Полный текст (576 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بِالتَّعْلِيقِ وَالطَّلَاق مبغوض إِلَى الرب فَلَا يُنَاسب ذَلِك وَلِهَذَا رُوِيَ أَنه ﵊ قَالَ لِمعَاذ بن جبل ﵁ مَا خلق الله على وَجه الأَرْض أبْغض إِلَيْهِ من الطَّلَاق إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن التَّعْلِيق بِالصّفةِ وَالشّرط بَاب متسع جدا فنقتصر على بعض الْأَمْثِلَة ليدل مَا ذَكرْنَاهُ على مَا لم نذكرهُ إِذْ هَذَا الْكتاب لَا يَلِيق بِهِ الاتساع وَقيل ذكر الْأَمْثِلَة يعلم أَن الطَّلَاق إِذا علق على شَرط لم يجز الرُّجُوع فِي التَّعْلِيق وَسَوَاء علقه بِشَرْط مَعْلُوم الْحُصُول أَو محتمله لَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا بِوُجُود الشَّرْط وَلَا يحرم الْوَطْء قبل وجود الشَّرْط وَوُقُوع الطَّلَاق وَلَو شكّ فِي وجود الصّفة أَو الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِمَا لم يَقع طَلَاق إِذْ الأَصْل عدم ذَلِك وَلَو علق الطَّلَاق بِصفة ثمَّ قَالَ عجلت تِلْكَ الطَّلقَة الْمُعَلقَة لَا يتعجل على الصَّحِيح فَمن الْأَمْثِلَة مَا إِذا قَالَ لزوجته عِنْد التخاصم أَو غَيره أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَيشْتَرط مشيئتها فِي مجْلِس التجارب يَعْنِي التخاطب فَإِن أخرت لم تطلق وَإِن قَالَت شِئْت على الْفَوْر طلقت وَوجه اشْتِرَاط الْفَوْر بشيئين
أَحدهمَا أَن هَذَا التَّعْلِيق استدعاء رَغْبَة جَوَاب مِنْهَا فَينزل منزلَة الْقبُول فِي الْعُقُود
وَالثَّانِي أَن يتَضَمَّن تخييرها وتمليكها الْبضْع فَكَانَ كَمَا لَو قَالَ طَلِّقِي نَفسك وَلَو قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفسك فَهُوَ تَفْوِيض الطَّلَاق إِلَيْهَا وَهُوَ تمْلِيك الطَّلَاق على الْجَدِيد فَيشْتَرط لوُقُوع الطَّلَاق تطليقها على الْفَوْر وَكَذَا لَو قَالَ طَلِّقِي نَفسك على كَذَا يَعْنِي على مائَة وَنَحْوهَا فَيشْتَرط الْفَوْر وَتبين مِنْهُ ويلزمها الْمُسَمّى فَلَو أخرت وَطلقت لم يَقع هَذَا إِذا كَانَت الزَّوْجَة مكلفة راضية أما لَو كَانَت مَجْنُونَة أَو صَغِيرَة غير مُمَيزَة لم تطلق فَإِن كَانَت مُمَيزَة فَوَجْهَانِ صحّح النَّوَوِيّ أَنَّهَا لَا تطلق أَيْضا وَلَو كَانَت غير راضية فِي الْبَاطِن طلقت فِي الظَّاهِر وَهل تطلق بَاطِنا وَجْهَان
أَحدهمَا لَا يَقع وَبِه قَالَ غير وَاحِد كَمَا لَو علق على حَيْضهَا فَقَالَت حِضْت وَهِي كَاذِبَة فَإِنَّهُ لَا يَقع بَاطِنا وَالأَصَح فِي الْمُحَرر والمنهاج والتهذيب وَبِه قَالَ الْقفال وَغَيره أَنه يَقع لِأَن التَّعْلِيق فِي الْحَقِيقَة بِلَفْظ الْمَشِيئَة وَقد وجدت لَا بِمَا فِي الْبَاطِن وَلَو شَاءَت بقلبها وَلم تَنْطَلِق بلسانها قَالَ الإِمَام الَّذِي يجب الْقطع بِهِ أَنَّهَا لَا تطلق ظَاهرا وَلَا بَاطِنا لِأَن الْكَلَام الْجَارِي على النَّفس لَيْسَ جَوَابا وَأبْدى الرَّافِعِيّ فِي الْوُقُوع تردداً وَحكى فِي الرَّوْضَة فِي ذَلِك وَجْهَيْن وَلَو قَالَت شِئْت فكذبها فَإِن قُلْنَا إِن الْمُعَلق عَلَيْهِ اللَّفْظ فَالْقَوْل قَوْله وَإِن قُلْنَا مَا فِي نفس الْأَمر فَالْقَوْل قَوْلهَا حَكَاهُ مجلي وَلَو علق الطَّلَاق بمشيئتها لَا على مخاطبته لَهَا فَقَالَ زَوْجَتي طَالِق إِن شَاءَت لم يشْتَرط الْمَشِيئَة على الْفَوْر على الْأَصَح سَوَاء كَانَت حَاضِرَة أم غَائِبَة وَلَو قَالَ لأَجْنَبِيّ إِن شِئْت فزوجتي طَالِق فَالْأَصَحّ أَنه لَا يشْتَرط مَشِيئَته على الْفَوْر إِذْ لَا تمْلِيك لَهُ وَلَو قَالَ إِن شِئْت وَشاء فلَان فَأَنت طَالِق اشْترط مشيئتها
стр. 387
على الْفَوْر وَفِي مَشِيئَة فلَان وَجْهَان الصَّحِيح لَا يشْتَرط الْفَوْر وَإِذا علق بمشيئتها فَأَرَادَ أَن يرجع قبل مشيئتها لم يكن كَسَائِر التعليقات ثمَّ هَذَا كُله إِذا علق بقوله أَنْت طَالِق إِن شِئْت أما إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مني شِئْت طلقت مَتى شَاءَت وَإِن فَارَقت الْمجْلس لِأَنَّهُ تَعْلِيق على صفة لَا تَقْتَضِي فَوْرًا وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت أَنا فَمَتَى شَاءَ وَقع الطَّلَاق وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت قَالَ الْبَغَوِيّ وَأَبُو زيد والقفال تطلق شَاءَت أم لم تشأ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ لَا تطلق حَتَّى تُوجد مَشِيئَته فِي الْمجْلس مَشِيئَة أَن تطلق وَأَن لَا تطلق
قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَذَا الحكم إِذا قَالَ على أَي وَجه شِئْت كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ هُنَا ثمَّ أعَاد ذَلِك فِي بَاب الْعتْق قبيل الْوَلَاء وَاقْتضى نَقله هُنَاكَ رُجْحَان اشْتِرَاط الْمَشِيئَة وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِلَّا أَن يَشَاء أَبوك أَن لَا تطلقي فَلَا يَقع طَلَاق كَمَا لَو قَالَ إِلَّا أَن لَا يدْخل أَبوك الدَّار فَإِنَّهَا لَا تطلق إِن دخل وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق لَوْلَا أَبوك لم تطلق على الصَّحِيح وَمِنْهَا لَهُ زوجتان فَقَالَ من أَخْبَرتنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِق فَلفظ الْخَبَر يَقع على الصدْق وَالْكذب وَلَا يخْتَص بالْخبر الأول فَإِن أخبرتاه صادقتين أَو كاذبتين مَعًا أَو على التَّرْتِيب طلقتا مَعًا وَسَوَاء قَالَ من أَخْبَرتنِي مِنْكُمَا بقدوم زيد وَنَحْوه أَو من أَخْبَرتنِي أَن زيدا قدم أَو بِأَن زيدا قد قدم على الصَّحِيح
وَمِنْهَا أَنْت طَالِق يَوْم يقدم زيد فَقدم نَهَارا طلقت ويتبين الْوُقُوع من أول النَّهَار على الصَّحِيح وَقيل يَقع الطَّلَاق عقب الْقدوم فَلَو مَاتَت ثمَّ قدم زيد ذَلِك الْيَوْم فعلى الصَّحِيح مَاتَت مُطلقَة فَلَا يَرِثهَا الزَّوْج إِن كَانَ الطَّلَاق بَائِنا وَكَذَا لَو مَاتَ الزَّوْج بعد الْفجْر فَقدم زيد فِي يَوْمه لم تَرث مِنْهُ وَلَو خَالعهَا فِي أول النَّهَار ثمَّ قدم زيد فعلى الصَّحِيح الْخلْع بَاطِل إِن كَانَ الطَّلَاق الْمُعَلق بقدوم زيد بَائِنا وَإِن كَانَ رَجْعِيًا فعلى الْخلاف فِي خلع الرَّجْعِيَّة وَالْأَظْهَر صِحَة خلع الرَّجْعِيَّة لِأَنَّهَا زَوْجَة وَلَو قدم زيد لَيْلًا لم تطلق على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا فَأَنت طَالِق أَو أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا طلقت بِأَيِّهِمَا وجد وتنحل الْيَمين فَلَا يَقع بِالصّفةِ الْأُخْرَى شَيْء وَلَو قَالَ إِن دخلت الدَّار وَإِن كلمت زيدا بِلَا ألف فَأَنت طَالِق فَدخلت وَكلمَة وَقع طَلْقَتَانِ وبإحدى الصفتين طَلْقَة وَإِن قَالَ إِن دخلت وَكلمت بِلَا إِذن فَأَنت طَالِق فَلَا بُد من وجود الدُّخُول والتكليم وَيَقَع طَلْقَة وَاحِدَة وَسَوَاء تقدم الْكَلَام على الدُّخُول أَو تَأَخّر على الصَّحِيح وَقيل يشْتَرط تقدم الدُّخُول فَلَو أُتِي بثم بِأَن قَالَ إِن دخلت الدَّار ثمَّ كلمت زيدا فَلَا بُد مِنْهُمَا وَيشْتَرط تقدم الدُّخُول وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن أكلت هَذَا الزَّبِيب فَأَنت طَالِق فأكلته طلقت فَإِن تركت وَاحِدَة فَلَا يَحْنَث وَيُقَاس بِهَذَا أشباهه وَلَو قَالَ إِن أكلت هَذَا الرَّغِيف فَأَنت طَالِق فأكلته إِلَّا فتاتاً قَالَ القَاضِي حُسَيْن
стр. 388
لَا يَحْنَث كَمَا لَو قَالَ إِن أكلت هَذِه الرمانة فَأَنت طَالِق فَأَكَلتهَا إِلَّا حَبَّة فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث وَقَالَ الإِمَام وَإِن بَقِي قِطْعَة تحس وَيجْعَل لَهَا مَوضِع لم يَحْنَث وَرُبمَا يضْبط بِأَن تسمى قِطْعَة خبز وَإِن دق مدركه لم يبْق لَهُ أثر فِي بر وَلَا حنث قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْوَجْه تنزل إِطْلَاق القَاضِي حُسَيْن على هَذَا التَّفْصِيل وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو وَقع الْحجر فِي الدَّار فَقَالَ إِن لم تخبريني هَذِه السَّاعَة من رَمَاه وَإِلَّا فَأَنت طَالِق فَفِي فتاوي القَاضِي حُسَيْن أَنا إِن قَالَت رَمَاه مَخْلُوق لم تطلق وَإِن قَالَت رَمَاه آدَمِيّ طلقت لجَوَاز أَن يكون رَمَاه الْهَوَاء أَو هرة لِأَنَّهُ وجد سَبَب الْحِنْث وشككنا فِي الْمَانِع وشبهوه بِمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِلَّا أَن يَشَاء زيد الْيَوْم فَمضى الْيَوْم وَلم تعرف مَشِيئَته فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق على خلاف فِيهِ سبق هَذَا كَلَام الرَّوْضَة هُنَا وَذكر فِي آخر الْبَاب الرَّابِع أَنه لَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن لم يَشَأْ زيد أَو إِن لم يدْخل الدَّار أَو إِن لم يفعل كَذَا وَمَات وَلم يعلم وجود الصّفة فالأكثرون قَالُوا بالوقوع عِنْد الشَّك لِأَن الاصل عدم وجود الْمُعَلق عَلَيْهِ وَاخْتَارَ الإِمَام عدم الْوُقُوع قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ أوجه وَأقوى قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح عدم الْوُقُوع للشَّكّ فِي الصّفة الْمُوجبَة للطَّلَاق وَالله أعلم
قلت وإيضاح مَا قَالَه النَّوَوِيّ أَنه وَإِن كَانَ الأَصْل عدم مَشِيئَة زيد أَو عدم دُخُول الدَّار إِلَّا أَنه عَارضه أصل النِّكَاح وَاحْتِمَال وجود مَشِيئَة زيد ودخوله الدَّار مُمكن فضعف أصل عدم الدُّخُول والمشيئة بِهَذَا الإحتمال وَلَا كَذَلِك النِّكَاح وَقِيَاس الْمُصَحح هُنَاكَ عدم الْوُقُوع فِي مَسْأَلَة الْحجر لاحْتِمَال صدقهَا فِيمَا أخْبرت بِهِ مَعَ أَن الْخَبَر يصدق على الصدْق وَالْكذب وَالله أعلم وَمِنْهَا لَو قَالَ كل كلمة كلمتيني بهَا إِن لم أقل مثلهَا فَأَنت طَالِق فَقَالَت الْمَرْأَة أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فطريق الْخَلَاص من ذَلِك أَن يَقُول أَنْت تَقُولِينَ أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إِن شَاءَ الله وَالله أعلم وَمِنْهَا لَو قيل يَا زوج القحبة فَقَالَ إِن كَانَت امْرَأَتي بِهَذِهِ الصّفة فَهِيَ طَالِق نظر إِن قصد التَّخَلُّص من عارها وَقع الطَّلَاق وَإِلَّا فَهُوَ تَعْلِيق فَينْظر إِن كَانَت الصّفة الْمَذْكُورَة طلقت وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا لَو قَالَت لَهُ يَا خسيس فَقَالَ إِن كنت كَمَا تَقُولِينَ فَأَنت طَالِق نظر إِن أَرَادَ الْمُكَافَأَة طلقت سَوَاء كَانَ خسيساً أم لَا وَإِن قصد التَّعْلِيق لم تطلق إِلَّا بِوُجُود الخسية وَإِن أطلق وَلم يقْصد الْمُكَافَأَة وَلَا حَقِيقَة اللَّفْظ فَهُوَ للتعليق فَإِن عَم الْعرف بالمكافأة كَانَ على الْخلاف فِي أَنه يُرَاعِي الْوَضع أَو الْعرف وَالأَصَح وَبِه قطع الْمُتَوَلِي مُرَاعَاة اللَّفْظ فَإِن الْعرف لَا يكَاد يَنْضَبِط فِي مثل هَذَا فَأجَاب القَاضِي حُسَيْن بِمُقْتَضى الْوَجْه الآخر فَإِن شكّ فِي وجود الصّفة فَالْأَصْل أَن لَا طَلَاق وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَت لَهُ يَا أَحمَق فَقَالَ إِن كنت أَحمَق فَأَنت طَالِق فَالْأَمْر رَاجع مَعَ معرفَة الأحمق قَالَ الرَّافِعِيّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ الأحمق من نقصت مرتبَة أُمُوره وأحواله عَن مَرَاتِب أَمْثَاله نُقْصَانا بَينا بِلَا سَبَب وَلَا مرض وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ صاحبا الْمُهَذّب والتهذيب الأحمق من يفعل
стр. 389
الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه مَعَ الْعلم بقبحه وَفِي التَّتِمَّة وَالْبَيَان أَنه من يعْمل مَا يضرّهُ مَعَ علمه بقبحه وَفِي الْحَاوِي الْكَبِير من يضع كَلَامه فِي غير مَوْضِعه فَيَأْتِي بالْحسنِ فِي مَوضِع الْقَبِيح وَعَكسه وَقَالَ ثَعْلَب الأحمق من لَا ينْتَفع بعقل وَالله أعلم
وَمِنْهَا قَالَ رجل لزوجته سرقت أَو زَنَيْت فَقَالَت لم أفعل ذَلِك فَقَالَ إِن كنت سرقت أَو زَنَيْت فَأَنت طَالِق حكم بِوُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَال بِإِقْرَارِهِ السَّابِق كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ جازمين بِهِ وَفِيه نظر وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن ضربتك فَأَنت طَالِق فَتطلق إِذا حصل الضَّرْب بِالسَّوْطِ أَو الوكز أَو اللكز وَلَا يشْتَرط أَن يكون حَائِل وَيشْتَرط الايلام على الْأَصَح والعض وَقطع الشّعْر لَا يُسمى ضربا فَلَا يَقع بِهِ الطَّلَاق وَتوقف الْمُزنِيّ فِي العض وَلَو قصد ضرب غَيرهَا فأصابها طلقت وَلم يقبل قَوْله لِأَن الضَّرْب تَيَقّن وَيحْتَمل أَن يصدق قَالَه الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن رَأَيْت فلَانا فَأَنت طَالِق فرأته حَيا أَو مَيتا أَو نَائِما طلقت وَيَكْفِي رُؤْيَة شَيْء من بدنه وَإِن قل وَقيل يعْتَبر الْوَجْه وَإِن رَأَتْهُ مَسْتُورا أَو إِن رأه فِي الْمَنَام لم تطلق وَإِن رَأَتْهُ فِي مَاء صَاف أَو من وَرَاء زجاج شفاف طلقت على الصَّحِيح وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن كلمت زيدا فَأَنت طَالِق فكلمته وَلَو كَانَ سَكرَان أَو مَجْنُونا طلقت قَالَ ابْن الصّباغ يشْتَرط أَن يكون السَّكْرَان بِحَيْثُ يسمع وَيتَكَلَّم وَلَو كَلمته وَهُوَ مغمى عَلَيْهِ أَو وَهُوَ نَائِم لم تطلق وَإِن كَلمته وَهِي مَجْنُونَة قَالَ ابْن الصّباغ لَا تطلق وَعَن القَاضِي حُسَيْن أَنَّهَا تطلق قَالَ الرَّافِعِيّ وَالظَّاهِر تَخْرِيجه على حنث النَّاسِي وَإِن كَلمته وَهِي سكرانة طلقت على الْأَصَح وَلَو خفضت صَوتهَا بِحَيْثُ لَا يسمع لم تطلق وَإِن وَقع فِي سَمعه شَيْء فَهُوَ الْمَقْصُود اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَا يُقَال كَلمته وَلَو نادته من مَسَافَة بعيدَة لَا يسمع مِنْهَا الصَّوْت لم تطلق فَلَو حملت الرّيح كَلَامهَا وَوَقع فِي سَمعه فَالْمَذْهَب أَنَّهَا لَا تطلق وَإِن كَانَت الْمسَافَة بِحَيْثُ يسمع فِيهَا الصَّوْت فَلم يسمع لذهول أَو شغل طلقت فَإِن لم يسمع لعَارض ريح أَو لصمم فِيهِ وَجْهَان لم يصحح الرَّافِعِيّ وَلَا النَّوَوِيّ هُنَا شَيْئا صحّح الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير الْوُقُوع وَجزم بِهِ فِي الشَّرْح الْكَبِير فِي صَلَاة الْجُمُعَة عِنْد إسماع أَرْبَعِينَ إِلَّا أَنه فرض الْمَسْأَلَة فِي الصمم فَقَط وَنَقله فِي التَّتِمَّة عَن نَص الشَّافِعِي وَأما النَّوَوِيّ فإختلف تَصْحِيحه فصحح فِي تَصْحِيح فِي التَّنْبِيه أَنه لَا يَقع وَجزم فِي صَلَاة الْجُمُعَة بالوقوع وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن سرقت مني شَيْئا فَأَنت طَالِق فَدفع إِلَيْهَا كيساً فَأخذت مِنْهُ شَيْئا لَا تطلق لِأَنَّهُ خِيَانَة لَا سَرقَة
قلت كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَفِيه نظر من جِهَة أَن الْعَاميّ لَا يفرق بَين السّرقَة والخيانة فَإِذا فسرت السّرقَة بالخيانة وأخذنا بذلك أوقعنا عَلَيْهِ الطَّلَاق عملا بعرفه واعتقاده وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ الْمَدْيُون لصَاحب الدّين إِن أخذت مَالك عَليّ فامرأتي طَالِق فَأَخذه صَاحب
стр. 390
الدّين مُخْتَارًا طلقت امْرَأَة الْمَدْيُون سَوَاء كَانَ الْمَدْيُون مُخْتَارًا فِي الْإِعْطَاء أَو مكْرها وَسَوَاء أعطي بِنَفسِهِ أَو استسلفه صَاحب الدّين قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَذَا لَو أَخذه الْحَاكِم وَدفعه إِلَى صَاحب الدّين وَفِي كتب الْعِرَاقِيّين لَا يَقع الطَّلَاق إِذا أَخذه الْحَاكِم وَدفعه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا أَخذه الْحَاكِم بَرِئت ذمَّة الْمَدْيُون وَصَارَ الْمَأْخُوذ حَقًا لصَاحب الدّين فَلَا يبْقى لَهُ حق عَلَيْهِ وَلَا يصير بِأَخْذِهِ من الْحَاكِم آخِذا حَقه من الْمَدْيُون وَلَو قضى حَقه أَجْنَبِي قَالَ الدَّارمِيّ لَا تطلق لِأَنَّهُ بدل حَقه لَا حَقه بِنَفسِهِ وَلَو قَالَ إِن أخذت حَقك منى لم تطلق بِإِعْطَاء وَكيله وَلَا بِإِعْطَاء السُّلْطَان من مَاله فَإِن أكرهه السُّلْطَان حَتَّى أعْطى بِنَفسِهِ فعلى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُكْره وَلَو قَالَ إِن أَعطيتك حَقك فامرأتي طَالِق فَأعْطَاهُ بِاخْتِيَارِهِ طلقت سَوَاء كَانَ الْآخِذ مُخْتَارًا فِي الْأَخْذ أم لَا وَلَا تطلق بِإِعْطَاء الْوَكِيل وَالسُّلْطَان لِأَنَّهُ لم يُعْطه وَإِنَّمَا أعطَاهُ غَيره
قلت هَذَا صَحِيح حَيْثُ أَرَادَ أَن لَا يُعْطِيهِ بِنَفسِهِ أَو أطلق أما إِذا أَرَادَ بِإِعْطَاء عدم الْوَفَاء وَبَقَاء الْحق عَلَيْهِ فَيحنث بِإِعْطَاء الْوَكِيل وَالْحَاكِم لِأَنَّهُ غلط على نَفسه لِأَن صرف اللَّفْظ عَن حَقِيقَته إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي الصَّحِيح مُسْتَعْمل فَيعْمل بِهِ وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن كلمتك فَأَنت طَالِق ثمَّ أَعَادَهُ طلقت وَكَذَا لَو قَالَ اعرفي ذَلِك طلقت لِأَنَّهُ كلمها وَلَو قَالَ إِن بدأتك بالْكلَام فَأَنت طَالِق أَو بِالسَّلَامِ فَأَنت طَالِق فبدأته لم تطلق وتنحل الْيَمين وَالله أعلم
وَمِنْهَا سُئِلَ القَاضِي حُسَيْن عَن امْرَأَة صعدت السَّطْح بالمفتاح فَقَالَ إِن لم تلق الْمِفْتَاح فَأَنت طَالِق فَلم تلقه وَنزلت بِهِ فَقَالَ لَا يَقع الطَّلَاق وَيحمل قَوْله إِن لم تلقه على التَّأْبِيد كَمَا قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن دخل عَلَيْهِ صديقه فَقَالَ تغذ معي فَامْتنعَ فَقَالَ إِن لم تتغد معي فامرأتي طَالِق فَلم يفعل لَا يَقع الطَّلَاق فَلَو تغدى بعد ذَلِك مَعَه وَإِن طَال الزَّمَان انْحَلَّت يَمِينه وَإِن نوى أَن يتَعَدَّى مَعَه فِي الْحَال فَامْتنعَ وَقع الطَّلَاق وَرَأى الْبَغَوِيّ حمل الْمُطلق على الْحَال لأجل الْعَادة وَسُئِلَ القَاضِي أَيْضا عَن رجل قَالَ لامْرَأَته إِن لم تبيعي هَذِه الدجاجات فَأَنت طَالِق فقتلت وَاحِدَة مِنْهُنَّ طلق لتعذر بيع الْجَمِيع وَإِن ذبحت وَاحِدَة وباعتهن مَعَ المذبوحة لم تطلق وَسُئِلَ عَمَّن قَالَ إِن قَرَأت سُورَة الْبَقَرَة فِي صَلَاة الصُّبْح فَأَنت طَالِق فقرأتها ثمَّ فَسدتْ صلَاتهَا فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة لم تطلق على الصَّحِيح لِأَن الصَّلَاة عبَادَة وَاحِدَة يفْسد أَولهَا بِفساد آخرهَا وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ لزوجته إِن غسلت ثوبي فَأَنت طَالِق فغسلته أَجْنَبِيَّة ثمَّ غمسته زَوجته فِي المَاء تنظيفاً فَفِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْن أَنَّهَا لَا تطلق لِأَن الْعرف فِي مثل هَذَا يغلب وَالْمرَاد بِالْعرْفِ الْغسْل بالصابون والأشنان وَنَحْوهمَا وَإِزَالَة الْوَسخ وَقَالَ غير القَاضِي إِن أَرَادَ الْغسْل من الْوَسخ لم تطلق وَإِن أَرَادَ التَّنْظِيف فَلَا حنث وَإِن أطلق فَلَا حنث هَذَا كَلَام الرَّوْضَة وَقَوله فَلَا حنث سَهْو
стр. 391
لموافقته لما قبله وَصَوَابه حنث وَكَذَا هُوَ فِي الرَّافِعِيّ وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو حلف شخص أَنه لَا يخرج من الْبَلَد حَتَّى يقْضِي دين فلَان بِالْعَمَلِ فَعمل لَهُ بِبَعْض دينه وَقضى الْبَاقِي من مَوضِع آخر ثمَّ خرج طلقت فَلَو قَالَ أردْت أَنِّي لَا أخرج حَتَّى أخرج إِلَيْهِ من دينه وأقضي حَقه قبل قَوْله فِي الحكم قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ
وَمِنْهَا حلف شخص أَن هَذَا الَّذِي أَخذه من فلَان وَشهد بِهِ عَدْلَانِ أَنه لَيْسَ ذَلِك طلقت على الصَّحِيح لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت شَهَادَة على النَّفْي إِلَّا أَنه نفي يُحِيط بِهِ الْعلم كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ قَالَ الاسنوي الْحِنْث غير صَحِيح على قَاعِدَته فَإِنَّهُ إِذا حلف مُعْتَقدًا أَنه ذَلِك الشَّيْء وَلَيْسَ إِيَّاه لكَونه جَاهِلا بِهِ فَالْأَصَحّ أَن الْجَاهِل لَا يَحْنَث وَقد صرح الرَّافِعِيّ بِهَذِهِ الْقَاعِدَة فِي أول كتاب الْأَيْمَان إِذا حلف بِالطَّلَاق أَنه لم يفعل كَذَا فَشهد عَدْلَانِ عِنْده أَنه فعله وتيقن صدقهما أَو غلب على ظَنّه صدقهما لزمَه الْأَخْذ بِالطَّلَاق كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن أبي الْعَبَّاس الرواياني وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ الاسنوي هَذَا إِنَّمَا يَجِيء إِذا فرعنا على حنث النَّاسِي فاعرفه وَهُوَ قريب مِمَّا مر وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ لزوجته إِن خرجت من الدَّار بِغَيْر إذني فَأَنت طَالِق فأخرجها هُوَ فَهَل يكون إِذْنا وَجْهَان الْقيَاس الْمَنْع كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الرَّوْيَانِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَمُقْتَضَاهُ وُقُوع الطَّلَاق وَالله أعلم
وَمِنْهَا أَنه لَو قَالَ إِن لم تخرجي اللَّيْلَة من دَاري فَأَنت طَالِق فخالعها مَعَ أَجْنَبِي فِي اللَّيْل وجدد نِكَاحهَا وَلم تخرج لم تطلق وَأَنه لَو حلف لَا يخرج من الْبَلَد إِلَّا مَعهَا فَخَرَجَا أَو تقدم بخطوات فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا يَحْنَث للْعُرْف
وَالثَّانِي يَحْنَث وَلَا يحصل الْبر إِلَّا بخروجهما مَعًا بِلَا تقدم وَأَنه لَو حلف لَا يضْربهَا إِلَّا بِالْوَاجِبِ فشتمته فضربها بالخشب طلقت لِأَن الشتم لَا يُوجب الضَّرْب بالخشب وَإِنَّمَا تسْتَحقّ بِهِ التَّعْزِير وَقيل خِلَافه كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح أَنَّهَا لَا تطلق فِي مَسْأَلَة الضَّرْب وَلَا فِي مَسْأَلَة التَّقَدُّم بخطوات يسيرَة وَالله أعلم وَلَو سرقت من زَوجهَا دِينَارا فَحلف بِالطَّلَاق لتردينه وَكَانَت قد أنفقته لَا تطلق حَتَّى يحصل الْيَأْس من رده بِالْمَوْتِ فَإِن تلف الدِّينَار وهما حَيَّان فوقوع الطَّلَاق على الْخلاف فِي الْحِنْث بِفعل الْمُكْره قَالَ النَّوَوِيّ إِن تلف بعد التَّمَكُّن من الرَّد طلقت على الْمَذْهَب وَالله أعلم
وَمِنْهَا أَنه لَو قَالَ إِن دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق وَأَشَارَ إِلَى مَوضِع من الدَّار فَدخلت غير ذَلِك
стр. 392
الْموضع من الدَّار فَفِي وُقُوع الطَّلَاق وَجْهَان قَالَ النَّوَوِيّ أصَحهمَا الْوُقُوع ظَاهرا لكنه إِن أَرَادَ ذَلِك الْموضع دين فِيمَا بَينه وَبَين الله وَالله أعلم
وَمِنْهَا قَالَت لَهُ زَوجته هَذَا ملكك فَقَالَ إِن كَانَ ملكي فَأَنت طَالِق ثمَّ وكل من يَبِيعهُ فَهَل يكون ذَلِك إِقْرَارا بِأَنَّهُ ملكه وَجْهَان وَكَذَا لَو تقدم التَّوْكِيل على التَّعْلِيق قَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار فِي الْحَالين أَنه لَا طَلَاق إِذْ يحْتَمل أَن يكون وَكيلا فِي التَّوْكِيل يَبِيعهُ أَو كَانَ لغيره وَله عَلَيْهِ دين وَتعذر اسْتِيفَاؤهُ فيبيعه ليتملك ثمنه أَو بَاعه غصبا أَو بَاعه بِولَايَة كالوالد وَالْوَصِيّ والناظر وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن لم تصومي غَدا فَأَنت طَالِق فَحَاضَت فوقوع الطَّلَاق على الْخلاف فِي الْمُكْره
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن لم أطأك اللَّيْلَة فَأَنت طَالِق فَوَجَدَهَا حَائِضًا فَعَن الْمُزنِيّ أَنه حكى عَن الشَّافِعِي وَمَالك وَأبي حنيفَة أَنه لَا طَلَاق وَاعْترض وَقَالَ يَقع الطَّلَاق لِأَن الْمعْصِيَة لَا تعلق لَهَا بِالْيَمِينِ وَلِهَذَا لَو حلف أَن يَعْصِي الله فَلم يَعْصِهِ حنث وَقيل مَا قَالَه الْمُزنِيّ هُوَ الْمَذْهَب وَاخْتَارَهُ الْقفال وَقيل على قَوْلَيْنِ كفوات الْبر بِالْإِكْرَاهِ وَكَذَا ذكر الرَّافِعِيّ هَذِه الْمَسْأَلَة هُنَا عَن الرَّوْيَانِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ ثمَّ أعَاد الرَّافِعِيّ الْمَسْأَلَة فِي الْبَاب السَّادِس من كتاب الْأَيْمَان فِي النَّوْع السَّابِع عِنْد الْحلف على اسْتِيفَاء الْحُقُوق وَجزم بِمَا قَالَه الْمُزنِيّ حكما وتعليقاً وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو حلف لَا يُعِيد بِالْمَكَانِ الْفُلَانِيّ وَأقَام بِهِ يَوْم الْعِيد وَلم يخرج إِلَى الْعِيد قَالَ البوشنجي حنث وَيحْتَمل الْمَنْع نَقله الرَّافِعِيّ عَنهُ وَأقرهُ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَمِنْهَا لَو تخاصم رجل وإمرأه على المراودة فَقَالَ إِن لم تجيئ إِلَى الْفراش السَّاعَة فَأَنت طَالِق ثمَّ طَالَتْ الْخُصُومَة بَينهمَا حَتَّى مَضَت السَّاعَة ثمَّ جَاءَت إِلَى الْفراش قَالَ البوشنجي الْقيَاس أَنَّهَا طلقت كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ وَأقرهُ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَمِنْهَا لَو قَالَ لزوجته إِن خرجت من الدَّار فَأَنت طَالِق وللدار بُسْتَان بَابه مَفْتُوح إِلَيْهَا فَخرجت إِلَى الْبُسْتَان قَالَ البوشنجي الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَب أَنه إِن كَانَ بِحَيْثُ يعد من جملَة الدَّار ومرافقها لَا تطلق وَإِلَّا فَتطلق كَذَا نَقله الشَّيْخَانِ عَنهُ وَأَقَرَّاهُ قَالَ البوشنجي لَو حلف أَنه لَا يعرف فلَانا وَقد عرفه بِوَجْهِهِ وطالت صحبته لَهُ إِلَّا أَنه لَا يعرف اسْمه حنث على قِيَاس الْمَذْهَب وَبِه قَالَ الاستراباذي
قَالَ البوشنجي وَلَو قَالَ إِن نمت على ثوب لَك فَأَنت طَالِق فَوضع رَأسه على مرفقة لَهَا لَا تطلق كَمَا لَو وضع عَلَيْهَا يَدَيْهِ أَو رجلَيْهِ وَالله أعلم
(مَسْأَلَة) حلف لَا يَأْكُل من طَعَام فلَان فتناهدا قَالَ البوشنجي حنث وَأقر الرَّافِعِيّ قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا مُشكل لِأَن المناهدة فِي معنى الْمُعَاوضَة وَإِن لم تكن فِي معنى الْمُعَاوضَة فتتخرج على مَسْأَلَة الضَّيْف وَالله أعلم
стр. 393
والمناهدة خلط الْمُسَافِرين نَفَقَتهم واشتراكهم فِي الْأكل من الْمُخْتَلط ثمَّ أعَاد الرَّافِعِيّ الْمَسْأَلَة فِي آخر كتاب الْأَيْمَان وفسرها بتفسير هُوَ أَعم مِمَّا فسره النَّوَوِيّ وَذكر مَا ذكره النَّوَوِيّ من التَّخْرِيج على مَسْأَلَة الضَّيْف وَالله أعلم
وَمِنْهَا قَالَ البوشنجي لَو قَالَ إِن دخلت دَار فلَان مَا دَامَ فِيهَا فَأَنت طَالِق فتحول فلَان مِنْهَا ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فدخلتها لَا تطلق وَأقرهُ الشَّيْخَانِ على ذَلِك قَالَ البوشنجي وَلَو قَالَ إِن أغضبتك فَأَنت طَالِق فَضرب ابْنهَا طلقت وَإِن كَانَ ضرب تَأْدِيب
قلت كَذَا أطلقهُ الشَّيْخَانِ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن أَمرته بضربه أَو لم أمره وَادعت أَنَّهَا لم تغْضب لم يَقع لعدم وجود الصّفة إِذْ لَا يلْزم من الضَّرْب الْغَضَب وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن أكلت من الَّذِي تطبخيه فَهِيَ طَالِق فَوضعت الْقدر على الكانون وأوقد غَيرهَا لم تطلق وَكَذَا لَو سجر التَّنور غَيرهَا وَوضعت الْقدر فِيهِ كَمَا قَالَه الْعَبَّادِيّ وَأقرهُ الشَّيْخَانِ
قلت وَهُوَ صَحِيح فِيمَن عَادَتهَا تباشر الطَّبْخ بِنَفسِهَا وَأما مَا جرت بِهِ عَادَة أَصْحَاب الثروة من أَن الْمَرْأَة لَهَا خَادِم هِيَ تتولى وضع الْقدر على الكانون والوقيد وَالزَّوْجَة تراقبها فِي أَمر الطَّبْخ فَيتَّجه الْحِنْث إِذْ يصدق عَلَيْهَا أَنَّهَا طبخت فِي عرفهم واستعمالهم وَلِهَذَا لم تزل الزَّوْجَة تَقول عِنْد مخاصمها لم أقصر فِي حَقه وَلم أزل أطبخ لَهُ وأغسل عَلَيْهِ فَهُوَ عِنْدهم عرف شَائِع يطرد وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن كَانَ فِي بَيْتِي نَار فامرأتي طَالِق وَفِيه سراج طلقت قَالَه الْعَبَّادِيّ وَأقرهُ الشَّيْخَانِ
قلت وَفِيه نظر لِأَن مُقْتَضى الْعرف لَا يَقْتَضِيهِ وَهَذَا عِنْد عدم الْقَرِينَة الدَّالَّة على النَّار الْمُعْتَادَة أما عِنْد وجود الْقَرِينَة الدَّالَّة على ذَلِك كمن جَاءَ بآنية لأخذ نَار الطَّبْخ وَنَحْوه فَالْوَجْه الْقطع بِعَدَمِ الْوُقُوع وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَت لَهُ زَوجته لَا طَاقَة بِالْجُوعِ مَعَك فَقَالَ إِن جعت يَوْمًا فِي بَيْتِي فَأَنت طَالِق وَلم ينْو المجازاة فَيعْتَبر حَقِيقَة الصّفة وَلَا تطلق بِالْجُوعِ فِي أَيَّام الصَّوْم قَالَه الْعَبَّادِيّ وَأقرهُ الشَّيْخَانِ
وَمِنْهَا لَو قَالَ لزوجته إِن لم تَكُونِي أحسن من الْقَمَر اَوْ إِن لم يكن وَجهك أحسن من الْقَمَر فَأَنت طَالِق قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ والقفال وَغَيرهمَا لَا تطلق وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا الحكم والاستشهاد مُتَّفق عَلَيْهِ وَقد نَص عَلَيْهِ
стр. 394
الشَّافِعِي قَالَ الْمروزِي لَو قَالَ إِن لم أكن أحسن من الْقَمَر فَأَنت طَالِق لَا تطلق وَلَو كَانَ زنجياً أسود وَالله أعلم
وَمِنْهَا إِذا علق طَلاقهَا بحيضها فَقَالَت حِضْت وَأنكر الزَّوْج صدقت بِيَمِينِهَا وَكَذَا الحكم فِي كل مَالا يعرف إِلَّا مِنْهَا كَقَوْلِه إِن أضمرت لي سوءا فَقَالَت أضمرت فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق وَلَو علق طَلاقهَا بزناها فَقَالَت زَنَيْت فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا تصدق لِأَنَّهُ خَفِي تندر مَعْرفَته فَأشبه الْحيض وأصحهما عِنْد الإِمَام وَآخَرين لَا تصدق كالتعليق بِالدُّخُولِ وَغَيره لِأَن مَعْرفَته مُمكنَة وَالْأَصْل بَقَاء النِّكَاح وطرد الْخلاف فِي الْأَفْعَال الْخفية الَّتِي لَا تكَاد يُوقف عَلَيْهَا وَلَو علق بِالْولادَةِ فادعتها وَأنكر وَقَالَ هَذَا الْوَلَد مستعار لم تصدق هِيَ على الْأَصَح وتطالب بِالْبَيِّنَةِ كَسَائِر الصِّفَات وَلَو علق طَلَاق غَيرهَا بحيضها لم يقبل قَوْلهَا فِيهِ إِلَّا بِتَصْدِيق الزَّوْج وَلَو قَالَ إِن حِضْت فَأَنت وضرتك طالقتان فَقَالَت حِضْت وكذبها طلقت وَلم تطلق ضَرَّتهَا على الصَّحِيح وَيشْتَرط فِي التَّعْلِيق بِالْحيضِ أَن تحيض ثمَّ تطهر وَحِينَئِذٍ يَقع الطَّلَاق إِن قَالَ إِن حِضْت حَيْضَة فَلَو قَالَ إِن حِضْت وَأطلق فَالْمَذْهَب أَنه يَقع بِرُؤْيَة الدَّم فَإِن انْقَطع قبل يَوْم وَلَيْلَة وَلم يعد إِلَى خَمْسَة عشر يَوْمًا تَبينا أَنه لم يَقع وَالله أعلم
وَمِنْهَا فِي فَتَاوَى الْقفال لَو قَالَ إِن كنت حَامِلا فَأَنت طَالِق فَقَالَت أَنا حَامِل فَإِن صدقهَا الزَّوْج حكم بِوُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَال وَإِن كذبهَا لم تطلق حَتَّى تَلد فَإِن لمسها النِّسَاء فَقَالَ أَربع مِنْهَا فَصَاعِدا إِنَّهَا حَامِل لم تطلق لِأَن الطَّلَاق لَا يَقع بقول النسْوَة وَلَو علق الطَّلَاق بِالْولادَةِ فَشهد أَربع نسْوَة بهَا لم يَقع الطَّلَاق وَإِن ثَبت النّسَب وَالْمِيرَاث لِأَنَّهُمَا من تَوَابِع الْولادَة وضروراتها بِخِلَاف الطَّلَاق وَالله أعلم
وَمِنْهَا لَو قَالَ إِن لم أطلقك فَأَنت طَالِق لم يَقع الطَّلَاق حَتَّى يحصل الْيَأْس من التَّطْلِيق وَفِي معنى ذَلِك التَّعْلِيق بِنَفْي دُخُول الدَّار أَو الضَّرْب وَسَائِر الْأَفْعَال بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ إِذا لم أطلقك فَأَنت طَالِق فَإِنَّهَا تطلق إِذا مضى زمَان يُمكن أَن تطلق فِيهِ وَلم تطلق وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب فِي إِن وَإِذا وَهُوَ الْمَنْصُوص وَالْفرق بَين إِن وَإِذا أَن إِن حرف يدل على مُجَرّد الِاشْتِرَاط فَلَا اشعار لَهُ بِالزَّمَانِ بِخِلَاف إِذا فَإِنَّهَا ظرف زمَان وَقيل فيهمَا قَولَانِ وَلَو قَالَ مَتى لَو أطلقك أَو مهما أَو أَي حِين أَو كلما لم أفعل أَو تفعلي كَذَا فَأَنت طَالِق فَمضى زمن الْفِعْل وَلم تفعل طلقت على الْمَذْهَب كلفظة إِذا
وَاعْلَم أَن لَفْظَة إِن الْمَكْسُورَة إِذا فتحت صَارَت للتَّعْلِيل فَلَو قَالَ أَن لم أطلقك فَأَنت طَالِق بِفَتْح أَن طلقت فِي الْحَال قَالَ الرَّافِعِيّ الْأَشْبَه أَنه يَقع فِي الْحَال إِلَّا أَن يكون مِمَّن لَا يعرف اللُّغَة وَقَالَ قصدت التَّعْلِيق فَيقبل مِنْهُ وَيصدق قَالَ النَّوَوِيّ يكون ذَلِك للتعليق مُطلقًا إِذا كَانَ عامياً لَا يفرق بَين إِن وَأَن وَهُوَ الْأَصَح وَبِه قطع الْمُحَقِّقُونَ وَمَا قَالَه النَّوَوِيّ نَقله الرَّافِعِيّ عَن الشَّيْخ أبي حَامِد
стр. 395
وَالْإِمَام وَالْغَزالِيّ وَالْبَغوِيّ وَاعْلَم أَن قَول الْعَاميّ أَنْت طَالِق أَن دخلت الدَّار بِفَتْح أَن كَذَاك وَكَذَا قَوْله أَنْت طَالِق إِذْ دخلت الدَّار وَإِن كَانَت للتَّعْلِيل لِأَنَّهُ فرق بَين إِذْ وَإِذا وَالله أعلم
(فرع) علق طَلَاق زَوجته بِصفة بِصفة كدخول الدَّار مثلا ثمَّ أَبَانهَا قبل الدُّخُول بخلع أَو بِالثلَاثِ فِي الْمَدْخُول بهَا أَو بِوَاحِدَة فِي غير الْمَدْخُول بهَا ثمَّ وجدت الصّفة فِي حَال الْبَيْنُونَة ثمَّ جدد نِكَاحهَا ثمَّ وجدت الصّفة ثَانِيًا فِي النِّكَاح الثَّانِي لم تطلق على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْأَصْحَاب وَيجْرِي الْخلاف فِي عود الْإِيلَاء وَالظِّهَار وَلَو لم تُوجد الصّفة فِي حَال الْبَيْنُونَة ثمَّ وجدت فِي النِّكَاح الثَّانِي لم تطلق على الرَّاجِح لِأَن التَّعْلِيق يتَعَلَّق بِالنِّكَاحِ الَّذِي وجد التَّعْلِيق فِيهِ وَالنِّكَاح المجدد غَيره فَلَو كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا ثمَّ رَاجعهَا ثمَّ وجدت الصّفة طلقت بِلَا خلاف لِأَنَّهُ لَيْسَ نِكَاحا مجدداً وَلم تحدث حَالَة تمنع وُقُوع الطَّلَاق وَهَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي يعبر عَنْهَا بِعُود الْيَمين وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يَقع الطَّلَاق قبل النِّكَاح)
شَرط وُقُوع الطَّلَاق الْولَايَة على الْمحل كالزوجية فَلَا يَصح طَلَاق غير الزَّوْج سَوَاء كَانَ بالتنجيز كَقَوْلِه لأجنبية أَنْت طَالِق أَو بِالتَّعْلِيقِ كَقَوْلِه لأجنبية إِن تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق أَو إِن تزوجت فُلَانَة فَهِيَ طَالِق وَحجَّة ذَلِك قَوْله ﷺ لَا طَلَاق إِلَّا فِيمَا يملك وَسُئِلَ البُخَارِيّ أَي شَيْء أصح فِي الطَّلَاق قبل النِّكَاح فَقَالَ حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وروى لَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح وبالقياس على مَا لَو قَالَ لأجنبية إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثمَّ تزَوجهَا ثمَّ دخلت الدَّار فَإِنَّهَا لَا تطلق بالِاتِّفَاقِ وَلنَا قَول فِي الْمُعَلق أَنه يَقع وَالْمذهب أَنه لَا يَقع وَالله أعلم قَالَ
(وَأَرْبَعَة لَا يَقع طلاقهم الصَّبِي وَالْمَجْنُون والنائم وَالْمكْره)
أما الثَّلَاثَة الأول فَلقَوْله ﷺ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ وَعَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل وَأما الْمُكْره فَلقَوْله ﷺ لَا طَلَاق وَلَا
стр. 396
عتاق فِي غلاق وَلَفظ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم إغلاق بِالْألف وَهُوَ الْمَحْفُوظ والإغلاق الاكراه قَالَه أَبُو عبيد والقتيبي وَفِي
حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه ﵊ قَالَ وضع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَاعْلَم أَن المبرسم والمغمى عَلَيْهِ كالنائم وَأما السَّكْرَان فَيَقَع طَلَاقه على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ مُكَلّف وحجته قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وَلِأَن عليا ﵁ رأى إِيجَاب حد المفتري لهذيانه وَوَافَقَهُ الصَّحَابَة ﵃ على ذَلِك فَدلَّ على أَن لكَلَامه حكما كالصاحي وَلِأَنَّهُ كالصاحي فِي قَضَاء صلَاته زمن سكره فَكَذَا فِي وُقُوع الطَّلَاق وَهل يَقع طَلَاقه بَاطِنا وَجْهَان وَمن شرب دَوَاء أَزَال عقله لغير حَاجَة حكمه حكم السَّكْرَان لاشْتِرَاكهمَا فِي التَّعَدِّي بالشرب
وَاعْلَم أَن الْمُكْره على تَعْلِيق الطَّلَاق لَا يَصح مِنْهُ التَّعْلِيق كَمَا يمْنَع الاكراه تَنْجِيز الطَّلَاق وَلَا بُد من معرفَة شُرُوط الاكراه لِأَنَّهَا قد تَلْتَبِس على كثير من الْفُقَهَاء فضلا عَن المتفقهة وَكَثِيرًا مَا يَقع فِي الْفَتَاوَى مَا يَقُول الْعلمَاء فِي شخص أكره على طَلَاق زَوجته الاكراه الشَّرْعِيّ فَهَل يَقع طَلَاقه فَيَقُول الْمُفْتِي إِذا أكره الاكراه الشَّرْعِيّ لَا يَقع وَهَذَا الْجَواب وَإِن كَانَ يُقَال إِنَّه صَحِيح إِلَّا أَنه خطأ بِاعْتِبَار عدم استفسار السَّائِل وَقد كَانَ بعض مَشَايِخنَا يُفْتِي بِمثل ذَلِك فاتفق أَنه استفسر السَّائِل فِي وَاقعَة فأبان عَن معنى الاكراه الشَّرْعِيّ عِنْده فَوَجَدَهُ بِاعْتِبَار عرف ذَلِك السَّائِل وَكَانَت الصُّورَة أَن شخصا حلف بِالطَّلَاق لَا يشرب الْخمر فَمر على أَمِير كَبِير وَهُوَ يشرب الْخمر فَحلف الْأَمِير بِالطَّلَاق عَلَيْهِ ليشربن مَعَه فَشرب واعتقد أَن ذَلِك اكراه فَبعد أَن كتب لَهُ لَا يَقع الطَّلَاق أَخذ الْفَتْوَى مِنْهُ وَأَفْتَاهُ بالوقوع وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا كتب على فَتْوَى يذكر شُرُوط الاكراه وَلَا يقْتَصر على قَوْله إِذا أكره الاكراه الشَّرْعِيّ لَا يَقع إِذا عرفت هَذَا فَيشْتَرط فِي الاكراه كَون الْمُكْره بِكَسْر الرَّاء غَالِبا قَادِرًا على تَحْقِيق مَا هدد بِهِ الْمُكْره بِفَتْح الرَّاء وَقدرته إِمَّا بِولَايَة أَو تغلب أَو فرط هجوم وَيشْتَرط كَون الْمُكْره مَغْلُوبًا عَاجِزا عَن الدّفع بهرب أَو مقاومة أَو استغاثة بِغَيْرِهِ وَيشْتَرط أَيْضا أَن يغلب على ظَنّه أَنه إِن امْتنع مِمَّا
стр. 397
أكرهه عَلَيْهِ أَن يُوقع بِهِ الْمَكْرُوه وَالصَّحِيح أَنه لَا يشْتَرط تَنْجِيز مَا توعده بِهِ بل يَكْفِي التوعيد نعم لَا يحصل الاكراه بالتخويف بعقوبة آجله كَقَوْلِه لأَقْتُلَنك غَدا وَيشْتَرط أَيْضا أَلا يظْهر مَا يدل على إختيار الْمُكْره بِفَتْح الرَّاء فَإِن ظهر خِلَافه وَقع الطَّلَاق كَمَا إِذا أكرهه أَن يُطلق زَوجته ثَلَاثًا فَطلق وَاحِدَة فَإِنَّهُ يَقع وَكَذَا عَكسه وَكَذَا إِن أكرهه على أَن يُطلق بِصَرِيح الطَّلَاق فَطلق بِالْكِنَايَةِ أَو بِصَرِيح آخر وَبِالْعَكْسِ أَو أكرهه على تَنْجِيز الطَّلَاق فعلقه أَو بِالْعَكْسِ فَلَا عِبْرَة بالاكراه فِي هَذِه الصُّور وَيَقَع الطَّلَاق لظُهُور اخْتِيَاره إِذا عرفت هَذَا فَلَا بُد من معرفَة مَا يحصل بِهِ الاكراه من الْأَمر الْمَكْرُوه وللأصحاب فِيهِ خلاف قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَفِيمَا يكون التخويف بِهِ اكراهاً سَبْعَة أوجه وَنحن نقتصر على مَا يُفْتى بِهِ وَالأَصَح أَنه يحصل بالتخويف بِالْقَتْلِ وَالْقطع وَالضَّرْب الشَّديد وَالْحَبْس كَذَا أطلقهُ فِي الرَّوْضَة وَقَيده فِي الْمَذْهَب وَغَيره بِالْحَبْسِ الطَّوِيل وَكَذَا يحصل الاكراه بالتخويف بِأخذ المَال واتلافه وَزَاد الشَّيْخ أَبُو عَليّ التوعد بِنَوْع استخفاف لرجل وجيه قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح أَن الاكراه يحصل بِأَن يكرههُ على فعل يُؤثر الْعَاقِل الاقدام عَلَيْهِ حذرا مِمَّا يهدد بِهِ فعلى هَذَا ينظر فِيمَا طلب مِنْهُ وَمَا هدد بِهِ فقد يكون الشَّيْء اكراهاً فِي مَطْلُوب دون مَطْلُوب وَفِي شخص دون شخص وَالله أعلم
وَلَا يحصل الاكراه بِأَن يَقُول شخص طلق امْرَأَتك وَإِلَّا قتلت نَفسِي أَو كفرت أَو تركت الصَّلَاة وَلَا يَقُول مُسْتَحقّ الْقصاص طلق امْرَأَتك وَإِلَّا اقتصصت مِنْك وَالله أعلم وَاعْلَم أَن النَّاسِي وَالْجَاهِل لَا يَقع طَلَاقه على الرَّاجِح قَالَ النَّوَوِيّ لحَدِيث رفع عَن أمتِي وَالْمُخْتَار أَنه عَام فَيعْمل بِعُمُومِهِ إِلَّا فِيمَا دلّ الدَّلِيل على تَخْصِيصه كغرامة الْمُتْلفَات وَالله أعلم
(فرع) أَخذ الْحَاكِم الظَّالِم شخصا بِسَبَب غَيره وطالبه بِهِ فَقَالَ لَا أعرف مَوْضِعه أَو طَالبه بِمَالِه فَقَالَ لَا شَيْء لَهُ عِنْدِي فَلم يخله حَتَّى يحلف بالطلاف فَحلف بِهِ كَاذِبًا وَقع طَلَاقه ذكره الْقفال وَغَيره لِأَنَّهُ لم يكرههُ على الطَّلَاق بِخِلَاف مَا إِذا أمْسكهُ اللُّصُوص وَقَالُوا لَا نخليك حَتَّى تحلف أَنَّك لَا تذكر مَا جرى فَحلف لَا يَقع الطَّلَاق إِذا ذكره لأَنهم أكرهوه على الْحلف بِالطَّلَاق هُنَا وَالله أعلم
(فرع) تلفظ بِالطَّلَاق ثمَّ قَالَ كنت مكْرها وَأنْكرت الْمَرْأَة لايقبل قَوْله إِلَّا أَن يكون مَحْبُوسًا أَو كَانَ هُنَاكَ قرينَة أُخْرَى فَيقبل وَلَا تحل لأحد أَن يشْهد عَلَيْهِ فِي مثل ذَلِك وأشباهه بِمُطلق الطَّلَاق وَمن شهد بذلك فَهُوَ شَاهد زور آثم قلبه وَلسَانه وشهادته مَكْتُوبَة فِي صَحِيفَته الخبيثة وَيسْأل عَنْهَا وَالله بَصِير بِمَا شهد وَالله أعلم
(فرع) طلق إِحْدَى زوجتيه بِعَينهَا ثمَّ نَسِيَهَا حرم عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاع بِكُل مِنْهُمَا حَتَّى يتَذَكَّر فَلَو بادرت وَاحِدَة وَقَالَت أَنا الْمُطلقَة فَلَا يقنع مِنْهُ بقوله نسيت أَو لَا أَدْرِي بل يُطَالب بِيَمِين جازمة أَنه لم
стр. 398
يطلقهَا فَإِن نكل حَلَفت وَقضى بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة وَلَو طلق مُبْهما بِأَن قَالَ إِحْدَاكُمَا طَالِق وَلم يقْصد وَاحِدَة بِعَينهَا طلقت وَاحِدَة على الابهام وبعينها هُوَ بِاخْتِيَارِهِ وَالله أعلم
(فرع) قَالَ لزوجته الْمَدْخُول بهَا أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق نظر إِن سكت بَين الطلقتين سكتة فَوق سكتة التنفس وَنَحْوه وَقع الثَّلَاث فَلَو قَالَ أردْت التَّأْكِيد لم يقبل ظَاهرا ويدين وَإِن لم يسكت وَقصد التَّأْكِيد قبل وَلم يَقع إِلَّا طَلْقَة وَإِن قصد الِاسْتِئْنَاف وَقع الثَّلَاث وَكَذَا إِن أطلق على الْأَظْهر جَريا على ظَاهر اللَّفْظ لِأَن التأسيس فِيهِ أولى من التَّأْكِيد وَالله أعلم
(فرع) لَو قَالَ شخص لزوجته أَنْت طَالِق ثَلَاثًا وَقع الثَّلَاث وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَنوى ثِنْتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَقع مَا نوى وَيدل لذَلِك حَدِيث ركَانَة فِي تَحْلِيف النَّبِي ﷺ لَهُ آللَّهُ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة فَلَو كَانَت الثَّلَاث وَاحِدَة لما كَانَ للتحليف فَائِدَة وَلِحَدِيث مُسلم فِي غير الْمَدْخُول بهَا لِأَنَّهَا تبين بِالْأولَى وَالله أعلم قَالَ
بَاب الرّجْعَة فصل وَإِذا طلق امْرَأَته وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ فَلهُ مراجعتها مَا لم تنقض عدتهَا فَإِن انْقَضتْ عدتهَا كَانَ لَهُ نِكَاحهَا وَتَكون مَعَه على مَا بَقِي من عدد الطَّلَاق
الرّجْعَة بِفَتْح الرَّاء على الْأَفْصَح وَكسرهَا لُغَة وَهِي فِي الشَّرْع عبارَة عَن الرَّد إِلَى النِّكَاح بعد طَلَاق غير بَائِن على وَجه مَخْصُوص
وَالْأَصْل فِيهَا الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ الْآيَة قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالرَّدّ الرّجْعَة باجماع الْمُفَسّرين وَقَالَ ﵊ فَفِي قصَّة ابْن عمر ﵄ مره فَلْيُرَاجِعهَا
وَعَن عمر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ طلق حَفْصَة ثمَّ رَاجعهَا فَإِذا طلق الْحر امْرَأَته وَاحِدَة أَو طَلْقَتَيْنِ أَو العَبْد طَلْقَة بعد الدُّخُول بِلَا عوض فَلهُ مراجعتها
стр. 399
قبل أَن تَنْقَضِي الْعدة لما تقدم من الْأَدِلَّة وَتَصِح الرّجْعَة بالعجمية على الصَّحِيح سَوَاء أحسن الْعَرَبيَّة أم لَا وَلَا يشْتَرط فِيهَا الْإِشْهَاد على الصَّحِيح وَلَا تقبل التَّعْلِيق فَلَو قَالَ رَاجَعتك إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت لم تصح وَيشْتَرط أَن تكون المرتجعة مُعينَة فَلَو طلق إِحْدَى زوجتيه مُبْهما ثمَّ قَالَ راجعت الْمُطلقَة لم يَصح على الْأَصَح وَلَا يشْتَرط رضَا الزَّوْجَة فِي ذَلِك نعم يشْتَرط أَن تكون الرّجْعَة بالْقَوْل الصَّرِيح للقادر لِأَن الرّجْعَة اسْتِبَاحَة بضع مَقْصُود فَلم تصح بِغَيْر القَوْل كَالنِّكَاحِ وَلَا تصح بِالْوَطْءِ والقبلة والمباشرة بِشَهْوَة
وَصِيغَة الرّجْعَة أَن يَقُول رَاجَعتك أَو ارتجعتك أَو رجعتك وَهَذِه الثَّلَاث صَرِيحَة وَيسْتَحب أَن يضيف إِلَى النِّكَاح أَو الزَّوْجِيَّة أَو نَفسه وَلَا يشْتَرط ذَلِك نعم لَا بُد من إِضَافَة هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَى مظهر أَو مُضْمر كَقَوْلِه راجعت فُلَانَة أَو رَاجَعتك أما مُجَرّد راجعت فَلَا يَكْفِي وَلَو قَالَ رَددتهَا فَالْأَصَحّ أَنه صَرِيح فعلى هَذَا يشْتَرط أَن يَقُول إِلَى نِكَاحي على الصَّحِيح وَلَو قَالَ أمسكتك فَهَل هُوَ كِنَايَة أم صَرِيح فِيهِ خلاف صحّح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر أَنه صَرِيح وَنَقله عَنهُ فِي الرَّوْضَة وَسكت عَلَيْهِ قَالَ الاسنوي الصَّوَاب أَنه كِنَايَة فقد قَالَ فِي الْبَحْر إِن الشَّافِعِي نَص عَلَيْهِ فِي عَامَّة كتبه وَلَو قَالَ تَزَوَّجتك أَو نكحتك فَهَل هُوَ كِنَايَة أم صَرِيح فِيهِ خلاف الْأَصَح فِي أصل الرَّوْضَة أَنه كِنَايَة وَاعْلَم أَن صرائح الرّجْعَة محصورة على الصَّحِيح لِأَن صرائح الطَّلَاق محصورة فالرجعة الَّتِي تحصل اباحته أولى ثمَّ شَرط صِحَة الرّجْعَة بَقَاؤُهَا فِي الْعدة وَكَونهَا قَابِلَة للْحلّ فَلَو ارْتَدَّت أَو هُوَ فَرَاجعهَا فِي الْعدة لم تصح الرّجْعَة لِأَن الْمحل غير حَلَال فِي هَذِه الْحَالة كَمَا لَا يَصح نِكَاحهَا فَلَو انْقَضتْ عدتهَا فَاتَت الرّجْعَة بِحُصُول الْبَيْنُونَة ثمَّ إِن جدد نِكَاحهَا قبل أَن تنْكح زوجا آخر أَو بعده وَقبل الاصابة أَو بعد الْإِصَابَة عَادَتْ إِلَيْهِ بِمَا بَقِي من عدد الطَّلَاق وَلَا يهدم الزَّوْج الثَّانِي مَا وَقع من الطَّلَاق وَاحْتج الْأَصْحَاب بِمَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه سُئِلَ عَمَّن طلق امْرَأَته طَلْقَتَيْنِ وَانْقَضَت عدتهَا فَتزوّجت غَيره وفارقها ثمَّ تزَوجهَا الأول فَقَالَ هِيَ عِنْده بِمَا بَقِي من الطَّلَاق وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَزيد ومعاذ وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵃ أَجْمَعِينَ وَبِه قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ ﵃ وَلِأَن الطَّلقَة والطلقتين لَا يؤثران فِي التَّحْرِيم المحوج إِلَى زوج آخر فَالنِّكَاح الثَّانِي وَالدُّخُول فِيهِ لَا يهدمانها كَوَطْء السَّيِّد الْأمة الْمُطلقَة وَالله أعلم قَالَ
(فَإِن طَلقهَا ثَلَاثًا فَلَا تحل لَهُ إِلَّا بعد وجود خَمْسَة أَشْيَاء انْقِضَاء عدتهَا مِنْهُ وَتَزَوجهَا بِغَيْرِهِ ودخوله بهَا وبينونتها وانقضاء عدتهَا مِنْهُ)
إِذا طلق الْحر امْرَأَته ثَلَاثًا أَو العَبْد طَلْقَتَيْنِ سَوَاء كَانَ قبل الدُّخُول أَو بعده وَسَوَاء كَانَ الطَّلَاق
стр. 400
فِي نِكَاح وَاحِد أَو أَكثر سَوَاء كَانَ الطَّلَاق الثَّلَاث بِلَفْظ وَاحِد أَو أَكثر حرمت عَلَيْهِ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره ويطأها فِي الْفرج ويطلقها وتنقضي عدتهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أَي ثَلَاثَة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ وَاعْلَم أَن النِّكَاح جَاءَ بِمَعْنى العقد فِي قَوْله ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وَبِمَعْنى الْوَطْء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ وترجحت هُنَا إِرَادَة الْوَطْء بورود السّنة قَالَت عَائِشَة ﵂ جَاءَت امْرَأَة رِفَاعَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت إِنِّي كنت عِنْد رِفَاعَة فطلقني فَبت طَلَاقي فَتزوّجت بعده بِعَبْد الرَّحْمَن بن الزبير بِفَتْح الزَّاي وَإِن مَا مَعَه مثل هدبة الثَّوْب فَقَالَ عبد الرَّحْمَن كذبت يَا رَسُول الله وَالله إِنِّي لأعركها عَرك الْأَدِيم فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ تريدين أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك وَأَرَادَ بِهِ الْوَطْء وَسميت عسيلة تَشْبِيها بالعسل ولأنا لَو لم نجْعَل الاصابة شرطا لَكَانَ التَّزْوِيج لأجل الْإِحْلَال لَا للاستمتاع وَالنِّكَاح إِنَّمَا يُرَاد الِاسْتِمْتَاع لَا للاحلال وَالله أعلم
(فرع) الْعدة تكون بِالْحملِ أَو الاقراء أَو الْأَشْهر فَإِذا ادَّعَت الْمُعْتَدَّة بِالْأَشْهرِ انْقِضَاء عدتهَا فَأنْكر الزَّوْج صدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ اخْتِلَاف فِي وَقت طَلَاقه وَأما عدَّة الْحَامِل فتنقضي بِوَضْع الْحمل التَّام الْمدَّة حَيا كَانَ أَو مَيتا أَو نَاقض الْأَعْضَاء وبانقضاء مَا ظهر فِيهِ صُورَة الْآدَمِيّ فَإِن لم يظْهر فَقَوْلَانِ فَإِذا ادَّعَت وضع حمل أَو سقط أَو مُضْغَة إِذا اكتفينا بهَا صدقت بِيَمِينِهَا وَقيل لَا بُد من بَيِّنَة وَأما الْمُعْتَدَّة بالإقراء فَإِن طلقت فِي الظّهْر حسبت بَقِيَّة الطُّهْر قرءاً وَإِن طلقت فِي الْحيض اشْترط مُضِيّ ثَلَاثَة أطهار كَامِلَة ثمَّ إِن لم يكن لَهَا عَادَة فِي الْحيض مُسْتَقِيمَة بِأَن لم تكن حَاضَت ثمَّ طَرَأَ حَيْضهَا أَو كَانَ لَهَا عَادَة مطردَة صدقت بِيَمِينِهَا إِذا ادَّعَت انْقِضَاء الإقراء الامكان فَإِن نكلت عَن الْيَمين حلف الزَّوْج وَكَانَ لَهُ الرّجْعَة وَإِن كَانَ لَهَا عَادَة مُسْتَقِيمَة صدقت فِي انْقِضَائِهَا على وفْق الْعَادة وَهل تصدق فِيمَا دونهَا مَعَ الامكان وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الْأَكْثَرين تصدق بِيَمِينِهَا لِأَن الْعَادة قد تَتَغَيَّر وَالله أعلم
(فرع) طلق زَوجته ثَلَاثًا ثمَّ غَابَ عَنْهَا ثمَّ حضر أَو لم يحضر وَادعت أَنَّهَا تزوجت بِزَوْج آخر أحلهَا أَو كَانَ قد مضى زمن يُمكن فِيهِ صدقهَا وَلم يَقع فِي قلبه صدقهَا كره لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا للِاحْتِيَاط وَلَا يحرم لاحْتِمَال صدقهَا ولتعذر الْبَيِّنَة على الْوَطْء وانقضاء الْعدة قَالَ الإِمَام وَكَيف لَا والأجنبية
стр. 401
تنْكح اعْتِمَادًا على قَوْلهَا إِنَّهَا خلية عَن الْمَوَانِع وَهل يجب على الزَّوْج الْبَحْث عَن الْحَال قَالَ الرَّوْيَانِيّ يجب عَلَيْهِ فِي زَمَاننَا هَذَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق يسْتَحبّ وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْإِيلَاء فصل فِي الْإِيلَاء وَإِذا آلى الشَّخْص أَن لَا يطَأ زَوجته مُطلقًا أَو مُدَّة تزيد على أَرْبَعَة أشهر فَهُوَ مول
هَذَا فصل الْإِيلَاء وَهُوَ فِي اللُّغَة الْحلف وَفِي الشَّرْع الْحلف عَن الِامْتِنَاع من وَطْء الزَّوْجَة مُطلقًا أَو أَكثر من أَرْبَعَة أشهر وَكَانَ طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة فَغير الشَّارِع ﷺ حكمه
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ أنس ﵁ آلى رَسُول الله ﷺ من نِسَائِهِ شهرا وَكَانَت انفطت رجله الشَّرِيفَة فَأَقَامَ فِي مشربَة لَهُ تسعا وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ نزل فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّك آلَيْت شهرا فَقَالَ الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ يَوْمًا
وَهل يخْتَص الْحلف بِاللَّه تَعَالَى أم لَا قَولَانِ الْجَدِيد الْأَظْهر لَا يخْتَص كَمَا هُوَ ظَاهر إِطْلَاق الشَّيْخ لَا طَلَاق الْآيَة فعلى هَذَا لَو قَالَ إِن وَطئتك فعلي صَوْم أَو صَلَاة أَو حج أَو فَعَبْدي حر أَو إِن وَطئتك فَأَنت طَالِق أَو فضرتك طَالِق وَنَحْو ذَلِك كَانَ موليا ثمَّ شَرط انْعِقَاده بِهَذِهِ الالتزامات أَن يلْزمه شَيْء لَو وطئ بعد أَرْبَعَة أشهر فَلَو كَانَت الْيَمين تنْحَل قبل مجاوزته أَرْبَعَة اشهر لم تَنْعَقِد فَلَو قَالَ إِن وَطئتك فعلي أَن أُصَلِّي هَذَا الشَّهْر أَو أصومه أَو أَصوم الشَّهْر الْفُلَانِيّ وَهُوَ يَنْقَضِي قبل مُجَاوزَة أَرْبَعَة أشهر من حِين الْيَمين لم ينْعَقد الْإِيلَاء وَلَو قَالَ إِن وَطئتك فعلي أَن أطلقك فَلَيْسَ بمول لِأَنَّهُ لَا يلْزمه بِالْوَطْءِ شَيْء وَالله أعلم قَالَ
(ويؤجل لَهَا إِن سَأَلت ذَلِك أَرْبَعَة أشهر ثمَّ يُخَيّر بَين التَّكْفِير وَالطَّلَاق فَإِن امْتنع طلق عَلَيْهِ القَاضِي)
إِذا صَحَّ الْإِيلَاء ضربت الْمدَّة وَهِي أَرْبَعَة أشهر بِنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم سَوَاء كَانَا حُرَّيْنِ أَو
стр. 402
رقيقين أَو أَحدهمَا حر وَالْآخر رَقِيق لظَاهِر الْآيَة وَلِأَنَّهَا مُدَّة شرعت لأمر جبلي وَهِي قلَّة الصَّبْر عَن الزَّوْج فَلم تخْتَلف بِالرّقِّ وَالْحريَّة كمدة الْعنَّة وكسن الْحيض وَلَيْسَ المُرَاد بِضَرْب الْمدَّة أَنَّهَا تفْتَقر إِلَى من يضْربهَا كالعنة بل المُرَاد أَن يُمْهل أَرْبَعَة أشهر من غير حَاكم لِأَنَّهَا ثَابِتَة بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع نعم إِن كَانَ الْمولى عَنْهَا رَجْعِيَّة فالمدة تضرب من الرّجْعَة وَهَذَا الْأَجَل هُوَ حق للزَّوْج كالأجل فِي حق الْمَدْيُون فَإِذا انْقَضتْ الْمدَّة وَالزَّوْج حَاضر وطالبت الْمَرْأَة بالفيئة وَلَا مَانع والفيئة الْجِمَاع وَسمي بِهِ من فَاء إِذا رَجَعَ لِأَنَّهُ امْتنع ثمَّ رَجَعَ فَإِن جَامع وَأَدْنَاهُ أَن يغيب الْحَشَفَة فِي الْفرج فقد وافاها حَقّهَا لِأَن سَائِر الْأَحْكَام تتَعَلَّق بالحشفة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الثّيّب وَالْبكْر لَكِن من شَرط الْبكر اذهاب الْعذرَة نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي لِأَن الالتقاء لَا يكون غَالِبا إِلَّا بِهِ ثمَّ لَا فرق بَين أَن يَطَأهَا فِي حَالَة يُبَاح لَهُ الْوَطْء أم لَا مَعَ قيام الزَّوْجِيَّة وَلَا فرق بَين أَن يكون اخْتِيَارا أَو إِكْرَاها على الصَّحِيح وَتحصل الْفَيْئَة ويرتفع الْإِيلَاء وَلَو وَطئهَا وَهُوَ مَجْنُون فالنص حُصُول الْفَيْئَة لِأَن وطأه كَوَطْء الْعَاقِل فِي التَّحْلِيل وَتَقْرِير الْمهْر وَسَائِر الْأَحْكَام وَفِي وَجه لَا تحصل فَيُطَالب عقب إِفَاقَته
وَاعْلَم أَن الصَّحِيح إِنَّه إِذا وطئ وَهُوَ مكره أَو مَجْنُون لَا تنْحَل الْيَمين وَإِن حصلت الْفَيْئَة وَبَطل حَقّهَا من الْمُطَالبَة فَإِذا وَطئهَا سَوَاء كَانَ فِي الْمدَّة أَو بعْدهَا سَوَاء كَانَ بعد التَّضْيِيق أَو قبله فَإِن كَانَت الْيَمين بِاللَّه لزمَه كَفَّارَة على الْأَظْهر للْأَخْبَار الدَّالَّة على ذَلِك وَالْآيَة وَقيل لَا كَفَّارَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن فاؤوا﴾ الْآيَة وَأجَاب الْقَائِلُونَ بالأظهر بِأَن الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة إِنَّمَا ينصرفان إِلَى مَا يعْصى بِهِ والفيئة الْمُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ مَنْدُوب إِلَيْهَا فَإِن لم يَفِ طُولِبَ بِالطَّلَاق لما رُوِيَ عَن سهل بن أبي صَالح عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت اثْنَي عشر نفسا من الصَّحَابَة عَن الرجل يولي فَقَالُوا كلهم لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء حَتَّى تمْضِي عَلَيْهِ أَرْبَعَة أشهر فَيُوقف فَإِن فَاء وَإِلَّا طلق فَإِن لم يُطلق فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا يجْبر عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ والتضييق بِمَا يَلِيق بِحَالهِ ليفيء أَو يُطلق وَلَا يُطلق الْحَاكِم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ فأضافه إِلَى الْأزْوَاج وَلِأَنَّهُ مُخَيّر بَين شَيْئَيْنِ الْفَيْئَة أَو الطَّلَاق فَإِذا امْتنع لم يقم القَاضِي مقَامه كمن أسلم على أَكثر من أَربع نسْوَة
وَالثَّانِي يُطلق القَاضِي عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ حق لمُعين تدخله النِّيَابَة فينوب عَنهُ الْحَاكِم كَالدّين وَيُفَارق اخْتِيَار الْأَرْبَع لِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن حق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَإِذا طلق القَاضِي فَإِنَّمَا يُطلق وَاحِدَة رَجْعِيَّة فَلَو طلق الْحَاكِم ثمَّ بَان أَن الزَّوْج وطئ قبل الطَّلَاق تَبينا أَنه لم يَقع وَكَذَا لَو بَان أَنه طلق قبله لم يَقع طَلَاق الْحَاكِم وَلَو وَقع طَلَاق الْحَاكِم أَولا وَقع على الْأَصَح وَقيل إِن جهل الزَّوْج طَلَاق الْحَاكِم لم يَقع قَوْله إِن سَأَلت يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهَا إِذا لم تسْأَل لَا يُطَالب الزَّوْج بِشَيْء وَهُوَ كَذَلِك كالمديون
стр. 403
لَا يُطَالب بِشَيْء مالم يَطْلُبهُ ربه ثمَّ إِذا لم تسْأَل لَا يسْقط حَقّهَا بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى لَو تركت حَقّهَا ورضيت بِهِ ثمَّ بدا لَهَا فلهَا الْعود إِلَى الْمُطَالبَة لِأَن الضَّرَر متجدد وتختص الْمُطَالبَة بِالزَّوْجَةِ فَلَيْسَ لوَلِيّ المراهقة والمجنونة الْمُطَالبَة نعم يحسن من الْحَاكِم أَن يَقُول لَهُ اتَّقِ الله بالفيئة أَو الطَّلَاق وَإِنَّمَا يضيق عَلَيْهِ إِذا بلغت أَو فاقت وَطلبت وَكَذَا لَيْسَ للسَّيِّد الْمُطَالبَة لِأَن الِاسْتِمْتَاع حق الْأمة وَقَول الشَّيْخ ثمَّ يُخَيّر بَين التَّكْفِير وَالطَّلَاق يُفِيد شَيْئَيْنِ
أَحدهمَا أَن الْمُطَالبَة تكون بالفيئة وَهُوَ الْوَطْء أَو بِالطَّلَاق وَلَيْسَ لَهَا أَن توجه الطّلب نَحْو أَحدهمَا بل يجب أَن تكون الْمُطَالبَة مترددة بَين الْأَمريْنِ وَهُوَ كَذَلِك جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ
الشَّيْء الثَّانِي أَنه إِذا رغب فِي الْفَيْئَة فَلَا يطَأ حَتَّى يكفر إِذْ الْوَطْء قبل التَّكْفِير لَا يجوز فَعبر بالتكفير ليُفِيد ذَلِك وَالله أعلم
(فرع) قَالَ وَالله لَا أجامعك ثمَّ أعَاد ذَلِك مرَّتَيْنِ فَصَاعِدا وَقَالَ أردْت التَّأْكِيد قبل وَكَانَت يَمِينا وَاحِدَة سَوَاء طَال الْفَصْل أم لَا وَسَوَاء اتَّحد الْمجْلس أَو تعدد على الصَّحِيح وَإِن قَالَ أردْت الِاسْتِئْنَاف تعدّدت الْيَمين وَإِن أطلق فَقَوْلَانِ قَالَ الْمُتَوَلِي إِن اتَّحد الْمجْلس فَالْأَظْهر الْحمل على التَّأْكِيد وَإِن تعدد فعلى الِاسْتِئْنَاف لبعد التَّأْكِيد مَعَ اخْتِلَاف الْمجْلس فَإِن لم يحكم بالتعدد لم يجب بِالْوَطْءِ إِلَّا كَفَّارَة وَإِن حكمنَا بالتعدد تخلص من الْيَمين بوطئة وَاحِدَة وَفِي تعدد الْكَفَّارَة قَولَانِ الْأَظْهر عِنْد الْجُمْهُور أَنه لَا يجب إِلَّا كَفَّارَة وَاحِدَة وَقيل تَتَعَدَّد بِتَعَدُّد الْأَيْمَان وَالله أعلم قَالَ
بَاب الظِّهَار فصل فِي الظِّهَار الظِّهَار أَن يَقُول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَإِذا قَالَ ذَلِك وَلم يتبعهُ بِالطَّلَاق صَار عَائِدًا وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة
الظِّهَار مُشْتَقّ من الظّهْر لِأَنَّهُ مَوضِع الرّكُوب وَالْمَرْأَة مركوب الزَّوْج وَقيل إِنَّه مَأْخُوذ من الْعُلُوّ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يظهروه﴾ أَي يعلوه فَكَأَنَّهُ قَالَ علوي عَلَيْك كعلوي على أُمِّي وَكَانَ طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ نقل الشَّارِع ﷺ حكمه إِلَى تَحْرِيمهَا بعد الْعود وَوُجُوب الْكَفَّارَة وَبَقِي مَحَله وَهِي الزَّوْجَة وَالظِّهَار حرَام بِالْإِجْمَاع لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ بِخِلَاف قَوْله أَنْت عَليّ حرَام فَإِنَّهُ مَكْرُوه وَإِن كَانَ إِخْبَارًا بِمَا لم يكن لِأَن فِي الظِّهَار
стр. 404
الْكَفَّارَة الْعُظْمَى وَهِي إِنَّمَا تجب فِي الْمحرم كَالْقَتْلِ وَالْفطر بجماع فِي رَمَضَان وَفِي لفظ التَّحْرِيم كَفَّارَة يَمِين وَالْيَمِين والحنث ليسَا بمحرمين ثمَّ صُورَة الظِّهَار الْأَصْلِيَّة كَمَا ذكره الشَّيْخ أَن يَقُول أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وَهِي صَرِيحَة فِي الظِّهَار وَفِي مَعْنَاهَا سَائِر الصلات كَقَوْلِه أَنْت معي أَو عِنْدِي أَو مني أولي كَظهر أُمِّي وَكَذَا لَو ترك الصِّلَة فَقَالَ أَنْت كَظهر أُمِّي وَلم يقل عَليّ وَعَن الداركي أَنه إِن ترك الصِّلَة كَانَ كِنَايَة لاحْتِمَال أَن يُرِيد أَنْت مُحرمَة على غَيْرِي وَالصَّحِيح الأول كَمَا أَن قَوْله أَنْت طَالِق صَرِيح وَلم يقل مني وَمَتى أَتَى بِصَرِيح الظِّهَار وَقَالَ أردْت غَيره لم يقبل مِنْهُ على الصَّحِيح كَمَا لَو أَتَى بِصَرِيح الطَّلَاق وَادّعى غَيره لَا يقبل وَلَو قَالَ جملتك أَو نَفسك أَو ذاتك أَو جسمك أَو بدنك وَكَذَا قَوْله أَنْت كبدن أُمِّي أَو جسمها أَو ذَاتهَا فَهُوَ كَظهر أُمِّي وَإِن شبهها بِبَعْض أَجزَاء الْأُم نظر إِن كَانَ ذَلِك الْعُضْو مِمَّا لَا يذكر فِي معرض الاكرام والاعزاز كالبطن والفرج والصدر وَالْيَد وَالرجل وَالشعر فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه ظِهَار لِأَنَّهُ تَشْبِيه بعضو حرم فَأشبه الظّهْر وَإِن كَانَ مِمَّا يذكر فِي معرض الاعزاز والاكرام كَقَوْلِه أَنْت عَليّ كعين أُمِّي فَإِن أَرَادَ الْكَرَامَة فَلَيْسَ بظهار وَإِن أَرَادَ الظِّهَار فظهار على الْأَظْهر وَإِن طلق فَوَجْهَانِ الْأَصَح أَنه لَا يكون ظِهَارًا وَلَو قَالَ كروح أُمِّي فكقوله كعين أُمِّي وَلَو قَالَ كرأس أُمِّي فَهَل هُوَ كيد أُمِّي وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَهُوَ الْأَظْهر فِي الْمِنْهَاج أَو كعين أُمِّي وَهِي طَريقَة المراوزة فَيَجِيء الْخلاف وَالتَّفْصِيل قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ الْأَقْرَب وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ كأمي أَو مثل أُمِّي فَإِن أَرَادَ الظِّهَار فظهار وَإِن أَرَادَ الْكَرَامَة فَلَا وَإِن أطلق فَلَيْسَ بظهار على الْأَصَح وَبِه قطع كَثِيرُونَ إِذْ الأَصْل عَدمه
وَاعْلَم أَن تَشْبِيه الزَّوْجَة بالجدة سَوَاء كَانَت من قبل الْأَب أَو الْأُم يكون ظِهَارًا قطع بِهِ الْجُمْهُور لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات ولدنهن ولأنهن يشاركن الْأُم فِي الْعتْق وَسُقُوط الْقصاص وَوُجُوب النَّفَقَة وَقيل فِيهِ خلاف كالتشبيه بالبنت وَلَو شبهها بالمحرمات من النّسَب كالبنات وَالْأَخَوَات والعمات والخالات وَبَنَات الْأَخ وَالْأُخْت فَفِيهِ خلاف الْمَذْهَب أَنه ظِهَار وَأما الْمُحرمَات بِالسَّبَبِ كالمحرمات بِالرّضَاعِ والمصاهرة ففيهن خلاف منتشر الْمَذْهَب مِنْهُ إِن شبهها بِمن لم تزل مُحرمَة عَلَيْهِ مِنْهُنَّ فَهُوَ ظِهَار وَإِلَّا فَلَا وَلَو شبهها بِمن لَا تحرم عَلَيْهِ أبدا كأجنبية ومطلقة ومعتدة وَأُخْت امْرَأَته وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ بظهار قطعا سَوَاء طَرَأَ مَا يُؤَيّد التَّحْرِيم بِأَن نكح بنت الْأَجْنَبِيَّة أَو وطئ أمهَا وطأ محرما أَو لم يطْرَأ وَلَو شبه بملاعنة فَلَيْسَ بظهار لِأَن تَحْرِيمهَا وَإِن كَانَ مُؤَبَّدًا إِلَّا أَنه لَيْسَ للمحرمية وَلَا للوصلة وَلَو شبهها بِظهْر أَبِيه أَو ابْنه أَو غُلَامه فَلَيْسَ بظهار وَالله أعلم
فَإِذا صَحَّ الظِّهَار ترَتّب عَلَيْهِ حكمان
أَحدهمَا تَحْرِيم الْوَطْء إِلَى أَن يكفر وَلَا يحرم سَائِر الاستمتاعات على الْأَظْهر عِنْد الْجُمْهُور
الحكم الثَّانِي وجوب الْكَفَّارَة بِالْعودِ وَالْعود هُوَ أَن يمْسِكهَا فِي النِّكَاح زَمنا يُمكنهُ أَن يطلقهَا فِيهِ وَلم تطلق لِأَن تشبيهها بِالْأُمِّ يَقْتَضِي أَن لَا يمْسِكهَا زَوْجَة فَإِذا أمْسكهَا زَوْجَة فقد عَاد فِيمَا قَالَ
стр. 405
لِأَن الْعود لِلْقَوْلِ مُخَالفَته وَلِهَذَا يُقَال فلَان قَالَ قولا ثمَّ عَاد فِيهِ وَعَاد لَهُ أَي خَالفه ونقضه فَإِذا وجد ذَلِك وَجَبت الْكَفَّارَة لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ عَاد لما قَالَ فَكَانَ من حَقه أَنه إِذا قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَن يَقُول عقبه أَنْت طَالِق وَنَحْو ذَلِك مِمَّا تحصل بِهِ الْفرْقَة وَالله أعلم
(فرع) أعلم أَن الرَّجْعِيَّة زَوْجَة ويلحقها الطَّلَاق قطعا وَيصِح خلعها على الْأَظْهر وَكَذَا يَصح الْإِيلَاء مِنْهَا وَالظِّهَار فغذا ظَاهر من الرَّجْعِيَّة لم يصر بترك الطَّلَاق عَائِدًا لِأَنَّهَا صائرة إِلَى الْبَيْنُونَة فَلم يحصل الْإِمْسَاك على الزَّوْجِيَّة فَلَو رَاجعهَا فَلَا خلاف أَنه يعود الظِّهَار وَأَحْكَامه فَلَو لم يُرَاجِعهَا وَتركهَا حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا وَبَانَتْ مِنْهُ ثمَّ نَكَحَهَا فَفِي عود الظِّهَار الْخلاف فِي عود الْحِنْث وَالْمذهب أَنه لَا يعود وَلَو لم تكن رَجْعِيَّة بل زَوْجَة وَعَاد وَجَبت الْكَفَّارَة ثمَّ طَلقهَا رَجْعِيًا أَو بَائِنا لم تسْقط الْكَفَّارَة فَإِذا جدد النكح اسْتمرّ التَّحْرِيم إِلَى أَن يكفر سَوَاء حكمنَا بِعُود الْحِنْث أم لَا لِأَن التَّحْرِيم حصل فِي النِّكَاح الأول وَقد وجد وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وَالله أعلم قَالَ
(وَالْكَفَّارَة عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من الْعُيُوب فَإِن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا كل مِسْكين مد وَلَا يحل وَطْؤُهَا حَتَّى يكفر)
كَفَّارَة الظِّهَار كَفَّارَة تَرْتِيب بِنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ وبمثل ذَلِك أَمر رَسُول الله ﷺ سَلمَة بن صَخْر البياضي لما ظَاهر من امْرَأَته
وخصال الْكَفَّارَة ثَلَاثَة
الأولى الْعتْق وَلَا بُد فِي الْكَفَّارَة من النِّيَّة للْحَدِيث الْمَشْهُور وَلِأَن الْكَفَّارَة حق مَالِي
стр. 406
وَجب تَطْهِيرا فَتجب فِيهِ النِّيَّة كَالزَّكَاةِ وتكفي نِيَّة الْكَفَّارَة وَلَا يشْتَرط ذكر الْوُجُوب لِأَن الْكَفَّارَة لَا تكون إِلَّا وَاجِبَة وَلَا تكفيه نِيَّة الْعتْق الْوَاجِب من غير ذكر الْكَفَّارَة لِأَن الْعتْق قد يجب بِالنذرِ وَلَا يجب تعْيين سَببهَا لكَونهَا عَن ظِهَار أَو قتل أَو كَفَّارَة يَمِين كَمَا لَا يجب تعْيين المَال المزكى وَلَو لزمَه كَفَّارَة ظِهَار وجماع مثلا فَأعتق رَقَبَة بنية الْكَفَّارَة حسبت عَن إِحْدَاهمَا وَكَذَا لَو صَامَ أَو أطْعم فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الْكَفَّارَة وَالصَّلَاة حَيْثُ يعْتَبر فِيهَا التَّعْيِين
فَالْفرق أَن الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة أضيق وَلِهَذَا امْتنع التَّوْكِيل فِيهَا وَأَيْضًا فَإِن مَرَاتِب الصَّلَاة مُتَفَاوِتَة فِي الْمَشَقَّة فَإِن وَقت الصُّبْح أشق وَعدد الظّهْر أَكثر وَلَا تفَاوت بَين كَفَّارَة الظِّهَار وَالْجِمَاع ثمَّ إِذا عين بعد ذَلِك مَا أَتَى بِهِ عَن كَفَّارَة تعين وَامْتنع صرفه إِلَى غَيرهَا كَمَا لَو عين ابْتِدَاء وَلَو عين فِي الِابْتِدَاء كَفَّارَة الظِّهَار مثلا وَكَانَت عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين لم يجزه عمدا كَانَ أَو خطأ كَمَا لَو نوى زَكَاة مَال بِعَيْنِه فَكَانَ تَالِفا لَا ينْصَرف إِلَى غَيره بِخِلَاف مَا لَو نوى رفع حدث غَلطا عَلَيْهِ غَيره فَإِنَّهُ يرْتَفع على الْأَصَح لِأَن رفع الْمَنوِي يتَضَمَّن رفع الْكل وَالْعِتْق عَن كَفَّارَة مُعينَة لَا يتَضَمَّن الْإِجْزَاء عَن أُخْرَى وَهل يشْتَرط أَن تكون النِّيَّة مُقَارنَة للإعتاق وَالْإِطْعَام قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة الصَّحِيح أَنه يشْتَرط وَقيل يجوز تَقْدِيمهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الزَّكَاة وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب أصح الْوَجْهَيْنِ جَوَاز تَقْدِيم نِيَّة الزَّكَاة على الدّفع قَالَ أَصْحَابنَا وَالْكَفَّارَة وَالزَّكَاة فِي ذَلِك سَوَاء وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَظَاهر النَّص انْتهى
وَاعْلَم أَن شَرط الْجَوَاز فِي الزَّكَاة أَن تكون النِّيَّة مُقَارنَة للعزل فاعرفه وَقِيَاسه هُنَا كَذَلِك إِذا عرفت هَذَا فَيشْتَرط فِي الرَّقَبَة المجزئة عَن الْكَفَّارَة أَرْبَعَة شُرُوط الْإِسْلَام وَلَفظ الْإِيمَان أولى لِأَنَّهُ نَص الْقُرْآن الْعَظِيم والسلامة عَن الْعُيُوب الْمضرَّة بِالْعَمَلِ وَكَمَال الرّقّ والخلو عَن الْعِوَض فَلَا يُجزئ إِعْتَاق الْكَافِر فِي شَيْء من الْكَفَّارَات وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد ﵄ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ يجوز إِعْتَاق الْكَافِر إِلَّا فِي كَفَّارَة الْقَتْل لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِيهَا ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وَحجَّتنَا قِيَاس غير كَفَّارَة الْقَتْل عَلَيْهَا وَحمل الشَّافِعِي الْمُطلق على الْمُقَيد وَشبهه بقوله ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فَإِنَّهُ مَحْمُول على الْمُقَيد فِي قَوْله ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَول الشَّيْخ سليمَة من الْعُيُوب الَّتِي تضر بِالْعَمَلِ ضَرَرا بَينا لِأَن الْمَقْصُود تَكْمِيل حَالَة التفرغ لِلْعِبَادَةِ ووظائف الْأَحْرَار وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك إِذا اسْتَقل وَقَامَ بكفايته وَإِلَّا فَيصير كلا على نَفسه وعَلى غَيره فَلَا يُجزئ الزَّمن وَلَا من يجن أَكثر الْأَوْقَات فَإِن كَانَت إِفَاقَته أَكثر أَجْزَأَ وَكَذَا إِذا اسْتَويَا على الْمَذْهَب وَلَا يُجزئ مَرِيض لَا يُرْجَى زَوَال مَرضه فَإِن رجى أَجْزَأَ وَلَو أعتق من وَجب
стр. 407
عَلَيْهِ الْقَتْل قَالَ الْقفال إِن أعْتقهُ قبل أَن يقدم للْقَتْل أَجْزَأَ وَإِن قدم فَهُوَ كمريض لَا يُرْجَى وَلَا يُجزئ مَقْطُوع إِحْدَى الرجلَيْن وَلَا مَقْطُوع أُنْمُلَة من إِبْهَام الْيَد وَيجوز مَقْطُوع أُنْمُلَة من غَيرهَا وَلَا يجوز مَقْطُوع أنملتين من السبابَة أَو الْوُسْطَى ويجزء مَقْطُوع الخنص من يَد والبنصر من آخرى وَلَا يُجزئ مقطوعهما من يَد وَيُجزئ مقطو جَمِيع اصابع الرجلَيْن على الصَّحِيح وَيُجزئ قصير الْخلق الَّذِي يقدر على الْعَمَل وَالْكَسْب وَيُجزئ الشَّيْخ إِن قدر على الْعَمَل على الْأَصَح وَيُجزئ الْأَعْرَج إِلَّا أَن يكون شَدِيدا يمْنَع مُتَابعَة الْمَشْي وَيُجزئ الْأَعْوَر دون الْأَعْمَى وَالْمرَاد عور لَا يضعف عينه بِالْعَمَلِ قَالَه الشَّافِعِي وَيُجزئ الْأَصَم الْأَخْرَس إِن فهم الْإِشَارَة وَإِلَّا فَلَا وَيُجزئ الْخصي والمجبوب وَالْأمة الرتقاء والقرناء ومفقود الْأَسْنَان وَولد الزِّنَا وَضَعِيف الْبَطْش وَالصَّغِير وَالله ناقد وبصير وَالله أعلم وَأما كَمَال الرّقّ فَلَا بُد مِنْهُ فَلَا تُجزئ أم الْوَلَد وَكَذَا الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة وَإِن لم يؤد شَيْئا من لنجوم وَلَو ملك من يعْتق عَلَيْهِ بشرَاء أَو غَيره وَنوى عتقه عَن الْكَفَّارَة لم يجزه على الصَّحِيح لِأَن الْعتْق مُسْتَحقّ بِجِهَة الْقَرَابَة وَلَو اشْترى عبدا بِشَرْط الْعتْق فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجْزِيه عَن الْكَفَّارَة وَلَو أعتق من تحتم قَتله فِي الْمُحَاربَة أَجزَأَهُ قَالَه القَاضِي حُسَيْن ويجزى الْمُدبر وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة وَالْعَبْد الْغَائِب الْمُنْقَطع الْخَبَر لَا يُجزئ على الْمَذْهَب والآبق وَالْمَغْصُوب يجزيان إِذا علم حياتهما على الصَّحِيح لكَمَال الرّقّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الْمَغْصُوب عِنْد الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ إِن كَانَ لَا يقدر على الْخَلَاص فَلَا يجزى كالزمن لعدم قدرته على التَّصَرُّف وَكَذَا قَضِيَّة تَصْحِيح التَّنْبِيه وَحكى الْقطع بِهِ عَن أَكثر الْعِرَاقِيُّونَ وَحكى عَن جُمْهُور الخراسانيين الْأَجْزَاء لتَمام الْملك وَالْمَنْفَعَة وَهُوَ الَّذِي جرى عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ وَأما الْخُلُو عَن الْعِوَض فَلَا بُد مِنْهُ فَلَو أعتق عبدا على أَن يرد عَلَيْهِ دِينَارا مثلا لم يجزه عَن الْكَفَّارَة على الصَّحِيح وَلَو شَرط عوضا على غير العَبْد بِأَن قَالَ لإِنْسَان أعتقت عَبدِي هَذَا عَن كفارتي بِأَلف عَلَيْك فَقبل أَو قَالَ لَهُ إِنْسَان أعتق عَن كفارتك وَعلي كَذَا فَفعل لم يجزه عَن الْكَفَّارَة وَالله أعلم
الْخصْلَة الثَّانِيَة الصّيام فَمن لم يجد الرَّقَبَة فَعَلَيهِ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين لِلْآيَةِ ثمَّ عدم الرَّقَبَة قد يكون بِأَن لَا يجدهَا أَو لَا يجد ثمنهَا أَو يجدهَا بِثمن غال أَو يجدهَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا للْخدمَة أَو إِلَى ثمنهَا للنَّفَقَة أما العادم بِالْكُلِّيَّةِ فللآية وَأما الْمُحْتَاج فَلِأَن الْحَاجة تستغرق مَا مَعَه فَصَارَ كالعادم من وجد المَاء وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن ينْتَقل إِلَى الْبَدَل كَذَلِك هَهُنَا وَلِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْمسكن لَا يمْنَع الِانْتِقَال إِلَى الصَّوْم للْحَاجة وَالْمرَاد بحاجة الْخدمَة أَن يكون بِهِ مرض أَو كبر أَو زمانة أَو ضخامة لَا يقدر مَعهَا على خدمَة نَفسه أَو كَانَ لَا يخْدم نَفسه فِي الْعَادة مَعَ الصِّحَّة فَلَو كَانَ يخْدم نَفسه كأوساط النَّاس لزمَه الاعتاق على الرَّاجِح وَالْمرَاد بِالنَّفَقَةِ قوته وقوت عِيَاله وكسوتهم وَمَا لَا بُد مِنْهُ من الأثاث وَكَذَا شِرَاء عبد يحْتَاج إِلَيْهِ للْخدمَة وَهل تتقدر النَّفَقَة وَالْكِسْوَة بِمدَّة قَالَ الرَّافِعِيّ لم يقدره الْأَصْحَاب فَيجوز أَن يعْتَبر كِفَايَة الْعُمر وَيجوز أَن يعْتَبر كِفَايَة سنة وَيُؤَيِّدهُ قَول الْبَغَوِيّ أَنه يتْرك لَهُ ثوبا للشتاء وثوباً للصيف قَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب الثَّانِي يَعْنِي سنة قَالَ ابْن الرّفْعَة قد تعرض
стр. 408
لَهُ الْأَصْحَاب فِي كَفَّارَة الْيَمين فَقَالُوا مَا حَكَاهُ الْمحَامِلِي وَغَيره أَنه من لَيْسَ لَهُ كِفَايَة على الدَّوَام وَلَو كَانَ لَهُ ضَيْعَة أَو رَأس مَال يتجر فِيهِ وَكَانَ يحصل مِنْهُمَا كِفَايَته بِلَا مزِيد وَلَو باعهما لتَحْصِيل رَقَبَة لصار فِي حد الْمَسَاكِين لم يُكَلف بيعهَا على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَلَو كَانَ لَهُ مَاشِيَة تحلب فِي ملكه فَهِيَ كالضيعة إِن كَانَ لَا تزيد غَلَّتهَا على كِفَايَته لم يُكَلف بيعهَا وَإِن زادة لزم بيع الزَّائِد ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم
(فرع) شخص لَهُ مَال حَاضر وَلم يجد الرَّقَبَة أَو لَهُ مَال غَائِب لَا يجوز لَهُ الْعُدُول إِلَى الصَّوْم فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَالْجِمَاع وَالْيَمِين بل يصبر حَتَّى يجد الرَّقَبَة أَو يصل إِلَى المَال لِأَن الْكَفَّارَة على التَّرَاخِي وَبِتَقْدِير أَن يَمُوت تُؤَدّى من تركته بِخِلَاف الْعَاجِز عَن ثمن المَاء فَإِنَّهُ يتَيَمَّم لِأَنَّهُ لَا يُمكن قَضَاء الصَّلَاة لَو مَاتَ وَفِي كَفَّارَة الظِّهَار وَجْهَان لتضرره بِفَوَات الِاسْتِمْتَاع وَأَشَارَ الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ إِلَى تَرْجِيح وجوب الصَّبْر هَذِه عبارَة الرَّوْضَة وَمَا ذكره الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ من وجوب الصَّبْر صَححهُ النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه وَيُؤْخَذ من كَلَام الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة هُنَا أَن الْكَفَّارَات الْوَاجِبَة هُنَا بِسَبَب محرم تكون على الْفَوْر وَقد ذكر ذَلِك فِي مَوَاضِع وَذكر فِي مَوَاضِع أخر أَن الْكَفَّارَات كلهَا على الْفَوْر وَقد صرح النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم فِي حَدِيث المجامع فِي رَمَضَان بِأَنَّهَا على التَّرَاخِي وَفِيه من الِاخْتِلَاف الْكثير مَا ظهر وَالله أعلم
وَلَو تعسر عَلَيْهِ الاعتاق كفر بِالصَّوْمِ وَهل الِاعْتِبَار باليسار والإعسار بِوَقْت الْأَدَاء أَو بِوَقْت الْوُجُوب أم بأغلظ الْحَالين فِيهِ أَقْوَال أظهرها أَن الِاعْتِبَار بِوَقْت الْأَدَاء لِأَنَّهَا عبَادَة لَهَا بدل من غير جِنْسهَا فَاعْتبر فِيهَا حَالَة الْأَدَاء كَالْوضُوءِ وَالتَّيَمُّم وَالْقِيَام وَالْقعُود فِي الصَّلَاة فعلى هَذَا إِن كَانَ مُوسِرًا وَقت الْأَدَاء ففرضه الْإِعْتَاق وَإِن كَانَ مُعسرا ففرضه الصَّوْم وَإِن كَانَ مُوسِرًا من قبل وَلَو شرع فِي الصَّوْم ثمَّ أيسر أتمه وَلم يجب عَلَيْهِ الِانْتِقَال إِلَى الْعتْق على الْأَصَح وَقَالَ الْمُزنِيّ يلْزمه فعلى الصَّحِيح فِي جَوَاز الْخُرُوج من الصَّوْم وَجْهَان كالوجهين فِي رُؤْيَة المَاء فِي صَلَاة يسْقط فَرضهَا بِالتَّيَمُّمِ وَالله أعلم
(فرع) إِذا صَار وَاجِبَة الصَّوْم وَجب أَن يَنْوِي من اللَّيْل لكل يَوْم وَلَا يجب تعْيين جِهَة الْكَفَّارَة وَلَا نِيَّة التَّتَابُع على الْأَصَح وَيجب تتَابع الصَّوْم كَمَا هُوَ نَص الْقُرْآن الْعَظِيم فَلَو وطئ الْمظَاهر فِي اللَّيْل قبل تَمام الصَّوْم عصى إِلَّا أَنه لَا يقطع التَّتَابُع وَلَو أفطر يَوْمًا وَلَو أفطر الْيَوْم الْأَخير لزمَه الِاسْتِئْنَاف وَلَو غَلبه الْجُوع فَأفْطر بَطل التَّتَابُع ونسيان النِّيَّة فِي بعض اللَّيَالِي يقطع التَّتَابُع كتركها عمدا وَلَو شكّ بعد فرَاغ من صَوْم يَوْم هَل نوى فِيهِ أم لَا لم يلْزمه الِاسْتِئْنَاف على الصَّحِيح وَلَا أثر للشَّكّ بعد فرَاغ الْيَوْم ذكر الرَّوْيَانِيّ وَالْمَرَض يقطع التَّتَابُع على الْأَظْهر لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْم بِخِلَاف الْجُنُون وَالْإِغْمَاء كالجنون وَقيل كالمرض وَفِي السّفر خلاف قيل كالمرض وَقيل يقطع قطعا لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب أَنه يَنْقَطِع التَّتَابُع بِالْفطرِ فِي
стр. 409
السّفر وَلَو أكره على الْأكل فَأكل وَقُلْنَا يبطل صَوْمه انْقَطع التَّتَابُع لِأَنَّهُ سَبَب نَادِر هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَلَو استنشق فوصل المَاء إِلَى دماغه وَقُلْنَا يفْطر فَفِي انْقِطَاع تتابعه الْخلاف وَلَو أوجر مكْرها لم يفْطر وَلم يَنْقَطِع التَّتَابُع على مَا قطع بِهِ الْأَصْحَاب فِي كل الطّرق وَفِي وَجه يبطل وَيقطع التَّتَابُع وَالله أعلم
الْخصْلَة الثَّالِثَة الْإِطْعَام فَمن لم يسْتَطع الصَّوْم لهرم أَو مرض أَو مشقة شَدِيدَة أَو خَافَ زِيَادَة الْمَرَض فَلهُ أَن يكفر بِالْإِطْعَامِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَهل يشْتَرط فِي الْمَرَض أَن لَا يُرْجَى زَوَاله أم لَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ يشْتَرط وَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ إِن كَانَ يَدُوم شَهْرَيْن فِي غَالب الظَّن الْمُسْتَفَاد من الْأَطِبَّاء أَو من الْعرف فَلهُ الْعُدُول إِلَى الْإِطْعَام وَصحح النَّوَوِيّ مَا قَالَاه يَعْنِي الإِمَام وَالْغَزالِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَقد وَافق الإِمَام على ذَلِك آخَرُونَ وَالله أعلم فيطعم سِتِّينَ مِسْكينا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة لكل مِسْكين مدا من قوت الْبَلَد إِذا كَانَ مِمَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَالْمدّ رَطْل وَثلث بالبغدادي وَهُوَ مد رَسُول الله ﷺ وَلَا يجوز صرف الْكَفَّارَة إِلَى كَافِر وَلَا إِلَى هاشمي ومطلبي وَلَا إِلَى من تلْزمهُ نَفَقَته كَزَوْجَة وَقَرِيب وَلَا إِلَى عبد فَلَو صرف إِلَى عبد وسيده بِصفة الِاسْتِحْقَاق جَازَ إِن كَانَ بِإِذن السَّيِّد لِأَنَّهُ صرف إِلَى السَّيِّد وَيجوز الصّرْف إِلَى ولي الصَّغِير وَالْمَجْنُون وَالله أعلم
(فرع) لَو عجز عَن الْعتْق وَالصَّوْم وَلم يقدر إِلَّا على إطْعَام عشرَة أَو على مد وَاحِد لزمَه إِخْرَاجه بِلَا خلاف لِأَنَّهُ لَا بدل للاطعام فَلَو عجز عَن جَمِيع خِصَال الْكَفَّارَة اسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَة فِي ذمَّته على الْأَظْهر وَقَول الشَّيْخ وَلَا يحل وَطئهَا حَتَّى يكفر لِلْآيَةِ وَالله أعلم
(فرع) قَالَ لامْرَأَته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَنْت لي كَظهر أُمِّي أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي نظر إِن كَانَ أَرَادَ التَّأْكِيد بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَة فَهُوَ ظِهَار وَاحِد فَإِن أمْسكهَا بعد المرات فَهُوَ عَائِد وَعَلِيهِ كَفَّارَة وَاحِدَة وَإِن أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ ظِهَارًا آخر تعدّدت الْكَفَّارَة على الْجَدِيد وَإِن أطلق وَلم ينْو شَيْئا فَهَل يتحد الظِّهَار أم يَتَعَدَّد فِيهِ خلاف وَالْأَظْهَر الِاتِّحَاد وَبِه قطع ابْن الصّباغ وَالْمُتوَلِّيّ وَقد تقدم أَن الطَّلَاق إِذا كرر لَفظه وَأطلق يَتَعَدَّد الطَّلَاق وَالْفرق بَين الظِّهَار وَالطَّلَاق أَن الطَّلَاق أقوى لِأَنَّهُ يزِيل الْملك بِخِلَاف الظِّهَار وَبِأَن الطَّلَاق لَهُ عدد مَحْصُور وَالزَّوْج مَالك لَهُ فَإِذا كَرَّرَه كَانَ الظَّاهِر اسْتِئْنَاف الْمَمْلُوك وَالظِّهَار لَيْسَ بمتعدد فِي وَضعه وَلَا هُوَ مَمْلُوك للزَّوْج وَلَو تفاصلت المرات وَقصد بِكُل وَاحِدَة ظِهَارًا أَو أطلق فَكل مرّة ظِهَار بِرَأْسِهِ وَالله أعلم قَالَ
بَاب اللّعان فصل وَإِذا رمى الرجل زَوجته بِالزِّنَا فَعَلَيهِ حد الْقَذْف إِلَّا أَن يُقيم الْبَيِّنَة أَو يُلَاعن فَيَقُول عِنْد
стр. 410
الْحَاكِم على الْمِنْبَر فِي جمَاعَة من الْمُسلمين أشهد بِاللَّه إِنَّنِي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميت بِهِ زَوْجَتي فُلَانَة من الزِّنَا وَأَن هَذَا الْوَلَد من زنا وَلَيْسَ مني أَربع مَرَّات وَيَقُول فِي الْخَامِسَة بعد أَن يعظه الْحَاكِم وَعلي لعنة الله إِن كنت من الْكَاذِبين)
هَذَا فصل اللّعان وَهُوَ مصدر لَاعن وَهُوَ مُشْتَقّ من اللَّعْن وَهُوَ الإبعاد وَسمي المتلاعنان بذلك لما يعقب اللّعان من الْإِثْم والإبعاد وَلِأَن أَحدهمَا كَاذِب فَيكون ملعوناً وَقيل لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يبعد عَن صَاحبه بتأييد التَّحْرِيم وَهُوَ فِي الشَّرْع عبارَة عَن كَلِمَات مَعْلُومَة جعلت حجَّة للْمُضْطَر إِلَى قذف من لطخ فرَاشه وَألْحق بِهِ الْعَار واختير لفظ اللّعان على الْغَضَب وَالشَّهَادَة لِأَن اللّعان لَفْظَة غَرِيبَة وَالشَّيْء يشْتَهر بالغريب وَقيل لِأَنَّهُ فِي لعان الرجل وَهُوَ مُتَقَدم
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الْآيَات وَسبب نُزُولهَا أَن هِلَال بن أُميَّة قذف زَوجته عِنْد رَسُول الله ﷺ بِشريك بن السمحاء فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك فَقَالَ يَا رَسُول الله إِذا رأى أَحَدنَا على امْرَأَته رجلا ينْطَلق يلْتَمس الْبَيِّنَة فَجعل النَّبِي ﷺ يَقُول الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك فَقَالَ هِلَال وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِنِّي لصَادِق ولينزلن الله مَا يُبرئ ظَهْري من الْحَد فَنزلت هَذِه الْآيَات وَقيل غير ذَلِك فَإِذا قذف الرجل زَوجته وَجب عَلَيْهِ الْحَد كَمَا جَاءَ بِهِ النَّص وَله ملخصان عَنهُ إِمَّا الْبَيِّنَة أَو اللّعان كَمَا نَص عَلَيْهِ الْخَبَر ثمَّ مَتى تَيَقّن الزَّوْج أَنَّهَا زنت بِأَن رَآهَا تَزني جَازَ لَهُ قَذفهَا وَكَذَا لَو أقرَّت بِهِ عِنْده وَوَقع فِي قلبه صدقهَا أَو أخبرهُ بِهِ ثِقَة أَو شاع أَن رجلا زنى بهَا وَرَآهُ خَارِجا من عِنْدهَا فِي أَوْقَات الرِّيبَة فَلَو شاع وَلم يره أَو رَآهُ وَلم يشع لم يجز فِي الْأَصَح وَقَالَ الإِمَام لَو رَآهُ مَعهَا تَحت شعارها على هَيْئَة مُنكرَة أَو رَآهَا مَعَه مَرَّات كَثِيرَة فِي مَحل رِيبَة كَانَ كالاستفاضة مَعَ الرُّؤْيَة وَتَبعهُ الْغَزالِيّ وَغَيره وَلَا يجوز الْقَذْف عِنْد عدم مَا ذكرنَا وَهَذَا كُله إِذا لم يكن ولد قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ أَصْحَابنَا وإذاا لم يكن ولد فَالْأولى أَن لَا يُلَاعن بل يطلقهَا إِن كرهها وَالله أعلم
وَإِن كَانَ هُنَاكَ ولد يتَيَقَّن أَنه لَيْسَ مِنْهُ وَجب عَلَيْهِ نَفْيه بِاللّعانِ هَكَذَا قطع بِهِ الْجُمْهُور حَتَّى يَنْتَفِي عَنهُ من لَيْسَ مِنْهُ وَفِي وَجه لَا يجب النَّفْي قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيره فَإِن تَيَقّن مَعَ ذَلِك أَنَّهَا زنت قَذفهَا ولاعن وَإِلَّا فَلَا يقذفها لجَوَاز أَن يكون الْوَلَد من زوج قبله أَو من وَطْء شُبْهَة قَالَ الْأَئِمَّة وَإِنَّمَا يحصل الْيَقِين إِذا لم يَطَأهَا أصلا أَو وَطئهَا وَأَتَتْ بِهِ لأكْثر من أَربع سِنِين من وَقت الْوَطْء أَو لأَقل من
стр. 411
سِتَّة أشهر فَإِذا انْتهى الْأَمر إِلَى اللّعان فَيَأْتِي بِخمْس كَلِمَات مَا ذكره الشَّيْخ وَيكون ذَلِك بِأَمْر الْحَاكِم أَو نَائِبه وَيُسمى امْرَأَته إِن كَانَت غَائِبَة عَن الْبَلَد أَو الْمجْلس وَيرْفَع فِي نَسَبهَا حَتَّى تتَمَيَّز عَن غَيرهَا وَإِن كَانَت حَاضِرَة تَكْفِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا على الصَّحِيح لِأَن بهَا يحصل التَّمْيِيز فَلَا يحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى ذكر النّسَب وَالِاسْم وَقيل يجمع بَين الِاسْم وَالْإِشَارَة وَيَقُول فِي الْخَامِسَة إِن لعنة الله عَليّ إِن كنت من الْكَاذِبين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا للنَّص وَإِن كَانَ هُنَاكَ ولد ذكره فِي الْكَلِمَات الْخمس لِأَن كل مرّة بِمَنْزِلَة شَهَادَة فَيَقُول إِن هَذَا الْوَلَد أَو لحمل من زنا وَلَيْسَ مني فَلَو اقْتصر على قَوْله من زنا هَل يَكْفِي قَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا لاحْتِمَال أَن يعْتَقد وَطْء الشُّبْهَة زنا فَلَا يَنْتَفِي بِهِ الْوَلَد وأصحهما أَنه يَكْفِي وَلَو اقْتصر على قَوْله لَيْسَ مني يَك لم يَكْفِي وَلَو أغفل ذكر الْوَلَد فِي بعض الْكَلِمَات احْتَاجَ إِلَى إِعَادَة اللّعان لنفيه وَقَول الشَّيْخ فَيَقُول عِنْد الْحَاكِم هَذَا لَا بُد مِنْهُ فِي الِاعْتِدَاد بِصِحَّة اللّعان لِأَن اللّعان يَمِين فَلَا بُد فِيهِ من أَمر الْحَاكِم كَسَائِر الْإِيمَان وَقَوله على الْمِنْبَر فِي جمَاعَة من الْمُسلمين هَذَا من الْآدَاب وَأَقلهمْ أَرْبَعَة ليكونوا من أَعْيَان الْبَلَد وصلحائهم لِأَن فِي ذَلِك تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وَهُوَ أبلغ فِي الردع وَقَوله أشهد هَذَا اللَّفْظ مُتَعَيّن فَلَو بدله بقوله أَحْلف بِاللَّه أَو أقسم بِاللَّه وَنَحْوه إِنِّي لمن الصَّادِقين أَو أبدل لفظ اللَّعْن بالإبعاد أَو أبدل لفظ الْغَضَب بالسخط أَو أبدل لفظ الْغَضَب باللعن أَو عَكسه لم يَصح على الْأَصَح فِي جَمِيع ذَلِك وَقيل لَا يَصح قطعا لِأَنَّهُ أخل بِاللَّفْظِ الْمَأْمُور بِهِ فَأشبه الشَّاهِد إِذا أخل بِلَفْظ الشَّهَادَة وَإِذا بلغ الرجل لفظ اللَّعْن أَو الْمَرْأَة لفظ الْغَضَب اسْتحبَّ للْحَاكِم أَن يَقُول إِن هَذِه الْخَامِسَة مُوجبَة للعذاب فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة فَاتق الله تَعَالَى فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْك إِن لم تكن صَادِقا أَن تبوء بلعنة الله تَعَالَى كي يرجع وَيَتْلُو عَلَيْهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَمعنى لَا خلاق لَهُم أَي لَا نصيب لَهُم فِي الْآخِرَة فَإِن أَبَيَا إِلَّا اللّعان تَركهمَا وَيَنْبَغِي للْحَاكِم أَن يذكر هَذَا الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﷺ أَيّمَا امْرَأَة أدخلت على قوم من لَيْسَ مِنْهُم فَلَيْسَتْ من الله فِي شَيْء وَلنْ يدخلهَا الله الْجنَّة وَأَيّمَا رجل جحد وَلَده وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ احتجب الله مِنْهُ وفضحه على رُؤُوس الْأَوَّلين والآخرين وَفِي رِوَايَة على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة قَالَ
(وَيتَعَلَّق بلعانه خَمْسَة أَحْكَام سُقُوط الْحَد عَنهُ وَوُجُوب الْحَد عَلَيْهَا وَزَوَال الْفراش وَنفي الْوَلَد وَالتَّحْرِيم على الْأَبَد)
стр. 412
اعْلَم أَن الزَّوْج لَا يجْبر على اللّعان بعد الْقَذْف بل لَهُ الِامْتِنَاع وَعَلِيهِ حد الْقَذْف كَالْأَجْنَبِيِّ وَكَذَا الْمَرْأَة لَا تجبر على اللّعان بعد لِعَانه فَإِذا لَاعن الزَّوْج وأكمل اللّعان ترَتّب عَلَيْهِ أَحْكَام مِنْهَا سُقُوط الْحَد عَنهُ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة فَإِنَّهَا أَقَامَت اللّعان فِي حَقه مقَام الشَّهَادَة وَمِنْهَا وجوب الْحَد عَلَيْهَا إِذا قَذفهَا بزنا أَضَافَهُ إِلَى حَالَة الزَّوْجِيَّة وَكَانَت مسلمة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وَمِنْهَا حُصُول الْفرْقَة بَينهمَا وَهُوَ الَّذِي عبر الشَّيْخ عَنهُ بِزَوَال الْفراش وَهَذِه الْفرْقَة تحصل ظَاهرا وَبَاطنا سَوَاء صدقت أم صدق وَقيل إِن صدقت لم تحصل بَاطِنا وَالصَّحِيح الأول وَحجَّة ذَلِك أَن رَسُول الله ﷺ فرق بَين رجل وَامْرَأَته تلاعنا فِي زَمَنه ﵊ وَألْحق الْوَلَد بِالْأُمِّ رَوَاهُ ابْن عمر ﵄ وَمِنْهَا نفي الْوَلَد عَنهُ لحَدِيث ابْن عمر ﵄ وَمِنْهَا التَّحْرِيم بَينهمَا إِذا كَانَت الْبَيْنُونَة بِاللّعانِ على التَّأْبِيد لِأَن الْعجْلَاني قَالَ بعد اللّعان كذبت عَلَيْهَا إِن أَمْسَكتهَا هِيَ طَالِق ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا فنفى السَّبِيل مُطلقًا فَلَو لم يكن مُؤَبَّدًا لبين غَايَته كَمَا بَينهَا فِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا وَرُوِيَ المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَلَو كَانَ قد أَبَانهَا قبل اللّعان ثمَّ لاعنها فَهَل تتأبد الْحُرْمَة وَجْهَان أصَحهمَا نعم ثمَّ هَذِه الْأَحْكَام تتَعَلَّق بِمُجَرَّد لعان الزَّوْج وَلَا يتَوَقَّف شَيْء مِنْهَا على لعانها وَلَا على قَضَاء القَاضِي وَلَو أَقَامَ بَيِّنَة بزناها لم تلاعن الْمَرْأَة لدفع الْحَد لِأَن اللّعان حجَّة ضَعِيفَة فَلَا يُقَاوم الْبَيِّنَة وَالله أعلم
(فرع) لَو كَانَت الْمُلَاعنَة أمة فملكها الزَّوْج فَفِي حل وَطئهَا طَرِيقَانِ وَالَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ الْمَنْع وَقيل فِيهَا الْخلاف فِيمَا إِذا طلق زَوجته الْأمة ثَلَاثًا ثمَّ ملكهَا هَل تحل لَهُ أم لَا الْأَصَح لَا تحل لَهُ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره ويطلقها بِشُرُوطِهِ لظَاهِر الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ وَقيل تحل لِأَن الطلقات الثَّلَاث لَا تمنع الْملك فَلَا تمنع الْوَطْء فِيهِ بِخِلَاف النِّكَاح الأول وَالله أعلم قَالَ
(وَيسْقط الْحَد عَنْهَا بِأَن تلاعن فَتَقول أشهد بِاللَّه أَن فلَانا هَذَا من الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا أَربع مَرَّات وَتقول فِي الْخَامِسَة بعد أَن يعظها الْحَاكِم وَعلي غضب الله إِن كَانَ من الصَّادِقين)
стр. 413
قد علمت أَن الْمَرْأَة لَا تجبر على اللّعان لَكِن لَهَا أَن تلاعن لدرء الْحَد عَنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يَعْنِي زَوجهَا وتشير إِلَيْهِ كَمَا تقدم إِن كَانَ حَاضرا أَو تذكر مَا يتَمَيَّز بِهِ من اسْم وَنسب إِن لم يكن حَاضرا وَتقول فِي الْخَامِسَة إِن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين لِلْآيَةِ وَلَا تحْتَاج إِلَى ذكر الْوَلَد لِأَن لعانها لَا يُؤثر وَلَو تعرضت لَا يُؤثر وَقيل تذكره ليتقابل اللعانان وَالله أعلم
(فرع) قَالَ شخص لآخر يَا لوطي فَهَل هُوَ كِنَايَة فِي الْقَذْف أم صَرِيح الْمَذْهَب عِنْد الرَّافِعِيّ أَنه كِنَايَة وَلَيْسَ بِصَرِيح قَالَ النَّوَوِيّ قد غلب فِي الْعرف لإِرَادَة الْوَطْء فِي الدبر بل لَا يفهم مِنْهُ إِلَّا هَذَا فَيَنْبَغِي أَن يقطع بِأَنَّهُ صَرِيح ثمَّ قَالَ بل الصَّوَاب الْجَزْم بِأَنَّهُ صَرِيح وَبِه جزم صَاحب التَّنْبِيه وَإِن كَانَ الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب أَنه كِنَايَة وَالْعجب أَنه قَالَ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه الصَّوَاب أَنه كِنَايَة وَالله أعلم
(فرع) كثير فِي أَلْسِنَة النَّاس قَوْلهم للصَّبِيّ وَغَيره يَا ولد الزِّنَا وَهَذَا قذف لأم القَوْل لَهُ فَيجب فِيهِ الْحَد لِأَنَّهُ قذف صَرِيح وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْعدة فصل والمعتدة ضَرْبَان متوفي عَنْهَا زَوجهَا وَغير متوفي فالمتوفى عَنْهَا إِن كَانَت حَامِلا فعدتها بِوَضْع الْحمل وَإِن كَانَت حَائِلا فعدتها أَرْبَعَة أشهر وَعشر
الْعدة اسْم لمُدَّة مَعْدُودَة تَتَرَبَّص فِيهَا الْمَرْأَة ليعرف بَرَاءَة رَحمهَا وَذَلِكَ يحصل بِالْولادَةِ تَارَة وبالأشهر أَو الْأَقْرَاء أُخْرَى وَلَا شكّ أَن الْمُعْتَدَّة على ضَرْبَيْنِ متوفى عَنْهَا زَوجهَا وَغَيرهَا فالمتوفي عَنْهَا زَوجهَا تَارَة تكون حَامِلا وَتارَة تكون حَائِلا فَإِن كَانَت حَامِلا فعدتها بِوَضْع الْحمل بِشُرُوط نذكرها فِيمَا بعد فِي عدَّة الطَّلَاق وَلَا فرق بَين أَن يتعجل الْوَضع أَو يتَأَخَّر قَالَ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي وجوب الِاعْتِدَاد بالمدة وَإِن كَانَت حَامِلا لَكِن ثَبت أَن سبيعة الأسْلَمِيَّة ولدت بعد وَفَاة زَوجهَا بِنصْف شهر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ حللت فَانْكِحِي من شِئْت وَعَن عمر ﵁ قَالَ لَو وضعت وَزوجهَا على السرير حلت ثمَّ لَا فرق فِي عدَّة الْحمل بَين الْحرَّة وَالْأمة وَإِن كَانَت حَائِلا أَو حَامِلا بِحمْل لَا يجوز أَن يكون مِنْهُ اعْتدت الْحرَّة بأَرْبعَة أشهر وَعشر لقَوْله
стр. 414
تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ أخرجت الْحَامِل مِنْهُ بِدَلِيل فَبَقيَ مَا عدا ذَلِك على عُمُومه وَأما الْحَامِل من غَيره فَلَا يُمكن الِاعْتِدَاد بِهِ ثمَّ لَا فرق فِي ذَلِك بَين الصَّغِيرَة والكبيرة وَذَات الْأَقْرَاء وَغَيرهَا وَلَا فرق بَين زَوْجَة الصَّبِي والممسوح وَغَيرهمَا وَتعْتَبر الْأَشْهر بِالْأَهِلَّةِ مَا أمكن وَاعْلَم أَن عدَّة الْوَفَاة تخْتَص بِالنِّكَاحِ الصَّحِيح فَلَو نكحت فَاسِدا وَمَات قبل الدُّخُول فَلَا عدَّة وَإِن دخل ثمَّ مَاتَ أَو فرق بَينهمَا اعْتدت للدخول كَمَا تَعْتَد عَن الشُّبْهَة وَالله أعلم قَالَ
(وَغير المتوفي عَنْهَا زَوجهَا إِن كَانَت حَامِلا فعدتها بِوَضْع الْحمل وَإِن كَانَت حَائِلا من ذَوَات الْحيض فعدتها بِالْأَقْرَاءِ وَهِي الإطهار وَإِن كَانَت صَغِيرَة أَو آيسة فعدتها ثَلَاثَة أشهر)
هَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ عدَّة غير الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَلَا شكّ أَنَّهَا أَصْنَاف إِمَّا ذَات حمل وَإِمَّا ذَات أَقراء وَإِمَّا ذَات أشهر الصِّنْف الأول ذَات الْحمل وعدتها بِوَضْع الْحمل لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ لَكِن للاعتداد بذلك شَرْطَانِ
أَحدهمَا كَون الْوَلَد مَنْسُوبا إِلَى من الْعدة مِنْهُ إِمَّا ظَاهرا وَإِمَّا احْتِمَالا كالنفي بِاللّعانِ فَإِذا لَاعن حَامِلا وَنفى الْوَلَد الَّذِي هُوَ حمل انْقَضتْ عدتهَا بِوَضْعِهِ لِإِمْكَان كَونه مِنْهُ أما إِذا لم يُمكن كَونه مِنْهُ بِأَن مَاتَ صبي لَا ينزل وَامْرَأَته حَامِل فَلَا تَنْقَضِي عدتهَا بِوَضْع الْحمل على الْمَذْهَب والخصي الَّذِي يبْقى ذكره كالفحل فِي لُحُوق الْوَلَد على الْمَذْهَب فتنقضي الْعدة مِنْهُ بِوَضْعِهِ سَوَاء فِيهِ عدَّة الطَّلَاق أَو الْوَفَاة وَأما من جب ذكره وَبَقِي أنثياه فيلحقه الْوَلَد فَتعْتَد امْرَأَته عَن الْوَفَاة بِوَضْع الْحمل وَلَا يلْزمهَا عدَّة الطَّلَاق لعدم الدُّخُول وَالله أعلم
الشَّرْط الثَّانِي أَن تضع الْحمل بِتَمَامِهِ فَإِن كَانَ الْحمل توأمين فَلَا بُد من وضعهما وَلَا تَنْقَضِي الْعدة بِخُرُوج بعض الْوَلَد لَو بَقِي الْبَعْض مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْفَصِلا وطلق لحقه الطَّلَاق وَلَو مَاتَ وَورثه ثمَّ مَتى انْفَصل الْوَلَد بِتَمَامِهِ انْقَضتْ الْعدة حَيا كَانَ أَو مَيتا وَلَا تَنْقَضِي بِإِسْقَاط الْعلقَة وَالدَّم وَإِن سَقَطت مُضْغَة نظر إِن ظهر فِيهَا شَيْء من صُورَة الْآدَمِيّ كيد أَو أصْبع أَو ظفر أَو غَيرهَا فتنقضي الْعدة وَإِن لم يظْهر شَيْء من صُورَة الْآدَمِيّ لكل أحد لَكِن قَالَ القوابل فِيهِ صُورَة خُفْيَة وَهِي بَيِّنَة لنا وَإِن خفيت على غَيرنَا فَتقبل شَهَادَتهنَّ وَيحكم بِانْقِضَاء الْعدة وَسَائِر الْأَحْكَام وَإِن لم تكن صُورَة ظَاهِرَة وَلَا خُفْيَة يعرفهَا القوابل إِلَّا أَنَّهُنَّ قُلْنَ إِنَّه أصل آدَمِيّ وَلَو بَقِي لتصور وَخلق فالنص أَن الْعدة تَنْقَضِي بِهِ وَهُوَ الْمَذْهَب وَإِن كَانَت لَا تجب بِهِ غرَّة على النَّص وَلَا يثبت بِهِ الِاسْتِيلَاد لِأَن المُرَاد من الْعدة بَرَاءَة الرَّحِم وَقد حصلت وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة من الْعدة وأمومة
стр. 415
الْوَلَد إِنَّمَا تثبت تبعا للْوَلَد وَلَو شكت القوابل فِي أَنه لحم آدَمِيّ أم لَا لم يثبت شَيْء من هَذِه الْأَحْكَام بِلَا خلاف وَلَو اخْتلف الزَّوْج وَهِي فَقَالَت كَانَ السقط الَّذِي وَضعته مِمَّا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَأنكر الزَّوْج وضع السقط فَالْقَوْل قَوْلهَا بِيَمِينِهَا لِأَنَّهَا مَأْمُونَة فِي الْعدة وَالله أعلم
النَّوْع الثَّانِي ذَات الْأَقْرَاء والأقراء جمع قرء بِفَتْح الْقَاف وَيُقَال بضَمهَا قَالَ النَّوَوِيّ وَزعم بَعضهم أَنه بِالْفَتْح للطهر وبالضم للْحيض ويقعان على الطُّهْر وَالْحيض فِي اللُّغَة على الصَّحِيح وَالصَّحِيح أَنه حَقِيقَة فيهمَا وَقيل إِنَّه حَقِيقَة فِي الطُّهْر مجَاز فِي الْحيض وَاخْتلف فِي المُرَاد بِالطُّهْرِ هُنَا وَالْأَظْهَر أَنه المحتوش بدمين وَقيل إِنَّه مُجَرّد الِانْتِقَال من الطُّهْر إِلَى الْحيض وَالْمَذْكُور فِي أول الطَّلَاق أَنه لَو قَالَ للَّتِي لم تَحض قطّ أَنْت طَالِق فِي كل قرء طَلْقَة تطلق فِي الْحَال على مَا قَالَه الْأَكْثَرُونَ وَفِيه مُخَالفَة للمذكور هُنَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَيجوز أَن يَجْعَل ترجيحهم للوقوع فِي تِلْكَ الصُّورَة لِمَعْنى يَخُصهَا لَا لرجحان القَوْل بِأَن الطُّهْر هُوَ الِانْتِقَال إِذا عرفت هَذَا فَلَو طَلقهَا وَقد بَقِي من الطُّهْر بَقِيَّة حسبت تِلْكَ الْبَقِيَّة قرءا سَوَاء كَانَ جَامعهَا فِي تِلْكَ الْبَقِيَّة أم لَا فَإِذا حَاضَت ثمَّ ظَهرت ثمَّ حَاضَت ثمَّ طهرت ثمَّ شرعت فِي الْحيض انْقَضتْ عدتهَا على الْأَظْهر لِأَن الظَّاهِر أَنه دم حيض وَقيل لَا بُد من مُضِيّ يَوْم وَلَيْلَة فعلى الْأَظْهر لَو انْقَطع الدَّم لدوّنَ يَوْم وَلَيْلَة وَلم يعد حَتَّى مَضَت خَمْسَة عشر يَوْمًا تَبينا أَن الْعدة لم تنقض ثمَّ لَحْظَة رُؤْيَة الدَّم أَو الْيَوْم وَاللَّيْلَة هَل هما من نفس الْعدة أم يتَبَيَّن بهما الإنقضاء وليستا من الْعدة وَجْهَان أصَحهمَا الثَّانِي فَإِن جَعَلْنَاهُ من الْعدة صحت فِيهِ الرّجْعَة وَلَا يَصح نِكَاحهَا لأَجْنَبِيّ فِيهِ وَإِلَّا انعكس الحكم وَالله أعلم
النَّوْع الثَّالِث من لم تَرَ دَمًا إِمَّا لصِغَر أَو اياس أَو بلغت سنّ الْحيض وَلم تَحض فَعدَّة هَؤُلَاءِ بِالْأَشْهرِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَعْنِي كَذَلِك قَالَ أبي بن كَعْب ﵁ أول مَا نزل من الْعدَد ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فارتاب نَاس فِي عدَّة الصغار والآيسات فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ الْآيَة وَاخْتلف فِي سنّ الاياس فالأشهر أَنه اثْنَان وَسِتُّونَ سنة وَقيل سِتُّونَ وَقيل خَمْسُونَ وَقيل تسعون قَالَ السَّرخسِيّ ورأينا امْرَأَة حَاضَت لتسعين وَبِمَ يعْتَبر اياسها قيل بإياس أقاربها من الْأَبَوَيْنِ لتقاربهن فِي الطَّبْع وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَرجحه الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَقيل نسَاء عصباتها كمهر الْمثل فعلى الْمُرَجح لَو اختلفن فَهَل يعْتَبر أقلهن أَو أكثرهن فِيهِ خلاف وَقيل يعْتَبر إِيَاس جَمِيع النِّسَاء أَي أقْصَى إياسهن لتحَقّق الاياس وَهَذَا هُوَ الْأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ وَغَيره وَإِلَيْهِ ميل الْأَكْثَرين كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا يمكننا طواف الْعَالم
стр. 416
وَإِنَّمَا المُرَاد بِمَا بلغنَا خَبره وَقيل الْمُعْتَبر سنّ الاياس غَالِبا لَا أقصاه وعَلى الْوَجْهَيْنِ هَل الْمُعْتَبر نسَاء زمانها أم نسَاء أَي زمن كَانَ الَّذِي فِي الْإِبَانَة والتتمة وَتَعْلِيق القَاضِي حُسَيْن الأول وَغَيرهم لم يتَعَرَّضُوا إِلَى ذَلِك وَقيل يعْتَبر اياس نسَاء بَلَدهَا لِأَن للأهوية تَأْثِيرا فَلَو اخْتلفت عادتهن اعْتبرنَا أقصاهن وَالله أعلم
(فرع) ولدت امْرَأَة وَلم تَرَ حيضا قطّ وَلَا نفاساً فَهَل تَعْتَد بالاشهر أم هِيَ كمن انْقَطع حَيْضهَا بِلَا سَبَب وَجْهَان الصَّحِيح الِاعْتِدَاد بِالْأَشْهرِ لدخولها فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قَالَ الْأَذْرَعِيّ قَالَ الرَّافِعِيّ فِي آخر الْعدَد عَن فَتَاوَى الْبَغَوِيّ إِن الَّتِي لم تَحض قطّ إِذا ولدت ونفست تَعْتَد بِثَلَاثَة أشهر وَلَا يَجْعَلهَا النّفاس من ذَوَات الْأَقْرَاء فَجزم الْبَغَوِيّ بِهَذَا وَلم يذكر الرَّافِعِيّ هُنَاكَ خِلَافه وَالله أعلم قَالَ
(والمطلقة قبل الدُّخُول لَا عدَّة عَلَيْهَا)
الْمُطلقَة قبل الدُّخُول بهَا إِن لم تحصل خلْوَة فَلَا عدَّة عَلَيْهَا بِلَا خلاف بل بالِاتِّفَاقِ وَإِن طَلقهَا بعد الْخلْوَة بهَا سَوَاء بَاشَرَهَا فِيمَا دون الْفرج أم لَا فَفِيهِ قَولَانِ الْأَظْهر أَنه لَا عدَّة عَلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وَلِأَن الْبَرَاءَة متحققة وَقيل تجب الْعدة لقَوْل عمر وَعلي ﵄ إِذا أغلق بَابا وأرخى سترا فلهَا الصَدَاق كَامِلا وَعَلَيْهَا الْعدة
وَاعْلَم أَن زَوْجَة الْمَجْبُوب الذّكر الْبَاقِي الانثيين لَا عدَّة عَلَيْهَا إِن كَانَت حَائِلا لِاسْتِحَالَة الْإِيلَاج وَإِن كَانَت حَامِلا لحقه الْوَلَد عَلَيْهَا الْعدة وَزوج الْمَمْسُوح لَا عدَّة عَلَيْهَا بِنَاء على الْأَصَح أَن الْوَلَد لَا يلْحقهُ وَالله أعلم قَالَ
(وعدة الْأمة كعدة الْحرَّة فِي الْحمل وبالاقراء تَعْتَد بقرءين وبالشهور عَن الْوَفَاة بشهرين وَخمْس لَيَال وَعَن الطَّلَاق بِشَهْر وَنصف)
الْأمة الْمُطلقَة إِن كَانَت حَامِلا فعدتها بِوَضْع الْحمل لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَلِأَن الْحمل لَا يَتَبَعَّض فَأشبه قطع السّرقَة وَإِن كَانَت من ذَوَات
стр. 417
الْأَقْرَاء اعْتدت بقرءين لقَوْله ﷺ يُطلق العَبْد طَلْقَتَيْنِ وَتعْتَد الْأمة حيضتين وَهُوَ مُخَصص لعُمُوم الْآيَة وَلِأَنَّهَا على النّصْف فِي الْقسم وَالْحَد إِلَّا أَنه لَا يُمكن تنصيف الْقُرْء فكمل الثَّانِي كَمَا كمل طَلَاق العَبْد بثنتين وَلِأَن اسْتِبْرَاء الزَّوْجَة الْحرَّة بِثَلَاثَة أَقراء لكمالها بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعقد واستبراء الْأمة الْمَوْطُوءَة بِالْملكِ بِحَيْضَة لنقصانها برقها فَكَانَ اسْتِبْرَاء الْأمة الْمَنْكُوحَة بَينهمَا لوُجُود العقد دون الْحُرِّيَّة وَإِن كَانَت من ذَوَات الْأَشْهر فَفِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا ثَلَاثَة أشهر لعُمُوم الْآيَة وَلِأَنَّهُ أقل زمن تظهر فِيهِ أَمَارَات الْحمل من التحرك وَكبر الْبَطن فَإِذا لم يظْهر ذَلِك علمت الْبَرَاءَة
وَالثَّانِي شَهْرَان بَدَلا عَن الْقُرْأَيْنِ كَمَا كَانَت الْأَشْهر الثَّلَاثَة للْحرَّة بَدَلا عَن الْأَقْرَاء
وَالثَّالِث شهر وَنصف لتجري على الصِّحَّة فِي التنصيف كعدة الْوَفَاة وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَبِه جزم الشَّيْخ وَاعْلَم أَن أم الْوَلَد وَالْمُكَاتبَة والمبعضة كالقنة فِيمَا ذكرنَا وَالله أعلم
(فرع) إِذا طلقت الزَّوْجَة الْأمة وعتقت فِي أثْنَاء الْعدة فَهَل تَعْتَد عدَّة الْإِمَاء أم الْحَرَائِر فِيهِ أَقْوَال
أَحدهَا تتمم عدَّة الْإِمَاء إعتباراً بِحَال وجوب الْعدة
وَالثَّانِي تتمم عدَّة الْحَرَائِر احْتِيَاطًا للعدة ٢
وَالثَّالِث إِن كَانَت رَجْعِيَّة تممت عدَّة الْحَرَائِر لِأَنَّهَا كَالزَّوْجَةِ وَلِهَذَا لَو مَاتَ عَنْهَا انْتَقَلت إِلَى عدَّة الْوَفَاة وَإِن كَانَت بَائِنا أتمت عدَّة أمة لِأَنَّهَا كالأجنبية وَالله أعلم قَالَ
بَاب الِاسْتِبْرَاء فصل فِي الإستبراء وَمن استحدث ملك أمة حرم عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاع بهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا إِن كَانَت من ذَوَات الْحيض بِحَيْضَة وَإِن كَانَت من ذَوَات الشُّهُور بِشَهْر وَإِن كَانَت من ذَوَات الْحمل بِوَضْع ٤ الْحمل
هَذَا فصل الِاسْتِبْرَاء وَهُوَ عبارَة عَن التَّرَبُّص بِوَاجِب بِسَبَب ملك الْيَمين حدوثاً وزوالاً وَسمي بذلك لِأَنَّهُ مُقَدّر بِأَقَلّ مَا يدل على الْبَرَاءَة من غير عدَّة وَسميت الْعدة عدَّة لتَعَدد مَا يدل على الْبَرَاءَة
стр. 418
إِذا عرفت هَذَا فَالْأَصْل فِي هَذَا قَوْله ﷺ فِي سَبَايَا أَوْطَاس لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا غير ذَات حمل حَتَّى تحيض حَيْضَة
ثمَّ لوُجُوب الِاسْتِبْرَاء سببان
أَحدهمَا حُدُوث الْملك فِي الْأمة كَمَا ذكره الشَّيْخ بقوله وَمن استحدث ملك أمة فَمن ملك جَارِيَة وَجب عَلَيْهِ استبراؤها سَوَاء ملكهَا بارث أَو شِرَاء أَو هبة أَو وَصِيَّة أَو سبي أَو عَاد ملكه فِيهَا بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَو التخالف أَو الْإِقَالَة أَو الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَإِذا عَادَتْ إِلَيْهِ بِفَسْخ كِتَابَة أَو ارْتَدَّت ثمَّ أسلمت فَإِنَّهُ يلْزمه الِاسْتِبْرَاء على الْأَصَح لزوَال ملك الِاسْتِمْتَاع وَلَو زوج أمته ثمَّ طلقت قبل الدُّخُول فَهَل يجب على السَّيِّد استبراؤها قَولَانِ وَلَو بَاعهَا بِشَرْط الْخِيَار فَعَادَت إِلَيْهِ بِفَسْخ فِي مُدَّة الْخِيَار فَفِي وجوب الِاسْتِبْرَاء خلاف الْمَذْهَب أَنه يجب إِن قُلْنَا يَزُول ملك البَائِع بِنَفس العقد وَإِلَّا فَلَا ثمَّ لَا فرق فِي الْأمة بَين أَن تكون صَغِيرَة أَو كَبِيرَة حَائِلا كَانَت أَو حَامِلا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَسَوَاء ملكهَا من رجل أَو امْرَأَة أَو طِفْل وَسَوَاء كَانَت مستبرأة من قبل أم لَا وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب لعُمُوم الْخَبَر مَعَ الْعلم بأنهن كَانَ فِيهِنَّ أبكار وعجائز وَالله أعلم
(فرع) اشْترى زَوجته الْأمة فَهَل يجب عَلَيْهِ أَن يَسْتَبْرِئهَا وَجْهَان الصَّحِيح الْمَنْصُوص لَا ويدوم حلهَا لَكِن يسْتَحبّ ليتميز ولد النِّكَاح عَن ولد ملك الْيَمين وَقيل يجب لتجدد الْملك وَالله أعلم
ثمَّ إِن كَانَت الْأمة الَّتِي حدث ملكهَا من ذَوَات الْحيض استبرأها بِحَيْضَة على الْجَدِيد الْأَظْهر للْحَدِيث وَقيل بطهر كالعدة وَإِن كَانَت مِمَّن لَا تحيض لصِغَر أَو اياس فبماذا تَعْتَد فِيهِ خلاف قيل بِثَلَاثَة أشهر لِأَنَّهُ أقل مُدَّة تدل على الْبَرَاءَة وَهَذَا مَا صَححهُ فِي التَّنْبِيه وَقيل بِشَهْر لِأَنَّهُ كقرء فِي الْحرَّة فَكَذَا فِي الْأمة وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا
(فرع) وَطئهَا من يجب عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاء قبل الِاسْتِبْرَاء عصى وَلَا يَنْقَطِع الِاسْتِبْرَاء لِأَن قيام الْملك لَا يمْنَع الاحتساب فَكَذَا المعاشرة بِخِلَاف الْمُعْتَدَّة وَلَو أحبلها بِالْوَطْءِ فِي الْحيض فَانْقَطع الدَّم حلت لتَمام الْحيض وَإِن كَانَت طَاهِرَة عِنْد الْوَطْء لم ينْقض الِاسْتِبْرَاء حَتَّى تضع وَالله أعلم وَإِن كَانَت حَامِلا استبرأها بِوَضْع الْحمل لعُمُوم الْخَبَر وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ أَنه لَا فرق بَين أَن يكون الْحمل من نِكَاح أَو شُبْهَة أَو زنا وَهُوَ مُوَافق لما حَكَاهُ الْمُتَوَلِي وَقَالَ الرَّافِعِيّ الْأَصَح وَعبارَة الرَّوْضَة التَّفْصِيل إِن ملكت بسبي كفى الْوَضع وَإِن ملكت بشرَاء وَحملهَا من زوج وَهِي فِي نِكَاحه أَو عدته أَو من وَطْء شُبْهَة فِي عدته فَالْمَشْهُور أَنه لَا اسْتِبْرَاء فِي الْحَال وَفِي وُجُوبه بعد الْعدة وَجْهَان
стр. 419
وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يحصل الِاسْتِبْرَاء بِالْوَضْعِ مُطلقًا وَأما حمل الزِّنَا فَفِي الِاكْتِفَاء بِوَضْعِهِ حَيْثُ يَكْتَفِي بثبات النّسَب وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَإِن لم يكتف بِهِ وَرَأَتْ دَمًا وَهِي حَامِل وَقُلْنَا إِنَّه حيض كفى فِي الْأَصَح وَلَو ارتابت بِالْحملِ فِي مُدَّة الِاسْتِبْرَاء أَو بعده فَكَمَا فِي الْعدة وَاعْلَم أَن المرتابة الْحمل إِن كَانَ ارتيابها بعد انْقِضَاء عدتهَا سَوَاء كَانَت بالاقراء أَو الْأَشْهر يكره نِكَاحهَا والارتياب يحصل بارتفاع الْبَطن أَو حركته مَعَ ظُهُور الدَّم وَلَكِن شككنا هَل ثمَّ حمل أم لَا وَهل يَصح النِّكَاح قَولَانِ
أَحدهمَا يَصح لأَنا حكمنَا بِانْقِضَاء الْعدة فَلَا تنقضه بِالشَّكِّ كَمَا لَو حصلت الرِّيبَة بعد النِّكَاح وَهَذَا هُوَ الْأَصَح فعلى هَذَا لَو ولدت لدوّنَ سِتَّة أشهر من العقد تَبينا الْبطلَان وَقيل لَا يَصح العقد لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أعدتها بِالْحملِ فَلم تنقض أم بِغَيْرِهِ فَلَا تنْكح مَعَ الشَّك كَمَا لَو ارتاب بذلك فِي أثْنَاء الْعدة وَالله أعلم
(فرع) مَذْكُور فِي الْعدَد لَو نكح شخص امْرَأَة حَامِلا من الزِّنَا صَحَّ نِكَاحه بِلَا خلاف وَهل لَهُ وَطْؤُهَا قبل الْوَضع وَجْهَان الْأَصَح نعم إِذْ لَا حُرْمَة لَهُ وَمنعه ابْن الْحداد وَالله أعلم قَالَ
(وَإِذا مَاتَ سيد أم الْوَلَد استبرأت نَفسهَا بِشَهْر كالأمة)
هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّانِي مِمَّا يُوجب الِاسْتِبْرَاء وَهُوَ زَوَال الْفراش عَن مَوْطُوءَة بِملك يَمِين فَإِذا مَاتَ سيد عَن أم وَلَده وَلَيْسَت فِي زوجية وَلَا عدَّة نِكَاح لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاء لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهَا الْفراش فَأَشْبَهت الْحرَّة وَيكون استبراؤها بِشَهْر إِن كَانَت من ذَوَات الْأَشْهر وَإِلَّا فبحيضة إِن كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء كالمتملكة وَلَو أعْتقهَا فَالْأَمْر كَذَلِك وَكَذَا لَو أعتق أمته الَّتِي وَطئهَا لزوَال الْفراش وَلَو اسْتَبْرَأَ الْأمة الْمَوْطُوءَة ثمَّ أعْتقهَا قَالَ الْأَصْحَاب لَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهَا وَلها أَن تتَزَوَّج فِي الْحَال وَلم يطردوا فِيهِ الْخلاف فِي الْمُسْتَوْلدَة لِأَن الْمُسْتَوْلدَة يشبه فراشها فرَاش النِّكَاح وَالأَصَح فِي الْمُسْتَوْلدَة أَنه إِن استبرأها ثمَّ أعْتقهَا أَنه يجب استبراؤها وَلَو لم تكن الْأمة مَوْطُوءَة لم يكن فراشا وَلَا يجب الِاسْتِبْرَاء بإعتاقها وَلَو أعتق مُسْتَوْلدَة وَأَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا قبل تَمام الِاسْتِبْرَاء جَازَ على الْأَصَح كَمَا يتَزَوَّج الْمُعْتَدَّة مِنْهُ بِنِكَاح أَو وَطْء شُبْهَة وَالله أعلم
(فرع) لَا يجوز تَزْوِيج الْأمة الْمَوْطُوءَة قبل الِاسْتِبْرَاء بِخِلَاف بيعهَا لِأَن مَقْصُود النِّكَاح الْوَطْء فَيَنْبَغِي أَن يستعقب الْحل وَإِن استبرأها ثمَّ أعْتقهَا فَهَل يجوز تَزْوِيجهَا فِي الْحَال أم يحْتَاج إِلَى اسْتِبْرَاء جَدِيد زجهان يَعْنِي أم الْوَلَد أصَحهمَا يجب الِاسْتِبْرَاء وَكَلَام الرَّوْضَة هَذَا يُوهم أَن الْوَجْهَيْنِ فِي الْأمة لَا فِي أم الْوَلَد فاعرفه وَلَو اشْترى أمة وَأَرَادَ تَزْوِيجهَا قبل الِاسْتِبْرَاء فَإِن كَانَ البَائِع قد وَطئهَا لم يجز إِلَّا أَن يُزَوّجهَا بِهِ وَإِن لم يكن وَطئهَا البَائِع أَو كَانَ قد وَطئهَا واستبرأها قبل البيع أَو كَانَ الِانْتِقَال من امْرَأَة وَصبي جَازَ تَزْوِيجهَا فِي الْحَال على الْأَصَح كَمَا يجوز للْبَائِع تَزْوِيجهَا بعد الِاسْتِبْرَاء وَقيل لَا يجوز لَهُ كَمَا لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا والقائلون بالأصح يلْزمهُم الْفرق
стр. 420
وَهَذَا الْوَجْه قوي وَنسبه الْقفال إِلَى أَكثر الْأَصْحَاب قَالَ الرَّافِعِيّ ونوقش فِي مثل هَذِه النِّسْبَة وَالله أعلم قَالَ
(فصل فِي الْمُعْتَدَّة الرَّجْعِيَّة السُّكْنَى وَالنَّفقَة وللبائن السُّكْنَى دون النَّفَقَة إِلَّا أَن تكون حَامِلا)
المعتدات أَنْوَاع مِنْهَا الرَّجْعِيَّة فلهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى بِالْإِجْمَاع ورد فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس حِين طَلقهَا ثَلَاثًا أَنه ﷺ لم يَجْعَل لَهَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة وَقَالَ إِنَّمَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى لمن تملك الرّجْعَة وَفِي رِوَايَة وَلَا نَفَقَة لَك إِلَّا أَن تَكُونِي حَامِلا وَفِي رِوَايَة لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنى وَكَانَت بَائِنا حَائِلا وَلِأَن الرَّجْعِيَّة زَوْجَة وَالْمَانِع من جِهَة الزَّوْج لِأَنَّهُ يقدر على إِزَالَته وكما تجب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى تجب لَهَا بَقِيَّة مُؤَن الزَّوْجَات إِلَّا آلَات التَّنْظِيف وَالله أعلم
وَمِنْهَا الْبَائِن والبينونة إِن كَانَت بخلع أَو اسْتِيفَاء الطلقات الثَّلَاث فلهَا السُّكْنَى حَامِلا كَانَت أَو حَائِلا لقَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِين بِفَاحِشَة﴾ وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة عَن وَفَاة فَفِي اسْتِحْقَاقهَا السُّكْنَى قَولَانِ
أَحدهمَا لَا يجب كَمَا لَا تجب النَّفَقَة وَالْأَظْهَر الْوُجُوب لِأَن فريعة بنت مَالك أَخ أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قتل زَوجهَا فَسَأَلت النَّبِي ﷺ أَن ترجع إِلَى أَهلهَا فَإِنَّهُ لم يَتْرُكهَا فِي مسكن يملكهُ فَأذن لَهَا فِي الرُّجُوع قَالَت فَانْصَرَفت حَتَّى إِذا كنت فِي الْحُجْرَة أَو فِي الْمَسْجِد دَعَاني فَقَالَ امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب أجل قَالَت فاعتددت أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة عَن
стр. 421
نِكَاح بفرقة غير طَلَاق فِي الْحَيَاة كفسخ بِعَيْب ورضاع أَو غَيرهمَا فَفِي وجوب السُّكْنَى بِمثل تِلْكَ طرق عديدة وَاخْتلف تَرْجِيح الرَّافِعِيّ فِي ذَلِك فصحح فِي الْمُحَرر الِاسْتِحْقَاق فِي جَمِيع الصُّور فَقَالَ الْأَظْهر أَن الْمُعْتَدَّة عَن سَائِر الْفِرَاق فِي الْحَيَاة كالمطلقة وَذكر الْوُجُوب فِي الْمُطلقَة وَقَالَ فِي بَاب الْخِيَار لَا تسْتَحقّ إِن كَانَت حَائِلا على الْمَشْهُور وَكَذَا إِن كَانَت حَامِلا على أصح الْقَوْلَيْنِ وَذكر فِي أصل الرَّوْضَة هُنَا خَمْسَة طرق وَقَالَ الرَّابِع يَعْنِي الطَّرِيق الرَّابِع ذكر الْبَغَوِيّ إِن كَانَت الْفرْقَة بِعَيْب أَو غرر فَلَا سُكْنى وَإِن كَانَت برضاع أَو مصاهرة فلهَا السُّكْنَى على الْأَصَح لِأَن السَّبَب لم يكن مَوْجُودا يَوْم العقد وَلَا اسْتندَ إِلَيْهِ والملاعنة تسْتَحقّ قطعا كالمطلقة ثَلَاثًا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب وجوب السُّكْنَى إِذا وَقع فسخ سَوَاء كَانَ بردة أَو إِسْلَام أَو رضَاع أَو عيب وَنَحْوه وَالله أعلم
(فرع) طَلقهَا وَهِي نَاشِزَة فَلَا سُكْنى لَهَا فِي الْعدة لِأَنَّهَا لَا تسْتَحقّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فِي صلب النِّكَاح فَبعد الْبَيْنُونَة أولى كَذَا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَقَالَ الإِمَام إِن طلقت فِي مسكن النِّكَاح فعلَيْهَا ملازمته لحق الشَّرْع فَإِن أطاعت اسْتحقَّت السُّكْنَى وَالله أعلم وَقَوله إِلَّا أَن تكون حَامِلا يَعْنِي الْبَائِن بخلع أَو طَلَاق ثَلَاث فلهَا النَّفَقَة إِذا كَانَت حَامِلا وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَن النَّفَقَة لَهَا وَهُوَ الصَّحِيح وَقيل إِنَّه للْحَمْل فعلى الصَّحِيح لَا تجب لحامل عَن وَطْء الشُّبْهَة وَلَا فِي النِّكَاح الْفَاسِد وَكَذَا أَيْضا لَا تجب النَّفَقَة لمعتدة عَن وَفَاة وَإِن كَانَت حَامِلا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة تبعا لِابْنِ عَبَّاس ﵄ وَقَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر ﵃ وَينْفق عَلَيْهَا من التَّرِكَة حَتَّى تضع وَبِه قَالَ شُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَحَمَّاد وَابْن أبي ليلى وسُفْيَان وَالله أعلم قَالَ
(وعَلى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا الْإِحْدَاد وَهُوَ الِامْتِنَاع من الزِّينَة وَالطّيب)
يجب الاحداد فِي عدَّة الْوَفَاة وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع لِأَنَّهَا تمنع الزِّينَة وَنَحْوهَا وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﷺ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث لَيَال إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَفِي رِوَايَة لَا تحد امْرَأَة على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَلَا تلبس ثوبا مصبوغاً إِلَّا ثوب عصب وَلَا تكتحل وَلَا تمس طيبا إِلَّا إِذا طهرت فنبذة من قسط أَو ظفار وَلَا فرق فِي وجوب الْإِحْدَاد بَين الْمسلمَة والذمية وَلَو كَانَ زَوجهَا ذِمِّيا وَلَا بَين الْحرَّة وَالْأمة وَلَا بَين المكلفة وَغَيرهَا وَالْوَلِيّ يمْنَع الصَّغِيرَة والمجنونة مِمَّا تمْتَنع مِنْهُ
стр. 422
المكلفة وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الْمُعْتَدَّة عَن غير الْوَفَاة أَنه لَا يجب وَهُوَ كَذَلِك أما الرَّجْعِيَّة فَلِأَنَّهَا زَوْجَة فِي الْأَحْكَام نعم نَص الشَّافِعِي أَنه يسْتَحبّ وَذهب بعض الْأَصْحَاب إِلَى أَن الأولى أَن تتزين بِمَا يدعوا إِلَى رَجعتهَا وَأما الْمُطلقَة بخلع أَو اسْتِيفَاء الْعدَد فَفِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا أَنه لَا يجب الْإِحْدَاد أَيْضا لِأَنَّهَا مُعْتَدَّة عَن طَلَاق فَأَشْبَهت الرَّجْعِيَّة وَأَيْضًا فِي مجفوة بالطلاف فَلَا تكلّف التفجع بِخِلَاف الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَالْقَدِيم أَنه يجب الْإِحْدَاد لِأَنَّهَا بَائِن مُعْتَدَّة فَأَشْبَهت الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا
وَأما المفسوخ نِكَاحهَا بِعَيْب وَنَحْوه فَفِيهَا طَرِيقَانِ
أَحدهمَا على القَوْل فِي الْبَائِن بِالطَّلَاق وَقيل لَا يجب قطعا لِأَن الْفَسْخ إِمَّا لِمَعْنى فِيهَا أَو بمباشرتها فَلَا يَلِيق بهَا إِظْهَار التفجع هَذَا فِي الْإِحْدَاد وَأما كيفيته فَهُوَ ترك الزِّينَة بالثياب والحلي وَالطّيب أما الثِّيَاب فَلَا يحرم جنس الْقطن وَالصُّوف والوبر وَالشعر بل يجوز لبس المنسوج مِنْهَا على ألوانها الخلقية وَكَذَا الْكَتَّان والقصب والديبقي من أصل وَإِن كَانَت نفيسة ناعمة لِأَن نفاستها وحسنها من أصل الْخلقَة لَا من زِينَة دخلت عَلَيْهَا وَأما الابريسم فَلم ينْقل فِيهِ نَص عَن الشَّافِعِي وَهُوَ عِنْد مُعظم الْأَصْحَاب كالكتان وَغَيره إِذا لم يحدث فِيهِ زِينَة وَقَالَ الْقفال يحرم الإبريسم قلت إِطْلَاق جَوَاز لبس الصُّوف بأنواعه وَكَذَا الديبقي وَنَحْوه صَحِيح عَن أهل الثروة من المدن وَغَيرهم أما غير أهل الثوره لاسيما المستثعثين من أهل الْبَوَادِي فَيتَّجه الْجَزْم بِتَحْرِيم ذَلِك عَلَيْهِم وَأي نِسْبَة بَين ثوب كرباس مصبوغ إِلَى صوف مربع وَقد قَالَ فِي الْبَحْر إِن الحلى من الصفر وَنَحْوه إِن كَانَ فِي قوم يتزينون بِهِ حرم وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي أَن يُرَاعى عَادَة اللابس وَمحله مَا يحصل بِهِ الزِّينَة عِنْدهم دون مَا لَا يحصل وَالله أعلم
وَأما مَا لَا يحرم فِي جنسه لَو صبغ ينظر فِي صبغه إِن كَانَ مِمَّا يقْصد بِهِ الزِّينَة غَالِبا كالأحمر والأصفر فَلَيْسَ لَهَا لبسه وَلَا فرق بَين أَن يكون لينًا أَو خشناً فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْأُم وَيدخل فِي هَذَا الديباج المنقش وَالْحَرِير الملون فيحرمان والمصبوغ غزله قبل النسج كالبرود وَهُوَ حرَام على الْأَصَح كالمصبوغ بعد النسج وَإِن كَانَ الصَّبْغ مِمَّا لَا يقْصد مِنْهُ الزِّينَة بل يصْبغ للمصيبة وَاحْتِمَال الْوَسخ كالأسود والكحلي فلهَا لبسه وَهُوَ أبلغ فِي الْحداد بل حكى الْمَاوَرْدِيّ وَجها أَنه يلْزمهَا لبس السوَاد فِي الْحداد وَإِن كَانَ الْمَصْبُوغ متردداً بَين الزِّينَة وَغَيرهَا كالأزرق فَإِن كَانَ براقاً فِي اللَّوْن فَحَرَام وَإِن كَانَ كدراً أَو أكهب وَهُوَ الَّذِي يضْرب إِلَى الغبرة جَازَ وَأما الطّراز على الثَّوْب جَازَ وَأما الطّراز على الثَّوْب فَإِن كَانَ كثيرا فَحَرَام وَإِلَّا فأوجه
ثَالِثهَا إِن نسج مَعَ الثَّوْب جَازَ وَإِن ركب حرم لِأَنَّهُ مَحْض زِينَة وَالله أعلم
وَأما الْحلِيّ فَيحرم عَلَيْهَا لبسه سَوَاء فِيهِ السوار والخلخال والخاتم وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَبِهَذَا
стр. 423
قطع الْجُمْهُور وَقَالَ الإِمَام يجوز لَهَا أَن تتختم بِخَاتم الْفضة كَالرّجلِ وَفِي اللالي تردد الإِمَام وبالتحريم قطع الْغَزالِيّ وَهُوَ الاصح وَالله أعلم
وَأما الطّيب فَيحرم عَلَيْهَا فِي بدنهَا وثيابها وَيحرم عَلَيْهَا دهن رَأسهَا وَيجوز لَهَا دهن الْبدن بِمَا لَا طيب فِيهِ كالدهن والشيرج وَلَا يجوز بِمَا فِيهِ طيب كدهن البان والبنفسج وَيحرم عَلَيْهَا أكل طَعَام فِيهِ طيب وَأَن تكتحل بِمَا فِيهِ طيب وَأما لَا طيب فِيهِ فَإِن كَانَ أسود وَهُوَ الإثمد فَحَرَام لِأَنَّهُ زِينَة وَلَا فرق بَين الْبَيْضَاء والسوداء وَفِي وَجه يجوز للسوداء وَالصَّحِيح الأول لإِطْلَاق الْأَحَادِيث فَإِذا احْتَاجَت إِلَى الاكتحال بِهِ لرمد وَغَيره اكتحلت بِهِ لَيْلًا ومسحته نَهَارا فَإِن دعت ضَرُورَة إِلَى الِاسْتِعْمَال نَهَارا جَازَ وَيجوز اسْتِعْمَاله فِي غير الْعين إِلَّا الْحَاجِب فَإِن زِينَة وَأما الْكحل الْأَصْفَر وَهُوَ الصَّبْر فَحَرَام على السَّوْدَاء وَكَذَا على الْبَيْضَاء على الْأَصَح لِأَنَّهُ يحسن الْعين وَيحرم الاسفيداج وَكَذَا الخضب بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوه فِيمَا يظْهر من الْبدن كاليدين وَالرّجلَيْنِ وَالْوَجْه
قَالَ الإِمَام وتجعيد الأصداغ وتصفي الطرة لَا نقل فِيهِ وَلَا يمْتَنع أَن يكون كالحلي وَيجوز للمحدة التزين فِي الْفراش والبسط وأثاث الْبَيْت لِأَن الْحداد فِي الْبدن لَا فِي الْفراش وَيجوز لَهَا التَّنْظِيف بِغسْل الرَّأْس والامتشاط وَدخُول الْحمام وقلم الْأَظْفَار وَإِزَالَة الأوساخ لِأَنَّهَا لَيست من الزِّينَة وَالله أعلم
(فرع) يجوز الْإِحْدَاد على غير الزَّوْج ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا دونهَا للْحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم وَقد صرح بذلك الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالله أعلم قَالَ
(وعَلى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا والمبتوتة مُلَازمَة الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة)
يجب على الْمُعْتَدَّة مُلَازمَة مسكن الْعدة فَلَا يجوز لَهَا أَن تخرج مِنْهُ وَلَا إخْرَاجهَا إِلَّا لعذر نَص عَلَيْهِ الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ فَلَو اتّفق الزَّوْجَانِ على أَن تنْتَقل إِلَى منزل آخر بِلَا عذر لم يجز وَكَانَ للْحَاكِم الْمَنْع من ذَلِك لِأَن الْعدة حق الله تَعَالَى وَقد وَجَبت فِي ذَلِك الْمنزل فَكَمَا لَا يجوز إبِْطَال أصل الْعدة كَذَلِك لَا يجوز إبِْطَال صفاتها وَقَوله إِلَّا لحَاجَة يَعْنِي يجوز الْخُرُوج وَالْحَاجة أَنْوَاع مِنْهَا إِذا خَافت على نَفسهَا أَو مَالهَا من هدم أَو حريق أَو غرق سَوَاء فِي ذَلِك عدَّة الْوَفَاة وَالطَّلَاق وَكَذَا لَو لم تكن الدَّار حَصِينَة وخافت اللُّصُوص أَو كَانَت بَين فسقة تخَاف على نَفسهَا أَو كَانَت تتأذى بالجيران والأحماء تأذياً شَدِيدا وَلَو كَانَت تبذو وتستطيل بلسانها عَلَيْهِم جَازَ إخْرَاجهَا وتتحرى الْقرب من مسكن الْعدة وَمِنْهَا إِذا احْتَاجَت إِلَى شِرَاء طَعَام أَو قطن أَو بيع غزل وَنَحْوه فَينْظر إِن كَانَت رَجْعِيَّة فَهِيَ زَوْجَة فَعَلَيهِ الْقيام بكفايتها بِلَا خلْوَة وَلَا تخرج إِلَّا بِإِذن قَالَ الْمُتَوَلِي إِلَّا إِذا كَانَت حَامِلا وَقُلْنَا تسْتَحقّ النَّفَقَة
стр. 424
فَلَا يُبَاح لَهَا الْخُرُوج وَمِنْهَا إِذا كَانَ الْمسكن مستعاراً وَرجع الْمُعير أَو مُسْتَأْجرًا وَمَضَت الْمدَّة وطالبه الْمَالِك فَلَا بُد من الْخُرُوج وَمِنْهَا إِذا لَزِمَهَا حق فَإِن كَانَ يُمكن اسْتِيفَاؤهُ فِي الْبَيْت كَالدّين فعل فِيهِ وَإِن لم يكن واحتيج فِيهِ إِلَى الْحَاكِم فَإِن كَانَت بَرزَة خرجت ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْمسكن وَإِن كَانَت مخدرة بعث الْحَاكِم إِلَهًا نَائِبا أَو حضر بِنَفسِهِ وَلَا تعذر فِي الْخُرُوج لأغراض تعد من الزِّيَادَات دون الْأُمُور الْمُهِمَّات كالزيارة والعمارة واستنماء المَال بِالتِّجَارَة وتعجيل حجَّة الْإِسْلَام وزيارة بَيت الْمُقَدّس وقبور الصَّالِحين وَنَحْو ذَلِك فَهِيَ عاصية بذلك وَالله أعلم
(فرع) يحرم على الزَّوْج مساكنة الْمُعْتَدَّة فِي الدَّار الَّتِي تَعْتَد فِيهَا ومداخلتها لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخلْوَة وخلوته بهَا كخلوة الْأَجْنَبِيَّة وَكثير من الجهلة لَا يرَوْنَ ذَلِك حَرَامًا وَيَقُول هِيَ مطلقتي وَهُوَ يعرف الْحَال فَإِن اعْتقد حلّه بعد مَا عرف كفر فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه وَكَذَا حكم العكامين الَّذين يحجون مَعَ النِّسَاء لَا يحل لَهُم الْخلْوَة بِهن وَلَا يقْتَدى فِي ذَلِك بِمن يَفْعَله من المتفقهة فَإِن ذَلِك حرَام حرَام حرَام الْبَتَّةَ وَالله أعلم
(فرع) مَضَت مُدَّة من الْعدة أَو كلهَا وَلم تطلب حق السكن سقط وَلم يصر دينا فِي ذمَّته نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَنَصّ أَن نَفَقَة الزَّوْجَة لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان بل تصير دينا فِي ذمَّته فَقيل قَولَانِ وَالْمذهب تَقْرِير النصين وَالْفرق أَن النَّفَقَة تجب بالتمكين وَقد وجد وَالسُّكْنَى لصيانة مَا بِهِ على مُوجب نظره وَلم يتَحَقَّق وَحكم السُّكْنَى فِي صلب النِّكَاح كَمَا ذكرنَا فِي الْعدة وَالله أعلم قَالَ
بَاب الرَّضَاع فصل فِي الرَّضَاع إِذا أرضعت الْمَرْأَة بلبنها ولدا صَار الرَّضِيع وَلَدهَا بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون لَهُ دون الْحَوْلَيْنِ
وَالثَّانِي أَن ترْضِعه خمس رَضعَات متفرقات
الرَّضَاع بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَيُقَال رضع بِكَسْر الضَّاد يرضع بِفَتْحِهَا وَبِالْعَكْسِ
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب
стр. 425
ثمَّ الرضَاعَة الْمُحرمَة لَهَا أَرْكَان مِنْهَا الْمُرضعَة وَلها ثَلَاث شُرُوط
الأول كَونهَا امْرَأَة فلبن الْبَهِيمَة لَا يتَعَلَّق بِهِ تَحْرِيم فَلَو شربه صغيران لم يثبت بَينهمَا أخوة وَكَذَا لبن الرجل لَا يحرم على الصَّحِيح
الشَّرْط الثَّانِي كَونهَا حَيَّة فَلَو ارتضع صَغِير من ميتَة أَو حلب مِنْهَا لم يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم مَا لَا يثبت حكم الْمُصَاهَرَة بِوَطْء الْميتَة وَلَو حلب لبن حَيَّة ثمَّ أوجر الصَّبِي بعد مَوتهَا حرم على الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي
الشَّرْط الثَّالِث كَونهَا مُحْتَملَة للولادة فَلَو ظهر لصغيرة دون تسع سِنِين لبن لم يحرم وَإِن كَانَت بنت تسع سِنِين حرم وَإِن لم يحكم بِالْبُلُوغِ لِأَن احْتِمَال الْبلُوغ قَائِم وَالرّضَاع كالنسب فَيَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَال وَلَا فرق فِي الْمُرضعَة بَين كَونهَا مُزَوّجَة أم لَا وَلَا بَين كَونهَا بكرا أم لَا وَقيل لَا يحرم لبن الْبكر وَالصَّحِيح أَنه يحرم وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَمِنْهَا أَي من أَرْكَان الرَّضَاع اللَّبن وَلَا يشْتَرط لثُبُوت التَّحْرِيم بَقَاء اللَّبن على هَيْئَة حَالَة انْفِصَاله عَن الثدي فَلَو تغير بحموضة أَو انْعِقَاد أَو أغلاه أَو صَار جبنا أَو أقطا أَو زبداً أَو مخيضاً وَأطْعم الصَّبِي حرم لحُصُول اللَّبن إِلَى الْجوف وَحُصُول التغذية بِهِ وَلَو خلط بِغَيْرِهِ نظر إِن كَانَ اللَّبن غَالِبا تعلّقت الْحُرْمَة بالمخلوط وَيشْتَرط أَن يكون اللَّبن قدرا يسْقِي مِنْهُ الْوَلَد خمس رَضعَات على الْمَذْهَب وَمِنْهَا أَي من الْأَركان المخل وَهِي معدة الصَّبِي الْحَيّ وَمَا فِي معنى الْعدة فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود الأول الْمعدة فالوصول إِلَيْهَا يثبت التَّحْرِيم سَوَاء ارتضع الطِّفْل أَو حلب أَو أوجر أَو صب فِي أَنفه فوصل إِلَى جَوْفه ودماغه حرم على الْمَذْهَب بِخِلَاف مَا إِذا احتقن بِهِ أَو كَانَ فِي بَطْنه جِرَاحَة فصب فِيهَا فوصل إِلَى الْجوف لم يثبت التَّحْرِيم على الْأَظْهر وَلَو ارتضع وتقيأ فِي الْحَال ثَبت التَّحْرِيم على الصَّحِيح الْقَيْد الثَّانِي كَون الصَّغِير دون الْحَوْلَيْنِ فَإِن بلغ سنتَيْن فَلَا أثر لارتضاعه ويعتبران بِالْأَهِلَّةِ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا رضَاع إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَفِي رِوَايَة لَا يحرم من الرَّضَاع إِلَّا مَا فتق الأمعاء فِي الثدي وَكَانَ قبل الْفِطَام الْقَيْد الثَّالِث حَيَاة الرَّضِيع فَلَا أثر للوصول إِلَى معدة الصَّغِير الْمَيِّت ثمَّ شَرط الرضَاعَة الْمُحرمَة خمس رَضعَات هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل يثبت برضعة وَاحِدَة وَقيل بِثَلَاث وَبِه قَالَ ابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة وَحجَّة الصَّحِيح قَول عَائِشَة
следующие страницы →