Полный текст (576 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
نِكَاح بفرقة غير طَلَاق فِي الْحَيَاة كفسخ بِعَيْب ورضاع أَو غَيرهمَا فَفِي وجوب السُّكْنَى بِمثل تِلْكَ طرق عديدة وَاخْتلف تَرْجِيح الرَّافِعِيّ فِي ذَلِك فصحح فِي الْمُحَرر الِاسْتِحْقَاق فِي جَمِيع الصُّور فَقَالَ الْأَظْهر أَن الْمُعْتَدَّة عَن سَائِر الْفِرَاق فِي الْحَيَاة كالمطلقة وَذكر الْوُجُوب فِي الْمُطلقَة وَقَالَ فِي بَاب الْخِيَار لَا تسْتَحقّ إِن كَانَت حَائِلا على الْمَشْهُور وَكَذَا إِن كَانَت حَامِلا على أصح الْقَوْلَيْنِ وَذكر فِي أصل الرَّوْضَة هُنَا خَمْسَة طرق وَقَالَ الرَّابِع يَعْنِي الطَّرِيق الرَّابِع ذكر الْبَغَوِيّ إِن كَانَت الْفرْقَة بِعَيْب أَو غرر فَلَا سُكْنى وَإِن كَانَت برضاع أَو مصاهرة فلهَا السُّكْنَى على الْأَصَح لِأَن السَّبَب لم يكن مَوْجُودا يَوْم العقد وَلَا اسْتندَ إِلَيْهِ والملاعنة تسْتَحقّ قطعا كالمطلقة ثَلَاثًا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب وجوب السُّكْنَى إِذا وَقع فسخ سَوَاء كَانَ بردة أَو إِسْلَام أَو رضَاع أَو عيب وَنَحْوه وَالله أعلم
(فرع) طَلقهَا وَهِي نَاشِزَة فَلَا سُكْنى لَهَا فِي الْعدة لِأَنَّهَا لَا تسْتَحقّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فِي صلب النِّكَاح فَبعد الْبَيْنُونَة أولى كَذَا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَقَالَ الإِمَام إِن طلقت فِي مسكن النِّكَاح فعلَيْهَا ملازمته لحق الشَّرْع فَإِن أطاعت اسْتحقَّت السُّكْنَى وَالله أعلم وَقَوله إِلَّا أَن تكون حَامِلا يَعْنِي الْبَائِن بخلع أَو طَلَاق ثَلَاث فلهَا النَّفَقَة إِذا كَانَت حَامِلا وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَن النَّفَقَة لَهَا وَهُوَ الصَّحِيح وَقيل إِنَّه للْحَمْل فعلى الصَّحِيح لَا تجب لحامل عَن وَطْء الشُّبْهَة وَلَا فِي النِّكَاح الْفَاسِد وَكَذَا أَيْضا لَا تجب النَّفَقَة لمعتدة عَن وَفَاة وَإِن كَانَت حَامِلا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة تبعا لِابْنِ عَبَّاس ﵄ وَقَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر ﵃ وَينْفق عَلَيْهَا من التَّرِكَة حَتَّى تضع وَبِه قَالَ شُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَحَمَّاد وَابْن أبي ليلى وسُفْيَان وَالله أعلم قَالَ
(وعَلى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا الْإِحْدَاد وَهُوَ الِامْتِنَاع من الزِّينَة وَالطّيب)
يجب الاحداد فِي عدَّة الْوَفَاة وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع لِأَنَّهَا تمنع الزِّينَة وَنَحْوهَا وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﷺ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث لَيَال إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَفِي رِوَايَة لَا تحد امْرَأَة على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَلَا تلبس ثوبا مصبوغاً إِلَّا ثوب عصب وَلَا تكتحل وَلَا تمس طيبا إِلَّا إِذا طهرت فنبذة من قسط أَو ظفار وَلَا فرق فِي وجوب الْإِحْدَاد بَين الْمسلمَة والذمية وَلَو كَانَ زَوجهَا ذِمِّيا وَلَا بَين الْحرَّة وَالْأمة وَلَا بَين المكلفة وَغَيرهَا وَالْوَلِيّ يمْنَع الصَّغِيرَة والمجنونة مِمَّا تمْتَنع مِنْهُ
стр. 422
المكلفة وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الْمُعْتَدَّة عَن غير الْوَفَاة أَنه لَا يجب وَهُوَ كَذَلِك أما الرَّجْعِيَّة فَلِأَنَّهَا زَوْجَة فِي الْأَحْكَام نعم نَص الشَّافِعِي أَنه يسْتَحبّ وَذهب بعض الْأَصْحَاب إِلَى أَن الأولى أَن تتزين بِمَا يدعوا إِلَى رَجعتهَا وَأما الْمُطلقَة بخلع أَو اسْتِيفَاء الْعدَد فَفِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا أَنه لَا يجب الْإِحْدَاد أَيْضا لِأَنَّهَا مُعْتَدَّة عَن طَلَاق فَأَشْبَهت الرَّجْعِيَّة وَأَيْضًا فِي مجفوة بالطلاف فَلَا تكلّف التفجع بِخِلَاف الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَالْقَدِيم أَنه يجب الْإِحْدَاد لِأَنَّهَا بَائِن مُعْتَدَّة فَأَشْبَهت الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا
وَأما المفسوخ نِكَاحهَا بِعَيْب وَنَحْوه فَفِيهَا طَرِيقَانِ
أَحدهمَا على القَوْل فِي الْبَائِن بِالطَّلَاق وَقيل لَا يجب قطعا لِأَن الْفَسْخ إِمَّا لِمَعْنى فِيهَا أَو بمباشرتها فَلَا يَلِيق بهَا إِظْهَار التفجع هَذَا فِي الْإِحْدَاد وَأما كيفيته فَهُوَ ترك الزِّينَة بالثياب والحلي وَالطّيب أما الثِّيَاب فَلَا يحرم جنس الْقطن وَالصُّوف والوبر وَالشعر بل يجوز لبس المنسوج مِنْهَا على ألوانها الخلقية وَكَذَا الْكَتَّان والقصب والديبقي من أصل وَإِن كَانَت نفيسة ناعمة لِأَن نفاستها وحسنها من أصل الْخلقَة لَا من زِينَة دخلت عَلَيْهَا وَأما الابريسم فَلم ينْقل فِيهِ نَص عَن الشَّافِعِي وَهُوَ عِنْد مُعظم الْأَصْحَاب كالكتان وَغَيره إِذا لم يحدث فِيهِ زِينَة وَقَالَ الْقفال يحرم الإبريسم قلت إِطْلَاق جَوَاز لبس الصُّوف بأنواعه وَكَذَا الديبقي وَنَحْوه صَحِيح عَن أهل الثروة من المدن وَغَيرهم أما غير أهل الثوره لاسيما المستثعثين من أهل الْبَوَادِي فَيتَّجه الْجَزْم بِتَحْرِيم ذَلِك عَلَيْهِم وَأي نِسْبَة بَين ثوب كرباس مصبوغ إِلَى صوف مربع وَقد قَالَ فِي الْبَحْر إِن الحلى من الصفر وَنَحْوه إِن كَانَ فِي قوم يتزينون بِهِ حرم وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي أَن يُرَاعى عَادَة اللابس وَمحله مَا يحصل بِهِ الزِّينَة عِنْدهم دون مَا لَا يحصل وَالله أعلم
وَأما مَا لَا يحرم فِي جنسه لَو صبغ ينظر فِي صبغه إِن كَانَ مِمَّا يقْصد بِهِ الزِّينَة غَالِبا كالأحمر والأصفر فَلَيْسَ لَهَا لبسه وَلَا فرق بَين أَن يكون لينًا أَو خشناً فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْأُم وَيدخل فِي هَذَا الديباج المنقش وَالْحَرِير الملون فيحرمان والمصبوغ غزله قبل النسج كالبرود وَهُوَ حرَام على الْأَصَح كالمصبوغ بعد النسج وَإِن كَانَ الصَّبْغ مِمَّا لَا يقْصد مِنْهُ الزِّينَة بل يصْبغ للمصيبة وَاحْتِمَال الْوَسخ كالأسود والكحلي فلهَا لبسه وَهُوَ أبلغ فِي الْحداد بل حكى الْمَاوَرْدِيّ وَجها أَنه يلْزمهَا لبس السوَاد فِي الْحداد وَإِن كَانَ الْمَصْبُوغ متردداً بَين الزِّينَة وَغَيرهَا كالأزرق فَإِن كَانَ براقاً فِي اللَّوْن فَحَرَام وَإِن كَانَ كدراً أَو أكهب وَهُوَ الَّذِي يضْرب إِلَى الغبرة جَازَ وَأما الطّراز على الثَّوْب جَازَ وَأما الطّراز على الثَّوْب فَإِن كَانَ كثيرا فَحَرَام وَإِلَّا فأوجه
ثَالِثهَا إِن نسج مَعَ الثَّوْب جَازَ وَإِن ركب حرم لِأَنَّهُ مَحْض زِينَة وَالله أعلم
وَأما الْحلِيّ فَيحرم عَلَيْهَا لبسه سَوَاء فِيهِ السوار والخلخال والخاتم وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَبِهَذَا
стр. 423
قطع الْجُمْهُور وَقَالَ الإِمَام يجوز لَهَا أَن تتختم بِخَاتم الْفضة كَالرّجلِ وَفِي اللالي تردد الإِمَام وبالتحريم قطع الْغَزالِيّ وَهُوَ الاصح وَالله أعلم
وَأما الطّيب فَيحرم عَلَيْهَا فِي بدنهَا وثيابها وَيحرم عَلَيْهَا دهن رَأسهَا وَيجوز لَهَا دهن الْبدن بِمَا لَا طيب فِيهِ كالدهن والشيرج وَلَا يجوز بِمَا فِيهِ طيب كدهن البان والبنفسج وَيحرم عَلَيْهَا أكل طَعَام فِيهِ طيب وَأَن تكتحل بِمَا فِيهِ طيب وَأما لَا طيب فِيهِ فَإِن كَانَ أسود وَهُوَ الإثمد فَحَرَام لِأَنَّهُ زِينَة وَلَا فرق بَين الْبَيْضَاء والسوداء وَفِي وَجه يجوز للسوداء وَالصَّحِيح الأول لإِطْلَاق الْأَحَادِيث فَإِذا احْتَاجَت إِلَى الاكتحال بِهِ لرمد وَغَيره اكتحلت بِهِ لَيْلًا ومسحته نَهَارا فَإِن دعت ضَرُورَة إِلَى الِاسْتِعْمَال نَهَارا جَازَ وَيجوز اسْتِعْمَاله فِي غير الْعين إِلَّا الْحَاجِب فَإِن زِينَة وَأما الْكحل الْأَصْفَر وَهُوَ الصَّبْر فَحَرَام على السَّوْدَاء وَكَذَا على الْبَيْضَاء على الْأَصَح لِأَنَّهُ يحسن الْعين وَيحرم الاسفيداج وَكَذَا الخضب بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوه فِيمَا يظْهر من الْبدن كاليدين وَالرّجلَيْنِ وَالْوَجْه
قَالَ الإِمَام وتجعيد الأصداغ وتصفي الطرة لَا نقل فِيهِ وَلَا يمْتَنع أَن يكون كالحلي وَيجوز للمحدة التزين فِي الْفراش والبسط وأثاث الْبَيْت لِأَن الْحداد فِي الْبدن لَا فِي الْفراش وَيجوز لَهَا التَّنْظِيف بِغسْل الرَّأْس والامتشاط وَدخُول الْحمام وقلم الْأَظْفَار وَإِزَالَة الأوساخ لِأَنَّهَا لَيست من الزِّينَة وَالله أعلم
(فرع) يجوز الْإِحْدَاد على غير الزَّوْج ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا دونهَا للْحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم وَقد صرح بذلك الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالله أعلم قَالَ
(وعَلى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا والمبتوتة مُلَازمَة الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة)
يجب على الْمُعْتَدَّة مُلَازمَة مسكن الْعدة فَلَا يجوز لَهَا أَن تخرج مِنْهُ وَلَا إخْرَاجهَا إِلَّا لعذر نَص عَلَيْهِ الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ فَلَو اتّفق الزَّوْجَانِ على أَن تنْتَقل إِلَى منزل آخر بِلَا عذر لم يجز وَكَانَ للْحَاكِم الْمَنْع من ذَلِك لِأَن الْعدة حق الله تَعَالَى وَقد وَجَبت فِي ذَلِك الْمنزل فَكَمَا لَا يجوز إبِْطَال أصل الْعدة كَذَلِك لَا يجوز إبِْطَال صفاتها وَقَوله إِلَّا لحَاجَة يَعْنِي يجوز الْخُرُوج وَالْحَاجة أَنْوَاع مِنْهَا إِذا خَافت على نَفسهَا أَو مَالهَا من هدم أَو حريق أَو غرق سَوَاء فِي ذَلِك عدَّة الْوَفَاة وَالطَّلَاق وَكَذَا لَو لم تكن الدَّار حَصِينَة وخافت اللُّصُوص أَو كَانَت بَين فسقة تخَاف على نَفسهَا أَو كَانَت تتأذى بالجيران والأحماء تأذياً شَدِيدا وَلَو كَانَت تبذو وتستطيل بلسانها عَلَيْهِم جَازَ إخْرَاجهَا وتتحرى الْقرب من مسكن الْعدة وَمِنْهَا إِذا احْتَاجَت إِلَى شِرَاء طَعَام أَو قطن أَو بيع غزل وَنَحْوه فَينْظر إِن كَانَت رَجْعِيَّة فَهِيَ زَوْجَة فَعَلَيهِ الْقيام بكفايتها بِلَا خلْوَة وَلَا تخرج إِلَّا بِإِذن قَالَ الْمُتَوَلِي إِلَّا إِذا كَانَت حَامِلا وَقُلْنَا تسْتَحقّ النَّفَقَة
стр. 424
فَلَا يُبَاح لَهَا الْخُرُوج وَمِنْهَا إِذا كَانَ الْمسكن مستعاراً وَرجع الْمُعير أَو مُسْتَأْجرًا وَمَضَت الْمدَّة وطالبه الْمَالِك فَلَا بُد من الْخُرُوج وَمِنْهَا إِذا لَزِمَهَا حق فَإِن كَانَ يُمكن اسْتِيفَاؤهُ فِي الْبَيْت كَالدّين فعل فِيهِ وَإِن لم يكن واحتيج فِيهِ إِلَى الْحَاكِم فَإِن كَانَت بَرزَة خرجت ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْمسكن وَإِن كَانَت مخدرة بعث الْحَاكِم إِلَهًا نَائِبا أَو حضر بِنَفسِهِ وَلَا تعذر فِي الْخُرُوج لأغراض تعد من الزِّيَادَات دون الْأُمُور الْمُهِمَّات كالزيارة والعمارة واستنماء المَال بِالتِّجَارَة وتعجيل حجَّة الْإِسْلَام وزيارة بَيت الْمُقَدّس وقبور الصَّالِحين وَنَحْو ذَلِك فَهِيَ عاصية بذلك وَالله أعلم
(فرع) يحرم على الزَّوْج مساكنة الْمُعْتَدَّة فِي الدَّار الَّتِي تَعْتَد فِيهَا ومداخلتها لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخلْوَة وخلوته بهَا كخلوة الْأَجْنَبِيَّة وَكثير من الجهلة لَا يرَوْنَ ذَلِك حَرَامًا وَيَقُول هِيَ مطلقتي وَهُوَ يعرف الْحَال فَإِن اعْتقد حلّه بعد مَا عرف كفر فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه وَكَذَا حكم العكامين الَّذين يحجون مَعَ النِّسَاء لَا يحل لَهُم الْخلْوَة بِهن وَلَا يقْتَدى فِي ذَلِك بِمن يَفْعَله من المتفقهة فَإِن ذَلِك حرَام حرَام حرَام الْبَتَّةَ وَالله أعلم
(فرع) مَضَت مُدَّة من الْعدة أَو كلهَا وَلم تطلب حق السكن سقط وَلم يصر دينا فِي ذمَّته نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَنَصّ أَن نَفَقَة الزَّوْجَة لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان بل تصير دينا فِي ذمَّته فَقيل قَولَانِ وَالْمذهب تَقْرِير النصين وَالْفرق أَن النَّفَقَة تجب بالتمكين وَقد وجد وَالسُّكْنَى لصيانة مَا بِهِ على مُوجب نظره وَلم يتَحَقَّق وَحكم السُّكْنَى فِي صلب النِّكَاح كَمَا ذكرنَا فِي الْعدة وَالله أعلم قَالَ
بَاب الرَّضَاع فصل فِي الرَّضَاع إِذا أرضعت الْمَرْأَة بلبنها ولدا صَار الرَّضِيع وَلَدهَا بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون لَهُ دون الْحَوْلَيْنِ
وَالثَّانِي أَن ترْضِعه خمس رَضعَات متفرقات
الرَّضَاع بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَيُقَال رضع بِكَسْر الضَّاد يرضع بِفَتْحِهَا وَبِالْعَكْسِ
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب
стр. 425
ثمَّ الرضَاعَة الْمُحرمَة لَهَا أَرْكَان مِنْهَا الْمُرضعَة وَلها ثَلَاث شُرُوط
الأول كَونهَا امْرَأَة فلبن الْبَهِيمَة لَا يتَعَلَّق بِهِ تَحْرِيم فَلَو شربه صغيران لم يثبت بَينهمَا أخوة وَكَذَا لبن الرجل لَا يحرم على الصَّحِيح
الشَّرْط الثَّانِي كَونهَا حَيَّة فَلَو ارتضع صَغِير من ميتَة أَو حلب مِنْهَا لم يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم مَا لَا يثبت حكم الْمُصَاهَرَة بِوَطْء الْميتَة وَلَو حلب لبن حَيَّة ثمَّ أوجر الصَّبِي بعد مَوتهَا حرم على الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي
الشَّرْط الثَّالِث كَونهَا مُحْتَملَة للولادة فَلَو ظهر لصغيرة دون تسع سِنِين لبن لم يحرم وَإِن كَانَت بنت تسع سِنِين حرم وَإِن لم يحكم بِالْبُلُوغِ لِأَن احْتِمَال الْبلُوغ قَائِم وَالرّضَاع كالنسب فَيَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَال وَلَا فرق فِي الْمُرضعَة بَين كَونهَا مُزَوّجَة أم لَا وَلَا بَين كَونهَا بكرا أم لَا وَقيل لَا يحرم لبن الْبكر وَالصَّحِيح أَنه يحرم وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَمِنْهَا أَي من أَرْكَان الرَّضَاع اللَّبن وَلَا يشْتَرط لثُبُوت التَّحْرِيم بَقَاء اللَّبن على هَيْئَة حَالَة انْفِصَاله عَن الثدي فَلَو تغير بحموضة أَو انْعِقَاد أَو أغلاه أَو صَار جبنا أَو أقطا أَو زبداً أَو مخيضاً وَأطْعم الصَّبِي حرم لحُصُول اللَّبن إِلَى الْجوف وَحُصُول التغذية بِهِ وَلَو خلط بِغَيْرِهِ نظر إِن كَانَ اللَّبن غَالِبا تعلّقت الْحُرْمَة بالمخلوط وَيشْتَرط أَن يكون اللَّبن قدرا يسْقِي مِنْهُ الْوَلَد خمس رَضعَات على الْمَذْهَب وَمِنْهَا أَي من الْأَركان المخل وَهِي معدة الصَّبِي الْحَيّ وَمَا فِي معنى الْعدة فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود الأول الْمعدة فالوصول إِلَيْهَا يثبت التَّحْرِيم سَوَاء ارتضع الطِّفْل أَو حلب أَو أوجر أَو صب فِي أَنفه فوصل إِلَى جَوْفه ودماغه حرم على الْمَذْهَب بِخِلَاف مَا إِذا احتقن بِهِ أَو كَانَ فِي بَطْنه جِرَاحَة فصب فِيهَا فوصل إِلَى الْجوف لم يثبت التَّحْرِيم على الْأَظْهر وَلَو ارتضع وتقيأ فِي الْحَال ثَبت التَّحْرِيم على الصَّحِيح الْقَيْد الثَّانِي كَون الصَّغِير دون الْحَوْلَيْنِ فَإِن بلغ سنتَيْن فَلَا أثر لارتضاعه ويعتبران بِالْأَهِلَّةِ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا رضَاع إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَفِي رِوَايَة لَا يحرم من الرَّضَاع إِلَّا مَا فتق الأمعاء فِي الثدي وَكَانَ قبل الْفِطَام الْقَيْد الثَّالِث حَيَاة الرَّضِيع فَلَا أثر للوصول إِلَى معدة الصَّغِير الْمَيِّت ثمَّ شَرط الرضَاعَة الْمُحرمَة خمس رَضعَات هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل يثبت برضعة وَاحِدَة وَقيل بِثَلَاث وَبِه قَالَ ابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة وَحجَّة الصَّحِيح قَول عَائِشَة
стр. 426
رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَانَ فِيمَا أنزل الله تَعَالَى من الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات يحرمن ثمَّ نسخن بِخمْس مَعْلُومَات فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَهن فِيمَا يقْرَأ من الْقُرْآن وَفِي رِوَايَة لَا تحرم المصة وَلَا المصتان ٢ وَلَا الرضعة وَلَا الرضعتان ثمَّ شَرط الرضعات أَن يكن متفرقات وَالرُّجُوع فِي الرضعة والرضعتين إِلَى الْعرف فَمَتَى تخَلّل فصل كثير تعدّدت الرضعات فَلَو رضع ثمَّ قطع إعْرَاضًا واشتغل بِشَيْء آخر ثمَّ عَاد وارتضع فهما رضعتان وَلَو قطعت الْمُرضعَة رضاعه ثمَّ عَادَتْ إِلَى الارضاع فهما رضعتان على الْأَصَح كَمَا لَو قطع الصَّبِي وَلَا يحصل التَّعَدُّد بِأَن يلفظ الصَّغِير الثدي ثمَّ يعود إِلَى التقامه فِي الْحَال وَلَا بِأَن يتَحَوَّل من ثدي إِلَى آخر أَو تحوله الْمُرضعَة لنفاد مَا فِي الأول وَلَا بِأَن يلهو عَن الامتصاص وَلَا بِأَن يقطع للتنفس وَلَا بتخلل النومة الْخَفِيفَة وَلَا بِأَن تقوم الْمُرضعَة وتشتغل بشغل خَفِيف ثمَّ تعود إِلَى الْإِرْضَاع فَكل ذَلِك رضعة وَاحِدَة وَالله أعلم
(فرع) أرضعت صَغِيرا وَشَكتْ هَل أَرْضَعَتْه خمْسا أم أقل وَهل وصل اللَّبن إِلَى جَوْفه أم لَا فَلَا تَحْرِيم وَلَا يخفى الْوَرع وَلَو تحققت أَنَّهَا أَرْضَعَتْه خمْسا وَلَكِن شكت هَل هِيَ فِي الْحَوْلَيْنِ أم بَعْضهَا فَلَا تَحْرِيم أَيْضا على الرَّاجِح وَالله أعلم قَالَ
(وَيصير زَوجهَا أَبَا لَهُ)
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله صَار الرَّضِيع وَلَدهَا فَإِذا حذف المتخلل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ يبْقى الْكَلَام صَار الرَّضِيع وَلَدهَا وَيصير زَوجهَا أَبَا لَهُ وَحجَّة ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَن أَفْلح أَخا أبي القعيس اسْتَأْذن عَليّ بعد مَا أنزل الْحجاب فَقلت وَالله مَا آذن لَهُ حَتَّى اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فَإِن أَخا أبي القعيس لَيْسَ هُوَ أرضعني إِنَّمَا أرضعتني امْرَأَة أبي القعيس فَدخل رَسُول الله ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله إِن الرجل لَيْسَ هُوَ أرضعني وَإِنَّمَا أرضعتني امْرَأَته فَقَالَ ﵊ ائذني لَهُ فَإِنَّهُ عمك تربت يَمِينك قَالَ عُرْوَة فَلذَلِك كَانَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقول حرمُوا من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب وَأَبُو القعيس زوج أمهَا من الرضَاعَة فَهُوَ أَبوهَا لِأَن اللَّبن لَهُ وأفلح أَخُوهُ فَهُوَ عَمها وَقَوْلها إِنَّمَا أرضعتني امْرَأَته الضَّمِير رَاجع إِلَى أخي أَفْلح وَفِي رِوَايَة إِن الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة وَفِي رِوَايَة يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم
стр. 427
من الْولادَة وَقَوله ﷺ تربت يَمِينك فِي معنى ذَلِك خلاف منتشر جدا للسلف وَالْخلف من جَمِيع الطوائف قَالَ النَّوَوِيّ وَالأَصَح الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهَا كلمة أَصْلهَا افْتَقَرت يَمِينك وَلَكِن الْعَرَب اعتادت اسْتِعْمَالهَا غير قاصدة حَقِيقَة مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ مثل قَاتله الله مَا أشجعه وَلَا أم لَهُ وَلَا أَبَا لَهُ وويل أمه وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وَيحرم على الْمُرْضع التَّزْوِيج إِلَى من ناسبها وَيحرم عَلَيْهَا التَّزْوِيج إِلَى الْمُرْضع وَولده دون من كَانَ فِي دَرَجَته أَو أَعلَى طبقَة مِنْهُ)
الْكَلَام الْآن فِيمَن يحرم بِالرّضَاعِ وَلَا شكّ أَن قطب ذَلِك الرَّضِيع والمرضع وَكَذَا الْفَحْل الَّذِي لَهُ اللَّبن ثمَّ تَنْتَشِر الْحُرْمَة مِنْهُم إِلَى غَيرهم فَيحرم على الْمُرْضع بِفَتْح الضَّاد أَن يتَزَوَّج بِمن ناسب الْمُرضعَة أَي من انتسب إِلَيْهَا بِالنّسَبِ أَو بِالرّضَاعِ وَولده وَإِن سفل وَمن انتسب إِلَيْهِ وَإِن علا لِأَن الرَّضِيع وَولده وَإِن سفل أبناؤها إِمَّا على سَبِيل الْحَقِيقَة أَو الْمجَاز كأبناء النّسَب وَإِذا صدقت النِّسْبَة حرم على الشَّخْص أَن يتَزَوَّج أُخْته أَو بنت أُخْته أَو بنت أَخِيه وَإِن نزلت وَكَذَا يحرم عَلَيْهِ أَن يتَزَوَّج أم أمه وَأم أَبِيه من الرَّضَاع وَإِن علت لِأَنَّهُمَا أما أمه وَأَبِيهِ حَقِيقَة أَو مجَازًا وَنِكَاح تِلْكَ حرَام وَإِن علت فِي الرَّضَاع كالنسب وَكَذَا يحرم عَلَيْهَا أَن تتَزَوَّج بالمرضع أَي بالرضيع وبولده وَإِن سفل لِأَنَّهَا أمّهم وَإِن سفلوا دون من فِي دَرَجَته لِأَن أخوة الرَّضِيع إِذا لم يرضعوا فهم أجانب مِنْهَا وَكَذَا لَا يحرم من هُوَ أَعلَى من فِي دَرَجَة الرَّضِيع كأعمامه وَالْحَاصِل أَن كل مَا حرم من النّسَب حرم بِالرّضَاعِ للأدلة الْمُتَقَدّمَة وَاسْتثنى بَعضهم مسَائِل تحرم فِي النّسَب وَقد لَا تحرم فِي الرَّضَاع فَمنهمْ من صحّح الِاسْتِثْنَاء وَمِنْهُم من مَنعه وعَلى كل حَال فقد ذكرنَا ذَلِك مفصلا فِي فصل والمحرمات بِالنَّصِّ أَربع عشرَة فَرَاجعه وَالله أعلم قَالَ
بَاب النَّفَقَة فصل وَنَفَقَة الْأَهْل وَاجِبَة للْوَالِدين والمولودين فَأَما الوالدون فَتجب نَفَقَتهم بِشَرْطَيْنِ الْفقر والزمانة والفقر وَالْجُنُون وَأما المولودون فَتجب نَفَقَتهم بِشُرُوط الْفقر والصغر والفقر والزمانة والفق وَالْجُنُون
النَّفَقَة مَأْخُوذَة من الْإِنْفَاق والإخراج ويوجبها ثَلَاثَة أَسبَاب الْقَرَابَة وَالْملك والزوجية أما السببان الأخيران فيوجبان للمملوك على الْمَالِك وللزوجة على الزَّوْج وَلَا عكس وَأما السَّبَب الأول
стр. 428
وَهُوَ الْقَرَابَة فَيُوجب لكل مِنْهُم على الآخر لشمُول البعضية والشفقة وَلِهَذَا إِنَّمَا تجب بِقرَابَة البعضية وَهِي الْأُصُول وَالْفُرُوع فَيجب للوالد على الْوَلَد وَإِن علا وللولد على الْوَالِد وَإِن سفل لصدق الْأُبُوَّة والبنوة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث وَلَا بَين الْوَارِث وَغَيره وَلَا فرق بَين اتِّفَاق الدّين وَالِاخْتِلَاف فِيهِ وَفِي وَجه لَا تجب على مُسلم نفقه كَافِر وَالدَّلِيل على وجوب الانفاق لى الْوَالِدين قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ وَقَوله ﷺ أطيب مَا يَأْكُل الرجل من كَسبه وَولده من كَسبه يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ يَعْنِي وَلَده وَقد رُوِيَ إِن أَوْلَادكُم هبة من الله وَأَمْوَالهمْ لكم إِذا احتجتم إِلَيْهَا والأجداد والجدات ملحقون بالأبوين إِن لم يدخلُوا فِي عُمُوم الْأُبُوَّة كَمَا ألْحقُوا بهما فِي الْعتْق وَسُقُوط الْقصاص وَغَيرهمَا لوُجُود البعضية
وَإِنَّمَا تجب نَفَقَة الْوَالِدين بِشُرُوط مِنْهَا يسَار الْوَلَد والموسر من فضل عَن قوته وقوت عِيَاله فِي يَوْمه وَلَيْلَته مَا يصرفهُ إِلَيْهِمَا فَإِن لم يفضل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لاعساره وَيُبَاع فِي نَفَقَة الْقَرِيب مَا يُبَاع فِي الدّين من الْعقار وَغَيره لِأَنَّهَا حق مَالِي لَا بدل لَهُ فَأشبه الدّين وَلَو كَانَ الْوَلَد لَا مَال لَهُ إِلَّا أَنه يقدر على الِاكْتِسَاب وَيحصل مَا يفضل عَن كِفَايَته فَهَل يُكَلف الْكسْب فِي خلاف قيل لَا كَمَا لَا يُكَلف الْكسْب لقَضَاء الدُّيُون وَالصَّحِيح أَنه يُكَلف وَبِه قطع الْجُمْهُور لِأَنَّهُ يلْزمه إحْيَاء نَفسه بِالْكَسْبِ وَمِنْهَا أَي من الشُّرُوط أَن لَا يكون لَهما مَال فَإِن كَانَ ويكفيهما فَلَا تجب سَوَاء كَانَا زمنين أَو مجنونين أَو بهما مرض وعمى أم لَا لعدم الْحَاجة وَمِنْهَا أَن لَا يَكُونَا مكتسبين فَإِن كَانَا مكتسبين لم تجب نفقتهما لِأَن الِاكْتِسَاب بِمَنْزِلَة المَال العتيد فَلَو كَانَا صَحِيحَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا غير مكتسبين فَهَل يكلفان الْكسْب فِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا فِي التَّنْبِيه لَا تجب للقدرة على الْكسْب
وَالثَّانِي أَنَّهَا تجب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ وَلَيْسَ من المصاحبة بِالْمَعْرُوفِ تكليفهما الْكسْب وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَمِنْهُم من قطع بِهِ فَإِن فقدت هَذِه الشُّرُوط وَكَانَا فقيرين زمنين أَو مجنونين أَو بهما عجز من مرض أَو عمى كَمَا قَالَه الْبَغَوِيّ وَجَبت نفقتهما لتحَقّق الْحَاجة وَالله أعلم
стр. 429
(فرع حسن) لَو كَانَت الْأُم تقدر على النِّكَاح لِكَثْرَة الطلاب فَلَا تسْقط نَفَقَتهَا عَن الابْن فَلَو تزوجت سَقَطت فَلَو نشزت لم يلْزم الْوَلَد نَفَقَتهَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم وَأما الدَّلِيل على وجوب نَفَقَة المولودين وَإِن سفلوا ذُكُورا كَانُوا أَو إِنَاثًا فَقَوله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ الْآيَة وَفِي السّنة الشَّرِيفَة جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن معي دِينَار فَقَالَ أنفقهُ على نَفسك فَقَالَ معي آخر قَالَ أنفقهُ على ولدك وَقَالَ ﵊ لزوجة أبي سُفْيَان فِي الحَدِيث الْمَشْهُور خذي من مَاله مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ وَيَكْفِي بنيك وَإِنَّمَا تجب النَّفَقَة لَهُم بِشُرُوط مِنْهَا يسَار الْوَالِدين كَمَا مر فِي حق الْوَلَد فَإِن لم يكن لَهما مَال وَلَكِن كَانَا ذَا كسب لَائِق بهما فَهَل يجب عَلَيْهِمَا أَن يكتسبا لنفقة الْوَلَد فِيهِ خلاف الصَّحِيح تجب وَبِه قطع الْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي لَا تجب وَمِنْهَا أَن لَا يكون للْوَلَد مَال وَلَا كسب فَإِن كَانَ لم تجب لعدم حَاجته سَوَاء كَانَ الْوَلَد زَمنا أَو مَجْنُونا أَو مَرِيضا أَو بِهِ عمى فَإِن كَانَ الْوَلَد أَو الْأَوْلَاد فُقَرَاء زمنين أَو فُقَرَاء مجانين أَو فُقَرَاء أطفالاً لَا يتهيأ مِنْهُم الْعَمَل وَجَبت نَفَقَتهم للآيات الدَّالَّة على ذَلِك ولعجزهم وَأوجب أَبُو ثَوْر نَفَقَتهم مَعَ الْيَسَار فَلَو كَانَت الْأَوْلَاد أصحاء إِلَّا أَنهم غير مكتسبين بِأَيْدِيهِم فَهَل تجب نَفَقَتهم وَالْحَالة هَذِه فِي خلاف وَالْأَحْسَن عِنْد الرَّافِعِيّ تجب كَمَا تجب للْأَب وَالْحَالة هَذِه وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح عدم الْوُجُوب لِأَن الطِّفْل مَحل النَّص وَالصَّحِيح المتمكن من الْحِيلَة والتكسب لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يلْحق بِهِ بِخِلَاف الزَّمن وَالْمَجْنُون وَالله أعلم
(فرع) لَو كَانَ للِابْن مَال غَائِب لزم الْوَالِد أَن ينْفق عَلَيْهِ قرضا مَوْقُوفا فَإِن قدم مَاله رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أنْفق وَإِن لم يَأْذَن الْحَاكِم إِذا قصد الرُّجُوع وَإِن هلك المَال لم يرجع بِمَا أنْفق من حِين التّلف قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه يُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن غير الأَصْل وَالْفُرُوع لَا تجب نَفَقَتهم وَهُوَ كَذَلِك وَقَالَ أَبُو ثَوْر يلْزم الْوَارِث النَّفَقَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن النَّفَقَة لَو كَانَت على الْوَارِث للَزِمَ الْأَب ثلثا النَّفَقَة وَالأُم ثلثهَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَالله أعلم
стр. 430
(فرع) نَفَقَة الْقَرِيب لَا تقدر بل هِيَ بِقدر الْكِفَايَة وتختلف بِالْكبرِ والصغر والزهادة وَالرَّغْبَة لِأَنَّهَا لتجزية الْوَقْت وَلَا يشْتَرط انْتِهَاء الْمُنفق عَلَيْهِ إِلَى حد الضَّرُورَة وَيُعْطِيه مَا يسْتَقلّ بِهِ دون مَا يسد الرمق وَتجب لَهُ الْكسْوَة وَالسُّكْنَى وَلَو احْتَاجَ إِلَى خَادِم وَجب وَلَو اندفعت هَذِه الْأُمُور بضيافة وتبرع سَقَطت وَلَا يجب عَلَيْهِ بدلهَا فَلَو سلم النَّفَقَة إِلَى الْقَرِيب فَتلفت فِي يَده أَو أتلفهَا وَجب الْإِبْدَال لَكِن إِذا أتلفهَا لزمَه الْإِبْدَال إِذا أيسر فَلَو ترك الْإِنْفَاق على قَرِيبه حَتَّى مضى زمَان لم تصر دينا سَوَاء تعدى أم لَا لِأَنَّهَا شرعت على سَبِيل الْمُوَاسَاة بِخِلَاف نَفَقَة الزَّوْجَة لِأَنَّهَا عوض وَالله أعلم قَالَ
(وَنَفَقَة الرَّقِيق والبهائم وَاجِبَة بِقدر الْكِفَايَة وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَالا يُطيق)
هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّانِي مِمَّا يُوجب النَّفَقَة وَهُوَ ملك الْيَمين فَمن ملك عبدا أَو أمة لزمَه نَفَقَة رَقِيقه قوتاً وأدماً وَكِسْوَة وَسَائِر الْمُؤَن سَوَاء كَانَ قِنَا أَو مُدبرا أَو أم ولد وَسُوء كَانَ صَغِيرا أَو كَبِيرا وَسَوَاء كَانَ زَمنا أَو أعمى أَو سليما وَسَوَاء كَانَ مَرْهُونا أَو مُسْتَأْجرًا أَو غير ذَلِك لوُجُود السَّبَب الْمُوجب لذَلِك وَهُوَ ملك الْيَمين وروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للمملوك طَعَامه وَكسوته وَلَا يُكَلف من الْعَمَل إِلَّا مَا يُطيق وَفِي رِوَايَة كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملكهُ قوته وَلِأَن السَّيِّد يملك كَسبه وتصرفه فَلَزِمته مُؤْنَته وَقد اتّفق الْعلمَاء على ذَلِك فَيلْزمهُ إطعامه ومؤنته بِقدر الْكِفَايَة وَيعْتَبر فِي ذَلِك رغبته وزهادته وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَالا يُطيق وَإِذا اسْتَعْملهُ لَيْلًا أراحه نَهَارا وَبِالْعَكْسِ ويريحه فِي الصَّيف فِي وَقت القيلولة وَمَا خفف عَنهُ فَلهُ أجره فَفِي الحَدِيث مَا خففت عَن خادمك من عمله كَانَ لَك أجر فِي موازينك وعَلى الْمَمْلُوك ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بذل المجهود وَترك الكسل وَالله أعلم
وكما يجب عَلَيْهِ مُؤنَة مَمْلُوكه كَذَا يجب عَلَيْهِ نَفَقَة دَابَّته سَوَاء فِي ذَلِك الْعلف والسقي نعم يقوم مقَام ذَلِك أَن يخليها لترعى وَترد المَاء إِن كَانَت مِمَّن ترعى وتكتفي بذلك لخصب الأَرْض وَنَحْوه وَلم يكن مَانع من ثلج وَغَيره فَإِن امْتنع من ذَلِك أجْبرهُ الْحَاكِم عَلَيْهِ وأثم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﵊ قَالَ عذبت امْرَأَة فِي هرة حبستها حَتَّى مَاتَت فَدخلت فِيهَا النَّار لَا هِيَ أطعمتها وسقتها إِذْ هِيَ حبستها وَلَا هِيَ تركتهَا تَأْكُل من خشَاش الأَرْض قَالَ والخشاش الحشرات
стр. 431
وَدخل رَسُول الله ﷺ حَائِط رجل من الْأَنْصَار والحائط الْبُسْتَان فَإِذا فِيهِ جمل فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ ذرفت عَيناهُ فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ وَمسح عَلَيْهِ فسكن ثمَّ قَالَ من رب هَذَا الْجمل فجَاء فَتى من الْأَنْصَار فَقَالَ هُوَ لي يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك فَقَالَ أَلا تتقي الله فِي هَذِه الْبَهِيمَة الَّتِي ملكك الله إِيَّاهَا فَإِنَّهَا تَشْكُو إِلَيّ أَنَّك تجيعه وتدأبه وَفِي رِوَايَة أَن الْجمل حن إِلَيْهِ وَلِأَن الدَّابَّة ذَات روح فَأَشْبَهت الْمَمْلُوك وَلَا يكلفها من الْعَمَل إِلَّا مَا تطِيق كالرقيق وَالله أعلم
(فرع) الدَّابَّة اللَّبُون لَا يجوز نزف لَبنهَا بِحَيْثُ يضر وَلَدهَا وَإِنَّمَا يحلب مَا فضل عَن ري وَلَدهَا قَالَ الْمُتَوَلِي وَلَا يجوز الْحَلب إِذا كَانَ يضر الْبَهِيمَة لقلَّة الْعلف وَيسْتَحب أَن لَا يستقصى فِي الْحَلب ويدع فِي الضَّرع شَيْئا وَيسْتَحب أَن يقص الحالب أَظْفَاره لِئَلَّا تؤذيها وَكَذَا أَيْضا يبْقى للنحل شَيْئا من الْعَسَل فِي الكوارة وَالله أعلم قَالَ
(وَنَفَقَة الزَّوْجَة الممكنة من نَفسهَا وَاجِبَة وَهِي مقدرَة إِذا كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا فمدان من غَالب قوتها وَمن الْأدم وَالْكِسْوَة مَا جرت بِهِ الْعَادة وَإِن كَانَ مُعسرا فَمد وَمَا يتأدم بِهِ المعسرون ويكتسونه وَإِن كَانَ متوسطاً فَمد وَنصف وَمن الْأدم وَالْكِسْوَة الْوسط)
قد علمت أَن أَسبَاب النَّفَقَة ثَلَاثَة الْقَرَابَة البعضية وَملك الْيَمين وَقد تقدم وَهَذَا هُوَ السَّبَب الثَّالِث وَهُوَ ملك الزَّوْجِيَّة وَلَا شكّ فِي وجوب نَفَقَة الزَّوْجَة وَقد تظاهرت الْأَدِلَّة على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقيم على الْغَيْر هُوَ الْمُتَكَلف بأَمْره وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ والآيات فِي ذَلِك كَثِيرَة وَفِي السّنة الشَّرِيفَة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث هِنْد امْرَأَة أبي سُفْيَان لما جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَشَكتْ إِلَيْهِ أمرهَا فَقَالَ ﵊ خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ وَفِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل فَاتَّقُوا الله فِي النِّسَاء فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله وَلكم عَلَيْهِنَّ أَن لَا يؤطئن فرشكم أحدا تكرهونه فَإِن فعلن ذَلِك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عَلَيْكُم رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ وَقد تركت فِيكُم مَا لن تضلوا بعدة إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كتاب الله الحَدِيث بِطُولِهِ وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على وجوب نَفَقَة الزَّوْجَة فِي الْجُمْلَة وَنَفَقَة الزَّوْجَة أَنْوَاع مِنْهَا
стр. 432
الطَّعَام وَهُوَ الْحبّ المقتات فِي الْبَلَد غَالِبا وَيخْتَلف الْوَاجِب بإختلاف حَال الزَّوْج فِي الْيَسَار والإعسار وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك الْمسلمَة والذمية والحرة وَالْأمة لِأَنَّهُ عوض فعلى الْمُوسر مدان وعَلى الْمُعسر مد وعَلى الْمُتَوَسّط مد وَنصف والأعتبار بِمد النَّبِي ﷺ وَهُوَ مائَة وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ درهما وَثلث دِرْهَم على مَا صَححهُ الرَّافِعِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ تَفْرِيع من الرَّافِعِيّ على أَن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَالْمُخْتَار أَنه مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم وَالله أعلم
وَدَلِيل التَّفَاوُت قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَي ضيق ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وَأما اعْتِبَار الْحبّ المقتات فِي الْبَلَد فَلِأَن الله تَعَالَى أوجب النَّفَقَة بِالْمَعْرُوفِ وَمن الْمَعْرُوف أَن يطْعمهَا مِمَّا يَأْكُل أهل الْبَلَد وَأما وجوب الْحبّ دون غَيره من الدَّقِيق وَالْخبْز فبالقياس على الْكَفَّارَة وَسَوَاء فِي ذَلِك الْقَمْح وَالشعِير وَالتَّمْر وَكَذَا الأقط فِي أهل الْبَادِيَة الَّذين يقتاتونه وَلنَا مقَالَة إِن كَانَ الْأَغْلَب فِي بلدهما أم لَا يطحنون بِأَيْدِيهِم لم يفْرض لَهَا إِلَّا الدَّقِيق وَإِن اعتدن الطَّحْن فَلَا بَأْس بِفَرْض الْحِنْطَة وَقيل لأنظر إِلَى الْغَالِب بل إِلَى مَا يَلِيق بِحَال الزَّوْج وَالْمذهب الأول وَيجب لَهَا أُجْرَة الطَّحْن وَالْخبْز وَقيل إِن اعتادت ذَلِك لَزِمَهَا فعله وَإِلَّا فَلَا وَمِنْهَا أَي من الْأَنْوَاع الْوَاجِبَة للزَّوْجَة الْأدم وجنسه غَالب أَدَم الْبَلَد من الزَّيْت وَغَيره وَيخْتَلف باخْتلَاف الْفُصُول وَقد تغلب الْفَوَاكِه فِي أَوْقَاتهَا فَتجب وَيجب أَن يطعهما اللَّحْم وَفِي كَلَام الشَّافِعِي أَنه يطْعمهَا فِي كل أُسْبُوع رَطْل لحم وَهُوَ مَحْمُول على الْمُعسر وعَلى الْمُوسر رطلان وعَلى الْمُتَوَسّط رَطْل وَنصف وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي أَن يكون يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ أولى بالتوسع فِيهِ ثمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي هَذَا على عَادَة أهل مصر لعزة اللَّحْم عِنْدهم ذَلِك الْوَقْت وَأما حَيْثُ يكثر اللَّحْم فيزاد بِحَسب عَادَة الْبَلَد وَقَالَ الْقفال وَآخَرُونَ لَا مزِيد على مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي جَمِيع الْبِلَاد لِأَن فِيهِ كِفَايَة لمن قنع وَيجب على الزَّوْج آلَات الطَّبْخ وَالشرب كالقدر والجرة والكوز وَنَحْوهَا وَيَكْفِي كَونهَا من خزف أَو حجر أَو خشب والزيادات على ذَلِك من رعونات الْأَنْفس
وَمِنْهَا أَي وَمن الْأَنْوَاع الْوَاجِبَة الإخدام فَمن لَا تخْدم نَفسهَا فِي عَادَة الْبَلَد فعلى الزَّوْج إخداهما على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور لِأَنَّهُ من المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ فَإِن قَالَ الزَّوْج أَنا أخدمها بنفسي لم يلْزمهَا ذَلِك لِأَنَّهَا تَسْتَحي مِنْهُ فتمتنع من اسْتِيفَاء الْخدمَة وَلِأَنَّهُ عَار عَلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل لَهُ ذَلِك
وَمِنْهَا أَي من الْأَنْوَاع الْوَاجِبَة الْكسْوَة وَتجب على قدر الْكِفَايَة وتختلف بطول الْمَرْأَة وقصرها وهزلها وسمنها وباختلاف الْبَلَد فِي الْحر وَالْبرد وَلَا يخْتَلف عدد الْكسْوَة بيسار الزَّوْج وإعساره وَفِي
стр. 433
الْحَاوِي للماوردي أَن نسَاء أهل الْقرى إِذا جرت عادتهن أَن لَا يلبسن فِي أرجلهن شَيْئا فِي الْبيُوت لم يجب لأرجلهن شَيْء ثمَّ جنس الْكسْوَة تخْتَلف باخْتلَاف يسَار الزَّوْج وإعساره فَيجب لامْرَأَة الْمُوسر من رفيع مَا يلبس أهل الْبَلَد من قطن أَو كتَّان أَو حَرِير لِأَن الْكسْوَة مقدرَة بالكفاية فَلَا يُمكن فِيهَا الزِّيَادَة فَيرجع إِلَى تفَاوت النَّوْع لِأَنَّهُ الْعرف بِخِلَاف النَّفَقَة وَيجب لامْرَأَة الْمُعسر من غليظ الْقطن والكتنان ولامرأة الْمُتَوَسّط مَا بَينهمَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَقيل ينظر فِي الْكسْوَة إِلَى حَال الزَّوْجَيْنِ فَيلْزمهُ مَا يكسو مثله مثلهَا عَادَة وَقيل يعْتَبر حَال الزَّوْجَة وَالله أعلم
وَقَول الشَّيْخ وَنَفَقَة الزَّوْجَة الممكنة من نَفسهَا احْتَرز بِهِ عَن غير الممكنة وَعدم التَّمْكِين يحصل بِأُمُور مِنْهَا النُّشُوز فَلَا نَفَقَة لناشز وَإِن قدر الزَّوْج على ردهَا إِلَى الطَّاعَة قهرا فَلَو نشزت بعض النَّهَار فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا شَيْء لَهَا
وَالثَّانِي يجب لَهَا بقسط زمن الطَّاعَة قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْأول أوفق بِمَا سبق وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ الرَّافِعِيّ إِلَى تَرْجِيحه وَهُوَ عدم الْوُجُوب تبعه النَّوَوِيّ هُنَا ثمَّ رجح فِي آخر النِّكَاح الْقطع بِعَدَمِ الْوُجُوب ذكره فِي أول الْبَاب الْحَادِي عشر من زِيَادَته فَقَالَ قلت الصَّحِيح الْجَزْم فِي الْحرَّة بِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهَا فِي هَذِه الْحَالة وَالله أعلم
وَلَا يشْتَرط فِي النُّشُوز الِامْتِنَاع الْكُلِّي بل لَو امْتنعت من الْوَطْء وَحده أَو من بَقِيَّة الاستمتاعات حَتَّى قبْلَة سَقَطت نَفَقَتهَا فَلَو قَالَت سلم الْمهْر لأسلم نَفسِي فَإِن جرى دُخُول أَو كَانَ الْمهْر مُؤَجّلا فَهِيَ ناشز إِذْ لَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاع وَالْحَالة هَذِه لِأَنَّهَا بِالتَّسْلِيمِ أسقطت حَقّهَا من حبس نَفسهَا فَلَو حل الْأَجَل فَهَل هُوَ كالمؤجل أَو كالحال وَجْهَان وَلم يرجح الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ هُنَا شَيْئا وَصحح فِي الرَّوْضَة والمنهاج فِي الصَدَاق تبعا للمحرر عدم الْحَبْس وَنَقله الرَّافِعِيّ فِي الصَدَاق عَن أَكثر الْأَئِمَّة لكنه صحّح فِي الشَّرْح الصَّغِير أَن لَهَا الْحَبْس وعلته أَن لَهَا الْمُطَالبَة بعد الْحُلُول كَمَا فِي الإبتداء لَكِن جزم الرَّافِعِيّ فِي نَظِيره من البيع أَنه لَا حبس للْبَائِع إِذا حل الْأَجَل وَيحْتَاج إِلَى الْفرق نعم لَو كَانَت مَرِيضَة أَو كَانَ بهَا قرح يَضرهَا الْوَطْء فَهِيَ معذورة فِي الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء وَعَلِيهِ النَّفَقَة بِشَرْط أَن تكون عِنْده وَكَذَا لَو كَانَ الرجل عبلاً وَهُوَ كَبِير الذّكر بِحَيْثُ لَا تُطِيقهُ فَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاع عَن الزفاف بِعُذْر عبالته وَلها الِامْتِنَاع بِعُذْر الْمَرَض لِأَنَّهُ متوقع الزَّوَال وَلَو قَالَت لَا أمكنه إِلَى فِي بَيْتِي أَو فِي مَوضِع كَذَا فَهِيَ ناشر وهربها من بَيت الزَّوْج وسفرها بِلَا إِذْنه نشوز قَالَ النَّوَوِيّ وَلَو حبست ظلما أَو بِحَق فَلَا نَفَقَة كَمَا لَو وطِئت بِشُبْهَة فاعتدت وَالله أعلم
وَمِنْهَا الصغر فَإِذا كَانَت صَغِيرَة وَهُوَ كَبِير أَو صَغِير فَلَا نَفَقَة لَهَا على الْأَظْهر وَإِن كَانَت كَبِيرَة وَهُوَ صَغِير وَجَبت النَّفَقَة على الْأَظْهر إِذْ لَا عذر مِنْهَا وَمِنْهَا الْعِبَادَات فَإِذا أَحرمت بِحَجّ أَو عمْرَة فَإذْ
стр. 434
أَحرمت بِإِذْنِهِ وَخرجت فقد سَافَرت فِي غَرَض نَفسهَا فَإِن سَافر الزَّوْج مَعهَا لم تسْقط نَفَقَتهَا على الْمَذْهَب وَإِلَّا سَقَطت على الْأَظْهر وَإِن أَحرمت بِغَيْر إِذْنه فَلهُ أَن يحللها من حجَّة التَّطَوُّع قطعا وَكَذَا الْفَرْض على الْأَظْهر لِأَن حَقه على الْفَوْر فَإِن لم يحللها فلهَا النَّفَقَة مَا لم تخرج لِأَنَّهَا فِي قَبضته وَهُوَ قَادر على تحليلها والاستمتاع بهَا وَقيل لَا نَفَقَة لِأَنَّهَا ناشز بالاحرام وَلَو صَامت فِي رَمَضَان فَلَا تمنع مِنْهُ وَلَا تسْقط النَّفَقَة بِحَال وَأما قَضَاء رَمَضَان فَإِن تعجل لتعديها بالافطار لم تمنع مِنْهُ وَلَا تسْقط بِهِ النَّفَقَة على الْأَصَح وَفِي جَوَاز إلزامها الْإِفْطَار إِذا شرعت فِيهِ وَجْهَان مخرجان من الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْلِيل من الْحَج فَإِن قُلْنَا لَا يجوز فَفِي سُقُوط النَّفَقَة وَجْهَان صحّح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة السُّقُوط وَأما صَوْم التَّطَوُّع فَلَا تشرع فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن أذن لم تسْقط نَفَقَتهَا وَإِن شرعت فِيهِ بِغَيْر إِذْنه فَلهُ قطعه فَإِن أفطرت فلهَا النَّفَقَة وَإِن أَبَت فَلَا نَفَقَة على الْأَصَح وَقيل تجب لِأَنَّهَا فِي دَاره وقبضته قلت وَهُوَ قوي لِأَنَّهُ مُتَمَكن من وَطئهَا والاستمتاع بهَا وَإِلَّا فَمَا الْفرق بَين الصَّوْم وَالْحج إِلَّا أَن تفرض الصُّورَة فِي امتناعها من التَّمْكِين وَفِيه نظر لِأَن السُّقُوط وَالْحَالة هَذِه إِنَّمَا هُوَ لأجل عدم التَّمْكِين وَحِينَئِذٍ فَلَا مدْخل للصَّوْم وَالله أعلم
وَلَو كَانَ الصَّوْم نذرا فَإِن كَانَ نذرا مُطلقًا فَللزَّوْج منعهَا مِنْهُ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ موسع وَإِن كَانَ أَيَّامًا مُعينَة نظر إِن نذرتها قبل النِّكَاح أَو بعده بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ منعهَا وَإِلَّا فَلهُ وَحَيْثُ قُلْنَا لَهُ الْمَنْع فشرعت فِيهِ وأبت أَن تفطر فكصوم التَّطَوُّع وَأما صَوْم الْكَفَّارَة فَهُوَ على التَّرَاخِي فَللزَّوْج منعهَا وَحَيْثُ قُلْنَا إِن الصَّوْم يسْقط فَهَل يسْقط كل النَّفَقَة أم لَا لتمكنه من الِاسْتِمْتَاع لَيْلًا وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ سُقُوط الْجَمِيع وَالله أعلم قَالَ
(وَإِن أعْسر بنفقتها فلهَا الْفَسْخ وَكَذَا إِن أعْسر بِالصَّدَاقِ قبل الدُّخُول)
إِذا عجز الزَّوْج عَن الْقيام بمؤن الزَّوْجِيَّة الموظفة عَلَيْهِ فَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي قَدِيما وجديداً أَنَّهَا بِالْخِيَارِ إِن شَاءَت صبرت وأنفقت من مَالهَا أَو اقترضت وأنفقت على نَفسهَا ونفقتها فِي ذمَّته إِلَى أَن يوسر وَإِن شَاءَت طلبت فسخ النِّكَاح وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَقيل لَا خِيَار لَهَا وللأصحاب خلاف فِي ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب أَن لَهَا أَن تفسخ وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد ﵄ رُوِيَ أَنه ﵊ سُئِلَ عَمَّن يعسر بِنَفَقَة امْرَأَته فَقَالَ يفرق بَينهمَا وَسُئِلَ ابْن الْمسيب عَن ذَلِك فَقَالَ يفرق بَينهمَا فَقيل لَهُ سنة فَقَالَ سنة قَالَ الشَّافِعِي الَّذِي يشبه قَول ابْن الْمسيب أَنه سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 435
وَأَيْضًا فالجب أَو الْعنَّة يثبت حق الْفَسْخ فالعجز عَن النَّفَقَة أولى لِأَن الصَّبْر عَن الِاسْتِمْتَاع أسهل من الصَّبْر عَن النَّفَقَة فَرُبمَا عدم النَّفَقَة يُوقع الزَّوْجَة فِي الزِّنَا وَلَو كَانَ الرجل حَاضرا وَله مَال غَائِب فَإِن كَانَ دون مَسَافَة الْقصر فَلَا فسخ وَيُؤمر بتعجيل الاحضار وَإِن كَانَ على مَسَافَة الْقصر فَمَا فَوْقهَا فلهَا الْفَسْخ وَلَا يلْزمهَا الصَّبْر لشدَّة الضَّرَر وَإِن كَانَ لَهُ دين على زَوجته فَأمرهَا بالانفاق مِنْهُ فَإِن كَانَت موسرة فَلَا خِيَار كَمَا لَو كَانَ لَهُ دين على مُوسر حَاضر وَإِن كَانَت معسرة فلهَا الْفَسْخ لِأَنَّهَا لَا تصل إِلَى حَقّهَا والمعسر ينظر وَلَو تبرع شخص بأَدَاء النَّفَقَة عَن الْمُعسر فلهَا الْفَسْخ وَلَا يلْزمهَا الْقبُول كَمَا لَو كَانَ لَهُ دين على إِنْسَان فتبرع غَيره بِقَضَائِهِ لَا يلْزمه الْقبُول لِأَن فِيهِ منَّة للمتبرع
وَاعْلَم أَن الْقُدْرَة بِالْكَسْبِ كالقدرة بِالْمَالِ فَلَو كَانَ يكْتَسب كل يَوْم قدر النَّفَقَة فَلَا خِيَار فَلَو عجز عَن الْعَمَل لمَرض فَلَا فسخ إِن رجى زَوَاله فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن كَانَ يطول فلهَا الْفَسْخ للضَّرَر وَالله أعلم
(فرع) لَو لم يُعْطهَا الْمُوسر إِلَّا نَفَقَة الْمُعسر فَلَا فسخ وَيصير الْبَاقِي دينا عَلَيْهِ والقادر على الْكسْب إِذا امْتنع من الانفاق عَلَيْهَا فَهُوَ كالموسر إِذا امْتنع وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تفسخ إِذا منع الْمُوسر النَّفَقَة سَوَاء كَانَ حَاضرا أَو غَائِبا والاعسار بالكسوة كالاعسار بِالنَّفَقَةِ وَكَذَا الاعسار بالمسكن وَهل لَهَا أَن تفسخ بِالْعَجزِ عَن الْأدم فِيهِ خلاف الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ نعم وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ لَا فسخ لِأَنَّهُ غير ضَرُورِيّ وَالله أعلم
(فرع كثير الْوُقُوع) شَرط الْفَسْخ تحقق اعسار الزَّوْج أَو غَلَبَة الظَّن بِالْبَيِّنَةِ المقبولة شرعا سَوَاء كَانَ الزَّوْج حَاضرا أَو غَائِبا فَلَو غَابَ وَلم يعلم اعساره فَلَا فسخ فِي الْأَصَح كَمَا لَو كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا وَهُوَ غَائِب وَلَو ضمن النَّفَقَة ضَامِن بِإِذْنِهِ فَقيل لَهَا الْفَسْخ وَجزم القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ بِالْمَنْعِ إِن كَانَ مليئاً وَإِن ضمن بِغَيْر غذنه فَوَجْهَانِ وَالله أعلم
والاعسار بِالْمهْرِ فِيهِ خلاف منتشر
حَاصِل الْمَذْهَب مَا ذكره الشَّيْخ إِن كَانَ قبل الدُّخُول فلهَا الْفَسْخ وَإِلَّا فَلَا وَالْفرق أَن بِالدُّخُولِ قد تلف المعوض فَصَارَ الْعِوَض دينا فِي الذِّمَّة وَلِأَن تَسْلِيمهَا يشْعر بِرِضَاهَا بِذِمَّتِهِ بِخِلَاف مَا قبل الدُّخُول
وَاعْلَم أَنا حَيْثُ جَوَّزنَا الْفَسْخ فشرطه أَن لَا تكون الْمَرْأَة قبضت شَيْئا من الصَدَاق وَإِن قبضت شَيْئا مِنْهُ امْتنع عَلَيْهَا الْفَسْخ بِخِلَاف البَائِع إِذا قبض بعض الثّمن فَإِنَّهُ يجوز لَهُ الْفَسْخ بإفلاس المُشْتَرِي عَن بَاقِيه وَالْفرق أَن الزَّوْج باقباض بعض الْمهْر قد اسْتَقر لَهُ بعض الْبضْع فَلَو جَازَ للْمَرْأَة الْفَسْخ لعاد إِلَيْهَا الْبضْع بِكَمَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكن فِيهِ التَّشْرِيك فَيُؤَدِّي إِلَى الْفَسْخ فِيمَا اسْتَقر بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ وَإِن اسْتَقر بعضه بِقَبض بعض الثّمن إِلَّا أَن الشّركَة فِيهِ مُمكنَة فجوزنا الْفَسْخ فِي الْبَاقِي خَاصَّة كَذَا ذكره ابْن الصّلاح وَتوقف ابْن الرّفْعَة فِي الْمَسْأَلَة ذكره فِي الْمطلب وَالله أعلم
стр. 436
(فرع) الصَّحِيح الْمَشْهُور أَن الْمَرْأَة لَا تستقل بِالْفَسْخِ بل لَا بُد من الرّفْع إِلَى الْحَاكِم كَمَا فِي الْعنَّة لِأَنَّهُ أَمر مُجْتَهد فِيهِ وَقيل لَهَا أَن تفسخ بِنَفسِهَا كالرد بِالْعَيْبِ فعلى الصَّحِيح إِذا ثَبت عِنْده الاعسار تولى الْفَسْخ بِنَفسِهِ أَو أذن لَهَا أَن تفسخ فَلَو لم ترفع إِلَى القَاضِي وفسخت بِنَفسِهَا لعلمها بعجزه لم ينفذ فِي الظَّاهِر وَهل ينفذ بَاطِنا وَجْهَان قَالَ الإِمَام الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَام الْأَئِمَّة أَنه لَا ينفذ بَاطِنا
وَاعْلَم أَن القَاضِي إِنَّمَا يفْسخ أَو يإذن لَهَا فِيهِ بعد إمهال ثَلَاثَة أَيَّام من اعساره فِي الْأَصَح وَالله أعلم
(فرع) لَهُ أم ولد وَعجز عَن نَفَقَتهَا فَعَن أبي زيد أَنه يجْبر على عتقهَا وتزويجها إِن وجد خاطباً رَاغِبًا وَقَالَ غَيره لَا يجْبر عَلَيْهِ بل يخليها لتكسب وتنفق على نَفسهَا كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَصحح النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الثَّانِي وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْحَضَانَة فصل فِي الْحَضَانَة وَإِذا فَارق الرجل زَوجته وَله مِنْهَا ولد فَهِيَ أَحَق بحضانته إِلَى سبع سِنِين ثمَّ يُخَيّر بَين أَبَوَيْهِ فَأَيّهمَا اخْتَار سلم إِلَيْهِ
الْحَضَانَة بِفَتْح الْحَاء هِيَ عبارَة عَن الْقيام بِحِفْظ من لَا يُمَيّز وَلَا يسْتَقلّ بأَمْره وتربيته بِمَا يصلحه ووقايته عَمَّا يُؤْذِيه وَهِي نوع ولَايَة إِلَّا أَنَّهَا بالاناث أليق لِأَنَّهُنَّ أشْفق وَأهْدى إِلَى التربية وأصبر على الْقيام بهَا وَأَشد مُلَازمَة للأطفال وَمؤنَة الْحَضَانَة على الْأَب لِأَنَّهَا من أَسبَاب الْكِفَايَة كَالنَّفَقَةِ فَإِذا فَارق الرّقّ الرجل زَوجته فالأم أَحَق بحضنة الْوَلَد مِنْهُ وَمن غَيره من النِّسَاء بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَأتي وَاحْتج لتقديمها بِمَا روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن ابْني هَذَا كَانَ بَطْني لَهُ وعَاء وثديي لَهُ سقاء وحجري لَهُ حَوَّاء وَإِن أَبَاهُ طَلقنِي وَأَرَادَ أَن يَنْزعهُ مني فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ أَنْت أَحَق بِهِ مالم تنكحي ثمَّ إِنَّمَا يحكم بالطفل للْأُم دون الْأَب إِذا كَانَ صَغِيرا لَا يُمَيّز فَإِن ميز خير بَين الْأَبَوَيْنِ فَيكون عِنْد من اخْتَارَهُ مِنْهُمَا وَسَوَاء فِي ذَلِك الابْن وَالْبِنْت وَاحْتج للتَّخْيِير بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ خير غُلَاما
стр. 437
بَين أَبِيه وَأمه وَفِي رِوَايَة فَأخذ بيد أمه فَانْطَلَقت بِهِ وَاخْتلف فِي سنّ التَّمْيِيز فَالَّذِي جزم بِهِ هُنَا فِي أصل الرَّوْضَة أَنه فِي الْغَالِب ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين تَقْرِيبًا
وَاعْلَم أَن الْمدَار على التَّمْيِيز سَوَاء حصل قبل السَّبع أَو بعْدهَا وَلَا بُد مَعَ التَّمْيِيز أَن يكون عَارِفًا بِأَسْبَاب الِاخْتِيَار وَإِلَّا أخر إِلَى حُصُول ذَلِك لِأَن التخييز غنما فوض إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أعرف بحظه لِأَنَّهُ قد يعرف من أَبَوَيْهِ مَا يَدْعُو إِلَى اخْتِيَاره وَلِلنَّاسِ عِبَارَات فِي ضبط التَّمْيِيز وَأحسن مَا ذكر أَن يصير الطِّفْل بِحَيْثُ يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده ويستنجي وَحده وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن حكم أم الْأُم مَعَ الْأَب أَو الْجد حكم الْأُم وَإِذا تنَازع الاناث فِي الْحَضَانَة قدمت الْأُم ثمَّ أمهاتها تقدم الْقُرْبَى فالقربى ثمَّ أم الْأَب ثمَّ أمهاتها ثمَّ أم الْجد ثمَّ أمهاتها وَلَا حق لأم الْأَب ثمَّ الْأَخ لِلْأَبَوَيْنِ ثمَّ للْأَب ثمَّ الْأُخْت للْأُم ثمَّ الْخَالَة ثمَّ الْعمة هَذَا هُوَ الْأَظْهر إِذا تمحض الاناث فَإِن اجْتمع مَعَ النِّسَاء رجال قدمت الْأُم ثمَّ أمهاتها ثمَّ الْأَب ثمَّ أمهاته ثمَّ الْجد ثمَّ الْأَخَوَات ثمَّ الْخَالَة ثمَّ الْعمة على النَّص وَأما الْأُخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم فَإِنَّهُم كَالْأَبِ وَالْجد فِي الْحَضَانَة يقدم الْأَقْرَب مِنْهُم فَالْأَقْرَب على تَرْتِيب الْمِيرَاث على النَّص
وَاعْلَم أَن بَنَات الْأَخَوَات يقدمن على بَنَات الْإِخْوَة كَمَا قدم الْأُخْت على الْأَخ وَالأَصَح ثُبُوت الْحَضَانَة للْأُنْثَى الَّتِي لَيست بِمحرم كبنتي الْخَالَة والعمة وبنتي الْخَال وَالْعم فَإِن كَانَ الْوَلَد ذكرا استمرت حضانته حَتَّى يبلغ حدا يَشْتَهِي مثله وتتقدم بَنَات الخالات على بَنَات الأخوال وَبَنَات العمات على بَنَات الْأَعْمَام ويقدمن بَنَات الخؤولة على بَنَات العمومة وَالله أعلم قَالَ
(وشرائط الْحَضَانَة سَبْعَة الْعقل وَالْحريَّة وَالدّين والعفة وَالْأَمَانَة والخلو من زوج وَالْإِقَامَة فَإِن اخْتَلَّ شَرط سَقَطت)
قد علمت أَن الْحَضَانَة ولَايَة وسلطة وَأَن الْأُم أولى من الْأَب وَغَيره لوفور شفقتها فَإِذا رغبت فِي الْحَضَانَة فَلَا بُد لاستحقاقها من شُرُوط
الأول كَونهَا عَاقِلَة فَلَا حضَانَة لمجنونة سَوَاء كَانَ جنونها مطبقاً أَو متقطعاً نعم إِن كَانَ ينْدر وَلَا تطول مدَّته كَيَوْم فِي سِنِين فَلَا يبطل الْحق بِهِ كَمَرَض يطْرَأ وَيَزُول وَوجه سُقُوط حَقّهَا بالجنون أَنه لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا مَعَ الْجُنُون حفظ الْوَلَد صيانته بل هِيَ فِي نَفسهَا تحْتَاج إِلَى من يكفلها فَكيف تكون كافلة لغَيْرهَا وَالله أعلم
стр. 438
الثَّانِي الْحُرِّيَّة فَلَا حضَانَة لرقيقة وَإِن أذن السَّيِّد وَوجه الْمَنْع أَن مَنْفَعَتهَا للسَّيِّد وَهِي مَشْغُولَة عَن الْحَضَانَة بِهِ وَلِأَن الْحَضَانَة نوع ولَايَة وَلَا ولَايَة لرقيق ثمَّ إِن كَانَ الْوَلَد حرا فالحضانة بعد الْأُم للْأَب وَغَيره وَإِن كَانَ رَقِيقا فحضانته على السَّيِّد وَهل لَهُ نَزعَة من الْأَب وتسليمه إِلَى غَيره وَجْهَان بِنَاء على الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَاز التَّفْرِيق وَهل لَهَا حق الْحَضَانَة فِي وَلَدهَا من السَّيِّد وَجْهَان الصَّحِيح لَا حضَانَة لنقصها وَلَو كَانَ الْوَلَد نصفه حر وَنصفه رَقِيق فَنصف حضانته لسَيِّده وَنِصْفهَا لمن يَلِي حضانته من أَقَاربه الْأَحْرَار وَالله أعلم
الثَّالِث كَونهَا مسلمة إِن كَانَ الطِّفْل مُسلما بِإِسْلَام أَبِيه فَلَا حضَانَة لكافرة على مُسلم لِأَنَّهُ لَا حَظّ لَهُ فِي تربيتها لِأَنَّهَا تغشه وينشأ على مَا كَانَ يألف مِنْهَا وَلِأَنَّهُ ولَايَة وَلَا ولَايَة لكَافِر على مُسلم وَقيل تحضنه الْأُم الذِّمِّيَّة حَتَّى يُمَيّز وَالصَّحِيح الأول لما ذكرنَا والطفل الْكَافِر وَالْمَجْنُون الْكَافِر يثبت لقريبه الْمُسلم حضانته وكفالته على الصَّحِيح لِأَن فِيهِ مصلحَة لَهُ وَالله أعلم
الرَّابِع وَالْخَامِس الْعِفَّة وَالْأَمَانَة فَلَا حضَانَة لفاسقة لِأَنَّهَا ولَايَة وَلَا تأمن أَن تخون فِي حفظه وينشأ على طريقتها
وَاعْلَم أَنه لَا يشْتَرط تحقق الْعَدَالَة الْبَاطِنَة بل تَكْفِي الْعَدَالَة الظَّاهِرَة كشهود النِّكَاح قَالَه الْمَاوَرْدِيّ قَالَ فَلَو ادّعى أحد الْأَبَوَيْنِ فسق الآخر ليكفل قَوْله وَلَيْسَ لَهُ إحلافه بل هُوَ على ظَاهر الْعَدَالَة حَتَّى يُقيم مدعي الْفسق عَلَيْهِ بَيِّنَة كَذَا ذكره ابْن الرّفْعَة وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيّ لَا بُد من ثُبُوت أَهْلِيَّة الْأُم عِنْد القَاضِي إِذا نازعها الْأَب أَو غَيره من الْمُسْتَحقّين وَالله أعلم
السَّادِس كَونهَا فارغة خلية عَن النِّكَاح لقَوْله ﵊ أَنْت أَحَق بِهِ مالم تنكحي وَلِأَنَّهَا مَشْغُولَة بِالزَّوْجِ فيضرر الْوَلَد وَلَا أثر لرضا الزَّوْج بذلك كَمَا لَا أثر لرضا السَّيِّد بحضانة الْأمة وَلَو رَضِي الْأَب مَعَه فَهَل يسْقط حق الْجدّة الْأَصَح فِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة أَنه يسْقط حق الْجدّة وَيكون عِنْد الْأُم وَقَالَ فِي التَّهْذِيب لَا يسْقط حق الْجدّة فقد يرجعان فيتضرر الْوَلَد فَلَو تزوجت أم الطِّفْل بِعَمِّهِ فَهَل تبطل حضانتها وَجْهَان أصَحهمَا لَا تبطل لِأَن الْعم صَاحب حق فِي الْحَضَانَة وشفقته تحمله على رِعَايَة الطِّفْل فيتعاونان على كفَالَته بِخِلَاف الْأَجْنَبِيّ وَبِهَذَا قطع الامامان الْقفال وَحجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ
وَاعْلَم أَن الْخلاف مطرد فِي حق كل من لَهَا الْحَضَانَة ونكحت قَرِيبا للطفل لَهُ حق فِي الْحَضَانَة بِأَن نكحت أمه ابْن عَم الطِّفْل أَو عَم أَبِيه وَكَذَا تبقى حضانتها إِذا كَانَ زَوجهَا جد الطِّفْل أَي أَب أَبِيه
стр. 439
لِأَن لَهُ حَقًا فِي الْحَضَانَة وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا كَانَت الحاضنة جدة أَن يتَزَوَّج رجل بِامْرَأَة وَابْنه ببنتها من غَيره ثمَّ يَجِيء للِابْن ولد ثمَّ تَمُوت الْأُم وَالْأَب فتنتقل الْحَضَانَة إِلَى أم الْأُم وَهِي زَوْجَة الْجد وَالله أعلم
السَّابِع الْإِقَامَة وَإِنَّمَا تكون الْأُم أَحَق بالطفل إِذا كَانَ الأبوان مقيمين فِي بلد وَاحِد فَأَما إِذا أَرَادَ أَحدهمَا سفرا يخْتَلف فِيهِ بلدهما نظر إِن كَانَ سفر حَاجَة كحج وتجارة وغزو لم يُسَافر بِالْوَلَدِ لما فِي السّفر من الْخطر وَالْمَشَقَّة بل يكون مَعَ الْمُقِيم إِلَى أَن يعود الْمُسَافِر سَوَاء طَالَتْ مُدَّة السّفر أم قصرت وَقيل للْأَب السّفر بِهِ إِذا طَال سَفَره وَإِن كَانَ السّفر سفر نقلة إِن كَانَ ينْتَقل إِلَى مَسَافَة الْقصر فللأب انتزاع من الْأُم ويستصحبه مَعَه سَوَاء كَانَ الْمُنْتَقل الْأَب أَو الْأُم أَو أَحدهمَا إِلَى بلد وَالْأُخْرَى إِلَى بلد آخر احْتِيَاطًا للنسب فَإِن النّسَب يتحفظ بِالْآبَاءِ وَفِيه مصلحَة للتأديب والتعليم وسهولة الْقيام بمؤنتة وَسَوَاء نَكَحَهَا فِي بَلَدهَا أَو فِي الغربة فَلَو رافقته الْأُم فِي الطَّرِيق دَامَ حَقّهَا وَكَذَا فِي الْمَقْصد وَلَو عَاد من سفر النقلَة عَاد حَقّهَا وَيشْتَرط أَمن الطَّرِيق وَأمن الْبَلَد الَّذِي ينْتَقل إِلَيْهِ فَلَو كَانَا مخوفين لغارة وَنَحْوهَا لم يكن لَهُ انْتِزَاعه مِنْهَا وَإِن كَانَت النقلَة إِلَى دون مَسَافَة الْقصر فَهَل يُؤثر ذَلِك وَجْهَان
أَحدهمَا لَا ويكونان كالمقيمين فِي دارين من بلد وأصحهما أَنه كمسافة الْقصر وَلَو قَالَت إِنَّمَا تُرِيدُ سفر التِّجَارَة فَقَالَ بل النقلَة فَهُوَ الْمُصدق بِيَمِينِهِ على الْأَصَح وَقَالَ الْقفال يصدق بِلَا يَمِين فعلى الصَّحِيح لَو نكل حَلَفت وَأَمْسَكت الْوَلَد
وَاعْلَم أَن سَائِر الْعَصَبَات من الْمَحَارِم كالجد وَالْأَخ وَالْعم بِمَنْزِلَة الْأَب فِي انتزاع الْوَلَد مِنْهَا وَنَقله إِذا أَرَادَ الِانْتِقَال احْتِيَاطًا للنسب وَكَذَا غير الْمَحَارِم كَابْن الْعم إِن كَانَ الْوَلَد ذكرا فَإِن كَانَت أُنْثَى لم تسلم إِلَيْهِ قَالَ الْمُتَوَلِي إِلَّا إِذا لم تبلغ حدا تشْتَهى وَفِي الشَّامِل لِابْنِ الصّباغ أَنه لَو كَانَ لَهُ بنت ترافقه سلمت إِلَى ابْنَته
وَاعْلَم أَن الْمحرم الَّذِي لَا عصوبة لَهُ كالخال وَالْعم للْأُم فَلَيْسَ لَهُ نقل الْوَلَد إِذا انْتقل لِأَنَّهُ لَا حق لَهُ فِي النّسَب وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ فَإِن اخْتَلَّ شَرط سَقَطت وَجه ذَلِك أَن عِلّة اسْتِحْقَاق الْحَضَانَة مركبة من هَذِه الصِّفَات وَلَا شكّ أَن الْمَاهِيّة المركبة من أَجزَاء تَنْتفِي بِانْتِفَاء جُزْء مِنْهَا أَلا ترى أَن الصَّلَاة المستجمعة للشروط تصح بِوُجُود شُرُوطهَا وَلَو انْتَفَى شَرط مِنْهَا بطلت كَذَلِك هَهُنَا وَالله أعلم
(فرع) هَل يشْتَرط مَعَ هَذِه الشُّرُوط فِي اسْتِحْقَاق الْأُم الْحَضَانَة أَن ترْضع الْوَلَد إِن كَانَ رضيعاً وَجْهَان
أَحدهمَا لَا بل لَهَا الْحَضَانَة وَإِن لم يكن لَهَا لبِنْت أَو امْتنعت من الارضاع فعلى الْأَب على
стр. 440
هَذَا أَن يسْتَأْجر مُرْضِعَة ترْضِعه عِنْد الْأُم وَهَذَا مَا صَححهُ الْبَغَوِيّ وَالصَّحِيح الذب قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ يشْتَرط ذَلِك لعسر اسْتِئْجَار مُرْضِعَة قَالَ الاسنوي وَلم يذكرُوا من الشُّرُوط كَونهَا نصيرة وَمُقْتَضَاهُ ثُبُوت الْحَضَانَة للعمياء وَهُوَ كَذَلِك وَالله أعلم قَالَ
стр. 441
كتاب الْجِنَايَات
بَاب أَنْوَاع الْقَتْل
(الْقَتْل على ثَلَاثَة أضْرب عمد مَحْض وَخطأ مَحْض وَعمد خطأ فالعمد الْمَحْض أَن يعمد إِلَى ضربه بِمَا يقتل غَالِبا فيقصد قَتله بذلك فَيجب الْقود)
الْجِنَايَات جمع جِنَايَة وَالْجِنَايَة مصدر والمصدر لَا يثنى وَلَا يجمع إِلَّا إِذا قصد التنويع وَالْجِنَايَة كَذَلِك لتنوعها إِلَى عمد وَخطأ وَعمد خطأ كَمَا ذكره الشَّيْخ فالعمد الْمَحْض أَن يقْصد الْفِعْل والشخص الْمعِين بِشَيْء يقتل غَالِبا فقولنا أَن يقْصد الْفِعْل احْتِرَازًا عَمَّا إِذا لم يقْصد الْفِعْل كَمَا إِذا زلق فَسقط على غَيره فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَا يجب الْقصاص وَقَوْلنَا أَن يقْصد الشَّخْص الْمعِين احْتِرَازًا عَمَّا إِذا لم يقْصد شخصا معينا كَمَا إِذا رمى إِلَى جمَاعَة وَلم يقْصد وَاحِدًا بِعَيْنِه فَإِنَّهُ لَا يجب الْقصاص على الرَّاجِح وَقَوْلنَا بِشَيْء يقتل غَالِبا أَعم من أَن يكون بِآلَة أَو غَيرهَا والآلة أَعم من أَن تكون محددة أَو مثقل فالآلة المحددة كالسكين وَمَا فِي مَعْنَاهَا والمثقلة كالدبوس وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَكَذَا لَو حرقه أَو غرقه أَو صلبه أَو هدم عَلَيْهِ حَائِطا أَو سقفاً أَو داسه بِدَابَّة أَو دَفنه حَيا أَو عصر خصيتيه عصراً شَدِيدا فَمَاتَ وَجب الْقصاص وَغير الْآلَة أَنْوَاع مِنْهَا لَو حَبسه وَمنعه من الطَّعَام وَالشرَاب والطلب حَتَّى مَاتَ وَجب الْقصاص وَلَو حَبسه وعراه حَتَّى مَاتَ بالبرد فَهُوَ كَمَا لَو حَبسه وَمنعه الْأكل ذكره القَاضِي حُسَيْن بِخِلَاف مَا لَو أَخذ طَعَامه وَشَرَابه أَو ثِيَابه فِي مفازة فَمَاتَ جوعا أَو عطشاً أَو بردا فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ لم يحدث فِيهِ صنعا وَمِنْهَا إِذا شهدُوا على رجل بِمَا يُوجب قَتله قصاصا أَو ردة أَو زنا وَهُوَ مُحصن فَحكم القَاضِي بِشَهَادَتِهِم وَقَتله بمقتضاها ثمَّ رجعُوا وَقَالُوا تعمدنا وَعلمنَا أَنه يقتل بشهادتنا لَزِمَهُم الْقصاص وَكَذَا لَو شهدُوا بِمَا يُوجب الْقطع سَوَاء كَانَ قصاصا أَو سَرقَة يجب عَلَيْهِم الْقطع وَمِنْهَا أَن يقدم إِلَى الشَّخْص طَعَاما مسموما فَأكل وَمَات وَجب الْقصاص إِن كَانَ مَجْنُونا أَو صَبيا وَكَذَا حكم الأعجمي الَّذِي يعْتَقد أَنه لَا بُد من الطَّاعَة فِي كل مَا يشار عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّهُ وَالْحَالة هَذِه بِمَنْزِلَة الصَّغِير وَالْمَجْنُون وَإِن كَانَ الْمُقدم إِلَيْهِ بَالغا عَاقِلا فَإِن علم حَال الطَّعَام فَلَا شَيْء على الْمُقدم والآكل هُوَ الْقَاتِل نَفسه وَإِلَّا فَفِي وجوب الْقصاص قَولَانِ جاريان فِيمَا لَو غطى رَأس بِئْر فِي دهليز وَدعَاهُ إِلَى
стр. 442
دَاره ضيفاً وَكَانَ الْغَالِب أَنه يمر على ذَلِك الْموضع فَهَلَك بالبئر وَالْأَظْهَر لَا قصاص وَإِذا كَانَ لَا قصاص وَجَبت الدِّيَة على الْأَظْهر فَإِن هَذَا أقوى من حفر الْبِئْر وَقيل لَا تجب الدِّيَة تَغْلِيبًا للمباشرة وَمِنْهَا لَو سحر رجلا فَمَاتَ سألناه فَإِن قَالَ قتلته بسحري وسحري يقتل غَالِبا لزمَه الْقصاص
إِذا عرفت هَذَا فَقتل النَّفس بِغَيْر حق من أكبر الْكَبَائِر قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ أكبر الْكَبَائِر بعد الْكفْر وَكَذَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم الْآيَات وَالْأَخْبَار فِي التحذير مِنْهُ كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الْآيَة فَانْظُر إِلَى جَزَاء من قتل بِغَيْر حق جعل جزاءه جَهَنَّم مَعَ الخلود وَالْغَضَب والبعد وَالْعَذَاب الْمَوْصُوف بالعظمة عَافَانَا الله من ذَلِك وَفِي صَحِيح مُسلم لَا يحل قتل امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِيمَان وزنا بعد إِحْصَان وَقتل نفس بِغَيْر حق ظلما وعدواناً وَفِي الْخَبَر لقتل مُؤمن أعظم عِنْد الله من زَوَال الدُّنْيَا وَقَالَ ﵊ من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة لَقِي الله وَهُوَ مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله هَذَا كُله فِي الْعمد وَقد ذكره الشَّيْخ بقوله أَن يعمد إِلَى ضربه وَهُوَ قصد الْفِعْل إِلَى الشَّخْص وَالْهَاء فِي ضربه عَائِد إِلَيْهِ وَقَوله بِمَا يقتل غَالِبا مَا بِمَعْنى شَيْء وَهُوَ أَعم من الْآلَة وَغَيرهَا كالسبب كَمَا مر وَقَوله غَالِبا احْتَرز بِهِ عَمَّا لَا يقتل غَالِبا وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَوله فيقصد قَتله هَذِه الزِّيَادَة طَريقَة ضَعِيفَة شَرطهَا بعض الْأَصْحَاب وَالصَّحِيح أَن قصد الْقَتْل غير شَرط لوُجُوب الْقصاص بل الْحَد الْمُعْتَبر قصد الْفِعْل والشخص بِمَا يقتل غَالِبا وَالله أعلم قَالَ
(فَإِن عَفا عَنهُ وَجَبت دِيَة مُغَلّظَة حَالَة فِي مَال الْقَاتِل)
مُسْتَحقّ الْقود وَهُوَ الْقصاص بِالْخِيَارِ بَين أَن يقْتَصّ وَبَين أَن يعْفُو لقَوْله ﷺ ثمَّ أَنْتُم معشر خُزَاعَة قد قتلتم هَذَا الْقَتِيل من هُذَيْل وَأَنا وَالله عاقله فَمن قتل بعده قَتِيلا فأهله بَين خيرتين إِن أَحبُّوا قتلوا وَإِن أَحبُّوا أخذُوا الدِّيَة وَقَوله من قتل قَتِيلا إِلَى آخِره أخرجه البُخَارِيّ وَوجه الدّلَالَة
стр. 443
أَنه ﵊ خير الْوَرَثَة بَين الدِّيَة وَالْقَتْل فَإِن اقْتصّ الْمُسْتَحق فَلَا كَلَام وَإِن عَفا على الدِّيَة وَجَبت فَتجب بقتل الْحر الْمُسلم مائَة من الْإِبِل ثمَّ إِن كَانَ الْقَتْل عمدا تغلظت من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنَّهَا تجب على الْجَانِي وَلَا تحملهَا الْعَاقِلَة
وَالثَّانِي أَنَّهَا تجب حَالَة بِلَا تَأْجِيل
وَالثَّالِث أَنَّهَا تتغلط بِالسِّنِّ والتثليث فَتجب ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعَة خلفة والخلفة الْحَامِل وَسَوَاء كَانَ الْعمد مُوجبا للْقصَاص فَعَفَا على الدِّيَة كَمَا ذكره الشَّيْخ أم لم يُوجب الْعمد الْقود كَقَتل الْوَالِد وَلَده وَاحْتج لما ذَكرْنَاهُ بقوله ﵊ من قتل مُتَعَمدا دفع إِلَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول فَإِن شاؤوا قتلوا وَإِن شَاءُوا أخذُوا الدِّيَة وَهِي ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة وَمَا صَالحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُم وَذَلِكَ لتشديد الْقَتْل قَالَ
(وَالْخَطَأ الْمَحْض هُوَ أَن يَرْمِي إِلَى شَيْء فَيُصِيب رجلا فيقتله وَلَا قَود عَلَيْهِ بل تجب دِيَة مُخَفّفَة على الْعَاقِلَة مُؤَجّلَة ثَلَاث سِنِين)
قد علمت أَن الْجِنَايَة على ثَلَاثَة أضْرب وَقد تقدم الْكَلَام على الْعمد وَالْكَلَام الْآن على الْخَطَأ وَله تفسيران
أَحدهمَا مَا ذكره الشَّيْخ أَن يَرْمِي إِلَى شَيْء سَوَاء كَانَ صيدا أَو رجلا أَو غَيرهمَا فَيُصِيب رجلا وَهَذَا مَا ذكره القَاضِي أَبُو الطّيب وَالْقَاضِي حُسَيْن وَقَالَ غَيرهمَا إِن الْخَطَأ هُوَ مالم يقْصد فِيهِ الْفِعْل كمن زلق فَوَقع على غَيره فَمَاتَ أَو تولد الْهَلَاك من يَد المرتعش ثمَّ الْخَطَأ لَا قصاص فِيهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أوجب الله الدِّيَة وَلم يتَعَرَّض للْقصَاص وَفِي الْخَبَر أَنه ﵊ كتب إِلَى أهل الْيمن إِن فِي دِيَة النَّفس مائَة من الْإِبِل ثمَّ الدِّيَة فِي الْخَطَأ تخفف إِلَى ثَلَاثَة أوجه
стр. 444
أَحدهَا بإعتبار التخميس فَتجب عشرُون بنت مَخَاض وَعِشْرُونَ بنت لبون وَعِشْرُونَ ابْن لبون وَعِشْرُونَ حقة وَعِشْرُونَ جَذَعَة قَالَ الرَّافِعِيّ وَاحْتج الْأَصْحَاب بِمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قضى فِي دِيَة الْخَطَأ مائَة من الْإِبِل وفصلها على مَا ذكرنَا وَقَوله وفصلها أَي ابْن مَسْعُود وَلِهَذَا روى بَعضهم أَن ابْن مَسْعُود رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ وَاعْلَم أَن جُمْهُور الصَّحَابَة على تخميسها قَالَ سُلَيْمَان بن يسَار كَانُوا يَقُولُونَ دِيَة الْخَطَأ مائَة من الْإِبِل وَذكر مَا ذَكرْنَاهُ وَسليمَان تَابِعِيّ فَدلَّ على أَنه إِجْمَاع من الصَّحَابَة
الْوَجْه الثَّانِي كَونهَا على الْعَاقِلَة فَإِذا جنى الْحر على نفس حر آخر خطأ أَو عمد خطأ وَجَبت الدِّيَة على عَاقِلَة الْجَانِي وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن امْرَأتَيْنِ من هُذَيْل اقتتلتا فرمت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى بِحجر وَيرى بعمود فسطاط فقتلهتها وأسقطت جَنِينهَا فَقضى رَسُول الله ﷺ بِالدِّيَةِ على عَاقِلَة القاتلة وَفِي الْجَنِين بغرة عبد أَو أمة وَهَذِه صُورَة شبه الْعمد وَإِذا جرى التَّحَمُّل فَيُشبه الْعمد فَفِي بدل الْخَطَأ أولى قَالَ الْعلمَاء وتغريم غير الْجَانِي خَارج عَن الأقيسة الظَّاهِرَة إِلَّا أَن الْقَبَائِل فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يقومُونَ بنصرة من جنى مِنْهُم وَيمْنَعُونَ أَوْلِيَاء الْقَتِيل من أَن يدركوا بثأرهم ويأخذوا من الْجَانِي حَقهم فَجعل الشَّارِع بدل تِلْكَ النُّصْرَة بذل المَال وخصص الْعَاقِلَة بهما لِأَن الْخَطَأ وَشبه الْعمد مِمَّا يكثر فحسنت إِعَانَة الْقَاتِل لِئَلَّا يفْتَقر بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ مَعْذُور فِيهِ بِخِلَاف الْعمد إِذْ لَا عذر لَهُ فَلَا يَلِيق بِهِ الرِّفْق وأجلت على الْعَاقِلَة لِئَلَّا يشق عَلَيْهِم الْأَدَاء وَادّعى الإِمَام الاجماع على تحمل الْعَاقِلَة فِي الْخَطَأ وَشبه الْعمد وَقيل لَا تحمل الْعَاقِلَة دِيَة شبه الْعمد وَالْمذهب الأول لوُرُود النَّص فِيهِ وَالله أعلم
الْوَجْه الثَّالِث كَون الدِّيَة فِي ثَلَاث سِنِين رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس ﵃ قَالَ الشَّافِعِي وَلم أعلم مُخَالفا أَن رَسُول الله ﷺ قضى بِالدِّيَةِ على الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين فَإِن ورد النَّص بذلك كَمَا ذكره الشَّافِعِي فَلَا كَلَام وَإِلَّا فقد ضربهَا عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس كَذَلِك وَلم يُنكر عَلَيْهِم فَكَانَ إِجْمَاعًا وَلَا يَقُولُونَ ذَلِك إِلَّا توقيفاً فَإِن قلت قَالَ ابْن الْمُنْذر وَمَا ذكره الشَّافِعِي لَا نعلم لَهُ أصلا من كتاب الله وَلَا سنة وَقَالَ الإِمَام أَحْمد لما سُئِلَ عَن ذَلِك قَالَ لَا أعرف فِيهِ شَيْئا فَالْجَوَاب أَن من عرف حجَّة على من لَا يعرف وَكَيف يرد قَول الشَّافِعِي بذلك وَهُوَ أعلم الْقَوْم بالأخبار والتاريخ بِمثل ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
стр. 445
(وَعمد الْخَطَأ أَن يقْصد ضربه بِمَا لَا يقتل غَالِبا فَيَمُوت فَلَا قَود عَلَيْهِ بل تجب دِيَة مُغَلّظَة على الْعَاقِلَة مُؤَجّلَة)
قد مر ذكر الْعمد وَالْخَطَأ وَبَقِي شبه الْعمد وَهُوَ أَن يقْصد الْفِعْل والشخص مَعًا بِمَا لَا يقتل غَالِبا كَمَا إِذا ضربه بِسَوْط أَو عَصا ضَرْبَة خَفِيفَة أَو رَمَاه بِحجر صَغِير وَلم يوال بِهِ الضَّرْب وَلم يشْتَد الْأَلَم بِسَبَب ذَلِك وَلم يكن وَقت حر وَلَا برد شديدين أَو لم يكن الْمَضْرُوب ضَعِيفا أَو صَغِيرا فَهُوَ شبه عمد وَإِن كَانَ شَيْء من ذَلِك وَجب الْقصاص لِأَنَّهُ قصد الْفِعْل والشخص بِمَا يقتل غَالِبا وَلَو ضربه الْيَوْم ضَرْبَة وَغدا ضَرْبَة وَهَكَذَا فرق الضربات حَتَّى مَاتَ فَوَجْهَانِ لِأَن الْغَالِب السَّلامَة عِنْد تَفْرِيق الضَّرْب قَالَ المَسْعُودِيّ وَلَو ضربه ضَرْبَة وَقصد أَن لَا يزِيد عَلَيْهَا فشتمه فَضَربهُ ثَانِيَة ثمَّ شَتمه فَضَربهُ ثَالِثَة حَتَّى قَتله فَلَا قصاص لعدم الْمُوَالَاة قَالَ الرَّافِعِيّ وَيَنْبَغِي أَن لَا ينظر إِلَى صُورَة الْمُوَالَاة وَلَا إِلَى قدر مُدَّة التَّفْرِيق بل يعْتَبر أثر الضَّرْبَة السَّابِقَة والألم الْحَاصِل بهَا فَإِن تَيَقّن ثمَّ ضربه أُخْرَى فَهُوَ كَمَا لَو والى وَلَو طبق كَفه ولكمه فَهُوَ كالضرب بالعصا الْخَفِيفَة فيفصل وَقَول الشَّيْخ فَلَا قَود عَلَيْهِ بل تجب دِيَة مُغَلّظَة دَلِيله حَدِيث الْمَرْأَتَيْنِ من هُذَيْل وَقَوله مُغَلّظَة يَعْنِي من وَجه وَقَوله على الْعَاقِلَة مُؤَجّلَة يَعْنِي مُخَفّفَة من وَجْهَيْن لِأَن جِنَايَة الْخَطَأ مُخَفّفَة من ثَلَاثَة وُجُوه كَونهَا على الْعَاقِلَة ومؤجلة ومخمسة وَجِنَايَة الْعمد مُغَلّظَة من ثَلَاثَة أوجه كَونهَا على الجانس حَالَة مُثَلّثَة وَجِنَايَة شبه الْعمد تنْزع إِلَى الْعمد من وَجه كَونهَا فِيهَا قصد الْفِعْل والشخص وتنزع إِلَى الْخَطَأ يكون الْآلَة لَا تقتل غَالِبا فَلهَذَا خففت بِكَوْنِهَا على الْعَاقِلَة وبالتأجيل وغلظت بِكَوْنِهَا مُثَلّثَة وَالله أعلم قَالَ
(وشرائط وجوب الْقصاص أَرْبَعَة أَن يكون الْقَاتِل بَالغا عَاقِلا وَألا يكون والدا للمقتول وَألا يكون الْمَقْتُول أنقص من الْقَاتِل بِكفْر أَو رق)
لما ذكر الشَّيْخ ﵀ الْجِنَايَة ونوعها بِاعْتِبَار مَا يجب فِيهَا الْقصاص وَمَا لَا يجب شرع الْآن فِي ذكر من يجب عَلَيْهِ الْقصاص وَمن لَا يجب وَلَا شكّ أَن الْقصاص هُوَ الْمُمَاثلَة كَمَا قَالَه الْأَزْهَرِي وَهُوَ مَأْخُوذ من اقتصاص الْأَثر وَهُوَ تتبعه لِأَن تتبع الْجِنَايَة فَيَأْخُذ مثلهَا والمثلية تعْتَبر فِي الْجِنَايَة وكما تعْتَبر فِي الْجِنَايَة كَذَلِك تعْتَبر الْمُسَاوَاة بَين الْقَتِيل وَالْقَاتِل وَلَيْسَ المُرَاد الْمُسَاوَاة فِي كل خصْلَة لِأَن بعض الْخِصَال لم يَعْتَبِرهَا الشَّارِع قطعا كنضو الْخلقَة مَعَ كَبِير الضخامة وَنَحْو ذَلِك كالقوة والضعف وَغَيرهمَا ومدار ذَلِك على صِفَات تذكر فَمَتَى فضل الْقَاتِل على الْمَقْتُول بخصلة
стр. 446
مِنْهَا فَلَا قَود فَمِنْهَا الْإِسْلَام وَالْحريَّة والولادة فَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَلَا حر بِعَبْد وَلَا وَالِد بِولد وَلنَا عودة إِلَى ذَلِك وَيشْتَرط مَعَ ذَلِك كَون الْقَاتِل مُكَلّفا فَلَا يجب الْقصاص على صبي وَلَا مَجْنُون لِأَنَّهُ الْقَلَم مَرْفُوع عَنْهُمَا كَمَا مر فِي الْخَبَر فَلَا يجب عَلَيْهِمَا كَمَا لَا قصاص على النَّائِم فِيمَا إِذا انْقَلب على إِنْسَان فَقتله وَلَا على الْبَهِيمَة لعدم التَّكْلِيف وَلِأَن الْقصاص عُقُوبَة فَلَا يجب عَلَيْهِمَا كالحد نعم من زَالَ عقله بِمحرم كَالسَّكْرَانِ وَمن تعدى بِشرب دَوَاء مزيل الْعقل هَل يجب عَلَيْهِ الْقصاص قيل لَا كمعتوه والمذب الْقطع بِوُجُوب الْقصاص لتعديه بِفعل مَا يحرم عَلَيْهِ كَمَا نوقع عَلَيْهِ الطَّلَاق وَغَيره من المؤاخذات ولأنا لَو لم نوجب الْقصاص بذلك لَأَدَّى إِلَى تَركه بذلك فَإِن من رام قتل شخص لَا يعجز أَن يسكر حَتَّى لَا يقْتَصّ مِنْهُ فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى سفك الدِّمَاء وَالله أعلم
(فرع) لَو قَالَ الْقَائِل كنت يَوْم الْقَتْل صَغِيرا صدق بِيَمِينِهِ بِشَرْط إِمْكَان مَا يَدعِيهِ وَلَو قَالَ أَنا الْآن صَغِير صدق بِلَا يَمِين على الْأَصَح وَلَو قَالَ كنت مَجْنُونا عِنْد الْقَتْل وعهد لَهُ جُنُون صدق على الْأَصَح وَقيل يصدق الْوَارِث لِأَن الأَصْل السَّلامَة وَالله أعلم وَيشْتَرط أَن لَا يكون الْمَقْتُول أنقص من الْقَاتِل بِصفة الْكفْر فَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر حَرْبِيّا كَانَ الْمَقْتُول أَو ذِمِّيا أَو معاهداً لقَوْله ﷺ لَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَالله أعلم وَيشْتَرط فِي وجوب الْقصاص أَيْضا أَن لَا يكون الْمَقْتُول أنقص من الْقَاتِل بِصفة الرّقّ فَلَا يقتل حر بِعَبْد قِنَا كَانَ أَو مُدبرا أَو مكَاتبا أَو أم ولد لقَوْله تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فَظَاهره عدم قتل حر بِعَبْد وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ من السّنة أَلا يقتل حر بِعَبْد وَلِأَنَّهُ لَا يقطع طرفه بطرفه فَأولى أَلا يقتل بِهِ وَالله أعلم
(فرع) قتل الْحر الْمُسلم شخضا لَا يعلم أَنه مُسلم أَو كَافِر أَو لَا يعلم أَنه حر أَو عبد فَلَا قصاص للشُّبْهَة ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر وَالله أعلم وَيشْتَرط فِي وجوب الْقصاص أَلا يكون الْقَاتِل أَبَا أَو جدا وَإِن علا وَإِن نزل الْمَقْتُول لقَوْل عمر ﵁ فِي قصَّة وَقعت لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يُقَاد الْأَب من ابْنه لقتلتك هَلُمَّ دِيَته فَأَتَاهُ بهَا فَدَفعهَا إِلَى ورثته وَلِأَن الْوَالِد سَبَب وجوده فَلَا يحسن أَن يصير الْوَلَد سَببا فِي إعدامه وَقيل يقْتَصّ من الأجداد
стр. 447
والجدات وَالصَّحِيح الأول وَالله أعلم
(فرع) لَو حكم قَاض بقتل الْوَالِد لقتل الْوَلَد قَالَ ابْن كج ينْقض حكمه وَالله أعلم
(فرع) قتل مُسلم مُرْتَدا فَلَا قصاص عَلَيْهِ وَلَو قتل زَانيا مُحصنا فَالْأَصَحّ الْمَنْصُوص وَبِه قطع المراوزة أَنه لَا قصاص وَظَاهر كَلَام الرَّافِعِيّ أَنه لَا فرق فِي عدم وجوب الْقصاص بَين أَن يثبت زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَو بالاقرار وَقد ذكره كَذَلِك فِي حد الزِّنَا وَفِي الْأَطْعِمَة وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك لكنه صحّح فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه وجوب الْقصاص إِذا ثَبت بِالْإِقْرَارِ وَيجْرِي الْخلاف فِيمَا لَو قتل مُحَاربًا هَل فِي قصاص أم لَا وَالله أعلم قَالَ
(وَتقتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ)
إِذا اشْترك جمَاعَة فِي قتل وَاحِد قتلوا بِهِ بِشَرْط أَن يكون فعل كل وَاحِد لَو انْفَرد لقتل لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ يَعْنِي الْقصاص وَقتل عمر ﵁ سَبْعَة أَو خَمْسَة من أهل صنعاء الْيمن بِوَاحِد وَقَالَ لَو توالى عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم بِهِ وَقتل عَليّ ﵁ ثَلَاثَة بِوَاحِد وَقتل الْمُغيرَة سَبْعَة بِوَاحِد وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا قتل جمَاعَة وَاحِدًا قتلوا بِهِ وَلَو كَانُوا مائَة وَلم يُنكر عَلَيْهِم أحد فَكَانَ ذَلِك اجماعاً وَأَيْضًا فالتشفي لَا يحصل إِلَّا بقتل الْكل وَكَذَا الزّجر وَإِذا آل الْأَمر إِلَى المَال فَهَل يلْزمهُم على عدد الضربات أم بِالسَّوِيَّةِ الرَّاجِح الثَّانِي لِأَن الْجراحَة الْوَاحِدَة قد يكون لَهَا نكاية مَا لَا يكون للجراحات ثمَّ كَيفَ الِاسْتِحْقَاق قَالَ الْجُمْهُور يسْتَحق روح كل وَاحِد غذ الرّوح لَا يتَجَزَّأ وَلَو اسْتحق بَعْضهَا لم يقتل وَقَالَ الْحَلِيمِيّ إِذا كَانُوا عشرَة مثلا لم يسْتَحق إِلَّا عشر روح كل وَاحِد بِدَلِيل أَنه لَو آل الْأَمر إِلَى الدِّيَة لم يلْزمه إِلَى عشرهَا غير أَنه لَا يُمكن اسْتِيفَاء الْعشْر إِلَّا بِالْكُلِّ فاستوفى لتعذر وَصَارَ هَذَا بِمَثَابَة مَا إِذا أَدخل الْغَاصِب الْمَغْصُوب فِي مَكَان ضيق واحتيج فِي رده إِلَى قلع الْبَاب وَهدم الْجِدَار ورد الإِمَام ذَلِك بِأَنَّهُ لَو قطع يَد غَيره من نصف الساعد لَا يجْرِي الْقصاص فِيهِ خوفًا من اسْتِيفَاء الزِّيَادَة على الْجِنَايَة بِجُزْء يسير فَكيف يريق تِسْعَة أعشار الدَّم بَال اسْتِحْقَاق لِاسْتِيفَاء عشر وَاحِد وَاعْتِبَار الْقصاص بِالدِّيَةِ مَمْنُوع أَلا ترى أَن الرجل يقتل بِالْمَرْأَةِ وَإِذا آل الْأَمر إِلَى المَال لم يلْزمه إِلَّا نصف دِيَة نَفسه وَلَو ضربه كل وَاحِد بِسَوْط أَو بعصا خَفِيفَة فَمَاتَ فَفِي
стр. 448
وجوب الْقصاص عَلَيْهِم أوجه أَصَحهَا ثَالِثهَا وَبِه قطع الْبَغَوِيّ وَشَيْخه القَاضِي حُسَيْن أَنه إِذا صدر ذَلِك عَن تواطئ مِنْهُم لَزِمَهُم الْقصاص وَإِلَّا فَلَا وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْقصاص فِيمَا دون النَّفس
(وكل شَخْصَيْنِ جرى الْقصاص بَينهمَا فِي النَّفس يجْرِي بَينهمَا فِي الْأَطْرَاف وشرائط وجوب الْقصاص فِي الْأَطْرَاف بعد الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة اثْنَان الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم الْخَاص الْيُمْنَى باليمنى واليسرى باليسرى وَأَن لَا يكون بِأحد الطَّرفَيْنِ شلل)
قد علمت أَن الْقصاص هُوَ الْمُمَاثلَة وكما تعْتَبر فِي الفس كَذَلِك تعْتَبر فِي الْأَطْرَاف لِأَن الاعتداء بِهِ يُقَابل بِمثلِهِ فَمن لَا يقتل بشخص لَا يقطع طرفه بطرفه لانتقاء الْمُمَاثلَة المرعية شرعا وَإِذا تقرر هَذَا فَلَا يُقَابل طرفع بِغَيْر جنسه كَالْيَدِ بِالرجلِ وَنَحْوه وكما لَا يُقَابل الْعُضْو بِغَيْر جنسه كَذَلِك لَا يُقَابل عِنْد اخْتِلَاف الْمحل فَلَا تقطع الْيُمْنَى باليسرى وَبِالْعَكْسِ وَكَذَا بَقِيَّة الْأَعْضَاء فَلَا تُؤْخَذ الْعين الْيُمْنَى باليسرى وَبِالْعَكْسِ وَلَا السُّفْلى بالعليا من الشفتين وَبِالْعَكْسِ كَمَا لَا يُؤْخَذ خنصر بإبهام وَلَا أُنْمُلَة بِأُخْرَى لاخْتِلَاف مَحلهمَا ومنافعهما كَمَا لَا يُؤْخَذ أنف بِعَين وكما يُؤثر اخْتِلَاف الْمحل فِي منع الْقصاص لعدم الْمُمَاثلَة كَذَلِك يُؤثر تفَاوت الصِّفَات الْمُعْتَبرَة فَلَا تُؤْخَذ الْيَد الصَّحِيحَة بالشلاء وَإِن رَضِي لِأَن الشلاء مسلوبة الْمَنْفَعَة فَلَا تُؤْخَذ بهَا كَامِلَة مَا لَا تُؤْخَذ الْعين البصيرة بالعمياء بِخِلَاف الْأذن الشلاء حَيْثُ تُؤْخَذ بهَا الصَّحِيحَة على الرَّاجِح لِأَن مَنْفَعَتهَا من جمع الصَّوْت وَدفع الْهَوَام بَاقِيَة وَلِأَن الشلل موت كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فَلَا يقْتَصّ من حَيّ بحز رَقَبَة ميت وكما لَا تقطع الصَّحِيحَة بالشلاء كَذَلِك لَا تقطع الصَّحِيحَة بيد فِيهَا أصْبع شلاء نعم لَهُ لقط الْأَصَابِع الصَّحِيحَة وَأخذ الْأَرْش عَن الأشل وَهل تجب حُكُومَة جَمِيع الْكَفّ أَو حُكُومَة مَا قَابل الْأَصَابِع الصَّحِيحَة الَّتِي اقْتصّ مِنْهَا وَتسقط حُكُومَة الأشل الَّذِي أَخذ حكومته وَجْهَان جزم الْعِرَاقِيُّونَ بِالثَّانِي وَصحح ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة الأول وَبِه جزم القَاضِي حُسَيْن
وَاعْلَم أَنه إِذا اتَّحد الْجِنْس وَالْمحل وَالْمَنْفَعَة فَلَا اعْتِبَار بالتفاوت فِي الصغر وَالْكبر والطول وَالْقصر وَالْقُوَّة والضعف والضخامة والنحافة كَمَا لَا يعْتَبر مماثلة النَّفس فِي هَذِه الْأُمُور وَلِهَذَا تقطع يَد الصَّانِع بالأخرق كَمَا يقتل الْعَالم بالجاهل وَالله أعلم قَالَ
(وكل عُضْو أَخذ من مفصل فَفِيهِ الْقصاص وَلَا قصاص فِي الْجراح إِلَّا فِي الْمُوَضّحَة)
لَا شكّ فِي جَرَيَان الْقصاص فِي الْجِرَاحَات فِي الْجُمْلَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾
стр. 449
ثمَّ الْجراحَة تَارَة تحصل مَعهَا إبانة وَتارَة لَا تحصل فَإِن حصل مَعهَا إنابة فَتَارَة تكون الْإِبَانَة من مفصل وَتارَة لَا تكون فَإِن لم تكن من مفصل فَلَا قصاص لعدم الوثوق بالمماثلة كَمَا لَو قطع يَده من نصف الْكَفّ فَلَا قصاص فِي الْكَفّ وَله الْتِقَاط الْأَصَابِع وَله حُكُومَة نصف الْكَفّ على الْأَصَح وَلَو قطع من نصف الساعد قطع من الْكُوع وَأخذ حُكُومَة نصف الساعد فَلَو عَفا فَلهُ دِيَة الْكَفّ وحكومة نصف الساعد وَكَذَا لَا قصاص فِي كسر الْعِظَام لعدم الوثوق بالمماثلة وَإِن كَانَت الْإِبَانَة من مفصل وَجب الْقصاص بِشَرْط إِمْكَان الْمُمَاثلَة وَأمن اسْتِيفَاء الزِّيَادَة وَيحصل ذَلِك بِأَن يكون للعضو مفصل تُوضَع الْحَدِيد عَلَيْهِ ثمَّ اتِّصَال الْعُضْو بالعضو قد يكون بمجاورة مَحْضَة وَقد يكون مَعَ دُخُول عظم فِي عظم كالمرفق وَالركبَة فَمن المفاصل الأنامل والكوع وَالركبَة ومفصل الْقدَم فَإِذا وَقعت الْجِنَايَة على بَعْضهَا اقْتصّ من الْجَانِي لِإِمْكَان الْمُمَاثلَة بِلَا زِيَادَة وَمن المفاصل الْفَخْذ والمنكب فَإِن أمكن الْقصاص بِلَا إجافة اقْتصّ وَإِلَّا فَلَا سَوَاء كَانَ الْجَانِي أجاف أم لَا لِأَن الجوائف لَا تنضبط وَلِهَذَا لَا يجْرِي فِيهَا الْقصاص وَفِي وَجه شَاذ أَن الْقصاص يجْرِي إِذا كَانَ الْجَانِي أجاف وَقَالَ أهل الْخِبْرَة يُمكن أَن يقطع ويجاف مثل تِلْكَ الْجَائِفَة وَإِن كَانَت الْجراحَة لَا إبانة مَعهَا فَلَا قصاص فِي شَيْء إِمَّا قطعا وَإِمَّا على الرَّاجِح إِلَّا فِي الْمُوَضّحَة سَوَاء كَانَت فِي الرَّأْس أَو الْوَجْه أَو الصَّدْر أَو غَيرهَا كالساعد والأنامل وَسميت بذلك لِأَنَّهَا أوضحت الْعظم وَوَجَب الْقصاص فِيهَا لِإِمْكَان الْمُمَاثلَة بالمساحة فتذرع مُوضحَة المشجوج بخشبة أَو بخيط ويحلق ذَلِك الْموضع من رَأس الشاج إِن كَانَ عَلَيْهِ شعر ويخط عَلَيْهِ بسواد أَو حمرَة ويضبط الشاج حَتَّى لَا يضطرب ويوضح بحديدة حادة كالموسى وَلَا يُوضح بِالسَّيْفِ وَإِن كَانَ أوضح بِهِ لِأَنَّهُ لاتؤمن مَعَه الزِّيَادَة وَكَذَا لَو أوضحه بِحجر أَو دبوس أَو عَصا بل يقْتَصّ مِنْهُ بالحديد كَذَا ذكره الْقفال وَغَيره وَتردد فِيهِ الرَّوْيَانِيّ ثمَّ يفعل مَا هُوَ أسهل عَلَيْهِ من الشق دفْعَة وَاحِدَة أَو شَيْئا فَشَيْئًا وَلَا عِبْرَة بتفاوت الْجلد فِي الغلظ وَاللَّحم بَين الْجَانِي والمجني عَلَيْهِ كَمَا لَا عِبْرَة بالضخامة والنحافة فِي قصاص النَّفس والطرف وَالله أعلم وَقَوله وَلَا قصاص إِلَّا فِي الْمُوَضّحَة هَذَا اسْتَثْنَاهُ من الشجاج والمنقلة وَهِي تِسْعَة غير الْمُوَضّحَة فَمِنْهَا الخارصة وَهِي الَّتِي تشق الْجلد قَلِيلا نَحْو الخدش وفيهَا الْحُكُومَة وَلَا يبلغ بهَا أرش الْمُوَضّحَة
الثَّانِيَة الدامية وَهِي الَّتِي يدمي موضعهَا من الشق والخدش وَلَا يقطر مِنْهَا دم كَذَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَأهل اللُّغَة وَقَالَ أهل اللُّغَة إِن سَالَ مِنْهَا دم فَهِيَ الدامعة بِالْعينِ الْمُهْملَة وفيهَا حُكُومَة أَيْضا
الثَّالِثَة الباضعة وَهِي الَّتِي تقطع اللَّحْم بعد الْجلد وفيهَا حُكُومَة أَيْضا
стр. 450
الرَّابِعَة المتلاحمة وَهِي الَّتِي تغوص فِي اللَّحْم وَلَا تبلغ الْجلد بَين اللَّحْم والعظم فِيهَا حُكُومَة أَيْضا
الْخَامِسَة السمحاق وَهِي الَّتِي تبلغ تِلْكَ الْجلْدَة وَتسَمى تِلْكَ الْجلْدَة السمحاق وفيهَا حُكُومَة أَيْضا كَالَّتِي قبلهَا
السَّادِسَة الهاشمة وَهِي الَّتِي تكسر الْعظم وفيهَا خمس من الْإِبِل فَإِن أوضح مَعَ الهشم وَجب عشرَة من الْإِبِل
السَّابِعَة المنقلة وَهِي الَّتِي تنقل الْعظم من مَوضِع إِلَى مَوضِع وفيهَا مَعَ الهشم والإيضاح خَمْسَة عشرَة
الثَّامِنَة المأمومة وَهِي الَّتِي تبلغ أم الرَّأْس وَهِي خريطة الدِّمَاغ المحيطة بِهِ وفيهَا ثلث الدِّيَة
التَّاسِعَة الدامغة وَهِي الَّتِي تخرق الخريطة وَتصل إِلَى أم الدِّمَاغ وفيهَا ثلث الدِّيَة
الْعَاشِرَة الْمُوَضّحَة ومحلها بعد السمحاق وَهِي الْجلْدَة لِأَن الْمُوَضّحَة تزيلها فَيظْهر الْعظم فتوضحه وفيهَا خمس من الْإِبِل عِنْد عدم وجوب الْقصاص وَقد ذكر الشَّيْخ مَا يجب فِيهَا من الدِّيَة وَفِي لجائفة ثلث الدِّيَة وَهِي الْجِنَايَة الَّتِي تصل إِلَى الْجوف وَالله أعلم قَالَ
بَاب الدِّيات فصل فِي الدِّيَة وَالدية على ضَرْبَيْنِ مُغَلّظَة ومخففة فالمغلظة من الْإِبِل ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة)
الدِّيَة هِيَ المَال الْوَاجِب بِالْجِنَايَةِ على الْحر سَوَاء كَانَت فِي نفس أَو طرف وَهِي فِي الْحر الْمُسلم مائَة من الْإِبِل كَذَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فِي كِتَابه إِلَى الْيمن وَادّعى ابْن يُونُس الْإِجْمَاع على ذَلِك ثمَّ إِن كَانَ الْقَتْل عمدا سَوَاء أوجب الْقصاص أم لَا كَقَتل الْوَالِد الْوَلَد أَو شبه عمد وَجَبت الدِّيَة أَثلَاثًا ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا كَذَا ورد النَّص بِهِ وَالله أعلم قَالَ
стр. 451
(والمخفضة مائَة من الْإِبِل عشرُون حقة وَعِشْرُونَ جَذَعَة وَعِشْرُونَ بنت لبون وَعِشْرُونَ ابْن لبون وَعِشْرُونَ بنت مَخَاض)
لما روى ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه ﵊ قَالَ دِيَة الْخَطَإِ أَخْمَاس وَجُمْهُور الصَّحَابَة على تخميسها وَقد مر أَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ دِيَة الْخَطَأ مائَة من الْإِبِل وَذكر مَا ذكره الشَّيْخ من التخميس وَسليمَان تَابِعِيّ فَدلَّ على أَنه إِجْمَاع من الصَّحَابَة وَالله أعلم قَالَ
(فَإِن أعوزت الْإِبِل انْتقل إِلَى قيمتهَا وَقيل ينْتَقل إِلَى ألف دِينَار أَو اثْنَي عشر ألف دِرْهَم وَإِن غلظت زيد عَلَيْهَا الثُّلُث)
حَيْثُ وَجَبت الدِّيَة إِمَّا على الْقَاتِل أَو على الْعَاقِلَة وَله إبل وَجَبت الدِّيَة من نوعها كَمَا تجب الزَّكَاة من نوع النّصاب سَوَاء كَانَت من نوع إبل الْبَلَد أَو من فَوْقهَا أَو دونهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص وَفِي وَجه تجب من غَالب إبل الْبَلَد وَرجحه الإِمَام لِأَنَّهُ عوض متْلف فعلى الصَّحِيح لَو كَانَت إبل الْجَانِي أَو الْعَاقِلَة مُخْتَلفَة الْأَنْوَاع فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا تجب من الْغَالِب فَإِن اسْتَوَت تخير
وَالثَّانِي تجب من كل نوع بِقسْطِهِ فَإِن أخرج الْكل من نوع وَاحِد وَكَانَ أَجود جَازَ كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن أخرج الْقَاتِل من الْأَغْلَب جَازَ وَإِن كَانَ أردأ وَإِن اسْتَوَى جَازَ من الْأَعْلَى دون الْأَسْفَل إِلَّا أَن يرضى الْوَلِيّ وَأما الْعَاقِلَة فَإِن كَانَ لكل مِنْهُم أَنْوَاع فَهُوَ كالقاتل لَكِن لَهُ إِخْرَاج الْأَدْنَى لِأَنَّهَا تُؤْخَذ مِنْهُ مواساة وَمن الْجَانِي استحقاقاً فَإِن لم يكن للجاني وَلَا لِلْعَاقِلَةِ إبل وَجَبت من غَالب إبل الْبَلَد فَإِن لم يكن فَمن غَالب أقرب إبل الْبِلَاد إِلَيْهِم كَزَكَاة الْفطر فَإِن لم يَكُونُوا من أهل الْبِلَاد فَمن غَالب إبل الْقَبِيلَة فَإِن لم يكن فَمن أقرب الْقَبَائِل إِلَيْهِم فَإِن أعوزت الْإِبِل
стр. 452
وَجَبت قيمتهَا بَالِغَة مَا بلغت على الْأَظْهر لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يقوم الْإِبِل على أهل الْقرى فَإِذا غلت رفع قيمتهَا وَإِذا هَانَتْ نقص من قيمتهَا وَلِأَن الْإِبِل بدل متْلف فَرجع إِلَى قِيمَته عِنْد إعواز أَصله هَذَا هُوَ الْجَدِيد وَفِي الْقَدِيم تجب ألف دِينَار على أهل الذَّهَب أَو اثْنَا عشر ألف دِرْهَم على أهل الْوَرق لِأَنَّهُ ﵊ كتب إِلَى أهل الْيمن إِن على أهل الذَّهَب ألف دِينَار وعَلى أهل الْوَرق اثْنَا عشر ألف دِرْهَم فعلى الْقَدِيم يُزَاد فِي التَّغْلِيظ قدر الثُّلُث أَي ثلث الدِّيَة لفعل عمر وَعُثْمَان ﵄ فَإِن تعدد بِسَبَب التَّغْلِيظ بِأَن قتل محرما بِفَتْح الرَّاء فِي الْحرم فَفِي التَّعَدُّد خلاف الرَّاجِح لَا تعدد وَالله أعلم قَالَ
(وتغلظ دِيَة الْخَطَإِ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع إِذا قتل فِي الْحرم أَو فِي الاشهر الْحرم أَو قتل ذَا رحم)
قد تقدم أَن دِيَة الْخَطَأ مُخَفّفَة من ثَلَاثَة أوجه كَونهَا مخمسة وَكَونهَا على الْعَاقِلَة وَكَونهَا مُؤَجّلَة وَقد يطْرَأ مَا يُوجب التَّغْلِيظ فَإِذا قتل خطأ فِي حرم مَكَّة دون حرم الْمَدِينَة أَو فِي الْأَشْهر الْحرم وَهِي ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب أَو قتل ذَا رحم أَي محرم دون مَا إِذا قتل ذَا رحم غير محرم فَإِنَّهُ لَا تَغْلِيظ فِي الْأَصَح وَكَذَا بمحرمية الرَّضَاع والمصاهرة لَا تَغْلِيظ قطعا وَوَجَبَت الدِّيَة مُغَلّظَة وَالدَّلِيل على التَّغْلِيظ بِهَذِهِ الْأَسْبَاب أَن الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم غلظوا بهَا وَادّعى الاشتهار بذلك وَحُصُول الِاتِّفَاق أما عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ من قتل فِي الْمحرم أَو ذَا رحم أَو فِي الْأَشْهر الْحرم فَعَلَيهِ دِيَة وَثلث وَقضى عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي امْرَأَة وطِئت فِي الطّواف بديتها سِتَّة آلَاف دِرْهَم وألفين تَغْلِيظًا لأجل الْحرم وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رجلا قتل رجلا فِي الشَّهْر الْحَرَام وَفِي الْبَلَد الْحَرَام فَقَالَ دِيَته اثْنَا عشر ألف دِرْهَم وللشهر الْحَرَام أَرْبَعَة آلَاف وللبلد الْحَرَام أَرْبَعَة آلَاف وَلم يُنكر ذَلِك أحد من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَهَذِه الْأُمُور لَا تدْرك بِالِاجْتِهَادِ بل بالتوقيف من النَّبِي ﷺ
وَاعْلَم أَن الشَّيْخ قَالَ وتغلظ وَلم يذكر كَيْفيَّة التَّغْلِيظ قَالَ الرَّافِعِيّ تكون مُغَلّظَة بِاعْتِبَار التَّثْلِيث فَتجب على الْعَاقِلَة ومؤجلة ومثلثة كدية شبه الْعمد والتغليظ بِاعْتِبَار التَّثْلِيث يرجع إِلَى الصّفة وَالسّن دون الْعدَد وَقَضَاء الصَّحَابَة ﵃ يرجع إِلَى الزِّيَادَة على الْقدر وَالِاسْتِدْلَال
стр. 453
بِفعل الصَّحَابَة كَذَلِك يحْتَاج إِلَى تَأمل فاعرفه وَالله أعلم قَالَ
(ودية الْمَرْأَة على النّصْف من دِيَة الرجل)
لما روى عَمْرو بن حزم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ دِيَة الْمَرْأَة نصف دِيَة الرجل ويروى ذَلِك عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَعَن العبادلة ﵃ وَلم يخالفهم أحد مَعَ اشتهاره فَصَارَ إِجْمَاعًا والعبادلة أَرْبَعَة آباؤهم صحابة عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الزبير وعد ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة هُنَا العبادلة ثَلَاثَة وَأسْقط عبد الله بن الزبير وَالله أعلم قَالَ
(ودية الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ ثلث دِيَة الْمُسلم)
دِيَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ ذِمِّيا كَانَ أَو مستأمناً أَو معاهداً ثلث دِيَة الْمُسلم رُوِيَ ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ وَرُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قضى فِي دِيَة الْيَهُودِيّ بأَرْبعَة آلَاف وَفِي الْمَجُوسِيّ بثمانمائة دِرْهَم وَلِأَنَّهُ أقل مَا قيل وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فِيمَا زَاد والسامرة والصابئة إِن ألْحقُوا بهم فِي الْجِزْيَة والذبائح والمناكحة فَكَذَلِك فِي الدِّيَة وَإِلَّا فديتهم إِن كَانَ لَهُم أَمَان دِيَة الْمَجُوسِيّ وَالله أعلم قَالَ
(ودية الْمَجُوسِيّ ثلثا عشر دِيَة الْمُسلم)
شَرطه أَن يكون لَهُ أَمَان وَحِينَئِذٍ فديته ثلثا عشر دِيَة الْمُسلم لِأَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ جعل دِيَته ثَمَانمِائَة دِرْهَم وَكَذَا عُثْمَان ﵁ وَابْن مَسْعُود وانتشر فِي الصَّحَابَة بِلَا نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا وَمثل هَذِه التقديرات لَا تفعل إِلَّا توقيفا وَلِأَن الْيَهُود والنصار كَانَ لَهُم كتاب وَدين حق بِالْإِجْمَاع وَتحل مناكحتهم وذبائحهم ويقرون بالجزية وَلَيْسَ للمجوسي من هَذِه الْخَمْسَة إِلَّا التَّقْرِير بالجزية فَكَأَن ديتهم خمس دِيَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصَارَى وَاعْلَم أَن الوثني كالمجوسي وَكَذَا عَبدة الشَّمْس وَالْبَقر وَالشَّجر وَالله أعلم
стр. 454
(فرع) من لم تبلغه دَعْوَة مُحَمَّد ﷺ إِلَى الله تَعَالَى وبلغته دَعْوَة غَيره فَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ أَنه إِن كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَفِيهِ ثلث الدِّيَة وَإِن كَانَ مجوسياً أَو وثنياً فَفِيهِ ثلثا عشر الدِّيَة لِأَنَّهُ ثَبت لَهُ بجهله نوع عصمَة فَألْحق بالمستأمن من أهل دينه فعلى هَذَا إِن لم يعرف دينه فَهَل تجب دِيَة ذمِّي أَو مَجُوسِيّ فِيهِ وَجْهَان قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ الْمَذْهَب مِنْهَا الثَّانِي وَالله أعلم قَالَ
(وتكمل دِيَة النَّفس فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَالْأنف والأذنين والعينين والجفون الْأَرْبَعَة وَاللِّسَان والشفتين وَذَهَاب الْكَلَام وَذَهَاب الْبَصَر وَذَهَاب السّمع وَذَهَاب الشم وَذَهَاب الْعقل وَالذكر والانثيين)
قد علمت أَن دِيَة النَّفس مائَة من الْإِبِل على الْجَدِيد أَو ألف دِينَار أَو إثنا عشر ألف دِرْهَم على الْقَدِيم وَقيل غير ذَلِك إِذا عرفت هَذَا فالجناية قد تكون على نفس وَقد تكون على غير نفس وَإِذا كَانَت على غير نفس فقد تكون على طرف وَقد تكون على غير طرف وَإِن كَانَت على غير طرف فقد يكون لَهَا أرش مُقَدّر وَقد لَا يكون لَهَا أرش فَإِن لم يكن لَهَا أرش مُقَدّر فَفِيهَا الْحُكُومَة وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا وَإِن كَانَ لَهَا أرش مُقَدّر فَتَارَة يكون الْفَائِت بِالْجِنَايَةِ مَنْفَعَة فَقَط كذهاب الْبَصَر مثلا وَقد تكون الْمَنْفَعَة مَعَ الجرم وَذَلِكَ مثل الْيَدَيْنِ وَفِي إبانتهما الدِّيَة كَامِلَة وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا بل تكمل الدِّيَة فِي لقط الْأَصَابِع
وَالدَّلِيل على إِكْمَال الدِّيَة فيهمَا قَوْله ﵊ وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَة كَذَا ورد فِي حَدِيث جَابر وَفِي كِتَابه ﵊ إِلَى الْيمن وَفِي الْيَد خَمْسُونَ من الْإِبِل وَلِأَنَّهُمَا أعظم نفعا من الْأُذُنَيْنِ وَالْمرَاد بِالْيَدِ الكفان وَيدل لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وَقطع رَسُول الله ﷺ من مفصل الْكَفّ فَدلَّ على أَنَّهَا الْيَد لُغَة وَشرعا وَلَو قطع الْأَصَابِع ثمَّ قطع الْكَفّ بعد الِانْدِمَال وَجَبت دِيَة وحكومة وَإِن كَانَ قبل الِانْدِمَال فَكَذَلِك على الْأَصَح ثمَّ هَذَا كُله إِذا كَانَت الْيَد صَحِيحَة فَإِن كَانَت شلاء فَفِيهَا الْحُكُومَة لِأَن فِي الْيَد مَنْفَعَة وجمالاً فالحكومة فِي مُقَابلَة الْجمال وَالله أعلم وَيجب فِي الرجلَيْن كَمَال الدِّيَة لقَوْله ﵊ وَفِي الرجلَيْن الدِّيَة كَذَا ورد فِي خبر عَمْرو بن شُعَيْب وَفِي كتاب الْيمن وَفِي الرجل الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة وَلَا فرق بَين الرجل العرجاء والسليمة لِأَن الْعَيْب لسي فِي نفس الْعُضْو وَإِنَّمَا العرج فِي الْفَخْذ أَو السَّاق أَو تشنج
стр. 455
الأعصاب وَلَو قطّ رجلا تعطل مشيها بِكَسْر الفقار فَالصَّحِيح وجوب الدِّيَة لِأَن الرجل صَحِيحَة والخلل فِي غَيرهَا وتكمل الدِّيَة فِي لقط الْأَصَابِع والقدم كَالْكَفِّ والقدم كَالْكَفِّ وَالله أعلم وَفِي الْأنف الدِّيَة وتكمل فِي المارن مِنْهُ والمارن مَا لَان مِنْهُ وخلا من الْعظم لقَوْله ﵊ وَفِي الْأنف إِذا أوعت جذعاً الدِّيَة وَلَا فرق بَين الخشم وَغَيره والمارن ثَلَاث طَبَقَات الطرفان والوترة الحاجزة وَلَو قطع المارن وَبَعض القصبة لزمَه دِيَة وحكومة لِأَن القصبة مَعَ المارن كالذراع مَعَ الْكَفّ وَلَا يبلغ بالحكومة دِيَة الْأنف لِأَنَّهَا تبع وَلَا تنقص عَن دِيَة منقلة بل تزيد وَهَذَا مَا ذكره فِي التَّنْبِيه وَأقرهُ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي التَّصْحِيح وَالصَّحِيح تجب دِيَة فَقَط كَالْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِع وَالله أعلم
وَتجب فِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَة إِذا قطعهمَا من أَصلهمَا وَقيل تجب فِيمَا حُكُومَة لِأَن السّمع لَا يخلهما وَلَيْسَ فيهمَا مَنْفَعَة ظَاهِرَة إِنَّمَا هما جمال وزينة فأشبها الشُّعُور قَالَ الإِمَام وَلِهَذَا لم يجر لَهما ذكر فِي كتاب عَمْرو بن حزم إِلَى الْيمن وَفِيه الْآيَات وَحجَّة الْمَذْهَب قَضَاء عمر وَعُثْمَان ﵄ وَلَا مُخَالف وَلِأَنَّهُمَا عُضْو فيهمَا جمال وَمَنْفَعَة فأشبها الْيَدَيْنِ ومنفعتهما جمع الصَّوْت لتأديته إِلَى الصماخ وَمحل السّمع ولمنع المَاء والهوام فَإِنَّهُ يحس بِحَسب معاطفهما وَسَوَاء فِي ذَلِك السَّمِيع والأصم لِأَن السّمع فِي الصماخ لَا فِي الْأذن وَالله أعلم
وَيجب فِي الْعَينَيْنِ الدِّيَة كَذَا ورد فِي كتاب عَمْرو بن حزم وَلِأَنَّهُمَا من أعظم الْجَوَارِح نفعا فكانتا أولى بِإِيجَاب الدِّيَة وَسَوَاء فِي ذَلِك الصَّغِيرَة والكبيرة والحادة والكليلة والصحيحة والعليلة والغشياء والعمشاء والحولاء إِذا كَانَ النّظر سليما قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَألْحق الْغَزالِيّ الْأَخْفَش وَهُوَ الَّذِي لَا يبصر نَهَارا بالأعمش وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا لوروده وَلِأَن كل دِيَة وَجَبت فِي عضوين وَجب نصفهَا فِي أَحدهمَا كاليدين وَالله أعلم
وَتجب فِي الجفون الْأَرْبَعَة الدِّيَة لِأَنَّهَا من تَمام الْخلقَة وفيهَا جمال وَمَنْفَعَة ويخشى على النَّفس من سرايتها فَأَشْبَهت الْيَدَيْنِ وَسَوَاء فِي ذَلِك الْبَصِير والضرير وَفِي كل وَاحِد ربعهَا لِأَنَّهُ قَضِيَّة التَّوْزِيع وَالله أعلم
وَتجب فِي اللِّسَان الدِّيَة إِذا كَانَ سَالم الذَّوْق ناطقاً لقَوْله ﵊ وَفِي اللِّسَان الدِّيَة وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعلي ﵃ وَلَا مُخَالف وَلِأَن فِيهِ جمالاً وَمَنْفَعَة وَأي مَنْفَعَة وَسَوَاء فِي ذَلِك الصَّغِير وَالْكَبِير والأعجمي والألكن والعجل والثقيل والأرت والألثغ وَغَيره قَالَ الرَّوْيَانِيّ وَيحْتَمل أَن يُقَال بِخِلَافِهِ وَفِي لِسَان الْأَخْرَس حُكُومَة سَوَاء كَانَ خرسه أَصْلِيًّا أم عارضاً هَذَا إِذا لم يذهب الذَّوْق بِقطع الْأَخْرَس أَو كَانَ قد ذهب ذوقه قبله فَأَما إِذا ذهب ذوقه
стр. 456
بِقطع لِسَانه فَفِيهِ الدِّيَة كَذَا ذكره فِي أصل الرَّوْضَة وَالله أعلم
(فرع) إِذا كَانَ لِسَان الشَّخْص ناطقا إِلَّا أَن فَاقِد الذَّوْق فَقَطعه شخص فَفِيهِ الْحُكُومَة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم
(فرع) لِسَان الطِّفْل إِن عرفت سَلَامَته بنطقه بِحرف من حُرُوف الْحلق لِأَنَّهَا أول مَا تظهر مِنْهُ عِنْد الْبكاء أَو بحروف الشّفة كبابا وماما أَو بحروف اللِّسَان فِي زَمَانه كملت فِيهِ الدِّيَة قَالَ ابْن الصّباغ وَيجب فِيهِ الْقصاص وَإِن لم ينْطق بذلك فِي زَمَانه فَفِيهِ حُكُومَة لِأَن الظَّاهِر خرسه وَلَو قطعه قَاطع حَال وِلَادَته فَالْأَصَحّ وجوب الدِّيَة حملا على الصِّحَّة وَقيل حُكُومَة لَو تعذر نطقه لَا لخلل فِي لِسَانه بل لِأَنَّهُ ولد أَصمّ فَلم يحسن الْكَلَام لعدم سَمَاعه إِيَّاه فَهَل تجب فِيهِ دِيَة أم حُكُومَة وَجْهَان وَالله أعلم
وَتجب فِي الشفتين الدِّيَة لِأَنَّهُ ﵊ ذكر ذَلِك فِي كتاب عَمْرو بن حزم وَلِأَن فيهمَا جمالاً وَمَنْفَعَة فأشبها الْيَدَيْنِ وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا وَفِي بَعْضهَا بِحِسَابِهِ لِأَنَّهُ قَضِيَّة التَّوْزِيع وَلَو جنى عَلَيْهِمَا فشلتا وَجَبت الدِّيَة كشلل الْيَدَيْنِ وَالله أعلم قَالَ
(وَتجب فِي ذهَاب الْكَلَام الدِّيَة)
هَذَا شُرُوع فِيمَا يتَعَلَّق بِفَوَات الْمَنَافِع فَإِذا جنى شخص على لِسَان نَاطِق فَأذْهب كَلَامه وَجَبت الدِّيَة لِأَنَّهُ سلبه أعظم مَنَافِعه فَأشبه الْبَصَر وَإِن ذهب بعض الْكَلَام وَجب بِقسْطِهِ وَإِنَّمَا تُؤْخَذ الدِّيَة إِذا قَالَ أهل الْخِبْرَة لَا يعود نطقه فَلَو أخذت ثمَّ عَاد استردت مِنْهُ وَاعْلَم أَن التَّوْزِيع على جَمِيع الْحُرُوف على ظَاهر النَّص وَبِه قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَلَو كَانَ شخص لَا يعرف الْحُرُوف كلهَا كالأرت والألثغ الَّذِي لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِعشْرين حرفا مثلا فَإِذا ذهب كَلَامه فَالصَّحِيح تجب دِيَة كَامِلَة لِأَنَّهُ أذهب كَلَامه فعلى هَذَا لَو ذهب بعض الْحُرُوف وزع على مَا يُحسنهُ لَا على الْجَمِيع وَالله أعلم وَتجب فِي ذهَاب الْبَصَر الدِّيَة لِأَن مَنْفَعَة الْعَينَيْنِ الْبَصَر فذهابه كشلل الْيَدَيْنِ وَالله أعلم وَيجب فِي ذهَاب السّمع كَمَال الدِّيَة لِأَن عمر قضى بذلك وَلم يُخَالف ولانه أشرف السّمع كَمَال الدِّيَة لِأَن الْحَواس فَأشبه الْبَصَر وَلَو جنى عَلَيْهِ فارتتق دَاخل الْأذن ارتتاقا لَا وُصُول إِلَى زَوَاله فَالْأَصَحّ وجوب حُكُومَة لبَقَاء السّمع وَقيل تجب الدِّيَة لفَوَات السّمع وَالله أعلم
стр. 457
وَيجب فِي ذهَاب الشم كَمَال الدِّيَة لِأَنَّهُ أحد الْحَواس فَأشبه الْبَصَر وَقيل فِيهِ حُكُومَة لضعف منفعَته وَالله أعلم وَيجب فِي ذهَاب الْعقل كَمَال الدِّيَة لِأَنَّهُ كَذَلِك فِي كتاب عَمْرو بن حزم وَلِأَن عمر وزيداً ﵄ قضيا بذلك وَلم يخالفا وَلِأَنَّهُ من أشرف الْحَواس فَكَانَ أَحَق بِكَمَال الدِّيَة من جَمِيع الْحَواس لِأَنَّهُ لَا يَقع التَّمْيِيز بَينه وَبَين الْبَهِيمَة إِلَّا بِهِ وَأعلم أَنه لَا يجْرِي فِيهِ قصاص للِاخْتِلَاف فِي مَحَله لِأَن مِنْهُم من يَقُول إِن مَحَله الْقلب وَهُوَ الْمُصَحح أَو الدِّمَاغ أَو مُشْتَرك بَينهمَا وَلِأَنَّهُ يتَعَذَّر اسْتِيفَاؤهُ لِأَنَّهُ قد يذهب بِقَلِيل الْجِنَايَة وَلَا يذهب بكثيرها وَاعْلَم أَن المُرَاد بِالْعقلِ الْمُوجب للدية الْعقل الغريزي الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف فَأَما المكتسب الَّذِي بِهِ حسن التَّصَرُّف فَفِيهِ حُكُومَة وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ وَتجب فِي الذّكر والأنثيين يَعْنِي الدِّيَة أَي من كل مِنْهُمَا وَكَانَ من حق الشَّيْخ أَن يقدم هذَيْن لِأَنَّهُمَا من قبيل الإجرام لَا من قبيل الْمَنَافِع وَالْأَصْل فِي وجوب الدِّيَة فيهمَا حَدِيث عَمْرو بن حزم وَلِأَن الذّكر فِيهِ مَنْفَعَة التناسل وَهِي من أعظم الْمَنَافِع فَأشبه الْأنف وَسَوَاء فِي ذَلِك ذكر الشَّيْخ والشاب وَالصَّغِير والعنين وَغَيرهم لِأَن الْعنَّة عيب فِي غير الذّكر وَفِي الْحَشَفَة الدِّيَة لِأَن مَا عَداهَا من الذّكر كالتابع لَهَا كَالْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِع وَإِن قطع بعض الْحَشَفَة وَجب بِقسْطِهِ فِي الرَّاجِح وَلَو جنى على ذكره فشل وَجَبت الدِّيَة كشلل الْيَد وَأما الأنثيان فوجوب الدِّيَة فيهمَا مَعَ ذكرهمَا فِي الْخَبَر لِأَنَّهُمَا من تَمام الْخلقَة وَمحل التناسل وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعنين والمجبوب والطفل وَالشَّيْخ والأنثيان هما البيضتان وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات وَفِي البيضتين الدِّيَة وَفِي إِحْدَاهمَا نصف الدِّيَة لِأَنَّهُ قَضِيَّة التَّوْزِيع كاليدين فَلَو قطعهمَا فَذهب مَاؤُهُ لزمَه ديتان وَالله أعلم قَالَ
(وَفِي الْمُوَضّحَة وَالسّن خمس من الْإِبِل)
لِأَنَّهُ الْوَارِد فِي حَدِيث عَمْرو بن حزم فَلَو أوضح موضحتين فَأكْثر تعدد الْأَرْش وَأما الْأَسْنَان فَفِي الْوَاحِدَة خمس من الْإِبِل فَلَو قلع جَمِيع الْأَسْنَان إِمَّا فِي ٤ دفْعَة بضربة أَو أسقاه شَيْئا فَسَقَطت أَسْنَانه أَو والى بَين الْقلع بِحَيْثُ لم يَتَخَلَّل اندمال فَهَل تجب دِيَة نفس لِأَن الْأَسْنَان جنس ذُو عدد فَأشبه الْأَصَابِع أم يجب فِي كل سنّ خمس من الْإِبِل الْمَذْهَب أَنه يجب فِي كل سنّ خمس كَمَا أطلقهُ الشَّيْخ وَبِه قطع جمَاعَة لعُمُوم قَوْله ﵊ وَفِي كل سنّ خمس وَلِأَنَّهَا تزيد غَالِبا
стр. 458
على قدر الدِّيَة بِخِلَاف الْأَصَابِع فعلى الْمَذْهَب يجب مائَة وَسِتُّونَ بَعِيرًا إِذا كَانَ كَامِل الْأَسْنَان وَهِي اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنا أَربع ثنايا وَأَرْبع رباعيات وَأَرْبَعَة أَنْيَاب وَأَرْبع ضواحك وإثنا عشر ضرساً وَأَرْبَعَة نواجذ وَهِي آخرهَا فَلَو زَادَت على ذَلِك فَهَل يجب لكل سنّ من الزَّوَائِد خمس من الْإِبِل لظَاهِر الْخَبَر أَو حُكُومَة كالأصابع الزَّوَائِد فِيهِ وَجْهَان قَالَ
(وَفِي كل عُضْو لَا مَنْفَعَة فِيهِ حُكُومَة)
أَقُول وَكَذَا فِي كسر الْعِظَام بل فِي جَمِيع الْجِنَايَات الَّتِي لَا تَقْدِير فِيهَا لِأَن الشَّرْع لم ينص عَلَيْهَا وَلم تَنْتَهِ فِي شبهها إِلَى النُّصُوص فَوَجَبَ فِيهَا حُكُومَة وَكَذَا تجب الْحُكُومَة فِي تعويج الرَّقَبَة وَالْوَجْه وتسويده وتصغيره وَمَا أشبه ذَلِك ثمَّ الْحُكُومَة أَن يقوم الْمَجْنِي عَلَيْهِ بِتَقْدِير أَنه عبد بعد الِانْدِمَال وَيُؤْخَذ بِنِسْبَة النَّقْص من الدِّيَة وَهِي الْإِبِل على الْأَصَح وَقيل نقد الْبَلَد كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ عِنْد إفضاء الْمَرْأَة فاعرفه
مِثَاله يُسَاوِي المجنى عَلَيْهِ مائَة عِنْد السَّلامَة وَبعد الْجِنَايَة والاندمال تسعين فَتجب عشر دينه لَكِن بِشَرْط أَن ينقص عَن دِيَة الْعُضْو الْمَجْنِي عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ أرش مُقَدّر فَإِن لم ينقص نقص الْحَاكِم مَا يرَاهُ وَأقله مَا جَازَ جعله ثمنا أَو صَدَاقا وَالله أعلم قَالَ
(ودية العَبْد قِيمَته عبدا كَانَ أَو أمة)
إِذا قتل شخص مِمَّن يجب عَلَيْهِ الضَّمَان عبدا أَو أمة لزمَه قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت لِأَنَّهُمَا مَال فأشبها سَائِر الْأَمْوَال المتقومة وَالله أعلم قَالَ
(ودية الْجَنِين الْمَمْلُوك عشر قيمَة أمة ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى)
لِأَنَّهُ جَنِين آدمية فَيضمن بِعشر مَا تضمن بِهِ الْأُم كَالْحرَّةِ وَفِي الْوَقْت الَّذِي يعْتَبر فِيهِ قيمتهَا وَجْهَان
أَحدهمَا حَالَة الضَّرْب لِأَن الضَّرْب سَبَب الْإِسْقَاط وَهَذَا هُوَ الْمُصَحح فِي الْمُحَرر والمنهاج وَالشَّرْح الصَّغِير وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَذكره الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه وَأقرهُ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي التَّصْحِيح وَقيل تعْتَبر الْقيمَة أَكثر مَا كَانَت من وَقت الضَّرْب إِلَى الْإِسْقَاط وَهَذَا مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَلَك أَلا تجْعَل بَين التصحيحين مُخَالفَة وَتقول تَصْحِيح الْمِنْهَاج جَريا على الْغَالِب لِأَن قيمَة الْأُم وَقت الْجِنَايَة فِي الْغَالِب أَكثر قيمَة مِمَّا بعْدهَا لِأَن وَقت الْجِنَايَة وَقت سَلامَة وَلَا شكّ أَن وَقت السَّلامَة تكون الْقيمَة فِيهِ أَكثر من غَيره وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ ودية الْجَنِين الْمَمْلُوك احْتَرز بِهِ عَن الْجَنِين الْحر فديَة الْجَنِين الْحر الْمُسلم إِذا انْفَصل مَيتا بِالْجِنَايَةِ غرَّة عبد أَو أمة
стр. 459
ثَبت ذَلِك من قَضَائِهِ ﷺ وَيشْتَرط بُلُوغهَا نصف عشر دِيَة الْأَب أَو عشر دِيَة الْأُم وَهِي قيمَة خمس من الْإِبِل لِأَن عمر ﵁ قوم الْغرَّة خمسين دِينَارا وَكَذَا عَليّ وَزيد ﵄ وَلَا مُخَالف لَهُم وَلِأَنَّهَا دِيَة تقدرت كَسَائِر الدِّيات فقدرت بِأَقَلّ أرش ورد فِي الشَّرْع وَهُوَ الْمُوَضّحَة وَلَا ترد الْأُنْمُلَة فَإِن فِيهَا ثَلَاثَة وَثلثا فَإِن دِيَتهَا مقدرَة بالإجتهاد وَالله أعلم
(فرع) صَاح على صبي غير مُمَيّز على طرف سطح أَو نهر أَو بِئْر فارتعد وَسقط وَمَات مِنْهُ وَجَبت الدِّيَة قطعا وَلَا قصاص على الرَّاجِح وَلَو كَانَ على وَجه الأَرْض وَمَات من الصَّيْحَة فَلَا ضَمَان على الرَّاجِح لِأَن الْمَوْت بِهِ فِي غَايَة الْبعد وَالْمَجْنُون وَالْمَعْتُوه الَّذِي يَعْتَرِيه الوسواس والنائم وَالْمَرْأَة الضعيفة كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيّز وَشهر السِّلَاح والتهديد الشَّديد كالصياح وَلَو صَاح على بالع على طرف سطح وَنَحْوه فَلَا ضَمَان على الرَّاجِح والمراهق المتيقظ كَالْبَالِغِ وَإِن صَاح على صَغِير فَزَالَ عقله وَجب الضَّمَان وَالله أعلم
(فرع) اتبع شخص إنْسَانا بِسيف فهرب وَأُلْقِي نَفسه من الْخَوْف فِي نهر أَو من شَاهِق عَال أَو فِي بِئْر فَهَلَك فَلَا ضَمَان لِأَن الهارب هُوَ الَّذِي بَاشر هَلَاك نَفسه قصدا والمباشرة مُقَدّمَة على السَّبَب فَلَو لم يعلم بالمهلك فَوَقع بِلَا قصد بِأَن كَانَ أعمى أَو فِي ظلمَة أَو فِي ليل وَجب على الطَّالِب الضَّمَان وَلَو انخسف بِهِ سقف فِي هربه وَجب الضَّمَان على الرَّاجِح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي والعراقيون وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب صَبيا أَو مَجْنُونا فَألْقى نَفسه فِي بِئْر وَنَحْوه فَهَل يضمن الطَّالِب يَبْنِي على أَن عمدهما خطأ أَو عمد إِن قُلْنَا إِن عمدهما عمد فهما كَالْبَالِغِ وَإِن قُلْنَا خطأ وَجب الضَّمَان وَالله أعلم
(فرع) سلم الصَّبِي إِلَى سباح ليعلمه السباحة فغرق وَجَبت فِيهِ دِيَة شبه الْعمد على الصَّحِيح كَمَا لَو ضرب الْمعلم الصَّبِي للتأديب فَهَلَك وَلَو ختن الْحجام فَأَخْطَأَ فَأصَاب الْحَشَفَة وَجب الضَّمَان وتحمله الْعَاقِلَة لِأَنَّهُ قطع مالم يُؤذن لَهُ فِيهِ وَالله أعلم
(فرع) كناسَة الْبَيْت وقشور الْبِطِّيخ وَنَحْوهمَا إِذا طرحها فِي موَات فَهَلَك بهَا إِنْسَان أَو تلف بهَا مَال فَلَا ضَمَان وَإِن طرحها فِي الطَّرِيق فَحصل بهَا تلف وَجب الضَّمَان على الصَّحِيح وَبِه قطع الْجُمْهُور وَقيل لَا ضَمَان للْعَادَة وَقيل إِن أَلْقَاهَا فِي متن الطَّرِيق ضمن وَإِن أَلْقَاهَا فِي منعطف لَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَارَّة غَالِبا فَلَا ضَمَان فعلى الصَّحِيح شَرط الضَّمَان أَن يكون الَّذِي يعثر بهَا جَاهِلا أما إِذا مَشى عَلَيْهَا قصدا فَلَا ضَمَان كَمَا لَو نزل فِي الْبِئْر الْعدوان فزلق وَلَو رش المَاء فِي الطَّرِيق فزلق بِهِ إِنْسَان أَو بَهِيمَة نظر إِن رش لمصْلحَة عَامَّة كدفع الْغُبَار عَن الْمَارَّة فَلَا ضَمَان وَإِن كَانَ لمصْلحَة
стр. 460
نَفسه وَجب الضَّمَان قَالَ الرَّافِعِيّ وَيَجِيء فِيهِ الْوَجْه الْمَذْكُور فِي طرح القشور وَلَو جَاوز الْقدر الْمُعْتَاد فِي الرش قَالَ الْمُتَوَلِي وَجب الضَّمَان قطعا كَمَا لَو بل الطين فِي الطَّرِيق فَإِنَّهُ يضمن مَا تلف بِهِ وَلَو بنى على بَاب دَاره دكة فَتلف بهَا إِنْسَان أَو دَابَّة وَجب الضَّمَان وَكَذَا الطّواف إِذا وضع مَتَاعه فِي الطَّرِيق فَتلف بِهِ شَيْء لزمَه الضَّمَان بِخِلَاف مَا لَو وَضعه على طرف حانوته وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْقسَامَة فصل فِي الْقسَامَة وَإِذا اقْترن بِدَعْوَى الْقَتْل لوث يَقع بِهِ صدق فِي النَّفس حلف الْمُدَّعِي خمسين يَمِينا وَاسْتحق الدِّيَة فَإِن لم يكن هُنَاكَ لوث فاليمين على الْمُدعى عَلَيْهِ
هَذَا فصل الْقسَامَة وَهِي الْأَيْمَان فِي الدِّمَاء وَصورتهَا أَن يُوجد قَتِيل بِموضع لَا يعرف من قَتله وَلَا بَيِّنَة وَيَدعِي وليه قَتله على شخص معِين أَو جمَاعَة مُعينين وتوجد قرينَة تشعر بِصَدقَة وَيُقَال لَهُ اللوث فَيحلف على مَا يَدعِيهِ خمسين يَمِينا وَلَا يشْتَرط موالاتها على الرَّاجِح فَإذْ حلف وَجَبت الدِّيَة فِي الْعمد على الْمقسم عَلَيْهِ وَفِي الْخَطَأ وَشبه الْعمد على الْعَاقِلَة
واللوث طرق مِنْهَا أَن يُوجد قَتِيل فِي قَبيلَة أَو حصن أَو قَرْيَة صَغِيرَة أَو محلّة مُنْفَصِلَة عَن الْكَبِيرَة وَبَين الْقَتِيل وَبَين أَهلهَا عَدَاوَة ظَاهِرَة فَهَذَا اللوث فِي حَقهم وَمِنْهَا أَن يتفرق جمَاعَة عَن قَتِيل فِي دَار دَخلهَا عَلَيْهِم وَهُوَ ضَعِيف أَو لحَاجَة أَو فِي مَسْجِد أَو بُسْتَان أَو طَرِيق أَو صحراء فَهُوَ لوث وَكَذَا لَو ازْدحم قوم على بِئْر أَو مضيق ثمَّ تفَرقُوا عَن قَتِيل وَلَا يشْتَرط فِي هَذَا أَن يكون بَينه وَبينهمْ عَدَاوَة وَمِنْهَا لَو شهد عدل أَن زيدا قتل فلَانا فلوث على الْمَذْهَب سَوَاء تقدّمت شَهَادَته على الدَّعْوَى أَو تَأَخَّرت وَلَو شهد عبيد ونسوة فَإِن جاؤوا مُتَفَرّقين فلوث وَلَو جاؤوا دفْعَة على الرَّاجِح وَلَو شهد من لَا يقبل رِوَايَته كصبيان وفسقة وذميين فَالصَّحِيح أَنه لوث وَمِنْهَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَو وَقع فِي أَلْسِنَة الْخَاص وَالْعَام أَن زيدا قتل فلَانا فَهُوَ لوث فِي حَقه وَسَوَاء فِي الْقسَامَة ادّعى مُسلم على كَافِر أَو عَكسه وَالْأَصْل فِي الْقسَامَة مَا روى سهل بن أبي خَيْثَمَة قَالَ انْطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَر وَهِي يَوْمئِذٍ صلح فتفرقا فَأتى محيصة إِلَى عبد الله بن سهل وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه قَتِيلا فدفنه ثمَّ قدم الْمَدِينَة فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن بن سهل وحويصة ومحيصة ابْنا مَسْعُود إِلَى النَّبِي ﷺ فَذهب عبد الرَّحْمَن يتَكَلَّم فَقَالَ كبر كبر وَهُوَ أحدث الْقَوْم فَسكت فتكلما فَقَالَ أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أَو صَاحبكُم فَقَالُوا كَيفَ نحلف وَلم نشْهد وَلم نر قَالَ فتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا مِنْهُم فَقَالُوا كَيفَ نَأْخُذ بأيمان قوم كفار فعقله النَّبِي ﷺ من عِنْده وَهَذَا الحَدِيث
следующие страницы →