Полный текст (400 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بِهن إِلَيْك فَاخْلُفْنِي بِهن فِي أَهلِي وَمَالِي فَهِيَ خَلِيفَته فِي أَهله وَمَاله وحرز حول دَاره حَتَّى يرجع إِلَى أَهله
وَإِذا فَاتَ النَّفْل الْمُؤَقت ندب قَضَاؤُهُ كَمَا تقدم
وَأما ذُو السَّبَب فَلَا يقْضِي إِذا فَاتَ
تَنْبِيه مَتى كَانَت النَّافِلَة غير مَقْصُودَة لذاتها كفى عَنْهَا صَلَاة أُخْرَى من فرض أَو نفل وَفِي حُصُول الثَّوَاب وَسُقُوط الطّلب مَا تقدم فِي تَحِيَّة الْمَسْجِد وَسنة الْوضُوء
(و) الْقسم الثَّانِي من النَّفْل الْمُؤَقت وَهُوَ مَا تسن فِيهِ الْجَمَاعَة (صَلَاة الْعِيدَيْنِ) الْأَصْغَر والأكبر وَهِي من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَصَلَاة الْأَضْحَى أفضل من صَلَاة الْفطر لثبوتها بِنَصّ الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ ١٠٨ الْكَوْثَر الْآيَة ٢ وَمحل سنّ الْجَمَاعَة فِي صَلَاة الْأَضْحَى لغير الْحَاج أما هُوَ فتسن لَهُ فُرَادَى سَوَاء كَانَ بمنى أَو غَيرهَا وَلَو فِي طَرِيقه إِلَى مَكَّة وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ سنة مُؤَكدَة ووقتها مَا بَين طُلُوع الشَّمْس يَوْم الْعِيد وزوالها وَيسن تَأْخِيرهَا عَن طُلُوع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع كرمح فِي رَأْي الْعين لَكِن لَو فعلهَا قبل الِارْتفَاع وَبعد الطُّلُوع صحت من غير كَرَاهَة على الْمُعْتَمد وَهِي رَكْعَتَانِ كَغَيْرِهَا فِي الْأَركان والشروط وأقلها أَن يحرم بالركعتين بنية صَلَاة عيد الْفطر أَو الْأَضْحَى ويصليهما كراتبة الظّهْر مثلا وأكملها أَن يكبر فِي الرَّكْعَة الأولى سبع تَكْبِيرَات بعد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَبعد دُعَاء الِافْتِتَاح وَقبل التَّعَوُّذ وَيرْفَع يَدَيْهِ فِي كل تَكْبِيرَة كَمَا فِي التَّحَرُّم
وَيسن أَن يفصل بَين كل اثْنَيْنِ مِنْهَا بِقدر آيَة معتدلة يهلل وَيكبر ويمجد وَيحسن فِي ذَلِك أَن يَقُول سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لِأَنَّهُ لَائِق بِالْحَال
وَيسن أَن يضع يمناه على يسراه تَحت صَدره بَين كل تكبيرتين وَلَو شكّ فِي عدد التَّكْبِيرَات أَخذ بِالْأَقَلِّ وَهِي من الهيئات كالتعوذ وَدُعَاء الِافْتِتَاح فَلَا يسْجد لترك شَيْء مِنْهَا وَإِن كَانَ التّرْك مَكْرُوها وَلَو نسي التَّكْبِيرَات أَو شَيْئا مِنْهَا وَشرع فِي الْقِرَاءَة لم يتداركها وَلَو لم يتم الْفَاتِحَة بِخِلَاف مَا لَو نَسِيَهَا وَشرع فِي التَّعَوُّذ ثمَّ تذكرها فَإِنَّهُ يعود إِلَيْهَا وَلَا يفوت بهَا دُعَاء الِافْتِتَاح ويفوت بالتعوذ ويفوت الْكل بِالْقِرَاءَةِ وَلَو نَاسِيا ثمَّ يتَعَوَّذ بعد التَّكْبِيرَة الْأَخِيرَة وَيقْرَأ الْفَاتِحَة كَغَيْرِهَا من الصَّلَوَات وَينْدب أَن يقْرَأ بعد الْفَاتِحَة فِي الرَّكْعَة الأولى ﴿ق﴾ ٥٠ ق الْآيَة ١ وَفِي الثَّانِيَة ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ ٥٤ الْقَمَر الْآيَة ١ أَو (٥٠) ق ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ الْأَعْلَى الْآيَة ١ فِي الأولى والغاشية فِي الثَّانِيَة وَهِي صَلَاة جهرية ثمَّ إِذا قَامَ للركعة الثَّانِيَة يكبر خمْسا بِالصّفةِ الْمُتَقَدّمَة بعد تَكْبِيرَة الْقيام وَقبل التَّعَوُّذ
وَيسن الْغسْل للعيدين وَإِن لم يرد الْحُضُور لِأَنَّهُ يَوْم زِينَة وَيدخل وقته بِنصْف اللَّيْل وَلَكِن الْأَفْضَل فعله بعد الْفجْر وَيخرج بالغروب وَيسن البكور بعد الصُّبْح لغير الإِمَام وَأَن يحضر الإِمَام وَقت صلَاته وَأَن يعجل الْحُضُور فِي الْأَضْحَى ويؤخره فِي الْفطر قَلِيلا وحكمته اتساع وَقت الْأُضْحِية وَالْأَفْضَل فِي صَدَقَة الْفطر أَن تكون قبل الصَّلَاة وَينْدب التَّطَيُّب للذّكر بِأَحْسَن مَا يجده عِنْده من الطّيب والتزين بِأَحْسَن ثِيَابه وأفضلها الْبيض إِلَّا أَن يكون غَيرهَا أحسن فَهُوَ أفضل مِنْهَا هُنَا لَا فِي الْجُمُعَة وَالْفرق أَن المُرَاد هُنَا إِظْهَار النعم وَثمّ التَّوَاضُع وفعلها بِالْمَسْجِدِ أفضل لشرفه وَأَن يذهب للصَّلَاة فِي طَرِيق طَوِيل مَاشِيا بسكينة وَيرجع فِي آخر قصير كَالْجُمُعَةِ وَأَن يَأْكُل قبلهَا فِي عيد الْفطر
стр. 107
وَالْأولَى أَن يكون تَمرا وترا وَأَن يمسك عَن الْأكل فِي الْأَضْحَى وَلَا يكره لغير الإِمَام التَّنَفُّل قبلهَا بعد ارْتِفَاع الشَّمْس وَلَا بعْدهَا إِن لم يسمع الْخطْبَة وَإِلَّا كره أما الإِمَام فَيكْرَه لَهُ التَّنَفُّل قبلهَا وَبعدهَا
وَيسْتَحب إِزَالَة الشّعْر وَالظفر وَالرِّيح الكريهة وَمن لَهُ ثوب وَاحِد يغسلهُ ندبا لكل جُمُعَة وَعِيد وَيكبر ندبا كل أحد من غرُوب الشَّمْس من لَيْلَتي عيد الْفطر والأضحى بِرَفْع الصَّوْت فِي الْمنَازل والأسواق وَغَيرهمَا وَاسْتثنى الرَّافِعِيّ من رفع الصَّوْت الْمَرْأَة إِذا حضرت مَعَ غير محارمها وَنَحْوهم وَمثلهَا الْخُنْثَى وَيسْتَمر ذَلِك إِلَى أَن يدْخل الإِمَام فِي صَلَاة الْعِيد فَإِن صلى مُنْفَردا فَالْعِبْرَة بإحرامه هُوَ وَلَو تَأَخّر إِحْرَام من ذكر إِلَى الزَّوَال وَمن لم يرد الصَّلَاة أصلا يسْتَمر تكبيره إِلَى الزَّوَال وَهَذَا يُسمى التَّكْبِير الْمُرْسل وَيكبر فِي عيد الْأَضْحَى خلف صَلَاة الْفَرَائِض والنوافل وَلَو فَائِتَة وَصَلَاة جَنَازَة من فجر يَوْم عَرَفَة إِلَى الْغُرُوب من آخر أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لغير الْحَاج فجملة مَا يكبر عقبه من المكتوبات المؤداة فِي هَذِه الْأَيَّام ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ وَلَو تعَارض عَلَيْهِ التَّكْبِير وأذكار الصَّلَوَات قدم عَلَيْهَا لِأَنَّهُ شعار الْوَقْت وَإِن كَانَ لَا يفوت بهَا
أما الْحَاج فيكبر عقب كل صَلَاة من ظهر يَوْم النَّحْر لِأَنَّهَا أول صلواته بعد انْتِهَاء وَقت التَّلْبِيَة إِلَى الْغُرُوب من آخر أَيَّام التَّشْرِيق فجملة مَا يكبر عقبه من المكتوبات المؤداة فِي هَذِه الْأَيَّام سَبْعَة عشر وَهَذَا يُسمى التَّكْبِير الْمُقَيد
فَعلم أَن الْمُرْسل لكل من الْفطر والأضحى وَأَن الْمُقَيد للأضحى فَقَط وَأَن صَلَاة عيد الْفطر لَا تَكْبِير عَقبهَا
لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُقَيّد بِخِلَاف صَلَاة عيد الْأَضْحَى ومرسل الْفطر أفضل من مُرْسل الْأَضْحَى ومقيد الْأَضْحَى أفضل من الْمُرْسلين وَالْمحرم بِالْحَجِّ لَا يكبر لَيْلَة الْأَضْحَى لِأَن شعاره التَّلْبِيَة وَكَذَا لَو أحرم بِالْحَجِّ عِنْد ابْتِدَاء أول لَيْلَة من شَوَّال لَا يكبر بل يُلَبِّي
وَصِيغَة التَّكْبِير المحبوبة الله أكبر الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر الله أكبر وَللَّه الْحَمد الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا نعْبد إِلَّا إِيَّاه مُخلصين لَهُ الدّين وَلَو كره الْكَافِرُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده
وَيسْتَحب بعد ذَلِك الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ ٩٤ الشَّرْح الْآيَة ٤ أَي لَا أذكر إِلَّا وتذكر معي والمعتاد فِي ذَلِك أَن يَقُول اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آل سيدنَا مُحَمَّد وعَلى أَصْحَاب سيدنَا مُحَمَّد وعَلى أَزوَاج سيدنَا مُحَمَّد وعَلى ذُرِّيَّة سيدنَا مُحَمَّد وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
(و) الْقسم الثَّانِي من النَّفْل ذِي السَّبَب الْمُتَقَدّم وَهُوَ مَا تسن فِيهِ الْجَمَاعَة صَلَاة (الكسوفين) أَي صَلَاة كسوف الشَّمْس وَصَلَاة خُسُوف الْقَمَر
وَهِي سنة مُؤَكدَة وأقلها رَكْعَتَانِ كراتبة الظّهْر مثلا يحرم بهما بنية صَلَاة الْكُسُوف أَو الخسوف وأوسطها رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة قيامان وركوعان فَيحرم بهما بنية مَا ذكر ثمَّ بعد الِافْتِتَاح والتعوذ يقْرَأ الْفَاتِحَة ويركع ثمَّ يعتدل وَيقْرَأ الْفَاتِحَة ثَانِيًا ويركع ثَانِيًا ثمَّ يعتدل ثَانِيًا
ثمَّ يسْجد السَّجْدَتَيْنِ وَيَأْتِي بالطمأنينة فِي محلهَا
فَهَذِهِ رَكْعَة ثمَّ يَأْتِي بِرَكْعَة أُخْرَى كَذَلِك وأكملها رَكْعَتَانِ يحرم بهما بنية مَا ذكر فِي كل رَكْعَة قيامان
стр. 108
يُطِيل الْقِرَاءَة فيهمَا فَيقْرَأ فِي الْقيام الأول بعد الْفَاتِحَة وسوابقها من افْتِتَاح وتعوذ الْبَقَرَة بكمالها إِن أحْسنهَا وَإِلَّا فقدرها وَيقْرَأ فِي الْقيام الثَّانِي مِقْدَار مِائَتي آيَة مِنْهَا وَفِي الْقيام الثَّالِث مِقْدَار مِائَتَيْنِ وَخمسين مِنْهَا وَفِي الْقيام الرَّابِع مِقْدَار مائَة مِنْهَا تَقْرِيبًا فِي الْجَمِيع وَيقْرَأ فِي الْقيام الثَّانِي آل عمرَان أَو قدرهَا وَفِي الثَّالِث النِّسَاء أَو قدرهَا وَفِي الرَّابِع الْمَائِدَة أَو قدرهَا وَفِي كل رَكْعَة ركوعان يُطِيل التَّسْبِيح فيهمَا فيسبح فِي الرُّكُوع الأول قدر مائَة آيَة من الْبَقَرَة وَفِي الثَّانِي قدر ثَمَانِينَ مِنْهَا وَفِي الثَّالِث قدر سبعين مِنْهَا بِتَقْدِيم السِّين على الْمُوَحدَة وَفِي الرَّابِع قدر خمسين مِنْهَا تَقْرِيبًا فِي الْجَمِيع وَالْمُعْتَمد أَنه يُطِيل السُّجُود الأول من كل رَكْعَة نَحْو الرُّكُوع الأول مِنْهَا وَالسُّجُود الثَّانِي نَحْو الرُّكُوع الثَّانِي وَأما الأعتدال الثَّانِي من كل رَكْعَة وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ من كل رَكْعَة فَلَا يطيلهما وَلَا بُد فِي النِّيَّة من تعْيين كَون هَذِه الصَّلَاة لكسوف الشَّمْس أَو لخسوف الْقَمَر وَإِن أحرم بهَا بِقصد أَن يَفْعَلهَا كَسنة الظّهْر فَعَن لَهُ بعد الْإِحْرَام أَن يزِيد على ذَلِك لم يجز على الْمُعْتَمد وَإِن أحرم بهَا بِقصد أَن يَفْعَلهَا بقيامين وركوعين فَعَن لَهُ أَن يَفْعَلهَا كَسنة الظّهْر أَيْضا وَإِن أحرم بهَا وَأطلق تخير بَين الْأَقَل وَغَيره
وَيسن فعلهَا فِي الْجَامِع وَيسن للنِّسَاء غير ذَوَات الهيئات أَن يصلينها مَعَ الإِمَام فِي الْجَامِع وَذَوَات الهيئات يصلين فِي بُيُوتهنَّ منفردات فَإِن اجْتَمعْنَ مَعَ الإِمَام فَلَا بَأْس وَيدخل وَقتهَا بابتداء التَّغَيُّر يَقِينا وتفوت صَلَاة كسوف الشَّمْس بالانجلاء التَّام يَقِينا وبغروبها كاسفة وَصَلَاة خُسُوف الْقَمَر بالانجلاء التَّام يَقِينا وبطلوع الشَّمْس لَا بِطُلُوع الْفجْر وَلَا بغروب الْقَمَر خاسفا وَلَو حصل الانجلاء أَو الْغُرُوب أَو طُلُوع الشَّمْس فِي أثْنَاء الصَّلَاة لَا تبطل بِلَا خلاف
وَيسن الْإِسْرَار فِي صَلَاة كسوف الشَّمْس لِأَنَّهَا نهارية والجهر فِي صَلَاة خُسُوف الْقَمَر لِأَنَّهَا صَلَاة ليل أَو مُلْحقَة بهَا
وَيسن للْإِمَام أَن يخْطب (بخطبتين) للْجَمَاعَة دون الْمُنْفَرد (بعدهمَا) أَي بعد السَّلَام من صَلَاة الْعِيدَيْنِ والكسوفين وَتَكون خطبتا الْعِيدَيْنِ كخطبتي الْجُمُعَة فِي الْأَركان وَالسّنَن لَا فِي الشُّرُوط كالقيام والستر وَالطَّهَارَة وَالْجُلُوس بَينهمَا وَيسن الْجُلُوس قبلهمَا للاستراحة
نعم لَا بُد فِي أَدَاء السّنة وَصِحَّة الْخطْبَة من الإسماع بِالْفِعْلِ وَالسَّمَاع وَلَو بِالْقُوَّةِ كَمَا تقدم فِي الْجُمُعَة وَكَون الْخطْبَة عَرَبِيَّة وَكَون الْخَطِيب ذكرا على الْمُعْتَمد
وَيسن للخطيب أَن يعلمهُمْ فِي عيد فطر الْفطْرَة وَعِيد أضحى الْأُضْحِية وَيسن أَن يكبر فِي افْتِتَاح الْخطْبَة الأولى تسعا بِتَقْدِيم الْمُثَنَّاة على السِّين وَفِي افْتِتَاح الثَّانِيَة سبعا بِتَقْدِيم السِّين على الْمُوَحدَة مَعَ الْمُوَالَاة وإفراد كل تَكْبِيرَة بِنَفس ويفوت هَذَا التَّكْبِير بِالشُّرُوعِ فِي أَرْكَان الْخطْبَة كَمَا يفوت تَكْبِير الصَّلَاة بِالشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَة ويخطب الإِمَام فِي الكسوفين وَلَو بعد الانجلاء كخطبتي الْعِيد لَكِن لَا يكبر فيهمَا
قَالَ بَعضهم وَيحسن أَن يسْتَغْفر لِأَنَّهُ لَائِق بِالْحَال لِأَن الْكُسُوف مِمَّا يخوف الله بِهِ عباده وَلَا يشْتَرط فيهمَا شُرُوط خطْبَة
стр. 109
الْجُمُعَة بل تسن كَمَا فِي خطْبَة الْعِيد وَلَا يَكْفِي خطْبَة وَاحِدَة ويحث فيهمَا السامعين على فعل الْخَيْر من تَوْبَة وَصدقَة وَعتق وَنَحْوهَا
فَائِدَة الْخطب الْمَشْرُوعَة عشر خطْبَة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ والكسوفين وَالِاسْتِسْقَاء وَأَرْبع فِي الْحَج وَكلهَا بعد الصَّلَاة إِلَّا خطْبَة الْجُمُعَة وعرفة فقبلها وكل مِنْهَا ثِنْتَانِ إِلَّا الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة فِي الْحَج ففرادى وَلَو اجْتمع على الشَّخْص فرض وَصَلَاة كسوف أَو خُسُوف فَإِن كَانَ وَقت الْفَرْض وَاسِعًا قدم الْكُسُوف أَو الخسوف لِأَنَّهُ يخَاف فَوتهَا وَإِن كَانَ وَقت الْفَرْض ضيقا قدمه ثمَّ الْكُسُوف أَو الخسوف إِن لم يفت وَلَو اجْتمع عيد وجنازة أَو كسوف وجنازة قدمت الْجِنَازَة فيهمَا خوفًا من تغير الْمَيِّت لِأَنَّهُ مَظَنَّة للتغير هَذَا إِذا حضرت وَحضر الْوَلِيّ وَإِلَّا أفرد الإِمَام جمَاعَة ينتظرونها واشتغل مَعَ البَاقِينَ بغَيْرهَا والعيد مَعَ الْكُسُوف كالفرض مَعَه لِأَن الْعِيد أفضل مِنْهُ وَلَو اجْتمع فرض وجنازة وَلم يخف تغير الْمَيِّت فَإِن كَانَ وَقت الْفَرْض وَاسِعًا وَجب تَقْدِيم الْجِنَازَة وَإِن كَانَ وَقت الْفَرْض ضيقا وَجب تَقْدِيم الْفَرْض فَلَو خيف تغير الْمَيِّت وَجب تَقْدِيم الْجِنَازَة على الْفَرْض وَإِن خيف فَوت وقته
تَتِمَّة قد جعل الله الشَّمْس قدر الأَرْض اثْنَتَيْ عشرَة مرّة وَجعل سَيرهَا فِي البروج من السّنة إِلَى السّنة وَهِي تسير كل شهر فِي برج مِنْهَا فَبعد تَمام السّنة ترجع إِلَى البرج الَّذِي ابتدأت مِنْهُ السّير وَتَكون فِي الشتَاء فِي أَسْفَل البروج وَفِي الصَّيف فِي أَعلَى البروج وَلَا تَجْتَمِع مَعَ الْقَمَر فِي سُلْطَانه لِئَلَّا يبطل كل وَاحِد مِنْهُمَا خاصية صَاحبه إِذْ فِي الشَّمْس خَصَائِص لَا تُوجد فِي الْقَمَر وَبِالْعَكْسِ لِأَن الله تَعَالَى جعل الشَّمْس طباخة للثمار والفواكه ولولاها مَا نبت زرع وَلَا خرجت فَاكِهَة وَلها خَصَائِص أخر وَجعل الله الْقَمَر صباغا لسَائِر أَنْوَاع الْفَوَاكِه وَفِيه خَصَائِص أخر
قَالَ الإِمَام السُّيُوطِيّ الْحِكْمَة فِي كسوف الشَّمْس وخسوف الْقَمَر أَنه لما سبق فِي علمه أَن الْكَوَاكِب تعبد من دون الله خُصُوصا الشَّمْس وَالْقَمَر قضى عَلَيْهِمَا بالخسوف والكسوف وَجعل ذَلِك دلَالَة على أَنَّهُمَا مَعَ إشراق نورهما وَمَا يظْهر من حسن آثارهما مأموران وَفِي مصَالح الْعباد مسيران فسبحان الْحَكِيم
وَقَالَ ابْن الْعِمَاد سَبَب كسوف الشَّمْس وخسوف الْقَمَر تخويف الْعباد بِحَبْس ضوئهما ليرجعوا إِلَى الطَّاعَة لِأَن هَذِه النِّعْمَة إِذا حبست لم ينْبت زرع وَلم يجِف ثَمَر وَلم يحصل لَهُ نضج وَقيل سَببه أَن الْمَلَائِكَة تجرها وَفِي السَّمَاء بَحر فَإِذا وَقعت فِيهِ استتر ضوؤها
(و) من ذِي السَّبَب الْمُتَقَدّم الَّذِي تسن فِيهِ الْجَمَاعَة صَلَاة (استسقاء) وَهُوَ شرعا طلب سقيا الْعباد من الله تَعَالَى عِنْد حَاجتهم إِلَيْهَا
وَالِاسْتِسْقَاء ثَلَاثَة أَنْوَاع أدناها أَن يكون بِالدُّعَاءِ مُطلقًا فُرَادَى ومجتمعين وأوسطها يكون بِالدُّعَاءِ خلف الصَّلَوَات فَرضهَا ونفلها وَفِي خطْبَة الْجُمُعَة وخطبة الْعِيدَيْنِ وَنَحْو ذَلِك وأكملها يكون بِالصَّلَاةِ على الْوَجْه الْآتِي وَإِنَّمَا يفعل الاسْتِسْقَاء عِنْد الْحَاجة بِسَبَب انْقِطَاع المَاء أَو قلته بِحَيْثُ لَا يَكْفِي أَو ملوحته ولاستزادة نفع وَشَمل مَا ذكر
стр. 110
مَا لَو انْقَطع المَاء عَن طَائِفَة من الْمُسلمين واحتاجت إِلَيْهِ يسن لغَيرهم أَن يستسقوا لَهُم ويسألوا الزِّيَادَة النافعة لأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرَادَ صَلَاة الاسْتِسْقَاء جمَاعَة يسن للْإِمَام أَو نَائِبه أَن يخرج بهم إِلَى الصَّحرَاء لَا عذر تأسيا بِهِ ﷺ وَلِأَن النَّاس يكثرون فَلَا يسعهم الْمَسْجِد غَالِبا وَقبل الْخُرُوج يسن للْإِمَام أَو نَائِبه أَن يَأْمُرهُم بأَشْيَاء مِنْهَا التَّوْبَة من جَمِيع الْمعاصِي القولية والفعلية مِنْهَا الْمُبَادرَة إِلَى مصالحة الْأَعْدَاء المتشاحنين لأمر دُنْيَوِيّ أَو لحظ نفس وَإِذا كَانَ الهجران لله تَعَالَى بِأَن كَانَ لأمر ديني فَلَا
وَمِنْهَا الْمُبَادرَة إِلَى صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة قبل ميعاد يَوْم الْخُرُوج فَهِيَ بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام
وَمِنْهَا امْتِثَال أَمر الإِمَام فِي جَمِيع مَا ذكر وَلَو مسافرين وَلَو فِي النّصْف الثَّانِي من شعْبَان لِأَن هَذَا الصَّوْم لسَبَب وَإِنَّمَا وَجب امْتِثَال أمره فِي ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا أَمر بِوَاجِب تَأَكد وُجُوبه وَإِذا أَمر بمندوب وَجب وَإِن أَمر بمباح فَإِن كَانَ فِيهِ مصلحَة عَامَّة كَتَرْكِ شرب الدُّخان وَجب بِخِلَاف مَا إِذا أَمر بِمحرم أَو مَكْرُوه أَو مُبَاح لَا مصلحَة فِيهِ عَامَّة وَيجب تبييت النِّيَّة فِي هَذَا الصَّوْم لِأَنَّهُ وَاجِب
نعم لَا تجب الصَّدَقَة بِأَمْر الإِمَام بهَا إِلَّا على من تجب عَلَيْهِ زَكَاة الْفطر لَا مُطلقًا وَيَكْفِي فِي التَّصَدُّق أقل مُتَمَوّل إِن لم يعين الإِمَام قدرا وَإِلَّا تعين إِلَّا إِذا زَاد ذَلِك الْقدر على مَا يجب فِي زَكَاة الْفطر فَلَا يجب إِلَّا إِذا فضل ذَلِك الْقدر عَن كِفَايَة الْعُمر الْغَالِب وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الْمُعْتَمد ثمَّ يخرج الإِمَام أَو نَائِبه بِالنَّاسِ فِي الْيَوْم الرَّابِع من صِيَامهمْ إِلَى الصَّحرَاء وهم صِيَام غير متطيبين وَلَا متزينين بل فِي ثِيَاب بذلة وَفِي استكانة أَي خشوع وَفِي تضرع
وَيسن لَهُم التَّوَاضُع فِي مشيهم وَكَلَامهم وجلوسهم لَا حُفَاة وَلَا مكشوفي الرؤوس ويتنظفون بِالسِّوَاكِ وَالْغسْل وَقطع الروائح الكريهة وَيخرجُونَ من طَرِيق ويعودون من آخر وَيخرج ندبا مَعَهم الصّبيان وَلَو غير مميزين والشيوخ والعجائز وَمن لَا هَيْئَة لَهُ من النِّسَاء لِأَن دعاءهم أقرب إِلَى الْإِجَابَة إِذْ الْكَبِيرَة أرق قلبا وَالصَّغِير لَا ذَنْب عَلَيْهِ وَلقَوْله ﷺ هَل ترزقون وتنصرون إِلَّا بضعفائكم
وَيسن إِخْرَاج الْبَهَائِم لِأَن الجدب قد أَصَابَهَا أَيْضا وتقف الْبَهَائِم معزولة عَن النَّاس وَيفرق بَين الْأُمَّهَات وَالْأَوْلَاد حَتَّى يكثر الصياح والضجة والرقة فَيكون ذَلِك أقرب إِلَى الْإِجَابَة ثمَّ بعد خروح الإِمَام بِالنَّاسِ إِلَى الصَّحرَاء يُصَلِّي بهم رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاة الْعِيدَيْنِ فِي كيفيتهما من التَّكْبِير بعد الِافْتِتَاح وَقبل التَّعَوُّذ سبعا فِي الأولى وخمسا فِي الثَّانِيَة مَعَ رفع الْيَدَيْنِ فِي كل تَكْبِيرَة وَهَذِه الصَّلَاة جهرية سَببهَا الْحَاجة ينوى بهما سنة صَلَاة الاسْتِسْقَاء يقْرَأ فِي الأولى بعد الْفَاتِحَة سُورَة ﴿ق﴾ ٠٥ ق الْآيَة ١ وَفِي الثَّانِيَة ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ ٥٤ الْقَمَر الْآيَة ١ أَو ﴿سبح﴾ ٨٧ الْأَعْلَى الْآيَة ١ و ﴿الغاشية﴾ ٨٨ الغاشية الْآيَة ١ وَلَا توقت بِوَقْت عيد وَلَا غَيره بل تصلى فِي أَي وَقت كَانَ من ليل أَو نَهَار لِأَنَّهَا ذَات سَبَب فدارت مَعَ سَببهَا
ثمَّ يخْطب الإِمَام بعدهمَا خطبتين ويبدل التَّكْبِير بالاستغفار أَولهمَا فَيَقُول أسْتَغْفر الله الْعَظِيم الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ بدل كل تَكْبِيرَة وَيكثر فِي أثنائهما من قَول اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين وَيجْعَل لكم جنَّات وَيجْعَل لكم أَنهَارًا
وَمن دُعَاء الكرب وَهُوَ لَا إِلَه إِلَّا الله
стр. 111
الْعَظِيم الْحَلِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم
وَيتَوَجَّهُ الْقبْلَة من نَحْو ثلث الْخطْبَة الثَّانِيَة ويحول رِدَاءَهُ عِنْد اسْتِقْبَال الْقبْلَة بِأَن يَجْعَل يَمِين الرِّدَاء يسَاره وَعَكسه وَيجْعَل أَعْلَاهُ أَسْفَله وَهَذَا يُسمى تنكيسا وَلَيْسَ التَّحْوِيل والتنكيس خاصين بِالْإِمَامِ بل مثله الذُّكُور الْحَاضِرُونَ بِخِلَاف النِّسَاء والخناثى وَحِكْمَة التَّحْوِيل التفاؤل بِتَغَيُّر الْحَال من شدَّة إِلَى رخاء فيغيرون بواطنهم بِالتَّوْبَةِ وظواهرهم بتحويل أرديتهم وتنكيسها وَيتْرك الرِّدَاء محولا مُنَكسًا حَتَّى تنْزع الثِّيَاب
والرداء هُوَ مَا يوضع على الْكَتِفَيْنِ والطيلسان مَا يوضع على الرَّأْس ويغطي بِهِ بعض الْوَجْه
والإزار مَا يوضع فِي الْوسط
وَكَانَ طول إزَاره ﷺ أَرْبَعَة أَذْرع وَعرضه ذِرَاع وَطول عمَامَته سَبْعَة أَذْرع وعرضها ذِرَاع
وَيكثر الْخَطِيب فِي الْخطْبَتَيْنِ من الدُّعَاء سرا وجهرا وَيرْفَع الْحَاضِرُونَ أَيْديهم عِنْد دُعَائِهِ جاعلين ظُهُور أكفهم إِلَى السَّمَاء لِأَن الْقَصْد رفع الْبلَاء بِخِلَاف من يَدْعُو قَاصِدا تَحْصِيل شَيْء فَإِنَّهُ يَدْعُو وبطن كَفه إِلَى السَّمَاء
وَمُقْتَضى مَا ذكر أَنه فِي الاسْتِسْقَاء تجْعَل ظُهُور الأكف إِلَى السَّمَاء وَلَو كَانَت صِيغَة الدُّعَاء بِطَلَب تَحْصِيل شَيْء نَحْو اللَّهُمَّ اسقنا الْغَيْث اعْتِبَارا بِقصد المستسقين فَإِنَّهُم قاصدون رفع الْبلَاء وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْعَلامَة الْخَطِيب
وَاخْتَارَ بَعضهم أَن الْعبْرَة بالصيغة فَإِن كَانَ فِيهَا طلب رفع شَيْء جعلت ظُهُور الأكف إِلَى السَّمَاء وَإِن كَانَ فِيهَا طلب حُصُول شَيْء جعلت بطُون الأكف إِلَى السَّمَاء وَلَيْسَ هَذَا خَاصّا بالاستسقاء بل يَأْتِي فِي كل دُعَاء
وَيكثر أَيْضا فِي الْخطْبَتَيْنِ من الاسْتِغْفَار وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ لِأَن ذَلِك أَرْجَى لحُصُول الْمَقْصُود وَيَدْعُو فِي الْخطْبَة الأولى بِدُعَاء سيدنَا رَسُول الله ﷺ
وَهُوَ اللَّهُمَّ سقيا رَحْمَة وَلَا سقيا عَذَاب وَلَا محق وَلَا بلَاء وَلَا هدم اللَّهُمَّ اسقنا غيثا هَنِيئًا مريئا مريعا غدقا مجللا سَحا طبقًا دَائِما اللَّهُمَّ اسقنا الْغَيْث وَلَا تجعلنا من القانطين اللَّهُمَّ إِن بالعباد والبلاد من الْجهد والجوع والضنك مَا لَا نشكو إِلَّا إِلَيْك اللَّهُمَّ أنبت لنا الزَّرْع وأدر لنا الضَّرع وَأنزل علينا من بَرَكَات السَّمَاء وَأنْبت لنا من بَرَكَات الأَرْض واكشف عَنَّا من الْبلَاء مَا لَا يكشفه غَيْرك اللَّهُمَّ إِنَّا نستغفرك إِنَّك كنت غفارًا فَأرْسل السَّمَاء علينا مدرارا
وَلَو نزل الْمَطَر وَكثر وتضرروا بكثرته فَالسنة أَن يسْأَلُوا الله رَفعه بِأَن يَقُولُوا اللَّهُمَّ على الآكام والظراب ومنابت الْأَشْجَار وبطون الأودية اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا
وَيسن الِاغْتِسَال فِي الْوَادي إِذا سَالَ وَالْأَفْضَل أَن يجمع بَين الْغسْل وَالْوُضُوء ثمَّ الِاقْتِصَار على الْغسْل ثمَّ على الْوضُوء
قَالَ الْعَلامَة الْخَطِيب وَهَذَا الْغسْل وَالْوُضُوء لَا يشْتَرط فيهمَا نِيَّة لِأَن الْغَرَض إمساس المَاء لهَذِهِ الْأَعْضَاء كَمَا يسن البروز للمطر وَهَذَا لَا يحْتَاج لنِيَّة وَمثله فِي شرح الرَّمْلِيّ إِلَّا إِن أَرَادَ بهما الْغسْل وَالْوُضُوء الشرعيين فَلَا بُد من النِّيَّة كَمَا هُوَ ظَاهر
وَيسن أَن يَقُول عِنْد سَماع الرَّعْد سُبْحَانَ من يسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته وَكَذَا عِنْد رُؤْيَة الْبَرْق وَالْمُنَاسِب عِنْدهَا أَيْضا
стр. 112
أَن يَقُول سُبْحَانَ من يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا وَيَقُول عِنْد ذَلِك لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ سبوح قدوس وَينْدب أَن لَا يتبع بَصَره الْبَرْق لِأَنَّهُ يُضعفهُ وَينْدب أَن يَقُول عِنْد نزُول الْمَطَر اللَّهُمَّ صيبا نَافِعًا وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ فَإِن الدُّعَاء يُسْتَجَاب عِنْد نزُول الْغَيْث وَإِقَامَة الصَّلَاة ورؤية الْكَعْبَة وَينْدب أَن يَقُول عقب الْمَطَر مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته
(و) من النَّفْل الْمُؤَقت الَّذِي تسن فِيهِ الْجَمَاعَة صَلَاة (التَّرَاوِيح) وَهِي عشرُون رَكْعَة مجمع على سنيتها وَيجوز لأهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة دون غَيرهم فعلهَا سِتا وَثَلَاثِينَ رَكْعَة وَمَعَ ذَلِك الْأَفْضَل لَهُم الِاقْتِصَار على عشْرين وَالْمرَاد بِأَهْل الْمَدِينَة من كَانَ بهَا وَقت الْأَدَاء وَإِن لم يكن متوطنا وَلَا مُقيما وَالْعبْرَة فِي قَضَائهَا بِمحل الْأَدَاء فَلَو فَاتَتْهُ فِي الْمَدِينَة قَضَاهَا سِتا وَثَلَاثِينَ وَلَو فِي غَيرهَا بِخِلَاف مَا لَو فَاتَتْهُ فِي غَيرهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا عشْرين وَلَو فِي الْمَدِينَة وَلَا تصح بنية مُطلقَة بل يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ من التَّرَاوِيح أَو من قيام رَمَضَان أَو سنة التَّرَاوِيح وَلَا يَصح أَن يُصَلِّي أَرْبعا مِنْهَا بِسَلام بل لَا بُد أَن يكون كل رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا بِسَلام لِأَنَّهَا وَردت كَذَلِك وفعلها بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيع الشَّهْر أفضل من تكْرَار سُورَة الْإِخْلَاص ووقتها من صَلَاة الْعشَاء وَلَو تَقْدِيمًا إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق فَعلم أَن صِحَّتهَا متوقفة على فعل الْعشَاء وَمِنْه الْوتر فِي رَمَضَان وَلَا بُد أَن يكون بعد فعل الْعشَاء سَوَاء صلى التَّرَاوِيح أَو لَا وَتقدم الْكَلَام على الْوتر فِي الْقسم الَّذِي لَا تسن فِيهِ الْجَمَاعَة من النَّفْل الْمُؤَقت
وَأما النَّفْل الْمُطلق فَهُوَ مَا لَا يتَقَيَّد بِوَقْت وَلَا سَبَب قَالَ ﷺ الصَّلَاة خير مَوْضُوع استكثر أَو أقل فَإِن نوى فَوق رَكْعَة وَلم يعين قدرا فَلهُ الِاقْتِصَار على رَكْعَتَيْنِ وَله الزِّيَادَة عَلَيْهِمَا مَا شَاءَ وَإِذا عين قدرا فَلهُ الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَله النَّقْص عَنهُ بِالنِّيَّةِ فيهمَا وَإِلَّا بَطل فَلَو قَامَ لزِيَادَة سَهوا ثمَّ تذكر قعد ثمَّ إِن أَرَادَ الزِّيَادَة قَامَ لَهَا بِالنِّيَّةِ وَلَو أَرَادَ النَّقْص فَلَا بُد من نِيَّة الْخُرُوج حِينَئِذٍ عِنْد السَّلَام على الْمُعْتَمد وَلَيْسَ لنا صُورَة يجب فِيهَا نِيَّة الْخُرُوج من الصَّلَاة على القَوْل الْمُعْتَمد إِلَّا هَذِه وَمَتى زَاد على الرَّكْعَتَيْنِ فَلهُ أَن يتَشَهَّد آخرا فَقَط أَو آخر كل رَكْعَتَيْنِ أَو كل ثَلَاث أَو كل أَربع وَهَكَذَا سَوَاء الأوتار والأشفاع وَلَا يشْتَرط تَسَاوِي الْأَعْدَاد بَين التشهدات فَلهُ أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ويتشهد ثمَّ ثَلَاثًا ويتشهد ثمَّ أَرْبعا ويتشهد وَهَكَذَا والممتنع أَن يُوقع رَكْعَة غير الْأَخِيرَة بَين تشهدين إِذا قصد ذَلِك ابْتِدَاء أما لَو نوى رَكْعَة وَتشهد ثمَّ عَن لَهُ أَن يَأْتِي بثانية فَأتى بهَا وَتشهد ثمَّ عَن لَهُ أَن يَأْتِي بثالثة فَأتى بهَا وَتشهد ثمَّ عَن لَهُ أَن يَأْتِي برابعة وَهَكَذَا فَلَا يمْتَنع مَا لم يكن متلاعبا
وَالْأَفْضَل السَّلَام من كل رَكْعَتَيْنِ
وَالنَّفْل الْمُطلق بِاللَّيْلِ أفضل مِنْهُ بِالنَّهَارِ
وَمن النَّفْل الْمُطلق قيام اللَّيْل وَإِذا كَانَ بعد نوم وَلَو فِي وَقت الْمغرب وَبعد فعل الْعشَاء تَقْدِيمًا يُسمى تهجدا وَلَو قسم اللَّيْل أنصافا أَو أَثلَاثًا أَو أَربَاعًا على نِيَّة أَن يقوم نصفا أَو ثلثا أَو ربعا فَقَط فَالْأَفْضَل الْأَخير من جَمِيع ذَلِك وَلَو قسم اللَّيْل
стр. 113
أسداسا فَالْأَفْضَل السُّدس الرَّابِع وَالْخَامِس لينام فِي السُّدس السَّادِس فَيكون أنشط لصَلَاة الصُّبْح وَلقَوْله ﷺ أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد كَانَ ينَام نصف اللَّيْل الأول وَيقوم ثلثه وينام سدسه وَيحصل قيام اللَّيْل بالنفل وَلَو مؤقتا وَلَو سنة الْعشَاء أَو الْوتر وبالفرض وَلَو قَضَاء أَو نذرا
وَيسن للمتهجد القيلولة وَهِي النّوم قبل الزَّوَال وَهِي للمتهجد بِمَنْزِلَة السّحُور للصَّائِم وَيكرهُ ترك التَّهَجُّد لمعتاده بِلَا عذر
وَرُوِيَ عَن ثَابت ﵁ أَنه قَالَ كَانَ أبي من القوامين لله فِي سَواد اللَّيْل قَالَ رَأَيْت ذَات لَيْلَة فِي مَنَامِي امْرَأَة لَا تشبه نسَاء الدُّنْيَا فَقلت لَهَا من أَنْت فَقَالَت أَنا حوراء أمة الله فَقلت لَهَا زوجيني نَفسك قَالَت اخطبني من عِنْد رَبِّي وأمهرني فَقلت لَهَا وَمَا مهرك فَقَالَت طول التَّهَجُّد
وَورد أَن المتهجد يشفع فِي أهل بَيته
وَيكرهُ قيام بلَيْل يضر بِهِ
أما إِذا كَانَ لَا يضرّهُ فَلَا يكره وَلَو فِي لَيَال كَامِلَة فقد كَانَ ﷺ إِذا دخل الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان أَحْيَا اللَّيْل كُله
وَيكرهُ تَخْصِيص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي
أما إحياؤها بِغَيْر صَلَاة فَلَا يكره خُصُوصا بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ فَإِن ذَلِك مَطْلُوب فِيهَا ويتأكد الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار فِي جَمِيع سَاعَات اللَّيْل وَفِي النّصْف الْأَخير آكِد وَعند السحر أفضل
وَمِنْه صَلَاة التسابيح
وَهِي أَربع رَكْعَات بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة وَهُوَ الْأَحْسَن نَهَارا أَو بتسليمتين وَهُوَ الْأَحْسَن لَيْلًا لحَدِيث صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى وصفتها أَن تحرم بهَا وتقرأ دُعَاء الِافْتِتَاح والفاتحة وشيئا من الْقُرْآن إِن أردْت وَالْأولَى فِي ذَلِك أَوَائِل سُورَة الْحَدِيد والحشر والصف والتغابن للمناسبة فِي ذَلِك فَإِن لم يكن فسورة الزلزلة وَالْعَادِيات وألهاكم وَالْإِخْلَاص ثمَّ تَقول بعد ذَلِك وَقبل الرُّكُوع سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم خمس عشرَة مرّة وَفِي الرُّكُوع عشرا وَفِي الِاعْتِدَال عشرا وَفِي السُّجُود الأول عشرا وَفِي الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ عشرا وَفِي السُّجُود الثَّانِي عشرا وَفِي جلْسَة الاسْتِرَاحَة أَو بعد التَّشَهُّد عشرا فَتلك خَمْسَة وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة مِنْهَا فَأَرْبَعَة فِي خَمْسَة وَسبعين بثلاثمائة وَيَأْتِي قبل هَذِه التسبيحات بِالذكر الْوَارِد فِي هَذِه الْأَركان وَهَذِه رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَهِي أرجح من رِوَايَة ابْن مَسْعُود وَهِي بعد التَّحَرُّم وَقبل الْقِرَاءَة خمس عشرَة مرّة وَبعد الْقِرَاءَة وَقبل الرُّكُوع عشرا وَفِي الرُّكُوع عشرا وَفِي الِاعْتِدَال عشرا وَفِي السُّجُود الأول عشرا وَفِي الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ عشرا وَفِي السُّجُود الثَّانِي عشرا وَلَا شَيْء فِي جُلُوس الاسْتِرَاحَة وَلَا بعد التَّشَهُّد وَفِيمَا عدا الرَّكْعَة الأولى يَقُول الْخَمْسَة عشر بعد الْقيام وَقبل الْقِرَاءَة فَإِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم فافعل فَإِن لم تستطع فَفِي كل شهر مرّة فَإِن لم تستطع فَفِي كل سنة مرّة فَإِن لم تستطع فَفِي عمرك مرّة فَإِن لم يَفْعَلهَا أصلا دلّ ذَلِك على تكاسله فِي الدّين
وَيَدْعُو بعد التَّشَهُّد الْأَخير بِهَذَا الدُّعَاء اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك توفيق أهل الْهدى وأعمال أهل الْيَقِين ومناصحة أهل التَّوْبَة وعزم أهل الصَّبْر ووجل أهل الخشية وَطلب أهل الرَّغْبَة وَتعبد أهل الْوَرع وعرفان
стр. 114
أهل الْعلم حَتَّى أخافك اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مَخَافَة تحجزني عَن مَعَاصِيك حق أعمل بطاعتك عملا أستحق بِهِ رضاك وَحَتَّى أناصحك فِي التَّوْبَة وخوفا مِنْك حَتَّى أخْلص لَك النَّصِيحَة وَحَتَّى أتوكل عَلَيْك فِي الْأُمُور كلهَا وَحَتَّى أكون حسن الظَّن بك سُبْحَانَ خَالق النُّور
وَمَتى كَانَ النَّفْل مُطلقًا أَو ذَا سَبَب مُتَأَخّر يكره كَرَاهَة تَحْرِيم فِي خَمْسَة أَوْقَات وَلَا ينْعَقد
وَالنَّهْي الَّذِي يتَعَلَّق بِالزَّمَانِ ثَلَاثَة أَوْقَات عِنْد طُلُوع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع وَعند الاسْتوَاء حَتَّى تَزُول إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة وَعند الْغُرُوب
وَالَّذِي يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ وقتان بعد صَلَاة الصُّبْح أَدَاء وَبعد صَلَاة الْعَصْر كَذَلِك وَلَو مَجْمُوعَة مَعَ الظّهْر تَقْدِيمًا وَهَذَا كُله فِي غير حرم مَكَّة أما هُوَ فَلَا تكره الصَّلَاة فِيهِ فِي أَي وَقت كَانَ سَوَاء فِي الْمَسْجِد وَغَيره
أما الْفَرْض وَالنَّفْل الْمُؤَقت أَو ذُو السَّبَب الْمُتَقَدّم فَلَا يكره شَيْء مِنْهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات
نعم إِن تحرى إِيقَاع شَيْء من ذَلِك فِي هَذِه الْأَوْقَات بِأَن قصد إِيقَاعه فِيهِ من حَيْثُ إِنَّه وَقت كَرَاهَة حرم وَلَا ينْعَقد وَمثل ذَلِك سَجْدَة التِّلَاوَة وَالشُّكْر
وَنَصّ الْغَزالِيّ على أَن الصَّلَاة ذَات السَّبَب الْمُتَقَدّم إِذا كَانَ سَببهَا ضَعِيفا مثل رَكْعَتي الْوضُوء لَا تجوز فِي أَوْقَات الْكَرَاهَة
وَمعنى كَون رَكْعَتي الْوضُوء سَببهَا ضَعِيف أَنه ضَعِيف من حَيْثُ التَّسَبُّب لِأَن الصَّلَاة سَبَب للْوُضُوء لَا الْعَكْس وَتحرم الصَّلَاة مُطلقًا إِلَّا تَحِيَّة الْمَسْجِد من وَقت صعُود الإِمَام لخطبة الْجُمُعَة وَيكرهُ ابْتِدَاء مُطلق النَّفْل كَرَاهَة تَنْزِيه فِي وَقت إِقَامَة الصَّلَاة فَإِن كَانَ فِيهِ أتمه إِن لم يخْش فَوت الْجَمَاعَة بِسَلام الإِمَام وَإِلَّا قطعه ندبا وَدخل فِيهَا لِأَنَّهَا أولى مِنْهُ
فصل فِي الْجَمَاعَة فِي الصَّلَاة
وَهِي من خَصَائِص هَذِه الْأمة فَإِن أول من صلى جمَاعَة من الْبشر رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا كَانُوا يصلونَ قبل ذَلِك فُرَادَى وَمَعْنَاهَا الشَّرْعِيّ ربط صَلَاة الْمَأْمُوم بِصَلَاة الإِمَام ولفظها يصلح لكل من الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَيتَعَيَّن لأَحَدهمَا بِالْقَرِينَةِ وَهِي أفضل من الِانْفِرَاد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة وَالْحكمَة فِيهَا أَن الصَّلَاة ضِيَافَة ومائدة بركَة
стр. 115
والكريم لَا يضع مائدته إِلَّا لجَماعَة وأقلها فِي غير الْجُمُعَة إِمَام ومأموم
(صَلَاة الْجَمَاعَة فِي أَدَاء مَكْتُوبَة) غير جُمُعَة (سنة مُؤَكدَة) عِنْد الرَّافِعِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ وَالْمُعْتَمد عِنْد النَّوَوِيّ وَغَيره أَنَّهَا فِي غير الْجُمُعَة فرض كِفَايَة لرجال أَحْرَار مقيمين غير عُرَاة فِي أَدَاء مَكْتُوبَة وَالْوَاجِب فعلهَا على وَجه يظْهر بِهِ الشعار فَيَكْفِي فِي الْقرْيَة الصَّغِيرَة إِقَامَتهَا بِمحل وَاحِد يظْهر بِهِ الشعار وَأما الْقرْيَة الْكَبِيرَة والبلد فَلَا بُد فيهمَا من إِقَامَة الْجَمَاعَة بمواضع بِحَيْثُ يظْهر بِهِ الشعار وَضَابِط ذَلِك أَن لَا تشق الْجَمَاعَة على طالبيها وَلَا يحتشم صَغِير وَلَا كَبِير من دُخُول محلهَا فَإِن أُقِيمَت على وَجه لَا يظْهر بِهِ الشعار كَأَن أُقِيمَت فِي مَحل وَاحِد فِي بلد كَبِير بِحَيْثُ يشق حُضُوره على الْبعيد أَو أُقِيمَت فِي الْبيُوت بِحَيْثُ يستحيا من دُخُولهَا لم يسْقط الْفَرْض وَكَذَا إِذا أُقِيمَت خَارج الْعمرَان بِحَيْثُ تكون فِي مَكَان تقصر فِيهِ الصَّلَاة لَا يَكْفِي فِي سُقُوط الْفَرْض فَلَو امْتَنعُوا من إِقَامَتهَا على هَذَا الْوَجْه قَاتلهم الإِمَام أَو نَائِبه دون آحَاد النَّاس وَكَذَا لَو تَركهَا أهل حارة من الْقرْيَة الْكَبِيرَة أَو الْبَلَد وَلَو فِي بعض الْأَوْقَات كَمَا يَقع فِي غَالب الْقرى وَفِي أَطْرَاف حارات الْبلدَانِ وَيسْقط الْفَرْض بِفعل طَائِفَة من أهل الْبَلَد إِذا كَانُوا ذُكُورا بالغين أحرارا وَظهر بهم الشعار فَلَا يَكْفِي غير أهل الْبَلَد وَلَا النِّسَاء وَلَا الصّبيان وَلَا الأرقاء
وَجَمِيع فروض الْكِفَايَة لَا تسْقط بالصبيان كَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والحرف فَلَا تجب الْجَمَاعَة على النِّسَاء ومثلهن الخناثى وَلَا على من فِيهِ رق لاشتغالهم بِخِدْمَة السَّادة وَلَا على الْمُسَافِرين لَكِن الْجَمَاعَة فِي حَقهم إِذا كَانُوا فِي أَرض فلاة بِخَمْسِينَ دَرَجَة وَلَا على العراة بل هِيَ والانفراد فِي حَقهم سَوَاء إِلَّا أَن يَكُونُوا عميا أَو فِي ظلمَة فتسن لَهُم وَلَا فِي مقضية خلف مقضية من نوعها بل تسن
أما مقضية خلف مُؤَدَّاة أَو بِالْعَكْسِ أَو خلف مقضية لَيست من نوعها فَلَا تسن وَلَا تكره بل خلاف السّنة وَلَا فِي منذورة بل لَا تسن وَلَا تكره وَلَا خلاف الأولى فَتكون مُبَاحَة مَا لم تكن الْمَنْذُورَة من النَّوَافِل الَّتِي تسن فِيهَا الْجَمَاعَة فتستمر على سنيتها وَلَو نذر الْجَمَاعَة فِيهَا حِينَئِذٍ وَجَبت
أما الْجُمُعَة فالجماعة فِيهَا فرض عين لِأَنَّهَا شَرط فِي صِحَّتهَا وَكَذَا الْمُعَادَة والمجموعة تَقْدِيمًا بالمطر
وَالْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد
وَإِن قلت لغير الْمَرْأَة وَالْخُنْثَى أفضل مِنْهَا فِي غير الْمَسْجِد كالبيت وَإِن كثرت لِأَن الْمَسْجِد مُشْتَمل على الشّرف وشأنه ظُهُور الشعار وَكَثْرَة الْجَمَاعَة
أما الْمَرْأَة أَو الْخُنْثَى فجماعتهما فِي الْبَيْت وَإِن قلت أفضل مِنْهَا فِي الْمَسْجِد وَإِن كثرت بل يكره حُضُور الْمَسَاجِد لذوات الهيئات إِذا خرجن بِإِذن الزَّوْج وَلم تكن فتْنَة وَإِلَّا حرم وَتحصل فَضِيلَة الْجَمَاعَة بِصَلَاة الشَّخْص فِي بَيته بِزَوْجَتِهِ أَو ولد أَو رَقِيق أَو غير ذَلِك وَيُؤمر الصَّبِي بِحُضُور الْمَسَاجِد وجماعات الصَّلَاة ليعتادها وَهَذَا فِي غير الْأَمْرَد الْجَمِيل أما هُوَ فَحكمه حكم الْمَرْأَة
(وَهِي) أَي صَلَاة الْجَمَاعَة (بِجمع كثير أفضل) مِنْهَا فِي جَمِيع قَلِيل أَي مَا كثر جمعه من الْمَسَاجِد أفضل مِمَّا قل جمعه مِنْهَا وَمَا كثر جمعه من الْبيُوت أفضل مِمَّا قل جمعه مِنْهَا
وَذهب الْمُتَوَلِي إِلَى أَن الِانْفِرَاد فِي أحد الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد رَسُول الله وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى أفضل من الْجَمَاعَة خَارجه
(إِلَّا
стр. 116
لنَحْو بِدعَة إِمَامه) أَي الْكثير بِمَسْجِد قرب أَو بعيد أَي الْبِدْعَة الَّتِي لَا يكفر بهَا كمعتزلي ورافضي وقدري وَمثله الْفَاسِق وَالْمُتَّهَم بالبدعة أَو الْفسق تُهْمَة قَوِيَّة أَو كَانَ بِالْإِمَامِ وصف آخر يَقْتَضِي كَرَاهَة الِاقْتِدَاء بِهِ
(أَو تعطل مَسْجِد) قريب مِنْهُ أَو بعيد (عَنْهَا) أَي الْجَمَاعَة لغيبته عَنهُ لكَونه إِمَامه أَو يحضر النَّاس بِحُضُورِهِ فَصلَاته فِيهِ مَعَ قلَّة جماعته أفضل مِنْهَا فِي غَيره وَإِن كثر جمعه وَإِذا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامَة فِي مَسْجِد فَلم يحضر مَعَه أحد يُصَلِّي مَعَه وَجَبت عَلَيْهِ الصَّلَاة فِيهِ وَحده لِأَن عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ الصَّلَاة فِي هَذَا الْمَسْجِد والإمامة فِيهِ فَإِذا فَاتَ أَحدهمَا لَا يسْقط الآخر
(وتدرك جمَاعَة) أَي فضيلتها فِي غير الْجُمُعَة (مَا لم يسلم إِمَام) وَإِن لم يقْعد مَعَه بِأَن سلم عقب تحرمه وَيحرم عَلَيْهِ الْجُلُوس لِأَنَّهُ كَانَ للمتابعة وَقد فَاتَت بِسَلام الإِمَام فَإِن جلس عَامِدًا عَالما بطلت صلَاته أما الْجُمُعَة فَلَا تحصل الْجَمَاعَة فِيهَا إِلَّا بِرَكْعَة يُدْرِكهَا مَعَ الإِمَام محسوبة لَهُ
(و) تحصل فَضِيلَة تَكْبِيرَة (تحرم بِحُضُورِهِ) تَكْبِيرَة إِحْرَام الإِمَام (واشتغال بِهِ) أَي التَّحَرُّم (عقب تحرم إِمَامه) من غير تراخ فإدراك تحرم مَعَ الإِمَام فَضِيلَة أُخْرَى غير فَضِيلَة الْجَمَاعَة لخَبر الْبَزَّار لكل شَيْء صفوة وصفوة الصَّلَاة التَّكْبِيرَة الأولى فحافظوا عَلَيْهَا ويعذر فِي الوسوسة الْخَفِيفَة وَهِي مَا لَا يطول بهَا زمَان عرفا فَلَا تفوت فَضِيلَة التَّحَرُّم بِخِلَاف مَا لَو أَبْطَأَ لغير وَسْوَسَة وَلَو لمصْلحَة الصَّلَاة كالطهارة أَو لوسوسة ظَاهِرَة وَهِي بِحَيْثُ أدَّت إِلَى فَوَات الْقيام أَو معظمه أَو لم يحضر تحرم الإِمَام
(و) تدْرك (رَكْعَة) لمسبوق أدْرك الإِمَام رَاكِعا أَو فِي آخر مَحل قِرَاءَته بأمرين (بتكبيرة الْإِحْرَام) فيكبر الْمَسْبُوق للْإِحْرَام وجوبا ثمَّ للرُّكُوع ندبا فَإِن نواهما بتكبيرة وَاحِدَة مُقْتَصرا عَلَيْهَا لم تَنْعَقِد صلَاته لتشريكه بَين فرض وَسنة مَقْصُودَة فَأشبه نِيَّة الظّهْر وسنته
(و) بِإِدْرَاك (رُكُوع مَحْسُوب) للْإِمَام بِأَن يكون الإِمَام متطهرا فِي غير رَكْعَة زَائِدَة سَهَا بهَا (تَامّ) بِأَن يطمئن فِي رُكُوعه قبل ارْتِفَاع إِمَامه عَن أقل الرُّكُوع وَهُوَ بُلُوغ راحتيه رُكْبَتَيْهِ (يَقِينا) وَيحصل الْيَقِين بِرُؤْيَة الإِمَام فِي الْبَصِير مَعَ الضَّوْء أَو بِوَضْع يَده على ظَهره فِي الْأَعْمَى وَمن فِي ظلمَة أَو سَمَاعه تَسْبِيح الإِمَام فِي الرُّكُوع وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِك الظَّن وَلَا سَماع صَوت الْمبلغ بِخِلَاف مَا لَو لم يطمئن أَو اطْمَأَن بعد ارْتِفَاع الإِمَام عَن أقل الرُّكُوع أَو شكّ هَل اطْمَأَن قبل ذَلِك الِارْتفَاع لِأَن إِدْرَاك مَا قبل الرُّكُوع بِالرُّكُوعِ رخصَة فَلَا يُصَار إِلَيْهَا إِلَّا بِيَقِين فَلَا يَكْتَفِي بِغَلَبَة الظَّن خلافًا لزركشي وَيسْجد الشاك للسَّهْو لِأَنَّهُ شَاك بعد سَلام الإِمَام فِي عدد ركعاته فَلم يتحمله عَنهُ وَإِذا وجد للْإِمَام هَذِه الشُّرُوط أدْرك الرَّكْعَة وَلَو قصر بِتَأْخِير تحرمه إِلَى رُكُوع الإِمَام من غير عذر لقَوْله ﷺ من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة قبل أَن يُقيم الإِمَام صلبه فقد أدْركهَا
стр. 117
(و) يجب على الْمَسْبُوق أَن يُوَافق إِمَامه فِي فعل كسجود أدْركهُ مَعَه وَإِن لم يحْسب لَهُ وَإِلَّا بطلت صلَاته إِن علم وتعمد وَيُؤْخَذ من عدم حسبان السُّجُود أَنه لَا يجب عَلَيْهِ وضع الْأَعْضَاء السَّبْعَة وَلَا الطُّمَأْنِينَة فِي هَذَا السُّجُود لِأَنَّهُ لمحض الْمُتَابَعَة كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي وَيَأْتِي الْمَسْبُوق اسْتِحْبَابا بِرَفْع الْيَدَيْنِ عِنْد قيام الإِمَام من التَّشَهُّد الأول وَإِن لم يكن أَولا لَهُ
أما القولي وَلَو وَاجِبا كالتشهد الْأَخير فَلَا تجب مُوَافَقَته فِيهِ بل تسن وَحِينَئِذٍ (يكبر) ندبا (مَسْبُوق انْتقل مَعَه) أَي الإِمَام لانتقاله فَإِذا أدْركهُ معتدلا كبر للهوي وَمَا بعده مُوَافقَة لإمامه فِي تكبيره أَو سَاجِدا مثلا لم يكبر للهوي إِلَى السُّجُود لِأَنَّهُ لم يُتَابِعه فِيهِ وَلَيْسَ السُّجُود محسوبا لَهُ
وَخرج بِهَذَا مَا لَو أدْركهُ فِي سَجْدَة التِّلَاوَة فيكبر لِأَنَّهُ كإدراك الإِمَام فِي الرُّكُوع وَهُوَ مَحْسُوب لَهُ ويوافق الْمَسْبُوق إِمَامه اسْتِحْبَابا فِي أذكار مَا أدْركهُ مَعَه وَإِن لم يحْسب لَهُ كالتحميد وَالدُّعَاء حَتَّى عقب التَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ لِأَن الصَّلَاة لَا سكُوت فِيهَا
(و) يكبر الْمَسْبُوق ندبا أَيْضا للْقِيَام أَو بدله إِذا سلم الإِمَام (بعد سلاميه) فَيسنّ لَهُ انْتِظَار سَلَامه الثَّانِي لِأَنَّهُ من لواحق الصَّلَاة وَيجب انْتِظَار السَّلَام الأول فقيامه بِلَا نِيَّة مُفَارقَة قبل مِيم عَلَيْكُم مِنْهُ مُبْطل للصَّلَاة من عَالم عَامِد وَلَا يُقَال غَايَته أَنه سبق بِرُكْن والسبق بِرُكْن لَا يبطل لِأَن صَلَاة الإِمَام قد تمت وَإِن كَانَ سَاهِيا أَو جَاهِلا لم يعْتد بِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ حَتَّى يجلس وَلَو كَانَ الإِمَام سلم حَتَّى يقوم بعد سَلام الإِمَام وَمَتى علم وَلم يجلس بطلت صلَاته لعدم الْإِتْيَان بِالْجُلُوسِ الْوَاجِب عَلَيْهِ هَذَا (إِن كَانَ) أَي جُلُوسه مَعَ الإِمَام (مَوضِع جُلُوسه) لَو كَانَ مُنْفَردا كَأَن أدْركهُ فِي ثَانِيَة الْمغرب أَو ثَالِثَة الرّبَاعِيّة لِأَنَّهُ مَوضِع تَكْبِير الْمُنْفَرد وَغَيره بِلَا خلاف وَإِن لم يكن ذَلِك مَوضِع جُلُوسه لَو انْفَرد كَأَن أدْركهُ آخر رَكْعَة فَلَا يكبر بل يسكت ندبا فِي انْتِقَاله للْقِيَام أَو مَا قَامَ مقَامه لِأَنَّهُ غير مَحل تكبيره وَلَيْسَ فِيهِ مُوَافقَة لإمامه وَحرم حِينَئِذٍ مكثه بعد تسليمتي الإِمَام فَتبْطل صلَاته بِهِ إِن تَعَمّده وَعلم تَحْرِيمه وَزَاد على قدر جلْسَة الاسْتِرَاحَة وَإِلَّا فَلَا وَيسْجد للسَّهْو فَإِن مكث فِي مَحل جُلُوسه لَو كَانَ مُنْفَردا جَازَ وَإِن طَال وَمَا أدْركهُ الْمَسْبُوق مَعَ الإِمَام مِمَّا يعْتد لَهُ بِهِ فَهُوَ أول صلَاته وَمَا يَأْتِي بِهِ بعد سَلَامه آخرهَا لقَوْله ﷺ مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا وإتمام الشَّيْء إِنَّمَا يكون بعد أَوله فَيُعِيد فِي الْبَاقِي الْقُنُوت وَالتَّشَهُّد وَسُجُود السَّهْو
(وَشرط لقدوة) اثْنَا عشر
الأول (نِيَّة اقْتِدَاء أَو جمَاعَة مَعَ تحرم) فَلَو ترك هَذِه النِّيَّة أَو شكّ فِيهَا وَتَابعه فِي فعل أَو سَلام بعد انْتِظَار كثير عرفا للمتابعة بطلت صلَاته لِأَنَّهُ وَقفهَا على صَلَاة غَيره بِلَا رابطة بَينهمَا فَهُوَ متلاعب أَو فِي حكمه وَلَا فرق بَين الْعَالم بِالْمَنْعِ وَالْجَاهِل بِهِ
وَخرج الِانْتِظَار الْيَسِير أَو الْكثير اتِّفَاقًا أَي لَا بِقصد الْمُتَابَعَة فَلَيْسَ مُبْطلًا (وَنِيَّة إِمَامَة) أَو نَحْوهَا مَعَ تحرم وَاجِبَة على الإِمَام اذا كَانَت الْجَمَاعَة شرطا فِي صِحَة صلَاته وَذَلِكَ فِي الْجُمُعَة والمعادة والمجموعة بالمطر
و (سنة لإِمَام فِي غير) مَا ذكر من (جُمُعَة) وتالييها نعم لَو
стр. 118
كَانَ إِمَام الْجُمُعَة زَائِدا على الْأَرْبَعين وَلم يكن من أهل وُجُوبهَا كالرقيق وَكَانَ نَاوِيا غير الْجُمُعَة كالظهر لَا تجب عَلَيْهِ نِيَّة الْجَمَاعَة بل تسن
(و) الثَّانِي (عدم تقدم على إِمَام) فِي الْموقف بِأَن يتَأَخَّر عَنهُ أَو يُسَاوِيه فَإِن تقدم عَلَيْهِ فِي أثْنَاء الصَّلَاة بطلت أَو عِنْد التَّحَرُّم لم تَنْعَقِد كالتقدم بتكبيرة الْإِحْرَام قِيَاسا للمكان على الزَّمَان نعم يسْتَثْنى من ذَلِك صَلَاة شدَّة الْخَوْف فَإِنَّهُ لَا يضر فِيهَا تقدم الْمَأْمُوم على الإِمَام للْعُذْر وَلَو شكّ هَل هُوَ مُتَقَدم أم لَا كَأَن كَانَ فِي ظلمَة صحت صلَاته مُطلقًا أَي سَوَاء جَاءَ من قُدَّام الإِمَام أَو من خَلفه وَالِاعْتِبَار فِي التَّقَدُّم وَغَيره للقائم (بعقب) وَهُوَ مُؤخر الْقدَم فَلَو تَسَاويا فِي الْعقب وَتَقَدَّمت أَصَابِع الْمَأْمُوم لم يضر إِلَّا إِن كَانَ اعْتِمَاده على أَصَابِعه وللقاعد بالألية وَمِنْه الرَّاكِب فالاعتبار فِيهِ بالألية وللساجد برؤوس الْأَصَابِع وللمصلوب بالكتف وللمقطوعة رجله بِمَا اعْتمد عَلَيْهِ وللمضطجع بالجنب وللمستلقي بِالرَّأْسِ
وَالْحَاصِل أَن أَحْوَال الْمَأْمُوم سِتَّة إِمَّا أَن يكون قَائِما أَو قَاعِدا أَو مُضْطَجعا أَو مُسْتَلْقِيا أَو مُعْتَمدًا على خشبتين مثلا أَو مصلوبا
وأحوال الإِمَام خَمْسَة وَهِي مَا عدا المصلوب لِأَن المصلوب تلْزمهُ الْإِعَادَة وَشرط الإِمَام أَلا تلْزمهُ الْإِعَادَة وَسِتَّة فِي خَمْسَة بِثَلَاثِينَ صُورَة
وَالضَّابِط فِيهَا أَن يُقَال لَا يَصح أَن يتَقَدَّم الْمَأْمُوم بِجَمِيعِ مَا اعْتمد عَلَيْهِ على جُزْء مِمَّا اعْتمد عَلَيْهِ الإِمَام (وَندب وقُوف ذكر) وَلَو صَبيا اقْتدى وَحده بمصل (عَن يَمِين الإِمَام مُتَأَخِّرًا) عَنهُ (قَلِيلا) عرفا لِلِاتِّبَاعِ واستعمالا للأدب بِأَن لَا يزِيد مَا بَينهمَا على ثَلَاثَة أَذْرع فَإِن زَاد كره وَكَانَ مفوتا لفضيلة الْجَمَاعَة
قَالَ الشبراملسي وَلَا يتَوَقَّف حُصُول السّنة على زِيَادَة الْقرب بِحَيْثُ يُحَاذِي بعض بدن الْمَأْمُوم بعض بدن الإِمَام فِي الرُّكُوع أَو السُّجُود (فَإِن جَاءَ) ذكر (آخر أحرم عَن يسَاره ثمَّ) تقدم الإِمَام أَو (تأخرا) فِي الْقيام وَمِنْه الِاعْتِدَال لِأَنَّهُ قيام فِي الصُّورَة فَإِن لم يكن بيسار الإِمَام مَحل أحرم خَلفه ثمَّ تَأَخّر إِلَيْهِ من هُوَ على الْيَمين ويصطفان وَرَاءه وتأخرهما أفضل من تقدمه إِن أمكن كل من التَّقَدُّم والتأخر وَإِلَّا فعل الْمُمكن
(و) ندب وقُوف (رجلَيْنِ) أَو صبيين أَو صبي وَبَالغ (أَو رجال) حَضَرُوا ابْتِدَاء (خَلفه) كامرأة فَأكْثر وَيسن أَن يقف خَلفه رجال لفضلهم فصبيان إِن استوعب الرِّجَال الصَّفّ وَإِلَّا كمل بهم أَو ببعضهم فخناثى لاحْتِمَال ذكورتهم فنساء لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِك وَلَا يكمل بالخناثى وَلَا بِالنسَاء صف غَيرهم وَأَن تقف إمامتهن فِي وسطهن من غير تقدم فَلَو أمهن غير امْرَأَة قدم عَلَيْهِنَّ وكالمرأة عَار أَو عُرَاة بصراء فِي ضوء
(و) سنّ للرِّجَال وقوفهم (فِي صف أول) لِأَنَّهُ أفضل صُفُوف الرِّجَال
أما الخناثى وَالنِّسَاء
стр. 119
فأفضل صفوفهم آخرهَا لبعده عَن الرِّجَال وَإِن لم يكن فيهم رجل غير الإِمَام سَوَاء كن إِنَاثًا فَقَط أَو خناثى فَقَط أَو الْبَعْض من هَؤُلَاءِ وَالْبَعْض من هَؤُلَاءِ فالأخير من الخناثى أفضلهم والأخير من النِّسَاء أفضلهن (ثمَّ مَا يَلِيهِ) أَي الصَّفّ الأول فِي حق الرِّجَال والصف الْأَخير فِي حق غَيرهم وَهَكَذَا وَهَذَا فِي غير صَلَاة الْجِنَازَة
أما هِيَ فتستوي صفوفها فِي الرُّتْبَة عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس لطلب تعدد الصُّفُوف فِيهَا وَأفضل كل صف يَمِينه ثمَّ يسَاره وَمَتى سبق وَاحِد إِلَى الصَّفّ الأول لم يجز لغيره تَأْخِيره إِلَّا فِي مسَائِل الأولى أَن يكون مِمَّن يتَأَذَّى بِهِ الْقَوْم لرائحة كريهة كصنان وَنَحْوه الثَّانِيَة إِذا حضر العَبْد بِإِذن السَّيِّد إِلَى الصَّفّ الأول فللسيد تَأْخِيره
الثَّالِثَة إِذا تقدم إِلَى الصَّفّ الأول من لَيْسَ من أَهله لَكِن لَو حضر الصّبيان أَولا ثمَّ حضر الرِّجَال لم يؤخروا من مكانهم بِخِلَاف من عداهم
الرَّابِعَة إِذا تقدم خلف الإِمَام من لَا يصلح للاستخلاف فَيَنْبَغِي أَن يُؤَخر ويتقدم خلف الإِمَام من يصلح للْإِمَامَة
(وَكره) لمأموم (انْفِرَاد) عَن صف من جنسه إِن وجد سَعَة بل يدْخل الصَّفّ حِينَئِذٍ وَله أَن يخرق الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ فَمَا فَوْقه لأَجلهَا لأجل تقصيرهم بِتَرْكِهَا وَلَا يتَقَيَّد خرق الصُّفُوف فِي هَذَا بصفين بل يتَقَيَّد بِهِ تخطي الرّقاب الْآتِي فِي الْجُمُعَة فَإِن لم يجد سَعَة أحرم ثمَّ بعد إِحْرَامه إِذا لم يجد من يصطف مَعَه جر إِلَيْهِ شخصا من الصَّفّ ليصطف مَعَه
وَسن لمجروره مساعدته لِأَنَّهُ من بَاب المعاونة على الْبر وَلَا يفوتهُ ثَوَاب الصَّفّ الَّذِي كَانَ فِيهِ لِأَنَّهُ لم يخرج مِنْهُ إِلَّا لعذر شَرْعِي
وسنية الْجَرّ لَهَا شُرُوط خَمْسَة أَن يكون الْمَجْرُور حرا وَأَن يجوز مُوَافَقَته لَهُ وَأَن يكون الصَّفّ الْمَجْرُور مِنْهُ أَكثر من اثْنَيْنِ وَأَن يكون فِي الْقيام وَبعد الْإِحْرَام وَإِلَّا فَلَا يسن الْجَرّ وَلَو أمكنه أَن يصطف مَعَ الإِمَام حِينَئِذٍ فَلهُ أَن يخرق الصَّفّ لذَلِك وَلَو كَانَ الصَّفّ الَّذِي أَمَامه اثْنَيْنِ فَقَط وَالْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ وَاسع فَلهُ أَن يجرهما ليصطفا مَعَه والانفراد عَن الصَّفّ مَعَ إِمْكَان الدُّخُول فِيهِ مفوت لفضيلة الْجَمَاعَة لِأَن ارْتِكَاب الْمَكْرُوه من حَيْثُ الْجَمَاعَة يفوتها
(و) حِينَئِذٍ كره (شُرُوع فِي صف قبل إتْمَام مَا قبله) وَفِي فَتَاوَى مُحَمَّد الرَّمْلِيّ أَن الصُّفُوف الْمُقطعَة تحصل لَهُم فَضِيلَة الْجَمَاعَة دون فَضِيلَة الصَّفّ وَالْمُعْتَمد الأول
نعم إِن كَانَ تأخرهم عَن سد الفرجة لعذر كوقت الْحر بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام لم يكره لعدم التَّقْصِير فَلَا تفوتهم الْفَضِيلَة
(و) الثَّالِث (علم بانتقالات إِمَام) بِرُؤْيَتِهِ أَو رُؤْيَة صف أَو بعضه أَو سَماع صَوته أَو صَوت مبلغ ثِقَة أَو برابطة وَهُوَ شخص يقف أَمَام منفذ كالباب ليرى الإِمَام أَو بعض الْمَأْمُومين فيتبعه من بجانبه أَو خَلفه وَإِن لم يعلم بانتقالات الإِمَام اكْتفى بِعِلْمِهِ بانتقالات الرابطة فَيكون الرابطة كَالْإِمَامِ لَهُم فَيشْتَرط أَلا يتقدموا عَلَيْهِ فِي الْموقف وَلَا فِي الْإِحْرَام وَأَن يكون مِمَّن تصح إِمَامَته لَهُم
стр. 120
وَألا يخالفوه فِي أَفعاله وَإِن خَالف الإِمَام حَتَّى لَو كَانَ بطيء الْقِرَاءَة وتخلف بِثَلَاثَة أَرْكَان طَوِيلَة وَجب عَلَيْهِم التَّأَخُّر مَعَه وَإِذا بطلت صلَاته تابعوا الإِمَام الْأَصْلِيّ إِن علمُوا بانتقالاته وَإِلَّا وَجب عَلَيْهِم نِيَّة الْمُفَارقَة وَمَتى كَانَ بَين الإِمَام وَالْمَأْمُوم حَائِل فَلَا بُد من الرابطة بِالْوَجْهِ الْمُتَقَدّم وَبِمَا تقرر علم أَنه لَا يَصح اقْتِدَاء أعمى أَصمّ إِلَّا بهداية ثِقَة لَهُ وَأَنه لَا بُد من كَون الْأَفْعَال فِي صَلَاة الإِمَام ظَاهِرَة
(و) الرَّابِع (اجْتِمَاعهمَا) أَي الإِمَام وَالْمَأْمُوم (بمَكَان) بِأَن لَا تزيد الْمسَافَة بَينهمَا وَلَا بَين كل صفّين أَو شَخْصَيْنِ مِمَّن ائتم بِالْإِمَامِ خَلفه أَو بجانبه على ثَلَاثمِائَة ذِرَاع بِذِرَاع الْآدَمِيّ تَقْرِيبًا فيغتفر زِيَادَة ثَلَاثَة أَذْرع فَأَقل وَهَذَا الشَّرْط عَام فِيمَن وقف فِي علو وإمامه فِي سفل أَو عَكسه على مَا رَجحه النَّوَوِيّ خلافًا لمن قَالَ بِشَرْط الْمُحَاذَاة لمن ذكر بِحَيْثُ تكون رَأس الْأَسْفَل المعتدل الْقَامَة تلاقي قدم الْأَعْلَى لَو ذهب الْمُقدم إِلَى الْخلف وَلَا يجب فِي الفضاء غير ذَلِك فَإِن كَانَا فِي بِنَاء أَو بناءين أَو كَانَ أَحدهمَا فِي فضاء وَالْآخر فِي بِنَاء والجميع غير مَسْجِد اشْترط مَعَ مَا مر آنِفا عدم حَائِل بَينهمَا يمْنَع الرُّؤْيَة أَو الاستطراق العادي بِحَيْثُ لَو أَرَادَ الْوُصُول للْإِمَام لَا يُمكنهُ أَو يستدبر الْقبْلَة وَيُقَال لهَذَا إزورار وانعطاف فَلَا يضر كَونهَا عَن يَمِينه أَو يسَاره على فرض وُصُوله للْإِمَام وَعلم من تَصْوِير منع الْمُرُور العادي بِمَا ذكر أَن اعْتِبَار الْمُرُور العادي فِي كل مَكَان بِحَسبِهِ وَلَو كَانَ الْوُصُول إِلَى الإِمَام بانحناء مثلا فالمدار على إِمْكَان الْوُصُول إِلَى الإِمَام من غير استدبار الْقبْلَة فَلَو حَال بَينهمَا جِدَار لَا بَاب فِيهِ أَو بَاب مسمر أَو مغلق أَو مَرْدُود أَو شباك منع صِحَة الِاقْتِدَاء وَلَيْسَ من الْحَائِل النَّهر وَلَو أحْوج إِلَى سباحة وَلَا الشَّارِع وَإِن كثر طروقه فَلَو كَانَ أَحدهمَا بدكان وَالْآخر بِأُخْرَى فِي الصَّفّ الْمُقَابل لَهُ صَحَّ وَلَو وقف أَحدهمَا بسطح وَالْآخر بسطح آخر فِي صف ثَان صَحَّ إِن كَانَ يُمكن الْوُصُول من أحد السطحين إِلَى الآخر كَأَن يَجْعَل بَينهمَا نَحْو إسقالة
(فَإِن كَانَا بِمَسْجِد) فالمدار على الْعلم بالانتقالات بطرِيق من الطّرق الْمُتَقَدّمَة وَحِينَئِذٍ (صَحَّ الِاقْتِدَاء) وَإِن بَعدت الْمسَافَة بَينهمَا وزادت على ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَلَا بُد من إِمْكَان الْوُصُول إِلَى الإِمَام وَلَو بازورار وانعطاف نعم لَا يضر الْبَاب المغلق وَلَا الْمَرْدُود من غير إغلاق بِالْأولَى وَالْبَاب المسمر يضر فِي الِابْتِدَاء دون الدَّوَام وَمثله مَا لَو كَانَ بسطح أَو دكة لَا مرقى لَهَا فَيضر ابْتِدَاء لَا دواما لِأَنَّهُ يغْتَفر فِي الدَّوَام مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء فَلَو حَال بَينهمَا جِدَار لَا بَاب فِيهِ أَو شباك ضرّ لعدم إِمْكَان الْوُصُول وَلَو كَانَ أَحدهمَا بعلو كسطح الْمَسْجِد أَو منارته وَالْآخر بسفل كسردابه أَو بِئْر فِيهِ لَا يضر وَلَو حَال بَينهمَا نهر أَو طَرِيق قديم بِأَن سبقا وجود الْمَسْجِد بل أَو قارناه كَانَ كَمَا لَو كَانَ أَحدهمَا فِي مَسْجِد وَالْآخر فِي غَيره وَسَيَأْتِي حكمه بِخِلَاف مَا لَو كَانَ النَّهر طارئا بعد المسجدية فَلَا عِبْرَة بِهِ والمساجد المتلاصقة الَّتِي تفتح أَبْوَاب بَعْضهَا إِلَى بعض كمسجد وَاحِد
(وَلَو كَانَ أَحدهمَا فِيهِ وَالْآخر خَارجه) كَأَن كَانَ الإِمَام فِي الْمَسْجِد وَالْمَأْمُوم خَارجه اعْتبرت الْمسَافَة الْمُتَقَدّمَة من آخر الْمَسْجِد لِأَن الْمَسْجِد مَبْنِيّ للصَّلَاة فَلَا يدْخل فِي الْحَد الْفَاصِل وَمن آخر صف خَارج عَن الْمَسْجِد إِذا خرجت الصُّفُوف عَن الْمَسْجِد وَفِي الْحَائِل مَا مر فِي غير الْمَسْجِد
стр. 121
فَلَو كَانَ الْمَأْمُوم فِي الْمَسْجِد وَالْإِمَام خَارجه اعْتبرت الْمسَافَة من طرفه الَّذِي يَلِي الإِمَام (شَرط عدم حَائِل) كَمَا مر (أَو) حَال بَينهمَا حَائِل فِيهِ بَاب نَافِذ شَرط (وقُوف وَاحِد) مثلا (حذاء منفذ) وَهَذَا الْوَاقِف كَالْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ لمن خَلفه لَا يحرمُونَ قبله وَلَا يَرْكَعُونَ قبل رُكُوعه وَلَا يسلمُونَ قبل سَلَامه وَلَا يتَقَدَّم المقتدى عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مُتَأَخِّرًا عَن الإِمَام وَمَعَ ذَلِك لَو سمع قنوت الرابطة لَا يُؤمن عَلَيْهِ لِأَن الْعبْرَة فِي ذَلِك بِالْإِمَامِ الْأَصْلِيّ كَذَا قَالَ الشبراملسي
(و) الْخَامِس (مُوَافقَة) للْإِمَام (فِي سنَن تفحش مُخَالفَة فِيهَا) فعلا وتركا كسجدة تِلَاوَة وَتشهد أول على تَفْصِيل فِيهِ تقدم بِخِلَاف مَا لَا تفحش الْمُخَالفَة فِيهِ كجلسة الاسْتِرَاحَة فَلَا تضر مُخَالفَة الإِمَام فِي ذَلِك فعلا وتركا
وَالسَّادِس تَبَعِيَّة الإِمَام فِي الْأَفْعَال والأقوال وَهُوَ تَأَخّر ابْتِدَاء تحرم الْمَأْمُوم عَن انْتِهَاء تحرم الإِمَام يَقِينا فَلَو قارنه فِي حرف من التَّكْبِير لم تَنْعَقِد صلَاته وَمحل هَذَا الشَّرْط فِيمَا لَو كَانَ الْمَأْمُوم مقتديا من ابْتِدَاء صلَاته أما لَو نوى الِاقْتِدَاء فِي أثْنَاء صلَاته فَلَا يشْتَرط تَأَخّر تحرمه عَن تحرم الإِمَام الَّذِي نوى الِاقْتِدَاء بِهِ فِي الْأَثْنَاء بل يَصح تقدمه عَلَيْهِ وَكَذَا لَو كبر الْمَأْمُوم عقب تَكْبِير الإِمَام ثمَّ طَرَأَ للْإِمَام شكّ فِي تكبيره فَكبر ثَانِيًا خُفْيَة وَلم يعلم بِهِ الْمَأْمُوم لَا يضر على الْمُعْتَمد وَصَلَاة الْمَأْمُوم حِينَئِذٍ فُرَادَى وَعدم سبقه على إِمَامه بركنين فعليين وَلَو غير طويلين
(وَعدم تخلف عَن إِمَام بركنين فعليين) تامين وَإِن لم يَكُونَا طويلين (بِلَا عذر مَعَ تعمد وَعلم) بِالْمَنْعِ كَأَن يهوي الإِمَام للسُّجُود وَالْمَأْمُوم فِي قيام الْقِرَاءَة فَلَا يتَحَقَّق السَّبق والتخلف بركنين إِلَّا إِذا انْفَصل عَن الثَّانِي مِنْهُمَا فَإِن خَالف فِي السَّبق أَو التَّخَلُّف بهما لغير عذر بطلت صلَاته لفحش الْمُخَالفَة بِلَا عذر بِخِلَاف سبقه بهما نَاسِيا أَو جَاهِلا وَمَتى تذكر أَو علم وَجب عَلَيْهِ الْعود لموافقة الإِمَام فَإِن لم يعد بطلت صلَاته فَإِن اسْتمرّ سَهْوه أَو جَهله فَلَا بطلَان لَكِن لَا يعْتد بِتِلْكَ الرَّكْعَة فَيَأْتِي بعد سَلام إِمَامه بِرَكْعَة وَبِخِلَاف سبقه بِرُكْن كَأَن ركع قبله وابتدأ رفع الِاعْتِدَال وَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق سبقه بِرُكْن وَأما إِذا اسْتمرّ فِي الرُّكُوع وَلم يبتدىء رفع الِاعْتِدَال فَلَا يُقَال سبقه بِرُكْن بل يُقَال سبقه بِبَعْض ركن وكل مِنْهُمَا لَا تبطل بِهِ الصَّلَاة لِأَنَّهُ يسير لكنه فِي الْفعْلِيّ بِلَا عذر حرَام وَهُوَ كَبِيرَة إِن كَانَ بِرُكْن وصغيرة إِن كَانَ بِبَعْضِه وَقيل كَبِيرَة أَيْضا
وَأما مُجَرّد رفع الرَّأْس من الرُّكْن كالركوع من غير وُصُول للركن الَّذِي بعده فمكروه كَرَاهَة تَنْزِيه وَمثل رفع الرَّأْس من الرُّكْن الْهَوِي مِنْهُ إِلَى ركن آخر كالهوي من الِاعْتِدَال من غير وُصُول للسُّجُود وَبِخِلَاف سبقه بركنين غير فعليين كَقِرَاءَة وركوع أَو تشهد وَصَلَاة على النَّبِي ﷺ وَلَا تجب إِعَادَة ذَلِك وَبِخِلَاف تخلفه بفعلي مُطلقًا أَو بفعليين بِعُذْر وَبِخِلَاف الْمُقَارنَة فِي غير التَّحَرُّم لَكِنَّهَا فِي الْأَفْعَال مَكْرُوهَة مفوتة لفضيلة الْجَمَاعَة فِيمَا قَارن فِيهِ لَا فِي جَمِيع الصَّلَاة
وَأما ثَوَاب الصَّلَاة فَلَا يفوت بذلك فقد صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذا صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة أَن الْمُحَقِّقين على حُصُول الثَّوَاب فالمكروه أولى
(و) عدم تخلف عَن الإِمَام (بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة
стр. 122
أَرْكَان طَوِيلَة) وَهِي الْمَقْصُودَة فِي نَفسهَا فَلَا يحْسب مِنْهَا الْقصير وَهُوَ الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ بِأَن يَنْتَهِي الإِمَام إِلَى الْجُلُوس للتَّشَهُّد أَو الْقيام وَالْمَأْمُوم فِي الْقيام (بِعُذْر أوجبه) أَي اقْتضى وجوب ذَلِك التَّخَلُّف (كإسراع إِمَام قِرَاءَة) وحركة مَعَ بطء الْمَأْمُوم فِي حركاته أَو فِي قِرَاءَته الْوَاجِبَة لنَحْو عجز لِسَانه بِخِلَاف قِرَاءَة السُّورَة فَإِنَّهُ لَا يتَأَخَّر لَهَا وَإِلَّا بطلت صلَاته بِتمَام ركنين فعليين كالتخلف لوسوسة بِأَن كَانَ يردد الْكَلِمَات من غير مُوجب (وانتظار مَأْمُوم سكتته) أَي الإِمَام فَإِذا سبق بِثَلَاثَة طَوِيلَة كالركوع والسجدتين فِي التَّخَلُّف لإتمام الْفَاتِحَة (فليوافق) إِمَامه وجوبا إِن لم ينْو مُفَارقَته (فِي) الرُّكْن (الرَّابِع) وَهُوَ الْقيام أَو الْجُلُوس للتَّشَهُّد فِي هَذِه الصُّورَة وَيتْرك تَرْتِيب نَفسه (ثمَّ يتدارك) بعد سَلام الإِمَام مَا بَقِي عَلَيْهِ
وَالْحَاصِل أَنه قد يعرض للْمَأْمُوم أعذار تجوز لَهُ أَن يتَخَلَّف عَن إِمَامه بِثَلَاثَة أَرْكَان طَوِيلَة وَذَلِكَ فِي أَربع عشرَة مَسْأَلَة الأولى أَن يكون الْمَأْمُوم بطيء الْقِرَاءَة لعجز خلقي كثقل لِسَانه أَو للترتيل لَا للوسوسة وَالْإِمَام معتدلها وَكَانَ الْمَأْمُوم مُوَافقا بِأَن أحرم وَأدْركَ مَعَ الإِمَام زَمنا يسع الْفَاتِحَة بِالنِّسْبَةِ للوسط المعتدل لَا بِالنِّسْبَةِ لقرَاءَته وَلَا لقِرَاءَة إِمَامه فَأَتمَّ الإِمَام فاتحته وَركع قبل أَن يتم الْمَأْمُوم فَيجب على الْمَأْمُوم حِينَئِذٍ التَّخَلُّف لإتمام فاتحته لكَونه مُوَافقا وَيغْتَفر لَهُ التَّخَلُّف بِثَلَاثَة أَرْكَان طَوِيلَة وَهِي الرُّكُوع والسجودان فَلَا يحْسب مِنْهَا الِاعْتِدَال وَلَا الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا ركنان قصيران ثمَّ إِن أتم الْمَأْمُوم فاتحته قبل أَن يتلبس الإِمَام بالركن الرَّابِع وَهُوَ الْقيام أَو قبل أَن يجلس للتَّشَهُّد الأول أَو الْأَخير جرى على نظم صَلَاة نَفسه فيركع ويعتدل وَيسْجد السجودين فَإِذا فرغ من ذَلِك وَقَامَ فَوجدَ الإِمَام رَاكِعا فِي الثَّانِيَة ركع مَعَه وَسَقَطت عَنهُ الْفَاتِحَة فَإِن اطْمَأَن فِي الثَّانِيَة يَقِينا قبل رفع الإِمَام عَن أقل الرُّكُوع أدْرك الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَإِلَّا فَاتَتْهُ فيتدارك رَكْعَة بعد سَلام الإِمَام وَإِن وجد الإِمَام فِي الْقيام قبل أَن يرْكَع وقف مَعَه فَإِن أدْرك مَعَه قبل الرُّكُوع زَمنا يسع الْفَاتِحَة بِالنِّسْبَةِ للوسط المعتدل فَهُوَ مُوَافق فَيجب عَلَيْهِ إتْمَام الْفَاتِحَة وَيغْتَفر لَهُ التَّخَلُّف بِثَلَاثَة أَرْكَان طَوِيلَة كَمَا تقدم
وَإِن لم يدْرك مَعَ الإِمَام زَمنا يسع الْفَاتِحَة فَهُوَ مَسْبُوق يقْرَأ مَا أمكنه من الْفَاتِحَة وَمَتى ركع الإِمَام وَجب عَلَيْهِ الرُّكُوع مَعَه وَإِن وجد الإِمَام فِيمَا بعد الرُّكُوع وَافقه فِيمَا هُوَ فِيهِ وتدارك بعد سَلام الإِمَام مَا فَاتَهُ وَإِن لم يتم الْمَأْمُوم فاتحته حَتَّى تلبس الإِمَام بالركن الرَّابِع وَهُوَ الْقيام وَافقه وَبنى على مَا تقدم من قِرَاءَته وَلَا يجْرِي على نظم صَلَاة نَفسه فَإِن جرى على ذَلِك عَامِدًا عَالما بطلت صلَاته وَإِن كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا فَلَا بطلَان لَكِن لَا يعْتد بِمَا أَتَى بِهِ ثمَّ إِذا أَرَادَ الإِمَام الرُّكُوع فِي الثَّانِيَة وَكَانَ الْمَأْمُوم أتم فاتحته ركع مَعَه وحسبت للْمَأْمُوم رَكْعَة ملفقة من قيام الأولى وقراءتها وَمن رُكُوع الثَّانِيَة واعتدالها وسجودها وَإِذا لم يكن الْمَأْمُوم أتم فاتحته عِنْد إِرَادَة الإِمَام الرُّكُوع فِي الثَّانِيَة وَجب عَلَيْهِ نِيَّة الْمُفَارقَة فَإِن تخلف بِلَا نِيَّة مُفَارقَة عَامِدًا عَالما بطلت صلَاته
هَذَا إِن كَانَ تخلف الْمَأْمُوم فِي رَكْعَة أولى أَو ثَالِثَة من الرّبَاعِيّة
فَلَو كَانَ
стр. 123
تخلفه فِي رَكْعَة ثَانِيَة أَو ثَالِثَة من الثلاثية أَو رَابِعَة من الرّبَاعِيّة وَجلسَ الإِمَام للتَّشَهُّد الأول أَو الْأَخير وَالْمَأْمُوم فِي قيام الْقِرَاءَة وَجب عَلَيْهِ قطع الْقيام وَالْجُلُوس مَعَ الإِمَام ثمَّ إِذا قَامَ بعد التَّشَهُّد وَجب عَلَيْهِ اسْتِئْنَاف الْقِرَاءَة وَلَا يَبْنِي على مَا تقدم وَيجْرِي فِيهِ مَا سبق حَيْثُ كَانَت الْقدْوَة بَاقِيَة
أما الوسوسة فَلَيْسَتْ عذرا فَلَو ركع إِمَامه قبل أَن يتم هُوَ فاتحته بِسَبَب الوسوسة وَجب عَلَيْهِ التَّخَلُّف لإتمامها وَلَا يضر ذَلِك فِي صِحَة صلَاته مَا لم يسْبق بركنين
فَمَتَى أَرَادَ إِمَامه الْهَوِي للسُّجُود قبل أَن يتم فاتحته وَجَبت عَلَيْهِ نِيَّة الْمُفَارقَة فَإِن لم ينْو الْمُفَارقَة عَامِدًا عَالما وَهوى الإِمَام للسُّجُود بطلت صلَاته
الثَّانِيَة من شكّ قبل رُكُوعه وَبعد رُكُوع إِمَامه هَل قَرَأَ الْفَاتِحَة أم لَا فَيجب عَلَيْهِ التَّخَلُّف لقراءتها وَيغْتَفر لَهُ ثَلَاثَة أَرْكَان طَوِيلَة وَيَأْتِي فِيهَا وَفِيمَا يَأْتِي من بَقِيَّة الْمسَائِل جَمِيع مَا تقدم وَمثل الشَّك الْعلم بِالْأولَى فَإِن كَانَ ذَلِك بعد رُكُوعه وركوع إِمَامه لم يجز لَهُ الْعود إِلَى الْقيام بل يُوَافق إِمَامه ويتدارك بعد سَلام الإِمَام مَا فَاتَهُ
الثَّالِثَة من نسي أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يقْرَأ حَتَّى ركع إِمَامه فيتخلف كَمَا تقدم
الرَّابِعَة من ذهل عَن الْفَاتِحَة حَتَّى ركع إِمَامه ثمَّ تذكر قبل أَن يرْكَع مَعَ إِمَامه فَإِن تذكر بعد أَن ركع مَعَه وَافق إِمَامه كَمَا تقدم ويتدارك بعد سَلام الإِمَام مَا فَاتَهُ
الْخَامِسَة لَو عدل الْمُوَافق عَن الْفَاتِحَة وأتى بِسنة كدعاء افْتِتَاح أَو تعوذ وَكَانَ يظنّ إِدْرَاك الْفَاتِحَة مَعَ ذَلِك فَإِن تحقق فَوت الْفَاتِحَة لَو اشْتغل بِالسنةِ فَلَا عذر فِي التَّخَلُّف بل إِن أتم الْفَاتِحَة وَأدْركَ الإِمَام فِي الرُّكُوع أدْرك الرَّكْعَة وَإِلَّا فَاتَتْهُ الرَّكْعَة ويوافق الإِمَام فِيمَا هُوَ فِيهِ وَلَا يجْرِي على نظم صَلَاة نَفسه فَإِن فَاتَهُ الإِمَام بركنين فعليين وَلم ينْو الْمُفَارقَة بطلت صلَاته
السَّادِسَة إِذا انْتظر الْمَأْمُوم سكُوت الإِمَام بعد الْفَاتِحَة ليقْرَأ هُوَ فِيهِ فَرَكَعَ عَقبهَا
السَّابِعَة إِذا أسْرع الإِمَام فِي التَّشَهُّد الأول وَقَامَ وتخلف الْمَأْمُوم لإتمامه وَبعد أَن أتمه قَامَ وَلم يدْرك مَعَ الإِمَام زَمنا يسع الْفَاتِحَة
الثَّامِنَة إِذا نَام الْمَأْمُوم فِي التَّشَهُّد الأول مُتَمَكنًا فَلَمَّا أَفَاق قَامَ وَلم يدْرك مَعَه زَمنا يسع الْفَاتِحَة
التَّاسِعَة لَو رفع الإِمَام رَأسه من السُّجُود الثَّانِي فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة مكبرا فَظن الْمَأْمُوم أَنه جلس للتَّشَهُّد الأول فَجَلَسَ هُوَ فَإِذا الإِمَام قَامَ وَترك التَّشَهُّد الأول
الْعَاشِرَة لَو سمع الْمَأْمُوم تَكْبِيرا وَهُوَ فِي أثْنَاء الْفَاتِحَة فَظَنهُ تَكْبِيرَة الإِمَام للرُّكُوع فَترك بَاقِي الْفَاتِحَة وَركع ثمَّ تبين لَهُ أَن الإِمَام بَاقٍ فِي قِيَامه فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْعود لتكميل الْفَاتِحَة
الْحَادِيَة عشرَة كَانَ فِي السُّجُود فنسي أَنه مقتد بِالْإِمَامِ وَاسْتمرّ نسيانه حَتَّى ركع إِمَامه
الثَّانِيَة عشرَة من شكّ فِي الزَّمَان الَّذِي أدْركهُ مَعَ الإِمَام بعد الْإِحْرَام هَل يسع الْفَاتِحَة أم لَا
الثَّالِثَة عشرَة من نذر على نَفسه قِرَاءَة سُورَة فِي الصَّلَاة عقب الْفَاتِحَة فَرَكَعَ الإِمَام قبل قرَاءَتهَا فَلهُ التَّخَلُّف ليَأْتِي بهَا
الرَّابِعَة عشرَة من شكّ قبل رُكُوعه وَبعد رُكُوع إِمَامه فِي حُرُوف الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا شكّ فِيهِ وَبَعْضهمْ يَجْعَل التَّخَلُّف للترتيل مَسْأَلَة مُسْتَقلَّة فيعد الْمسَائِل خمس عشرَة وَفِي جَمِيع هَذِه الْمسَائِل يغْتَفر لَهُ التَّخَلُّف بِثَلَاثَة أَرْكَان
стр. 124
طَوِيلَة هَذَا كُله فِي الْمَأْمُوم الْمُوَافق
(و) أما الْمَسْبُوق وَهُوَ ضد الْمُوَافق فَإِذا ركع الإِمَام قطع الْفَاتِحَة ليركع مَعَه وَسقط عَنهُ بقيتها فَإِن قَرَأَ الْفَاتِحَة ففاته الرُّكُوع مَعَ الإِمَام بِأَن لم يطمئن قبل ارْتِفَاع الإِمَام عَن أَقَله لغت ركعته إِذْ لم يدْرك مَعَ الإِمَام ركوعها فيوافقه فِيمَا هُوَ فِيهِ بعد فَلَو ركع عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ بطلت صلَاته وَحِينَئِذٍ كَانَ تخلفه بعد قِرَاءَة مَا أدْركهُ من الْفَاتِحَة لإتمامها بِلَا عذر وَكَانَ تخلفه بِلَا عذر بِأَن كَانَ عَامِدًا عَالما فَيكون مَكْرُوها بل تبطل صلَاته على وَجه ضَعِيف وَتبطل على الْمَذْهَب إِن سبقه الإِمَام بِتمَام ركنين فعليين هَذَا كُله إِن لم يشْتَغل الْمَسْبُوق بِسنة فَأَما (لَو اشْتغل مَسْبُوق بِسنة) كالتعوذ والافتتاح أَو سكت أَو اسْتمع قِرَاءَة الإِمَام أَو غَيره (قَرَأَ) وجوبا من الْفَاتِحَة بعد رُكُوع الإِمَام (قدرهَا) أَي قدر حُرُوف السّنة فِي ظَنّه فَيجب أَن يعد أَو يحْتَاط وَيصرف قدر الزَّمن الَّذِي سكته إِلَى قِرَاءَة مَا يَسعهُ من الْفَاتِحَة لتَقْصِيره بعدوله عَن فرض إِلَى غَيره (وَعذر) أَي من تخلف لسنة فَمَتَى ركع قبل وَفَاء مَا لزمَه عَامِدًا عَالما بطلت صلَاته وَإِلَّا لم يعْتد بِمَا فعله فَيَأْتِي بِرَكْعَة بعد سَلام إِمَامه وَمَتى ركع إِمَامه وَهُوَ متخلف لما لزمَه وَقَامَ من رُكُوعه فَاتَتْهُ الرَّكْعَة وَوَجَب مُوَافقَة الإِمَام فِي هويه للسُّجُود فَلَا يرْكَع وَإِلَّا بطلت صلَاته إِن علم وتعمد وَالْمرَاد بِكَوْنِهِ مَعْذُورًا أَنه لَا كَرَاهَة وَلَا بطلَان بتخلفه قطعا وَأَنه مُلْزم بِالْقِرَاءَةِ فَيكون مَحل بطلَان صلَاته بهوي الإِمَام للسُّجُود إِذا لم يُفَارِقهُ فِي غير هَذِه الصُّورَة لَكِن تفوته الرَّكْعَة وَلَيْسَ معنى كَونه مُتَخَلِّفًا بِعُذْر أَنه يعْطى حكم الْمَعْذُور من كل وَجه أما من تخلف لغير سنة كمن أَتَى بتسبيح بعد تحرم فَهُوَ مقصر فَإِذا فَاتَهُ الرُّكُوع فَاتَتْهُ الرَّكْعَة اتِّفَاقًا
(وَسَبقه على إِمَام بركنين فعليين) تامين متواليين سَوَاء كَانَا طويلين أم قصيرين كَأَن ركع واعتدل وَالْإِمَام لم يرْكَع (مُبْطل) للصَّلَاة إِذا كَانَ عَامِدًا عَالما بِتَحْرِيمِهِ للمخالفة الْفَاحِشَة بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ سَاهِيا أَو جَاهِلا فَإِنَّهُ لَا يضر إِلَّا أَنه لَا يعْتد لَهُ بهما فَإِن لم يعد للإتيان بهما مَعَ إِمَامه لسَهْوه أَو جَهله أَتَى بعد سَلام الإِمَام بِرَكْعَة وَإِلَّا أعَاد الصَّلَاة
(و) سبقه (بِرُكْن فعلي) تَامّ عمدا كَأَن ركع وَرفع وَالْإِمَام قَائِم (حرَام) وَهُوَ كَبِيرَة لقَوْله ﷺ أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل رَأس الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس حمَار
وَيُؤْخَذ من هَذَا الحَدِيث
стр. 125
أَن السَّبق بِبَعْض ركن كَأَن ركع قبل الإِمَام ولحقه الإِمَام فِي الرُّكُوع كالسبق بِرُكْن فَهُوَ كَبِيرَة أَيْضا فِي قَول (ومقارنته) أَي الْمَأْمُوم للْإِمَام (فِي أَفعَال مَكْرُوهَة كتخلف عَنهُ) أَي الإِمَام (إِلَى فرَاغ ركن)
وَالْحَاصِل أَن الْمُقَارنَة على خَمْسَة أَقسَام حرَام مَانِعَة من الِانْعِقَاد وَهِي الْمُقَارنَة فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام ومندوبة وَهِي الْمُقَارنَة فِي التَّأْمِين ومكروهة مفوتة لفضيلة الْجَمَاعَة فِيمَا قَارن فِيهِ مَعَ الْعمد وَهِي الْمُقَارنَة فِي الْأَفْعَال وَفِي السَّلَام وواجبة إِذا علم أَنه إِن لم يقْرَأ الْفَاتِحَة مَعَ الإِمَام لم يُدْرِكهَا ومباحة فِيمَا عدا ذَلِك
(و) السَّابِع أَن لَا يقْتَدى بِمن يعْتَقد بطلَان صلَاته فَإِذا كَانَ هَذَا شرطا لصِحَّة الْقدْوَة فَحِينَئِذٍ (لَا يَصح قدوة بِمن اعْتقد بطلَان صلَاته) وَالْمرَاد بالاعتقاد مَا يَشْمَل غَلَبَة الظَّن كشافعي اقْتدى بحنفي مس فرجه وكمجتهدين اخْتلفَا فِي إناءين من المَاء طَاهِر ومتنجس وكل مِنْهُمَا تَوَضَّأ بِمَا ظَنّه الطَّاهِر فَلَا يَقْتَدِي أَحدهمَا بِالْآخرِ لظَنّه بطلَان صلَاته بِمُقْتَضى اجْتِهَاده
(و) الثَّامِن أَن لَا يقْتَدى بِمن يجوز كَونه مَأْمُوما فَحِينَئِذٍ (لَا) يَصح قدوة (بمقتد) وَلَا بِمن شكّ فِي كَونه مقتديا وَلَو اقْتدى مَسْبُوق بعد سَلام إِمَامه بمسبوق آخر صَحَّ فِي غير الْجُمُعَة لَكِن لَا ثَوَاب فِيهِ لِأَن فِيهِ نِيَّة الْقدْوَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَيُؤْخَذ من ذَلِك أَنه لَو اقْتدى بِهِ إِنْسَان من أول صلَاته كَانَ فِيهِ الثَّوَاب أما فِي الْجُمُعَة فَلَا يَصح إِذْ لَا يجوز إنْشَاء جُمُعَة بعد أُخْرَى
(و) التَّاسِع أَن لَا يكون الْمَأْمُوم قَارِئًا وَالْإِمَام أُمِّيا سَوَاء أمكنه التَّعَلُّم أَو لَا فَحِينَئِذٍ (لَا) يَصح قدوة (قارىء بأمي) وَهُوَ من يخل بِحرف من الْفَاتِحَة كأرت بمثناة فوقية وَهُوَ من يدغم بإبدال فِي غير مَحل الْإِدْغَام بِخِلَاف الْإِدْغَام بِلَا إِبْدَال كتشديد اللَّام أَو الْكَاف من مَالك
أَو ألثغ بمثلثة وَهُوَ من يُبدل حرفا بِغَيْرِهِ كَأَن يَأْتِي بِالْمُثَلثَةِ بدل السِّين فَيَقُول المثتقيم أَو بِالْهَمْزَةِ بدل الْقَاف فِي الْمُسْتَقيم أَو بالزاي أَو الدَّال الْمُهْملَة بدل الذَّال الْمُعْجَمَة فِي الَّذين وَمن الْإِخْلَال بِحرف تَخْفيف مشدد من الْفَاتِحَة وَمثل الْإِبْدَال اللّحن الَّذِي يُغير الْمَعْنى كضم تَاء أَنْعَمت أَو كسرهَا ثمَّ إِن كَانَ فَاعل ذَلِك قَادِرًا على التَّعَلُّم فَصلَاته بَاطِلَة فَلَا يَصح أَن يكون إِمَامًا لأحد مُطلقًا وَإِن كَانَ عَاجز عَن التَّعَلُّم فَصلَاته فِي نَفسه صَحِيحَة كاقتداء مثله بِهِ وَلَا بُد من الْمُمَاثلَة فِي الْحَرْف المعجوز عَنهُ وَفِي مَحَله فَلَو اخْتلفَا فِي ذَلِك لَا يَصح اقْتِدَاء أَحدهمَا بِالْآخرِ لِأَن كلا يحسن مَا لَا يُحسنهُ الآخر وَمن ذَلِك يُؤْخَذ أَنه لَا يَصح اقْتِدَاء أخرس بأخرس أصليين أَو عارضين فَإِن كَانَ أَحدهمَا أَصْلِيًّا وَالْآخر عارضا صَحَّ اقْتِدَاء الْأَصْلِيّ بالعارض دون عَكسه وَلَو كَانَت اللثغة يسيرَة بِأَن لم تمنع أصل مخرج الْحُرُوف بل كَانَ غير صَاف لم تُؤثر لِأَنَّهُ لم يحصل إِبْدَال
وَلَو تردد الْمَأْمُوم
стр. 126
فِي حَال الإِمَام فَإِن كَانَ فِي سَرِيَّة فَلَا ضَرَر وَإِن كَانَ فِي جهرية وَأسر الإِمَام تَابعه الْمَأْمُوم وَوَجَب عَلَيْهِ الْبَحْث عَن حَاله بعد السَّلَام فَإِن تبين أَنه غير قارىء أعَاد وَإِن تبين أَنه قارىء وَلَو بقوله نسيت الْجَهْر أَو أسررت لكَونه جَائِزا وَصدق الْمَأْمُوم لم يعد وَإِن لم يتَبَيَّن حَاله كَأَن تعذر عَلَيْهِ الْبَحْث أَو بحث مَعَه فَلم يجبهُ قيل تجب الْإِعَادَة وَقيل لَا وَلَو طَرَأَ للْإِمَام الْعَجز فِي أثْنَاء صلَاته كخرسه لزم الْمَأْمُوم مُفَارقَته فَإِن لم يعلم بِحَالهِ إِلَّا بعد السَّلَام لَزِمته الْإِعَادَة لِأَن ذَلِك نَادِر فَإِن كَانَ اللّحن لَا يُغير الْمَعْنى كضم هَاء لله وَكسر بَاء نعْبد أَو فتحهَا وَضم صَاد الصِّرَاط لَا يضر فِي صِحَة الصَّلَاة وَلَا الْقدْوَة وَإِن كَانَ الْمُتَعَمد لذَلِك آثِما
وَالْحَاصِل أَن اللّحن حرَام على الْعَامِد الْعَالم الْقَادِر مُطلقًا ثمَّ إِن كَانَ يُغير الْمَعْنى فَإِن كَانَ قَادِرًا على الصَّوَاب أَو أمكنه التَّعَلُّم فَسدتْ صلَاته والقدوة بِهِ مُطلقًا وَإِلَّا فَصلَاته صَحِيحَة وقدوة مثله بِهِ صَحِيحَة دون غير مثله هَذَا بِالنِّسْبَةِ للفاتحة وَمثلهَا بدلهَا
أما تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَإِن كَانَ يخل بِهِ مَعَ الْقُدْرَة وائتم بِهِ غَيره فَإِن دخل فِي الصَّلَاة عَالما بِأَن إِمَامه يخل بِالتَّكْبِيرِ لم تَنْعَقِد وَإِن لم يعلم إِلَّا بعد فرَاغ الصَّلَاة وَجَبت الْإِعَادَة وَإِن علم فِي الْأَثْنَاء وَجب الِاسْتِئْنَاف وَلَا تَنْفَعهُ نِيَّة الْمُفَارقَة وَأما مَعَ الْعَجز فَلَا ضَرَر
وَأما الْإِخْلَال فِي التَّشَهُّد فَإِن دخل الْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة مَعَه عَالما بذلك لم تَنْعَقِد صلَاته فَإِن لم يعلم إِلَّا بعد أَن سلم لَا إِعَادَة وَإِن كَانَ قبل سَلَامه سجد للسَّهْو وَسلم وَلَا إِعَادَة أَيْضا وَإِن كَانَ فِي أثْنَاء التَّشَهُّد انتظره لَعَلَّه يُعِيدهُ على الصَّوَاب فَإِذا سلم وَلم يعده سجد الْمَأْمُوم للسَّهْو وَسلم وَإِنَّمَا سجد للسَّهْو حملا على أَنه أخل بذلك سَهوا وَمَا يبطل عمده يسن السُّجُود لسَهْوه وَحكم السَّلَام كالتشهد وَجَمِيع مَا تقرر إِنَّمَا هُوَ فِي إِبْدَال حرف بآخر أَو لحن يُغير الْمَعْنى أما مَا لَا يُغير الْمَعْنى فَلَا يضر فِي صِحَة الصَّلَاة وَلَا الْقدْوَة وَبحث الْأَذْرَعِيّ صِحَة اقْتِدَاء من يحسن نَحْو التَّكْبِير أَو التَّشَهُّد بِالْعَرَبِيَّةِ بِمن لَا يحسنها بهَا وَوَجهه أَن هَذِه لَا مدْخل لتحمل الإِمَام فِيهَا فَلم ينظر لعَجزه عَنْهَا
وَأما السُّورَة فَإِن كَانَ اللّحن لَا يُغير الْمَعْنى صحت صلَاته والقدوة بِهِ لكنه مَعَ التعمد وَالْعلم حرَام وَإِن كَانَ يُغير الْمَعْنى فَإِن عجز عَن التَّعَلُّم أَو كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا صحت صلَاته والقدوة بِهِ مُطلقًا مَعَ الْكَرَاهَة وَلَو قيل بِحرْمَة قِرَاءَة غير الْفَاتِحَة على مثل هَذَا لم يكن بَعيدا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك فَإِن كَانَ قَادِرًا على التَّعَلُّم وَكَانَ عَامِدًا عَالما لَا تصح صلَاته وَلَا الْقدْوَة بِهِ للْعَالم بِحَالهِ وَلَا يَصح اقْتِدَاء من يحسن الْفَاتِحَة بِمن لَا يحسن إِلَّا بدلهَا
والعاشر أَن لَا يكون الإِمَام أنقص من الْمَأْمُوم بِصفة ذاتية فَلَا يجوز أَن يَقْتَدِي ذكر بأنثى أَو خُنْثَى وَلَا خُنْثَى بأنثى أَو خُنْثَى لاحْتِمَال أَن يكون الْخُنْثَى الإِمَام أُنْثَى وَالْخُنْثَى الْمَأْمُوم ذكرا فَهَذِهِ أَربع بَاطِلَة وَيصِح اقْتِدَاء أُنْثَى بأنثى وبخنثى كَمَا يَصح اقْتِدَاء أُنْثَى بِذكر وَخُنْثَى بِذكر وَذكر بِذكر وَهَذِه خمس صَحِيحَة فالمجموع تسع صور أَربع بَاطِلَة وَخمْس صَحِيحَة كَمَا سَمِعت
وَالْحَادِي عشر أَن لَا يَقْتَدِي بِمن تلْزمهُ الْإِعَادَة كالمتيمم للبرد أَو لفقد المَاء بِمحل يغلب فِيهِ وجود المَاء وفاقد الطهُورَيْنِ وَلَو كَانَ الْمَأْمُوم مثله فِي ذَلِك لَكِن مَحل ذَلِك إِن علم الْمَأْمُوم بِحَالهِ وَلَو نسي
стр. 127
بعد ذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا لم يعلم بِحَالهِ إِلَّا بعد فرَاغ الْقدْوَة فَإِنَّهُ لَا يضر لِأَن غَايَة مَا فِيهِ أَن الإِمَام إِمَّا مُحدث أَو بِمَنْزِلَتِهِ وَتبين حدث الإِمَام بعد الصَّلَاة لَا يُوجب الْإِعَادَة
وَالثَّانِي عشر توَافق نظم صَلَاة الإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء مَعَ اختلافه كمكتوبة وكسوف أَو جَنَازَة لتعذر الْمُتَابَعَة حِينَئِذٍ وَيصِح اقْتِدَاء مؤد بقاض ومفترض بمتنفل وَفِي طَوِيلَة بقصيرة كَظهر بصبح وبالعكوس وَلَا يضر اخْتِلَاف نِيَّة الإِمَام وَالْمَأْمُوم بِمثل ذَلِك والمقتدى فِي نَحْو ظهر بصبح أَو مغرب كمسبوق فَيتم صلَاته بعد سَلام إِمَامه وَالْأَفْضَل مُتَابَعَته فِي قنوت الصُّبْح وَفِي تشهد آخر الْمغرب وَله فِرَاقه بِالنِّيَّةِ إِذا اشْتغل بهما والمقتدى فِي صبح أَو مغرب بِنَحْوِ ظهر إِذا أتم صلَاته لَهُ مُفَارقَة الإِمَام بِالنِّيَّةِ وَالْأَفْضَل انْتِظَاره فِي الصُّبْح ليسلم مَعَه بِخِلَافِهِ فِي الْمغرب لَيْسَ لَهُ انْتِظَاره لِأَنَّهُ يحدث جُلُوس تشهد لم يَفْعَله الإِمَام وَله أَن يقنت فِي الصُّبْح إِن أمكنه الْقُنُوت بِأَن كَانَ يدْرك الإِمَام قبل هويه للسجدة الثَّانِيَة وَإِلَّا تَركه وجوبا إِن لم ينْو الْمُفَارقَة وَلَا سُجُود عَلَيْهِ لتحمل الإِمَام لَهُ وَنِيَّة الْمُفَارقَة فِي ذَلِك لعذر فَلَا تفوت فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَتجوز صَلَاة الْعشَاء خلف من يُصَلِّي التَّرَاوِيح فَإِذا سلم الإِمَام من الرَّكْعَتَيْنِ قَامَ الْمَأْمُوم إِلَى بَاقِي صلَاته وأتمها مُنْفَردا وَيصِح الِاقْتِدَاء فِي الْفَرْض خلف صَلَاة الْعِيد أَو الاسْتِسْقَاء وَإِذا أَتَى الإِمَام بتكبيرات الْعِيد ندب للْمَأْمُوم أَن لَا يُتَابِعه فِيهَا فَإِن تَابعه فِيهَا لَا يضر
وَمَا عدا هَذِه الاثْنَي عشر مِمَّا يذكرُونَهُ فِي الشُّرُوط إِمَّا دَاخل فِيمَا ذكر أَو جَار على مَرْجُوح وَكره الِاقْتِدَاء فِي أثْنَاء صلَاته وَلَا تحصل لَهُ فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَيتبع الإِمَام فِيمَا هُوَ فِيهِ فَإِن فرغ إِمَامه أَولا فَهُوَ كمسبوق أَو فرغ هُوَ أَولا فانتظاره أفضل من مُفَارقَته ليسلم مَعَه مَا لم يحدث جُلُوسًا لم يَفْعَله الإِمَام كَأَن نوى الِاقْتِدَاء فِي رَابِعَة الرّبَاعِيّة بِإِمَام فِي أَولهَا فتتعين عَلَيْهِ نِيَّة الْمُفَارقَة حِينَئِذٍ قبل رفع رَأسه من السَّجْدَة الثَّانِيَة بل لَو نوى الِاقْتِدَاء وَهُوَ فِي السَّجْدَة الثَّانِيَة من الرَّكْعَة الْأَخِيرَة بِإِمَام فِي الْقيام لم يجز لَهُ رفع رَأسه مِنْهَا بل ينتظره فِيهَا أَو يَنْوِي الْمُفَارقَة وَكَذَا لَو كَانَ فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَنوى الِاقْتِدَاء بِإِمَام فِي الْقيام لم يجز مُتَابَعَته بل ينتظره أَو يَنْوِي الْمُفَارقَة وَلَا يضر الِانْتِظَار فِي هَذَا الْجُلُوس وَإِن كَانَ لم يَفْعَله الإِمَام لِأَن هَذَا لَيْسَ إِحْدَاث جُلُوس بل دَوَامه وَيغْتَفر فِي الدَّوَام مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء وَنِيَّة الْمُفَارقَة بِلَا عذر مَكْرُوهَة مفوتة لفضيلة الْجَمَاعَة فَلَا يحرم عَلَيْهِ قطع الْقدْوَة بنية الْمُفَارقَة
وَإِن قُلْنَا إِن الْجَمَاعَة فرض كِفَايَة لِأَن فرض الْكِفَايَة لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ إِلَّا فِي الْجِهَاد وَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْحج وَالْعمْرَة وَمحل جَوَاز ذَلِك مَا لم يَتَرَتَّب على ذَلِك تَعْطِيل الْجَمَاعَة كَأَن لم يكن هُنَاكَ إِلَّا إِمَام ومأموم وَإِلَّا حرم لِأَن فرض الْكِفَايَة إِذا انحصر تعين فَإِن كَانَت الْمُفَارقَة لعذر كَمَرَض وَتَطْوِيل إِمَام وَتَركه سنة مَقْصُودَة وَهِي مَا جبر بسجود السَّهْو أَو قوي الْخلاف فِي وُجُوبهَا أَو وَردت الْأَدِلَّة بعظيم فَضلهَا فَلَا كَرَاهَة وَلَا تَفْوِيت وَمِمَّا وَردت الْأَدِلَّة بعظيم فَضلهَا التسبيحات خُصُوصا وَقد نقل عَن الإِمَام أَحْمد بطلَان الصَّلَاة بِتَرْكِهَا عمدا وَوُجُوب سُجُود السَّهْو بِتَرْكِهَا نِسْيَانا بِخِلَاف تَكْبِير الِانْتِقَالَات وجلسة الاسْتِرَاحَة
стр. 128
وَرفع الْيَدَيْنِ من قيام التَّشَهُّد الأول لِأَنَّهُ لَا يفوت على الْمَأْمُوم بترك الإِمَام لَهَا شَيْء لِأَنَّهُ يُمكنهُ الْإِتْيَان بِهِ وَإِن تَركه إِمَامه وتنقطع الْقدْوَة بِخُرُوج إِمَامه من صلابة بِحَدَث أَو غَيره كموت أَو وُقُوع نَجَاسَة عَلَيْهِ وَلم يزلها حَالا وَإِذا انْقَطَعت الْقدْوَة بذلك صَار الْمَأْمُوم مُسْتقِلّا فَلهُ أَن يَقْتَدِي بِغَيْر هَذَا وَلغيره أَن يَقْتَدِي بِهِ وَإِذا حصل مِنْهُ سَهْو بعد انقطاعها وَلم يقتد بِغَيْرِهِ لَا يتحمله عَنهُ أحد بِخِلَاف السَّهْو الْحَاصِل مِنْهُ قبل انقطاعها وَقد تجب نِيَّة الْمُفَارقَة مَعَ انْقِطَاع الْقدْوَة لوُجُود الْمُتَابَعَة الصورية بِبَقَاء الإِمَام على صُورَة الْمُصَلِّين أما لَو ترك الصَّلَاة وَانْصَرف أَو جلس على غير هَيْئَة الْمُصَلِّين أَو مَاتَ فَلَا يحْتَاج لنِيَّة الْمُفَارقَة
وَالْجَمَاعَة فِي الْجُمُعَة ثمَّ صبح الْجُمُعَة ثمَّ صبح غَيرهَا ثمَّ الْعشَاء ثمَّ الْعَصْر أفضل ثمَّ الظّهْر وَالْمغْرب
(وَلَو اقْتدى مِمَّن ظَنّه أَهلا) أَي متصفا بِصفة الْإِمَامَة (فَبَان) بعد الصَّلَاة كَون الإِمَام (خِلَافه) أَي على خلاف ظَنّه (أعَاد) صلَاته لتَقْصِيره بترك الْبَحْث إِذْ أَمارَة الْمُبْطل من أنوثة أَو كفر ظَاهِرَة لَا تخفى وَالْخُنْثَى ينتشر أمره غَالِبا وَالْمرَاد بِالظَّنِّ مَا قَابل الْعلم فَيدْخل فِيهِ من جهل إِسْلَامه أَو قِرَاءَته فَتَصِح الْقدْوَة بِهِ حَيْثُ لم يتَبَيَّن بِهِ نقص يُوجب الْإِعَادَة وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَو لم يظنّ ذكورته وَلَا إِسْلَامه لم تصح الْقدْوَة بِهِ لِأَنَّهُ قد يُقَال جهل الْإِسْلَام يُفِيد الظَّن بِالنّظرِ للْغَالِب على من يُصَلِّي أَنه مُسلم
وَالْحَاصِل أَنه لَو بَان إِمَامه كَافِرًا وَلَو مخفيا كفره كزنديق أَو خُنْثَى أَو مَجْنُونا أَو أُمِّيا قَادِرًا على التَّعَلُّم أَو تَارِكًا للفاتحة أَو الْبَسْمَلَة فِي الجهرية أَو تجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة أَو سَاجِدا على كمه الَّذِي يَتَحَرَّك بحركته أَو تَارِكًا تَكْبِيرَة الْإِحْرَام أَو قَادِرًا على الْقيام أَو الستْرَة وَكَانَ يُصَلِّي من قعُود أَو عَارِيا وَجَبت الْإِعَادَة إِن بَان بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة فَإِن بَان فِي أَثْنَائِهَا وَجب استئنافها لكَون الإِمَام لَيْسَ من أهل الْإِمَامَة فِي ذَاته (لَا) إِن بَان إِمَامه (ذَا حدث) وَلَو أكبر (أَو خبث) أَي ذَا نَجَاسَة خُفْيَة وَهِي الْحكمِيَّة الَّتِي لَا يدْرك لَهَا طعم وَلَا لون وَلَا ريح وَمثل ذَلِك كل مَا يخفى على الْمَأْمُوم عَادَة كَعَدم النِّيَّة وكتيممه بِمحل يغلب فِيهِ وجود المَاء وَكَونه تَارِكًا للفاتحة أَو للبسملة فِي السّريَّة أَو للتَّشَهُّد مُطلقًا وَلَو أحرم الْمَأْمُوم بِإِحْرَام الإِمَام ثمَّ كبر الإِمَام ثَانِيًا بنية سرا لكَونه شكّ فِي التَّكْبِير الأول لَا يضر فِي صِحَة صَلَاة الْمَأْمُوم لِأَن هَذَا مِمَّا يخفى وَلَا أَمارَة عَلَيْهِ أما لَو بَان إِمَامه ذَا نَجَاسَة ظَاهِرَة وَهِي العينية فَإِنَّهُ تلْزمهُ الْإِعَادَة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْقَرِيب والبعيد وَلَا بَين الْقَائِم والقاعد وَلَا بَين الْأَعْمَى والبصير وَلَا بَين بَاطِن الثَّوْب وَظَاهره نظرا للشأن
(وَصَحَّ اقْتِدَاء سليم بسلس) وطاهر بمستحاضة غير متحيرة وحافظ قُرْآن بحافظ القاتحة فَقَط وكامل اللبَاس بساتر عَوْرَته فَقَط وَلَو بالطين ومتوضىء بالجامع بَين التُّرَاب وَالْمَاء ولابس بِمن عجز عَن الستْرَة ومتوضىء بماسح الْخُف أَو الْجَبِيرَة حَيْثُ لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة وبالمتيمم الَّذِي لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة وَيصِح اقْتِدَاء الْبَالِغ بِالصَّبِيِّ وَالْحر بِمن فِيهِ رق
نعم الْبَالِغ أولى من الصَّبِي وَالْحر أولى من الرَّقِيق وَيصِح اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعد وبالمضطجع وَإِن كَانَ موميا حَيْثُ كَانَ يَأْتِي بالأركان فَأَما من يُشِير إِلَيْهَا بجفنه أَو يجْرِي أَفعَال الصَّلَاة على قلبه فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ لعدم الْعلم بانتقالاته كَمَا مر
نعم يَصح اقْتِدَاء
стр. 129
الْقَائِم بالمستلقي وَلَو موميا حَيْثُ علم بانتقالات الإِمَام وَلَو بطرِيق الْكَشْف لِأَن الْمدَار على علمه بذلك وَهُوَ مَوْجُود فِيهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَإِنَّمَا اغتفر ذَلِك فِي حَقه لعلمه بِحَقِيقَة الْحَال وَمحل كَون الخوارق لَا يعْتد بهَا قبل وُقُوعهَا أما بعد وُقُوعهَا فيعتد بهَا فِي حق من قَامَت بِهِ كَذَا قَالَ الشبراملسي
(وَكره) الِاقْتِدَاء (بفاسق ومبتدع) لَا يكفر ببدعته وبالتأتاء والفأفاء والوأواء وَمن تغلب على الْإِمَامَة وَلَا يَسْتَحِقهَا وَمن لَا يحْتَرز عَن النَّجَاسَة أَو يمحق هيئات الصَّلَاة أَو يتعاطى معيشة مذمومة أَو يعاشر أهل الْفسق وَنَحْوهم أَو لاحن بِمَا لَا يُغير الْمَعْنى أَو يكرههُ أَكثر الْقَوْم لأمر مَذْمُوم فِيهِ كإكثار الضحك والحكايات المضحكة تصنعا لَا طبعا فَإِن كرهه كلهم حرمت إِمَامَته وإمامة ولد الزِّنَا وَولد الْمُلَاعنَة وَمن لَا يعرف لَهُ أَب خلاف الأولى وَالْأَعْمَى والبصير فِي الْإِمَامَة سَوَاء كَعبد أفقه وحر غير أفقه
ثمَّ إِذا اجْتمع جمَاعَة مِمَّن فِيهِ أَهْلِيَّة الْإِمَامَة يقدم مِنْهُم الأفقه فِي الصَّلَاة فَالْأَصَحّ قِرَاءَة فالأكثر قُرْآنًا فالأزهد فالأورع فالمهاجر فالأقدم هِجْرَة فالأسن فِي الْإِسْلَام فالأشرف نسبا فَالْأَحْسَن ذكرا فالأنظف ثوبا فبدنا فصنعة أَي كسبا فَيقدم الزَّارِع والتاجر على غَيرهمَا فَالْأَحْسَن صَوتا فَالْأَحْسَن خلقا بِفَتْح الْخَاء بِأَن يكون سليم الْأَعْضَاء من الآفة مُسْتَقِيمًا فَالْأَحْسَن وَجها أَي الأجمل صُورَة فَهُوَ غير الْأَحْسَن خلقا كَمَا سَمِعت فَالْأَحْسَن زَوْجَة فالأبيض ثوبا فَيقدم على لابس غير الْأَبْيَض وَيقدم الْأَبْيَض وَجها على غَيره فَإِن اسْتَويَا وتشاحا أَقرع بَينهمَا
هَذَا كُله إِن لم يكن هُنَاكَ إِمَام راتب وَلَا إِمَام أعظم وَلَا نَائِبه وَلَا رب منزل وَإِلَّا قدم الْوَالِي فِي مَحل ولَايَته على غَيره وَلَو على رب الْمنزل وَالْإِمَام الرَّاتِب وَإِن اخْتصَّ ذَلِك الْغَيْر بِصِفَات مرجحة من فقه وَغَيره
وَيقدم من الْوُلَاة الْأَعْلَى فالأعلى فَيقدم السُّلْطَان على غَيره والباشا على القَاضِي وَنَحْو ذَلِك وَبعده الإِمَام الرَّاتِب وَهُوَ من ولاه النَّاظر تَوْلِيَة صَحِيحَة أَو كَانَ بِشَرْط الْوَاقِف فَإِن لم يحضر اسْتحبَّ أَن يبْعَث إِلَيْهِ ليحضر فَإِن خيف فَوَات الْوَقْت اسْتحبَّ أَن يتَقَدَّم غَيره إِلَّا أَن يخَاف فتْنَة فيصلوا فُرَادَى وَيقدم السَّاكِن بِحَق وَلَو غير مَالك على غَيره وَلَو مَالِكًا فَيقدم الْمُسْتَأْجر على الْمُؤَجّر وَيقدم الْمُوصى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ على مَالك الْعين
نعم لَا يقدم الْمُسْتَعِير على الْمُعير وَلَا غير الْمكَاتب على سَيّده الَّذِي أذن لَهُ فِي السُّكْنَى بل يقدم سَيّده عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا الْإِذْن إِعَارَة لِأَن الْإِعَارَة تَقْتَضِي ملك الِانْتِفَاع وَالرَّقِيق لَا يملك وَلَو بِتَمْلِيك سَيّده أما الْمكَاتب إِذا كَانَ سَاكِنا بِحقِّهِ فَلَا يقدم عَلَيْهِ سَيّده بل الْمكَاتب هُوَ الْمُقدم لاستقلاله فَإِذا أذن لسَيِّده فِي دُخُوله دَارا اشْتَرَاهَا مثلا فَهُوَ الْمُقدم لَا سَيّده فَإِن كَانَ سَيّده هُوَ الْمُعير لَهُ الدَّار فالسيد هُوَ الْمُقدم وَيُؤْخَذ مِمَّا تقدم بِالْأولَى عدم تَقْدِيمه على قنه الْمبعض فِيمَا ملكه بِبَعْضِه الْحر فَإِن لم يكن السَّاكِن أَهلا للْإِمَامَة كامرأة قدم من هُوَ أهل
وَينْدب فِي الْجَمَاعَة أَشْيَاء مِنْهَا أَنه يسن للْإِمَام التَّخْفِيف مَعَ فعل الأبعاض والهيئات إِلَّا أَن يُرْضِي المحصورون بتطويله وَيسن لَهُ نِيَّة الْجَمَاعَة فِي غير الْجُمُعَة وَتَصِح مِنْهُ نِيَّة الْإِمَامَة وَإِن لم
стр. 130
يكن إِمَامًا فِي الْحَال لِأَنَّهُ سيصير إِمَامًا وَإِذا لم يحضر عِنْده فِي هَذِه الْحَالة أحد لَكِن وثق بِالْجَمَاعَة صحت مِنْهُ نِيَّة الْإِمَامَة فَلَو فرغ من صلَاته وَلم يَأْتِ أحد فَصلَاته صَحِيحَة وَلَو أَتَى بِهَذِهِ النِّيَّة فِي أثْنَاء صلَاته جَازَ وَحَازَ الْفَضِيلَة من حِين النِّيَّة وَلَا تنعطف نِيَّته على مَا قبلهَا وَفهم مِمَّا تقدم أَنه لَو نوى الْمَأْمُوم الْجَمَاعَة وَلم ينوها الإِمَام حصلت الْفَضِيلَة للْمَأْمُوم دون الإِمَام وَثَبت لَهُ أَحْكَام الْقدْوَة كتحمل سَهْوه وفاتحته وَنَحْو ذَلِك
وَيسن للْإِمَام أَن يقف قُدَّام الْمقَام عِنْد الْكَعْبَة بِحَيْثُ يكون الْمقَام بَينه وَبَين الْكَعْبَة وَأَن يستدير المأمومون حولهَا وَلَا يضر كَونهم أقرب إِلَيْهَا فِي غير جِهَة الإِمَام مِنْهُ إِلَيْهَا فِي جِهَته كَمَا لَو وَقفا فِي الْكَعْبَة وَاخْتلفَا جِهَة فَإِنَّهُ إِذا اجْتمعَا فِيهَا يجوز أَن يكون وَجهه إِلَى وَجه الإِمَام أَو جنبه وَأَن يكون ظَهره إِلَى ظهر الإِمَام أَو جنبه وَلَا يجوز أَن يكون ظَهره إِلَى وَجه الإِمَام لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَقَدم عَلَيْهِ فِي جِهَته وَلَو وقف الإِمَام فِيهَا وَالْمَأْمُوم خَارِجهَا جَازَ وَله التَّوَجُّه إِلَى أَي جِهَة شَاءَ وَلَو وَقفا بِالْعَكْسِ جَازَ أَيْضا لَكِن لَا يتَوَجَّه الْمَأْمُوم إِلَى الْجِهَة الَّتِي توجه إِلَيْهَا الإِمَام بِحَيْثُ يكون ظَهره فِي وَجه الإِمَام لتقدمه عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فِي جِهَته وَلَو وقف الإِمَام فِي ركن من أَرْكَانهَا فجهته مَجْمُوع جهتي جانبيه مَعَ الرُّكْنَيْنِ المتصلين بهما فَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ الْمَأْمُوم فِي ذَلِك
وَحَاصِل مَا ذكر صور أَربع لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يَكُونَا دَاخل الْكَعْبَة أَو خَارِجهَا أَو أَحدهمَا داخلها وَالْآخر خَارِجهَا وَقد علمت أَحْكَامهَا
وَيسن تَسْوِيَة الصُّفُوف وَأَن لَا يزِيد مَا بَين كل صفّين أَو شَخْصَيْنِ على ثَلَاثَة أَذْرع وَإِلَّا فَاتَ ثَوَاب الْجَمَاعَة من تَأَخّر بذلك
وَيكرهُ فِيهَا أُمُور مِنْهَا أَنه يكره للْإِمَام التَّطْوِيل وَلَو ليلحق آخَرُونَ وَلَو كَانَ من عَادَتهم الْحُضُور نعم لَو أحس فِي رُكُوع غير ثَان من صَلَاة الْكُسُوف أَو فِي تشهد أخير بداخل مَحل الصَّلَاة يَقْتَدِي بِهِ سنّ لَهُ انْتِظَاره لله تَعَالَى إِن لم يُبَالغ فِي الِانْتِظَار وَلم يُمَيّز بَين الداخلين وَإِلَّا كره
وَحَاصِل هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه يسن للْإِمَام انْتِظَار من يُرِيد الِاقْتِدَاء بِهِ بِشُرُوط تِسْعَة أَن يكون ذَلِك الِانْتِظَار فِي رُكُوع غير ثَان من صَلَاة الْكُسُوف أَو فِي تشهد أخير وَأَن لَا يخْشَى فَوت الْوَقْت وَأَن يكون الَّذِي ينتظره دَاخل مَحل الصَّلَاة دون من هُوَ خَارجه وَأَن ينتظره لله تَعَالَى لَا لتودد وَإِلَّا كره وَأَن لَا يُبَالغ فِي الِانْتِظَار وَلَو بِضَم انْتِظَار مَأْمُوم إِلَى آخر وَإِلَّا كره وَأَن لَا يُمَيّز بَين الداخلين فينتظر بَعْضًا دون بعض وَأَن يظنّ أَن يَقْتَدِي بِهِ ذَلِك الدَّاخِل وَأَن يظنّ أَنه يرى إِدْرَاك الرَّكْعَة بِالرُّكُوعِ وَأَن يظنّ أَنه يَأْتِي بِالْإِحْرَامِ على الْوَجْه الْمَطْلُوب من كَونه فِي الْقيام وَالْإِمَام لَيْسَ بِقَيْد بل مثله الْمُنْفَرد وَإِن كَانَ لَا يَأْتِي فِيهِ جَمِيع الشُّرُوط
وَيكرهُ ارْتِفَاع الْمَأْمُوم على إِمَامه وَعَكسه حَيْثُ أمكن وقوفهما على مستو إِلَّا لحَاجَة كتعليم الإِمَام الْمَأْمُومين صفة الصَّلَاة وكتبليغ الْمَأْمُوم تَكْبِيرَة الإِمَام فَيسنّ ارتفاعهما لذَلِك وَحَيْثُ لم تكن حَاجَة ثبتَتْ الْكَرَاهَة وفاتت فَضِيلَة الْجَمَاعَة مَا لم يكن وضع الْمَكَان مُشْتَمِلًا على انخفاض وارتفاع وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَة
стр. 131
وَلَو تعَارض عَلَيْهِ إِكْمَال الصَّفّ الأول لَكِن مَعَ ارْتِفَاع أَو انخفاض وَالْوُقُوف فِي الصَّفّ الثَّانِي بِدُونِ ذَلِك وقف فِي الصَّفّ الثَّانِي وَترك تَكْمِيل الأول لِأَن كَرَاهَة الأول أَشد فَإِنَّهَا تفوت فَضِيلَة الْجَمَاعَة اتِّفَاقًا بِخِلَاف تقطيع الصُّفُوف فَفِيهِ خلاف كَمَا تقدم
تَتِمَّة وَرخّص فِي ترك الْجَمَاعَة بِعُذْر عَام أَو خَاص كمشقة مطر وَمثله تقاطر السقوف على المارين بعد فرَاغ الْمَطَر وَشدَّة ريح بلَيْل أَو وَقت صبح وَمثل الرّيح الشَّدِيدَة الظلمَة الشَّدِيدَة وَالرِّيح الْبَارِدَة وَشدَّة وَحل وَشدَّة حر وَشدَّة برد وَشدَّة جوع وَشدَّة عَطش بِحَضْرَة طَعَام مَأْكُول أَو مشروب وَمَا قرب حُضُوره كالحاضر ومشقة مرض ومدافعة حدث وَخَوف على مَعْصُوم من نفس أَو عُضْو أَو مَنْفَعَة أَو مَال كخبز فِي تنور أَو قدر على نَار لَو ذهب للْجَمَاعَة وَتَركه تلف وَخَوف من غَرِيم لَهُ وبالخائف إعسار يعسر عَلَيْهِ إثْبَاته وَخَوف من عُقُوبَة يَرْجُو الْخَائِف الْعَفو بغيبته وَخَوف من تخلف عَن رفْقَة وفقد لِبَاس لَائِق وَأكل ذِي ريح كريهة تعسر إِزَالَتهَا لَا بِقصد إِسْقَاط الْجَمَاعَة وَإِلَّا لم يكن عذرا وَحُضُور مَرِيض بِلَا متعهد سواهُ أَو كَانَ لَهُ متعهد لَكِن كَانَ الْمَرِيض نَحْو قريب محتضر الرّوح أَي ويأنس بِهِ
وَمن الْأَعْذَار زَلْزَلَة وَغَلَبَة نُعَاس وَسمن مفرط وسعي فِي اسْتِرْدَاد مَال يَرْجُو حُصُوله لَهُ أَو لغيره وعمى حَيْثُ كَانَ الْأَعْمَى لَا يجد قائدا وَلَو بِأُجْرَة مثل قدر عَلَيْهَا وَلَا أثر لإحسانه الْمَشْي بالعصا والاشتغال بتجهيز ميت وَحمله وَدَفنه وَوُجُود من يُؤْذِيه فِي طَرِيقه بشتم أَو نَحوه مَا لم يُمكن دَفعه من غير مشقة وَالنِّسْيَان وَالْإِكْرَاه وَتَطْوِيل الإِمَام فَوق الْمَشْرُوع وَتَركه سنة مَقْصُودَة وَكَون الإِمَام مِمَّن يكره الِاقْتِدَاء بِهِ أَو كَانَ يخْشَى من الافتتان بِجَمَال أَمْرَد أَو كَانَ هُوَ مِمَّن يخْشَى الافتتان بِهِ وَمعنى كَون هَذِه أعذارا سُقُوط الطّلب بِسَبَبِهَا لَا حُصُول فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَجزم الرَّوْيَانِيّ بِأَنَّهُ يكون محصلا لثواب الْجَمَاعَة إِذا صلى مُنْفَردا وَكَانَ قَصده الْجَمَاعَة لَوْلَا الْعذر وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد بِشَرْط أَن يكون ملازما لَهَا قبل الْعذر وَلم يتعاط السَّبَب بِاخْتِيَارِهِ وَلم يتأت لَهُ إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي بَيته لَكِن الْفَضِيلَة الَّتِي تحصل لَهُ دون فَضِيلَة من فعلهَا
تَكْمِيل اعْلَم أَن الصَّلَوَات الْخمس بِالنِّسْبَةِ للقصر وَالْجمع ثَلَاثَة أَقسَام
قسم يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الرباعيات الثَّلَاث
وَقسم يجوز فِيهِ الْجمع دون الْقصر وَهُوَ الْمغرب
وَقسم لَا يجوز فِيهِ هَذَا وَلَا هَذَا وَهُوَ الصُّبْح
وَيجوز للْمُسَافِر قصر الصَّلَاة بِأَن يُصليهَا رَكْعَتَيْنِ بِشُرُوط اثنى عشر أَن تكون الصَّلَاة ربَاعِية مَكْتُوبَة أَصَالَة مُؤَدَّاة أَو فَائِتَة سفر قصر كالظهر وَالْعصر وَالْعشَاء وَأَن يكون الْمُسَافِر فِي سفر طَوِيل وَهُوَ سِتَّة عشر فرسخا وَهِي مرحلتان وَأَن لَا يكون عَاصِيا بِالسَّفرِ وَأَن يكون سَفَره لغَرَض صَحِيح ديني أَو دُنْيَوِيّ وَأَن يقْصد محلا مَعْلُوما فِي أول سَفَره
стр. 132
وَلَو بالجهة وَأَن لَا يرْبط صلَاته بِمن جهل سَفَره أَو بمتم وَلَو فِي نفس الْأَمر وَلَو فِي جُزْء من صلَاته وَلَو فِي صبح وَأَن يَنْوِي الْقصر مَعَ التَّحَرُّم كَأَن يَقُول مَقْصُورَة أَو رَكْعَتَيْنِ أَو صَلَاة السّفر وَأَن يتحرز عَن منافي نِيَّة الْقصر فِي دوَام الصَّلَاة ودوام السّفر فِي جَمِيع الصَّلَاة يَقِينا وَأَن يعلم بِجَوَاز الْقصر وَأَن يعلم الْكَيْفِيَّة وَأَن يُجَاوز مَحل الْإِقَامَة ويصل إِلَى مَحل يعد فِيهِ مُسَافِرًا وَيجوز للْمُسَافِر السّفر الْمَذْكُور أَن يجمع بَين الظّهْر وَالْعصر أَو بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي وَقت أَيهمَا شَاءَ تَقْدِيمًا فِي وَقت الأولى مِنْهُمَا أَو تَأْخِيرا فِي وَقت الثَّانِيَة مِنْهُمَا وَالْجُمُعَة كالظهر فِي جمع التَّقْدِيم فَقَط
وَيشْتَرط لجمع التَّقْدِيم سِتَّة شُرُوط الأول التَّرْتِيب بِأَن يبْدَأ بصاحبة الْوَقْت لِأَن الْوَقْت لَهَا فَلَو عكس التَّرْتِيب صحت صَاحِبَة الْوَقْت فَقَط الثَّانِي نِيَّة الْجمع فِي الأولى وَلَو مَعَ التَّحَلُّل مِنْهَا
الثَّالِث الْوَلَاء بَين الصَّلَاتَيْنِ بِأَن لَا يَتَخَلَّل بَين الصَّلَاتَيْنِ زمن يسع رَكْعَتَيْنِ بأخف مُمكن وَحِينَئِذٍ لَا يجوز أَن يُصَلِّي الرَّاتِبَة بَينهمَا
الرَّابِع دوَام السّفر إِلَى عقد الثَّانِيَة وَإِن أَقَامَ فِي أَثْنَائِهَا وَلَا يشْتَرط وجود السّفر عِنْد عقد الأولى
الْخَامِس بَقَاء وَقت الأولى يَقِينا إِلَى تَمام الثَّانِيَة فَيبْطل الْجمع وَالصَّلَاة إِذا خرج الْوَقْت فِي أثْنَاء الثَّانِيَة أَو شكّ فِي خُرُوجه
السَّادِس ظن صِحَة الأولى لتخرج الْمُتَحَيِّرَة فَلَيْسَ لَهَا جمع التَّقْدِيم وَكَذَا لَو كَانَت الأولى جُمُعَة فِي مَكَان تعدّدت فِيهِ لغير حَاجَة وَشك فِي السَّبق والمعية وَمثل ذَلِك كل من تلْزمهُ الْإِعَادَة كفاقد الطهُورَيْنِ والمتيمم للبرد أَو لفقد المَاء بِمحل يغلب فِيهِ الْوُجُود أَو نَحْو ذَلِك
وَيشْتَرط لجمع التَّأْخِير شَرْطَانِ الأول نِيَّة التَّأْخِير فِي وَقت الأولى مَا بَقِي مِنْهُ قدر يَسعهَا تَامَّة أَو مَقْصُورَة إِن أَرَادَ قصرهَا فَإِن لم ينْو التَّأْخِير أصلا أَو نَوَاه وَالْبَاقِي من الْوَقْت قدر لَا يَسعهَا عصى وَكَانَت قَضَاء مَا لم يُوقع مِنْهَا رَكْعَة أَو أَكثر فِي وَقتهَا وَإِلَّا فأداء مَعَ الْحُرْمَة
الثَّانِي دوَام السّفر إِلَى تَمام الصَّلَاتَيْنِ فَلَو أَقَامَ قبل ذَلِك صَارَت الَّتِي نوى تَأْخِيرهَا قَضَاء سَوَاء رتب بَين الصَّلَاتَيْنِ أَولا لَكِن لَا إِثْم فِيهِ وَلَو كَانَ انْتِهَاء السّفر فِي أثْنَاء الظّهْر الَّتِي نوى تَأْخِيرهَا فَائِتَة حضر فَلَا يجوز قصرهَا وَترك الْجمع أفضل وَإِذا أَرَادَ الْجمع فَإِن كَانَ نازلا فِي وَقت الأولى سائرا فِي وَقت الثَّانِيَة فَالْأَفْضَل جمع التَّقْدِيم وَإِن كَانَ نازلا فيهمَا أَو سائرا فيهمَا أَو سائرا فِي الأولى نازلا فِي الثَّانِيَة فَالْأَفْضَل جمع التَّأْخِير
وَيجوز للمقيم أَن يجمع مَا يجمع بِالسَّفرِ وَلَو عصرا مَعَ الْجُمُعَة تَقْدِيمًا فِي وَقت الأولى بِسَبَب الْمَطَر وَلَو كَانَ الْمَطَر قَلِيلا لَكِن كَانَ يبل الثَّوْب وَمثل الْمَطَر ثلج وَبرد ذائبان وشفان بِفَتْح الشين وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ ريح بَارِدَة يصحبها مطر قَلِيل وَلَا بُد أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا يبل الثَّوْب
وَلِهَذَا الْجمع شُرُوط ثَمَانِيَة أَن يُوجد نَحْو الْمَطَر عِنْد تحرمه بهما وَعند تحلله من الأولى ليتصل بِأول الثَّانِيَة وَيُؤْخَذ من ذَلِك اعْتِبَار امتداده بَينهمَا وَهُوَ الْمُعْتَمد وَلَا يضر انْقِطَاعه فِي أثْنَاء الأولى أَو الثَّانِيَة أَو بعدهمَا وَالتَّرْتِيب وَالْوَلَاء وَنِيَّة الْجمع كَمَا تقدم وَأَن تصلى الثَّانِيَة جمَاعَة وَإِن انفردوا قبل تَمام ركعتها الأولى وَلَو قبل ركوعها وَإِن لم يحصل ثَوَاب الْجَمَاعَة كَأَن كَانَت مَكْرُوهَة وَلَا بُد من نِيَّة الْجَمَاعَة أَو الْإِمَامَة وَإِلَّا لم تَنْعَقِد صلَاته وَلَا صلَاتهم
стр. 133
إِن علمُوا بذلك وَأَن يفعل ذَلِك بمصلى بعيد عرفا بِحَيْثُ يأتونه بِمَشَقَّة فِي طريقهم إِلَيْهِ لَكِن يجوز للْإِمَام الرَّاتِب أَن يجمع بالمأمومين وَإِن لم يتأذ بالمطر وَكَذَا من يلْزم من عدم إِمَامَته تَعْطِيل الْجَمَاعَة وَلمن اتّفق لَهُ وجود الْمَطَر وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ أَن يجمع وَإِلَّا لاحتاج إِلَى صَلَاة الْعَصْر أَو الْعشَاء فِي جمَاعَة وَفِيه مشقة فِي رُجُوعه إِلَى بَيته ثمَّ عوده أَو فِي إِقَامَته وَإِذا تخلف شَرط من ذَلِك امْتنع الْجمع الْمَذْكُور
تَنْبِيه قد علم مِمَّا مر أَنه لَا يجمع بِغَيْر سفر وَنَحْو الْمَطَر كَمَرَض وريح وظلمة وَخَوف ووحل وَهُوَ الْمَشْهُور لِأَنَّهُ لم ينْقل وَحكى فِي الْمَجْمُوع عَن جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة جَوَازه بالمذكورات وَهُوَ قوي جدا فِي الْمَرَض والوحل وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بمحاسن الشَّرِيعَة
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ الْحَج ٢٢ الْآيَة ٧٨ وعَلى ذَلِك فَيسنّ للْمَرِيض أَن يُرَاعِي الأرفق بِنَفسِهِ فَمن يحم فِي وَقت الثَّانِيَة يقدمهَا بشرائط جمع التَّقْدِيم بِالسَّفرِ أَو فِي وَقت الأولى يؤخرها بالشرطين الْمُتَقَدِّمين لجمع التَّأْخِير وَيجْعَل دوَام الْمَرَض هُنَا كدوام السّفر هُنَاكَ
فَائِدَة يخْتَص بِالسَّفرِ الطَّوِيل أَربع الْجمع على الْأَظْهر وَالْقصر وَالْفطر فِي رَمَضَان وَالْمسح على الْخُف ثَلَاثَة أَيَّام وَيجوز فِي الْقصير ترك الْجُمُعَة والتنفل على الرَّاحِلَة ويختصان بِالسَّفرِ
فصل فِي صَلَاة الْجُمُعَة
يَوْم الْجُمُعَة أفضل أَيَّام الْأُسْبُوع يعْتق الله فِيهِ سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار وَمن مَاتَ فِيهِ أعطي أجر شَهِيد وَوقى فتْنَة الْقَبْر وَهِي السُّؤَال بِأَن يُخَفف عَنهُ لِأَن عدم السُّؤَال أصلا خَاص بالأنبياء وَنَحْوهم مِمَّن اسْتثْنى وليلتها أفضل اللَّيَالِي بعد لَيْلَة الْقدر وَلَيْلَة الْقدر أفضل من لَيْلَة الْإِسْرَاء بِالنِّسْبَةِ لنا أما بِالنِّسْبَةِ لسيدنا مُحَمَّد ﷺ فليلة الْإِسْرَاء أفضل إِذْ وَقع لَهُ فِيهَا رُؤْيَة الْبَارِي بعيني رَأسه وَلَيْلَة المولد الشريف أفضل من لَيْلَة الْإِسْرَاء وَلَيْلَة الْقدر لِأَنَّهَا أَصلهمَا وَالْمرَاد بليلة المولد وَلَيْلَة الْإِسْرَاء الليلتان المعينتان لَا نظيرتهما من كل سنة
وفرضت صَلَاة الْجُمُعَة بِمَكَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء وَلم تقم بهَا لقلَّة الْمُسلمين أَو لخفاء الْإِسْلَام إِذْ ذَاك فَإِن شعارها الْإِظْهَار وَأول من أَقَامَهَا بِجِهَة الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة أسعد بن زُرَارَة بقرية على ميل من الْمَدِينَة وَاسْمهَا نَقِيع الخضمان وَهِي أفضل الصَّلَوَات وَمن خَصَائِص هَذِه الْأمة وَلَيْسَت ظهرا مَقْصُورا لِأَنَّهُ لَا يغنى عَنْهَا وَإِن كَانَ وَقتهَا وقته وتتدارك بِهِ بل صَلَاة مُسْتَقلَّة وَمَعْلُوم أَنَّهَا رَكْعَتَانِ وتختص بِشُرُوط لوُجُوبهَا وشروط لصحتها وآداب كَمَا قَالَ (تجب جُمُعَة) وجوب عين (على) كل مُسلم (مُكَلّف) أَي بَالغ عَاقل وَألْحق بِهِ فِي انْعِقَاد السَّبَب لَا فِي التَّكْلِيف مُتَعَدٍّ بمزيل عقله فَيلْزمهُ قَضَاؤُهَا ظهرا (ذكر حر متوطن) بِبَلَد الْجُمُعَة بِأَن لَا يُسَافر عَن وَطنه
стр. 134
صيفا وَلَا شتاء إِلَّا لحَاجَة كتجارة (غير مَعْذُور) بمجوز لترك الْجَمَاعَة
(و) تجب الْجُمُعَة أَيْضا (على مُقيم) بِمحل إِقَامَة الْجُمُعَة أَو بِمحل يسمع فِيهِ نداءها وَإِن لم يستوطنه وكالمقيم بذلك الْمحل الْمُسَافِر إِلَيْهِ من مَحل الْجُمُعَة كَذَا قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْجواد
(وَلَا تَنْعَقِد) الْجُمُعَة (بِهِ) أَي بمقيم فِي ذَلِك الْمحل على عزم الْعود إِلَى بَلَده بعد مُدَّة وَلَو طَوِيلَة كالمتفقهة والتجار وَمثله متوطن خَارج بلد الْجُمُعَة فَلَا تَنْعَقِد بِهِ (وَلَا بِمن بِهِ رق) وَإِن قل (وصبا)
وَحَاصِل مَا فِي هَذَا الْبَاب أَن صَلَاة الْجُمُعَة كَغَيْرِهَا من الْخمس فِي الْأَركان والشروط والآداب لَكِنَّهَا تزيد عَلَيْهِ بِشُرُوط للزومها وبشروط لصحتها وبآداب أخر
أما شُرُوط لُزُومهَا المختصة بهَا فَأَرْبَعَة الْحُرِّيَّة والذكورة وَعدم الْعذر المجوز لترك الْجَمَاعَة وَالْإِقَامَة فَلَا جُمُعَة على رَقِيق وَلَا أُنْثَى وَلَا مُسَافر وَلَا مَعْذُور بمجوز لترك الْجَمَاعَة وَمِنْه الِاشْتِغَال بتجهيز الْمَيِّت والإسهال الَّذِي لَا يضْبط نَفسه مَعَه ويخشى مِنْهُ تلويث الْمَسْجِد وَالْحَبْس عَنهُ إِذا لم يكن مقصرا فِيهِ فَإِذا رأى القَاضِي الْمصلحَة فِي مَنعه مَنعه وَإِلَّا أطلقهُ لفعل الْجُمُعَة وَتلْزم الشَّيْخ الْهَرم والزمن وَهُوَ من بِهِ عاهة أبطلت حركته إِن وجدا مركبا ملكا أَو إِجَارَة أَو إِعَارَة وَلَو آدَمِيًّا إِذا لم يزر بهما وَلم يشق الرّكُوب عَلَيْهِمَا كمشقة الْمَشْي فِي الوحل وَتلْزم الْأَعْمَى إِن وجد قائدا وَلَو بِأُجْرَة مثل يجدهَا زَائِدَة على مَا يَأْتِي فِي الْفطْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَو مُتَبَرعا أَو ملكا فَإِن لم يجده لم يلْزمه الْحُضُور وَإِن أحسن الْمَشْي بالعصى على الْمُعْتَمد لما فِيهِ من التَّعَرُّض للضَّرَر نعم إِن كَانَ قَرِيبا من الْجَامِع لَا يتَضَرَّر بذلك وَجب عَلَيْهِ الْحُضُور لعدم الضَّرَر وَمن صحت ظَهره مِمَّن لَا تلْزمهُ جُمُعَة صحت جمعته وتغني عَن ظَهره كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْمُسَافر وَله أَن ينْصَرف من الْمصلى قبل إِحْرَامه بهَا وَلَو بعد دُخُول وَقتهَا إِلَّا الْمَرِيض وَنَحْوه مِمَّن ألحق بِهِ كالأعمى لَا يجد قائدا فَلَا يجوز لَهُ الِانْصِرَاف بعد دُخُول الْوَقْت إِلَّا إِن زَاد ضَرَره بانتظاره فعلهَا وَإِلَّا فَلهُ الِانْصِرَاف مَا لم تكن قد أُقِيمَت وَإِلَّا فَلَا ينْصَرف
وَالْحَاصِل أَن نَحْو الْمَرِيض لَهُ الِانْصِرَاف قبل دُخُول الْوَقْت وَهُوَ الزَّوَال مُطلقًا مَا لم يحصل لَهُ مشقة لَا تحْتَمل وَأما بعد دُخُول الْوَقْت وَقبل الْإِحْرَام فَإِن زَاد ضَرَره بانتظاره فعلهَا وَلم تقم جَازَ لَهُ الِانْصِرَاف وَإِن لم يزدْ ضَرَره أَو أُقِيمَت فَلَا
ثمَّ حَاصِل مَا ذكره المُصَنّف أَن النَّاس فِي الْجُمُعَة سِتَّة أَقسَام قسم تلْزمهُ وتنعقد بِهِ وَهُوَ كل مُسلم مُكَلّف متوطن حر ذكر لَا عذر لَهُ يرخص فِي ترك الْجَمَاعَة
وَقسم لَا تلْزمهُ وتنعقد بِهِ وَهُوَ الْمَعْذُور بمسقط لوُجُوبهَا غير الْمُسَافِر
وَمن الْأَعْذَار مَا لَو حلف بِالطَّلَاق أَنه لَا يُصَلِّي خلف زيد فولى زيد الْمَذْكُور إِمَامَة الْجُمُعَة وَلم يكن فِي الْمحل غَيرهَا فَتسقط عَنهُ على الْمُعْتَمد وَقيل هُوَ مكره شرعا فَيصَلي وَلَا حنث
وَقسم تلْزمهُ وَتَصِح مِنْهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَهُوَ الْمُقِيم غير المتوطن والمتوطن بِمحل يسمع مِنْهُ النداء وَلم يبلغ أَهله أَرْبَعِينَ فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي إِلَى بلد الْجُمُعَة وَلَا يحْسب من عَددهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من المتوطنين ببلدها فَإِن بلغُوا أَرْبَعِينَ لَزِمَهُم إِقَامَتهَا فِي محلهم وَحرم
стр. 135
عَلَيْهِم تعطيله وَإِن فَعَلُوهَا فِي غَيره
وَقسم تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَلَا تصح مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَد
وَقسم لَا تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَتَصِح مِنْهُ وَهُوَ من بِهِ رق وَالصَّبِيّ الْمُمَيز وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَالْمُسَافر والمقيم بِمحل لَا يسمع مِنْهُ النداء وَلم يبلغ أَهله أَرْبَعِينَ أَو كَانُوا أهل خيام
وَقسم لَا تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَلَا تصح مِنْهُ وَهُوَ الْمَجْنُون والمغمى عَلَيْهِ والسكران وَالصَّبِيّ غير الْمُمَيز وَالْكَافِر الْأَصْلِيّ
(و) أما شُرُوط صِحَة الْجُمُعَة فستة وَهِي مَا (شَرط) زَائِدا على مَا يشْتَرط لغَيْرهَا
الأول (وُقُوعهَا جمَاعَة) إِجْمَاعًا فَلَا تصح فُرَادَى إِذْ لم ينْقل فعلهَا كَذَلِك وَالْجَمَاعَة شَرط (فِي الرَّكْعَة الأولى) فَقَط أما الْعدَد فَشرط فِي جَمِيع الْجُمُعَة فَيشْتَرط أَن يستمروا مَعَ الإِمَام إِلَى سجودها الثَّانِي فَلَو نووا كلهم الْمُفَارقَة بعد الرَّكْعَة الأولى وَأَتمُّوا صلَاتهم فُرَادَى صحت جمعتهم وجمعة الإِمَام
وَيشْتَرط أَن لَا تبطل صَلَاة وَاحِد من الْأَرْبَعين قبل سَلام نَفسه وَإِلَّا بطلت صَلَاة الْكل وَإِن كَانَ هُوَ الْأَخير وَإِن ذهب الْأَولونَ إِلَى مكانهم ويلغز بذلك وَيُقَال رجل أحدث فِي الْمَسْجِد فبطلت صَلَاة من فِي الْبَيْت وَلَو كَانَ من جملَة الْأَرْبَعين شخص مالكي فَترك الْبَسْمَلَة بطلت صَلَاة الْجَمِيع بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ زَائِدا على الْأَرْبَعين
(و) الثَّانِي أَن يكون عدد جمَاعَة المجمعين أَرْبَعِينَ مِنْهُم الإِمَام وَإِن كَانَ بَعضهم صلاهَا فِي قَرْيَة أُخْرَى وَلَا نظر لكَونهَا تقع لَهُ نَافِلَة فَلَا تَنْعَقِد بِأَقَلّ مِنْهُم وَذَلِكَ بِأَن تُقَام (بِأَرْبَعِينَ) من أهل الْجُمُعَة وهم الذُّكُور الْأَحْرَار المكلفون المستوطنون بمحلها لَا يظعنون عَنهُ شتاء وَلَا صيفا إِلَّا لحَاجَة
قَالَ بَعضهم وَلَا بُد من صِحَة إِمَامَة كل وَاحِد مِنْهُم بالباقين وَقَالَ بَعضهم الْمدَار على صِحَة صَلَاة كل مِنْهُم فِي نَفسه حَيْثُ كَانَ إمَامهمْ تصح إِمَامَته لَهُم وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بمحاسن الشَّرِيعَة وَلَا بُد من وجود هَذَا الْعدَد كَامِلا من ابْتِدَاء الْخطْبَة إِلَى انْتِهَاء الصَّلَاة وَتَصِح الْجُمُعَة خلف عبد وَصبي مُمَيّز ومسافر وَمن بَان مُحدثا وَلَو حَدثا أكبر إِن تمّ الْعدَد بغيرهم وَلَو كَانُوا ناوين ظهرا بِخِلَاف مَا إِذا لم يتم الْعدَد إِلَّا بهم لأَنهم لَا يحسبون من عدد الْجُمُعَة وَلَا تَنْعَقِد بِأَرْبَعِينَ فَقَط وَفِيهِمْ أُمِّي لارتباط صِحَة صَلَاة بَعضهم بِبَعْض فَصَارَ كاقتداء القارىء بالأمي وَمحله إِذا قصر الْأُمِّي فِي التَّعَلُّم وَإِلَّا فَتَصِح الْجُمُعَة إِن كَانَ الإِمَام قَارِئًا وَعلم من ذَلِك أَن عِلّة بطلَان صلَاتهم تقصيرهم لَا ارتباط صَلَاة بَعضهم بِبَعْض وَمَعْلُوم أَن الْأُمِّيين إِذا لم يَكُونُوا فِي دَرَجَة وَاحِدَة لَا يَصح اقْتِدَاء بَعضهم بِبَعْض فَلَا تصح جمعتهم لِأَن الْجَمَاعَة المشترطة هُنَا للصِّحَّة صيرت بَينهم ارتباطا كالارتباط بَين صَلَاة الإِمَام وَالْمَأْمُوم فَصَارَ كاقتداء قارىء بأمي
وَعلم مِمَّا ذكر أَنه لَا بُد لصِحَّة الْجُمُعَة من اغناء صلَاتهم عَن الْقَضَاء وَلَو كَانَ بقرية أَرْبَعُونَ كاملون حرم عَلَيْهِم أَن يصلوها فِي الْمصر على الْمُعْتَمد سمعُوا النداء أم لَا لتعطيلهم الْجُمُعَة فِي محلهم وَتسقط عَنْهُم الْجُمُعَة بِفِعْلِهَا فِي الْمصر وَإِن قُلْنَا بِعَدَمِ الْجَوَاز إِذْ الْإِسَاءَة لَا تنَافِي الصِّحَّة وَيجب على الْحَاكِم مَنعهم من ذَلِك وَلَا يكون قصدهم البيع وَالشِّرَاء فِي الْمصر عذرا فِي تَركهم الْجُمُعَة فِي قريتهم إِلَّا إِذا ترَتّب عَلَيْهِ فَسَاد شَيْء من أَمْوَالهم أَو احتاجوا إِلَى مَا يصرفونه فِي نَفَقَة ذَلِك الْيَوْم الضرورية وَلَا يكلفون الِاقْتِرَاض
стр. 136
وَلَو تقاربت قَرْيَتَانِ فِي كل مِنْهُمَا دون أَرْبَعِينَ بِصفة الْكَمَال وَلَو اجْتَمعُوا لبلغوا أَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِد بهم وَإِن سَمِعت كل وَاحِدَة نِدَاء الْأُخْرَى لِأَن الْأَرْبَعين غير متوطنين فِي مَوضِع الْجُمُعَة وَلَو كَانَ لَهُ زوجتان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي بَلْدَة يُقيم عِنْد كل يَوْمًا مثلا انْعَقَدت بِهِ الْجُمُعَة فِي الْبَلدة الَّتِي إِقَامَته فِيهَا أَكثر دون الْأُخْرَى فَإِن اسْتَويَا فِي الْإِقَامَة انْعَقَدت بهم فِي الْبَلدة الَّتِي مَاله فِيهَا أَكثر دون الْأُخْرَى فَإِن اسْتَويَا فِي المَال اعْتبرت نِيَّته فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن لم تكن نِيَّة اعْتبر الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ
(و) الثَّالِث أَن تُقَام (بِمحل مَعْدُود من الْبَلَد) أَي فِي خطة أبنية أوطان الْمُصَلِّين للْجُمُعَة سَوَاء الرحاب المسقفة والساحات والمساجد فَتجوز فِي الفضاء الْمَعْدُود من خطة الْبَلَد بِأَن كَانَ فِي مَحل لَا تقصر فِيهِ الصَّلَاة بِخِلَاف غير الْمَعْدُود مِنْهَا وَلَا فرق فِي الْمَعْدُود مِنْهَا بَين الْمُتَّصِل بالأبنية والمنفصل عَنْهَا وَلَو انْهَدَمت الْأَبْنِيَة وَأقَام أَهلهَا قَاصِدين عمارتها صحت مِنْهُم الْجُمُعَة وَإِن لم يَكُونُوا فِي مظال لِأَنَّهَا وطنهم وَلَا تَنْعَقِد فِي غير بِنَاء إِلَّا فِي هَذِه الصُّورَة فَلَا تجوز إِقَامَتهَا خَارج الْأَبْنِيَة حَيْثُ أُقِيمَت فِي مَحل تقصر فِيهِ الصَّلَاة وَلَا جُمُعَة على أهل الْخيام
نعم إِن كَانَت خيامهم فِي خلال الْأَبْنِيَة وهم مقيمون لزمتهم الْجُمُعَة وَلَو كَانُوا متوطنين بِمحل من الْبَادِيَة قريب من بلد الْجُمُعَة بِحَيْثُ يسمعُونَ النداء من بلد الْجُمُعَة لزمتهم وَوَجَب السَّعْي إِلَيْهَا وَالْمرَاد سَماع من يكون بِطرف محلتهم الَّذِي يَلِي بلد الْجُمُعَة أَي من أصغى مِنْهُم وَلَو وَاحِدًا وَهُوَ معتدل السّمع مِمَّن بِطرف بلد الْجُمُعَة الَّذِي يَلِي محلتهم ويفرض عدم الْمَانِع وَالْمُعْتَبر أَن يكون الْمُؤَذّن على الأَرْض لَا على مَوضِع عَال إِلَّا أَن تكون الْبَلدة فِي أَرض بَين أَشجَار فَيعْتَبر فِيهَا الْعُلُوّ على مَا يُسَاوِي الْأَشْجَار وَلَو كَانَ بقرية مَسْجِد ثمَّ خرب مَا حوله فَصَارَ مُنْفَردا وَلم يهجر بل اسْتمرّ النَّاس يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ فِي الصَّلَوَات وَغَيرهَا صحت الْجُمُعَة فِيهِ وَلَو بعد الْعمرَان عَنهُ إِذْ بَقَاء التَّرَدُّد اليه يصيره معدودا من الْبَلَد أفتى بِهِ البُلْقِينِيّ وَغَيره
قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَأكْثر أهل الْقرى يؤخرون الْمَسْجِد عَن جِدَار الْقرْيَة قَلِيلا صِيَانة لَهُ عَن نَجَاسَة الْبَهَائِم وَعدم انْعِقَاد الْجُمُعَة فِيهِ بعد وَالضَّابِط أَن الْمَسْجِد الْخَارِج عَن الْأَبْنِيَة إِن كَانَ بِحَيْثُ تقصر الصَّلَاة قبل مجاوزته لَا تجوز إِقَامَة الْجُمُعَة فِيهِ وَإِلَّا جَازَت
(و) الرَّابِع وُقُوع الصَّلَاة كلهَا فِي الْوَقْت يَقِينا لِأَن الْوَقْت شَرط لافتتاحها فَكَانَ شرطا لتمامها وَلِأَنَّهُمَا فرضا وَقت وَاحِد فَلم يخْتَلف وقتهما
أما بَقِيَّة الصَّلَوَات فَلَيْسَ الْوَقْت شرطا لافتتاحها بِدَلِيل الْقَضَاء خَارجه فَلَا بُد من وُقُوع الصَّلَاة كلهَا مَعَ الْخطْبَة (فِي وَقت ظهر) فَلَو خرج الْوَقْت قبل التَّلَبُّس بهَا أَو كَانُوا فِيهَا أَو ضَاقَ عَنْهَا وَعَن خطبتها أَو شكّ فِي ذَلِك صليت ظهرا فِي الْجَمِيع وَلَو مد الرَّكْعَة الأولى بِأَن أحرم بِالْجمعَةِ فِي وَقت يَسعهَا لكنه طول حَتَّى تحقق أَنه لم يبْق مَا يسع الثَّانِيَة انقلبت ظهرا الْآن عِنْد ابْن حجر كالروياني أَو انقلبت ظهرا عِنْد خُرُوج الْوَقْت على مَا اعْتَمدهُ الرَّمْلِيّ فيسر بِالْقِرَاءَةِ من وَقت الانقلاب وَلَو سلم الإِمَام التسليمة
стр. 137
الأولى وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ فِي الْوَقْت وَسلمهَا الْبَاقُونَ خَارجه صحت جُمُعَة الإِمَام وَمن مَعَه أما الْمُسلمُونَ خَارجه فَلَا تصح جمعتهم وَكَذَا لَو كَانَ الْمُسلمُونَ فِيهِ أقل من أَرْبَعِينَ
وَالْخَامِس أَن لَا يسبقها وَلَا يقارنها جُمُعَة فِي محلهَا وَلَو عظم
نعم إِذا كبر الْمحل وعسر اجْتِمَاعهم فِي مَكَان وَاحِد بِأَن لم يكن فِي مَحل الْجُمُعَة مَكَان يسعهم بِلَا مشقة وَلَو غير مَسْجِد جَازَ التَّعَدُّد على قدر الْحَاجة وَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة فِي الْعسر بِمن يُصَلِّي فِي ذَلِك الْمحل غَالِبا وَإِن لم يكن من أهل الْبَلَد وَلَو كَانَ الْغَالِب يخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمِنَة اعْتبرنَا كل زمَان بِحَسبِهِ لَا بِمن تلْزمهُ وَلَو لم يحضر وَلَا بِجَمِيعِ أهل الْبَلَد كَمَا قيل بذلك وَالْقَوْل الْأَخير يُفِيد أَن التَّعَدُّد فِي مصر كُله لحَاجَة فَعَلَيهِ لَا تجب الظّهْر ثمَّ عسر الِاجْتِمَاع إِمَّا لكثرتهم كَمَا مر أَو لقِتَال بَينهم أَو لبعد أَطْرَاف الْبَلَد بِحَيْثُ كَانَ من بطرفها لَو سعى إِلَيْهَا بعد الْفجْر لَا يُدْرِكهَا فَإِن اجْتمع من أهل الْمحل الْبعيد أَرْبَعُونَ أَقَامُوا الْجُمُعَة وَإِلَّا صلوها ظهرا
وَحَاصِل مَا يُقَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن التَّعَدُّد ان كَانَ لحَاجَة جَازَ بِقَدرِهَا على الْأَصَح وَصحت صَلَاة الْجَمِيع سَوَاء وَقع إِحْرَام الْأَئِمَّة مَعًا أَو مُرَتبا
وَتسن الظّهْر مُرَاعَاة لِلْقَوْلِ الْمَانِع من التَّعَدُّد مُطلقًا أَو لغير حَاجَة فِي جَمِيعهَا أَو بَعْضهَا أَو لم يدر هَل هُوَ لحَاجَة أم لَا كَمَا فِي بعض الْأَمْصَار فلهَا خَمْسَة أَحْوَال لِأَنَّهَا إِمَّا أَن يَقع سبق وَتعلم عين السَّابِقَة وَلم تنس أَو تعلم وتنسى أَو يعلم سبق وَاحِدَة لَا بِعَينهَا أَو يعلم وقوعهما مَعًا أَو يشك فِي الْمَعِيَّة والسبق فَفِي الأولى تجب الظّهْر على المسبوقة لبُطْلَان جمعتها وَفِي الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة يجب على الْجَمِيع فعل الظّهْر لوُجُود جُمُعَة صَحِيحَة لأحد الْفَرِيقَيْنِ فَلَا تتأتى إِقَامَة جُمُعَة بعْدهَا لَكِن لما كَانَت مُبْهمَة وَجب على الْجَمِيع فعل الظّهْر لتبرأ ذمتهم بِيَقِين
وَفِي الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة يجب على الْجَمِيع أَن يجتمعوا بِمحل أَو بمحال بِقدر الْحَاجة ويقيموا جُمُعَة أُخْرَى وَهل يجب مَعَ ذَلِك فِي الْخَامِسَة فعل الظّهْر لِأَن احْتِمَال السَّبق فِي احداهما يَقْتَضِي وجوب الظّهْر على الْأُخْرَى أَو ينْدب فَقَط لِأَن الأَصْل عدم جُمُعَة مجزئة فِي حق كل مِنْهُمَا قَالَ الإِمَام بِالْأولِ وَالْمُعْتَمد الثَّانِي فَإِن ضَاقَ الْوَقْت أَو لم يتَّفق اجْتِمَاعهم كَمَا هُوَ جَار الْآن وَجب الظّهْر
تَنْبِيه صَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة إِمَّا وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة ويعلمان مِمَّا تقدم أَو حرَام وَلَا تَنْعَقِد إِذا لم يكن بِالْبَلَدِ إِلَّا جُمُعَة وَاحِدَة
فَائِدَة الْجُمُعَة الْمُحْتَاج إِلَيْهَا مَعَ الزَّائِد على قدر الْحَاجة كالجمعتين الْمُحْتَاج إِلَى إِحْدَاهمَا فَفِي ذَلِك التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم
(و) السَّادِس تقدم خطبتين على صَلَاة الْجُمُعَة فَلَا بُد من وُقُوعهَا (بعد خطبتين) لَهَا متلبستين (بأركانهما) وَقد نظمها بَعضهم فَقَالَ وخطبة أَرْكَانهَا قد تعلم خمس تعد يَا أخي وتفهم حمد الْإِلَه وَالصَّلَاة الثَّانِي على نَبِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ
стр. 138
وَصِيَّة ثمَّ الدعا للْمُؤْمِنين وَآيَة من الْكتاب المستبين (وَهِي) خَمْسَة إِجْمَالا ثَمَانِيَة تَفْصِيلًا أَولهَا (حمد الله) تَعَالَى
(و) ثَانِيهَا (صَلَاة على النَّبِي) رَسُول الله ﷺ (بلفظهما)
وَالْحَاصِل أَن مَادَّة الْحَمد وَالصَّلَاة متعينة فَلَا يجزىء الشُّكْر وَالثنَاء وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَنَحْو ذَلِك وَلَا يتَعَيَّن لفظ الْحَمد لله بل يجزىء نحمد الله أَو لله الْحَمد أَو نَحْو ذَلِك وَيتَعَيَّن لفظ الْجَلالَة فَلَا يجزىء الْحَمد للرحمن أَو نَحوه وَلَا يتَعَيَّن لفظ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد بل يجزىء نصلي أَو أُصَلِّي أَو نَحْو ذَلِك وَلَا يتَعَيَّن لفظ مُحَمَّد بل يَكْفِي أَحْمد أَو النَّبِي أَو الماحي أَو الحاشر أَو نَحْو ذَلِك وَلَا يَكْفِي الضَّمِير نَحْو صلى الله عَلَيْهِ وَلَا يَكْفِي رحم الله مُحَمَّدًا
(و) ثَالِثهَا (وَصِيَّة بتقوى) وَلَا يتَعَيَّن لفظ الْوَصِيَّة وَلَا مادتها لِأَن الْمَقْصُود الْوَعْظ والحث على طَاعَة الله فَيَكْفِي أطِيعُوا الله وراقبوه وَهَذِه الثَّلَاثَة أَرْكَان (فيهمَا) أَي فِي كل من الْخطْبَتَيْنِ فَتكون سِتَّة تَفْصِيلًا
(و) رَابِعهَا (قِرَاءَة آيَة فِي إِحْدَاهمَا) سَوَاء أَتَى بهَا فِي خلال الْأَركان أَو قبل الشُّرُوع فِيهَا أَو بعد فراغها وَالسّنة أَن تكون فِي آخر الْخطْبَة الأولى لتَكون فِي مُقَابلَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين فِي الثَّانِيَة
(و) خَامِسهَا (دُعَاء) أَي مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم دُعَاء للْمُؤْمِنين وَيجب أَن يكون بأخروي فَلَا يَكْفِي الدنيوي وَالْأولَى فِي الدُّعَاء التَّعْمِيم (وَلَو) خص بِهِ الْحَاضِرين أَو أَرْبَعِينَ مِنْهُم كَقَوْلِه (رحمكم الله) أَو يَرْحَمكُمْ الله فَيَكْفِي ذَلِك إِذْ الْقَصْد مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الدُّعَاء وَلَا بُد من عدم صرفه فَلَو صرف ذَلِك للرحمة الدُّنْيَوِيَّة لم يكف كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي أما لَو خص بِهِ الغائبين فَلَا يَكْفِي وَيكون (فِي ثَانِيَة) لِأَن الدُّعَاء بالخواتيم أليق وَيُبَاح الدُّعَاء للسُّلْطَان بِخُصُوصِهِ وَيحرم وَصفه بِالصِّفَاتِ الكاذبة إِن لم يخْش من تَركه فتْنَة وَإِلَّا وَجب كَمَا فِي قيام بعض النَّاس لبَعض وَيسن الدُّعَاء لأئمة الْمُسلمين وولاة أُمُورهم عُمُوما بالصلاح وَالْهِدَايَة وَالْعدْل
(وَشرط فيهمَا) أَي الْخطْبَتَيْنِ أُمُور سَبْعَة (إسماع أَرْبَعِينَ) مِمَّن تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة (الْأَركان) أَي أَرْكَان الْخطْبَتَيْنِ لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا وعظهم وَهُوَ لَا يحصل إِلَّا بذلك فَإِن كَانَ الْخَطِيب مِمَّن تَنْعَقِد بِهِ الْجُمُعَة فَلَا يشْتَرط أَن يسمع نَفسه فَيَكْفِي كَونه أَصمّ لِأَنَّهُ يعلم مَا يَقُول فَلَا بُد من إسماع تِسْعَة وَثَلَاثِينَ مِمَّن تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة وَالْمرَاد إسماعهم بِالْفِعْلِ بِأَن يرفع الْخَطِيب صَوته بِحَيْثُ يسمعهُ الْحَاضِرُونَ لَو أصغوا وَأما السماع مِنْهُم فبالقوة وَإِن لم يسمعوا بِالْفِعْلِ لوُجُود لغط أَو نوم خَفِيف بِخِلَافِهِ لصمم أَو بعد أَو نوم ثقيل وَلَا يضر عدم فهم مَعْنَاهُمَا حَتَّى فِي حق الْخَطِيب كمن يؤم الْقَوْم وَلَا يعرف معنى الْفَاتِحَة
(وعربية) بِأَن تكون أَرْكَان الْخطْبَتَيْنِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن لم يكن ثمَّ من يحسن الْعَرَبيَّة وَلم يُمكن تعلمهَا خطب بغَيْرهَا فَإِن أمكن وَجب على الْجَمِيع على سَبِيل فرض الْكِفَايَة فَيَكْفِي فِي ذَلِك وَاحِد
فَلَو تركُوا التَّعَلُّم
стр. 139
مَعَ امكانه عصوا وَلَا جُمُعَة لَهُم فيصلون الظّهْر
(وَقيام قَادر) فيهمَا جَمِيعًا فَإِن عجز عَنهُ خطب جَالِسا وَلَو مَعَ وجود الْقَادِر وَالْأولَى للعاجز الِاسْتِنَابَة
(وطهر) عَن الْحَدث الْأَكْبَر والأصغر وَعَن نجس غير مَعْفُو عَنهُ فِي بدنه وثوبه ومكانه كَمَا فِي شُرُوط الصَّلَاة (وَستر) أَي ستر الْعَوْرَة فَلَو أحدث فِي أثْنَاء الْخطْبَة استأنفها وَإِن سبقه الْحَدث وَقصر الْفَصْل لِأَنَّهَا عبَادَة وَاحِدَة فَلَا تُؤَدّى بطهارتين كَالصَّلَاةِ
وَمن ثمَّ لَو أحدث بَين الْخطْبَة وَالصَّلَاة وتطهر عَن قرب لم يضر وَلَا يشْتَرط طهر السامعين وَلَا سترهم (وجلوس بَينهمَا) بطمأنينة فِي جُلُوسه وجوبا
وَمن خطب قَاعِدا لعذر أَو قَائِما وَعجز عَن الْجُلُوس أَو مُضْطَجعا للعجز فصل بَينهمَا بسكتة وجوبا فَوق سكتة التنفس والعي وَيسن أَن تكون الجلسة أَو السُّكُوت بِقدر سُورَة الْإِخْلَاص وَأَن يَقْرَأها فِي ذَلِك
(وَوَلَاء) بَين الْخطْبَتَيْنِ وَبَين أركانهما وَبَعضهَا وَبَينهمَا وَبَين الصَّلَاة وَضَابِط الْمُوَالَاة أَن لَا يَتَخَلَّل مَا يسع رَكْعَتَيْنِ بأخف مُمكن وَلَا يضر تخَلّل الْوَعْظ بَين الْأَركان وَإِن طَال وَأفْتى الْعَلامَة الرَّمْلِيّ فِيمَا لَو ابْتَدَأَ الْخَطِيب فسردها أَي ذكرهَا متتابعة ثمَّ أَعَادَهَا كَمَا اُعْتِيدَ الْآن كَأَن قَالَ الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله أوصيكم بتقوى الله وطاعته لقَوْله تَعَالَى ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ ٤١ فصلت الْآيَة ٤٦ الْآيَة الْحَمد لله الَّذِي إِلَى آخِره بِأَن الْأَركان هُوَ مَا أَتَى بِهِ أَولا وَمَا أَتَى بِهِ ثَانِيًا بِمَنْزِلَة التوكيد فَهُوَ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الرُّكْن القولي وَذَلِكَ لَا يضر
وَمن شُرُوط الْخطْبَة للْجُمُعَة تَقْدِيمهَا على صلَاتهَا وَأَن تكون بعد الزَّوَال لجَرَيَان أهل الْأَعْصَار والأمصار عَلَيْهِ وَلَو جَازَ تَقْدِيمهَا لقدمها النَّبِي ﷺ تَخْفِيفًا على المبكرين وإيقاعا للصَّلَاة فِي أول الْوَقْت
وَيسن تَرْتِيب الْأَركان بِأَن يبْدَأ بِالْحَمْد ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ثمَّ الْوَصِيَّة ثمَّ الْقِرَاءَة ثمَّ الدُّعَاء
وَيسن كَونهمَا على مِنْبَر فَإِن لم يكن فعلى مُرْتَفع وَأَن يسلم الْخَطِيب على من عِنْد الْمِنْبَر وَأَن يقبل عَلَيْهِم إِذا صعد الْمِنْبَر أَو نَحوه وانْتهى إِلَى الدرجَة الَّتِي يجلس عَلَيْهَا الْمُسَمَّاة بالمستراح وَأَن يسلم عَلَيْهِم وَيجب رد السَّلَام عَلَيْهِ فِي الْحَالين وَهُوَ فرض كِفَايَة كالسلام فِي بَاقِي الْمَوَاضِع ثمَّ يجلس ندبا بعد سَلَامه على المستراح ليستريح من تَعب الصعُود فَلَو لم يَأْتِ بِالسَّلَامِ قبل الْجُلُوس فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْتِي بِهِ بعده وَيحصل لَهُ أصل السّنة كَمَا قَالَه الشبراملسي فَيُؤذن وَاحِد أما اتِّخَاذ المرقي فبدعة لِأَنَّهُ لم يكن فِي زَمَنه ﷺ لَكِنَّهَا حَسَنَة إِذْ فِي تِلَاوَة الْآيَة ترغيب فِي الْإِتْيَان بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْيَوْم الْعَظِيم الْمَطْلُوب فِيهِ إكثارها وَفِي قِرَاءَة الحَدِيث بعد الْأَذَان وَقبل الْخطْبَة تيقيظ للمكلف لاجتناب الْكَلَام الْمحرم أَو الْمَكْرُوه على اخْتِلَاف الْعلمَاء وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول هَذَا الْخَبَر على المبنر وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَلَعَلَّه ﷺ كَانَ بقوله فِي ابْتِدَاء الْخطْبَة لكَونه مُشْتَمِلًا على الْأَمر بالإنصات وَكَذَا الْأَذَان الَّذِي فَوق المنارة قبل الْأَذَان الَّذِي بَين يَدي الْخَطِيب بِدعَة حَسَنَة أحدثها عُثْمَان ﵁ وَقيل مُعَاوِيَة لما كثر النَّاس
وَيسن أَن تكون الْخطْبَة فصيحة جزلة لَا مبتدلة وَلَا ركيكة قريبَة للفهم لَا غَرِيبَة وحشية إِذْ لَا ينْتَفع بهَا أَكثر
стр. 140
النَّاس متوسطة لِأَن الطَّوِيل يمل والقصير يخل
قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَحسن أَن يخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف أَحْوَال وأزمان وَأَسْبَاب وَقد يَقْتَضِي الْحَال الإسهاب كالحث على الْجِهَاد إِذا طرق الْعَدو الْبِلَاد وَغير ذَلِك من النَّهْي عَن الْخمر وَالْفَوَاحِش وَالزِّنَا وَالظُّلم إِذا تتَابع النَّاس فِيهَا اه
وَأَن لَا يلْتَفت فِي شَيْء مِنْهَا بل يسْتَمر مُقبلا عَلَيْهِم إِلَى فراغها وَأَن يقبلُوا عَلَيْهِ مُسْتَمِعِينَ لَهُ وَأَن يشغل يسراه بِسيف أَو عَصا أَو قَوس أَو رمح أَي تَارَة على هَذَا وَتارَة على هَذَا وحكمته الْإِشَارَة إِلَى أَن هَذَا الدّين قَامَ بِالسِّلَاحِ ويشغل يمناه بِحرف الْمِنْبَر إِن لم تكن فِيهَا نَجَاسَة وَأَن يُقيم بعد فَرَاغه من الْخطْبَة مُؤذن وَأَن يُبَادر ليبلغ الْمِحْرَاب بعد فَرَاغه من الْإِقَامَة وَأَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بعد الْفَاتِحَة سُورَة الْجُمُعَة وَفِي الثَّانِيَة سُورَة الْمُنَافِقين جَهرا أَو سبح وَهل أَتَاك
(و) أما آدَاب الْجُمُعَة فكثيرة مِنْهَا أَنه (سنّ لمريدها) أَي لمن أَرَادَ حُضُور الْجُمُعَة (غسل) وَإِن لم تجب عَلَيْهِ بل وَإِن حرم عَلَيْهِ الْحُضُور كامرأة بِغَيْر إِذن حَلِيلهَا على الْمُعْتَمد وَوَقته (بعد فجر) أَي من طُلُوع الْفجْر الصَّادِق إِلَى صعُود الْخَطِيب على الْمِنْبَر أَو إِلَى فرَاغ الصَّلَاة وتقريبه من ذَهَابه إِلَى الْجُمُعَة أفضل لِأَنَّهُ أفْضى إِلَى الْمَقْصُود من انْتِفَاء الروائح الكريهة وَلَو تعَارض الْغسْل والتبكير فمراعاة الْغسْل أولى لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي وُجُوبه ولتعدى أَثَره إِلَى الْغَيْر وَلَا يُبطلهُ حدث وَلَا جَنَابَة فَإِن عجز عَن المَاء تيَمّم بَدَلا عَنهُ بِأَن يَنْوِي التَّيَمُّم بَدَلا عَن غسل الْجُمُعَة
(و) مِنْهَا (بكور) وَهُوَ الْمُبَادرَة إِلَى الْجَامِع والساعة الأولى أفضل مِمَّا بعْدهَا ثمَّ الثَّانِيَة وَهَكَذَا إِلَى السَّادِسَة وَابْتِدَاء ذَلِك من طُلُوع الْفجْر فَمن جَاءَ فِي السَّاعَة الأولى نَاوِيا التبكير ثمَّ عرض لَهُ عذر فَخرج على نِيَّة الْعود لَا تفوته فَضِيلَة التبكير وَيجب السَّعْي على بعيد الدَّار إِلَى الْجُمُعَة قبل الزَّوَال بِمِقْدَار يتَوَقَّف فعلهَا عَلَيْهِ وَيسْتَحب الْإِتْيَان اليها مَاشِيا لقَوْله ﷺ من غسل يَوْم الْجُمُعَة واغتسل وَبكر وابتكر وَمَشى وَلم يركب ودنا من الإِمَام واستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل سنة أجر صيامها وقيامها وَالْمعْنَى من غسل ثِيَابه وَرَأسه ثمَّ اغْتسل للْجُمُعَة ثمَّ خرج من بَيته باكرا وَأدْركَ أَوَان الْخطْبَة وَمَشى من غير ركُوب وَلَو فِي بعض الطَّرِيق كَانَ لَهُ ذَلِك
(و) مِنْهَا (تزين بِأَحْسَن ثِيَابه) وَأفضل ثِيَابه الْبيض لخَبر البسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهُ خير ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم وَيسن للْإِمَام أَن يزِيد فِي حسن الْهَيْئَة والعمة والارتداء لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ مَنْظُور إِلَيْهِ وَبحث بَعضهم تَخْصِيص الْبيَاض بِغَيْر زمَان الشتَاء والوحل فَإِن لبس مصبوغا فِيمَا صبغ غزله قبل النسج لَا مَا صبغ منسوجا فَإِنَّهُ يكره
قَالَ ابْن حجر فِي تَنْبِيه الأخيار وَقد أمرنَا ﷺ بِلبْس أَجود مَا نجد وَأَن نتطيب بأجود مَا نجد وَأَن نلبس الْبيَاض
نعم فِي يَوْم الْعِيد يقدم الْأَحْسَن غير الْأَبْيَض على الْأَبْيَض غير الْأَحْسَن فَيسنّ فِي يَوْم الْعِيد تَقْدِيم الْأَخْضَر على الْأَبْيَض لَكِن لَا خُصُوصِيَّة للأخضر بل كل ذِي لون كَذَلِك فَإِن الخضرة أفضل الألوان بعد الْأَبْيَض اه
стр. 141
وَيسن أَن تكون الثِّيَاب جَدِيدَة إِن تيسرت لَهُ وَإِلَّا فَمَا قرب من الجديدة أولى من غَيره
وَلَو كَانَ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فيرجح مُرَاعَاة الْعِيد فَيقدم الْأَعْلَى مُطلقًا أَي سَوَاء وَقت إِقَامَة الْجُمُعَة أَو بَقِيَّة الْيَوْم إِذْ الزِّينَة فِيهِ آكِد مِنْهَا فِي الْجُمُعَة وَلِهَذَا سنّ الْغسْل وَغَيره فِيهِ لكل أحد وَإِن لم يحضر كَذَا نَقله الشبراملسي عَن ابْن قَاسم
(و) مِنْهَا (تعمم) لقَوْله ﷺ رَكْعَتَانِ بعمامة خير من سبعين رَكْعَة بِلَا عِمَامَة رَوَاهُ الديلمي عَن جَابر وَفِي الحَدِيث أَيْضا قَالَ ﷺ عَلَيْكُم بالعمائم فَإِنَّهَا سِيمَا الْمَلَائِكَة وتيجان الْعَرَب وأرخوها من خلف ظهوركم إِلَى الْجِهَة الْيُسْرَى مِقْدَار أَرْبَعَة أَصَابِع وَفِي تَنْبِيه الأخيار كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يُفَارق الطيلسان وَكَانَ طول طيلسانه سِتَّة أَذْرع وَعرضه ثَلَاثَة أَذْرع اه
وَهُوَ شبه الأردية يوضع على الرَّأْس والكتفين وَالظّهْر كَمَا نقل عَن السُّيُوطِيّ
(و) مِنْهَا (تطيب) لحَدِيث من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَلبس من أحسن ثِيَابه وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة وَلم يتخط أَعْنَاق النَّاس ثمَّ صلى مَا كتب الله لَهُ صلَاته كالتحية ثمَّ أنصت إِذا خرج إِمَامه حَتَّى يفرغ من صلَاته كَانَ كَفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الَّتِي قبلهَا قَالَ الشبراملسي وَلَعَلَّ مَا فِي هَذَا الحَدِيث بَيَان للأكمل وَمِنْهَا تنظيف الْجَسَد من الروائح الكريهة كالصنان فيزال بِالْمَاءِ أَو غَيره
وَمِنْهَا أَخذ الظفر إِن طَال وَالشعر كَذَلِك فينتف إبطه ويقص شَاربه ويحلق عانته
وَأما حلق الرَّأْس فَلَا يطْلب إِلَّا فِي نسك وَفِي الْمَوْلُود فِي سَابِع وِلَادَته وَفِي الْكَافِر إِذا أسلم
وَأما فِي غير ذَلِك فَهُوَ مُبَاح
ومعظم هَذِه الْآدَاب لَا يخْتَص بِالْجمعَةِ بل يسن لكل من أَرَادَ حُضُور مجمع لَكِن ذَلِك فِي الْجُمُعَة أَشد اسْتِحْبَابا
(و) سنّ لمن يسمع الْخطْبَتَيْنِ (إنصات) أَي سكُوت مَعَ الإصغاء (لخطبة) وَيكرهُ الْكَلَام من المستمعين حَال الْخطْبَة وَقَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة بحرمته نعم إِن دعت إِلَيْهِ حَاجَة وَجب أَو سنّ كالتعليم لواجب وَالنَّهْي عَن محرم وَلَا يكره قبل الْخطْبَة وَلَا بعْدهَا وَلَا بَينهمَا وَلَو لغير حَاجَة وَيجب رد السَّلَام وَإِن كره ابتداؤه فِي هَذِه الْحَالة وَيسن تشميت الْعَاطِس وَالرَّدّ على المشمت وَرفع الصَّوْت بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ عِنْد ذكره لَكِن المُرَاد الرّفْع الَّذِي لَيْسَ ببليغ أما البليغ كَمَا يَفْعَله بعض الْعَوام فبدعة أما من لم يسمع الْخطْبَة فيسكت أَو يشْتَغل بِالذكر أَو الْقِرَاءَة وَذَلِكَ أولى من السُّكُوت
(و) سنّ (قِرَاءَة) سُورَة (كَهْف) يَوْم الْجُمُعَة وليلتها وَيسْتَحب الْإِكْثَار من ذَلِك وَأقله ثَلَاثَة لما صَحَّ فِي الحَدِيث أَنه ﷺ قَالَ من قَرَأَهَا يَوْم الْجُمُعَة أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَين الجمعتين أَي وَإِن لم يَقْرَأها فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى
وَورد من قَرَأَهَا لَيْلَتهَا أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَينه وَبَين الْبَيْت الْعَتِيق وقراءتها نَهَارا آكِد وأولاها بعد الصُّبْح مسارعة للخير مَا أمكن
وَحِكْمَة ذَلِك أَن الله ذكر فِيهَا أهوال يَوْم الْقِيَامَة وَالْجُمُعَة تشبهها لما فِيهِ من اجْتِمَاع الْخلق لِأَن الْقِيَامَة تقوم يَوْم الْجُمُعَة
(وإكثار صَلَاة على النَّبِي ﷺ وَأقله ثَلَاثمِائَة بِاللَّيْلِ وَمثله بِالنَّهَارِ وَمَعْلُوم أَن أفضل الصِّيَغ الصِّيغَة الإبراهيمية
ثمَّ نقل الشبراملسي عَن فَتَاوَى
стр. 142
ابْن حجر نقلا عَن ابْن الْهمام أَن أفضل الصِّيَغ من الكيفيات الْوَارِدَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ اللَّهُمَّ صل أبدا أفضل صلواتك على سيدنَا عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك مُحَمَّد وَآله وَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كثيرا وزده تَشْرِيفًا وتكريما وأنزله الْمنزل المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة (يَوْمهَا وليلتها) لخَبر إِن من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فَأَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَلخَبَر أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة فَمن صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا (وَدُعَاء) أَي إكثار دُعَاء فِي يَوْمهَا وليلتها أما فِي يَوْمهَا فلرجاء أَن يُصَادف سَاعَة الْإِجَابَة
وَالصَّحِيح فِيهَا مَا ورد أَنَّهَا مَا بَين أَن يجلس الإِمَام للخطبة إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة وَلَيْسَ المُرَاد أَنَّهَا مستغرقة لهَذَا الزَّمن بل المُرَاد أَنَّهَا لَحْظَة لَطِيفَة لَا تخرج عَن هَذَا الْوَقْت وَأما لَيْلَتهَا فلقول الشَّافِعِي ﵁ بَلغنِي أَن الدُّعَاء يُسْتَجَاب فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وللقياس على يَوْمهَا وَيسن كَثْرَة الصَّدَقَة وَفعل الْخَيْر فِي يَوْمهَا وليلتها
(وَحرم تخط) للرقاب أَي الْقَرِيب مِنْهَا وَهُوَ المناكب (لَا لمن وجد فُرْجَة قدامه) وَهَذَا كَمَا نقل عَن نَص الشَّافِعِي وَالْمُعْتَمد عِنْد الرَّمْلِيّ وَابْن حجر أَن التخطي مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه
وَقَالَ الشبراملسي نقلا عَن ابْن قَاسم فَإِن قلت مَا وَجه تَرْجِيح الْكَرَاهَة على الْحُرْمَة مَعَ أَن الْإِيذَاء حرَام وَقد قَالَ ﷺ اجْلِسْ فقد آذيت وَهُوَ يخْطب وَقد رأى رجلا يتخطى رِقَاب النَّاس
قلت لَيْسَ كل إِيذَاء حَرَامًا وللمتخطي هُنَا غَرَض فَإِن التَّقَدُّم أفضل اه
وَمن التخطي الْمَكْرُوه مَا جرت بِهِ الْعَادة من التخطي لتفرقة الْأَجْزَاء أَو تبخير الْمَسْجِد أَو سقِِي المَاء أَو السُّؤَال لمن يقْرَأ فِي الْمَسْجِد أَو نَحْو ذَلِك
أما مُجَرّد السُّؤَال من غير تخط فَلَا كَرَاهَة فِيهِ بل هُوَ سعي فِي خير وإعانة عَلَيْهِ مَا لم يرغب الْحَاضِرُونَ الَّذين يَتَخَطَّاهُمْ فِي ذَلِك وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَة
وَيُؤْخَذ من التَّعْبِير بالتخطي أَنه يرفع رجله بِحَيْثُ تحاذي أَعلَى منْكب الْجَالِس
أما مَا يَقع من الْمُرُور بَين يَدي النَّاس ليصل إِلَى نَحْو الصَّفّ الأول فَلَيْسَ من التخطي أصلا بل من خرق الصُّفُوف إِذا لم يكن بَين النَّاس فرج يمشى فِيهَا وَإِلَّا فَلَا خرق أَيْضا وَيسْتَثْنى من كَرَاهَة التخطي صور مِنْهَا الإِمَام إِذا لم يبلغ الْمِنْبَر أَو الْمِحْرَاب إِلَّا بالتخطي فَلَا يكره لَهُ لاضطراره
وَمِنْهَا مَا إِذا وجد فِي الصُّفُوف الَّتِي بَين يَدَيْهِ فُرْجَة لَا يبلغهَا إِلَّا بتخطي رجل أَو رجلَيْنِ فَلَا يكره لَهُ وَإِن وجد غَيرهَا لتقصير الْقَوْم بإخلاء فُرْجَة لَكِن يسن إِذا وجد غَيرهَا أَن لَا يتخطى فَإِن زَاد فِي التخطي عَلَيْهِمَا وَرَجا أَن يتقدموا إِلَى الفرجة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة اسْتحبَّ ترك التخطي
وَمِنْهَا إِذا سبق من لَا تَنْعَقِد بهم إِلَى الْجَامِع فَإِنَّهُ يجب على الكاملين إِذا حَضَرُوا التخطي لسَمَاع الْخطْبَة إِذا كَانُوا لَا يسمعونها مَعَ الْبعد
وَمِنْهَا الرجل الْمُعظم فِي نفوس النَّاس لصلاح أَو ولَايَة لِأَن النَّاس يتبركون بِهِ ويسرون بتخطيه سَوَاء ألف موضعا أَو لَا فَإِن لم يكن مُعظما لم يتخط وَإِن كَانَ لَهُ مَحل مألوف وَمن جلس فِي ممر النَّاس لَا يكره تخطيه
وَالْحَاصِل أَن التخطي يُوجد فِيهِ سِتَّة أَحْكَام فَيجب إِن توقفت الصِّحَّة عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيحرم مَعَ
стр. 143
التأذي وَيكرهُ مَعَ عدم الفرجة أَمَامه وَينْدب فِي الفرجة الْقَرِيبَة إِذا لم يجد موضعا وَفِي الْبَعِيدَة لمن لَا يَرْجُو سدها وَلم يجد موضعا وَيكون خلاف الأولى فِي الْقَرِيبَة لمن وجد موضعا وَفِي الْبَعِيدَة لمن رجا سدها وَوجد موضعا وَيُبَاح فِي هَذِه لمن لم يجد لَهُ موضعا وَيحرم أَن يُقيم غَيره ليجلس فِي مَكَانَهُ فَإِن قَامَ الْجَالِس بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلسهُ فَلَا حُرْمَة وَلَا كَرَاهَة فِي حَقه وَأما الَّذِي قَامَ من مَكَانَهُ فَإِن انْتقل إِلَى مَكَان أقرب إِلَى الإِمَام أَو مثله لم يكره وَإِلَّا كره إِن لم يكن لَهُ عذر لِأَن الإيثار بِالْقربِ مَكْرُوه
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ ٥٩ الْحَشْر الْآيَة ٩ فَالْمُرَاد الإيثار فِي حظوظ النَّفس
نعم إِن آثر قَارِئًا أَو عَالما ليعلم الإِمَام أَو يرد عَلَيْهِ إِذا غلط فَالْمُتَّجه أَنه لَا كَرَاهَة لكَونه مصلحَة عَامَّة
(و) حرم على من تلْزمهُ الْجُمُعَة (نَحْو مبايعة) أَي فَيحرم عَلَيْهِ التشاغل عَن الْجُمُعَة بِأَن يتْرك السَّعْي إِلَيْهَا بِالْبيعِ أَو غَيره من سَائِر الْعُقُود والصنائع وَغير ذَلِك (بعد) الشُّرُوع فِي (أَذَان خطْبَة) أَي فِي الْأَذَان بَين يَدي الْخَطِيب حَال جُلُوسه على الْمِنْبَر لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾ ٦٢ الْجُمُعَة الْآيَة ٩
فورد النَّص فِي البيع وَقيس عَلَيْهِ غَيره مِمَّا شَأْنه أَن يشغل فِي كَون كل مفوتا وَشَمل ذَلِك مَا لَو قطع بِعَدَمِ فَوَاتهَا لَكِن إِن بَاعَ صَحَّ بَيْعه لِأَن النَّهْي لِمَعْنى خَارج عَن العقد وَيكرهُ ذَلِك قبل الْأَذَان الْمَذْكُور بعد الزَّوَال لدُخُول وَقت الْوُجُوب وَلَو تبَايع اثْنَان أَحدهمَا تلْزمهُ فَقَط وَالْآخر لَا تلْزمهُ أثما لارتكاب الأول النَّهْي وإعانة الثَّانِي لَهُ عَلَيْهِ
وَيحرم على الْحَاضِرين بالجامع إنْشَاء صَلَاة سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا وَلَو كَانَ قَضَاؤُهَا فوريا من وَقت صعُود الْخَطِيب على الْمِنْبَر وَلَو قبل الشُّرُوع فِي الْخطْبَة إِلَى فراغها فَلَو فعلهَا لم تَنْعَقِد وَلَو فِي حَال الدُّعَاء للسُّلْطَان أَو الترضي عَن الصَّحَابَة وَلَو كَانَ أَتَى بِجَمِيعِ الْأَركان على الْمُعْتَمد
وَأما من دخل الْمَسْجِد فِي هَذَا الْوَقْت فَيجوز لَهُ أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين تَحِيَّة الْمَسْجِد ثمَّ يجلس فَإِن لم يكن صلى سنة الْجُمُعَة نَوَاهَا رَكْعَتَيْنِ وَحصل بهما تَحِيَّة الْمَسْجِد وَلَا تجوز الزِّيَادَة على رَكْعَتَيْنِ وَلَا يجوز لَهُ غير تَحِيَّة الْمَسْجِد وَسنة الْجُمُعَة من فرض وَنفل وَلَو جلس قبل التَّحِيَّة عمدا أَو طَال الْفَصْل فَاتَت فَلَا تصح مِنْهُ بعد ذَلِك وَلَو كَانَ الْجَامِع غير مَسْجِد لم يجز أَن يُصَلِّي فِيهِ فِي هَذَا الْوَقْت شَيْئا بِالْإِجْمَاع وَهَذَا مِمَّا غلب فِيهِ الْجَهْل على الْعَوام
(و) حرم على من تلْزمهُ الْجُمُعَة بِأَن كَانَ من أَهلهَا وَإِن لم تَنْعَقِد بِهِ كمقيم لَا يجوز لَهُ الْقصر (سفر) مفوت لَهَا (بعد فجرها) أَي بعد طُلُوع فجر يَوْمهَا فَإِن سَافر كَانَ عَاصِيا بِالسَّفرِ فتمتنع عَلَيْهِ الرُّخص حَتَّى ييأس من إِدْرَاكهَا وَخرج بِالسَّفرِ النّوم قبل الزَّوَال فَلَا يحرم وَإِن علم فَوت الْجُمُعَة بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْن النّوم الْفَوات أما السّفر الَّذِي لَا يفوتها كَأَن غلب على ظَنّه أَنه يُدْرِكهَا فِي مقْصده أَو طَرِيقه فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بِهِ وَلَو تبين خلاف ظَنّه لَا يكون سَفَره حِينَئِذٍ مَعْصِيّة وَيكرهُ لَهُ السّفر لَيْلَة الْجُمُعَة
وَذكر فِي الْإِحْيَاء أَن من سَافر لَيْلَة الْجُمُعَة دَعَا عَلَيْهِ ملكاه لَكِن قَالَ ابْن حجر هَذَا السَّنَد ضَعِيف جدا
وَهِي الْحَج المبرور وَالْوُضُوء مَعَ الإسباغ وَقيام لَيْلَة الْقدر وَقيام شهر رَمَضَان وصيامه وَصَوْم يَوْم عَرَفَة ومقارنة الإِمَام فِي التَّأْمِين وَقِرَاءَة أَوَاخِر سُورَة الْحَشْر من قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ ٥٩ ﴿الْحَشْر﴾
стр. 144
فَائِدَة سَبْعَة عشر من الْأَعْمَال يكفر كل وَاحِد مِنْهَا الذُّنُوب الْمُتَقَدّمَة والمتأخرة الْآيَة ٢٢ ٢٤) إِلَى آخر السُّورَة وقود الْأَعْمَى أَرْبَعِينَ خطْوَة وَأَن يَقُول عِنْد سَماع الْمُؤَذّن أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبيا ورسولا وَالسَّعْي فِي قَضَاء حَاجَة الْمُسلم وَصَلَاة الضُّحَى وَأَن يَقُول عِنْد لبس الثَّوْب الْحَمد لله الَّذِي كساني هَذَا ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة وَأَن يَقُول بعد الْأكل الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا الطَّعَام ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة والمجيء من بَيت الْمُقَدّس مهلا بِحَجّ أَو بِعُمْرَة وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَقل هُوَ الله أحد والمعوذتين كل وَاحِدَة سبعا بعد صَلَاة الْجُمُعَة ومصافحة الْمُسلم غير الْفَاسِق مَعَ ذكر الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَآله
فصل فِي الْجَنَائِز
يتَعَيَّن على كل مُكَلّف الْمُبَادرَة بِالتَّوْبَةِ لِئَلَّا يفجأه الْمَوْت المفوت لَهَا وَالْمَرِيض آكِد من غَيره وَيكرهُ تمني الْمَوْت لغير خوف على دينه وَإِذا دَعَتْهُ نَفسه إِلَى ذَلِك فَلْيقل اللَّهُمَّ أحيني مَا كَانَت الْحَيَاة خيرا لي وتوفني إِذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي وَيسْتَحب لمن أيس من حَيَاته أَن يَقُول اللَّهُمَّ أَعنِي على غَمَرَات الْمَوْت وسكرات الْمَوْت
اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى وَأَن يكثر من تِلَاوَة الْقُرْآن والأذكار وَيكرهُ الْجزع وَسُوء الْخلق والمخاصمة والشتم والمنازعة فِي غير الْأُمُور الدِّينِيَّة ويستحضر أَن هَذَا آخر أوقاته من الدُّنْيَا فيجتهد فِي خَتمهَا بِخَير ويبادر إِلَى أَدَاء الْحُقُوق ورد الودائع والعواري وَاسْتِحْلَال أَهله وَولده وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وَمن كَانَ بَينه وَبَينه مُعَاملَة أَو لَهُ عَلَيْهِ تباعة من قبل أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ ذَلِك وَيكون شاكرا لله تَعَالَى رَاضِيا حسن الظَّن بِاللَّه أَن يرحمه وَيغْفر لَهُ وَأَن الله غَنِي عَن عَذَابه وَعَن طَاعَته فيطلب مِنْهُ الْعَفو والصفح وَيطْلب أَن تقْرَأ عِنْده آيَات الرَّجَاء وَالْأَحَادِيث فِيهِ وآثار الصَّالِحين فِيهِ وآيات الرَّحْمَة وأحاديثها ويوصي بِأُمُور أَوْلَاده ويحافظ على الصَّلَوَات ويجتنب النَّجَاسَات ويحذر من التساهل فِي ذَلِك فَإِن من أقبح القبائح أَن يكون آخر عَهده من الدُّنْيَا التَّفْرِيط فِي حُقُوق الله تَعَالَى وَلَا يَقُول قَول من يثبط عَن ذَلِك
وَيسْتَحب لَهُ أَن يُوصي أَهله بِالصبرِ عَلَيْهِ فِي مَرضه وَفِي مصيبتهم بِهِ ويجتهد فِي وصيتهم بترك الْبكاء عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُم صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله فإياكم يَا أحبابي وَالسَّعْي فِي أَسبَاب عَذَابي وَأَن يتعاهدوه بِالدُّعَاءِ لَهُ وَورد أَن المحتضر إِذا بلغت روحه التراقي تعرض عَلَيْهِ الْفِتَن وَذَلِكَ أَن إِبْلِيس لَعنه الله قد أنفذ أعوانه إِلَى هَذَا الْإِنْسَان خَاصَّة واستعملهم عَلَيْهِ ووكلهم بِهِ وأكد عَلَيْهِم بِالِاجْتِهَادِ فِي إغوائه فَيَأْتُونَ الْمَرْء وَهُوَ فِي تِلْكَ الغمرات يمثلون لَهُ فِي صُورَة أحبابه الميتين الَّذين كَانُوا يحبونه فِي دَار الدُّنْيَا كَالْأَبِ وَالأُم وَالْأَخ وَالْأُخْت
стр. 145
وَالصديق الْحَمِيم فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْت تَمُوت يَا فلَان وَقد سبقناك فِي هَذَا الشَّأْن فمت يَهُودِيّا فَهُوَ الدّين المقبول عِنْد الله تَعَالَى فَإِذا أَبى جَاءَهُ آخَرُونَ وَقَالُوا لَهُ مت نَصْرَانِيّا فَإِنَّهُ دين الْمَسِيح وَقد نسخ فِيهِ دين مُوسَى ويذكرون لَهُ عقائد كل مِلَّة فَعِنْدَ ذَلِك يزِيغ الله من يُرِيد زيغه فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد هِدَايَة وتثبيتا جَاءَهُ جِبْرِيل فيطرد عَنهُ الشَّيَاطِين وَيمْسَح الشحوب عَن وَجهه فيبتسم وَكَثِيرًا من يرى مُتَبَسِّمًا فِي هَذَا الْمقَام فَرحا بالبشير الَّذِي جَاءَهُ رَحْمَة من الله تَعَالَى فَيَقُول لَهُ يَا فلَان أما تعرفنِي أَنا جِبْرِيل وَهَؤُلَاء أعداؤك من الشَّيَاطِين مت على الْملَّة الحنيفية والشريعة الجليلة فَمَا شَيْء أحب إِلَى الْإِنْسَان وأفرح مِنْهُ بذلك الْملك ثمَّ يقبض روحه
والمحبوب عِنْد الْمَوْت من صُورَة المحتضر الهدوء والسكون وَمن لِسَانه النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمن قلبه أَن يكون حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى فالمطلوب مِنْهُ فِي هَذِه الْحَالة قُوَّة الرَّجَاء فيرجو من الله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة والتجاوز عَمَّا مضى وَيكون رَاضِيا منقادا ممتثلا طيب الْقلب بِمَا يرد عَلَيْهِ من السكرات والنزعات مستحضرا أَن عَاقِبَة ذَلِك خير عَظِيم لِأَنَّهُ لَو ضَاقَ صَدره بذلك يخْشَى عَلَيْهِ من سوء الخاتمة وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَيكون مُسْتَبْشِرًا بالقدوم على الْكَرِيم الَّذِي لَا يخيب من قَصده كَمَا نقل مثل ذَلِك عَن السّلف الصَّالح فقد فتح عبد الله بن الْمُبَارك عَيْنَيْهِ عِنْد الْوَفَاة وَضحك وَقَالَ لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ
وَمن عَلَامَات السَّعَادَة عِنْد الْمَوْت عرق الجبين وذرف الْعين وانتشار المنخر
رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ارقبوا الْمَيِّت عِنْد مَوته ثَلَاثًا
إِن رشح جَبينه وذرفت عَيناهُ وانتشر منخراه فَهُوَ رَحْمَة من الله قد نزلت بِهِ وَإِن غط غطيط الْبكر المخنوق وأخمد لَونه وأزبد شدقاه فَهُوَ عَذَاب من الله قد حل بِهِ اه
وَقد تظهر العلامات الثَّلَاث وَقد تظهر وَاحِدَة أَو ثِنْتَانِ بِحَسب تفَاوت النَّاس فِي الْأَعْمَال
وَأما عَلامَة ذَلِك فِي حَال الصِّحَّة فتوفيقه للْعَمَل بِالسنةِ على قدر الطَّاقَة
وَحَيْثُ احْتضرَ يُوَجه للْقبْلَة بِمقدم بدنه على جنبه الْأَيْمن إِن أمكن فَإِن تعسر فعلى جنبه الْأَيْسَر فَإِن تعسر فعلى ظَهره وَحِينَئِذٍ يَجْعَل وَجهه وأخمصاه للْقبْلَة وَيقْرَأ عِنْده سُورَة يس جَهرا وَسورَة الرَّعْد سرا وَلَو تعَارض عَلَيْهِ قراءتهما فَيَنْبَغِي أَن يُرَاعى حَال المحتضر فَإِن كَانَ عِنْده شُعُور وتذكر بأحوال الْبَعْث قَرَأَ سُورَة يس وَإِلَّا قَرَأَ سُورَة الرَّعْد فَهِيَ تهون طُلُوع الرّوح وَيكثر المحتضر من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَيَقُول لَهُم إِذا أهملت فنبهوني قَالَ ﵊ من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَقَالَ لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن عجز عَن القَوْل لقنه من حَضَره بِرِفْق مَخَافَة أَن يضجر فيردها وَإِذا قَالَهَا مرّة لَا يُعِيدهَا عَلَيْهِ إِلَّا إِذا تكلم بِكَلَام آخر وَيكون الَّذِي يلقنها لَهُ غير مُتَّهم كوارث وعدو وحاسد لِئَلَّا يتهمه المحتضر فِي قَوْلهَا أَي إِن كَانَ ثمَّ غَيره وَإِلَّا لقنه وَإِن اتهمه
следующие страницы →