← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6140

كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار

تقي الدين الحصني

Полный текст (576 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بِقطع لِسَانه فَفِيهِ الدِّيَة كَذَا ذكره فِي أصل الرَّوْضَة وَالله أعلم (فرع) إِذا كَانَ لِسَان الشَّخْص ناطقا إِلَّا أَن فَاقِد الذَّوْق فَقَطعه شخص فَفِيهِ الْحُكُومَة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم (فرع) لِسَان الطِّفْل إِن عرفت سَلَامَته بنطقه بِحرف من حُرُوف الْحلق لِأَنَّهَا أول مَا تظهر مِنْهُ عِنْد الْبكاء أَو بحروف الشّفة كبابا وماما أَو بحروف اللِّسَان فِي زَمَانه كملت فِيهِ الدِّيَة قَالَ ابْن الصّباغ وَيجب فِيهِ الْقصاص وَإِن لم ينْطق بذلك فِي زَمَانه فَفِيهِ حُكُومَة لِأَن الظَّاهِر خرسه وَلَو قطعه قَاطع حَال وِلَادَته فَالْأَصَحّ وجوب الدِّيَة حملا على الصِّحَّة وَقيل حُكُومَة لَو تعذر نطقه لَا لخلل فِي لِسَانه بل لِأَنَّهُ ولد أَصمّ فَلم يحسن الْكَلَام لعدم سَمَاعه إِيَّاه فَهَل تجب فِيهِ دِيَة أم حُكُومَة وَجْهَان وَالله أعلم وَتجب فِي الشفتين الدِّيَة لِأَنَّهُ ﵊ ذكر ذَلِك فِي كتاب عَمْرو بن حزم وَلِأَن فيهمَا جمالاً وَمَنْفَعَة فأشبها الْيَدَيْنِ وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا وَفِي بَعْضهَا بِحِسَابِهِ لِأَنَّهُ قَضِيَّة التَّوْزِيع وَلَو جنى عَلَيْهِمَا فشلتا وَجَبت الدِّيَة كشلل الْيَدَيْنِ وَالله أعلم قَالَ (وَتجب فِي ذهَاب الْكَلَام الدِّيَة) هَذَا شُرُوع فِيمَا يتَعَلَّق بِفَوَات الْمَنَافِع فَإِذا جنى شخص على لِسَان نَاطِق فَأذْهب كَلَامه وَجَبت الدِّيَة لِأَنَّهُ سلبه أعظم مَنَافِعه فَأشبه الْبَصَر وَإِن ذهب بعض الْكَلَام وَجب بِقسْطِهِ وَإِنَّمَا تُؤْخَذ الدِّيَة إِذا قَالَ أهل الْخِبْرَة لَا يعود نطقه فَلَو أخذت ثمَّ عَاد استردت مِنْهُ وَاعْلَم أَن التَّوْزِيع على جَمِيع الْحُرُوف على ظَاهر النَّص وَبِه قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَلَو كَانَ شخص لَا يعرف الْحُرُوف كلهَا كالأرت والألثغ الَّذِي لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِعشْرين حرفا مثلا فَإِذا ذهب كَلَامه فَالصَّحِيح تجب دِيَة كَامِلَة لِأَنَّهُ أذهب كَلَامه فعلى هَذَا لَو ذهب بعض الْحُرُوف وزع على مَا يُحسنهُ لَا على الْجَمِيع وَالله أعلم وَتجب فِي ذهَاب الْبَصَر الدِّيَة لِأَن مَنْفَعَة الْعَينَيْنِ الْبَصَر فذهابه كشلل الْيَدَيْنِ وَالله أعلم وَيجب فِي ذهَاب السّمع كَمَال الدِّيَة لِأَن عمر قضى بذلك وَلم يُخَالف ولانه أشرف السّمع كَمَال الدِّيَة لِأَن الْحَواس فَأشبه الْبَصَر وَلَو جنى عَلَيْهِ فارتتق دَاخل الْأذن ارتتاقا لَا وُصُول إِلَى زَوَاله فَالْأَصَحّ وجوب حُكُومَة لبَقَاء السّمع وَقيل تجب الدِّيَة لفَوَات السّمع وَالله أعلم

стр. 457

وَيجب فِي ذهَاب الشم كَمَال الدِّيَة لِأَنَّهُ أحد الْحَواس فَأشبه الْبَصَر وَقيل فِيهِ حُكُومَة لضعف منفعَته وَالله أعلم وَيجب فِي ذهَاب الْعقل كَمَال الدِّيَة لِأَنَّهُ كَذَلِك فِي كتاب عَمْرو بن حزم وَلِأَن عمر وزيداً ﵄ قضيا بذلك وَلم يخالفا وَلِأَنَّهُ من أشرف الْحَواس فَكَانَ أَحَق بِكَمَال الدِّيَة من جَمِيع الْحَواس لِأَنَّهُ لَا يَقع التَّمْيِيز بَينه وَبَين الْبَهِيمَة إِلَّا بِهِ وَأعلم أَنه لَا يجْرِي فِيهِ قصاص للِاخْتِلَاف فِي مَحَله لِأَن مِنْهُم من يَقُول إِن مَحَله الْقلب وَهُوَ الْمُصَحح أَو الدِّمَاغ أَو مُشْتَرك بَينهمَا وَلِأَنَّهُ يتَعَذَّر اسْتِيفَاؤهُ لِأَنَّهُ قد يذهب بِقَلِيل الْجِنَايَة وَلَا يذهب بكثيرها وَاعْلَم أَن المُرَاد بِالْعقلِ الْمُوجب للدية الْعقل الغريزي الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف فَأَما المكتسب الَّذِي بِهِ حسن التَّصَرُّف فَفِيهِ حُكُومَة وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ وَتجب فِي الذّكر والأنثيين يَعْنِي الدِّيَة أَي من كل مِنْهُمَا وَكَانَ من حق الشَّيْخ أَن يقدم هذَيْن لِأَنَّهُمَا من قبيل الإجرام لَا من قبيل الْمَنَافِع وَالْأَصْل فِي وجوب الدِّيَة فيهمَا حَدِيث عَمْرو بن حزم وَلِأَن الذّكر فِيهِ مَنْفَعَة التناسل وَهِي من أعظم الْمَنَافِع فَأشبه الْأنف وَسَوَاء فِي ذَلِك ذكر الشَّيْخ والشاب وَالصَّغِير والعنين وَغَيرهم لِأَن الْعنَّة عيب فِي غير الذّكر وَفِي الْحَشَفَة الدِّيَة لِأَن مَا عَداهَا من الذّكر كالتابع لَهَا كَالْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِع وَإِن قطع بعض الْحَشَفَة وَجب بِقسْطِهِ فِي الرَّاجِح وَلَو جنى على ذكره فشل وَجَبت الدِّيَة كشلل الْيَد وَأما الأنثيان فوجوب الدِّيَة فيهمَا مَعَ ذكرهمَا فِي الْخَبَر لِأَنَّهُمَا من تَمام الْخلقَة وَمحل التناسل وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعنين والمجبوب والطفل وَالشَّيْخ والأنثيان هما البيضتان وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات وَفِي البيضتين الدِّيَة وَفِي إِحْدَاهمَا نصف الدِّيَة لِأَنَّهُ قَضِيَّة التَّوْزِيع كاليدين فَلَو قطعهمَا فَذهب مَاؤُهُ لزمَه ديتان وَالله أعلم قَالَ (وَفِي الْمُوَضّحَة وَالسّن خمس من الْإِبِل) لِأَنَّهُ الْوَارِد فِي حَدِيث عَمْرو بن حزم فَلَو أوضح موضحتين فَأكْثر تعدد الْأَرْش وَأما الْأَسْنَان فَفِي الْوَاحِدَة خمس من الْإِبِل فَلَو قلع جَمِيع الْأَسْنَان إِمَّا فِي ٤ دفْعَة بضربة أَو أسقاه شَيْئا فَسَقَطت أَسْنَانه أَو والى بَين الْقلع بِحَيْثُ لم يَتَخَلَّل اندمال فَهَل تجب دِيَة نفس لِأَن الْأَسْنَان جنس ذُو عدد فَأشبه الْأَصَابِع أم يجب فِي كل سنّ خمس من الْإِبِل الْمَذْهَب أَنه يجب فِي كل سنّ خمس كَمَا أطلقهُ الشَّيْخ وَبِه قطع جمَاعَة لعُمُوم قَوْله ﵊ وَفِي كل سنّ خمس وَلِأَنَّهَا تزيد غَالِبا

стр. 458

على قدر الدِّيَة بِخِلَاف الْأَصَابِع فعلى الْمَذْهَب يجب مائَة وَسِتُّونَ بَعِيرًا إِذا كَانَ كَامِل الْأَسْنَان وَهِي اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنا أَربع ثنايا وَأَرْبع رباعيات وَأَرْبَعَة أَنْيَاب وَأَرْبع ضواحك وإثنا عشر ضرساً وَأَرْبَعَة نواجذ وَهِي آخرهَا فَلَو زَادَت على ذَلِك فَهَل يجب لكل سنّ من الزَّوَائِد خمس من الْإِبِل لظَاهِر الْخَبَر أَو حُكُومَة كالأصابع الزَّوَائِد فِيهِ وَجْهَان قَالَ (وَفِي كل عُضْو لَا مَنْفَعَة فِيهِ حُكُومَة) أَقُول وَكَذَا فِي كسر الْعِظَام بل فِي جَمِيع الْجِنَايَات الَّتِي لَا تَقْدِير فِيهَا لِأَن الشَّرْع لم ينص عَلَيْهَا وَلم تَنْتَهِ فِي شبهها إِلَى النُّصُوص فَوَجَبَ فِيهَا حُكُومَة وَكَذَا تجب الْحُكُومَة فِي تعويج الرَّقَبَة وَالْوَجْه وتسويده وتصغيره وَمَا أشبه ذَلِك ثمَّ الْحُكُومَة أَن يقوم الْمَجْنِي عَلَيْهِ بِتَقْدِير أَنه عبد بعد الِانْدِمَال وَيُؤْخَذ بِنِسْبَة النَّقْص من الدِّيَة وَهِي الْإِبِل على الْأَصَح وَقيل نقد الْبَلَد كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ عِنْد إفضاء الْمَرْأَة فاعرفه مِثَاله يُسَاوِي المجنى عَلَيْهِ مائَة عِنْد السَّلامَة وَبعد الْجِنَايَة والاندمال تسعين فَتجب عشر دينه لَكِن بِشَرْط أَن ينقص عَن دِيَة الْعُضْو الْمَجْنِي عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ أرش مُقَدّر فَإِن لم ينقص نقص الْحَاكِم مَا يرَاهُ وَأقله مَا جَازَ جعله ثمنا أَو صَدَاقا وَالله أعلم قَالَ (ودية العَبْد قِيمَته عبدا كَانَ أَو أمة) إِذا قتل شخص مِمَّن يجب عَلَيْهِ الضَّمَان عبدا أَو أمة لزمَه قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت لِأَنَّهُمَا مَال فأشبها سَائِر الْأَمْوَال المتقومة وَالله أعلم قَالَ (ودية الْجَنِين الْمَمْلُوك عشر قيمَة أمة ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى) لِأَنَّهُ جَنِين آدمية فَيضمن بِعشر مَا تضمن بِهِ الْأُم كَالْحرَّةِ وَفِي الْوَقْت الَّذِي يعْتَبر فِيهِ قيمتهَا وَجْهَان أَحدهمَا حَالَة الضَّرْب لِأَن الضَّرْب سَبَب الْإِسْقَاط وَهَذَا هُوَ الْمُصَحح فِي الْمُحَرر والمنهاج وَالشَّرْح الصَّغِير وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَذكره الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه وَأقرهُ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي التَّصْحِيح وَقيل تعْتَبر الْقيمَة أَكثر مَا كَانَت من وَقت الضَّرْب إِلَى الْإِسْقَاط وَهَذَا مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَلَك أَلا تجْعَل بَين التصحيحين مُخَالفَة وَتقول تَصْحِيح الْمِنْهَاج جَريا على الْغَالِب لِأَن قيمَة الْأُم وَقت الْجِنَايَة فِي الْغَالِب أَكثر قيمَة مِمَّا بعْدهَا لِأَن وَقت الْجِنَايَة وَقت سَلامَة وَلَا شكّ أَن وَقت السَّلامَة تكون الْقيمَة فِيهِ أَكثر من غَيره وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ ودية الْجَنِين الْمَمْلُوك احْتَرز بِهِ عَن الْجَنِين الْحر فديَة الْجَنِين الْحر الْمُسلم إِذا انْفَصل مَيتا بِالْجِنَايَةِ غرَّة عبد أَو أمة

стр. 459

ثَبت ذَلِك من قَضَائِهِ ﷺ وَيشْتَرط بُلُوغهَا نصف عشر دِيَة الْأَب أَو عشر دِيَة الْأُم وَهِي قيمَة خمس من الْإِبِل لِأَن عمر ﵁ قوم الْغرَّة خمسين دِينَارا وَكَذَا عَليّ وَزيد ﵄ وَلَا مُخَالف لَهُم وَلِأَنَّهَا دِيَة تقدرت كَسَائِر الدِّيات فقدرت بِأَقَلّ أرش ورد فِي الشَّرْع وَهُوَ الْمُوَضّحَة وَلَا ترد الْأُنْمُلَة فَإِن فِيهَا ثَلَاثَة وَثلثا فَإِن دِيَتهَا مقدرَة بالإجتهاد وَالله أعلم (فرع) صَاح على صبي غير مُمَيّز على طرف سطح أَو نهر أَو بِئْر فارتعد وَسقط وَمَات مِنْهُ وَجَبت الدِّيَة قطعا وَلَا قصاص على الرَّاجِح وَلَو كَانَ على وَجه الأَرْض وَمَات من الصَّيْحَة فَلَا ضَمَان على الرَّاجِح لِأَن الْمَوْت بِهِ فِي غَايَة الْبعد وَالْمَجْنُون وَالْمَعْتُوه الَّذِي يَعْتَرِيه الوسواس والنائم وَالْمَرْأَة الضعيفة كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيّز وَشهر السِّلَاح والتهديد الشَّديد كالصياح وَلَو صَاح على بالع على طرف سطح وَنَحْوه فَلَا ضَمَان على الرَّاجِح والمراهق المتيقظ كَالْبَالِغِ وَإِن صَاح على صَغِير فَزَالَ عقله وَجب الضَّمَان وَالله أعلم (فرع) اتبع شخص إنْسَانا بِسيف فهرب وَأُلْقِي نَفسه من الْخَوْف فِي نهر أَو من شَاهِق عَال أَو فِي بِئْر فَهَلَك فَلَا ضَمَان لِأَن الهارب هُوَ الَّذِي بَاشر هَلَاك نَفسه قصدا والمباشرة مُقَدّمَة على السَّبَب فَلَو لم يعلم بالمهلك فَوَقع بِلَا قصد بِأَن كَانَ أعمى أَو فِي ظلمَة أَو فِي ليل وَجب على الطَّالِب الضَّمَان وَلَو انخسف بِهِ سقف فِي هربه وَجب الضَّمَان على الرَّاجِح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي والعراقيون وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب صَبيا أَو مَجْنُونا فَألْقى نَفسه فِي بِئْر وَنَحْوه فَهَل يضمن الطَّالِب يَبْنِي على أَن عمدهما خطأ أَو عمد إِن قُلْنَا إِن عمدهما عمد فهما كَالْبَالِغِ وَإِن قُلْنَا خطأ وَجب الضَّمَان وَالله أعلم (فرع) سلم الصَّبِي إِلَى سباح ليعلمه السباحة فغرق وَجَبت فِيهِ دِيَة شبه الْعمد على الصَّحِيح كَمَا لَو ضرب الْمعلم الصَّبِي للتأديب فَهَلَك وَلَو ختن الْحجام فَأَخْطَأَ فَأصَاب الْحَشَفَة وَجب الضَّمَان وتحمله الْعَاقِلَة لِأَنَّهُ قطع مالم يُؤذن لَهُ فِيهِ وَالله أعلم (فرع) كناسَة الْبَيْت وقشور الْبِطِّيخ وَنَحْوهمَا إِذا طرحها فِي موَات فَهَلَك بهَا إِنْسَان أَو تلف بهَا مَال فَلَا ضَمَان وَإِن طرحها فِي الطَّرِيق فَحصل بهَا تلف وَجب الضَّمَان على الصَّحِيح وَبِه قطع الْجُمْهُور وَقيل لَا ضَمَان للْعَادَة وَقيل إِن أَلْقَاهَا فِي متن الطَّرِيق ضمن وَإِن أَلْقَاهَا فِي منعطف لَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَارَّة غَالِبا فَلَا ضَمَان فعلى الصَّحِيح شَرط الضَّمَان أَن يكون الَّذِي يعثر بهَا جَاهِلا أما إِذا مَشى عَلَيْهَا قصدا فَلَا ضَمَان كَمَا لَو نزل فِي الْبِئْر الْعدوان فزلق وَلَو رش المَاء فِي الطَّرِيق فزلق بِهِ إِنْسَان أَو بَهِيمَة نظر إِن رش لمصْلحَة عَامَّة كدفع الْغُبَار عَن الْمَارَّة فَلَا ضَمَان وَإِن كَانَ لمصْلحَة

стр. 460

نَفسه وَجب الضَّمَان قَالَ الرَّافِعِيّ وَيَجِيء فِيهِ الْوَجْه الْمَذْكُور فِي طرح القشور وَلَو جَاوز الْقدر الْمُعْتَاد فِي الرش قَالَ الْمُتَوَلِي وَجب الضَّمَان قطعا كَمَا لَو بل الطين فِي الطَّرِيق فَإِنَّهُ يضمن مَا تلف بِهِ وَلَو بنى على بَاب دَاره دكة فَتلف بهَا إِنْسَان أَو دَابَّة وَجب الضَّمَان وَكَذَا الطّواف إِذا وضع مَتَاعه فِي الطَّرِيق فَتلف بِهِ شَيْء لزمَه الضَّمَان بِخِلَاف مَا لَو وَضعه على طرف حانوته وَالله أعلم قَالَ بَاب الْقسَامَة فصل فِي الْقسَامَة وَإِذا اقْترن بِدَعْوَى الْقَتْل لوث يَقع بِهِ صدق فِي النَّفس حلف الْمُدَّعِي خمسين يَمِينا وَاسْتحق الدِّيَة فَإِن لم يكن هُنَاكَ لوث فاليمين على الْمُدعى عَلَيْهِ هَذَا فصل الْقسَامَة وَهِي الْأَيْمَان فِي الدِّمَاء وَصورتهَا أَن يُوجد قَتِيل بِموضع لَا يعرف من قَتله وَلَا بَيِّنَة وَيَدعِي وليه قَتله على شخص معِين أَو جمَاعَة مُعينين وتوجد قرينَة تشعر بِصَدقَة وَيُقَال لَهُ اللوث فَيحلف على مَا يَدعِيهِ خمسين يَمِينا وَلَا يشْتَرط موالاتها على الرَّاجِح فَإذْ حلف وَجَبت الدِّيَة فِي الْعمد على الْمقسم عَلَيْهِ وَفِي الْخَطَأ وَشبه الْعمد على الْعَاقِلَة واللوث طرق مِنْهَا أَن يُوجد قَتِيل فِي قَبيلَة أَو حصن أَو قَرْيَة صَغِيرَة أَو محلّة مُنْفَصِلَة عَن الْكَبِيرَة وَبَين الْقَتِيل وَبَين أَهلهَا عَدَاوَة ظَاهِرَة فَهَذَا اللوث فِي حَقهم وَمِنْهَا أَن يتفرق جمَاعَة عَن قَتِيل فِي دَار دَخلهَا عَلَيْهِم وَهُوَ ضَعِيف أَو لحَاجَة أَو فِي مَسْجِد أَو بُسْتَان أَو طَرِيق أَو صحراء فَهُوَ لوث وَكَذَا لَو ازْدحم قوم على بِئْر أَو مضيق ثمَّ تفَرقُوا عَن قَتِيل وَلَا يشْتَرط فِي هَذَا أَن يكون بَينه وَبينهمْ عَدَاوَة وَمِنْهَا لَو شهد عدل أَن زيدا قتل فلَانا فلوث على الْمَذْهَب سَوَاء تقدّمت شَهَادَته على الدَّعْوَى أَو تَأَخَّرت وَلَو شهد عبيد ونسوة فَإِن جاؤوا مُتَفَرّقين فلوث وَلَو جاؤوا دفْعَة على الرَّاجِح وَلَو شهد من لَا يقبل رِوَايَته كصبيان وفسقة وذميين فَالصَّحِيح أَنه لوث وَمِنْهَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَو وَقع فِي أَلْسِنَة الْخَاص وَالْعَام أَن زيدا قتل فلَانا فَهُوَ لوث فِي حَقه وَسَوَاء فِي الْقسَامَة ادّعى مُسلم على كَافِر أَو عَكسه وَالْأَصْل فِي الْقسَامَة مَا روى سهل بن أبي خَيْثَمَة قَالَ انْطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَر وَهِي يَوْمئِذٍ صلح فتفرقا فَأتى محيصة إِلَى عبد الله بن سهل وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه قَتِيلا فدفنه ثمَّ قدم الْمَدِينَة فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن بن سهل وحويصة ومحيصة ابْنا مَسْعُود إِلَى النَّبِي ﷺ فَذهب عبد الرَّحْمَن يتَكَلَّم فَقَالَ كبر كبر وَهُوَ أحدث الْقَوْم فَسكت فتكلما فَقَالَ أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أَو صَاحبكُم فَقَالُوا كَيفَ نحلف وَلم نشْهد وَلم نر قَالَ فتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا مِنْهُم فَقَالُوا كَيفَ نَأْخُذ بأيمان قوم كفار فعقله النَّبِي ﷺ من عِنْده وَهَذَا الحَدِيث

стр. 461

مُخَصص لعُمُوم قَوْله ﵊ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة إِلَّا فِي الْقسَامَة وَوجه تَقْدِيم الْمُدَّعِي فِي الْقسَامَة أَن جَانِبه قوي باللوث فتحولت الْيَمين إِلَيْهِ كَمَا لَو أَقَامَ شَاهدا فِي غير الدَّم وَقَوله فَإِن لم يكن هُنَاكَ لوث فاليمين على الْمُدعى عَلَيْهِ جَريا على الْقَاعِدَة وَقَوله بِدَعْوَى الْقَتْل احْتَرز بِهِ عَن غير الْقَتْل فَلَا قسَامَة فِيمَا دون النَّفس من الْأَطْرَاف والجروح وَالْأَمْوَال بل القَوْل فِيهَا قَول الْمُدعى عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ وَإِن كَانَ هُنَاكَ لوث لِأَن النَّص ورد فِي النَّفس وَفِي وَجه تجْرِي فِي الْأَطْرَاف وَغلط قَائِله وَالله أعلم (فرع) إِذا أنكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ اللوث فِي حَقه وَقَالَ لم أكن مَعَ المتفرقين عَنهُ صدق بِيَمِينِهِ وَالله أعلم قَالَ بَاب كَفَّارَة الْقَتْل (وعَلى قَاتل النَّفس الْمُحرمَة كَفَّارَة وَهِي عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من الْعُيُوب فَإِن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين) إِذا قتل من هُوَ من أهل الضَّمَان سَوَاء كَانَ الْقَاتِل مُسلما أَو كَافِرًا وَسَوَاء كَانَ حرا أَو عبدا وَسَوَاء كَانَ صَبيا أَو مَجْنُونا وَسَوَاء كَانَ مباشراً أَو بِسَبَب وَسَوَاء كَانَ عَامِدًا أَو مخطئاً من يحرم قَتله لحق الله تَعَالَى وَجَبت الْكَفَّارَة وَسَوَاء كَانَ الْمَقْتُول مُسلما أَو كَافِرًا وَسَوَاء كَانَ ذِمِّيا أَو معاهداً وَسَوَاء كَانَ حرا أَو عبدا وَسَوَاء كَانَ عَبده أَو عبد غَيره وَسَوَاء كَانَ عَاقِلا أَو مَجْنُونا وَسَوَاء كَانَ صَغِيرا أَو جَنِينا وضابطه أَن يكون الْمَقْتُول آدَمِيًّا مَعْصُوما بِإِيمَان أَو أَمَان فَلَا تجب الْكَفَّارَة بقتل حَرْبِيّ ومرتد وقاطع طَرِيق زَان مُحصن وَلَا بقتل نسَاء أهل الْحَرْب وَلَا أَوْلَادهم وَإِن كَانَ قَتلهمْ محرما لِأَن تحريمهم لَيْسَ لحرمتهم بل لمصْلحَة الْمُسلمين لِئَلَّا يفوتهُمْ الارتفاق بهم وَعَن هَذَا احترزنا بقولنَا من يحرم قَتله لحق الله أما وجوب الْكَفَّارَة فِي قتل الْخَطَأ فللإجماع وَالنَّص قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الْآيَة وَأما فِي الْعمد فَلَمَّا روى وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ فِي صَاحب لنا قد أوجب يَعْنِي النَّار بِالْقَتْلِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أعتقوا عَنهُ وَفِي رِوَايَة فليعتق رَقَبَة يعْتق الله بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهُ من النَّار وَالْقَاتِل لَا يسْتَوْجب النَّار إِلَّا فِي الْعمد وَلِأَنَّهُ قتل

стр. 462

آدَمِيّ محقون لِحُرْمَتِهِ فَوَجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَة كالخطأ وَقَول الشَّيْخ وعَلى قَاتل النَّفس أَعم من كَونه وَاحِدًا أَو جمَاعَة فَلَو اشْترك جمَاعَة فِي قتل وَاحِد لزم كل وَاحِد مِنْهُم كَفَّارَة لِأَنَّهُ حق مُتَعَلق بِالْقَتْلِ لَا يَتَبَعَّض فَوَجَبَ أَن يكمل فِي حق كل وَاحِد كَالْقصاصِ وَلِأَن فِيهَا معنى الْعِبَادَة وَهِي لَا توزع وَقيل تجب كَفَّارَة لِأَنَّهَا مَال يجب بِالْقَتْلِ فَوَجَبَ أَن لَا تكمل فِي حق كل وَاحِد كالدية وَكَفَّارَة قتل الصَّيْد وَمن قَالَ بِالصَّحِيحِ فرق بِأَن الدِّيَة وَجَزَاء الصَّيْد بدل نفس وَهِي وَاحِدَة وَالْكَفَّارَة لتكفير إِثْم الْقَتْل لَا بَدَلا وَكَذَلِكَ لم تخْتَلف بصغر الْمَقْتُول وَكبره وَلم تجب فِي الْأَطْرَاف وَيصدق على كل مِنْهُم أَنه قَاتل وَالْكَفَّارَة عتق رَقَبَة مُؤمنَة بِنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم على واجدها فاضلة عَن كِفَايَته على الدَّوَام قَالَه الْمَاوَرْدِيّ والبندنيجي فَإِن لم يجدهَا صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة فَإِن لم يسْتَطع فَقَوْلَانِ أَحدهمَا يطعم سِتِّينَ مِسْكينا كل مِسْكين مدا من طَعَام ككفارة الظِّهَار وَلِأَنَّهُ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الظِّهَار فَحمل الْمُطلق عَلَيْهِ هُنَا وَالْأَظْهَر لَا يطعم شَيْئا لِأَن الْإِبْدَال فِي الْكَفَّارَات مَوْقُوف على النَّص دون الْقيَاس وَلَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد إِلَّا فِي الْأَوْصَاف دون الأَصْل كَمَا حمل مُطلق الْيَد فِي التَّيَمُّم على تقييدها بالمرفق فِي الْوضُوء وَلم يحمل ترك الرَّأْس وَالرّجلَيْنِ فِيهِ على ذكرهمَا فِي الْوضُوء فعلى الصَّحِيح لَو مَاتَ قبل الصَّوْم أخرج من تركته لكل يَوْم مد طَعَام كفوات صَوْم رَمَضَان وَاعْلَم أَن القَوْل فِي الرَّقَبَة وَالصِّيَام على مَا ذكرنَا فِي الظِّهَار وَالله أعلم (فرع) إِذا وَجَبت الْكَفَّارَة بقتل الصَّبِي وَالْمَجْنُون أعتق الْوَلِيّ من مَالهمَا كَمَا تخرج الزَّكَاة والفطرة وَلَا يَصُوم عَنْهُمَا بِحَال فَلَو صَامَ الصَّبِي فِي صغره فَهَل يجْزِيه وَجْهَان كَمَا لَو قضى فِي صغره حجَّة أفسدها وَالله أعلم

стр. 463

كتاب الْحُدُود الْحُدُود جمع حد وَهُوَ فِي اللُّغَة الْمَنْع وَمِنْه سمي حد الدَّار لمَنعه مُشَاركَة غَيره وَسمي البواب حداداً لمَنعه الدَّاخِل وَالْخَارِج وَسميت الْحُدُود حدوداً لمنعها من ارْتِكَاب الْفَوَاحِش وَقيل لِأَن الله تَعَالَى حددها وقدرها فَلَا يُزَاد عَلَيْهَا وَلَا ينقص مِنْهَا وَكَانَت الْحُدُود فِي صدر الْإِسْلَام بالغرامات ثمَّ نسخت بِهَذِهِ الْحُدُود وَالله أعلم قَالَ بَاب حد الزِّنَا (الزَّانِي على ضَرْبَيْنِ مُحصن وَغير مُحصن فالمحصن حَده الرَّجْم وَغير الْمُحصن حَده مائَة جلدَة وتغريب عَام) الزِّنَا من الْكَبَائِر وَمُوجب للحد وَهُوَ مَقْصُور وَقد يمد وَضَابِط مَا يُوجب الْحَد هُوَ إيلاج قدر الْحَشَفَة من الذّكر فِي فرج محرم مشتهى طبعا لَا شُبْهَة فِيهِ ثمَّ إِن كَانَ الزَّانِي مُحصنا فحده الرَّجْم وَلَا جلد مَعَه وَقَالَ ابْن الْمُنْذر يجلد ثمَّ يرْجم وَإِن كَانَ غير مُحصن فحده الْجلد والتغريب وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الرجل وَالْمَرْأَة لِأَن عمر ﵁ خطب فَقَالَ إِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب فَكَانَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِ آيَة الرَّجْم فقرأناها ووعيناها ورجم رَسُول الله ﷺ ورجمنا وَإِنِّي خشيت إِن طَال زمَان أَن يَقُول قَائِل مَا نجد الرَّجْم فِي كتاب الله تَعَالَى فيضلون بترك فَرِيضَة أنزلهَا الله تَعَالَى فَالرَّجْم حق على من زنى من الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذا كَانَ مُحصنا إِذا قَامَت الْبَيِّنَة أَو كَانَ حمل أَو اعْتِرَاف وَايْم الله لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي كتاب الله تَعَالَى لكتبتها وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُنكره أحد وَإِن كَانَ غير مُحصن فَإِن كَانَ حرا

стр. 464

فحده جلد مائَة لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وتغريب عَام لقَوْله ﵊ الْبكر بالبكر جلد مائَة وَنفي سنة وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه لَا تَرْتِيب بَين الْجلد والتغريب فَيقدم مَا شَاءَ مِنْهُمَا نعم يشْتَرط فِي التَّغْرِيب أَن يكون إِلَى مَسَافَة تقصر فِيهَا الصَّلَاة على الصَّحِيح لِأَن الْمَقْصُود بِهِ الايحاش عَن أَهله ووطنه وَمَا دون مَسَافَة الْقصر فِي حكم الْحَضَر فَإِن رأى الإِمَام تغريبه إِلَى أَكثر من ذَلِك فعل لِأَن الصّديق ﵁ غرب إِلَى فدك والفاروق عمر ﵁ إِلَى الشَّام وَعُثْمَان ﵁ إِلَى مصر وَعلي ﵁ إِلَى الْبَصْرَة وَقَالَ الْمُتَوَلِي إِن وجد على مَسَافَة الْقصر موضعا صَالحا لم يجز إِلَى الْأَبْعَد وَهُوَ وَجه وَالصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور الأول لقضية الصَّحَابَة وَلَا تغرب الْمَرْأَة إِلَّا بِمحرم أَو زوج فَلَو لم يخرج إِلَّا بِأُجْرَة لَزِمت وَتَكون من مَالهَا على الْأَصَح فَإِذا زنى الْبَالِغ الْعَاقِل الْمُخْتَار وَهُوَ مُسلم أَو ذمِّي أَو مُرْتَد وَجب عَلَيْهِ الْحَد أما الْمُسلم فبالاجماع وَأما الذِّمِّيّ فَلِأَن أهل الْملَل مجمعون على تَحْرِيم الزِّنَا وَقد الْتزم أحكامنا فَأشبه الْمُسلم وَقد رجم رَسُول الله ﷺ يهوديين زَنَيَا وَكَانَا محصنين وَأما الْمُرْتَد فَمن طَرِيق الأولى لجري أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِ وَأما الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا يجب عَلَيْهِمَا لحَدِيث رفع الْقَلَم نعم يُؤَدب الْوَلِيّ الصَّبِي بِمَا يزجره وَلَا يحد الْمُكْره رجلا كَانَ أَو امْرَأَة وَهُوَ بِنَاء على تصور الاكراه من الرجل وَهُوَ الصَّحِيح وَيتَصَوَّر الاكراه فِي حق الْمَرْأَة بِلَا خلاف وَيشْتَرط لوُجُوب الْحَد أَيْضا أَن يكون عَالما بِالتَّحْرِيمِ فَلَا حد على من جَهله كمن قرب عَهده بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لماعز هَل تَدْرِي مَا الزِّنَا فَلَو لم يكن الْجَهْل مَانِعا لم يسْأَله ﷺ وَلِأَن الْحَد يتبع الاثم وَهُوَ غير آثم وَلَو علم التَّحْرِيم وَجَهل وجوب الْحَد حد لِأَن من علم التَّحْرِيم كَانَ فِي حَقه أَن يكف وَالله أعلم قَالَ (وشرائط الاحصان أَرْبَعَة أَشْيَاء الْبلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة وَوُجُود الْوَطْء فِي نِكَاح صَحِيح) لَا بُد من التَّمْيِيز بَين من حَده الْجلد وَالرَّجم وَإِلَّا أهريق دم بِغَيْر حق وَترك من لَا دم لَهُ ثمَّ الْإِحْصَان فِي اللُّغَة الْمَنْع قَالَ الله تَعَالَى ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ وَاعْلَم أَنه ورد فِي الشَّرْع بمعان مِنْهَا الْإِسْلَام وَمِنْهَا الْبلُوغ وَمِنْهَا الْعقل وَقد قيل كل مِنْهَا

стр. 465

فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ وَمِنْهَا أَن الاحصان ورد بِمَعْنى الْحُرِّيَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وَمِنْهَا أَنه يرد بِمَعْنى الْعِفَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وَمِنْهَا إِنَّه يرد بِمَعْنى التَّزْوِيج وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَمِنْهَا إِنَّه يرد بِمَعْنى الْوَطْء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وَيدل على أَن المُرَاد هُنَا هُوَ الْوَطْء فِي نِكَاح صَحِيح مَا ثَبت من قَوْله ﵇ لَا يحل دم امرىء مُسلم يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثّيّب الزَّانِي وَالنَّفس بِالنَّفسِ والتارك لدينِهِ المفارق للْجَمَاعَة وَأَجْمعُوا على أَن المُرَاد بالثيوبة هُنَا هُوَ الْوَطْء فِي النِّكَاح الصَّحِيح وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن الشَّهْوَة مركبة فِي النُّفُوس فَإِذا وطىء فِي النِّكَاح فقد أنالها حَقّهَا فحقه أَن يمْتَنع عَن الْحَرَام وَأَيْضًا إِذا أصَاب امْرَأَته فقد أكد افتراشها فَلَو لطخ غَيره فرَاشه عظمت وحشته فَإِذا لطخ هُوَ فرَاش الْغَيْر غلظت جِنَايَته إِذا عرفت هَذَا فَيشْتَرط فِي الْمُحصن ثَلَاث صِفَات الأولى التَّكْلِيف فَلَا حد على صبي وَلَا مَجْنُون لَكِن يؤدبان بِمَا يزجرهما كَسَائِر الْمُحرمَات الثَّانِيَة الْحُرِّيَّة فَلَيْسَ الرَّقِيق وَالْمكَاتب وَأم الْوَلَد والمبعض بمحصن وَإِن وطئ فِي نِكَاح صَحِيح لِأَن الْحُرِّيَّة صفة كَمَال وَشرف والشريف يصون نَفسه عَمَّا يدنس عرضه بِخِلَاف الرَّقِيق فَإِنَّهُ مبتذل مهان لَا يتحاشى عَمَّا يتحاشى مِنْهُ الْحر وَلِهَذَا قَالَت هِنْد ﵂ عِنْد الْبيعَة أوتزني الْحرَّة الثَّالِثَة الْوَطْء فِي نِكَاح صَحِيح وَيَكْفِي فِيهِ تغييب الْحَشَفَة وَلَا يشْتَرط كَونه مِمَّن ينزل وَيحصل الاحصان وان كَانَ بِوَطْء حرَام كَالْوَطْءِ فِي الْحيض والاحرام وعدة الشُّبْهَة وَقَول الشَّيْخ فِي نِكَاح صَحِيح احْتَرز بِهِ عَن الْفَاسِد فَإِنَّهُ لَا يحصل الاحصان بِالْوَطْءِ فِيهِ لِأَنَّهُ حرَام فَلَا يحصل بِهِ صفة كَمَال وَاعْلَم أَنه لَا يشْتَرط الاحصان من الْجَانِبَيْنِ فَإِذا زنى الْبكر بمحصنة أَو عَكسه رجم الْمُحصن مِنْهُمَا وَجلد الآخر وَغرب وَالله أعلم

стр. 466

(فرع) لَا يحصل الاحصان بِالْوَطْءِ فِي ملك الْيَمين بِلَا خلاف بل حكى بَعضهم الِاتِّفَاق على ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَالْعَبْد وَالْأمة حدهما نصف حد الْحر) إِذا زنى الرَّقِيق جلد خمسين لقَوْله تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وَلِأَنَّهُ نَاقص بِالرّقِّ فَلْيَكُن على النّصْف من الْحر كَالنِّكَاحِ وَالْعدة وَسَوَاء فِي ذَلِك الْقِنّ وَالْمكَاتب وَأم الْوَلَد وَفِي الْمبعض خلاف الرَّاجِح أَنه كالقن وَهل يغرب العَبْد نصف سنة فِيهِ خلاف الرَّاجِح نعم لِأَنَّهُ حد يَتَبَعَّض فَأشبه الْجلد وَقيل لَا يغرب لحق السَّيِّد وَقيل يغرب سنة وَقَالَ أَبُو ثَوْر يجلد العَبْد أَيْضا مائَة وَالله أعلم قَالَ (وَحكم اللواط وإتيان الْبَهَائِم حكم الزِّنَا) من لَاطَ أَي من أَتَى ذكرا فِي دبره وَهُوَ من أهل حد الزِّنَا لكَونه مُكَلّفا مُخْتَارًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ مُسلم أَو ذمِّي أَو مُرْتَد فَفِيمَا ذَا يحد بِهِ خلاف الصَّحِيح أَن حَده حد الزِّنَا فيرجم إِن كَانَ مُحصنا ويجلد ويغرب غير الْمُحصن لِأَن الله تَعَالَى سمى ذَلِك فَاحِشَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أحد من الْعَالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ ﵊ خُذُوا عني الحَدِيث فَدلَّ على أَن ذَلِك حد الْفَاحِشَة وَقَالَ ﵊ إِذا أَتَى الرجل الرجل فهما زانيان وَقيل يقتل مُطلقًا مُحصنا كَانَ أَو غير مُحصن لقَوْله ﵊ من وجدتموه يعْمل عمل قوم لوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ وَفِي رِوَايَة فارجموا الْأَعْلَى والأسفل إِلَّا أَنه خُولِفَ وَفِي كَيْفيَّة قَتله خلاف قيل يقتل بِالسَّيْفِ كالمرتد لِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى الْفَهم من لفظ الْقَتْل وَهَذَا مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَقيل يرْجم لأجل

стр. 467

الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَلِأَنَّهُ قتل وَجب بِالْوَطْءِ فَكَانَ بِالرَّجمِ كَقَتل الزَّانِي وَقيل يهدم عَلَيْهِ جِدَار أَو يرْمى من شَاهِق حَتَّى يَمُوت أخذا من عَذَاب قوم لوط وَلَا فرق فِي اللواط بَين الْأَجْنَبِيّ وَغَيره وَلَا بَين مَمْلُوكه ومملوك غَيره لِأَن الدبر لَا يُبَاح بِحَال وَالله أعلم قلت ذهبت طَائِفَة من الملحدة إِلَى عدم تَحْرِيم الْفروج وهم قوم لَهُم معرفَة بالعلوم الْعَقْلِيَّة تقع مِنْهُم مناظرة مَعَ الضعفة من المتفقة يحتجون بعمومات أَدِلَّة فيقطعونهم فيظن من لَا دراية لَهُ بالعلوم الشَّرْعِيَّة صِحَة دَعوَاهُم بذلك فَيَأْخُذ بقَوْلهمْ فليحذر ذَلِك فَإِن هَذِه الطَّائِفَة من أَخبث الخليقة اعتقاداً فَعَلَيْهِم وعَلى أتباعهم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَأما اتيان الْبَهَائِم فَحَرَام قطعا لِأَنَّهُ فَاحِشَة وَفِيمَا يجب بِفِعْلِهِ خلاف قيل يحد حد الزِّنَا فَيُفَرق فِيهِ بَين الْمُحصن وَغَيره لِأَنَّهُ ايلاج فِي فرج فَأشبه الْإِيلَاج فِي فرج الْمَرْأَة وَهَذَا مَا جزم بِهِ الشَّيْخ وَالثَّانِي حَده الْقَتْل مُحصنا كَانَ أَو غير مُحصن لقَوْله ﵊ من أَتَى بَهِيمَة فَاقْتُلُوهُ واقتلوها مَعَه وَقيل يجب التَّعْزِير فَقَط وَهُوَ الصَّحِيح لقَوْل ابْن عَبَّاس ﵄ لَيْسَ على الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَة حد وَهَذَا لَا يَقُوله إِلَى عَن تَوْقِيف وَإِذا انْتَفَى الْحَد ثيت التَّعْزِير لِأَنَّهُ أَتَى مَعْصِيّة لَا حد فِيهَا وَلَا كَفَّارَة وَلِأَنَّهُ فرج لَا تميل إِلَيْهِ النَّفس فَلَا يشتهى طبعا فَلَا يحد لِأَن الْحَد إِنَّمَا شرع زجرا لما يشتهى أَلا ترى أَن الشَّخْص لَا يحد بِشرب الْبَوْل لما ذكرنَا وَهَذَا القَوْل نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقطع بِهِ بَعضهم وَلَو أولج فِي فرج ميتَة فَلَا حد على الرَّاجِح لِأَنَّهُ لَا يشتهى طبعا وَالله أعلم قَالَ (وَمن وطئ دون الْفرج عزّر وَلَا يحد وَلَا يبلغ بالتعزير أدنى الْحُدُود) إِذا وطئ أَجْنَبِيَّة فِيمَا دون الْفرج عزّر وَلَا يحد لما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن ابْن مَسْعُود ﵄ قَالَ جا رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنِّي عَالَجت إمرأ من أقْصَى الْمَدِينَة فَأَصَبْت مِنْهَا دون أَن أَمسهَا فَأَنا هَذَا فأقم على مَا شِئْت فَقَالَ عمر سترك الله تَعَالَى لَو سترت نَفسك فَلم يرد النَّبِي ﷺ شَيْئا فَانْطَلق الرجل فَاتبعهُ النَّبِي ﷺ رجلا فَدَعَاهُ فَتلا عَلَيْهِ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْآيَة فَقَالَ رجل من الْقَوْم يَا رَسُول الله أَله خَاصَّة للنَّاس عَامَّة فَقَالَ للنَّاس كَافَّة كَذَا لَو وطئ صَبيا أَو رجلا فِيمَا دون الْفرج وَالله أعلم وَقَوله

стр. 468

وَلَا يبلغ بِهِ أدنى الْحُدُود لقَوْله ﵊ لَا يجلد أحد فَوق عشرَة أسواط إِلَّا فِي حد من حُدُود الله وَفِي رِوَايَة من ضرب حدا فِي غير حد فَهُوَ من الْمُعْتَدِينَ وَالله أعلم (فرع) الصلج حرَام فَإِذا استمنى شخص بِيَدِهِ عزّر لِأَنَّهَا مُبَاشرَة مُحرمَة بِغَيْر إيلاج ويفضي إِلَى قطع النَّسْل فَحرم كمباشرة الْأَجْنَبِيَّة فِيمَا دون الْفرج وَقد جَاءَ مَلْعُون من نكح يَده وَالله أعلم (فرع) تساحق النِّسَاء حرَام ويعزرن بذلك لِأَنَّهُ فعل محرم قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وإثم ذَلِك كاثم الزِّنَا لقَوْله ﵊ إِذا أَتَت الْمَرْأَة الْمَرْأَة فهما زانيتان وَالله أعلم (فَائِدَة) لَو استمنى الرجل بيد امْرَأَته أَو أمته جَازَ لِأَنَّهَا مَحل استمتاعه وَفِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْن لَو غمزت الْمَرْأَة ذكر زَوجهَا أَو سَيِّدهَا بِيَدِهَا كره وَإِن كَانَ بِإِذْنِهِ إِذا أمنى لِأَنَّهُ يشبه الْعَزْل والعزل مَكْرُوه وَنسخت إِبَاحَته وَالله أعلم قَالَ بَاب حد الْقَذْف فصل فِي الْقَذْف وَإِذا قذف غَيره بِالزِّنَا فَعَلَيهِ حد الْقَذْف الْقَذْف الرَّمْي وَمِنْه فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الرَّمْي بِالزِّنَا على وَجه التَّعْزِير وَهُوَ من الْكَبَائِر وَيتَعَلَّق بِهِ الْحَد بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ (وشرائطه ثَمَانِيَة ثَلَاثَة فِي الْقَاذِف أَن يكون بَالغا عَاقِلا وَأَن لَا يكون وَالِد الْمَقْذُوف)

стр. 469

لَا يحد الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا قذفا لحَدِيث رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة وبالقياس على الزِّنَا وَالسَّرِقَة قَالَ الرَّافِعِيّ تبعا لِلْبَغوِيِّ ويعزران إِذا كَانَ لَهما تَمْيِيز وَأطلق الْبَنْدَنِيجِيّ أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِمَا وَفِي الْحَاوِي أَنه إِن كَانَ الصَّبِي مراهقاً يُؤْذِي قذف مثله عزّر وَإِلَّا فَلَا وَيشْتَرط لوُجُوب الْحَد أَن لَا يكون الْقَاذِف أصلا كَالْأَبِ وَالأُم وَإِن عليا لِأَنَّهُ إِذا لم يقتل الأَصْل بِهِ فَعدم حَده بقذفه أولى نعم يُعَزّر لِأَن الْقَذْف أَذَى وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر يحد لظَاهِر الْقُرْآن لكنه يكره لَهُ اقامته وَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون الْقَاذِف مُخْتَارًا فَلَو أكره على قذف الْغَيْر فَلَا حد للْحَدِيث الْمَشْهُور وَالله أعلم قَالَ (وَخَمْسَة فِي الْمَقْذُوف أَن يكون مُسلما بَالغا عَاقِلا حرا عفيفاً) شَرط وجوب الْحَد فِي الْقَذْف أَن يكون الْمَقْذُوف مُحصنا كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الْكَرِيمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْآيَة وشروط الاحصان الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والعفة عَن الزِّنَا فَإِذا قذف كَافِرًا أَو صَغِيرا أَو مَجْنُونا أَو عبدا أَو فَاجِرًا يَعْنِي زَانيا فَلَا حد لعدم الاحصان الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الْكَرِيمَة نعم يُعَزّر للايذاء وَالله أعلم قَالَ (وَيحد الْحر ثَمَانِينَ سَوْطًا وَالْعَبْد أَرْبَعِينَ) إِذا قذف الْبَالِغ الْعَاقِل الْمُخْتَار وَهُوَ مُسلم أَو ذمِّي أَو مستأمن أَو مُرْتَد مُحصنا لَيْسَ بوالد وَجب عَلَيْهِ الْحَد للنَّص وَالْإِجْمَاع ثمَّ إِن كَانَ حرا جلد ثَمَانِينَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما نزل عذرى قَامَ النَّبِي ﷺ وتلا الْقُرْآن وَأمر بِالرجلَيْنِ وَالْمَرْأَة فَضربُوا وهم حسان ومسطح وَحمْنَة قَالَ الطَّحَاوِيّ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ وَلِأَن الْقَذْف بِالزِّنَا أقل من الزِّنَا فَكَانَ أقل مِنْهُ حدا وَالله أعلم

стр. 470

وَإِن كَانَ الْقَاذِف رَقِيقا جلد أَرْبَعِينَ سَوَاء كَانَ قِنَا أَو مُدبرا أَو مكَاتبا أَو أم ولد أَو مبعضاً لِأَن أَبَا بكر وَعمر وعلياً ﵃ وَمن بعدهمْ كَانَا لَا يضْربُونَ إِلَّا أَرْبَعِينَ وَلم يخالفهم أحد وَلِأَنَّهُ حد يَتَبَعَّض فَكَانَ العَبْد فِيهِ على النّصْف كَحَد الزِّنَا فَإِن قلت الْآيَة مُطلقَة قلت فِي الْجَواب المُرَاد الْأَحْرَار بِدَلِيل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ وَالْعَبْد لَا تقبل شَهَادَته وَإِن لم يقذف وَالله أعلم قَالَ (وَيسْقط حد الْقَذْف بِثَلَاثَة أَشْيَاء إِقَامَة الْبَيِّنَة أَو عَفْو الْمَقْذُوف أَو اللّعان فِي حق الزَّوْجَة) إِذا قذف الشَّخْص من يجب الْحَد بقذفه فلإسقاط الْحَد عَنهُ ثَلَاث طرق مِنْهَا إِقَامَة الْبَيِّنَة سَوَاء كَانَ الْمَقْذُوف زَوْجَة أَو أَجْنَبِيَّة أما غير الزَّوْجَة فَلقَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ أمرنَا بِالْجلدِ عِنْد عدم اقامة الْبَيِّنَة وَأما فِي الزَّوْجَة فَلِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لهِلَال بن أُميَّة لما قذف زَوجته عِنْد النَّبِي ﷺ بِشريك بن السمحاء الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك كرر ذَلِك مرَارًا ثمَّ أنزل الله تَعَالَى آيَة اللّعان فَصَارَ للزَّوْج طَرِيقَانِ فِي اسقاط حد الْقَذْف بِالْبَيِّنَةِ وَاللّعان بِالنَّصِّ وَأما السُّقُوط بِالْعَفو فَلِأَن الْحَد حق الْمَقْذُوف وَلِهَذَا لَا يسْتَوْفى إِلَّا بِإِذْنِهِ ومطالبته فَجَاز لَهُ الْعَفو عَنهُ فَإِذا عَفا سقط لِأَنَّهُ مَحْض حق كَالْقصاصِ وَالله أعلم (فرع) قذف شخص آخر فطالبه الْمَقْذُوف بِالْحَدِّ فَقَالَ الْقَاذِف قَذَفته وَهُوَ مَجْنُون فَقَالَ بل قذفتني وَأَنا عَاقل وَعرف لَهُ حَال جُنُون فَالْقَوْل على الرَّاجِح لِأَن مَا يَدعِيهِ كل مِنْهُمَا مُمكن وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَإِن حلف الْقَاذِف عزّر إِن طلب الْمَقْذُوف تعزيره وَلَو قذف شخصا وَهُوَ عفيف وَلم يحد الْقَاذِف حَتَّى زنى الْمَقْذُوف لم يحد لسُقُوط حصانته وَلِأَن ظُهُور زِنَاهُ يدل على تكرره فَلم يحد الْقَاذِف وَقد رُوِيَ أَنه حمل إِلَى عمر ﵁ زَان فَقَالَ وَالله مَا زَنَيْت قبلهَا فَقَالَ عمر ﵁ كذبت إِن الله لَا يفضح عَبده بِأول مَعْصِيّة وَالله أعلم قَالَ

стр. 471

بَاب حد الْخمر فصل وَمن شرب خمرًا أَو شرابًا مُسكرا حد أَرْبَعِينَ وَيجوز أَن يبلغ بِهِ ثَمَانِينَ على وَجه التَّعْزِير شرب الْخمر من الْكَبَائِر وَزَوَال الْعقل بِهِ على وَجه الْمَحْظُور حرَام فِي جَمِيع الْملَل وَلَا يتعاطاه مِنْهُم إِلَّا كل فَاسق كفسقة الْمُسلمين لِأَن حفظ الْعقل من الْخمس الكليات الَّذِي اتّفق أهل الْملَل على حفظه وَقد أَمر الله تَعَالَى باجتنابه فِي كِتَابه الْعَزِيز وَقَالَ رَسُول الله ﷺ كل مُسكر حرَام ورد عَن أبي مَالك أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيَكُونن من أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْحَرِير وَالْخمر وَالْمَعَازِف وَفِي غَيره عَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ ﵁ أَيْضا ليشربن أنَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا وتضرب على رؤوسهم المعازف ويخسف الله بهم الأَرْض وَيجْعَل الله مِنْهُم القردة والخنازير وَالْمَعَازِف آلَات اللَّهْو قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ الْأَصْحَاب وعصير الْعِنَب الَّذِي اشْتَدَّ وَقذف بالزبد حرَام بِالْإِجْمَاع وَسَوَاء فِي ذَلِك قَلِيله وَكَثِيره ويفسق شَاربه وَيلْزمهُ الْحَد وَمن استحله كفر قَالَ النَّبِي ﷺ مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام نهى عَن قَلِيل مَا أسكر كَثِيره فَمن شرب الْمُسكر وَهُوَ مُسلم بَالغ عَاقل مُخْتَار عَالم بِأَنَّهُ مُسكر وعالم بِتَحْرِيمِهِ وَجب عَلَيْهِ الْحَد سَوَاء سكر أم لَا ثمَّ إِن كَانَ حرا جلد أَرْبَعِينَ لِأَن عبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر جلد الْوَلِيد بَين يَدي عُثْمَان وَعلي ﵁ يعد حَتَّى بلغ أَرْبَعِينَ فَقَالَ أمسك ثمَّ قَالَ جلد النَّبِي ﷺ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بكر أَرْبَعِينَ وَعمر ثَمَانِينَ وَالْكل سنة وَهَذَا أحب إِلَيّ وَفِي مُسلم أَيْضا أَنه ﵊ جلد شارباً بجريدتين أَرْبَعِينَ فَإِذا

стр. 472

رأى الإِمَام أَن يبلغ بِالْحَدِّ ثَمَانِينَ فِي الْحر وَفِي العَبْد أَرْبَعِينَ فعل لما ورد أَن عمر ﵁ جعله ثَمَانِينَ وَقَالَ عَليّ لعمر ﵄ إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى وحد المفتري ثَمَانُون فَأخذ بِهِ عمر وَلم يُنكره أحد وَرُوِيَ أَنه ﵊ جلد ثَمَانِينَ إِلَّا أَنه مُرْسل فَالْعَمَل على اتِّفَاق الصَّحَابَة ﵃ وَقيل تمنع الزِّيَادَة على الْأَرْبَعين وَالصَّحِيح الأول فَعَلَيهِ هَل الزَّائِد عَن الْأَرْبَعين إِلَى الثَّمَانِينَ تَعْزِير أم حد وَجْهَان أصَحهمَا أَنه تَعْزِير لِأَنَّهُ لَو كَانَ حدا لما جَازَ تَركه مَعَ أَنه يجوز وَقيل فَلَو كَانَ تعزيراً لما بلغ أَرْبَعِينَ فَالْجَوَاب أَنه تعزيرات على جنايات تصدر مِنْهُ من هذيان وافتراء وَنَحْوهمَا وَيجوز أَن يبلغ بهَا الْحَد وَفِي ذَلِك إِشْكَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا إِنَّمَا يُعَزّر بِهِ بِشَرْط تحَققه وَهُوَ غير مَعْلُوم الثَّانِي أَنه لَو كَانَ تعزيرات لَكَانَ يجوز الزِّيَادَة على الثَّمَانِينَ وَقد منعُوا من ذَلِك كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَاعْلَم أَنه لَا يُقَام الْحَد حَال السكر فَإِن أقيم عَلَيْهِ فِي حَال سكره فَفِي الِاعْتِدَاد بِهِ وَجْهَان جاريان فِيمَا إِذا حد فِي حَال جُنُونه وَالله أعلم قَالَ (وَيجب عَلَيْهِ بِأحد أَمريْن بِالْبَيِّنَةِ أَو الاقرار وَلَا يحد بالقيء والاستنكاه) الْحَد عُقُوبَة وَإِنَّمَا يُقَام على الْمَحْدُود عِنْد ثُبُوته وثبوته يحصل بطريقين أَحدهمَا إِقْرَاره بِغَيْر إِكْرَاه الثَّانِيَة أَن يشْهد عَلَيْهِ رجلَانِ فَصَاعِدا من أهل الشَّهَادَة عَلَيْهِ ثمَّ صِيغَة الْإِقْرَار وَالشَّهَادَة إِن كَانَت مفصلة بِأَن قَالَ شربت الْخمر أَو قَالَ شربت مِمَّا شرب مِنْهُ غَيْرِي فَسَكِرَ مِنْهُ وَأَنا عَالم بِهِ مُخْتَار فَلَا كَلَام وَكَذَا إِن فصل الشَّاهِد فَإِن قَالَ شربت الْخمر واقتصرت على ذَلِك أَو شهد اثْنَان أَنه شرب

стр. 473

الْخمر من غير تعرض للْعلم وَالِاخْتِيَار فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا حد لاحْتِمَال جَهله بِأَنَّهُ خمر أَو أَنه أكره وكما لَا بُد من التَّفْصِيل فِي الزِّنَا كَذَلِك هُنَا وَالصَّحِيح أَنه يجب الْحَد لِأَن إِضَافَة الشّرْب إِلَى الْخمر قد أقربها وَالْأَصْل عدم الْإِكْرَاه وَالظَّاهِر من حَال الشَّارِب علمه بِمَا شربه فَصَارَ كالاقرار بِالْبيعِ وَالطَّلَاق وَغَيرهمَا وَالشَّهَادَة عَلَيْهِمَا لَا يشْتَرط التَّعَرُّض فِيهَا للاختيار وَالْعلم بِخِلَاف الزِّنَا فَإِنَّهُ يُطلق على مُقَدمَات الْجِمَاع وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث العينان يزنيان وَقَوله وَلَا يحد بالقيء والاستنكاه لاحْتِمَال كَونه غالطاً أَو مكْرها وَلِأَن غير الْخمر يشاركها فِي رائحتها وَالْأَصْل بَرَاءَة الشَّخْص من الْعقُوبَة والشارع ﷺ متشوف إِلَى دَرْء الْحُدُود وَالله أعلم (فرع) الَّذِي يزِيل الْعقل من غير الْأَشْرِبَة كالبنج وَنَحْوه والحشيش الَّذِي يتعاطاه الأراذل والسفلة حرَام لِأَن ذَلِك مُسكر وكل مُسكر حرَام وَفِي رِوَايَة أَيْضا كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَهَذِه الثَّانِيَة نتيجتها الرِّوَايَة الأولى وَهِي كل مُسكر حرَام لِأَنَّك إِذا حذفت مَحْمُول الأولى وموضوع الثَّانِيَة أنتج مَا ذَكرْنَاهُ وَلَو احْتِيجَ فِي قطع يَد متأكلة وَنَحْوهَا إِلَى اسْتِعْمَال البنج وَنَحْوه لزوَال الْعقل هَل يجوز ذَلِك قَالَ الرَّافِعِيّ يخرج على الْخلاف فِي التَّدَاوِي بِالْخمرِ وَالْمَذْكُور فِي التَّدَاوِي بِالْخمرِ إِذا لم يجد غَيرهَا أَنه حرَام على الصَّحِيح الَّذِي قَالَه الْأَكْثَرُونَ وَنَصّ عَلَيْهِ إِمَام الْمَذْهَب الامام الشَّافِعِي ﵁ لعُمُوم النُّصُوص الناهية عَن ذَلِك لَكِن قَالَ النَّوَوِيّ هُنَا من زِيَادَة الرَّوْضَة الْأَصَح الْجَوَاز يَعْنِي فِي البنج وَنَحْوه بِخِلَاف التَّدَاوِي فَإِنَّهُ لَا يجوز وَالله أعلم قَالَ بَاب حد السّرقَة فصل فِي حد السَّارِق وتقطع يَد السَّارِق بست شَرَائِط أَن يكون بَالغا عَاقِلا السّرقَة بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء هِيَ أَخذ مَال الْغَيْر على وَجه الْخفية وإخراجه من حرزه وَهِي مُوجبَة للْقطع بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وَالْأَخْبَار تَأتي فِي موَاضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ للْقطع شُرُوط مِنْهَا مَا هُوَ مُعْتَبر فِي السَّارِق وَمِنْهَا مَا هُوَ مُعْتَبر فِي الْمَسْرُوق أما السَّارِق

стр. 474

فَيشْتَرط أَن يكون بَالغا عَاقِلا مُخْتَارًا سَوَاء كَانَ مُسلما أَو ذِمِّيا أَو مُرْتَدا فَلَا قطع على صبي وَلَا مَجْنُون وَلَا مكره للحديثين الْمَشْهُورين وَلَو سرق الْمعَاهد لم يقطع فِي الْأَصَح وَلَو سرق مُسلم مَال معاهد فَهَل يقطع فِيهِ قَولَانِ مبنيان على قطع الْمعَاهد بِسَرِقَة مَال الْمُسلم فَإِن قطع قطع وَإِلَّا فَلَا وَالله أعلم (وَأَن يسرق نِصَابا قِيمَته ربع دِينَار من حرز مثله) يشْتَرط فِي المَال الْمَسْرُوق أَن يكون نِصَابا وَهُوَ ربع دِينَار من الذَّهَب الْخَالِص الْمَضْرُوب فَلَا قطع فِيمَا دونه وَاحْتج لَهُ بِمَا رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تقطع يَد سَارِق إِلَّا فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا وَالْمرَاد ربع دِينَار مصكوك فَلَو سرق سبيكة وَزنهَا ربع مِثْقَال وَلَا تَسَاوِي ربع دِينَار مصكوك لم يقطع على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة صَححهُ تبعا لتصحيح امام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره وَصحح جمَاعَة أَنه يقطع وَلَو سرق مصوغاً يُسَاوِي ربع دِينَار ووزنه أقل لم يقطع فِي الْأَصَح وَيجْرِي الْوَجْهَانِ فِي ربع دِينَار قراضة لَا تَسَاوِي ربع دِينَار مصكوك وَلَو سرق شَيْئا قِيمَته ربع دِينَار مصكوك قطع بِلَا خلاف قَالَه الإِمَام وَالدِّينَار يعدل اثْنَي عشر دِرْهَم وربعه ثَلَاثَة دَرَاهِم وَهُوَ نِصَاب السّرقَة وَلِهَذَا قطع رَسُول الله ﷺ سَارِقا فِي مجن قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم وَلَا فرق بَين أَن يعْتَقد السَّارِق أَنه أَخذ نِصَابا أم لَا وَكَانَ فِي نفس الْأَمر يعدل نِصَابا فَلَو سرق فُلُوسًا فِي ظَنّه أَنَّهَا لَا تعدل نِصَابا فَكَانَت دَنَانِير قطع لِأَنَّهُ سرق نِصَابا وظنه خطأ وَلَو عكس بِأَن سرق مَا يَظُنّهُ دَنَانِير فَكَانَت فُلُوسًا لَا تعدل ربع دِينَار فَلَا قطع وَلَو سرق جُبَّة لَا تعدل درهما فَكَانَ فِيهَا مَا يبلغ نِصَابا من دِينَار أَو غَيره وَلم يشْعر بِهِ قطع فِي الْأَصَح ثمَّ هَذَا كُله إِذا كَانَ الْمَسْرُوق مَالا أما مَا لَيْسَ بِمَال كَالْكَلْبِ والسرجيم وجلود الْميتَة وَنَحْوهَا لم يقطع بِهِ لِأَنَّهَا لَيست بِمَال وَالله أعلم (فرع لَو سرق شخص آلَة لَهو كالطنبور والمزمار والرباب وَنَحْوهَا من الْآلَات الخبيثة وَكَذَا الْأَصْنَام نظر إِن لم يبلغ مفصل تِلْكَ الْآلَة نِصَابا فَلَا قطع وَإِن بلغ نِصَابا فَهَل يقطع فِيهِ خلاف الرَّاجِح فِي الرَّوْضَة أَنه يقطع لِأَنَّهُ مَال يقوم على متلفه فَأشبه مَا لَو سرق مفصلا وَقيل لَا يقطع بِحَال وَصَححهُ فِي الْمُحَرر قلت وَهُوَ قوي وَاخْتَارَهُ الإِمَام أَبُو الْفرج الرَّازِيّ وامام الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّهُ آلَة مُحرمَة يجب اتلافها لِأَنَّهَا غير مُحْتَرمَة وَلَا محرزة كَالْخمرِ وكل أحد مَأْمُور بإفسادها وَيجوز الهجوم على المساكن لكسرها وإبطالها وَلَا يجوز امساكها وَيجب اتلافها فَهِيَ كالمغصوب سرق من حرز

стр. 475

الْغَاصِب ثمَّ هَذَا إِذا كَانَ قصد السّرقَة بإخراجها أما إِذا قصد أَن يشْهد تغييرها وافسادها فَلَا قطع على الْمَذْهَب الْمَقْطُوع بِهِ وَلَو سرق آنِية ذهب أَو فضَّة فَفِي الْمُهَذّب والتهذيب أَنه يقطع قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْوَجْه مَا قَالَه العمراني أَنه يبْنى على جَوَاز اتخاذها إِن جَوَّزنَا قطع وَإِلَّا فَلَا كالملاهي وَالله أعلم وكما يشْتَرط كَون الْمَسْرُوق نِصَابا يشْتَرط كَونه محرزا فَلَا يقطع فِيمَا لَيْسَ بمحرز للنَّص وَيخْتَلف الْحِرْز بإختلاف الْأَمْوَال لِأَنَّهُ ﷺ فرق فِي الحَدِيث بَينهمَا وَالرُّجُوع فِي ذَلِك إِلَى الْعرف لِأَن الْحِرْز لم يرد فِيهِ ضَابِط من جِهَة الشَّرْع وَلَا لَهُ فِي اللُّغَة ضَابِط وَإِذا كَانَ لَا ضَابِط لَهُ شرعا ولغة رَجعْنَا فِيهِ إِلَى الْعرف كَمَا فِي الْقَبْض فِي البيع والاحياء فِي الْموَات وَغَيرهمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فعلى هَذَا قد يكون الشَّيْء حرْزا فِي وَقت دون وَقت لِأَن الزَّمَان لَا يبْقى على حَال قَالَ الْأَصْحَاب والإحطبل حرز للدواب وَإِن كَانَت غَالِيَة الْأَثْمَان دون الثِّيَاب قلت وَهَذَا الاطلاق فِيهِ نظر لِأَن فِي كثير من المدن الاصطبل أحرز من كثير من الْبيُوت فَيَنْبَغِي الرُّجُوع إِلَى عرف الْمحلة وَالله أعلم قَالَ الْأَصْحَاب وَصفَة الدَّار وعرصتها حرز للأواني وَثيَاب البذلة أَي الْخدمَة دون الْحلِيّ والنقود لِأَن الْعَادة احرازها فِي المخازن وَالثيَاب النفيسة تحرز فِي الدّور وبيوت الخان والأسواق المنيعة والمتبن حرز للتبن وكل شَيْء بِحَسبِهِ حَتَّى لَو سرق الْكَفَن من الْقَبْر قطع على الْمَذْهَب الْمَقْطُوع بِهِ لِأَنَّهُ حرز مثله وَالله أعلم (فرع) سرق شخص طَعَاما فِي وَقت الْقَحْط والمجاعة فَإِن كَانَ يُوجد عَزِيزًا بِثمن غال قطع وَإِن كَانَ لَا يُوجد وَلَا يقدر عَلَيْهِ فَلَا قطع وعَلى هَذَا يحمل مَا جَاءَ عَن عمر ﵁ لَا قطع فِي عَام المجاعة وَالله أعلم قَالَ (لَا ملك لَهُ فِيهِ وَلَا شُبْهَة فِي مَال الْمَسْرُوق مِنْهُ) يشْتَرط لوُجُوب الْقطع أَن يكون الْمَسْرُوق مَمْلُوكا لغير السَّارِق فَلَا قطع على من سرق مَال نَفسه من يَد غَيره كيد الْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر وَالْمُسْتَعِير وَالْمُودع وعامل الْقَرَاض وَالْوَكِيل وَكَذَا الشَّرِيك وَهُوَ قَول الشَّيْخ لَا ملك لَهُ فِيهِ وَإِذا كَانَ لَا قطع فِي المَال الْمُشْتَرك فَلَا قطع فِيمَا هُوَ مَحْض ملكه أولى وَلَو سرق مَا اشْتَرَاهُ من يَد البَائِع فِي زمن الْخِيَار أَو بعده فَلَا قطع وَإِن سرق مَعَه مَالا آخر فَإِن كَانَ قبل أَدَاء الثّمن قطع وَإِن كَانَ بعده فَلَا قطع على الرَّاجِح كمن سرق من دَار اشْتَرَاهَا وَلَو سرق شَيْئا وهبه لَهُ بعد الْقبُول وَقبل الْقَبْض فَالصَّحِيح أَنه لَا يقطع بِخِلَاف مَا لَو أوصى لَهُ بِشَيْء فسرقه قبل موت الْمُوصي فَإِنَّهُ يقطع وَإِن سَرقه بعد موت الْمُوصي وَقبل الْقبُول بني على أَن الْملك فِي الْوَصِيَّة بِمَاذَا يحصل إِن قُلْنَا بِالْمَوْتِ لم يقطع وَإِلَّا قطع وَلَو أوصى للْفُقَرَاء بِمَال فسرقه فَقير بعد مَوته لم يقطع كسرقة مَال بَيت المَال وَأَن سَرقَة غَنِي قطع وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ لَا شُبْهَة لَهُ فِي مَال الْمَسْرُوق احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا سرق مَالا لَهُ فِيهِ شُبْهَة أَي للسارق وَفِيه صور

стр. 476

مِنْهَا سرق من يسْتَحق النَّفَقَة بالبعضية كَالْأَبِ من مَال وَلَده وَبِالْعَكْسِ فَلَا قطع وَلَو سرق أحد الزَّوْجَيْنِ مَال الآخر إِن لم يكن محرزا فَلَا قطع وَإِلَّا فَثَلَاثَة أوجه الرَّاجِح الْقطع لعُمُوم الْآيَة وَالْفرق بَينه وَبَين نَفَقَة الْأَقَارِب أَنَّهَا لأجل إحْيَاء النُّفُوس فَأشبه نَفسه وَنَفَقَة الزَّوْجَة مُعَاوضَة فَأشبه الْإِجَارَة وَقيل لَا تقطع لِأَنَّهَا تسْتَحقّ النَّفَقَة من مَاله وَيقطع الزَّوْج إِذْ لَا نَفَقَة لَهُ فَلَا شُبْهَة وَقيل غير ذَلِك وَمِنْهَا إِذا سرق من مَال بَيت المَال وَفِيه تفاصيل ملخصتها وَهُوَ الصَّحِيح أَن يفصل إِن كَانَ السَّارِق صَاحب حق فِي الْمَسْرُوق بِأَن سرق فَقير من مَال الصَّدقَات أَو مَال الْمصَالح فَلَا قطع وَإِن لم يكن صَاحب حق فِيهِ كالغني فَإِن سرق من الصَّدقَات قطع وَإِن سرق من مَال الْمصَالح فَلَا قطع على الرَّاجِح لِأَنَّهُ قد يصرف ذَلِك فِي عمَارَة مَسْجِد أَو رِبَاط أَو قنطرة فينتفع بهَا الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَلَو سرق ذمِّي من مَال الْمصَالح قطع على الصَّحِيح لِأَنَّهُ مَخْصُوص بِالْمُسْلِمين وانتفاع أهل الذِّمَّة انما هُوَ تبع وَمِنْهَا إِذا سرق مُسْتَحقّ الدّين مَال الْمَدْيُون وَفِيه نَص وَاخْتِلَاف وَالصَّحِيح التَّفْصِيل فَإِن أَخذه لَا يقْصد اسْتِيفَاء الْحق أَو بِقَصْدِهِ والمديون غير جَاحد وَلَا مماطل قطع وَإِن قصد وَهُوَ جَاحد أَو مماطل فَلَا قطع وَلَا فرق بَين أَن يَأْخُذ من جنس حَقه أَو من غَيره على الصَّحِيح وَلَو أَخذ زِيَادَة على قدر حَقه فَلَا قطع على الصَّحِيح لِأَنَّهُ إِذا جَازَ لَهُ الدُّخُول وَالْأَخْذ لم يبْق المَال محرزا عَنهُ وَمِنْهَا إِذا سرق العَبْد من مَال سَيّده لِأَن لَهُ شُبْهَة اسْتِحْقَاق نَفَقَته وَقَالَ أَبُو ثَوْر يقطع لعُمُوم الْآيَة الْكَرِيمَة وَالصَّحِيح الأول وَلَا فرق بَين الْقِنّ وَالْمُدبر وَأم الْوَلَد والمبعض وَكَذَا الْمكَاتب فِي الْأَصَح وَكَذَا عبد مكَاتبه قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَمِنْهَا لَو سرق حصر الْمَسْجِد أَو الْقَنَادِيل الَّتِي تسرج فَلَا قطع لِأَنَّهَا معدة لانتفاع النَّاس بِخِلَاف مَا لَو سرق بَاب الْمَسْجِد وسواريه وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ يقطع وَكَذَا لَو سرق ستر الْكَعْبَة شرفها الله تَعَالَى وَهُوَ مُحرز بالخياطة فَالْمَذْهَب أَنه يقطع وَبِه قطع الْجُمْهُور وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَمَسْأَلَة بَيت المَال مُلْحقَة بِمَا ذكره الشَّيْخ لأجل الشُّبْهَة وَبَقِي صور تركناها خشيَة الاطالة تعرف مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم قَالَ (وتقطع يَده الْيُمْنَى من الْكُوع فَإِن سرق ثَانِيًا قطعت رجله الْيُسْرَى فَإِن سرق ثَالِثا قطعت يَده الْيُسْرَى فَإِن سرق رَابِعا قطعت رجله الْيُمْنَى فَإِن سرق بعد ذَلِك عزّر) إِذا ثبتَتْ السّرقَة الْمُقْتَضِيَة للْقطع وَجب شَيْئَانِ أَحدهمَا رد المَال الْمَأْخُوذ إِن كَانَ بَاقِيا أَو بدله إِن كَانَ تَالِفا يَسْتَوِي فِي ذَلِك الْغَنِيّ وَالْفَقِير الثَّانِي وجوب الْقطع فتقطع يَده الْيُمْنَى فَأَما وجوب الْقطع فللآية وَالْأَخْبَار وَأما كَونهَا الْيُمْنَى فلقراءة ابْن مَسْعُود ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى / فَاقْطَعُوا أيمانهما / وَالْقِرَاءَة الشاذة كَخَبَر الْوَاحِد فِي وجوب الْعَمَل وَهِي مفسرة للأيدي الْمَذْكُورَة فِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ

стр. 477

الصَّلَاة وَالسَّلَام أَمر بِهِ وَفعله الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بعده ﵃ وَمن جِهَة الْمَعْنى أَن الْيُمْنَى أقوى فالبداءة بهَا أقطع فِي الردع وَادّعى القَاضِي أَبُو الطّيب الاجماع على ذَلِك وتقطع من مفصل الْكُوع لِأَنَّهُ ﵊ أَمر بِهِ فِي قطع السَّارِق رِدَاء صَفْوَان وَادّعى الْمَاوَرْدِيّ الاجماع على ذَلِك سَوَاء كَانَ لَهُ يسرى أم لَا وَلَا يُضَاف إِلَى الْقطع التَّعْزِير وَعَن الفوراني أَنه يُعَزّر فَإِن عَاد قطعت رجله الْيُسْرَى لأَمره بِهِ ﵊ وَكَذَا فعل أَبُو بكر وَعمر ﵄ وَلَا مُخَالف لَهما وَقِيَاسًا على قَاطع الطَّرِيق ولأنا لَو قَطعنَا الرجل الْيُمْنَى لاستوفينا حد الْجَانِبَيْنِ فيضعف فَيكون فِيهِ ضم عُقُوبَة إِلَى عُقُوبَة وَكَذَلِكَ لم تقطع يَده الْيُسْرَى لِئَلَّا يسْتَوْفى مَنْفَعَة الْجِنْس فتزداد الْعقُوبَة وتقطع من مفصل الْقدَم كَذَا فعله عمر وَشرط قطعهَا بعد اندمال الْيَد لِئَلَّا يُفْضِي بِهِ توالي الْقطع إِلَى الْهَلَاك بِخِلَاف قطع الْمُحَاربَة لِأَن قطعهمَا هُنَاكَ حد وَاحِد فَإِن عَاد قطعت الْيُسْرَى فَإِن عَاد قطعت الْيُمْنَى لأَمره ﵊ بذلك وروى ذَلِك من فعل الصّديق فَإِنَّهُ جِيءَ بِرَجُل مَقْطُوع الْيَد وَالرجل فَقطع يَده الْيُسْرَى فَإِن عَاد بعد قطع الْأَرْبَعَة عزّر لِأَن الْقطع ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَلم يذكر بعده شَيْء آخر وَالسَّرِقَة مَعْصِيّة فعزر بِسَبَبِهَا قَالَ فِي الْكَافِي وَيحبس حَتَّى يَتُوب وَفِي الجيلي حَتَّى تظهر تَوْبَته وَعَن الْقَدِيم أَنه يقتل لِأَنَّهُ ﵊ أَمر بِقطع السَّارِق فِي الْأَرْبَعَة وَقَالَ فِي الْخَامِسَة اقْتُلُوهُ وَالْمذهب أَنه يُعَزّر كَمَا ذَكرْنَاهُ وَقَالَ الزُّهْرِيّ إِن الْقَتْل مَنْسُوخ لِأَنَّهُ ﵊ رفع إِلَيْهِ فِي الْخَامِسَة فَلم يقْتله وَقَالَ الشَّافِعِي الْقَتْل مَنْسُوخ بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء وَلِأَن كل مَعْصِيّة أوجبت حدا لم يُوجب تكرارها الْقَتْل كَالزِّنَا وَالْقَذْف وَالله أعلم قَالَ بَاب حد قطاع الطَّرِيق فصل فِي حد قطاع الطَّرِيق وقطاع الطَّرِيق على أَرْبَعَة أوجه إِن قتلوا وَلم يَأْخُذُوا المَال قتلوا وَإِن قتلوا وَأخذُوا المَال قتلوا وصلبوا وَإِن أخذُوا المَال وَلم يقتلُوا تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف فَإِن أخافوا وَلم يَأْخُذُوا مَالا وَلم يقتلُوا حبسوا وعزروا

стр. 478

قطاع الطَّرِيق سموا بذلك لانْقِطَاع النَّاس من الْمُرُور فِيهِ خوفًا مِنْهُم وعقوبتهم نَص عَلَيْهَا الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الْآيَة فقطاع الطَّرِيق طَائِفَة يترصدون فِي المكامن للرفقة فَإِذا رَأَوْهُمْ برزوا إِلَيْهِم قَاصِدين الْأَمْوَال معتمدين فِي ذَلِك على قُوَّة وقدرة يتغلبون بهَا وَفِيهِمْ شرعت هَذِه الْعُقُوبَات الغليظة وَاعْلَم أَنه لَا يشْتَرط فِي قطاع الطَّرِيق الذُّكُورَة وَلَا الْعدَد وَلَا كَونهم فِي غير الْعمرَان بل لَو كَانَ وَاحِد لَهُ فضل قُوَّة يغلب بهَا الْجَمَاعَة على النَّفس وَالْمَال مجاهرا بذلك فَهُوَ قَاطع طَرِيق فَإِذا علم الامام من رجل أَو من جمَاعَة أَنهم يخيفون السَّبِيل وَجب عَلَيْهِ الْمُبَادرَة إِلَى زجرهم وطلبهم ثمَّ ينظر إِن لم يَأْخُذُوا المَال وَلَا قتلوا نفسا عزرهم بِالْحَبْسِ وَغَيره فَإِن أخذُوا من المَال قدر نِصَاب السّرقَة قطعت أَيْديهم وأرجلهم الْيُسْرَى فَإِن عَادوا قطعت أَيْديهم الْيُسْرَى وأرجلهم الْيُمْنَى وَإِنَّمَا قطعُوا من خلاف لِئَلَّا يفوت جنس الْمَنْفَعَة فَإِن كَانَ المَال دون النّصاب فَلَا قطع على الرَّاجِح وَإِن قتل قَاطع الطَّرِيق قتل وَهُوَ قتل متحتم وَلَا يجوز تخليته وَلَا الْعَفو عَنهُ وَلَيْسَ سَبيله سَبِيل الْقصاص فلعنة الله على الظَّالِمين الَّذين يتربصون ويصدون عَن سَبِيل الله وَإِن جمع قَاطع الطَّرِيق بَين الْقَتْل وَأخذ المَال قتل وصلب وَقيل تقطع يَده وَرجله وَيقتل ويصلب فَإِذا صلب ترك مصلوبا ثَلَاث على الصَّحِيح الْمَنْصُوص فَإِن نزل ودكه نزل وَإِن لم ينزل فَفِيهِ خلاف الرَّاجِح أَنه لَا يبْقى وَقيل يتْرك حَتَّى ينزل صديده وَهُوَ الودك والصلب يكون على خَشَبَة وَنَحْوهَا وَقيل يطْرَح على الأَرْض حَتَّى يسيل صديده وَالله أعلم قَالَ (وَمن تَابَ مِنْهُم قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ سَقَطت عِنْد الْحُدُود وَأخذ بالحقوق) قَاطع الطَّرِيق يجب على الامام طلبه فَإِن هرب يتبعهُ إِلَى أَن يظفر بِهِ أَو يَتُوب فَإِن ظفر بِهِ قبل التَّوْبَة أَقَامَ عَلَيْهِ مَا يسْتَوْجب من الْعُقُوبَات الْمَذْكُورَة فَإِن تَابَ بعد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لم تسْقط عَنهُ الْعُقُوبَات لمَفْهُوم الْآيَة الْكَرِيمَة هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَإِن تَابَ قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ سقط عَنهُ مَا يخْتَص بِقطع الطَّرِيق من الْعُقُوبَات لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب فَإِن كَانَ قد قتل سقط عَنهُ انحتام الْقَتْل وللولي أَن يقْتَصّ وَيَعْفُو وَإِن كَانَ قد قتل وَأخذ المَال سقط الصلب وانحتام الْقَتْل وَبَقِي الْقصاص وَضَمان المَال وَإِن كَانَ قد أَخذ المَال سقط قطع الرجل وَكَذَا قطع الْيَد على الْمَذْهَب وَأخذ المَال وَهُوَ معنى قَول الشَّيْخ سقط عَنهُ الْحُدُود أَي انحتامها لِأَنَّهَا حُقُوق الله تَعَالَى وَبقيت حُقُوق الْآدَمِيّين من الْقصاص وَالْمَال فَإِنَّهَا لَا تسْقط إِن جعلنَا الْألف وَاللَّام فِي كَلَام الشَّيْخ للْعهد وَإِن جعلناها للْجِنْس وَكَانَ على قَاطع الطَّرِيق حُدُود أُخْرَى كَالزِّنَا وَشرب الْخمر فَهَل تسْقط عَنهُ أَيْضا فِيهِ قَولَانِ رجح جمَاعَة من

стр. 479

الْعِرَاقِيّين السُّقُوط وَالْأَظْهَر أَنَّهَا لَا تسْقط لاطلاق الْأَدِلَّة وَالله أعلم قَالَ بَاب حكم الصَّائِل فصل وَمن قصد بأذى فِي نَفسه أَو مَاله أَو حريمه فَقتل دفعا عَنهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ من صال على شخص مُسلم بِغَيْر حق يُرِيد قَتله جَازَ للمقصود دَفعه عَن نَفسه إِن لم يقدر على هرب أَو تحصن بمَكَان أَو غَيره فَإِن قدر على ملْجأ وَجب عَلَيْهِ ذَلِك لِأَنَّهُ مَأْمُور بتخليص نَفسه بالأهون وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من اخْتِلَاف كثير وَقيل لَهُ الثَّبَات ومقاتلته فَإِن لم يقدر على ملْجأ فَلهُ مقاتلته بِشَرْط أَن يَأْتِي بالأخف فالأخف فَإِن أمكنه الدّفع بالْكلَام أَو الصياح أَو الاستغاثة بِالنَّاسِ لم يكن لَهُ الضَّرْب فَإِن لم ينْدَفع إِلَّا بِالضَّرْبِ فَلهُ أَن يضْربهُ ويراعى فِيهِ التَّرْتِيب فَإِن أمكن بِالْيَدِ لم يضْربهُ بِالسَّوْطِ وَإِن أمكن بِالسَّوْطِ لم يجز بالعصا وَإِن أمكن بِجرح لم يقطع عضوا وَإِن أمكن بِقطع عُضْو لم يذهب نَفسه فَإِن لم ينْدَفع إِلَّا بالاتيان على نَفسه فَلهُ ذَلِك وَلَا قصاص عَلَيْهِ وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ الْآيَة وَلِأَن الصَّائِل ظَالِم والظالم مُعْتَد والمعتدي مُبَاح الْقِتَال ومباح الْقِتَال لَا يجب ضَمَانه وَالله أعلم وَهل يجب الدّفع عَن نَفسه إِذا كَانَ الصَّائِل مُسلما مُكَلّفا قيل يجب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وكا يجب على الْمُضْطَر إحْيَاء نَفسه بِالْأَكْلِ وَالرَّاجِح أَنه لَا يجب بل لَهُ الاستسلام لِأَنَّهُ ﵊ لما وصف مَا يكون من الْفِتَن فَقَالَ حُذَيْفَة ﵁ إِنَّه لَو أدركني ذَلِك الزَّمَان فَقَالَ ادخل بَيْتك واخمل ذكرك فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت لَو دخل بَيْتِي فَقَالَ إِذا راعك بريق السَّيْف فاستر وَجهك وَكن عبد الله الْمَقْتُول وَلَا تكن عبد الله الْقَاتِل وَفِي بعض الْأَلْفَاظ وَكن خير بني آدم أَي الْقَائِل ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وَصَحَّ أَن عُثْمَان ﵁ منع عُبَيْدَة عَنهُ وَكَانُوا أَرْبَعمِائَة فَقَالَ من ألْقى سلاحه فَهُوَ حر وَقَالَ ﵊ إِن بَين يَدي السَّاعَة فتنا كَقطع اللَّيْل المظلم يصبح الرجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا وَيُصْبِح كَافِرًا الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم والقائم خير من الْمَاشِي والماشي خير من السَّاعِي فاكسروا قسيكم واقطعوا أوتاركم واضربوا سُيُوفكُمْ

стр. 480

بِالْحِجَارَةِ فَإِن دخل على أحد مِنْكُم فَلْيَكُن كخير ابْني آدم وَيُخَالف الْمُضْطَر فَإِن فِي الْقَتْل شَهَادَة بِخِلَاف ترك الْأكل وَالله أعلم وَإِن قصد فِي مَاله وَإِن قل كدرهم فَلهُ أَن يَدْفَعهُ عَنهُ لقَوْله ﵊ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَله تَركه لِأَنَّهُ يجوز إِبَاحَته نعم إِن كَانَ المَال حَيَوَانا وَقصد اتلافه وَجب الدّفع لحُرْمَة الرّوح قَالَه الْبَغَوِيّ مَا لم يخف على نَفسه وَالله أعلم ٢ - وَإِن قصد حريمه كزوجته وَأمته وَولده وَنَحْوه بقتل أَو لينال من أحدهم فَاحِشَة كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَجب عَلَيْهِ الدّفع لتَحْرِيم إِبَاحَة ذَلِك لِأَنَّهُ حق غَيره وَقد رُوِيَ أَن امْرَأَة خرجت تحتطب فتبعها رجل يراودها عَن نَفسهَا فرمته بفهر فَقتلته فَرفع ذَلِك لعمر فَقَالَ قَتِيل الله وَالله لَا يودى هَذَا أبدا وَلم يُخَالِفهُ أحد فَكَانَ إِجْمَاعًا وَقيل فِي الْوُجُوب الْخلاف فِي الدّفع عَن نَفسه وَالْمذهب الأول وَبِه جزم الْبَغَوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وشرطا فِي الْوُجُوب أَن لَا يخَاف على نَفسه وَإِلَيْهِ أَشَارَ الإِمَام وَالْغَزالِيّ هَل يجب الدّفع عَن الْغَيْر إِذا لم يكن من حريمه فِيهِ طرق للأصحاب أَصَحهَا أَنه كالدفع عَن نَفسه فَإِن كَانَ قَاصِدا كَافِرًا وَجب الدّفع وَكَذَا إِن كَانَ القاصد بَهِيمَة وَإِن كَانَ مُسلما بَالغا فَفِيهِ الْخلاف وَقيل يجب الدّفع هُنَا قطعا لِأَن الْحق للْغَيْر لَكِن بِشَرْط أَن لَا يغلب على ظَنّه هَلَاك نَفسه وَقيل لَا يجب قطعا وَحَكَاهُ الإِمَام عَن الْمُحَقِّقين من عُلَمَاء الْأُصُول لِأَن ذَلِك من وَظِيفَة الْوُلَاة دون الْآحَاد فعلى هَذَا فِي جَوَازه خلاف وَالله أعلم قَالَ (وعَلى رَاكب الدَّابَّة ضَمَان مَا تتلفه) إِذا كَانَ مَعَ الشَّخْص دَابَّة ضمن مَا تتلفه من نفس أَو مَال سَوَاء أتلفت لَيْلًا أَو نَهَارا وَسَوَاء كَانَ سائقها أَو قائدها أَو راكبها وَسَوَاء أتلفت بِيَدِهَا أَو رجلهَا أَو عضها أَو ذنبها لِأَنَّهَا تَحت يَده وَعَلِيهِ تعهدها وَسَوَاء كَانَ الَّذِي مَعَ الدَّابَّة مَالِكهَا أَو أَجِيرا أَو مُسْتَأْجرًا أَو مستعيرا أَو غصبا لشمُول الْيَد وَسَوَاء فِي ذَلِك الْبَهِيمَة الْوَاحِدَة أَو الْعدَد كَالْإِبِلِ المقطورة أَو المساقة وَفِي وَجه إِن كَانَت مِمَّا تساق كالغنم فساقها لَا يضمن وَإِن كَانَت مِمَّا تقاد فساقها ضمن وَالصَّحِيح أَنه يضمن فِي الْحَالين وَبِه قطع الجماهير وَاعْلَم أَن ضَمَان النَّفس يكون على العقلة إِذا كَانَت الدِّيَة طَوْعًا وَقَول الشَّيْخ وعَلى رَاكب الدَّابَّة يَشْمَل مَا إِذا كَانَ وَحده وَمَا إِذا كَانَ مَعَه سائق أَو قَائِد وَهُوَ كَذَلِك لقُوَّة يَده وَلَو كَانَ مَعَ الدَّابَّة سائق وقائد فَالضَّمَان عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَلَو كَانَ يسير الدَّابَّة فنسخها إِنْسَان فرمحت وأتلفت شَيْئا فَالضَّمَان على الناخس على الصَّحِيح وَلَو أمسك اللجام فوكبت رَأسهَا فَهَل يضمن مَا تتلفه قَولَانِ

стр. 481

لَيْسَ فِي الرَّوْضَة والرافعي تَرْجِيح لَو انفلتت الدَّابَّة من يَد صَاحبهَا وأتلفت شَيْئا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لخروجها من يَده قَالَ الإِمَام وَالدَّابَّة النزقة الَّتِي لَا تنضبط بالكبح والترديد فِي معاطف اللجام لَا تركب فِي الْأَسْوَاق وَمن ركبهَا فَهُوَ مقصر وضامن لما تتلفه وَالله أعلم (فرع) إِذا كَانَ للدابة الَّتِي هِيَ مَعَه ولد سائب فأتلف شَيْئا ضمنه وَالله أعلم (فرع) وَالدَّوَاب الْمُرْسلَة إِذا أتلفت زرعا أَو غَيره نظر إِن أتلفته نَهَارا فَلَا ضَمَان على صَاحبهَا وَإِن أتلفته لَيْلًا لزم صَاحبهَا الضَّمَان للْحَدِيث الصَّحِيح فِي ذَلِك وَالْفرق من حَيْثُ الْمَعْنى أَن الْعَادة أَن أَصْحَاب الزروع والبساتين يحفظونها نَهَارا وَلَا بُد من إرْسَال الدَّوَابّ للمرعى وَالْعَادَة أَن الدَّوَابّ لَا تتْرك منتشرة لَيْلًا فصاحبها مقصر فِي الْحِفْظ فَيضمن فَلَو جرت عَادَة نَاحيَة بِالْعَكْسِ الْعَكْس الْأَمر على الصَّحِيح جَريا على الْعَادة واتباعاً لِمَعْنى الْخَبَر وَالله أعلم (فرع) دخلت بَهِيمَة مزرعة فصاح عَلَيْهَا صَاحب الزَّرْع فَخرجت إِلَى زرع الْجَار فَإِن اقْتصر على تنفيرها من زرعه لم يضمن وَإِن تبعها بعد الْخُرُوج من زرعه حَتَّى أوقعهَا فِي زرع الْغَيْر ضمن فَلَو كَانَت مزرعته محفوفة بالمزارع لم يجز لَهُ اخراجها لِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُ أَن يقي مَاله بِمَال الْغَيْر فَإِن فعل ضمن فَعَلَيهِ أَن يَتْرُكهَا وَيضمن مَالِكهَا مَا أتلفته وَالله أعلم (تَنْبِيه) جَمِيع مَا تقدم من الضَّمَان على صَاحب الدَّابَّة هُوَ فِيمَا إِذا لم يُوجد من صَاحب المَال تَقْصِير فَإِن وجد بِأَن عرضه للدابة أَو وَضعه فِي الطَّرِيق فَلَا ضَمَان على صَاحب الدَّابَّة وَالله أعلم (مَسْأَلَة كَثِيرَة الْوُقُوع) وَهِي أَن الْمَاشِي إِذا وَقع مقدم مداسه على مُؤخر مداس غَيره وتمزق لزمَه نصف الضَّمَان لِأَنَّهُ تمزق بِفِعْلِهِ وَفعل صَاحبه وَالله أعلم (مَسْأَلَة أُخْرَى) كَذَلِك إِذا كَانَ لشخص قطة تخطف الطُّيُور وتقلب الْقُدُور فأتلفت شَيْئا ضمنه صَاحبهَا على الصَّحِيح سَوَاء أتلفت لَيْلًا أَو نَهَارا لِأَن مثل هَذِه الْهِرَّة يَنْبَغِي أَن ترْبط ويكف شَرها وَكَذَا الحكم فِي كل حَيَوَان يولع بِالتَّعَدِّي وَلَو لم يكن للهرة وَنَحْوهَا عَادَة بذلك فَلَا ضَمَان على الرَّاجِح لِأَن الْعَادة حفظ الطَّعَام عَنْهَا لَا ربطها وَهل يجوز قتل الْهِرَّة فِي حَال سكونها إِذا كَانَت ضاربة فِيهِ وَجْهَان الرَّاجِح لَا لِأَن ضراوتها عارضة والتحرز مِنْهَا سهل بالتحفظ وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن تقتل وتلحق بالفواسق وَالله أعلم قَالَ بَاب قتال الْبُغَاة فصل وَيُقَاتل أهل الْبَغي بِثَلَاث شَرَائِط أَن يَكُونُوا فِي مَنْعَة وَأَن يخرجُوا عَن قَبْضَة الامام وَأَن يكون لَهُم تَأْوِيل سَائِغ

стр. 482

الْبَغي الظُّلم والباغي فِي اصْطِلَاح الْعلمَاء هُوَ الْمُخَالف للامام الْعدْل الْخَارِج عَن طَاعَته بامتناعه من أَدَاء مَا وَجب عَلَيْهِ أَو غَيره بِالشُّرُوطِ الْآتِيَة قَالَ الْعلمَاء وَيجب قتال الْبُغَاة وَلَا يكفرون بالبغي وَإِذا رَجَعَ إِلَى الطَّاعَة ترك قِتَاله وَقبلت تَوْبَته قَالَ النَّوَوِيّ وأجمعت الصَّحَابَة ﵃ على قتال الْبُغَاة فَإِذا خرج على الامام طَائِفَة ورامت عَزله وامتنعوا من أَدَاء الْحُقُوق فَينْظر فيهم إِن وجدت فيهم شُرُوط الْبُغَاة أجْرى حكمهم عَلَيْهِم وَإِلَّا فَلَا وللبغاة صِفَات يتميزون بهَا عَن غَيرهم من الخارجين على الامام مِنْهَا أَن يَكُونُوا فِي مَنْعَة بِأَن يكون لَهُم شَوْكَة وَعدد بِحَيْثُ يحْتَاج الامام فِي ردهم إِلَى الطَّاعَة إِلَى كلفة ببذل مَال واعداد رجال أَو نصب قتال فَإِن كَانُوا أفراداً ويسهل ضبطهم فليسوا ببغاة وَلَا يشْتَرط انفرادهم بِموضع من قَرْيَة أَو صحراء على الرَّاجِح عِنْد الْمُحَقِّقين قَالَ الرَّافِعِيّ وَرُبمَا يعْتَبر خُرُوجهمْ عَن قَبْضَة الامام وَهَذَا هُوَ الشَّرْط الثَّانِي عِنْد الشَّيْخ وَمِنْهَا أَن يكون لَهُم تَأْوِيل يَعْتَقِدُونَ بِسَبَبِهِ جَوَاز الْخُرُوج على الامام أَو منع الْحق المتوجه عَلَيْهِم فَلَو خرج قوم عَن الطَّاعَة وَمنعُوا الْحق بِلَا تَأْوِيل سَوَاء كَانَ حدا أَو قصاصا أَو مَالا لله تَعَالَى أَو للآدميين عناداً وَلم يتعلقوا بِتَأْوِيل فَلَيْسَ لَهُم حكم الْبُغَاة وَكَذَا المرتدون ثمَّ التَّأْوِيل إِن كَانَ بُطْلَانه مَقْطُوعًا بِهِ فَوَجْهَانِ أفقههما لاطلاق الْأَكْثَرين أَنه لَا يعْتَبر كتأويل الْمُرْتَدين وشبههم وَإِن كَانَ بُطْلَانه مظنوناً فَهُوَ مُعْتَبر وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ تَأْوِيل سَائِغ وَمن الْأَصْحَاب من يعبر عَن ذَلِك بِتَأْوِيل مُحْتَمل وَالْكل يرجع إِلَى معنى فَمن ذَلِك تَأْوِيل الخارجين على سيدنَا عَليّ ﵁ حَيْثُ تمسكوا باعتقادهم أَنه يعرف قتلة عُثْمَان ﵁ وَيقدر عَلَيْهِم وَلَا يقْتَصّ مِنْهُم لرضاه بقتْله ومواطأته إيَّاهُم وَمن أَمْثِلَة التَّأْوِيل الْحَامِل على منع الْحق مَا وَقع لمَانع الزَّكَاة فِي زمن الصّديق ﵁ حَيْثُ قَالُوا أمرنَا بِدفع الزَّكَاة إِلَى من صلَاته سكن لنا وَهُوَ رَسُول الله ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وَصَلَاة غَيره لَيست سكناً لنا وَمِنْهَا أَن يكون لَهُم متبوع مُطَاع إِذْ لَا قُوَّة لمن لَا تَجْتَمِع كلمتهم على مُطَاع إِذا عرفت هَذَا فَمن لَهُ تَأْوِيل بِلَا شَوْكَة أَو شَوْكَة بِلَا تَأْوِيل لَيْسَ لَهُم حكم الْبُغَاة وَالله أعلم (وَلَا يقتل أسيرهم وَلَا يغنم مَالهم وَلَا يذفف على جريحهم) قد عرفت شُرُوط الْبُغَاة وَالْكَلَام الْآن فِي كَيْفيَّة قِتَالهمْ وطريقهم طَرِيق دفع الصَّائِل كَمَا مر الْآن الْمَقْصُود ردهم إِلَى الطَّاعَة وَدفع شرهم لَا الْقَتْل فَإِذا أمكن الْأسر فَلَا قتل وَإِذا أمكن الْإِثْخَان فَلَا تذفيف فَإِن التحم الْقِتَال خرج الْأَمر عَن الضَّبْط فَلَو أسر وَاحِد مِنْهُم أَو أثخن بالجراحة أَو غَيرهَا فَلَا يقتل الْأَسير وَلَا يذفف على الجريح والتذفيف تتميم الْقَتْل وتعجيل وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يقتل الْأَسير ويذفف على الجريح وَحجَّتنَا قَوْله ﵊ لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ

стр. 483

يَا ابْن أم عبد مَا حكم من بغى من أمتِي قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ لَا يتبع مدبرهم وَلَا يُجهز على جريحهم وَلَا يقتل أسيرهم وَدخل الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ على مَرْوَان فَقَالَ مَا رَأَيْت أكْرم من أَبِيك مَا إِن ولينا ظُهُورنَا يَوْم الْجمل حَتَّى نَادَى مناديه أَلا لَا يتبع مُدبر وَلَا يذفف على جريح وَلِأَن الْمَقْصُود كف شرهم لأقتلهم وَتمسك الشَّافِعِي ﵁ فِي ذَلِك بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وَفسّر الْفَيْء فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بترك الْقِتَال وبالعود إِلَى الطَّاعَة أَو الْهَزِيمَة وَقَالَ أَيْضا أَمر الله بقتالهم لَا بِقَتْلِهِم وَإِنَّمَا يُقَال قَاتلُوا لمن يُقَاتل وَيُقَال للمنهزم اقْتُلُوهُ قلت وَكَذَا يُقَال للأسير والمثخن إِذْ لَا مقاتلة فيهمَا إِذْ هَذِه الصِّيغَة مفاعلة وضعا وَالله أعلم وَقَوله وَلَا يغنم مَالهم لأَنهم مُسلمُونَ وَلَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا عَن طيب قلب والآيات الْأَخْبَار فِي ذَلِك كَثِيرَة وَالله أعلم قَالَ بَاب الرِّدَّة وَحكم الْمُرْتَد فصل فِي الرِّدَّة وَمن ارْتَدَّ عَن الاسلام استتيب ثَلَاثًا فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَلم يغسل وَلم يصل عَلَيْهِ وَلم يدْفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين الرِّدَّة فِي اللُّغَة الرُّجُوع عَن الشَّيْء إِلَى غَيره وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ وَفِي الشَّرْع الرُّجُوع عَن الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر وَقطع الْإِسْلَام وَيحصل تَارَة بالْقَوْل وَتارَة بِالْفِعْلِ وَتارَة بالاعتقاد وكل وَاحِد من هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فِيهِ مسَائِل لَا تكَاد تحصر فَنَذْكُر من كل نبذة مَا يعرف بهَا غَيره أما القَوْل فَكَمَا إِذْ قَالَ شخص عَن عدوه لَو كَانَ رَبِّي مَا عبدته فَإِنَّهُ يكفر وَكَذَا لَو قَالَ لَو كَانَ نَبيا مَا آمَنت بِهِ أَو قَالَ عَن وَلَده أَو زَوجته هُوَ أحب إِلَيّ من الله أَو من رَسُوله وَكَذَا لَو قَالَ مَرِيض بعد أَن شفي لقِيت فِي مرضِي هَذَا مَا لَو قتلت أَبَا بكر وَعمر لم استوجبه فَإِنَّهُ يكفر وَذهب طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَنه يتحتم قَتله لِأَنَّهُ يتَضَمَّن قَوْله نِسْبَة الله تَعَالَى إِلَى الْجور وَقَضِيَّة هَذَا التَّعْلِيل أَن يلْتَحق بِهَذِهِ الصُّورَة مَا فِي مَعْنَاهَا لأجل تضمن هَذِه النِّسْبَة عَافَانَا الله تَعَالَى من ذَلِك وَكَذَا لَو ادّعى أَنه أُوحِي إِلَيْهِ وَإِن لم يدع النُّبُوَّة أَو ادّعى أَنه يدْخل الْجنَّة وَيَأْكُل من ثمارها وَأَنه يعانق الْحور الْعين فَهُوَ كفر بِالْإِجْمَاع وَمثل هَذَا وأشباهه كَمَا يَقُوله زنادقة المتصوفة قَاتلهم الله مَا أجهلهم وأكفرهم وأبلم من اعتقدهم وَلَو سبّ نَبيا من الْأَنْبِيَاء أَو استخف بِهِ فَإِنَّهُ يكفر بِالْإِجْمَاع وَمن صور الِاسْتِهْزَاء

стр. 484

مَا يصدر من الظلمَة عِنْد ضَربهمْ فيستغيث الْمَضْرُوب بِسَيِّد الْأَوَّلين والآخرين رَسُول الله ﷺ فَيَقُول خل رَسُول الله ﷺ يخلصك وَنَحْو ذَلِك وَلَو قَالَ شخص أَنا نَبِي وَقَالَ آخر صدق كفرا وَلَو قَالَ لمُسلم يَا كَافِر بِلَا تَأْوِيل كفر لِأَنَّهُ سمى الْإِسْلَام كفرا وَهَذَا اللَّفْظ كثيرا يصدر من التّرْك فليتفطن لذَلِك وَلَو قَالَ إِن مَاتَ ابْني تهودت أَو تنصرت كفر فِي الْحَال وَلَو سَأَلَهُ كَافِر يُرِيد الْإِسْلَام أَن يلقنه كلمة التَّوْحِيد فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يثبت كفر وَكَذَا إِن لم يلقنه التَّوْحِيد كفر وَلَو أَشَارَ على مُسلم أَن يكفر كفر وَلَو قيل لَهُ قلم أظفارك أَو قصّ شواربك فَإِنَّهُ سنة فَقَالَ لَا أفعل وَإِن كَانَ سنة كفر قَالَه الرَّافِعِيّ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة وتبعهم وَقَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار أَنه لَا يكفر إِلَّا أَن يقْصد استهزاء وَالله أعلم وَلَو تقاول شخصان فَقَالَ أَحدهمَا لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَقَالَ الآخر لَا حول وَلَا قُوَّة لَا تغني من جوع كفر وَلَو سمع أَذَان الْمُؤَذّن فَقَالَ إِنَّه يكذب كفر وَلَو قَالَ لَا أَخَاف الْقِيَامَة كفر وَلَو ابتلى بمصائب فَقَالَ أَخذ مَالِي وَوَلَدي وَكَذَا وَكَذَا وماذا يَفْعَله أَيْضا وَمَا بَقِي مَا يفعل كفر وَلَو ضرب غُلَامه وَولده فَقَالَ لَهُ شخص أَلَسْت بِمُسلم فَقَالَ لَا مُتَعَمدا كفر وَلَو قَالَ لَهُ شخص يَا يَهُودِيّ أَو يَا نَصْرَانِيّ فَقَالَ لبيْك كفر كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ وَسكت عَلَيْهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي هَذَا نظر إِن لم ينْو شَيْئا وَالله أعلم وَلَو قَالَ معلم الصّبيان إِن الْيَهُود خير من الْمُسلمين بِكَثِير لأَنهم يقضون حُقُوق معلمي صبيانهم كفر كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵁ وَسكت عَلَيْهِ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ قلت وَهَذَا اللَّفْظ كثير الْوُقُوع من الصنائعية والمتعيشة وَفِي التَّكْفِير بذلك نظر ظَاهر إِذْ إِخْرَاج مُسلم عَن دينه بِلَفْظَة لَهَا محمل صَحِيح لَا سِيمَا عِنْد الْقَرِينَة الدَّالَّة على أَن المُرَاد أَن مُعَاملَة هَذَا أَجود من مُعَاملَة هَذَا لَا سِيمَا إِذا صرح بِأَن هَذَا مُرَاده فِي لفظ صَرِيح كالمسألة المنقولة وَالله أعلم وَلَو عطس السُّلْطَان أَو نَحوه من الْجَبَابِرَة فَقَالَ رجل يَرْحَمك الله فَقَالَ آخر لَا تقل للسُّلْطَان هَذَا كفر نَقله الرَّافِعِيّ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة وأقرهم وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّه لَا يكفر بِمُجَرَّد هَذَا وَلَو قيل لرجل مَا الْإِيمَان فَقَالَ لَا أَدْرِي كفر كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة وأقرهم وَتَبعهُ النَّوَوِيّ قلت هَذِه الْمَسْأَلَة وأشباهها كَثِيرَة الْوُقُوع وَفِي التَّكْفِير بذلك نظر لَا يخفى وَلَو قَالَ مُسلم لمُسلم سلبه الله الايمان أهل يكفر أَو قَالَ لكَافِر لأرزقه الله الْإِيمَان قَالَ القَاضِي حُسَيْن عَن بعض الْأَصْحَاب فِي مَسْأَلَة سلب الْإِيمَان إِنَّه يكفر لِأَنَّهُ رَضِي بالْكفْر وَالْجُمْهُور لَا يكفر لِأَنَّهُ دَعَا بتَشْديد الْأَمر عَلَيْهِ والعقوبة بِهِ لأرضى بالْكفْر وَالله أعلم وَأما الْكفْر بِالْفِعْلِ فكالسجود للصنم وَالشَّمْس وَالْقَمَر وإلقاء الْمُصحف فِي القاذورات وَالسحر الَّذِي فِيهِ عبَادَة الشَّمْس وَكَذَا الذّبْح للأصنام والسخرياء باسم من أَسمَاء الله تَعَالَى أَو بأَمْره أَو وعيده أَو قِرَاءَة الْقُرْآن على ضرب الدُّف وَكَذَا لَو كَانَ يتعاطى الْخمر وَالزِّنَا وَيقدم اسْم الله تَعَالَى اسْتِخْفَافًا بِهِ فَإِنَّهُ يكفر وَنقل الرَّافِعِيّ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة أَنه لَو شدّ الزنار على وَسطه كفر قَالَ وَاخْتلفُوا

стр. 485

فِيمَن وضع قلنسوة الْمَجُوس على رَأسه وَالصَّحِيح أَنه يكفر وَلَو شدّ على وَسطه حبلاً فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ هَذَا زنار على أَنه يكفر وَسكت الرَّافِعِيّ على ذَلِك وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب أَنه لَا يكفر إِذا لم يكن لَهُ نِيَّة وَمَا ذكره النَّوَوِيّ ذكره الرَّافِعِيّ فِي أول الْجِنَايَات فِي الطّرف الرَّابِع مَا حَاصله مُوَافقَة النَّوَوِيّ وَإِن لبس زِيّ الْكفَّار بِمُجَرَّدِهِ لَا يكون ردة وَنقل الرَّافِعِيّ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة أَن الْفَاسِق إِذا سقى وَلَده خمرًا فنثر أقرباؤه الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِنَّهُم يكفرون وَسكت الرَّافِعِيّ عَلَيْهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب أَنهم لَا يكفرون وَلَو فعل فعلا أجمع الْمُسلمُونَ على أَنه لَا يصدر إِلَّا من كَافِر وَإِن كَانَ مُصَرحًا بِالْإِسْلَامِ مَعَ فعله كالسجود للصليب أَو الْمَشْي إِلَى الْكَنَائِس مَعَ أَهلهَا بزيهم من الزنانير وَغَيرهَا فَإِنَّهُ يكفر وَلَو صلى شخص بِغَيْر وضوء مُتَعَمدا أَو فِي ثوب نجس أَو إِلَى غير الْقبْلَة هَل يكفر قَالَ النَّوَوِيّ مَذْهَبنَا وَمذهب الْجُمْهُور أَنه لَا يكفر إِن لم يستحله وَالله أعلم وَأما الْكفْر بالاعتقاد فكثير جدا فَمن اعْتقد قدم الْعَالم أَو حُدُوث الصَّانِع أَو اعْتقد نفي مَا هُوَ ثَابت لله تَعَالَى بالاجماع أَو أثبت مَا هومفي عَنهُ بالاجماع كالألوان والاتصال والانفصال كَانَ كَافِرًا أَو اسْتحلَّ مَا هُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع أَو حرم حَلَالا بِالْإِجْمَاع أَو اعْتقد وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب كفر أَو نفى وجوب شَيْء مجمع عَلَيْهِ علم من الدّين بِالضَّرُورَةِ كفر كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ هَذَا لَكِن هُنَا تَنْبِيه هُوَ أَن المجسمة ملتزمون بالألوان والاتصال والانفصال وَكَلَام الرَّافِعِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات يَقْتَضِي أَن الْمَشْهُور أَنا لَا نكفرهم وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك إِلَّا أَن النَّوَوِيّ جزم فِي صفة الصَّلَاة من شرح الْمُهَذّب بتكفير المجسمة قلت وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا محيد عَنهُ إِذْ فِيهِ مُخَالفَة صَرِيح الْقُرْآن قَاتل الله المجسمة والمعطله ماأجرأهم على مُخَالفَة من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَفِي هَذِه الْآيَة رد على الْفرْقَتَيْنِ وَالله أعلم وَمن اسْتحلَّ الْخمر أَو لحم الْخِنْزِير أَو الزِّنَا أَو اللواط أَو أَن السُّلْطَان يحلل أَو يحرم ككثير من الظلمَة يعْتَقد أَن السُّلْطَان إِذا غضب على أحد وأنعم على آخر من دونه من مَاله أَنه يحل لَهُ ذَلِك وَيدخل على الْأَمْوَال والابضاع مستحلاً لَهُ بِإِذن السُّلْطَان وَكَذَا من اسْتحلَّ المكوس وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع وَالرِّضَا بالْكفْر كفر والعزم على الْكفْر كفر فِي الْحَال وَكَذَا لَو تردد هَل يكفر كفر فِي الْحَال وَكَذَا تَعْلِيق الْكفْر بِأَمْر مُسْتَقْبل كفر فِي الْحَال وَلَو قَالَ شخص لخطيب أَو واعظ أُرِيد الْإِسْلَام فلقني كلمة الشَّهَادَة فَقَالَ اقعد حَتَّى أفرغ وألقنك كفر فِي الْحَال وَلَو تمنى شخص أَن لَا يحرم الله الْخمر أَو لَا يحرم المناكحة بَين الْأَخ وَالْأُخْت لَا يكفر بِخِلَاف مَا لَو تمنى أَن لَا يحرم الله الظُّلم وَالزِّنَا وَقتل النَّفس بِغَيْر حق فَإِنَّهُ يكفر وَالضَّابِط فِيهِ أَن مَا كَانَ حَلَالا فِي زمَان فتمنى حلّه لَا يكفر وَالله أعلم (فرع) ارْتِكَاب كَبَائِر الْمُحرمَات لَيْسَ بِكفْر وَلَا يسلب اسْم الْإِيمَان وَالْفَاسِق إِذا مَاتَ وَلم يتب لَا يخلد فِي النَّار وَالله أعلم إِذا عرفت هَذَا فَمن ثبتَتْ ردته فَهُوَ مهدور الدَّم لِأَنَّهُ أَتَى بأفحش

стр. 486

أَنْوَاع الْكفْر وأغلظها حكما قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿خَالِدُونَ﴾ وَهل تسْتَحب تَوْبَته أَو تجب قَولَانِ أَحدهمَا تسْتَحب لقَوْله ﵊ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ وَالصَّحِيح أَنَّهَا تجب لما رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن امْرَأَة ارْتَدَّت يَوْم أحد فَأمر رَسُول الله ﷺ أَن تستتاب فَإِن تابت وَإِلَّا قتلت وَلِأَن الْأَغْلَب فِي الرِّدَّة أَن تكون عَن شُبْهَة عرضت فَلم يجز الْقَتْل قبل كشفها والاستتابة مِنْهَا كَأَهل الْحَرْب فَإنَّا لَا نقتلهم إِلَّا بعد بُلُوغ الدعْوَة وَإِظْهَار المعجزة وَقيل لَا يقبل اسلام الزنديق وَهُوَ الَّذِي يخفي الْكفْر وَيظْهر الْإِسْلَام قَالَ الرَّوْيَانِيّ وَالْعَمَل على هَذَا وَقيل إِن كَانَ من المتناهين فِي الخيث كدعاة الباطنية لَا تقبل تَوْبَته ورجوعه إِلَى الْإِسْلَام وَيقبل من عوامهم وَقيل إِن أَخذ ليقْتل لم تقبل تَوْبَته وَإِن جَاءَ ابْتِدَاء تَائِبًا وَظَهَرت أَمَارَات الصدْق قبلت وَقيل إِن تَكَرَّرت مِنْهُ الرِّدَّة لم تقبل تَوْبَته وَالصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهَا تقبل تَوْبَته بِكُل حَال هُوَ يُمْهل قيل نعم وَيكون ثَلَاثًا لِأَنَّهُ قدم رجل على عمر ﵁ من الشَّام فَقَالَ لَهُ هَل من معرفَة خبر قَالَ نعم رجل كفر بعد إِسْلَامه فقتلناه فَقَالَ عمر هلا حبستموه فِي بَيت ثَلَاثًا اللَّهُمَّ لم أحضر وَلم آمُرهُم وَلم أَرض إِذْ بَلغنِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك من دَمه وَالصَّحِيح أَن يُسْتَتَاب فِي الْحَال لحَدِيث عَائِشَة ﵂ وَغَيره وَلِأَنَّهُ حد فَلم يُؤَخر كَسَائِر الْحُدُود فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته لقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وَلقَوْله ﷺ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَغير ذَلِك من الْآيَات وَالْأَخْبَار وَإِلَّا قتل لقَوْله لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الحَدِيث وَإِذا قتل فَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَلَا يدْفن مَعَ الْمُسلمين لِأَنَّهُ كَافِر لَا حُرْمَة لَهُ وَالله أعلم قَالَ (وتارك الصَّلَاة إِن تَركهَا غير مُعْتَقد لوُجُوبهَا فَحكمه حكم الْمُرْتَد وَإِن تَركهَا مُعْتَقدًا لوُجُوبهَا فيستتاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل حدا وَحكمه حكم الْمُسلمين)

стр. 487

إِذا امْتنع شخص من فعل الصَّلَاة نظر إِن كَانَ لكَونه مُنْكرا لوُجُوبهَا وَهُوَ غير مَعْذُور لعدم إِسْلَامه ومخالطة الْمُسلمين كفر لِأَنَّهُ جحد أصلا مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا عذر لَهُ فِيهِ فتضمن جَحده تَكْذِيب الله تَعَالَى وَرَسُوله وَمن كذبهما فقد كفر وَيقتل لقَوْله ﵊ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ وَحكمه حكم الْمُرْتَد فِيمَا تقدم وَإِن تَركهَا وَهُوَ يعْتَقد وُجُوبهَا إِلَّا أَنه تَركهَا تكاسلاً حَتَّى خرج الْوَقْت فَهَل يكفر قيل نعم لقَوْله ﵊ بَين العَبْد وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة رَوَاهُ مُسلم وَأخذ بِهِ خلائق مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَالسَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن الْمُبَارك وَكَذَا إِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَهُوَ رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد وَالصَّحِيح وَبِه قَالَ الْجُمْهُور أَنه لَا يكفر لقَوْله ﵊ لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِيمَان وزنا بعد إِحْصَان وَقتل نفس بِغَيْر حق وَلقَوْله ﷺ من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن عِيسَى عبد الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ وَأَن الْجنَّة حق وَأَن النَّار حق أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ من عمل وَلِأَن الْكفْر بالاعتقاد واعتقاده صَحِيح والْحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ من قَالَ بالتكفير مَحْمُول على جَاحد الْوُجُوب فعلى الصَّحِيح بيستتاب لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَسْوَأ حَالا من الْمُرْتَد فَإِن تَابَ وتوبته أَن يُصَلِّي وَإِلَّا قتل بِضَرْب عُنُقه على الْمَذْهَب لقَوْله ﷺ إِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَقيل يضْرب بالخشب إِلَى أَن يَمُوت وَقيل ينخس بحديدة إِلَى أَن يُصَلِّي أَو يَمُوت فَإِذا مَاتَ غسل وَصلي عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين لِأَنَّهُ مُسلم وَقيل لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَلَا يرفع نعشه ويطمس قَبره اهانة لَهُ باهماله هَذَا الْفَرْض الَّذِي هُوَ شعار ظَاهر فِي الدّين وَالله أعلم (فرع) تَارِك الْوضُوء وَالْغسْل يقتل على الصَّحِيح وَلَو ترك الْجُمُعَة وَقَالَ أَنا أُصَلِّي الظّهْر وَلَا عذر لَهُ قَالَ الْغَزالِيّ لَا يقتل لِأَن لَهَا بَدَلا وَتسقط بالأعذار وَجزم الشَّاشِي بِأَنَّهُ يقتل وَرجحه النَّوَوِيّ وَاخْتَارَهُ ابْن الصّلاح وَالله أعلم

стр. 488

كتاب الْجِهَاد الْجِهَاد فرض على الْكِفَايَة لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْآيَة وَغير ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فرض عين لتعطلت المعايش والمزروعات وَخَربَتْ الْبِلَاد نعم قد يعرض مَا يُوجب ذَلِك على كل أحد كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِذا قَامَ بِالْجِهَادِ من فِيهِ كِفَايَة سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ لِأَن هَذَا شَأْن فروض الكفايات ثمَّ الْكِفَايَة تحصل بشيئين أَحدهمَا شحن الثغور بِجَمَاعَة يكفون من بازائهم من الْعَدو فَإِن ضعفوا وَجب على كل من وَرَاءَهُمْ من الْمُسلمين أَن يمدوهم بِمن يتقوون بِهِ على قتال عدوهم وَالثَّانِي أَن يدْخل الإِمَام دَار الْكفَّار غازياً بِنَفسِهِ أَو يبْعَث جَيْشًا وَيُؤمر عَلَيْهِم من يصلح لذَلِك فَلَو امْتنع الْكل من الْقيام بذلك حصل الاثم لَكِن هَل يعم الْجَمِيع أم يخْتَص بالذين يدنون إِلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان الْمَذْكُور فِي الْحَاوِي للماوردي وَتَعْلِيق القَاضِي أبي الطّيب أَنه يَأْثَم الْكل وَصحح النَّوَوِيّ أَنه يَأْثَم كل من لَا عذر لَهُ وَاعْلَم أَنه يسْتَحبّ الاكثار من الْجِهَاد للآيات وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِك وَأَقل مَا يجب فِي السّنة مرّة لِأَنَّهُ ﵊ لم يتْركهُ مُنْذُ أَمر بِهِ فِي كل سنة والاقتداء بِهِ وَاجِب وَلِأَنَّهُ قَالَ ﴿أَو لَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قَالَ مُجَاهِد نزلت فِي الْجِهَاد وَلِأَنَّهُ فرض يتَكَرَّر وَأَقل مَا يجب التكرر فِي كل سنة مرّة كَالصَّوْمِ وَالزَّكَاة فَإِن دعت الْحَاجة إِلَى أَكثر من مرّة فِي السّنة وَجب لِأَنَّهُ فرض كِفَايَة فَيقدر بِقدر الْحَاجة وَالله أعلم قَالَ

стр. 489

(وشروط وجوب الْجِهَاد سَبْعَة الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة وَالصِّحَّة والطاقة على الْقِتَال) قد علمت مِمَّا مر أَن الْجِهَاد فرض كِفَايَة وَأَنه لَا يجب إِلَّا على مُسلم بَالغ عَاقل حر ذكر مستطيع فَمن اجْتمعت فِيهِ هَذِه الصِّفَات فَهُوَ من أهل فرض الْجِهَاد بالِاتِّفَاقِ أما الْكَافِر فَلَا جِهَاد عَلَيْهِ لِأَن الشَّخْص لَا يُخَاطب بقتل نَفسه وَأما الصَّبِي فَلقَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الْآيَة قيل المُرَاد بالضعفاء الصّبيان لضعف أبدانهم وَقيل المجانين لضعف عُقُولهمْ وللخبر الْمَشْهُور رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة مِنْهُم الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَلِأَنَّهُ ﵊ رد زيد بن ثَابت وَرَافِع بن خديج والبراء بن عَازِب وَابْن عمر ﵃ يَوْم بدر واستصغرهم ورد عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ عرضت على النَّبِي ﷺ يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة فردني وَلم يجزني فِي الْقِتَال وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الجندق وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة فأجازني وَأما الْحُرِّيَّة فاحتراز عَن الرّقّ فَلَا جِهَاد على رَقِيق لقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ فَلم يتَوَجَّه لَهُ الْخطاب لِأَنَّهُ لَا مَال لَهُ فَدخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ وروى جَابر ﵁ أَن عبدا قدم فَبَايع رَسُول الله ﷺ فَبَايعهُ على الْإِسْلَام وَالْجهَاد فَقدم صَاحبه فَأخْبر أَنه مَمْلُوكه فَاشْتَرَاهُ رَسُول الله ﷺ مِنْهُ بعبدين فَكَانَ بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ من لَا يعرفهُ يبايعه سَأَلَهُ أحر هُوَ أم مَمْلُوك فَإِن قَالَ حر بَايعه على الْإِسْلَام وَالْجهَاد وَإِن قَالَ عبد بَايعه على الْإِسْلَام دون الْجِهَاد وَلِأَنَّهُ لَا يُسهم لَهُ وَلَو كَانَ من أهل فرض الْجِهَاد لأسهم لَهُ وَالْمُدبر وَالْمكَاتب والمبعض كالقن وَأما الذُّكُورَة فاحتراز عَن الْأُنُوثَة فَلَا يجب الْجِهَاد على الْمَرْأَة لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾

стр. 490

واطلاق الْمُؤمنِينَ لَا يدْخل فِيهِ النِّسَاء عِنْد الشَّافِعِي إِلَّا بِدَلِيل وسئلت عَائِشَة ﵂ عَن الْجِهَاد فَقَالَت جهادهن الْحَج وَأما الِاسْتِطَاعَة فاحتراز عَمَّن لَا يَسْتَطِيع كَالْمَرِيضِ وَالْأَعْمَى والأعرج لأَنهم لَا يقدرُونَ على الْجِهَاد وَلِهَذَا أنزل الله تَعَالَى فيهم ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الْآيَة وَسورَة الْفَتْح نزلت فِي الْجِهَاد بالِاتِّفَاقِ وَلَا يجب على مَقْطُوع الرجل وَالْيَد فَإِن قطع بَعْضهَا فَإِن كَانَ الْأَقَل وَجب أَو الْأَكْثَر فَلَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يجب على الْفَقِير الَّذِي لَا يجد مَا ينْفق على نَفسه وَعِيَاله أَو لَا يجد مَا يحمل عَلَيْهِ وَهُوَ على مَسَافَة الْقصر وَإِن قدر على الْمَشْي لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ وَلَو كَانَ الْعَدو دون مَسَافَة الْقصر لم يشْتَرط وجود الرَّاحِلَة إِن قدر على الْمَشْي وَيشْتَرط فِي هَذِه الْحَالة وجدان النَّفَقَة إِلَّا أَن يكون الْعَدو بِبَاب بَلَده وَالله أعلم ثمَّ هَذَا كُله إِذا لم يطَأ الْكفَّار بلد الْمُسلمين فَإِن وطئوها وغشوا الْمُسلمين وَعلم كل وَاقِف عَلَيْهِ من الْكفَّار أَنه إِن أَخذه قَتله فَعَلَيهِ أَن يَتَحَرَّك وَيدْفَع عَن نَفسه بِمَا أمكن يَسْتَوِي فِي ذَلِك الْحر وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْأَعْمَى والأعرج وَالْمَرِيض وَلِأَنَّهُ قتال دفاع عَن الدّين لَا قتال غَزْو فَلَزِمَ كل مطيق وَالله أعلم قَالَ (وَمن سبي من الْكفَّار يكون على ضَرْبَيْنِ ضرب يكون رَقِيقا بِنَفس السَّبي وهم النِّسَاء وَالصبيان وَضرب لَا يرق بِنَفس السَّبي وهم الرِّجَال البالغون والامام مُخَيّر فيهم بَين أَرْبَعَة أَشْيَاء الْقَتْل والاسترقاق والمن والفدية بِالْمَالِ أَو بِالرِّجَالِ يفعل من ذَلِك مَا فِيهِ الْمصلحَة) يحرم قتل نسَاء الْكفَّار وصبيانهم وَكَذَا المجانين إِلَّا أَن يقاتلوا لِأَنَّهُ ﵊ نهى عَن قَتلهمْ وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه ﵊ مر فِي بعض غَزَوَاته فَوجدَ امْرَأَة مقتولة فَأنْكر النَّبِي ﷺ قتل النِّسَاء وَالصبيان فَإِذا سبي صبي رق بالأسر لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يقسم السَّبي كَمَا يقسم المَال وَحكم الْمَجْنُون كَالصَّبِيِّ صرح بِهِ القَاضِي حُسَيْن وَإِن كَانَ المسبي امْرَأَة رقت بالأسر لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يقسم السَّبي كَمَا يقسم المَال قَالَ الْمَاوَرْدِيّ هَذَا فِي الْكِتَابِيَّة فَإِن كَانَت مِمَّا لَا كتاب لَهَا كالدهرية وَعَبدَة الْأَوْثَان فَإِن امْتنعت من

стр. 491

الْإِسْلَام قتلت عِنْد الشَّافِعِي قَالَ ابْن الرّفْعَة يظْهر أَن يَجِيء فِيهَا مَا سَنذكرُهُ فِي الْأَسير وَإِن أسر حر مُكَلّف من أهل الْقِتَال فللإمام أَو أَمِير الْجَيْش كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره أَن يخْتَار مَا فِيهِ الْمصلحَة من الْقَتْل أَو الاسترقاق عَرَبيا كَانَ أَو أعجمياً مِمَّن لَهُ كتاب أَو مِمَّن لَا كتاب لَهُ والمن والمفاداة بِمَال المأسور أَو غَيره أَو بِمن أسر من الْمُسلمين وَدَلِيل جَوَاز الْقَتْل إِذا رَآهُ مصلحَة كَكَوْنِهِ شجاعاً أَو ذَا رَأْي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَقتل رَسُول الله ﷺ عقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَارِث صبرا يَوْم بدر وَدَلِيل الاسترقاق إِذا رَآهُ مصلحَة لكَونه كثير الْعَمَل وَلَا رَأْي لَهُ وَلَا شجاعة أَنه ﵊ اسْترق بني قُرَيْظَة وَبني المصطلق وهوازن وَادّعى القَاضِي أَبُو الطّيب الاجماع على ذَلِك وَدَلِيل جَوَاز الْمَنّ بِكَوْنِهِ مائلاً إِلَى الْإِسْلَام أَو ذَا مَال أَو شرف قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وَمن رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر على أبي الْعَاصِ بن الرّبيع وَمن عَليّ أبي عز الجُمَحِي على أَن لَا يقاتله فَقلت فقاتله فِي أحد فَأسر فَقتله رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ وَأسر الْمُسلمُونَ ثُمَامَة بن آثال الْحَنَفِيّ وربطوه بساربة فِي الْمَسْجِد فَأَطْلقهُ رَسُول الله ﷺ وفادى أهل بدر بالأموال وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن يُخَيّر فِي خصْلَة خَامِسَة وَهُوَ تخليده فِي السجْن إِلَى أَن يرى فِيهِ رَأْيه وَالله أعلم (فرع) لَو كَانَ المأسور عبدا فَلَا يجْرِي فِيهِ التَّخْيِير بل يتَعَيَّن استرقاقه فَلَو رأى أَن يمن عَلَيْهِ لم يجز إِلَّا بِرِضا الْغَانِمين وَفِي الْحَاوِي للماوردي أَن يفادى بِهِ أسرى من الْمُسلمين ويعوض عَنهُ

стр. 492

الْغَانِمين جَازَ وَفِي الْمُهَذّب أَنه لَو رأى قَتله قَتله وَضَمنَهُ للغانمين لِأَنَّهُ مَال وَيجوز استرقاق بعض الشَّخْص على الصَّحِيح وَالله أعلم قَالَ (وَمن أسلم قبل الْأسر أحرز مَاله وَدَمه وصغار أَوْلَاده) من أسلم من الْكفَّار قبل أسره وَالظفر بِهِ عصم دَمه وَمَاله كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع ﷺ فَإِذا قالوها فقد عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ سَوَاء أسلم وَهُوَ مَحْصُور وَقد قرب الْفَتْح أَو أسلم حَال أَمنه وَسَوَاء أسلم فِي دَار الْحَرْب أَو الْإِسْلَام لإِطْلَاق الْخَبَر ويعصم أَيْضا أَوْلَاده الصغار عَن السَّبي وَيحكم بِإِسْلَامِهِمْ تبعا لَهُ وَالْحمل كالمنفصل فَلَا يسترق وَيتبع أمه وَهل يعْصم إِسْلَام الْجد ولد ابْنه الصَّغِير فِيهِ أوجه الصَّحِيح نعم وَالْمَجْنُون من الْأَوْلَاد كالصغار وَإِن كَانَ بَالغ عَاقِلا ثمَّ جن عصم أَيْضا على الصَّحِيح وَكَذَا لَو أسلمت الْمَرْأَة قبل الظفر بهَا عصمت نَفسهَا وَمَالهَا وَأَوْلَادهَا الصغار وَفِي أَوْلَادهَا الْكِبَار قَول وَهُوَ شَاذ مَرْدُود وَقَول الشَّيْخ وصغار أَوْلَاده احْتَرز بِهِ عَن الْأَوْلَاد الْبَالِغين الْعُقَلَاء فَلَا يعصمهم إِسْلَام الْأَب لاستقلالهم بِالْإِسْلَامِ وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَن إِسْلَامه لَا يعْصم زَوجته عَن الاسترقاق وَهُوَ كَذَلِك على الْمَذْهَب وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَالله أعلم قَالَ (وَيحكم للصَّبِيّ بِالْإِسْلَامِ عِنْد وجود ثَلَاثَة أَسبَاب أَن يسلم أحد أَبَوَيْهِ أَو يسبى مُنْفَردا عَن أَبَوَيْهِ أَو يُوجد لقيطاً فِي دَار الْإِسْلَام) الْإِسْلَام صفة كَمَال وَشرف يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَيزِيد وَلَا ينقص كَمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَإِذا كَانَ كَذَلِك ناسب أَن يحكم بِإِسْلَام الصَّبِي تبعا للسابي قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَهَذَا بِالْإِجْمَاع وعلته أَن الصَّبِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ إِذْ لَا حكم لكَلَامه فَيتبع السابي لِأَنَّهُ كَالْأَبِ فِي الْحَضَانَة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ السَّبي قلبه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قلباً كلياً فَإِنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بحريَّته وباستقلاله إِذا بلغ والآن قد اسْترق بِالسَّبْيِ حَتَّى كَأَنَّهُ عدم وافتتح لَهُ وجود وَقيل يبْقى مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ لِأَن يَده يَد مَالك فَأَشْبَهت يَد المُشْتَرِي وَالصَّحِيح الأول وعَلى هَذَا هَل يحكم بِإِسْلَامِهِ ظَاهرا فَقَط أم ظَاهرا وَبَاطنا وَجْهَان فَإِذا بلغ وَوصف بالْكفْر أقرّ على الأول دون الثَّانِي وَلَو كَانَ السابي ذِمِّيا لم يحكم بِإِسْلَام الصَّبِي المسبي على الصَّحِيح وَلَو كَانَ السابي مَجْنُونا أَو مراهقاً حكم بِإِسْلَام المسبي تبعا أَيْضا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ هَذَا حكم السابي وَأما إِذا كَانَ أحد أَبَوَيْهِ مُسلما وَقت الْعلُوق فَهُوَ مُسلم لِأَنَّهُ بعض الأَصْل فَلَو علق بَين كَافِرين ثمَّ أسلم أَحدهمَا حكم بِإِسْلَامِهِ لِأَن الْإِسْلَام يزِيد وَلَا ينقص ويعلو وَلَا يعلى عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ إِذا تبع السابي فِي الْإِسْلَام فتبعيته لأحد أَبَوَيْهِ أولى للبعضية

стр. 493

وَمن الْأَسْبَاب الَّذِي يحكم بهَا بِإِسْلَام الصَّغِير أَن يُوجد لقيطاً بدار الْإِسْلَام تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَالدَّار لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ وَلقَوْله ﷺ مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ وَفِي لفظ أَو يشركانه فَقَالَ رجل أَرَأَيْت يَا رَسُول الله لَو مَاتَ قبل ذَلِك فَقَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين وَاعْلَم أَن الحكم بِإِسْلَام اللَّقِيط لَا يخْتَص بدار الْإِسْلَام بل لَو كَانَت دَار كفر وفيهَا مُسلمُونَ بل مُسلم أَسِير أَو تَاجِرًا أَو وجد لَقِيط هُنَاكَ فَإنَّا نحكم بِإِسْلَامِهِ على الْأَصَح لِأَن الْإِسْلَام يزِيد وَلَا ينقص وَاعْلَم أَن من حكمنَا بِإِسْلَامِهِ بِالدَّار لَو جَاءَ ذمِّي وَأقَام بَيِّنَة مَقْبُولَة بنسبه لحقه وَتَبعهُ فِي الْكفْر لِأَن الْبَيِّنَة أقوى من الدَّار وَلَو اقْتصر على الدَّعْوَى فَالْمَذْهَب أَنه لَا يتبعهُ فِي الْكفْر وَالله أعلم وَقد يُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الصَّبِي لَا يَصح إِسْلَامه اسْتِقْلَالا وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح وَإِن كَانَ مُمَيّزا لِأَنَّهُ لَا عبارَة لَهُ وَلِهَذَا لَا يَصح كفره وَلَا يَقع طَلَاقه وَلَا ينفذ عتقه وَبيعه وَجَمِيع معاملاته وَالله أعلم قَالَ بَاب الْغَنِيمَة فصل وَمن قتل قَتِيلا أعطي سلبه وتقسم الْغَنِيمَة بعد ذَلِك فَيعْطى أَرْبَعَة أخماسها لمن شهد الْوَقْعَة للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سهم من غرر بِنَفسِهِ وَهُوَ من أهل السهْمَان فِي قتل كَافِر ممنع فِي حَال الْقِتَال اسْتحق سلبه سَوَاء شَرط لَهُ الإِمَام ذَلِك أم لَا لقَوْله ﷺ من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه وَورد أَنه ﵊ قَالَ من قتل كَافِرًا فَلهُ سلبه فَقتل أَبُو طَلْحَة يَوْمئِذٍ عشْرين رجلا وَأخذ أسلابهم وَلَا فرق بَين أَن يقْتله مبارزة أَو انغمر فِي الصَّفّ فَقتله أَو جَاءَهُ من وَرَائه وَهُوَ يُقَاتل فَقتله لِأَن أَبَا قَتَادَة ﵁ قَالَ خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر فَرَأَيْت رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين فاستدرت حَتَّى أَتَيْته من وَرَائه فضربته على حَبل عَاتِقه ضَرْبَة فَأقبل عَليّ فضمني ضمة

стр. 494

وجدت مِنْهَا ريح الْمَوْت ثمَّ أدْركهُ الْمَوْت فأرسلني إِلَى أَن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه فَقُمْت فقصصت الْقِصَّة فَقَالَ رجل صدق يَا رَسُول الله قَالَ فأعطه فاعطانيه فابتعت بِهِ مخرفاً فِي بني سَلمَة فَإِنَّهُ أول مَال تأثلته فِي الْإِسْلَام المخرف بِفَتْح الْمِيم الْبُسْتَان وبكسرها مَا يجنى فِيهِ الثِّمَار وَفِي معنى الْقَتْل مَا إِذا أَزَال كِفَايَة شَره بِأَن أثخنه أَو أَزَال امْتِنَاعه بعمي أَو قطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ أَو يَدَيْهِ وَرجله فِي الْأَظْهر لَا قطع يَد أَو رجل وَلَو أسره اسْتحق سلبه فِي الْأَظْهر لِأَنَّهُ كفى شَره وَلَو لم يكن من أهل السهْمَان إِلَّا أَنه من أهل الرصخ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة وَكَذَا الْكَافِر وَحضر بِإِذن الإِمَام فَإِنَّهُ يسْتَحق السَّلب على الْأَصَح إِلَّا الْكَافِر على الْمَذْهَب وَلَو اشْترك جمَاعَة فِي قتل وَاحِد اشْتَركُوا فِي سلبه وَالسَّلب هُوَ مَا على الْقَتِيل من ثِيَاب وخف وآلات حَرْب كدرع ومغفر وَسلَاح ومركوب يُقَاتل عَلَيْهِ أَو ماسكاً عنانه وَيُقَاتل رَاجِلا وَمَا على المركوب من سرج ولجام ومقود وَغَيرهَا وَكَذَا طوق وسوار ومنطقة وهميان وَنَفَقَة فِيهِ وجنيبة يُقَاد مَعَه فِي الْأَظْهر لَا حقيبة مشدودة على الْفرس وَمَا فِيهَا من دَرَاهِم وأمتعة على الْمَذْهَب وَلَا ثِيَاب وأمتعة خَلفه فِي الْخَيْمَة فَإِذا أَخذ السَّلب فَلَا يُخَمّس على الْمَذْهَب ثمَّ بعده يخرج الإِمَام أَو نَائِبه الْمُؤَن اللَّازِمَة كَأُجْرَة حمال وحافظ وَغَيرهمَا ثمَّ يَجْعَل الْبَاقِي خَمْسَة أَقسَام مُتَسَاوِيَة وَيَأْخُذ خمس رقاع يكْتب على وَاحِدَة لله أَو للْمصَالح وعَلى أَربع للغانمين ويدرجها فِي بَنَادِق من طين وَيخرج لكل قسم رقْعَة بعد الْخَلْط فَمن خرج عَلَيْهِ أسْهم الله تَعَالَى جعله بَين أهل الْخمس على خَمْسَة وَمِنْه يكون النَّفْل فِي الْأَصَح وَيقسم الْبَاقِي على الْغَانِمين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الْآيَة فَإِذا خرج سهم الْخمس صَار الْبَاقِي للغانمين وَهَذَا الْآيَة نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ أَي وَلأبي الْبَاقِي فيعطي للراجل سهم وللفارس ثَلَاثَة أسْهم لِأَنَّهُ ﵊ فعل ذَلِك يَوْم خَيْبَر وَفِي رِوَايَة دَاوُد أسْهم لرجل ولفرسه ثَلَاثَة أسْهم سَهْمَيْنِ لفرسه وَسَهْما لَهُ وَفِي لفظ جعل للْفرس سَهْمَيْنِ ولصاحبه سَهْما وَفِي رِوَايَة ابْن عمر أَنه ﷺ قسم يَوْم خَيْبَر للْفرس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما وَفَسرهُ نَافِع مولى ابْن عمر فَقَالَ إِذا كَانَ مَعَ الرجل فرس

стр. 495

فَلهُ ثَلَاثَة أسْهم فَإِن لم يكن لَهُ فرس فَلهُ سهم وَالْمرَاد بالفارس هُنَا من حضر الْوَقْعَة وَهُوَ من أهل فرض الْقِتَال بفرس يُقَاتل عَلَيْهِ مهيئاً لِلْقِتَالِ سَوَاء كَانَ عتيقاً أَو برذوناً أَو هجيناً أَو مقرفاً سَوَاء قَاتل عَلَيْهِ أم لَا لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ وَكَذَا لَو قَاتل على حِصَار حصن أسْهم لفرسه لِأَنَّهُ أعده ليلحق بِهِ أهل الْحصن لَو هربوا وَكَذَا لَو قَاتل فِي الْبَحْر يُسهم لفرسه لِأَنَّهُ رُبمَا انْتقل إِلَى الْبر فقاتل عَلَيْهِ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَحمله ابْن كج على مَا إِذا قربوا من السَّاحِل وَاحْتمل أَن يخرج ويركب أما إِذا لم يحْتَمل الْحَال الرّكُوب فَلَا معنى لاعطاء الْفرس وَنَحْوه وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يُسهم إِلَّا لمن استكملت فِيهِ خمس شَرَائِط الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة فَإِن اخْتَلَّ شَرط من ذَلِك رضخ لَهُ وَلم يُسهم) لَا سهم لهَؤُلَاء لأَنهم لَيْسُوا من أهل فرض الْجِهَاد وَأما الرضخ فلفعله ﷺ أما الْكفَّار إِذا حَضَرُوا بِإِذن الإِمَام فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُم إِذا لم يستأجروا لِأَنَّهُ ﵊ اسْتَعَانَ بيهود بني فينقاع فرضخ لَهُم وَلم يُسهم فَإِن حضر بِغَيْر إِذن الإِمَام لم يرْضخ لَهُ على الْأَصَح لِأَنَّهُ مُتَّهم فِي مُوالَاة أهل دينه بل للْإِمَام تعزيره إِن رأى ذَلِك وَأما الصَّبِي فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُ سَوَاء أذن لَهُ الإِمَام أم لَا لِأَنَّهُ حصل بِهِ نفع وتكثير سَواد وَلَفظ الشَّافِعِي دَال على أَنه ﵊ أرضخ لَهُ وَلَا يُسهم لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل فرض الْجِهَاد وَفِي الْحَاوِي للماوردي إِلْحَاق الْمَجْنُون بِالصَّبِيِّ وَادّعى أَنه ﵊ أرضخ لَهُ وَأما العَبْد فَلَا يُسهم لَهُ ويرضخ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل فرض الْجِهَاد وَفِيه نفع قوي وتكثير وَقد رضخ رَسُول الله ﷺ لغمير مولى أبي اللخم يَوْم خَيْبَر وَلم يُسهم لَهُ وَأما الْعقل فقد مر حكم الْمَجْنُون وَأما الْمَرْأَة فَلَا يُسهم لَهَا فَإِنَّهَا لَيست من أهل فرض الْجِهَاد نعم يرْضخ لَهَا سَوَاء كَانَ لَهَا زوج أم لَا وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لَا لِأَن كتاب ابْن عَبَّاس ﵄ إِلَى نجدة قد كن يحضرن الْحَرْب مَعَ رَسُول الله ﷺ فَأَما أَن يضْرب لَهُنَّ بِسَهْم فَلَا وَقد كَانَ يرْضخ لَهُنَّ وَالله أعلم قَالَ
следующие страницы →