَامعهَا فِيهِ فَلِأَنَّهُ رُبمَا يعقبه نَدم عِنْد ظُهُور الْحمل فَإِن الْإِنْسَان قد يُطلق الْحَائِل دون الْحَامِل وَإِذا نَدم فقد لَا يَتَيَسَّر التَّدَارُك فيتضرر الْوَلَد وَالله أعلم قَالَ
بَاب مَا يملكهُ الْحر وَالْعَبْد من تَطْلِيقَات فصل وَيملك الْحر ثَلَاث تَطْلِيقَات وَالْعَبْد تَطْلِيقَتَيْنِ
يملك الْحر على زَوجته حرَّة كَانَت أَو أمة ثَلَاث تَطْلِيقَات لما
روى أنس ﵁ قَالَ
стр. 383
جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنِّي أسمع الله يَقُول ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ فَأَيْنَ الثَّالِثَة فَقَالَ ﵊ إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان وَبِهَذَا فسرت عَائِشَة وَابْن عَبَّاس ﵃ وَقيل الثَّلَاثَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الْآيَة وَلِأَنَّهُ حق خَالص للزَّوْج يخْتَلف بِالرّقِّ وَالْحريَّة فَكَانَ كعدد الزَّوْجَات وَأما العَبْد فَلَا يملك إِلَّا تَطْلِيقَتَيْنِ لقَوْله ﵊ طَلَاق العَبْد ثِنْتَانِ وروى الشَّافِعِي أَن مكَاتبا لأم سَلمَة طلق حرَّة طَلْقَتَيْنِ وَأَرَادَ الرّجْعَة فَسَأَلَ عُثْمَان وَمَعَهُ زيد بن ثَابت ﵄ فابتدراه وَقَالا حرمت عَلَيْك وَلَا فرق بَين الْقِنّ وَالْمُدبر وَالْمكَاتب وَكَذَا الْمُبْغض وَمَتى طلق الْحر أَو العَبْد جَمِيع مَا يملك لم تحل لَهُ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره ويطأها ويفارقها وتنقضي عدتهَا وَالله أعلم قَالَ
(وَيصِح الِاسْتِثْنَاء فِي الطَّلَاق إِذا وَصله بِهِ)
الِاسْتِثْنَاء صَحِيح مَعْهُود وَفِي الْكتاب وَالسّنة مَوْجُود ثمَّ تَارَة يَقع فِي الْعدَد وَتارَة يَقع بِلَفْظ الْمَشِيئَة فَإِن وَقع فِي الْعدَد فَلهُ شَرْطَانِ
أَحدهمَا أَن يكون مُتَّصِلا باللفط فَإِن انْفَصل فَهُوَ بَاطِل وسكتة التنفس والعي لَا يمنعان الِاتِّصَال قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ والاتصال الْمَشْرُوط هُنَا أبلغ من اشْتِرَاطه بَين الْإِيجَاب وَالْقَبُول لِأَنَّهُ يحْتَمل بَين كَلَامي الشخصين مَا لَا يحْتَمل بَين كَلَام شخص وَاحِد وَلِهَذَا لَا يَنْقَطِع التخلل بَين الْإِيجَاب وَالْقَبُول بتخلل كَلَام يسير فِي الْأَصَح وَيَنْقَطِع الِاسْتِثْنَاء على الصَّحِيح وَهل يشْتَرط قرن الِاسْتِثْنَاء بِأول اللَّفْظ فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا بل لَو بدا لَهُ الِاسْتِثْنَاء بعد تَمام الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فاستثنى حكم بِصِحَّة الِاسْتِثْنَاء
وَثَانِيهمَا وَادّعى الْفَارِسِي الْإِجْمَاع عَلَيْهِ لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء حَتَّى يتَّصل بِأول الْكَلَام قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح وَجه ثَالِث وَهُوَ صِحَة الِاسْتِثْنَاء بِشَرْط وجود النِّيَّة قبل فرَاغ الْيَمين وَإِن لم يقارن أَولهَا وَالله أعلم
ثمَّ مَا ذَكرْنَاهُ من اتِّصَال اللَّفْظ واقتران الْقَصْد بِأول الْكَلَام يجْرِي فِي الإستثناء بألا وَأَخَوَاتهَا وَسَوَاء فِي ذَلِك التَّعْلِيق بِالْمَشِيئَةِ وَسَائِر التعليقات
стр. 384
الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يكون الِاسْتِثْنَاء مُسْتَغْرقا فَإِن استغرق فَهُوَ بَاطِل وَيَقَع الْجَمِيع وَالله أعلم
مِثَاله قَالَ لزوجته أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدًا أَو اثْنَتَيْنِ مُتَّصِلا مَعَ النِّيَّة الْمُعْتَبرَة لم يَقع الْمُسْتَثْنى فَإِن قَالَ إِلَّا ثَلَاثًا وَقع الثَّلَاث للإستغراق وَالله أعلم أما إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ بِأَن قَالَ أَنْت طَالِق إِن شَاءَ الله فَينْظر إِن سبقت إِن شَاءَ الله إِلَى لِسَانه لتعوده لَهَا كَمَا هُوَ الْأَدَب أَو قصد التَّبَرُّك بِذكر الله تَعَالَى أَو قصد الْإِشَارَة إِلَى أَن الْأُمُور كلهَا بِمَشِيئَة الله أَو لم يقْصد تَعْلِيقا محققاً لم يُؤثر ذَلِك وَوَقع الطَّلَاق وَإِن قصد التَّعْلِيق حَقِيقَة لم تطلق على الْمَذْهَب لأمرين
أَحدهمَا وَهُوَ طَرِيق الْمُتَكَلِّمين أَنه يَقْتَضِي مَشِيئَة جَدِيدَة ومشيئة الله تَعَالَى قديمَة فَإِذا تَعَذَّرَتْ الصّفة لم تطلق
وَالثَّانِي وَهُوَ طَرِيق الْفُقَهَاء أَنا لم نتحقق وجود الْمَشِيئَة فَلم تطلق لِأَن الأَصْل بَقَاء النِّكَاح كَمَا لَو علق بِمَشِيئَة زيد فَمَاتَ وَلم تعلم مَشِيئَة فَإِنَّهَا لَا تطلق وَفِي الحَدِيث أَنه ﵊ قَالَ من أعتق أَو طلق وَاسْتثنى فَلهُ ثنياه بِالْقِيَاسِ على غَيره من الشُّرُوط كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن شَاءَ أَبوك أَو أمك أَو شِئْت وَنَحْو ذَلِك وَلَا فرق فِي الِاسْتِثْنَاء بَين أَن يَقُول أَنْت طَالِق إِن شَاءَ الله أَو إِن شَاءَ الله فَأَنت طَالِق أَو مَتى شَاءَ الله أَو إِذا شَاءَ الله وَكَذَا لَو قَالَ إِن شَاءَ الله أَنْت طَالِق وَفِي هَذِه الصِّيغَة وَجه أَن يَقع
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق أَن شَاءَ الله بِفَتْح الْهمزَة حكى فِي أصل الرَّوْضَة هُنَا ثَلَاثَة أوجه فَقَالَ وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق أَن شَاءَ الله بِفَتْح الْهمزَة وَقع فِي الْحَال وَفِي وَجه لَا يَقع وَفِي ثَالِث يفرق بَين عَارِف النَّحْو وَغَيره وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ وَمُقْتَضَاهُ وُقُوع الطَّلَاق على الصَّحِيح لكنه صحّح من زِيَادَته خلاف ذَلِك ذكره قبيل الْفَصْل الْمَعْقُود للتعليق بالجمل فَقَالَ هُنَاكَ فِي أصل الرَّوْضَة إِن الشّرطِيَّة بِكَسْر الْهمزَة فَإِن فتحت صَارَت للتَّعْلِيل فَإِذا قَالَ أَنْت طَالِق أَن لم أطلقك بِفَتْح الْهمزَة طلقت فِي الْحَال إِلَّا أَن يكون الرجل مِمَّن لَا يعرف اللُّغَة وَلَا يُمَيّز بَين إِن وَأَن وَقَالَ قصدت التَّعْلِيق فَيصدق وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَهَذَا أشبه وَقَالَ النَّوَوِيّ من زِيَادَته إِن من لم يعرف اللُّغَة لَا يَقع عَلَيْهِ مُطلقًا وَيحمل على التَّعْلِيق قَالَ وَهُوَ الْأَصَح وَبِه قطع الْأَكْثَرُونَ وَالله أعلم انْتهى مُلَخصا وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن لم يَشَأْ الله أَو إِذا لم يَشَأْ الله لم تطلق على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِلَّا أَن يَشَاء الله تَعَالَى فَوَجْهَانِ أصَحهمَا فِي أصل الرَّوْضَة لَا يَقع الطَّلَاق كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن شَاءَ الله
стр. 385
وَالثَّانِي يَقع الطَّلَاق وَبِه قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لِأَنَّهُ أوقع الطَّلَاق وَجعل الملخص مِنْهُ مَشِيئَة الله وَهِي غير مَعْلُومَة فَلَا يحصل الْخَلَاص كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَلَاق إِلَّا أَن يَشَاء زيد وَلم يعلم بمشيئته فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق والقائلون بِالصَّحِيحِ يَقُولُونَ إِن هَذَا تَعْلِيق بِعَدَمِ الْمَشِيئَة وَهِي غير مَعْلُومَة كَمَا أَن التَّعْلِيق بِالْمَشِيئَةِ وَهِي غير مَعْلُومَة وَأَيْضًا فَمَعْنَاه حصر الْوُقُوع فِي حَال عدم مَشِيئَة الْوُقُوع وَهُوَ تَعْلِيق على مُسْتَحِيل لِأَن الْوُقُوع بِخِلَاف مَشِيئَة الله محَال وَالتَّعْلِيق على المستحيل لَا يَقع بِهِ طَلَاق كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن صعدت السَّمَاء هَذَا مَا صَححهُ الإِمَام الْغَزالِيّ وَغَيرهمَا وَجرى عَلَيْهِ الْقفال وَنَقله عَن نَص الشَّافِعِي قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ أقوى وَلِهَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة يَعْنِي عدم الْوُقُوع وَالله أعلم
(مَسْأَلَة) قَالَ أَنْت طَالِق إِن شَاءَ الله وَلم يقْصد تبركاً وَلَا تَعْلِيقا بل أطلق فَهَل يعق الطَّلَاق أم لَا وَهَذِه الْحَالة وَهِي حَالَة الْإِطْلَاق لم يذكرهَا الرَّافِعِيّ وَلَا النَّوَوِيّ قَالَ الأسنوي وَحكمه أَنه لَا يَقع وَالله أعلم
(فَائِدَة) إِذا فرعنا على الْمَذْهَب أَن قَوْله إِن شَاءَ الله لَا يَقع مَعَه طَلَاق بِشُرُوطِهِ كَذَلِك أَيْضا الِاسْتِثْنَاء يمْنَع انْعِقَاد التَّعْلِيق كَقَوْلِه أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار وَنَحْوه إِن شَاءَ الله وَيمْنَع أَيْضا الْعتْق كَقَوْلِه أَنْت حر إِن شَاءَ الله وَيمْنَع إنعقاد النّذر وَالْيَمِين وَيمْنَع صِحَة البيع وَسَائِر التَّصَرُّفَات وَالله أعلم قَالَ
(وَيصِح تَعْلِيقه بِالصّفةِ وَالشّرط)
كَمَا يَصح تَنْجِيز الطَّلَاق كَذَلِك يَصح تَعْلِيقه واستأنس الْأَصْحَاب لذَلِك بقوله ﵊ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم وقاسوه على الْعتْق فَإِن الْعتْق ورد بِالتَّدْبِيرِ وَهُوَ تَعْلِيق عتق بِالْمَوْتِ وَالطَّلَاق وَالْعتاق يتقاربان فِي كثير من الْأَحْكَام
وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن الْمَرْأَة قد تخَالف الزَّوْج فِي بعض مقاصده وَيكرهُ كلاقها لكَون الطَّلَاق أبْغض الْمُبَاحَات إِلَى الله وَلكنه يَرْجُو موافقتها فيعلق طَلاقهَا بِفعل مَا يكرههُ أَو ترك مَا يُريدهُ فَإِن تركت مَا يكرههُ أَو فعلت مَا يُريدهُ فَذَاك وَإِلَّا فَهِيَ مختارة للطَّلَاق كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَفِيه مُنَازعَة من جِهَة أَن الْمَعْنى الَّذِي ذكره يَقْتَضِي وجود التَّعْلِيق عِنْد وجوده لَا عِنْد عَدمه وَلَا قَائِل بِالْفرقِ وَأَيْضًا فَالْقِيَاس على الْعتْق مَمْنُوع فَإِنَّهُ ضِدّه لِأَن الْعتْق مَحْبُوب إِلَى الله فَنَاسَبَ أَن يُوسع فِيهِ
стр. 386
بِالتَّعْلِيقِ وَالطَّلَاق مبغوض إِلَى الرب فَلَا يُنَاسب ذَلِك وَلِهَذَا رُوِيَ أَنه ﵊ قَالَ لِمعَاذ بن جبل ﵁ مَا خلق الله على وَجه الأَرْض أبْغض إِلَيْهِ من الطَّلَاق إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن التَّعْلِيق بِالصّفةِ وَالشّرط بَاب متسع جدا فنقتصر على بعض الْأَمْثِلَة ليدل مَا ذَكرْنَاهُ على مَا لم نذكرهُ إِذْ هَذَا الْكتاب لَا يَلِيق بِهِ الاتساع وَقيل ذكر الْأَمْثِلَة يعلم أَن الطَّلَاق إِذا علق على شَرط لم يجز الرُّجُوع فِي التَّعْلِيق وَسَوَاء علقه بِشَرْط مَعْلُوم الْحُصُول أَو محتمله لَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا بِوُجُود الشَّرْط وَلَا يحرم الْوَطْء قبل وجود الشَّرْط وَوُقُوع الطَّلَاق وَلَو شكّ فِي وجود الصّفة أَو الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِمَا لم يَقع طَلَاق إِذْ الأَصْل عدم ذَلِك وَلَو علق الطَّلَاق بِصفة ثمَّ قَالَ عجلت تِلْكَ الطَّلقَة الْمُعَلقَة لَا يتعجل على الصَّحِيح فَمن الْأَمْثِلَة مَا إِذا قَالَ لزوجته عِنْد التخاصم أَو غَيره أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَيشْتَرط مشيئتها فِي مجْلِس التجارب يَعْنِي التخاطب فَإِن أخرت لم تطلق وَإِن قَالَت شِئْت على الْفَوْر طلقت وَوجه اشْتِرَاط الْفَوْر بشيئين
أَحدهمَا أَن هَذَا التَّعْلِيق استدعاء رَغْبَة جَوَاب مِنْهَا فَينزل منزلَة الْقبُول فِي الْعُقُود
وَالثَّانِي أَن يتَضَمَّن تخييرها وتمليكها الْبضْع فَكَانَ كَمَا لَو قَالَ طَلِّقِي نَفسك وَلَو قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفسك فَهُوَ تَفْوِيض الطَّلَاق إِلَيْهَا وَهُوَ تمْلِيك الطَّلَاق على الْجَدِيد فَيشْتَرط لوُقُوع الطَّلَاق تطليقها على الْفَوْر وَكَذَا لَو قَالَ طَلِّقِي نَفسك على كَذَا يَعْنِي على مائَة وَنَحْوهَا فَيشْتَرط الْفَوْر وَتبين مِنْهُ ويلزمها الْمُسَمّى فَلَو أخرت وَطلقت لم يَقع هَذَا إِذا كَانَت الزَّوْجَة مكلفة راضية أما لَو كَانَت مَجْنُونَة أَو صَغِيرَة غير مُمَيزَة لم تطلق فَإِن كَانَت مُمَيزَة فَوَجْهَانِ صحّح النَّوَوِيّ أَنَّهَا لَا تطلق أَيْضا وَلَو كَانَت غير راضية فِي الْبَاطِن طلقت فِي الظَّاهِر وَهل تطلق بَاطِنا وَجْهَان
أَحدهمَا لَا يَقع وَبِه قَالَ غير وَاحِد كَمَا لَو علق على حَيْضهَا فَقَالَت حِضْت وَهِي كَاذِبَة فَإِنَّهُ لَا يَقع بَاطِنا وَالأَصَح فِي الْمُحَرر والمنهاج والتهذيب وَبِه قَالَ الْقفال وَغَيره أَنه يَقع لِأَن التَّعْلِيق فِي الْحَقِيقَة بِلَفْظ الْمَشِيئَة وَقد وجدت لَا بِمَا فِي الْبَاطِن وَلَو شَاءَت بقلبها وَلم تَنْطَلِق بلسانها قَالَ الإِمَام الَّذِي يجب الْقطع بِهِ أَنَّهَا لَا تطلق ظَاهرا وَلَا بَاطِنا لِأَن الْكَلَام الْجَارِي على النَّفس لَيْسَ جَوَابا وَأبْدى الرَّافِعِيّ فِي الْوُقُوع تردداً وَحكى فِي الرَّوْضَة فِي ذَلِك وَجْهَيْن وَلَو قَالَت شِئْت فكذبها فَإِن قُلْنَا إِن الْمُعَلق عَلَيْهِ اللَّفْظ فَالْقَوْل قَوْله وَإِن قُلْنَا مَا فِي نفس الْأَمر فَالْقَوْل قَوْلهَا حَكَاهُ مجلي وَلَو علق الطَّلَاق بمشيئتها لَا على مخاطبته لَهَا فَقَالَ زَوْجَتي طَالِق إِن شَاءَت لم يشْتَرط الْمَشِيئَة على الْفَوْر على الْأَصَح سَوَاء كَانَت حَاضِرَة أم غَائِبَة وَلَو قَالَ لأَجْنَبِيّ إِن شِئْت فزوجتي طَالِق فَالْأَصَحّ أَنه لَا يشْتَرط مَشِيئَته على الْفَوْر إِذْ لَا تمْلِيك لَهُ وَلَو قَالَ إِن شِئْت وَشاء فلَان فَأَنت طَالِق اشْترط مشيئتها
стр. 387
على الْفَوْر وَفِي مَشِيئَة فلَان وَجْهَان الصَّحِيح لَا يشْتَرط الْفَوْر وَإِذا علق بمشيئتها فَأَرَادَ أَن يرجع قبل مشيئتها لم يكن كَسَائِر التعليقات ثمَّ هَذَا كُله إِذا علق بقوله أَنْت طَالِق إِن شِئْت أما إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مني شِئْت طلقت مَتى شَاءَت وَإِن فَارَقت الْمجْلس لِأَنَّهُ تَعْلِيق على صفة لَا تَقْتَضِي فَوْرًا وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت أَنا فَمَتَى شَاءَ وَقع الطَّلَاق وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت قَالَ الْبَغَوِيّ وَأَبُو زيد والقفال تطلق شَاءَت أم لم تشأ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ لَا تطلق حَتَّى تُوجد مَشِيئَته فِي الْمجْلس مَشِيئَة أَن تطلق وَأَن لَا تطلق
قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَذَا الحكم إِذا قَالَ على أَي وَجه شِئْت كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ هُنَا ثمَّ أعَاد ذَلِك فِي بَاب الْعتْق قبيل الْوَلَاء وَاقْتضى نَقله هُنَاكَ رُجْحَان اشْتِرَاط الْمَشِيئَة وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِلَّا أَن يَشَاء أَبوك أَن لَا تطلقي فَلَا يَقع طَلَاق كَمَا لَو قَالَ إِلَّا أَن لَا يدْخل أَبوك الدَّار فَإِنَّهَا لَا تطلق إِن دخل وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق لَوْلَا أَبوك لم تطلق على الصَّحِيح وَمِنْهَا لَهُ زوجتان فَقَالَ من أَخْبَرتنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِق فَلفظ الْخَبَر يَقع على الصدْق وَالْكذب وَلَا يخْتَص بالْخبر الأول فَإِن أخبرتاه صادقتين أَو كاذبتين مَعًا أَو على التَّرْتِيب طلقتا مَعًا وَسَوَاء قَالَ من أَخْبَرتنِي مِنْكُمَا بقدوم زيد وَنَحْوه أَو من أَخْبَرتنِي أَن زيدا قدم أَو بِأَن زيدا قد قدم على الصَّحِيح
وَمِنْهَا أَنْت طَالِق يَوْم يقدم زيد فَقدم نَهَارا طلقت ويتبين الْوُقُوع من أول النَّهَار على الصَّحِيح وَقيل يَقع الطَّلَاق عقب الْقدوم فَلَو مَاتَت ثمَّ قدم زيد ذَلِك الْيَوْم فعلى الصَّحِيح مَاتَت مُطلقَة فَلَا يَرِثهَا الزَّوْج إِن كَانَ الطَّلَاق بَائِنا وَكَذَا لَو مَاتَ الزَّوْج بعد الْفجْر فَقدم زيد فِي يَوْمه لم تَرث مِنْهُ وَلَو خَالعهَا فِي أول النَّهَار ثمَّ قدم زيد فعلى الصَّحِيح الْخلْع بَاطِل إِن كَانَ الطَّلَاق الْمُعَلق بقدوم زيد بَائِنا وَإِن كَانَ رَجْعِيًا فعلى الْخلاف فِي خلع الرَّجْعِيَّة وَالْأَظْهَر صِحَة خلع الرَّجْعِيَّة لِأَنَّهَا زَوْجَة وَلَو قدم زيد لَيْلًا لم تطلق على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا فَأَنت طَالِق أَو أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا طلقت بِأَيِّهِمَا وجد وتنحل الْيَمين فَلَا يَقع بِالصّفةِ الْأُخْرَى شَيْء وَلَو قَالَ إِن دخلت الدَّار وَإِن كلمت زيدا بِلَا ألف فَأَنت طَالِق فَدخلت وَكلمَة وَقع طَلْقَتَانِ وبإحدى الصفتين طَلْقَة وَإِن قَالَ إِن دخلت وَكلمت بِلَا إِذن فَأَنت طَالِق فَلَا بُد من وجود الدُّخُول والتكليم وَيَقَع طَلْقَة وَاحِدَة وَسَوَاء تقدم الْكَلَام على الدُّخُول أَو تَأَخّر على الصَّحِيح وَقيل يشْتَرط تقدم الدُّخُول فَلَو أُتِي بثم بِأَن قَالَ إِن دخلت الدَّار ثمَّ كلمت زيدا فَلَا بُد مِنْهُمَا وَيشْتَرط تقدم الدُّخُول وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن أكلت هَذَا الزَّبِيب فَأَنت طَالِق فأكلته طلقت فَإِن تركت وَاحِدَة فَلَا يَحْنَث وَيُقَاس بِهَذَا أشباهه وَلَو قَالَ إِن أكلت هَذَا الرَّغِيف فَأَنت طَالِق فأكلته إِلَّا فتاتاً قَالَ القَاضِي حُسَيْن
стр. 388
لَا يَحْنَث كَمَا لَو قَالَ إِن أكلت هَذِه الرمانة فَأَنت طَالِق فَأَكَلتهَا إِلَّا حَبَّة فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث وَقَالَ الإِمَام وَإِن بَقِي قِطْعَة تحس وَيجْعَل لَهَا مَوضِع لم يَحْنَث وَرُبمَا يضْبط بِأَن تسمى قِطْعَة خبز وَإِن دق مدركه لم يبْق لَهُ أثر فِي بر وَلَا حنث قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْوَجْه تنزل إِطْلَاق القَاضِي حُسَيْن على هَذَا التَّفْصِيل وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو وَقع الْحجر فِي الدَّار فَقَالَ إِن لم تخبريني هَذِه السَّاعَة من رَمَاه وَإِلَّا فَأَنت طَالِق فَفِي فتاوي القَاضِي حُسَيْن أَنا إِن قَالَت رَمَاه مَخْلُوق لم تطلق وَإِن قَالَت رَمَاه آدَمِيّ طلقت لجَوَاز أَن يكون رَمَاه الْهَوَاء أَو هرة لِأَنَّهُ وجد سَبَب الْحِنْث وشككنا فِي الْمَانِع وشبهوه بِمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِلَّا أَن يَشَاء زيد الْيَوْم فَمضى الْيَوْم وَلم تعرف مَشِيئَته فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق على خلاف فِيهِ سبق هَذَا كَلَام الرَّوْضَة هُنَا وَذكر فِي آخر الْبَاب الرَّابِع أَنه لَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن لم يَشَأْ زيد أَو إِن لم يدْخل الدَّار أَو إِن لم يفعل كَذَا وَمَات وَلم يعلم وجود الصّفة فالأكثرون قَالُوا بالوقوع عِنْد الشَّك لِأَن الاصل عدم وجود الْمُعَلق عَلَيْهِ وَاخْتَارَ الإِمَام عدم الْوُقُوع قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ أوجه وَأقوى قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح عدم الْوُقُوع للشَّكّ فِي الصّفة الْمُوجبَة للطَّلَاق وَالله أعلم
قلت وإيضاح مَا قَالَه النَّوَوِيّ أَنه وَإِن كَانَ الأَصْل عدم مَشِيئَة زيد أَو عدم دُخُول الدَّار إِلَّا أَنه عَارضه أصل النِّكَاح وَاحْتِمَال وجود مَشِيئَة زيد ودخوله الدَّار مُمكن فضعف أصل عدم الدُّخُول والمشيئة بِهَذَا الإحتمال وَلَا كَذَلِك النِّكَاح وَقِيَاس الْمُصَحح هُنَاكَ عدم الْوُقُوع فِي مَسْأَلَة الْحجر لاحْتِمَال صدقهَا فِيمَا أخْبرت بِهِ مَعَ أَن الْخَبَر يصدق على الصدْق وَالْكذب وَالله أعلم وَمِنْهَا لَو قَالَ كل كلمة كلمتيني بهَا إِن لم أقل مثلهَا فَأَنت طَالِق فَقَالَت الْمَرْأَة أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فطريق الْخَلَاص من ذَلِك أَن يَقُول أَنْت تَقُولِينَ أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إِن شَاءَ الله وَالله أعلم وَمِنْهَا لَو قيل يَا زوج القحبة فَقَالَ إِن كَانَت امْرَأَتي بِهَذِهِ الصّفة فَهِيَ طَالِق نظر إِن قصد التَّخَلُّص من عارها وَقع الطَّلَاق وَإِلَّا فَهُوَ تَعْلِيق فَينْظر إِن كَانَت الصّفة الْمَذْكُورَة طلقت وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا لَو قَالَت لَهُ يَا خسيس فَقَالَ إِن كنت كَمَا تَقُولِينَ فَأَنت طَالِق نظر إِن أَرَادَ الْمُكَافَأَة طلقت سَوَاء كَانَ خسيساً أم لَا وَإِن قصد التَّعْلِيق لم تطلق إِلَّا بِوُجُود الخسية وَإِن أطلق وَلم يقْصد الْمُكَافَأَة وَلَا حَقِيقَة اللَّفْظ فَهُوَ للتعليق فَإِن عَم الْعرف بالمكافأة كَانَ على الْخلاف فِي أَنه يُرَاعِي الْوَضع أَو الْعرف وَالأَصَح وَبِه قطع الْمُتَوَلِي مُرَاعَاة اللَّفْظ فَإِن الْعرف لَا يكَاد يَنْضَبِط فِي مثل هَذَا فَأجَاب القَاضِي حُسَيْن بِمُقْتَضى الْوَجْه الآخر فَإِن شكّ فِي وجود الصّفة فَالْأَصْل أَن لَا طَلَاق وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَت لَهُ يَا أَحمَق فَقَالَ إِن كنت أَحمَق فَأَنت طَالِق فَالْأَمْر رَاجع مَعَ معرفَة الأحمق قَالَ الرَّافِعِيّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ الأحمق من نقصت مرتبَة أُمُوره وأحواله عَن مَرَاتِب أَمْثَاله نُقْصَانا بَينا بِلَا سَبَب وَلَا مرض وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ صاحبا الْمُهَذّب والتهذيب الأحمق من يفعل
стр. 389
الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه مَعَ الْعلم بقبحه وَفِي التَّتِمَّة وَالْبَيَان أَنه من يعْمل مَا يضرّهُ مَعَ علمه بقبحه وَفِي الْحَاوِي الْكَبِير من يضع كَلَامه فِي غير مَوْضِعه فَيَأْتِي بالْحسنِ فِي مَوضِع الْقَبِيح وَعَكسه وَقَالَ ثَعْلَب الأحمق من لَا ينْتَفع بعقل وَالله أعلم
وَمِنْهَا قَالَ رجل لزوجته سرقت أَو زَنَيْت فَقَالَت لم أفعل ذَلِك فَقَالَ إِن كنت سرقت أَو زَنَيْت فَأَنت طَالِق حكم بِوُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَال بِإِقْرَارِهِ السَّابِق كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ جازمين بِهِ وَفِيه نظر وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن ضربتك فَأَنت طَالِق فَتطلق إِذا حصل الضَّرْب بِالسَّوْطِ أَو الوكز أَو اللكز وَلَا يشْتَرط أَن يكون حَائِل وَيشْتَرط الايلام على الْأَصَح والعض وَقطع الشّعْر لَا يُسمى ضربا فَلَا يَقع بِهِ الطَّلَاق وَتوقف الْمُزنِيّ فِي العض وَلَو قصد ضرب غَيرهَا فأصابها طلقت وَلم يقبل قَوْله لِأَن الضَّرْب تَيَقّن وَيحْتَمل أَن يصدق قَالَه الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن رَأَيْت فلَانا فَأَنت طَالِق فرأته حَيا أَو مَيتا أَو نَائِما طلقت وَيَكْفِي رُؤْيَة شَيْء من بدنه وَإِن قل وَقيل يعْتَبر الْوَجْه وَإِن رَأَتْهُ مَسْتُورا أَو إِن رأه فِي الْمَنَام لم تطلق وَإِن رَأَتْهُ فِي مَاء صَاف أَو من وَرَاء زجاج شفاف طلقت على الصَّحِيح وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن كلمت زيدا فَأَنت طَالِق فكلمته وَلَو كَانَ سَكرَان أَو مَجْنُونا طلقت قَالَ ابْن الصّباغ يشْتَرط أَن يكون السَّكْرَان بِحَيْثُ يسمع وَيتَكَلَّم وَلَو كَلمته وَهُوَ مغمى عَلَيْهِ أَو وَهُوَ نَائِم لم تطلق وَإِن كَلمته وَهِي مَجْنُونَة قَالَ ابْن الصّباغ لَا تطلق وَعَن القَاضِي حُسَيْن أَنَّهَا تطلق قَالَ الرَّافِعِيّ وَالظَّاهِر تَخْرِيجه على حنث النَّاسِي وَإِن كَلمته وَهِي سكرانة طلقت على الْأَصَح وَلَو خفضت صَوتهَا بِحَيْثُ لَا يسمع لم تطلق وَإِن وَقع فِي سَمعه شَيْء فَهُوَ الْمَقْصُود اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَا يُقَال كَلمته وَلَو نادته من مَسَافَة بعيدَة لَا يسمع مِنْهَا الصَّوْت لم تطلق فَلَو حملت الرّيح كَلَامهَا وَوَقع فِي سَمعه فَالْمَذْهَب أَنَّهَا لَا تطلق وَإِن كَانَت الْمسَافَة بِحَيْثُ يسمع فِيهَا الصَّوْت فَلم يسمع لذهول أَو شغل طلقت فَإِن لم يسمع لعَارض ريح أَو لصمم فِيهِ وَجْهَان لم يصحح الرَّافِعِيّ وَلَا النَّوَوِيّ هُنَا شَيْئا صحّح الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير الْوُقُوع وَجزم بِهِ فِي الشَّرْح الْكَبِير فِي صَلَاة الْجُمُعَة عِنْد إسماع أَرْبَعِينَ إِلَّا أَنه فرض الْمَسْأَلَة فِي الصمم فَقَط وَنَقله فِي التَّتِمَّة عَن نَص الشَّافِعِي وَأما النَّوَوِيّ فإختلف تَصْحِيحه فصحح فِي تَصْحِيح فِي التَّنْبِيه أَنه لَا يَقع وَجزم فِي صَلَاة الْجُمُعَة بالوقوع وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن سرقت مني شَيْئا فَأَنت طَالِق فَدفع إِلَيْهَا كيساً فَأخذت مِنْهُ شَيْئا لَا تطلق لِأَنَّهُ خِيَانَة لَا سَرقَة
قلت كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَفِيه نظر من جِهَة أَن الْعَاميّ لَا يفرق بَين السّرقَة والخيانة فَإِذا فسرت السّرقَة بالخيانة وأخذنا بذلك أوقعنا عَلَيْهِ الطَّلَاق عملا بعرفه واعتقاده وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ الْمَدْيُون لصَاحب الدّين إِن أخذت مَالك عَليّ فامرأتي طَالِق فَأَخذه صَاحب
стр. 390
الدّين مُخْتَارًا طلقت امْرَأَة الْمَدْيُون سَوَاء كَانَ الْمَدْيُون مُخْتَارًا فِي الْإِعْطَاء أَو مكْرها وَسَوَاء أعطي بِنَفسِهِ أَو استسلفه صَاحب الدّين قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَذَا لَو أَخذه الْحَاكِم وَدفعه إِلَى صَاحب الدّين وَفِي كتب الْعِرَاقِيّين لَا يَقع الطَّلَاق إِذا أَخذه الْحَاكِم وَدفعه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا أَخذه الْحَاكِم بَرِئت ذمَّة الْمَدْيُون وَصَارَ الْمَأْخُوذ حَقًا لصَاحب الدّين فَلَا يبْقى لَهُ حق عَلَيْهِ وَلَا يصير بِأَخْذِهِ من الْحَاكِم آخِذا حَقه من الْمَدْيُون وَلَو قضى حَقه أَجْنَبِي قَالَ الدَّارمِيّ لَا تطلق لِأَنَّهُ بدل حَقه لَا حَقه بِنَفسِهِ وَلَو قَالَ إِن أخذت حَقك منى لم تطلق بِإِعْطَاء وَكيله وَلَا بِإِعْطَاء السُّلْطَان من مَاله فَإِن أكرهه السُّلْطَان حَتَّى أعْطى بِنَفسِهِ فعلى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُكْره وَلَو قَالَ إِن أَعطيتك حَقك فامرأتي طَالِق فَأعْطَاهُ بِاخْتِيَارِهِ طلقت سَوَاء كَانَ الْآخِذ مُخْتَارًا فِي الْأَخْذ أم لَا وَلَا تطلق بِإِعْطَاء الْوَكِيل وَالسُّلْطَان لِأَنَّهُ لم يُعْطه وَإِنَّمَا أعطَاهُ غَيره
قلت هَذَا صَحِيح حَيْثُ أَرَادَ أَن لَا يُعْطِيهِ بِنَفسِهِ أَو أطلق أما إِذا أَرَادَ بِإِعْطَاء عدم الْوَفَاء وَبَقَاء الْحق عَلَيْهِ فَيحنث بِإِعْطَاء الْوَكِيل وَالْحَاكِم لِأَنَّهُ غلط على نَفسه لِأَن صرف اللَّفْظ عَن حَقِيقَته إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي الصَّحِيح مُسْتَعْمل فَيعْمل بِهِ وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن كلمتك فَأَنت طَالِق ثمَّ أَعَادَهُ طلقت وَكَذَا لَو قَالَ اعرفي ذَلِك طلقت لِأَنَّهُ كلمها وَلَو قَالَ إِن بدأتك بالْكلَام فَأَنت طَالِق أَو بِالسَّلَامِ فَأَنت طَالِق فبدأته لم تطلق وتنحل الْيَمين وَالله أعلم
وَمِنْهَا سُئِلَ القَاضِي حُسَيْن عَن امْرَأَة صعدت السَّطْح بالمفتاح فَقَالَ إِن لم تلق الْمِفْتَاح فَأَنت طَالِق فَلم تلقه وَنزلت بِهِ فَقَالَ لَا يَقع الطَّلَاق وَيحمل قَوْله إِن لم تلقه على التَّأْبِيد كَمَا قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن دخل عَلَيْهِ صديقه فَقَالَ تغذ معي فَامْتنعَ فَقَالَ إِن لم تتغد معي فامرأتي طَالِق فَلم يفعل لَا يَقع الطَّلَاق فَلَو تغدى بعد ذَلِك مَعَه وَإِن طَال الزَّمَان انْحَلَّت يَمِينه وَإِن نوى أَن يتَعَدَّى مَعَه فِي الْحَال فَامْتنعَ وَقع الطَّلَاق وَرَأى الْبَغَوِيّ حمل الْمُطلق على الْحَال لأجل الْعَادة وَسُئِلَ القَاضِي أَيْضا عَن رجل قَالَ لامْرَأَته إِن لم تبيعي هَذِه الدجاجات فَأَنت طَالِق فقتلت وَاحِدَة مِنْهُنَّ طلق لتعذر بيع الْجَمِيع وَإِن ذبحت وَاحِدَة وباعتهن مَعَ المذبوحة لم تطلق وَسُئِلَ عَمَّن قَالَ إِن قَرَأت سُورَة الْبَقَرَة فِي صَلَاة الصُّبْح فَأَنت طَالِق فقرأتها ثمَّ فَسدتْ صلَاتهَا فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة لم تطلق على الصَّحِيح لِأَن الصَّلَاة عبَادَة وَاحِدَة يفْسد أَولهَا بِفساد آخرهَا وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ لزوجته إِن غسلت ثوبي فَأَنت طَالِق فغسلته أَجْنَبِيَّة ثمَّ غمسته زَوجته فِي المَاء تنظيفاً فَفِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْن أَنَّهَا لَا تطلق لِأَن الْعرف فِي مثل هَذَا يغلب وَالْمرَاد بِالْعرْفِ الْغسْل بالصابون والأشنان وَنَحْوهمَا وَإِزَالَة الْوَسخ وَقَالَ غير القَاضِي إِن أَرَادَ الْغسْل من الْوَسخ لم تطلق وَإِن أَرَادَ التَّنْظِيف فَلَا حنث وَإِن أطلق فَلَا حنث هَذَا كَلَام الرَّوْضَة وَقَوله فَلَا حنث سَهْو
следующие страницы →