Полный текст (400 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَقبل التَّفْرِيق لعسر اقتران النِّيَّة بأَدَاء كل مُسْتَحقّ
(أَو) وجدت النِّيَّة (بعد أَحدهمَا) أَي الْعَزْل وَالتَّوْكِيل
(وَقبل التَّفْرِقَة) فَلَو دفع مَالا إِلَى وَكيله ليفرقه تَطَوّعا ثمَّ نوى بِهِ الْفَرْض ثمَّ فرقه الْوَكِيل وَقع عَن الْفَرْض إِن كَانَ الْقَابِض مُسْتَحقّا أما تَقْدِيم النِّيَّة على الْعَزْل أَو إِعْطَاء الْوَكِيل فَلَا يجزى كأداء الزَّكَاة بعد الْحول من غير نِيَّة وَلَو نوى الزَّكَاة مَعَ الْإِفْرَاز فَأَخذهَا صبي أَو كَافِر وَدفعهَا لمستحقها أَو أَخذهَا الْمُسْتَحق لنَفسِهِ ثمَّ علم الْمَالِك بذلك أَجْزَأَ وبرئت ذمَّته مِنْهَا لوُجُود النِّيَّة من الْمُخَاطب بِالزَّكَاةِ مُقَارنَة لفعله ويملكها الْمُسْتَحق لَكِن إِذا لم يعلم الْمَالِك بِإِعْطَاء الصَّبِي أَو الْكَافِر لمستحقها وَجب عَلَيْهِ إخْرَاجهَا وَتَقَع الأولى تَطَوّعا وَلَو أفرز قدرهَا ونواها لم يتَعَيَّن ذَلِك الْقدر المفرز لِلزَّكَاةِ إِلَّا بِقَبض الْمُسْتَحق لَهُ سَوَاء أَكَانَت زَكَاة مَال أم بدن وَالْفرق بَين ذَلِك وَالشَّاة الْمعينَة للتضحية أَن الْمُسْتَحقّين لِلزَّكَاةِ شُرَكَاء لِلْمَالِ بِقَدرِهَا فَلَا تَنْقَطِع شركتهم إِلَّا بِقَبض مُعْتَبر
(وَجَاز) كَمَا قَالَ الْجِرْجَانِيّ (لكل) من أحد الشَّرِيكَيْنِ (إِخْرَاج زَكَاة الْمُشْتَرك بِغَيْر إِذن) شَرِيكه (الآخر) وَمن ذَلِك يُؤْخَذ أَن نِيَّة أَحدهمَا تغني عَن نِيَّة الآخر وَذَلِكَ إِذا أخرج من الْمُشْتَرك (و) جَازَ التَّوْكِيل فِي أَدَاء الزَّكَاة لِأَنَّهَا حق مَالِي فَجَاز أَن يُوكل فِيهِ كديون الْآدَمِيّين وَلذَلِك جَازَ (تَوْكِيل كَافِر وَصبي) أَي مُمَيّز (فِي إعطائها لمُعين) أَي يشْتَرط لجَوَاز تَوْكِيل دفع الزَّكَاة إِلَى من ذكر تعْيين الْمَدْفُوع إِلَيْهِ وَيشْتَرط لبراءة ذمَّة الْمُوكل الْعلم بوصولها للْمُسْتَحقّ وَمثل الصَّبِي الْمُمَيز السَّفِيه وَالرَّقِيق فِي ذَلِك (و) جَازَ لمَالِك النّصاب (تَعْجِيلهَا) أَي الزَّكَاة فِي المَال الحولي (قبل) تَمام (حول) فِيمَا انْعَقَد حوله وَوجد النّصاب فِيهِ لِأَنَّهُ ﷺ أرخص فِي التَّعْجِيل للْعَبَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَلِأَنَّهُ وَجب بسببين فَجَاز تَقْدِيمه على أَحدهمَا كتقديم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وَمحل جَوَاز التَّعْجِيل فِي غير الْوَلِيّ أما هُوَ فَلَا يجوز لَهُ التَّعْجِيل عَن موليه سَوَاء الْفطْرَة وَغَيرهَا
نعم إِن عجل من مَاله جَازَ وَلَا يرجع بِهِ على الصَّبِي وَإِن نوى الرُّجُوع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يرجع عَلَيْهِ فِيمَا يصرفهُ عَنهُ عِنْد الِاحْتِيَاج وَلَا يَصح تَعْجِيل الزَّكَاة على ملك النّصاب فِي زَكَاة عَيْنِيَّة كَأَن ملك مائَة دِرْهَم فَعجل خَمْسَة دَرَاهِم لتَكون زَكَاة إِذا تمّ النّصاب وَحَال الْحول عَلَيْهِ وَاتفقَ ذَلِك فَلَا يُجزئهُ إِذْ لم يُوجد سَبَب وُجُوبهَا لعدم المَال الزكوي فَأشبه أَدَاء الثّمن قبل البيع وَالدية قبل الْقَتْل وَالْكَفَّارَة قبل الْيَمين
وَخرج بِالزَّكَاةِ العينية زَكَاة التِّجَارَة فَيجوز التَّعْجِيل فِيهَا بِنَاء على مَا مر من أَن النّصاب فِيهَا مُعْتَبر بآخر الْحول فَلَو اشْترى عرضا قِيمَته مائَة فَعجل زَكَاة مِائَتَيْنِ مثلا أَو قِيمَته مِائَتَان فَعجل زَكَاة أَرْبَعمِائَة وَحَال الْحول وَهُوَ يُسَاوِي ذَلِك أَجزَأَهُ وَكَأَنَّهُم اغتفروا لَهُ التَّرَدُّد فِي النِّيَّة إِذْ الأَصْل عدم الزِّيَادَة لضَرُورَة التَّعْجِيل وَإِلَّا لم يجز تَعْجِيل أصلا لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا حَاله عِنْد آخر الْحول
(لَا) يجوز تَعْجِيل الزَّكَاة (لعامين) وَلَا لأكْثر مِنْهُمَا إِذْ زَكَاة غير الأول لم ينْعَقد حوله والتعجيل قبل انْعِقَاد الْحول مُمْتَنع فَإِن عجل لأكْثر من عَام أَجزَأَهُ عَن الأول مُطلقًا أَي ميز مَا لكل عَام أَو لَا دون غَيره سَوَاء أَكَانَ قد ميز حِصَّة كل عَام أم لَا
стр. 177
وَشرط وُقُوع الْمُعَجل زَكَاة بَقَاء الْمَالِك بِصفة الْوُجُوب عِنْد آخر الْحول والقابض بِصفة الِاسْتِحْقَاق وَالْمَال إِلَى تَمام الْحول فَإِن مَاتَ مَالك أَو قَابض قبله أَو ارْتَدَّ قَابض أَو غَابَ وَلم تجز نقل الزَّكَاة أَو اسْتغنى بمحض غير الْمُعَجل كمعجل آخر أَخذه بعد الأول أَو نقص نِصَاب أَو زَالَ عَن ملكه وَلَيْسَ مَال تِجَارَة لم تُجزئه لِخُرُوجِهِ عِنْد الْوُجُوب عَن الْأَهْلِيَّة فِي الطَّرفَيْنِ وَلَا يضر غناهُ بالمعجل وَحده أَو مَعَ غَيره وَلَا عرُوض مَانع فِيهِ قبل الْحول كردة وَكَذَا لَو لم يعلم اسْتِحْقَاقه أَو حَيَاته
(وَحرم تَأْخِيرهَا) أَي تَأْخِير الْمَالِك أَدَاء الزَّكَاة بعد التَّمَكُّن (وَضمن) أَي الْمَالِك (إِن) أخر الْأَدَاء (وَتلف) أَي المَال (بعد تمكن) وَقد مر لتَقْصِيره وَمن ثمَّ لَو أتْلفه بعد الْحول وَلَو قبل التَّمَكُّن ضمنه بِأَن يُؤَدِّي مَا كَانَ يُؤَدِّيه قبل التّلف فَإِن أتْلفه أَجْنَبِي تعلّقت الزَّكَاة بِالْقيمَةِ وَيجوز التَّأْخِير لطلب الْأَفْضَل لتفريقه أَو لطلب الإِمَام حَيْثُ كَانَ تفريقه أفضل ولانتظار قرَابَة وَإِن بَعدت وجار أَو أحْوج أَو أصلح لِأَنَّهُ تَأْخِير لغَرَض ظَاهر هَذَا إِذا لم يكن هُنَاكَ مُضْطَر أما إِذا كَانَ ثمَّ من يتَضَرَّر بِالْجُوعِ أَو العري مثلا ضَرَرا يُبِيح التَّيَمُّم فَيحرم التَّأْخِير مُطلقًا وَيضمن مَا تلف فِي مُدَّة التَّأْخِير فَيخرج قدر الزَّكَاة لمستحقيه وَإِن لم يَأْثَم كَأَن أخر ذَلِك لحُصُول الْإِمْكَان وَإِذا أخر لغَرَض نَفسه فيتقيد جَوَاز التَّأْخِير بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة أما مَا تلف قبل التَّمَكُّن من غير تَقْصِير فَلَا ضَمَان سَوَاء كَانَ تلفه بعد الْحول أم قبله فَإِذا كَانَ من نِصَاب لَا وقص سقط قسطه وَبَقِي قسط الْبَاقِي فَيتَعَلَّق الْفَرْض بالنصاب فَقَط وَذَلِكَ لانْتِفَاء تَقْصِيره فَإِن قصر كَأَن وَضعه فِي غير حرز مثله كَانَ ضَامِنا وَخرج بالتلف قبل التَّمَكُّن مَا لَو مَاتَ الْمَالِك قبل التَّمَكُّن فَلَا يسْقط الضَّمَان بل يتَعَلَّق الْوَاجِب بِتركَتِهِ
(و) ثَانِيهمَا (إعطاؤها) أَي الزَّكَاة (لمستحقيها) فَلَا تصرف الزكوات إِلَّا إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الْمَذْكُورين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾ ٩ التَّوْبَة الْآيَة ٦٠
وَبَيَان هَذِه الْأَصْنَاف على تَرْتِيب الْآيَة الْكَرِيمَة أَن نقُول الْفَقِير هُوَ من لَا مَال لَهُ وَلَا كسب لَائِق بِهِ يَقع كل مِنْهُمَا أَو مجموعهما موقعا من كِفَايَته مطعما وملبسا ومسكنا وَغَيرهَا مِمَّا لَا بُد لَهُ مِنْهُ على مَا يَلِيق بِحَالهِ وَحَال ممونه كمن يحْتَاج إِلَى عشرَة فِي كل يَوْم وَلَا يملك أَو لَا يكْتَسب إِلَّا أقل من خَمْسَة وَالْمرَاد باللائق أَن يكون حَلَالا يَلِيق بِهِ فالكسب الْحَرَام لَا يمْنَع الْفقر وَلَو كَانَ فِي سَعَة مِنْهُ فَيحل لَهُ الْأَخْذ من الزَّكَاة وَعلم من ذَلِك أَن أهل الْبيُوت الَّذين لَا يعتادون الْكسْب بِأَيْدِيهِم لَهُم أَخذ الزَّكَاة وَهُوَ الْمُعْتَمد
والكسوب غير فَقير وَإِن لم يكْتَسب بِالْفِعْلِ إِن وجد من يَسْتَعْمِلهُ وَقدر عَلَيْهِ ولاق بِهِ وَحل لَهُ تعاطيه
والمسكين هُوَ من لَهُ مَال أَو كسب لَائِق بِهِ يَقع موقعا من كِفَايَته إِن قتر وَلَا يَكْفِيهِ لَو توَسط كمن لَا يَكْفِيهِ إِلَّا عشرَة وَلَا يملك أَو يكْتَسب إِلَّا خَمْسَة فَمَا فَوْقهَا إِلَى دون مَا يَكْفِيهِ وَيمْنَع فقر الشَّخْص ومسكنته كِفَايَة بِنَفَقَة وَاجِبَة إِن تيسرت لَهُ أما إِذا تعسرت كَأَن كَانَ الزَّوْج مُعسرا بِالنَّفَقَةِ أَو بِتَمَامِهَا فللزوجة أَن تَأْخُذ كفايتها من الزَّكَاة وَمن لم يكفها مَا وَجب لَهَا على زَوجهَا لكَونهَا أكولة تَأْخُذ تَمام كفايتها من الزَّكَاة وَلَو من زَوجهَا
стр. 178
وَلَو كَانَ لَهُ كسب لَائِق بِهِ لكنه كَانَ مشتغلا بِالْعلمِ الشَّرْعِيّ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ تَحْصِيله وَالْكَسْب يمنعهُ جَازَ لَهُ الْأَخْذ من الزَّكَاة قَالَ بَعضهم
وَحِينَئِذٍ تجب نَفَقَته على وَالِده
وَالْعلم الشَّرْعِيّ الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وآلاتها وَلَا يمْنَع فقره مَسْكَنه الَّذِي يَحْتَاجهُ ويليق بِهِ وَلَا ثِيَابه وَلَو للتجمل وَلَا كتب لَهُ يحتاجها وَإِن تعدّدت بِتَعَدُّد الْفُنُون فَإِن تعدّدت من فن وَاحِد بيع مَا زَاد إِلَّا لمدرس فَتبقى لَهُ كلهَا وَيبقى الْمَبْسُوط لغيره وَلَا مَال غَائِب بمرحلتين أَو حَاضر حيل بَينه وَبَينه أَو مُؤَجل فَيعْطى إِلَى أَن يصل إِلَى مَاله أَو يتَمَكَّن مِنْهُ أَو يحل الْأَجَل لِأَنَّهُ الْآن فَقير أَو مِسْكين وَعلم مِمَّا مر أَن الْفَقِير أَسْوَأ حَالا من الْمِسْكِين
وَالْعَامِل على الزَّكَاة مثل السَّاعِي الَّذِي يجبيها وَالْكَاتِب الَّذِي يكْتب مَا أعطَاهُ أَرْبَاب الْأَمْوَال وَالقَاسِم الَّذِي يقسم الزكوات بَين الْمُسْتَحقّين والحاشر الَّذِي يجمع أَرْبَاب الْأَمْوَال أَو الْمُسْتَحقّين والحافظ لَهَا والحاسب للأموال لَا قَاض ووال بل رزقهما فِي خمس الْخمس المرصد للْمصَالح
والمؤلفة قُلُوبهم أَرْبَعَة أَقسَام من أسلم وَنِيَّته ضَعِيفَة فِي الْإِسْلَام أَو أَهله
وَمن أسلم وَنِيَّته قَوِيَّة فيهمَا وَلَكِن لَهُ شرف فِي قومه يتَوَقَّع بإعطائه إِسْلَام غَيره
وَمن أسلم وَنِيَّته كَذَلِك لَكِن هُوَ كَاف لنا شَرّ من يَلِيهِ من كفار أَو مانعي زَكَاة وَهَذَا تَحْتَهُ قِسْمَانِ فيعطي كل من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة لَكِن إِنَّمَا يعْطى الأخيران إِذا كَانَ إعطاؤهما أَهْون علينا من تجهيز جَيش يبْعَث لذَلِك
والرقاب هم المكاتبون كِتَابَة صَحِيحَة لغير المزكى فيعطون مَا يعينهم على الْعتْق إِن لم يكن مَعَهم مَا يَفِي بنجوم الْكِتَابَة وَلَو بِغَيْر إِذن ساداتهم أَو قبل حُلُول النُّجُوم وَإِن كَانَ كسوبا أما مكَاتب المزكى فَلَا يُعْطي من زَكَاته شَيْئا لعود الْفَائِدَة عَلَيْهِ مَعَ كَونه ملكه
والغارم ثَلَاثَة أَقسَام الأول من تداين لنَفسِهِ فِي مُبَاح طَاعَة كَانَ أَو لَا وَإِن صرفه فِي مَعْصِيّة أَو فِي غير مُبَاح كخمر وَصَرفه فِيهِ وَتَابَ وَظن صدقه أَو فِي غير مُبَاح وَصَرفه فِي مُبَاح هَذَا كُله قسم أول من أَقسَام الْغَارِم الثَّلَاثَة فَيعْطى مَعَ الْحَاجة بِأَن يحل الدّين وَلَا يقدر على وفائه بِخِلَاف من تداين لمعصية وَصَرفه فِيهَا وَلم يتب وَمن لم يحْتَج فَلَا يعْطى شَيْئا
الثَّانِي من تداين لإِصْلَاح ذَات الْبَين أَي الْحَال بَين الْقَوْم كَأَن وجد قَتِيل بَين قبيلتين وَلم يظْهر قَاتله وتنازعا فِي ذَلِك فَتحمل دِيَته تسكينا للفتنة فَيعْطى وَلَو غَنِيا ترغيبا فِي هَذِه المكرمة
الثَّالِث من تداين لضمان فَيعْطى إِن حل الدّين وأعسر مَعَ الْأَصِيل أَو وَحده وَكَانَ مُتَبَرعا بِالضَّمَانِ بِأَن ضمن بِلَا إِذن بِخِلَاف مَا لَو ضمن بِالْإِذْنِ وَكَانَ الْأَصِيل مُوسِرًا فَلَا يعْطى الضَّامِن لِأَنَّهُ يرجع على الْأَصِيل بِمَا أَدَّاهُ
وَفِي سَبِيل الله الْمُجَاهِد المتطوع بِالْجِهَادِ فَيعْطى وَلَو غَنِيا إِعَانَة لَهُ على الْغَزْو
وَابْن السَّبِيل هُوَ منشىء السّفر من بلد مَال الزَّكَاة أَو مجتاز بِهِ فِي سَفَره فَيعْطى إِن احْتَاجَ وَلَا مَعْصِيّة بِسَفَرِهِ وَمن علم أَو ظن الدَّافِع حَاله من اسْتِحْقَاق الزَّكَاة وَعَدَمه عمل بِمُقْتَضى ذَلِك وَمن لم يعلم أَو يظنّ حَاله فَإِن ادّعى ضعف إِسْلَام أَو فقرا أَو مسكنة أَو كَونه غازيا أَو ابْن سَبِيل صدق بِلَا يَمِين وَإِن ادّعى عيالا أَو تلف مَال عرف أَنه لَهُ أَو عَاملا أَو مكَاتبا أَو غارما أَو بَقِيَّة الْمُؤَلّفَة كلف
стр. 179
بِبَيِّنَة وَهِي عَدْلَانِ أَو عدل وَامْرَأَتَانِ يخبران بذلك وَإِن لم يكن بِلَفْظ الشَّهَادَة وَإِن لم يتَقَدَّم دَعْوَى عِنْد حَاكم وَلَا استشهاد ويغني عَن الْبَيِّنَة الاستفاضة بَين النَّاس أَي الإشاعة من قوم يُؤمن تواطؤهم على الْكَذِب وَيَكْفِي أَيْضا تَصْدِيق دائن للغارم وَسيد للْمكَاتب وَلَو تخلف الْغَازِي وَابْن السَّبِيل عَمَّا أخذا لأَجله بِأَن مضى ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يترصدا لِلْخُرُوجِ وَلم ينتظرا رفْقَة اسْتردَّ مِنْهُمَا مَا أخذاه وَكَذَا لَو فضل عَن حَاجَة الْغَازِي شَيْء لَهُ وَقع وَلم يكن قتر على نَفسه أما مَا لَا وَقع لَهُ فَلَا يسْتَردّ مُطلقًا وَكَذَا لَو قتر على نَفسه وَفضل شَيْء بِسَبَب ذَلِك فَلَا يسْتَردّ بِخِلَاف ابْن السَّبِيل فَإِنَّهُ يسْتَردّ مِنْهُ الْفَاضِل مُطلقًا وَمثله الْمكَاتب إِذا عتق بِغَيْر مَا أَخذه والغارم إِذا برىء أَو اسْتغنى بِغَيْر مَا أَخذه
وَيَنْبَغِي للآخذ أَن يَدْعُو للمعطي لقَوْله ﷺ من أسدى إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه فَإِن لم تقدروا على مكافأته فَادعوا لَهُ أَي من أحسن إِلَيْكُم أَي إِحْسَان فكافئوه بِمثلِهِ فَإِن لم تَجدوا فبالغوا فِي الدُّعَاء لَهُ جهدكم حَتَّى تحصل المثلية وَالْأولَى أَن يَقُول فِي دُعَائِهِ طهر الله قَلْبك فِي قُلُوب الْأَبْرَار وزكى عَمَلك فِي عمل الأخيار وَصلى على روحك فِي أَرْوَاح الشُّهَدَاء
وَإِذا قسم الإِمَام وَجب عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَشْيَاء تَعْمِيم الْأَصْنَاف الثَّمَانِية إِن وجدوا وتعميم آحَاد كل صنف إِن وفى بهم المَال وَإِلَّا بِأَن كَانَ قدرا لَو وزع عَلَيْهِم لم يسد مسدا لم يجب التَّعْمِيم بل يقدم الأحوج فالأحوج مِنْهُم والتسوية بَين الْأَصْنَاف مُطلقًا غير الْعَامِل أما هُوَ فَيعْطى أُجْرَة مثله والتسوية بَين آحَاد الْأَصْنَاف إِن اسْتَوَت الْحَاجَات فَإِن لم يُوجد جَمِيع الْأَصْنَاف وَجب تَعْمِيم من وجد مِنْهُم وَإِن لم تتساو الْحَاجَات دفع إِلَيْهِم بحسبها فَيعْطى الْفَقِير والمسكين كِفَايَة بَقِيَّة الْعُمر الْغَالِب وَهُوَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة فيشتريان بِمَا يعطيانه عقارا يستغلانه وَللْإِمَام أَن يَشْتَرِي لَهما ذَلِك هَذَا فِيمَن لَا يحسن الْكسْب بحرفة وَلَا تِجَارَة أما من يحسن الْكسْب بحرفة فَيعْطى مَا يشترى بِهِ آلتها وَأما من يحسن التِّجَارَة فَيعْطى مَا يشترى بِهِ مَا يحسن التِّجَارَة فِيهِ مِمَّا يَفِي ربحه بكفايته غَالِبا وَيُعْطى مكَاتب وغارم لغير إصْلَاح ذَات الْبَين مَا عَجزا عَنهُ من وَفَاء دينهما وَيُعْطى ابْن السَّبِيل مَا يوصله مقْصده أَو مَاله إِن كَانَ لَهُ فِي طَرِيقه مَال وَيُعْطى الْغَازِي حَاجته فِي غَزوه ذَهَابًا وإيابا وَإِقَامَة لَهُ ولعياله ويهيأ لَهُ مركوب إِن لم يطق الْمَشْي أَو طَال سَفَره وَمَا يحمل زَاده ومتاعه إِن لم يعْتد مثله حملهما كَابْن السَّبِيل وَيُعْطى الْمُؤَلّفَة مَا يرَاهُ وَيُعْطى كل فَرد من أَفْرَاد الْعَامِل أُجْرَة مثله وَمن فِيهِ صفتا اسْتِحْقَاق كفقير غَارِم يَأْخُذ بِإِحْدَاهُمَا وَمثل الإِمَام فِيمَا ذكر الْمَالِك إِن انحصروا فِي الْبَلَد ووفى بهم المَال فَيجب عَلَيْهِ تَعْمِيم الْأَصْنَاف حَيْثُ وجدوا والتسوية بَينهم وَإِن تفاوتت الْحَاجَات وتعميم آحَاد كل صنف لَكِن لَا تجب التَّسْوِيَة بَين آحَاد الصِّنْف إِلَّا إِن قسم الإِمَام وتساوت الْحَاجَات كَمَا مر فَإِن لم ينحصروا أَو لم يوف بهم المَال لم يجز الِاقْتِصَار على أقل من ثَلَاثَة من كل صنف وَمَعْلُوم أَنه لَا عَامل حَيْثُ قسم الْمَالِك
تَنْبِيه مَا تقرر من أَنه لَا بُد من تَعْمِيم الْأَصْنَاف هُوَ مُعْتَمد الْمَذْهَب لِأَن معنى الْحصْر
стр. 180
الْمَذْكُور فِي الْآيَة عِنْد الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ إِنَّمَا تصرف لهَؤُلَاء لَا لغَيرهم وَلَا لبَعْضهِم فَقَط بل يجب استيعابهم وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا من الصعوبة سِيمَا فِي زَكَاة الْفطر وَالْمعْنَى عِنْد الإِمَام مَالك وَأبي حنيفَة ﵄ إِنَّمَا تصرف لهَؤُلَاء لَا لغَيرهم وَهَذَا يصدق بِعَدَمِ استيعابهم فَيجوز دَفعهَا لصنف مِنْهُم وَلَا يجب التَّعْمِيم
قَالَ ابْن عجيل اليمني ثَلَاث مسَائِل فِي الزَّكَاة يُفْتى فِيهَا على خلاف الْمَذْهَب نقل الزَّكَاة وَدفع زَكَاة وَاحِد لوَاحِد وَدفعهَا إِلَى صنف وَاحِد
قَالَ وَلَو كَانَ الشَّافِعِي حَيا لأفتى بذلك وَاخْتَارَ جمع جَوَاز دفع زَكَاة الْفطر إِلَى ثَلَاثَة فُقَرَاء أَو مَسَاكِين وَآخَرُونَ جَوَازه لوَاحِد وَأطَال بَعضهم فِي الِانْتِصَار لَهُ وَفهم من ذَلِك أَن مُقْتَضى الْمَذْهَب حُرْمَة نقل الزَّكَاة من مَحل وُجُوبهَا مَعَ وجود الْمُسْتَحقّين بِهِ إِلَى مَحل آخر وَالْمرَاد بالمستحقين من كَانُوا فِيهَا فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِن لم يَكُونُوا من أَهلهَا دون غَيرهم وَمحل الْوُجُوب شَامِل للبلد والقرية وَالْبَحْر وَالْبر حَتَّى لَو حَال الْحول وَالْمَال فِي الْبَحْر حرم نَقله إِلَى الْبر وَالْمرَاد بِمحل الْوُجُوب الْمحل الَّذِي حَال الْحول وَالْمَال فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لزكاة المَال أما زَكَاة الْفطر فَمحل الْوُجُوب هُوَ الَّذِي غربت شمس آخر يَوْم من رَمَضَان والشخص فِيهِ وَالْمرَاد بِالْمحل الآخر الَّذِي يحرم نقل الزَّكَاة إِلَيْهِ الْمحل الَّذِي بالوصول اليه يجوز الْقصر للْمُسَافِر وَلَو خَارج السُّور فَإِن عدمت الْأَصْنَاف فِي مَحل وُجُوبهَا أَو فضل عَنْهُم شَيْء وَجب نقلهَا أَو الْفَاضِل إِلَى مثلهم بأقرب بلد إِلَيْهِ فَإِن عدم بَعضهم أَو فضل عَنهُ شَيْء رد نصيب الْبَعْض أَو الْفَاضِل عَنهُ على البَاقِينَ إِن نقص نصِيبهم عَن كفايتهم فَإِن لم ينقص نقل ذَلِك إِلَى ذَلِك الصِّنْف بأقرب بلد إِلَيْهِ وَهَذَا كُله بِالنِّسْبَةِ للْمَالِك أما الإِمَام فَلهُ وَلَو بنائبه نقل الزَّكَاة مُطلقًا
فَائِدَة لَو كَانَ لَهُ دين على آخر فَقَالَ الْمَدِين لصَاحب الدّين ادْفَعْ لي من زكاتك حَتَّى أقضيك دينك فَفعل أَجْزَأَ عَن الزَّكَاة وَلَا يلْزم الْمَدِين قَضَاء الدّين مِمَّا أَخذه بل لَهُ دفع غَيره وَلَو قَالَ صَاحب الدّين للْمَدِين
اقْضِ مَا عَلَيْك لأرده إِلَيْك من زكاتي فَفعل صَحَّ الْقَضَاء وَلَا يلْزم رده إِلَيْهِ وَلَو كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين فَقَالَ جعلته عَن زكاتي لم يُجزئهُ على الصَّحِيح حَتَّى يقبضهُ ثمَّ يردهُ إِلَيْهِ وَقيل يُجزئهُ كَمَا لَو كَانَ وَدِيعَة
وَشرط آخذ الزَّكَاة من هَذِه الْأَصْنَاف أَن لَا يكون فِيهِ رق إِلَّا الْمكَاتب وَأَن لَا يكون كَافِرًا وَلَا من بني هَاشم وَبني الْمطلب ومواليهم
(و) حِينَئِذٍ (لَو أَعْطَاهَا) أَي الزَّكَاة (لكَافِر أَو من بِهِ رق) غير مكَاتب (أَو هاشمي أَو مطلبي أَو غَنِي) بِمَال أَو كسب يَلِيق بِحَالهِ ومروءته (أَو مكفي بِنَفَقَة قريب) أَو زوج (لم يجزىء) أَي ذَلِك الْمُعْطى عَن الزَّكَاة نعم يجوز أَن يكون الْحمال والكيال والوزان والحافظ كَافِرًا وهاشميا ومطلبيا ورقيقا لِأَن مَا يأخذونه أُجْرَة فِي الْحَقِيقَة
أما الْكَافِر فللإجماع فِيمَا عدا زَكَاة الْفطر وَترك الْمُسلم الصَّلَاة لَا يُؤثر فِي إِعْطَائِهِ نعم إِن بلغ كَذَلِك أَخذ لَهُ وليه
وَأما الرَّقِيق فَلِأَنَّهُ غَنِي بِنَفَقَة سَيّده وَلِأَنَّهُ لَو ملك لم يملك وَأما بَنو
стр. 181
هَاشم وَبَنُو الْمطلب فلحديث الْحَاكِم عَن عَليّ أَن الْعَبَّاس سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَن يَسْتَعْمِلهُ على الصَّدَقَة فَقَالَ مَا كنت أستعملك على غسالة الْأَيْدِي
وروى مُسلم أَنه ﷺ قَالَ إِن هَذِه الصَّدَقَة إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد
وروى الطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ لَا أحل لكم أهل الْبَيْت من الصَّدقَات شَيْئا وَلَا غسالة الْأَيْدِي إِن لكم فِي خمس الْخمس مَا يكفيكم أَو يغنيكم أَي بل يغنيكم
وَفِي موَالِي بني هَاشم وَبني الْمطلب خلاف قيل يجوز الدّفع إِلَيْهِم لِأَن منع ذَوي الْقُرْبَى لشرفهم وَهُوَ مَفْقُود فيهم وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تحل لَهُم أَيْضا لخَبر مولى الْقَوْم مِنْهُم
وَأما الْغَنِيّ فَلقَوْله ﷺ لَا حق فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لقوي مكتسب
وَلَو غَابَ الزَّوْج أَو الْمُنفق وَلم يتْرك منفقا وَلَا مَالا يُمكن الْوُصُول إِلَيْهِ أَعْطَيْت الزَّوْجَة أَو الْقَرِيب بالفقر والمسكنة وَخرج بذلك المكفي بِنَفَقَة مُتَبَرّع فَلهُ الْأَخْذ من الزَّكَاة وَيسن للزَّوْجَة أَن تُعْطِي زَوجهَا من زَكَاتهَا إِن كَانَ من أهل اسْتِحْقَاق الزَّكَاة وَإِن أنفقها عَلَيْهَا
تَنْبِيه مثل الزَّكَاة الْكَفَّارَة وَالنّذر لِأَنَّهُ يسْلك بِهِ مَسْلَك وَاجِب الشَّرْع هَذَا إِذا كَانَ النّذر على جِهَة عَامَّة كَهَذا عَليّ الْفُقَرَاء أما إِذا نذر لشخص معِين مِمَّن تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة الْوَاجِبَة فَينْعَقد فَإِن كَانَ النّذر بِمعين كَهَذا الدِّينَار ملكه بِنَفس النّذر وَلَا يتأثر بِالرَّدِّ كإعراض الغانم بعد اخْتِيَار التَّمَلُّك أَو بِشَيْء فِي الذِّمَّة ملكه بِالْقَبْضِ الصَّحِيح وَالشّرط عدم الرَّد وَينْعَقد النّذر للغني وَالْكَافِر على التَّعْيِين بِخِلَاف الْكَفَّارَة فَلَا يحل إعطاؤها لَهما وَلَيْسَ كل حكم من الْأَحْكَام مَنْصُوصا عَلَيْهِ بل مَا دخل تَحت إِطْلَاق الْأَصْحَاب منزل منزلَة تصريحهم كَذَا نقل عَن (زَاد الْغَرِيب شرح أَلْفَاظ التَّقْرِيب) للشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ
(وَيسن صَدَقَة تطوع كل يَوْم) أَي كل وَقت لَيْلًا وَنَهَارًا لَا سِيمَا أَيَّام الجدب والضيق ليحوز بذلك الْعَافِيَة فِي الْجِسْم وَالْمَال والأهل وَالْخلف السَّرِيع فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب الجزيل فِي الْآخِرَة وَلَا تتقيد الصَّدَقَة بِمِقْدَار بل تحصل (بِمَا تيَسّر) وَلَو شَيْئا يَسِيرا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة
وَالْمعْنَى اجعلوا بَيْنكُم وَبَين نَار جَهَنَّم وقاية من الصَّدَقَة وأعمال الْبر وَلَو كَانَ الاتقاء الْمَذْكُور بِجَانِب التمرة أَو نصفهَا فَإِنَّهُ قد يسد الرمق سِيمَا للطفل فَلَا يحتقر الْمُصدق ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ ٩٩ الزلزلة الْآيَة ٧ وَدِرْهَم الصَّدَقَة أفضل من دِرْهَم الْقَرْض على الْمُعْتَمد وَيسن أَن يتَصَدَّق بِمَا يُحِبهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ ٣ آل عمرَان الْآيَة ٩٢
وَيحرم الْمَنّ بِالصَّدَقَةِ وَيبْطل بِهِ ثَوَابهَا وتباح على الْغَنِيّ وَالْكَافِر غير الْحَرْبِيّ وَقد يعرض لَهَا مَا يحرمها كَأَن يُعْطِيهَا لمن يعلم مِنْهُ أَنه يصرفهَا فِي مَعْصِيّة
(وإعطاؤها) أَي الصَّدَقَة المندوبة (سرا وبرمضان ولقريب) وَنَحْوه كَزَوْجَة وصديق (وجار) أقرب فأقرب (أفضل) من غير ذَلِك وَيسن الْإِكْثَار من الصَّدَقَة فِي رَمَضَان لَا سِيمَا فِي عشره الْأَوَاخِر وأمام الْحَاجَات وَعند كسوف وَمرض وَحج وَجِهَاد وَفِي أزمنة وأمكنة فاضلة كعشر ذِي الْحجَّة وَأَيَّام الْعِيد وَالْجُمُعَة والمحتاجين (لَا) يطْلب شرعا التَّصَدُّق (بِمَا يَحْتَاجهُ) لنفقة ممونه من نَفسه وَغَيره فَإِنَّهُ حرَام إِن لم يصبر على الإضاقة وَإِلَّا فَلَا حُرْمَة لقَوْله تَعَالَى ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ ٥٩ الْحَشْر الْآيَة وعاشوراء
стр. 182
وَشهر رَجَب وَشَعْبَان وَمَكَّة وَالْمَدينَة وَأَن يخص بِصَدَقَتِهِ أهل الْخَيْر ٩) أَو بِمَا يَحْتَاجهُ لوفاء دين لَا يظنّ لَهُ وَفَاء لَو تصدق بذلك
بَاب الصَّوْم
حَقِيقَته شرعا الْإِمْسَاك عَن جَمِيع المفطرات على وَجه مَخْصُوص وَصَوْم رَمَضَان فرض بِالْإِجْمَاع مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فيكفر جاحده إِلَّا إِذا كَانَ جَاهِلا نَشأ ببادية بعيدَة عَن الْعلمَاء أَو كَانَ قريب عهد بِالْإِسْلَامِ وَمن ترك صَوْمه لغير عذر من سفر وَمرض غير جَاحد لوُجُوبه كَأَن قَالَ الصَّوْم وَاجِب عَليّ وَلَكِن لَا أَصوم حبس وَمنع من الطَّعَام وَالشرَاب نَهَارا لتحصل لَهُ صُورَة الصَّوْم وَهُوَ أحد أَرْكَان الْإِسْلَام الْخَمْسَة وَهِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَهِي فِي الْأَفْضَلِيَّة على هَذَا التَّرْتِيب
(يجب صَوْم رَمَضَان) بِأحد أَرْبَعَة أُمُور الأول إِكْمَال شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا عِنْد عدم ثُبُوت رَمَضَان لَيْلَة الثَّلَاثِينَ
الثَّانِي رُؤْيَة الْهلَال لَيْلَة الثَّلَاثِينَ فَيجب الصَّوْم على الرَّائِي وَلَو غير عدل وَإِن كَانَ حَدِيد الْبَصَر وَإِن قَالَ المنجمون إِن الْحساب الْقطعِي دلّ على عدم إِمْكَان الرُّؤْيَة خلافًا للقليوبي وَمن أخبرهُ موثوق بِهِ بِأَنَّهُ رأى الْهلَال وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم وَإِن لم يصدقهُ لِأَن خبر الثِّقَة مَقْبُول شرعا وَلَا أثر لرُؤْيَته فِي المَاء وَلَا فِي الْمرْآة
وَخرج بليلة الثَّلَاثِينَ مَا لَو رُؤِيَ نَهَارا فَلَا أثر لذَلِك لَا فِي دُخُول الصَّوْم وَلَا فِي خُرُوجه وَفِي معنى الرُّؤْيَة الْعلم بالأمارة الدَّالَّة على ثُبُوت رَمَضَان كسماع المدافع ورؤية الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة بالمنائر وَلَو طفئت بعد إيقادها لنَحْو شكّ فِي الرُّؤْيَة ثمَّ أُعِيدَت لثبوتها وَجب تَجْدِيد النِّيَّة على من علم بطفئها دون غَيره وَيجب على كل من المنجم والحاسب أَن يعْمل بِحِسَابِهِ وَكَذَا من صدقهما
الثَّالِث حكم الْحَاكِم بِثُبُوتِهِ بِمُقْتَضى شَهَادَة عدل عِنْده بِالرُّؤْيَةِ فَلَا بُد أَن يَقُول حكمت بِثُبُوت هِلَال رَمَضَان أَو ثَبت عِنْدِي هِلَال رَمَضَان وَإِلَّا لم يجب الصَّوْم وَحَيْثُ صدر مِنْهُ حكم وَجب الصَّوْم على عُمُوم من كَانَ مطلعه مُوَافقا لمطلع مَحل الرُّؤْيَة بِأَن يكون غرُوب الشَّمْس وَالْكَوَاكِب وطلوعها فِي المحلين فِي وَقت وَاحِد فَإِن غرب شَيْء من ذَلِك أَو طلع فِي أحد المحلين قبله فِي الآخر أَو بعده لم يجب على من لم ير بِرُؤْيَة أهل الْمحل الآخر لَكِن لَو سَافر من أحد المحلين إِلَى الآخر فَوجدَ أَهله صَائِمين أَو مفطرين لزمَه
стр. 183
موافقتهم سَوَاء فِي أول الشَّهْر أَو آخِره وَهَذَا أَمر مرجعه إِلَى طول الْبِلَاد وعرضها سَوَاء قربت الْمسَافَة أَو بَعدت وَلَا نظر إِلَى مَسَافَة الْقصر وَعدمهَا وَعلم أَنه مَتى حصلت الرُّؤْيَة فِي الْبَلَد الشَّرْقِي لزم رُؤْيَته فِي الْبَلَد الغربي دون عَكسه كَمَا فِي مَكَّة المشرفة ومصر المحروسة فَيلْزم من رُؤْيَته فِي مَكَّة رُؤْيَته فِي مصر لَا عَكسه لِأَن الْهلَال يرى غاربا وتكفي الْعَدَالَة الظَّاهِرَة وَلَو رَجَعَ عَن شَهَادَته بعد شروعهم فِي الصَّوْم أَو بعد حكم الْحَاكِم وَلَو قبل شروعهم فِي الصَّوْم لَزِمَهُم الصَّوْم وكل شهر اشْتَمَل على عبَادَة يثبت بِشَهَادَة الْعدْل الْوَاحِد بِالنّظرِ لِلْعِبَادَةِ وَذَلِكَ كرجب وَشَعْبَان ورمضان وشوال وَذي الْحجَّة وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَة أشهد أَنِّي رَأَيْت الْهلَال
الرَّابِع ظن دُخُوله بِالِاجْتِهَادِ فِيمَن اشْتبهَ عَلَيْهِ رَمَضَان كَأَن كَانَ أَسِيرًا أَو مَحْبُوسًا
وللصوم شُرُوط لوُجُوبه وشروط لصِحَّته وأركان وَسنَن ومكروهات ومبطلات
أما شُرُوط وُجُوبه فَثَلَاثَة الْإِسْلَام والتكليف وَالْقُدْرَة على الصَّوْم كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك المُصَنّف بقوله (يجب صَوْم رَمَضَان على مُكَلّف مطيق لَهُ) وشروط صِحَّته أَرْبَعَة الْإِسْلَام والنقاء من الْحيض وَالنّفاس وَالْعقل وَالْوَقْت الْقَابِل للصَّوْم
(وفرضه) أَي أَرْكَان الصَّوْم اثْنَان الأول (نِيَّة) لَيْلًا (لكل يَوْم) ومحلها الْقلب وَيسْتَحب التَّلَفُّظ بهَا وَلَو نسي النِّيَّة لَيْلًا وطلع الْفجْر وَهُوَ نَاس لم يحْسب لَهُ ذَلِك الْيَوْم لَكِن يجب عَلَيْهِ الْإِمْسَاك رِعَايَة لحُرْمَة الْوَقْت
وَيسن فِي أول الشَّهْر أَن يَنْوِي صَوْم جَمِيعه وَذَلِكَ يُغني عَن تجديدها فِي كل لَيْلَة عِنْد الإِمَام مَالك فَيسنّ ذَلِك عندنَا لِأَنَّهُ رُبمَا نسي التبييت فِي بعض اللَّيَالِي فيقلد الإِمَام مَالِكًا وَيشْتَرط أَن يحضر فِي الذِّهْن صِفَات الصَّوْم مَعَ ذَاته ثمَّ يضم الْقَصْد إِلَى ذَلِك الْمَعْلُوم فَلَو خطر بِبَالِهِ الْكَلِمَات مَعَ جَهله مَعْنَاهَا لم يَصح
وَمن صِفَات الصَّوْم كَون الشَّهْر رَمَضَان وَإِن لم يحضر فِي الذِّهْن ذَلِك لم يحصل لَهُ الْيَوْم الأول وَلَا غَيره
(وَشرط لفرضه) أَي الصَّوْم من رَمَضَان وَلَو من صبي أَو غَيره كقضاء أَو كَفَّارَة أَو استسقاء أَمر بِهِ الامام أَو نذر (تبييت) للنِّيَّة لكل لَيْلَة وَلَو من أول اللَّيْل وَلَا يجب التبييت فِي نفل الصَّوْم بل تصح نِيَّته قبل الزَّوَال بِشَرْط أَن لَا يسبقها منَاف للصَّوْم
(وَتَعْيِين) فِي الْفَرْض الْمَنوِي كرمضان أَو نذر أَو قَضَاء أَو كَفَّارَة وَفِي نفل لَهُ سَبَب بِخِلَاف النَّفْل الْمُؤَقت كَصَوْم الْإِثْنَيْنِ وعرفة وعاشوراء وَأَيَّام الْبيض وَسِتَّة من شَوَّال فَلَا يشْتَرط فِيهِ التَّعْيِين لِأَن الصَّوْم فِي تِلْكَ الْأَيَّام منصرف إِلَيْهَا بل لَو نوى بِهِ غَيرهَا حصلت أَيْضا كتحية الْمَسْجِد لِأَن الْمَقْصُود وجود صَوْم فِيهَا وَيسْتَثْنى من وجوب التَّعْيِين مَا لَو كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء رمضانين أَو صَوْم نذر أَو كَفَّارَة من جِهَات مُخْتَلفَة فَنوى صَوْم غَد عَن قَضَاء رَمَضَان أَو صَوْم نذر أَو كَفَّارَة جَازَ وَإِن لم يعين عَن قَضَاء أَيهمَا فِي قَضَاء رمضانين وَلَا نَوعه فِي الْبَاقِي لِأَنَّهُ كُله جنس وَاحِد وَلَو نوى صَوْم غَد وَهُوَ يَعْتَقِدهُ الْإِثْنَيْنِ فَكَانَ الثُّلَاثَاء أَو صَوْم رَمَضَان هَذِه السّنة وَهُوَ يعتقدها سنة ثَلَاث فَكَانَت سنة أَربع صَحَّ صَوْمه وَلَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْبَين خَطؤُهُ بِخِلَاف مَا لَو نوى صَوْم الثُّلَاثَاء لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ وَلم يخْطر بِبَالِهِ صَوْم غَد أَو صَوْم رَمَضَان سنة ثَلَاث وَكَانَت سنة أَربع وَلم يخْطر بِبَالِهِ
стр. 184
السّنة الْحَاضِرَة فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَنَّهُ لم يعين الْوَقْت الَّذِي نوى فِي ليلته وَلَو نوى صَوْم غَد يَوْم الْأَحَد مثلا وَهُوَ غَيره فَالْأَوْجه الصِّحَّة من الغالط لَا الْعَامِد لتلاعبه وَخرج بِالتَّعْيِينِ مَا لَو نوى الصَّوْم عَن فَرْضه أَو عَن فرض وقته فَلَا يَكْفِي لِأَنَّهُ فِي الأولى يحْتَمل رَمَضَان وَغَيره وَفِي الثَّانِيَة يحْتَمل الْقَضَاء وَالْأَدَاء
وَأَقل التَّعْيِين هُنَا أَن يَنْوِي صَوْم غَد عَن رَمَضَان وَلَا يشْتَرط التَّعَرُّض للغد بِخُصُوصِهِ لحُصُول التَّعْيِين دونه كَأَن يَقُول الْخَمِيس مثلا عَن رَمَضَان أَو يَقُول رَمَضَان بِدُونِ ذكر يَوْم وَإِنَّمَا هُوَ مِثَال للتبييت بل يَكْفِي نِيَّة دُخُوله فِي صَوْم الشَّهْر
(وأكملها) أَي النِّيَّة وَعبارَة الْمِنْهَاج كالمحرر كَمَال التَّعْيِين (نَوَيْت صَوْم غَد عَن أَدَاء فرض رَمَضَان هَذِه السّنة لله تَعَالَى) إِيمَانًا واحتسابا بِإِضَافَة رَمَضَان إِلَى مَا بعْدهَا لتتميز عَن أضدادها ويغني عَن ذكر الْأَدَاء أَن يَقُول عَن هَذَا الرمضان واحتيج لذكره مَعَ هَذِه السّنة وَإِن اتَّحد محترزهما إِذْ فرض غير هَذِه السّنة لَا يكون إِلَّا قَضَاء لِأَن لفظ الْأَدَاء يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفِعْل كَذَا قَالَه الرَّمْلِيّ
وَالثَّانِي الْإِمْسَاك عَن جَمِيع المفطرات الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله (وَيفْطر عَامِدًا عَالم مُخْتَار) فَخرج بالعمد النسْيَان فَلَو أكل أَو شرب نَاسِيا للصَّوْم لَا يضرّهُ لقَوْله ﷺ من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل أَو شرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه وبالعلم بِالتَّحْرِيمِ الْجَهْل بِهِ إِذا كَانَ جَاهِلا مَعْذُورًا فَلَا يفْطر وبالاختيار الْإِكْرَاه فَلَو أكره حَتَّى أكل أَو شرب لَا يبطل صَوْمه (بجماع) أَي إِدْخَال حَشَفَة أَو قدرهَا من مقطوعها فرجا قبلا أَو دبرا من آدَمِيّ أَو غَيره أنزل أَو لَا عَامِدًا مُخْتَارًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ فَلَا يفْطر بِالْوَطْءِ نَاسِيا للصَّوْم وَإِن تكَرر وَلَا بِالْإِكْرَاهِ مَا لم يكن زنا لِأَنَّهُ لَا يُبَاح بِالْإِكْرَاهِ فيفطر بِهِ وَاعْتمد الْعَلامَة العزيزي الْإِطْلَاق وَقَالَ لَا يفْطر حَيْثُ أكره على الزِّنَا لشُبْهَة الْإِكْرَاه وَالْحُرْمَة من حَيْثُ نفس الْوَطْء وَكَذَا لَو وطىء جَاهِلا بِأَن الْوَطْء مُبْطل للصَّوْم وَكَانَ مَعْذُورًا كَمَا مر وَلَو أَدخل شخص ذكره فِي دبر نَفسه فَإِنَّهُ يفْطر وَيحد وَيفْسد حجه وَيجب عَلَيْهِ الْغسْل وَالْكَفَّارَة فِي الصَّوْم كَمَا نقل عَن البُلْقِينِيّ
(واستمناء) أَي طلب خُرُوج الْمَنِيّ وَهُوَ مُبْطل للصَّوْم مُطلقًا سَوَاء كَانَ بِيَدِهِ أَو بيد حليلته أَو غَيرهمَا بِحَائِل أَو لَا بِشَهْوَة أَو لَا أما إِذا كَانَ الْإِنْزَال من غير طلب خُرُوج الْمَنِيّ فَتَارَة يكون بِمُبَاشَرَة مَا تشتهيه الطباع السليمة أَو لَا فَإِن كَانَ لَا تشتهيه الطباع السليمة كالأمرد الْجَمِيل والعضو المبان فَلَا فطر بالإنزال مُطلقًا سَوَاء كَانَ بِشَهْوَة أَو لَا بِحَائِل أَو لَا وَإِن كَانَ تشتهيه الطباع السليمة فَتَارَة يكون من مَحَارمه وَتارَة لَا فَإِن كَانَ من الْمَحَارِم وَكَانَ بِشَهْوَة وَبِدُون حَائِل أفطر وَإِلَّا فَلَا وَإِن لم يكن من الْمَحَارِم فَإِن كَانَ بِدُونِ حَائِل أفطر سَوَاء كَانَ بِشَهْوَة أَو لَا أما وَإِن كَانَ بِحَائِل وَلَو رَقِيقا جدا فَلَا إفطار وَلَو بِشَهْوَة كَمَا قَالَ
(لَا بِضَم بِحَائِل) وَالْمرَاد بالشهوة أَن يقْصد مُجَرّد اللَّذَّة من غير أَن يقْصد خُرُوج الْمَنِيّ وَإِلَّا كَانَ استمناء وَهُوَ مفطر مُطلقًا كَمَا مر وَخرج بِالْمُبَاشرَةِ النّظر والفكر فَلَو نظر أَو تفكر فأمنى فَلَا فطر مَا لم يكن من عَادَته الْإِنْزَال بذلك وَإِلَّا أفطر وَلَو أحس بانتقال الْمَنِيّ وتهيئه
стр. 185
لِلْخُرُوجِ بِسَبَب النّظر فاستدامه حَتَّى أنزل أفطر قطعا وَلَا يضر نُزُوله فِي النّوم وَيحرم نَحْو اللَّمْس كالقبلة إِن حرك شَهْوَته خوف الْإِنْزَال وَإِلَّا فَتَركه أولى
وَمن خصوصياته ﷺ جَوَاز الْقبْلَة فِي الصَّوْم الْمَفْرُوض مَعَ قُوَّة شَهْوَته لِأَنَّهُ كَانَ أملك النَّاس لإربه (واستقاءة) أَي طلب قيء عمدا مُخْتَارًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ كَمَا مر وَإِن تَيَقّن أَنه لم يرجع شَيْء إِلَى جَوْفه كَأَن تقايأ مُنَكسًا وَمن الْقَيْء مَا لَو دخلت ذُبَابَة جَوْفه فأخرجها وكالقيء التجشي فَإِن تَعَمّده وَخرج شَيْء من معدته إِلَى حد الظَّاهِر أفطر وَلَو كَانَ نَاسِيا للصَّوْم أَو مكْرها كَمَا لَو غَلبه الْقَيْء أَو جَاهِلا مَعْذُورًا فَلَا فطر وَيسْتَثْنى من الْقَيْء مَا لَو اقتلع نخامة من الْبَاطِن ورماها سَوَاء قلعهَا من دماغه أَو من بَاطِنه لِأَن الْحَاجة إِلَى ذَلِك تَتَكَرَّر وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بقوله (لَا بقلع نخامة) وَلَو نزلت من دماغه أَو خرجت من جَوْفه ووصلت إِلَى حد الظَّاهِر وَجب قلعهَا ومجها ويعفى عَمَّا أَصَابَته لَو كَانَت نَجِسَة فَإِن تَركهَا مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك فَرَجَعت إِلَى حد الْبَاطِن أفطر لتَقْصِيره وَلَو كَانَ فِي فرض صَلَاة وَلم يقدر على مجها إِلَّا بِظُهُور حرفين فَأكْثر لم تبطل صلَاته بل يتَعَيَّن ذَلِك مُرَاعَاة لمصلحتها كالتنحنح لتعذر الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة وحد الظَّاهِر هُوَ مخرج الْخَاء الْمُعْجَمَة عِنْد الرَّافِعِيّ والحاء الْمُهْملَة عِنْد النَّوَوِيّ وَهُوَ الْمُعْتَمد فَإِن لم تصل إِلَى حد الظَّاهِر الْمَذْكُور بِأَن كَانَت دَاخِلا عَمَّا ذكر أَو حصلت فِي حد الظَّاهِر وَلم يقدر على قلعهَا ومجها لم يضر
وَلَو أصبح وَفِي فَمه خيط مُتَّصِل بجوفه كَأَن أكل بِاللَّيْلِ كنافة وَبَقِي مِنْهَا خيط بفمه تعَارض عَلَيْهِ حِينَئِذٍ الصَّوْم وَالصَّلَاة لبُطْلَان الصَّوْم بابتلاعه لِأَنَّهُ أكل أَو نَزعه لِأَنَّهُ استقاء ولبطلان الصَّلَاة بِبَقَائِهِ لاتصاله بِنَجَاسَة الْبَاطِن فطريق خلاصه أَن يَنْزعهُ مِنْهُ غَيره وَهُوَ غافل فَإِن لم يكن غافلا وَتمكن من دفع النازع أفطر إِذْ النزع مُوَافق لغَرَض النَّفس فَهُوَ حِينَئِذٍ مَنْسُوب إِلَيْهِ
قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَقد لَا يطلع عَلَيْهِ عَارِف بِهَذَا الطَّرِيق وَيُرِيد الْخَلَاص فطريقه أَن يجْبرهُ الْحَاكِم على نَزعه وَلَا يفْطر لِأَنَّهُ كالمكره وَحَيْثُ لم يتَّفق لَهُ شَيْء من ذَلِك وَجب عَلَيْهِ نَزعه أَو ابتلاعه مُحَافظَة على الصَّلَاة لِأَن حكمهَا أغْلظ لقتل تاركها
وَقَالَ بَعضهم يتَعَيَّن عَلَيْهِ بلعه فِي هَذِه الْحَالة وَلَا يُخرجهُ لِأَنَّهُ ينجس فَمه
(وَدخُول عين) من أَعْيَان الدُّنْيَا وَإِن قلت كسمسمة أَو لم تُؤْكَل كحصاة (جوفا) أَي يفْطر صَائِم بوصول عين من تِلْكَ إِلَى مُطلق الْجوف من منفذ مَفْتُوح مَعَ الْعمد وَالِاخْتِيَار وَالْعلم بِالتَّحْرِيمِ وَمن الْعين الحقنة وَمِنْهَا الدُّخان الْمَعْرُوف بِخِلَاف دُخان البخور لِأَن شَأْنه الْقلَّة وَأما أَعْيَان الْجنَّة فَلَا تفطر وَالْمرَاد بِمُطلق الْجوف كل مَا يُسمى جوفا وَإِن لم يكن فِيهِ قُوَّة إِحَالَة الْغذَاء والدواء كحلق وباطن أذن وإحليل ومثانة فَلَو أَدخل عودا فِي أُذُنه أَو إحليله فوصل إِلَى الْبَاطِن أفطر وَيَنْبَغِي الِاحْتِرَاز حَالَة الِاسْتِنْجَاء لِأَنَّهُ مَتى أَدخل من أُصْبُعه أدنى شَيْء فِي دبره أفطر وَكَذَا لَو فعل بِهِ غَيره ذَلِك بِاخْتِيَارِهِ مَا لم يتَوَقَّف خُرُوج الْخَارِج على إِدْخَال أُصْبُعه فِي دبره وَإِلَّا أدخلهُ وَلَا فطر
وَضَابِط دُخُول الْمُفطر أَن يصل الدَّاخِل إِلَى مَا لَا يجب غسله فِي الِاسْتِنْجَاء بِخِلَاف مَا يجب غسله فِيهِ فَلَا يفْطر إِذا أَدخل أُصْبُعه ليغسل
стр. 186
الطيات الَّتِي فِيهِ وَمثل الْأصْبع غَائِط خرج مِنْهُ وَلم ينْفَصل ثمَّ ضم دبره فَدخل مِنْهُ شَيْء إِلَى دَاخله فيفطر حَيْثُ تحقق دُخُول شَيْء مِنْهُ بعد بروزه من معدته وَخرج بِالْعينِ الطّعْم وَالرِّيح فَلَا يضرّهُ وبالجوف مَا لَو طعن فَخذه مثلا فَلَا يضرّهُ ويعفى عَن مقعدة المبسور حَتَّى لَو توقف دُخُولهَا على الِاسْتِعَانَة بِأُصْبُعِهِ عُفيَ عَنهُ وَيُؤْخَذ من التَّقْيِيد بالمنفذ المفتوح أَن الْوَاصِل بتشرب المسام لَا يضر فَلَا يضر الاكتحال وَإِن وجد أَثَره فِي الْحلق كَمَا لَا يضر الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ وَإِن وجد أثر الْبُرُودَة أَو الْحَرَارَة بباطنه
(لَا بريق طَاهِر صرف) بِكَسْر الصَّاد أَي خَالص (من معدنه) أَي مَحَله وَهُوَ جَمِيع الْفَم أَي فَلَا يضر وُصُول ريق من معدنه جَوْفه إِذا كَانَ طَاهِرا وَلم يخْتَلط بِغَيْرِهِ وَلَو أخرج رِيقه من فَمه على لِسَانه أَو جمعه على لِسَانه ثمَّ أخرجه على طرفه ثمَّ أَعَادَهُ لَا يفْطر لِأَن اللِّسَان كَيْفَمَا تقلب مَعْدُود من دَاخل الْفَم بِخِلَاف مَا إِذا خرج عَن معدنه كالخارج إِلَى حمرَة الشفتين أَو كَانَ مختلطا بِغَيْرِهِ كبقايا الطَّعَام أَو متنجسا كَأَن دميت لثته فَإِنَّهُ يضر
نعم لَو ابتلى بذلك بِحَيْثُ يجْرِي دَائِما أَو غَالِبا سومح بِمَا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ وَيَكْفِي بصقه ويعفى عَن أَثَره وَلَا سَبِيل إِلَى تَكْلِيفه غسله جَمِيع نَهَاره إِذْ الْفَرْض أَنه يجْرِي أَو يرشح دَائِما أَو غَالِبا وَرُبمَا إِذا غسله زَاد رشحه قَالَه الْأَذْرَعِيّ قَالُوا وَهُوَ فقه ظَاهر وَلَو بَقِي بَين أَسْنَانه شَيْء من أثر طَعَام وَعجز عَن تَمْيِيزه ومجه فَسبق مَعَ رِيقه إِلَى جَوْفه بِغَيْر اخْتِيَاره لَا يضر وَلَا يضر وُصُول الذُّبَاب أَو غُبَار الطَّرِيق أَو غربلة الدَّقِيق جَوْفه وَإِن تعمد فتح فَمه لأجل ذَلِك لِأَن شَأْنه عسر التَّحَرُّز عَنهُ وَلَا بُد من تَقْيِيد الْغُبَار بالطاهر فَيضر النَّجس وَلَا يضر بلع رِيقه أثر الْمَضْمَضَة فِي الْوضُوء لعسر التَّحَرُّز عَنهُ
(وَلَا بسبق مَاء جَوف مغتسل عَن جَنَابَة بِلَا انغماس)
وَالْحَاصِل أَن الصَّائِم لَو اغْتسل من حيض أَو نِفَاس أَو جَنَابَة فَسبق المَاء إِلَى جَوْفه لَا يضر وَلَا نظر إِلَى إِمْكَان إمالة رَأسه بِحَيْثُ لَا يدْخل شَيْء لعسره
نعم إِن عرف من عَادَته ذَلِك حرم عَلَيْهِ الانغماس وَأفْطر قطعا إِن تمكن من الْغسْل على غير تِلْكَ الْحَالة وَمثل ذَلِك الْغسْل الْمسنون بِخِلَاف غسل التبرد فَلَا يُعْفَى عَنهُ وَكَذَا لَو تولد من غير مَأْمُور بِهِ أَو من مَأْمُور بِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَو سبق مَاء الْمَضْمَضَة أَو الِاسْتِنْشَاق إِلَى جَوْفه فَإِن كَانَ مَعَ الْمُبَالغَة أَو كَانَ من رَابِعَة يَقِينا أفطر وَإِلَّا فَلَا
وَمن مبطلات الصَّوْم الْحيض وَالنّفاس وَيجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء بعد انْقِضَاء الدَّم والولادة وَلَو لعلقة ومضغة وَإِن لم تَرَ الْمَرْأَة دَمًا وإغماء كل الْيَوْم وَالْجُنُون وَلَو فِي لَحْظَة من النَّهَار وَالرِّدَّة وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَلَو لَحْظَة وَجُمْلَة المبطلات عشرَة
(وَيُبَاح فطر) فِي صَوْم فرض (بِمَرَض مُضر) فَإِن شقّ عَلَيْهِ الصَّوْم فالفطر أفضل وَإِلَّا فالصوم أفضل لما فِيهِ من تَعْجِيل بَرَاءَة الذِّمَّة وَالْفطر لَهُ جَائِز إِن خَافَ مشقة شَدِيدَة تبيح التَّيَمُّم كَأَن خشِي من الصَّوْم بطء برْء فَإِن تحققها أَو غلبت على ظَنّه حرم الصَّوْم وَوَجَب
стр. 187
الْفطر ثمَّ إِن كَانَ الْمَرَض مطبقا أَو كَانَ محموما وَقت الْفجْر فَلهُ ترك النِّيَّة من اللَّيْل وَإِن كَانَ مُطلقًا بِأَن كَانَ يحم وقتا دون وَقت فَإِن كَانَ محموما وَقت صِحَة النِّيَّة جَازَ لَهُ تَركهَا وَإِلَّا فَعَلَيهِ أَن يَنْوِي فَإِن عَاد الْمَرَض وَاحْتَاجَ إِلَى الْإِفْطَار أفطر فَإِن لم يخف الْمَرِيض مشقة بِالصَّوْمِ تبيح التَّيَمُّم بِأَن كَانَ مَرضه يَسِيرا كصداع ووجع أذن أَو سنّ لم يجز الْفطر إِلَّا أَن يخَاف الزِّيَادَة بِالصَّوْمِ
فللمريض ثَلَاثَة أَحْوَال إِن توهم ضَرَرا يُبِيح التَّيَمُّم كره لَهُ الصَّوْم وَجَاز لَهُ الْفطر
وَإِن تحقق الضَّرَر الْمَذْكُور أَو غلب على ظَنّه أَو انْتهى بِهِ الْعذر إِلَى الْهَلَاك أَو ذهَاب مَنْفَعَة عُضْو حرم الصَّوْم وَوَجَب الْفطر وَإِن كَانَ الْمَرَض خَفِيفا بِحَيْثُ لَا يتَوَهَّم فِيهِ ضَرَرا يُبِيح التَّيَمُّم حرم الْفطر وَوَجَب الصَّوْم مَا لم يخف الزِّيَادَة وكالمريض الحصادون والملاحون والفعلة وَنَحْوهم وَمثله الْحَامِل والمرضع وَلَو كَانَ الْحمل من زنا أَو شُبْهَة وَلَو بِغَيْر آدَمِيّ حَيْثُ كَانَ مَعْصُوما أَو كَانَت الْمُرْضع مستأجرة أَو متبرعة وَلَو لغير آدَمِيّ
(وَفِي سفر قصر) مُبَاح بِأَن فَارق مَا تشْتَرط مجاوزته فِي صَلَاة الْمُسَافِر قبل الْفجْر يَقِينا وَالْفطر فِيهِ جَائِز وَإِن لم يشق عَلَيْهِ الصَّوْم سَوَاء كَانَ من رَمَضَان أم من غَيره نذرا وَلَو تعين أَو كَفَّارَة أَو قَضَاء بِخِلَاف السّفر الْقصير وسفر الْمعْصِيَة وَصَوْم الْمُسَافِر بِلَا ضَرَر يحصل لَهُ مِنْهُ أحب من فطره لبراءة ذمَّته وفضيلة الْوَقْت وَمحله إِن لم ينذر الْإِتْمَام وَإِلَّا لم يجز لَهُ الْفطر مَعَ عدم الضَّرَر على الْأَوْجه أما إِذا تضرر فالفطر أفضل
(ولخوف هَلَاك) بِالصَّوْمِ على نَفسه أَو عضوه أَو منفعَته من عَطش أَو جوع وَإِن كَانَ صَحِيحا مُقيما وَكَذَا لَو خَافَ على غَيره كَأَن توقف إنقاذ نَحْو الغريق على فطره فَيلْزمهُ إنقاذه وَالْفطر وَإِن وجد غَيره لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى التواكل وَالْفطر فِيمَا ذكر كُله جَائِز بل وَاجِب إِن خيف نَحْو هَلَاك الْوَلَد وَلم تُوجد مُرْضِعَة أُخْرَى وَيلْزم كل مترخص بِالْفطرِ نِيَّة التَّرَخُّص ليتميز الْفطر الْمُبَاح عَن غَيره
(وَيجب) على من أفطر (قَضَاء) صَوْم وَاجِب من (رَمَضَان) وَغَيره لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ ٢ الْبَقَرَة الْآيَة ١٨٤ وَالتَّقْدِير فَأفْطر فَعَلَيهِ عدَّة وَيجب إتْمَام قَضَاء وَاجِب وَلَو موسعا شرع فِيهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ ٤٧ مُحَمَّد الْآيَة ٣٣ وَلَا يجب إتْمَام تطوع غير حج وَعمرَة إِلَّا بِالنذرِ وَلَا إتْمَام فرض كِفَايَة كتعلم علم شَرْعِي غير عَيْني إِلَّا النّسك وَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْجهَاد فَيجب إِتْمَامهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا وَقيل يحرم قطع فرض الْكِفَايَة مُطلقًا كالعيني وَإِنَّمَا لم يحرم قطع الْعلم لِأَنَّهُ لَيْسَ خصْلَة وَاحِدَة
(و) يجب (إمْسَاك فِيهِ) أَي فِي رَمَضَان لَا فِي غَيره على متعمد الْفطر وَهُوَ المُرَاد بقوله (إِن أفطر بِغَيْر عذر) وعَلى من لم يبيت النِّيَّة فِيهِ (أَو بغلط) كمن تسحر ظَانّا بَقَاء اللَّيْل أَو أفطر ظَانّا الْغُرُوب فَبَان خِلَافه وَمن ظهر لَهُ يَوْم الثَّلَاثِينَ من شعْبَان أَنه من رَمَضَان وَمن سبقه مَاء الْمُبَالغَة أَو الرَّابِعَة فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِخِلَاف صبي بلغ مُفطرا وَمَجْنُون أَفَاق وَكَافِر أسلم ومسافر ومريض زَالَ عُذْرهمَا بعد الْفطر
وَالضَّابِط فِي ذَلِك
стр. 188
أَن كل من جَازَ لَهُ الْإِفْطَار مَعَ عمله بِحَقِيقَة الْيَوْم لَا يلْزمه الْإِمْسَاك بل يسن وكل من لَا يجوز لَهُ مَعَ ذَلِك يلْزمه الْإِمْسَاك وَيجب الْقَضَاء على الْجَمِيع إِلَّا الْكَافِر إِذا أسلم فِي أثْنَاء الْيَوْم وَالصَّبِيّ إِذا بلغ مُفطرا فَلَا يجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء بل يسن وَلَو بلغ الصَّبِي صَائِما لزمَه الْإِمْسَاك وَاسْتحبَّ لَهُ الْقَضَاء
(و) يجب (على من أفْسدهُ) أَي صَوْم يَوْم من رَمَضَان أَو منع انْعِقَاده (بجماع) أَي بتغييب جَمِيع الْحَشَفَة أَو قدرهَا من مقطوعها فِي فرج وَلَو دبرا من آدَمِيّ أَو غَيره من حَيّ أَو ميت وَإِن لم ينزل (كَفَّارَة) وتعزير (مَعَه) أَي الْقَضَاء أَي من وطىء عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ فِي نَهَار رَمَضَان يَقِينا وَلَو غرب بعض القرص وَلم يتم الْغُرُوب وَهُوَ مُكَلّف صَائِم آثم بِالْوَطْءِ بِسَبَب الصَّوْم مَعَ عدم الشُّبْهَة وَمَعَ كَونه أَهلا للصَّوْم بَقِيَّة الْيَوْم وَجب عَلَيْهِ وعَلى الموطوء الْمُكَلف الْقَضَاء وَعَلِيهِ وَحده الْكَفَّارَة دون الموطوء
وَحَاصِل مَا ذكر فِي هَذَا الْمقَام من الشُّرُوط أحد عشر شرطا الأول أَنَّهَا على الواطىء
الثَّانِي أَن يكون الْوَطْء مُفْسِدا فَخرج النَّاسِي وَالْجَاهِل وَالْمكْره
الثَّالِث أَن يكون مَا أفْسدهُ صوما فَخرج نَحْو الصَّلَاة
الرَّابِع أَن يكون صَوْم نَفسه فَخرج الْمُفطر إِذا جَامع زَوجته الصائمة
الْخَامِس أَن يكون الْإِفْسَاد بِالْوَطْءِ فَخرج الْإِفْسَاد بِغَيْرِهِ
السَّادِس أَن ينْفَرد الْوَطْء بالإفساد فَخرج بِالْوَطْءِ وَغَيره مَعًا
السَّابِع أَن يسْتَمر على الْأَهْلِيَّة كل الْيَوْم فَخرج مَا إِذا جن أَو مَاتَ بعد الْجِمَاع وَقبل فرَاغ الْيَوْم فَلَا كَفَّارَة
الثَّامِن أَن يكون الصَّوْم من أَدَاء رَمَضَان يَقِينا فَخرج الْقَضَاء وَالنّذر وَمن وطىء فِي رَمَضَان وَكَانَ صَامَ بِالِاجْتِهَادِ وَلم يتَيَقَّن أَنه مِنْهُ أَو صَامَ يَوْم الشَّك حَيْثُ جَازَ فَبَان أَنه من رَمَضَان
وَيحصل الْيَقِين بِالرُّؤْيَةِ أَو الْحساب أَو خبر الموثوق بِهِ أَو غير الموثوق بِهِ إِذا اعْتقد صدقه
التَّاسِع أَن يَأْثَم بِالْوَطْءِ فَخرج الصَّبِي وَالْمُسَافر إِذا وطىء حليلته مَعَ نِيَّة التَّرَخُّص
الْعَاشِر أَن يكون إثمه لأجل الصَّوْم فَخرج الصَّائِم الْمُسَافِر الواطىء زنا وَلم ينْو ترخصا بالإفطار لِأَنَّهُ لم يَأْثَم بِالْوَطْءِ للصَّوْم بل للزِّنَا أَو لعدم نِيَّة التَّرَخُّص
الْحَادِي عشر عدم الشُّبْهَة فَخرج من ظن بَقَاء اللَّيْل أَو شكّ فِيهِ أَو ظن دُخُوله فَبَان نَهَارا فَلَا كَفَّارَة وَكَذَا من أكل نَاسِيا فَظن أَنه أفطر فوطىء عَامِدًا فيفطر وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ لِأَن الْكَفَّارَة كالحدود تدرأ بِالشُّبْهَةِ وَمن ذَلِك مَا لَو أكره على الزِّنَا فَفعل فَإِنَّهُ يفْطر لِأَن الزِّنَا لَا يُبَاح بِالْإِكْرَاهِ وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ لشُبْهَة الْإِكْرَاه وَلَو طلع الْفجْر وَهُوَ مجامع فاستدام عَالما بطلوعه وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَا يقدر أَن صَوْمه انْعَقَد ثمَّ أفسد
وَالْكَفَّارَة عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من الْعُيُوب الْمضرَّة بِالْعَمَلِ وَالْكَسْب فَإِن لم يجدهَا فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا أَو فَقِيرا لكل وَاحِد مد من غَالب قوت الْبَلَد وَلَو شرع فِي الصَّوْم ثمَّ قدر على الرَّقَبَة ندب عتقهَا أَو شرع فِي الْإِطْعَام ثمَّ قدر على الصَّوْم ندب لَهُ فَلَو عجز عَن جَمِيع الْخِصَال الْمَذْكُورَة اسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَة الْمَذْكُورَة فِي ذمَّته لما مر فِي زَكَاة الْفطر
وَالْكَفَّارَات أَربع هَذِه وَكَفَّارَة الظِّهَار وَهُوَ أَن يَقُول الزَّوْج لزوجته أَنْت عَليّ أَو مني أَو عِنْدِي كَظهر أُمِّي أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا
стр. 189
هُوَ مُبين فِي مَحَله فَإِذا قَالَ ذَلِك وَلم يتبعهُ بِالطَّلَاق بِأَن يمْسِكهَا بعد ظِهَاره زَمنا يسع التَّلَفُّظ بِالطَّلَاق صَار عَائِدًا فَتلْزمهُ الْكَفَّارَة وَهِي كَمَا مر
وَكَفَّارَة الْقَتْل وَهِي كَمَا مر إِلَّا أَنَّهَا لَا إطْعَام فِيهَا وَهَذِه الثَّلَاثَة مرتبَة ابْتِدَاء وانتهاء وَكَفَّارَة الْيَمين وَهِي مخيرة ابْتِدَاء إِمَّا أَن يعْتق رَقَبَة أَو يطعم عشرَة مَسَاكِين لكل مِسْكين مد أَو يكسوهم مرتبَة انْتِهَاء أَي فَإِذا عجز عَمَّا ذكر صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام وَلَو مُتَفَرِّقَة
وَاعْلَم أَن الْإِفْطَار فِي رَمَضَان أَرْبَعَة أَنْوَاع مُوجب للْقَضَاء فَقَط وَهُوَ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء وَالْفطر فيهمَا وَاجِب وَيحرم عَلَيْهِمَا الصَّوْم وَلَا يَصح مِنْهُمَا وَلَا يسن لَهما الْإِمْسَاك إِلَّا إِذا انْقَطع الدَّم فِي أثْنَاء يَوْم فَيسنّ إمْسَاك بَاقِي ذَلِك الْيَوْم
ومسافر سفرا طَويلا مُبَاحا
ومريض
وَنَحْو الحصادين وَمثله المنقذ للغريق وحامل ومرضع إِذا أفطرتا للخوف على نفسهما وَلَو مَعَ غَيره ومغمى عَلَيْهِ وناسي النِّيَّة لَيْلًا والمتعدي بفطره بِغَيْر جماع
وَمُوجب للفدية فَقَط وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يُطيق الصَّوْم ومريض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ
وَمُوجب للْقَضَاء والفدية وَهُوَ الْإِفْطَار للخوف على غَيره وَحده كالإفطار لإنقاذ المشرف على الْغَرق وكإفطار الْحَامِل والمرضع خوفًا على الْوَلَد وَإِن كَانَ ولد غير الْمُرْضع
وَغير مُوجب لشَيْء مِنْهُمَا وَهُوَ للمجنون غير الْمُتَعَدِّي وَالصَّبِيّ وللكافر الْأَصْلِيّ وَالْقَضَاء فِي جَمِيع مَا ذكر على التَّرَاخِي إِلَّا فِيمَن أَثم بِالْفطرِ وَالْمُرْتَدّ وَترك التبييت عمدا فعلى الْفَوْر والفدية فِيمَا ذكر مد من غَالب قوت الْبَلَد لكل يَوْم من رَمَضَان يصرف للْفَقِير والمسكين دون غَيرهمَا من مُسْتَحقّ الزَّكَاة
ثمَّ اعْلَم أَنه تجب الْفِدْيَة فَقَط بطرِيق وَاحِدَة وَهِي فَوَات الصَّوْم وَهُوَ على نَوْعَيْنِ الأول على هرم لم يطق الصَّوْم فِي زمن من الْأَزْمَان وَلَو بعد رَمَضَان وَإِلَّا لزمَه إِيقَاع الصَّوْم فِيمَا يطيقه فِيهِ وَنَحْوه من كل عَاجز عَنهُ كَذَلِك وَهَذَا هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله (وعَلى من أفطر لعذر لَا يُرْجَى زَوَاله مد بِلَا قَضَاء) وَلم يجب قَضَاء وَإِن قدر عَلَيْهِ بعد لِأَنَّهُ غير مُخَاطب بِالصَّوْمِ فالفدية فِي حَقه وَاجِبَة ابْتِدَاء لَا بَدَلا وَبِذَلِك فَارق معضوبا شفي بعد الْحَج لِأَنَّهُ مُخَاطب بِهِ وَلَو عجز عَنْهَا لم تثبت فِي ذمَّته كالفطرة
وَالثَّانِي على ميت مُسلم لزمَه صَوْم وَاجِب وَتمكن من قَضَائِهِ فَيجب فِي تركته لكل يَوْم مد وَإِن ترك الْأَدَاء لعذر فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ تَأْخِير فمدان أَو أَكثر بِحَسبِهِ مد لفَوَات أصل الصَّوْم وَمد للتأخير وَمن ثمَّ لَو أفطرت
стр. 190
الْمَرْأَة خوفًا على ولد وأخرت الْقَضَاء سنة لعذر وَمَاتَتْ قبل الْقَضَاء وَجب فِي تركتهَا لكل يَوْم ثَلَاثَة أَمْدَاد لِأَن كلا مِنْهَا يجب عِنْد الِانْفِرَاد فَكَذَا عِنْد الِاجْتِمَاع
وَتجب الْفِدْيَة مَعَ الْقَضَاء بطريقين الطَّرِيق الأول فَضِيلَة الْوَقْت فَتجب الْفِدْيَة على قسمَيْنِ الأول على حرَّة حَامِل ومرضع غير متحيزة من مَالهمَا وَإِن كَانَتَا مريضتين أَو مسافرتين وَإِن كَانَت الْمُرضعَة مستأجرة لِأَن الْفِدْيَة من تَتِمَّة إِيصَال الْمَنَافِع اللَّازِمَة بِخِلَاف أجِير تمتّع فَإِنَّهُ يلْزم الدَّم مستأجرة لِأَنَّهُ من تَتِمَّة النّسك اللَّازِم لَهُ وَذَلِكَ إِذا خَافت كل مِنْهُمَا على ولد فَقَط وَلَو لغير الْمُرْضع
وَالثَّانِي على منقذ مُحْتَرم مشرف على هَلَاك نَفسه أَو عضوه أَو منفعَته بِنَحْوِ صائل وَتوقف الإنقاذ على الْفطْرَة فَأفْطر وَلَيْسَ المنقذ متحيرة وَلَا نَحْو مُسَافر قصد التَّرَخُّص أَو أطلق لِأَن هَذَا الْفطر فطر ارتفق بِهِ شخصان هُنَا وَفِيمَا مر كالجماع فَإِنَّهُ لما كَانَ من شَأْنه ارتفاق الواطىء والموطوء لزم بِهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة الْعُظْمَى وَالْأَوْجه وجوب الْفطر فِي إنقاذ حَيَوَان مُحْتَرم مَعَ الْفِدْيَة وجوازه فِي مَال غير حَيَوَان وَلَا فديَة لِأَنَّهُ ارتفق بِهِ شخص وَاحِد
وَالطَّرِيق الثَّانِي تَأْخِير الْقَضَاء فَمن عَلَيْهِ شَيْء من رَمَضَان فَأخر قَضَاءَهُ بِغَيْر عذر حَتَّى دخل رَمَضَان حرم عَلَيْهِ وَلَزِمَه فديَة التَّأْخِير لكل يَوْم مد طَعَام وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بقوله (وعَلى مُؤخر قَضَاء بِلَا عذر) أَي فِي التَّأْخِير بِأَن أمكنه الْقَضَاء فِي تِلْكَ السّنة (مد) وَإِنَّمَا جَازَ تَأْخِير قَضَاء الصَّلَاة إِلَى سِنِين لصِحَّته كل الْأَوْقَات وَتَأْخِير الصَّوْم إِلَى رَمَضَان آخر تَأْخِير لَهُ إِلَى نَظِيره الَّذِي لَا يقبله وَلَا يَصح فِيهِ وَكَانَ كتأخيرة عَن الْوَقْت فَإِن أخر الْقَضَاء بِعُذْر كَأَن اسْتمرّ سَفَره أَو نسيانه أَو جَهله الَّذِي يعْذر بِهِ أَو إكراهه أَو إِرْضَاع الْمَرْأَة إِلَى عَام قَابل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ من الْفِدْيَة وَالْحُرْمَة مَا بَقِي الْعذر وَإِن اسْتمرّ سِنِين وَلَو كَانَ إفطاره بِغَيْر عذر إِذْ لَا يلْزم من الْإِثْم الْفِدْيَة وَخرج بالعذر خلوه عَن الْعذر بِقدر مَا عَلَيْهِ فَتلْزمهُ الْفِدْيَة ويتكرر الْمَدّ بِتَكَرُّر السنين فَيجب (لكل سنة) لِأَن الْحُقُوق الْمَالِيَّة لَا تتداخل بِخِلَافِهِ فِي نَحْو الْهَرم لَا يتَكَرَّر لعدم التَّقْصِير وَمن عجز عَن ذَلِك اسْتَقر فِي ذمَّته
أما الْقِنّ فَلَا يلْزمه فديَة هُنَا وَلَا فِيمَا مر إِذْ لَا قدرَة لَهُ عَلَيْهَا فَإِن عتق لَزِمته فَإِن الْعبْرَة بِوَقْت الْأَدَاء لَا بِوَقْت الْوُجُوب وَلَو لم يبْق بَينه وَبَين رَمَضَان الْقَابِل مَا يسع قَضَاء جَمِيع الْفَائِت لَزِمته الْفِدْيَة حَالا عَمَّا لَا يَسعهُ وَمن مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام رَمَضَان أَو نذر أَو كَفَّارَة قبل إِمْكَان فعله بِأَن اسْتمرّ مَرضه الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَو سَفَره الْمُبَاح إِلَى مَوته فَلَا تدارك للفائت بالفدية وَلَا بِالْقضَاءِ وَلَا إِثْم عَلَيْهِ لعدم تَقْصِيره فَإِن تعدى بالإفطار ثمَّ مَاتَ قبل التَّمَكُّن وَبعده أَو أفطر بِعُذْر وَمَات بعد التَّمَكُّن أطْعم عَنهُ وليه من تركته لكل يَوْم فَاتَهُ مد طَعَام من غَالب قوت الْبَلَد فَإِن لم يكن لَهُ تَرِكَة لم يلْزم الْوَلِيّ إطْعَام وَلَا صَوْم بل يسن لَهُ ذَلِك لخَبر من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَيجوز لقريبه أَن يَصُوم عَنهُ وَلَو بِغَيْر إِذْنه وَإِن لم يكن عَاصِيا وَلَا وَارِثا وَلَا ولي مَال وَيجوز ذَلِك للْأَجْنَبِيّ بِإِذن الْقَرِيب وَشرط كل من الْآذِن والمأذون الْبلُوغ لَا الْحُرِّيَّة لِأَن الْقِنّ من أهل فرض الصَّوْم ويجزىء صَوْم ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِالْإِذْنِ فِي يَوْم وَاحِد أما أَجْنَبِي لم يَأْذَن لَهُ قريب وَلَا ميت فَيمْتَنع صَوْمه لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ النَّص وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
وَمن مَاتَ وَعَلِيهِ
стр. 191
صَلَاة أَو اعْتِكَاف لم يفعل ذَلِك عَنهُ وَلَا فديَة لعدم وُرُودهَا لَكِن يسن كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي نعم لَو نذر أَن يعْتَكف صَائِما جَازَ أَن يعْتَكف عَنهُ وليه صَائِما فَإِن لم يفعل بَقِي الِاعْتِكَاف فِي ذمَّة الْمَيِّت وَمثله رَكعَتَا الطّواف فَيجوز أَن يفعلهما الْوَلِيّ عَن الْمَيِّت تبعا لِلْحَجِّ عَنهُ وَفِي كل من الصَّلَاة وَالِاعْتِكَاف قَول كَالصَّوْمِ فَفِي وَجه عَلَيْهِ كثير من أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن الْوَلِيّ يطعم عَن كل صَلَاة مدا وَاخْتَارَ جمع من محققي الْمُتَأَخِّرين أَن الصَّلَاة تفعل عَن الْمَيِّت أوصى بهَا أَو لَا حَكَاهُ الْعَبَّادِيّ عَن الشَّافِعِي وَحكى غَيره عَن إِسْحَاق وَعَطَاء بل نقل ابْن برهَان عَن الْقَدِيم أَنه يلْزم الْوَلِيّ إِن خلف الْمَيِّت تَرِكَة أَن يُصَلِّي عَنهُ كَالصَّوْمِ
وَاخْتَارَ ذَلِك ابْن أبي عصرون وَابْن دَقِيق الْعِيد والسبكي حَتَّى قيل إِن السُّبْكِيّ صلى عَن قَرِيبه بعد مَوته بل قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه يصل للْمَيت كل عبَادَة تفعل عَنهُ وَاجِبَة أَو مَنْدُوبَة وَقَالَ ابْن حجر نقلا عَن شرح الْمُخْتَار مَذْهَب أهل السّنة أَن للْإنْسَان أَن يَجْعَل ثَوَاب عمله وَصلَاته للْمَيت ويصله اه
وَعند السَّادة الْحَنَفِيَّة أَنه لَو مَاتَ وَعَلِيهِ صلوَات وَأوصى بِالْكَفَّارَةِ عَنْهَا يعْطى لكل صَلَاة نصف صَاع من بر كالفطرة وَكَذَا حكم الْوتر
وَالصَّوْم وَيُعْطِي من ثلث مَاله وَلَو لم يتْرك مَالا اسْتقْرض وَارثه نصف صَاع مثلا ويدفعه لفقير ثمَّ يَدْفَعهُ الْفَقِير للْوَارِث ثمَّ وَثمّ حَتَّى يتم مَا عَلَيْهِ وَيجوز عِنْدهم أَن يقوم بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير وَتصرف للْفُقَرَاء وَلَو فدى عَن صلَاته فِي مَرضه لَا يَصح
стр. 192
(و) سنَن الصَّوْم عشرَة الأول مَذْكُور بقوله (سنّ تسحر) لقَوْله ﷺ تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة وَيحصل السّحُور على شَيْء وَإِن قل وَلَو جرعة مَاء وَيدخل وقته بِنصْف اللَّيْل وَالْأَفْضَل تَأْخِير السّحُور مَا لم يَقع فِي شكّ لخَبر الصَّحِيحَيْنِ لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا عجلوا الْفطر وأخروا السّحُور
(و) الثَّانِي (تَعْجِيل الْفطر) بعد تحقق الْغُرُوب وَقبل الصَّلَاة للْخَبَر السَّابِق وَسن ذَلِك وَلَو مارا بِالطَّرِيقِ وَلَا تنخرم مروءته بِهِ كَطَلَب الْأكل يَوْم عيد الْفطر قبل الصَّلَاة وَلَو مارا بِالطَّرِيقِ وَالْمُعْتَمد عدم حُصُول سنة التَّعْجِيل بِالْجِمَاعِ لما فِيهِ من إضعاف الْقُوَّة
(و) سنّ أَن يكون الْفطر (بِتَمْر فماء) لخَبر صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان إِذا كَانَ أحدكُم صَائِما فليفطر على التَّمْر فَإِن لم يجد التَّمْر فعلى المَاء فَإِنَّهُ طهُور وترتيبه فِي الْأَفْضَلِيَّة أَن يكون على رطب فتمر فماء فحلو فحلواء لما ورد أَنه ﷺ كَانَ يفْطر قبل أَن يُصَلِّي على رطبات فَإِن لم يكن فعلى تمرات فَإِن لم يكن حسا حسوات من مَاء وَقَضِيَّة هَذَا الْخَبَر أَن السّنة تثليث مَا يفْطر عَلَيْهِ من رطب وَغَيره وَيقدم الْعَسَل على اللَّبن لأَنهم نظرُوا للحلو فِي هَذَا الْمحل بعد فقد التَّمْر وَالْمَاء وَنَحْوهمَا مِمَّا ورد تفاؤلا بالحلاوة أَو لنفع الْبَصَر
وَالثَّالِث الدُّعَاء الْمَأْثُور عقب فطره وَهُوَ اللَّهُمَّ لَك صمت وعَلى رزقك أفطرت وَبِك آمَنت وَعَلَيْك توكلت ذهب الظمأ وابتلت الْعُرُوق وَثَبت الْأجر إِن شَاءَ الله تَعَالَى يَا وَاسع الْفضل اغْفِر لي الْحَمد لله الَّذِي هَدَانِي فَصمت وَرَزَقَنِي فأفطرت
(و) الرَّابِع (غسل عَن) الْحَدث الْأَكْبَر من (جَنَابَة) وحيض ونفاس (قبل فجر) ليؤدي الْعِبَادَة على الطَّهَارَة وللخشية من وُصُول المَاء إِلَى بَاطِن الْأذن أَو الدبر أَو غَيرهمَا
وَيَنْبَغِي أَن يغسل هَذِه الْمَوَاضِع قبل الْفجْر بنية رفع الْجَنَابَة إِن لم يتهيأ لَهُ الْغسْل الْكَامِل
وَالْخَامِس كف اللِّسَان عَمَّا لَا يَعْنِي سِيمَا كل محرم ككذب وغيبة لِأَنَّهُ محبط للثَّواب
(و) السَّادِس (كف) النَّفس عَن (شَهْوَة) مُبَاحَة لَا تبطل الصَّوْم من توسع طَعَام وشراب وتلذذ بِنَحْوِ مسموع ومبصر وملموس ومشموم كشم ريحَان وَنظر إِلَيْهِ ولمسه لِأَن فِيهِ ترفها لَا يُنَاسب حِكْمَة الصَّوْم
(و) السَّابِع مَذْكُور بقوله (برمضان إكثار صَدَقَة) وجود وَزِيَادَة توسعه على الْعِيَال وإحسان إِلَى ذَوي الْأَرْحَام وَالْجِيرَان وَمن ثمَّ سنّ أَن يفطرهم بِأَن يعشيهم فَإِن عجز عَن عشائهم فطرهم بِشَربَة مَاء أَو بتمرة أَو غَيرهمَا لقَوْله ﷺ من فطر صَائِما فَلهُ مثل أجره وَلَا ينقص من أجر الصَّائِم شَيْء (و) إكثار (تِلَاوَة) وأذكار وَفعل الْخيرَات فِي كل مَكَان حَتَّى الْحمام وَالطَّرِيق فَمن التِّلَاوَة المدارسة الْمعبر عَنْهَا بالإدارة
стр. 193
وَهِي أَن يقْرَأ على غَيره وَيقْرَأ غَيره عَلَيْهِ وَلَو غير مَا قَرَأَهُ الأول لخَبر إِن جِبْرِيل كَانَ يلقى النَّبِي ﷺ فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان
(و) الثَّامِن إكثار (اعْتِكَاف) بِأَن يعْتَكف فِي جَمِيع الشَّهْر وَهُوَ فِي الْعشْر الآخر آكِد وَلذَا قَالَ (سِيمَا) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَهِي دَالَّة لأولوية مَا بعْدهَا بالحكم مِمَّا قبلهَا لَا مُسْتَثْنى بهَا والأفصح جر مَا بعْدهَا على الْإِضَافَة وَتَقْدِيم لَا عَلَيْهَا بل قَالَ بعض الْمُحَقِّقين إِن حذفهَا لحن وَمَا زَائِدَة وَيجوز رفع مَا بعد لَا سِيمَا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَمَا حِينَئِذٍ مَوْصُولَة وَيجوز نَصبه على أَنه مفعول لفعل مَحْذُوف وَهُوَ صلَة لما أَي لَا شَيْء الَّذِي أُرِيد (عشر آخِره) فَهِيَ أولى بذلك كُله من غَيره لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذا دخل الْعشْر الْأَخير أَحْيَا اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهله وَشد المئزر وَهَذَا كِنَايَة عَن الإقبال على الْعِبَادَة بهمة ونشاط
وَالتَّاسِع ختم الْقُرْآن فِي جَمِيع رَمَضَان
والعاشر التَّتَابُع فِي قَضَاء رَمَضَان
ومكروهات الصَّوْم ثَلَاثَة عشر أَن يستاك بعد الزَّوَال وَتَأْخِير الْفطر
وَأَن يحجم لغيره وَأَن يحتجم مِنْهُ ويفصد وَيدخل الْحمام والمخاصمة فَإِن شَتمه أحد فَلْيقل إِنِّي صَائِم وَالْكذب وَالْفُحْش وَيكرهُ أَن يَقُول بِحَق الْخَتْم الَّذِي على فمي وَمثله بِحَق الْخَاتم الَّذِي على الْعباد وَوجه الْكَرَاهَة أَنه حلف بِغَيْر الله تَعَالَى وَصِفَاته والقبلة لغير من تحرّك شَهْوَته ومضغ العلك وَمحل كَرَاهَته فِي علك لَا يتفتت
أما هُوَ فَيحرم مضغه إِن تَيَقّن وُصُول بعض جرمه إِلَى جَوْفه فَإِن وصل عمدا أفطر بِخِلَاف مَا إِذا شكّ أَو وصل طعمه أَو رِيحه فَلَا يضر لِأَنَّهُ مجاور ومضغ الطَّعَام لِئَلَّا يصل لحلقه
نعم إِن احْتَاجَ إِلَى مضغ نَحْو خبز لطفل لم يكره وذوق الطَّعَام أَو غَيره خوف الْوُصُول إِلَى حلقه أَو خوف تعاطيه لغَلَبَة شَهْوَة
نعم لَو ذاق الطَّعَام لغَرَض إِصْلَاحه لمتعاطيه لم يكره للْحَاجة وَإِن كَانَ عِنْده مفطر غَيره لِأَنَّهُ قد لَا يعرف إِصْلَاحه مثل الصَّائِم كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي
فصل فِي صَوْم التَّطَوُّع
وَهُوَ كثير وَالَّذِي (يسن) متأكدا مِنْهُ خَمْسَة عشر الأول (صَوْم) يَوْم (عَرَفَة) لغير الْحَاج وَهُوَ تَاسِع ذِي الْحجَّة لِأَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَن صَوْم عَرَفَة فَقَالَ يكفر السّنة الْمَاضِيَة والمستقبلة وصومه للْحَاج خلاف الأولى وَيَوْم عَرَفَة أفضل الْأَيَّام حَتَّى من يَوْم من أَيَّام رَمَضَان لَا من جَمِيعهَا وَلَا من الْعشْر الْأَخير مِنْهُ
стр. 194
(و) الثَّانِي صَوْم يَوْم (عَاشُورَاء) وَهُوَ عَاشر الْمحرم لِأَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ يكفر السّنة الْمَاضِيَة وَإِنَّمَا كَانَ صَوْم عَرَفَة بِسنتَيْنِ وعاشوراء بِسنة لِأَن الأول يَوْم نَبينَا ﷺ وَالثَّانِي يَوْم غَيره من الْأَنْبِيَاء وَنَبِينَا ﷺ أفضل الْأَنْبِيَاء فَكَانَ يَوْمه بِسنتَيْنِ وَلِأَن المزية لَا تَقْتَضِي الْفَضِيلَة
وَحكي أَن نوحًا ﵊ لما اسْتَقَرَّتْ بِهِ السَّفِينَة يَوْم عَاشُورَاء قَالَ لمن مَعَه اجْمَعُوا مَا بَقِي مَعكُمْ من الزَّاد فجَاء هَذَا بكف من الباقلاء وَهُوَ الفول وَهَذَا بكف من العدس وَهَذَا بأرز وَهَذَا بشعير وَهَذَا بحنطة فَقَالَ اطبخوه جَمِيعًا فقد هنئتم بالسلامة فَمن ذَلِك اتخذ الْمُسلمُونَ طَعَام الْحُبُوب وَكَانَ ذَلِك أول طَعَام طبخ على وَجه الأَرْض بعد الطوفان وَاتخذ ذَلِك عَادَة فِي يَوْم عَاشُورَاء وللحافظ ابْن حجر شعر من الرجز فِي الْحُبُوب الَّتِي طبخها نوح ﵊ فِي يَوْم عَاشُورَاء سبع تهترس بر شعير ثمَّ ماش وعدس حمص ولوبيا والفول هَذَا هُوَ الصيح وَالْمَنْقُول وَنقل عَن بعض الأفاضل أَن الْأَعْمَال فِي يَوْم عَاشُورَاء اثْنَا عشر عملا الصَّلَاة وَالْأولَى أَن تكون صَلَاة التَّسْبِيح وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة والتوسعة على الْعِيَال والاغتسال وزيارة الْعَالم الصَّالح وعيادة الْمَرِيض وَمسح رَأس الْيَتِيم والاكتحال وتقليم الْأَظْفَار وَقِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص ألف مرّة وصلَة الرَّحِم
وَقد وَردت الْأَحَادِيث فِي الصَّوْم والتوسعة على الْعِيَال
وَأما غَيرهمَا فَلم يرد فِي الْأَحَادِيث
وَقد ذكر إِمَام الْمُحدثين ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي شرح البُخَارِيّ كَلِمَات من قَالَهَا فِي يَوْم عَاشُورَاء لم يمت قلبه وَهِي سُبْحَانَ الله ملْء الْمِيزَان ومنتهى الْعلم ومبلغ الرِّضَا وزنة الْعَرْش وَالْحَمْد لله ملْء الْمِيزَان ومنتهى الْعلم ومبلغ الرِّضَا وزنة الْعَرْش وَالله أكبر ملْء الْمِيزَان ومنتهى الْعلم ومبلغ الرِّضَا وزنة الْعَرْش لَا ملْجأ وَلَا منجا من الله إِلَّا إِلَيْهِ سُبْحَانَ الله عدد الشفع وَالْوتر وَعدد كَلِمَات الله التامات كلهَا وَالْحَمْد لله عدد الشفع وَالْوتر وَعدد كَلِمَات الله التامات كلهَا وَالله أكبر عدد الشفع وَالْوتر وَعدد كَلِمَات الله التامات كلهَا
أَسأَلك السَّلامَة بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَنقل سَيِّدي عَليّ الأَجْهُورِيّ أَن من قَالَ يَوْم عَاشُورَاء سبعين مرّة حسبي الله وَنعم الْوَكِيل نعم الْمولى وَنعم النصير كَفاهُ الله تَعَالَى شَرّ ذَلِك الْعَام
وَذكر الْعلمَاء أَن ليَوْم عَاشُورَاء مزايا لم تكن لغيره
وَذَلِكَ أَنه خلق فِيهِ آدم دَاخل الْجنَّة وتيب عَلَيْهِ فِيهِ واستوت سفينة نوح على الجودي وفلق الْبَحْر لمُوسَى وَأغْرقَ فِي الْبَحْر فِرْعَوْن وَأخرج يُونُس من بطن الْحُوت ويوسف من الْجب وتيب على قوم يُونُس وَولد إِبْرَاهِيم ﵊ وَنَجَا من النَّار فِيهِ وَولد عِيسَى ﵇ وَرفع إِلَى السَّمَاء فِيهِ ورد بصر يَعْقُوب وكشف ضرّ أَيُّوب وَغفر لنَبِيّ الله دَاوُد فِيهِ اه
стр. 195
(و) الثَّالِث صَوْم يَوْم (تاسوعاء) وَهُوَ تَاسِع الْمحرم لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لَئِن عِشْت إِلَى قَابل لأصومن التَّاسِع والعاشر فَقبض ﷺ من عَامه
(و) الرَّابِع صَوْم (سِتَّة من شَوَّال) لحَدِيث من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال كَانَ كصيام الدَّهْر
وَلقَوْله أَيْضا صِيَام رَمَضَان بِعشْرَة أشهر وَصِيَام سِتَّة أَيَّام بشهرين فَذَلِك صِيَام السّنة أَي كصيامها فرضا وَتحصل السّنة بصومها مُتَفَرِّقَة مُنْفَصِلَة عَن يَوْم الْعِيد لَكِن تتابعها واتصالها بِيَوْم الْعِيد أفضل وتفوت بِفَوَات شَوَّال وَيسن قَضَاؤُهَا
(و) الْخَامِس صَوْم (أَيَّام) اللَّيَالِي (الْبيض) من كل شهر وَهِي الثَّالِث عشر وتالياه وَفِي ذِي الْحجَّة يَصُوم السَّادِس عشر بدل الثَّالِث عشر لِأَنَّهُ من أَيَّام التَّشْرِيق وصيامها حرَام
(و) السَّادِس وَالسَّابِع صَوْم يَوْم (الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يتحَرَّى صومهما وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تعرض فيهمَا الْأَعْمَال فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا صَائِم
وَالثَّامِن صَوْم الثَّمَانِية أَيَّام قبل يَوْم عَرَفَة سَوَاء فِي ذَلِك الْحَاج وَغَيره
وَالتَّاسِع صَوْم الثَّمَانِية فِي الْمحرم قبل التَّاسِع وَلَا بَأْس بإفراده
والعاشر صَوْم أَيَّام الْأَشْهر الْحرم وَهِي أَرْبَعَة الْمحرم وَرَجَب وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة
وَأفضل الشُّهُور رَمَضَان ثمَّ الْمحرم ثمَّ رَجَب ثمَّ ذُو الْحجَّة ثمَّ ذُو الْقعدَة ثمَّ شعْبَان
وَظَاهر كَلَامهم أَن بَاقِي شهور السّنة على حد سَوَاء
وَالْحَادِي عشر صَوْم أَيَّام اللَّيَالِي السود من كل شهر وَهِي الثَّامِن وَالْعشْرُونَ وتالياه
وَالثَّانِي عشر صَوْم شعْبَان لحبه ﷺ صِيَامه فَمن صَامَهُ نَالَ شَفَاعَته ﷺ يَوْم الْقِيَامَة
وَالثَّالِث عشر صَوْم يَوْم وَفطر يَوْم
وَالرَّابِع عشر صَوْم يَوْم وَفطر يَوْمَيْنِ
وَالْخَامِس عشر صَوْم يَوْم لَا يجد فِيهِ مَا يَأْكُلهُ وَلَو نذر شَيْئا من صَوْم التَّطَوُّع وَجب وَيكرهُ الصَّوْم للْمَرِيض وَالْحَامِل والمرضع وَالْمُسَافر وَالشَّيْخ الْكَبِير إِذا خَافُوا مِنْهُ مشقة شَدِيدَة وَقد يُفْضِي ذَلِك إِلَى التَّحْرِيم كَمَا مر وَيكرهُ التَّطَوُّع بِصَوْم يَوْم وَعَلِيهِ قَضَاء فرض وإفراد يَوْم الْجُمُعَة أَو السبت أَو الْأَحَد بِالصَّوْمِ وَصَوْم الدَّهْر لمن خَافَ بِهِ ضَرَرا أَو فَوت حق وَيحرم صَوْم الْعِيدَيْنِ وَصَوْم أَيَّام التَّشْرِيق وَهِي الْحَادِي عشر من ذِي الْحجَّة وتالياه وَصَوْم الْحَائِض وَالنُّفَسَاء وَصَوْم يَوْم الشَّك بِلَا سَبَب وَهُوَ يَوْم الثَّلَاثِينَ من شعْبَان إِذا تحدث النَّاس بِرُؤْيَة الْهلَال وَلم يثبت بِخِلَاف مَا إِذا صَامَهُ عَن قَضَاء أَو نذر أَو كَفَّارَة أَو وَافق صَوْمه عَادَة لَهُ فَلَا يحرم بل يجب أَو يسن وَصَوْم النّصْف الثَّانِي من شعْبَان إِلَّا أَن يصله بِمَا قبله أَو يَصُومهُ بِسَبَب مِمَّا مر
بَاب الِاعْتِكَاف
حَقِيقَته شرعا اللّّبْث فِي الْمَسْجِد من شخص مَخْصُوص بنية وَهُوَ سنة فِي كل وَقت
стр. 196
لحَدِيث من اعْتكف فوَاق نَاقَة فَكَأَنَّمَا أعتق نسمَة وَيجب بِالنذرِ وَيحرم على الزَّوْجَة وَالرَّقِيق بِغَيْر إِذن وَيكرهُ لذات الْهَيْئَة مَعَ الْإِذْن فتعتريه الْأَحْكَام مَا عدا الْإِبَاحَة وَهُوَ فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان أفضل مِنْهُ فِي غَيره لطلب لَيْلَة الْقدر فيحييها
ومراتب إحيائها ثَلَاثَة عليا وَهِي إحْيَاء لَيْلَتهَا بِالصَّلَاةِ
ووسطى وَهِي إحْيَاء معظمها بِالذكر
وَدُنْيا وَهِي أَن يُصَلِّي الْعشَاء فِي جمَاعَة وَالصُّبْح فِي جمَاعَة وَالْعَمَل فِيهَا خير من الْعَمَل فِي ألف شهر وينال الْعَامِل فَضلهَا وَإِن لم يطلع عَلَيْهَا على الْمُعْتَمد لَكِن حَال من اطلع عَلَيْهَا أكمل وَيسن الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة فِي لَيْلَتهَا ويومها وَيسن لمن رَآهَا أَن يكتمها وَهِي من خصوصيات هَذِه الْأمة وباقية إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ومنحصرة فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان عِنْد الإِمَام الشَّافِعِي
وَتلْزم لَيْلَة مِنْهُ بِعَينهَا على الْمُعْتَمد فَقيل هِيَ لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين وَقيل لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين وَقيل لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين وَمُقَابل الْمُعْتَمد أَنَّهَا تنْتَقل فِي ليَالِي الْعشْر وأرجاها ليَالِي الأوتار وأرجى الأوتار لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين وَنقل عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين
وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ من الْأَسْرَار الَّتِي يطلع الله عَلَيْهَا من يَشَاء من عباده وَينْدب أَن يكثر فِي لَيْلَتهَا من قَول اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عني
وَمن علاماتها أَنَّهَا متوسطة لَا حارة وَلَا بَارِدَة وتطلع الشَّمْس فِي صبيحتها بَيْضَاء لَيْسَ فِيهَا كثير شُعَاع وَهِي لَحْظَة لَطِيفَة على صُورَة الْبَرْق الخاطف لَكِن تصير اللَّيْلَة كلهَا ذَات فضل لأَجلهَا وَكَذَلِكَ تردد الْمَلَائِكَة فِي جَمِيع اللَّيْل صعُودًا وهبوطا بَين الله تَعَالَى وَبَين عباده لقَضَاء حوائجهم ويتجلى الله تَعَالَى فِيهَا جَمِيعهَا بِخِلَاف غَيرهَا فَإِنَّهُ فِي الثُّلُث الْأَخير فَقَط فَينْدب إحْيَاء ليَالِي الْعشْر كلهَا لأجل مصادفة لَيْلَة الْقدر وَهِي لَيْلَة ينْكَشف فِيهَا شَيْء من عجائب الملكوت وَالنَّاس فِي هَذَا الْكَشْف متفاوتون فَمنهمْ من يكْشف لَهُ عَن ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض فَيرى الْمَلَائِكَة بَين رَاكِع وَسَاجِد وَمِنْهُم من يرى طبقَة من نور
وَأفضل اللَّيَالِي لَيْلَة المولد الشريف فالقدر فالإسراء فعرفة فالجمعة فَنصف شعْبَان فالعيد فَهَذِهِ سبع لَيَال مرتبَة فِي الْأَفْضَلِيَّة وَأفضل الْأَيَّام يَوْم عَرَفَة فَنصف شعْبَان فالجمعة وَاللَّيْل أفضل من النَّهَار
وأركان الِاعْتِكَاف أَرْبَعَة نِيَّة ولبث وَلَا بُد أَن يزِيد على قدر طمأنينة الصَّلَاة وَمَسْجِد ومعتكف
وشروطه إِسْلَام وعقل وخلو من حدث أكبر فَلَا يَصح اعْتِكَاف من اتّصف بضد شَيْء من ذَلِك وَتجب نِيَّة الْفَرْضِيَّة فِي الْمَنْذُور مِنْهُ وَيَقَع كُله فرضا على الْمُعْتَمد وَإِن طَال مكثه وَإِن لم يُقَيِّدهُ بِمدَّة
ومراتب الِاعْتِكَاف ثَلَاثَة مُطلق ومقيد بِمدَّة من غير تتَابع ومقيد بِمدَّة وتتابع فَإِن كَانَ مُطلقًا كفته نِيَّته وَإِن طَال مكثه لَكِن لَو خرج من الْمَسْجِد بِلَا عزم عود وَعَاد جدد النِّيَّة إِن أَرَادَ الِاعْتِكَاف وَيكون هَذَا اعتكافا آخر لِأَن الأول قد انْقَطع فَإِن خرج عَازِمًا على الْعود للاعتكاف سَوَاء لِلْمَسْجِدِ الَّذِي خرج مِنْهُ أَو لغيره كَانَ هَذَا الْعَزْم قَائِما مقَام النِّيَّة فَلَا يحْتَاج لتجديد نِيَّة وَإِن كَانَ مُقَيّدا بِمدَّة من غير تتَابع
стр. 197
ليومين وَخرج لغير تبرز بِلَا عزم عود وَعَاد جدد النِّيَّة وَإِن لم يطلّ الزَّمن بِخِلَاف خُرُوجه للتبرز فَلَا يحْتَاج لتجديد نِيَّة وَإِن طَال الزَّمن لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهُ فَهُوَ كالمستثنى عِنْد النِّيَّة أما إِذا خرج عَازِمًا على الْعود وَعَاد فَلَا يحْتَاج لتجديد نِيَّة على الْمُعْتَمد سَوَاء فِي جَمِيع ذَلِك الْمَنْذُور وَغَيره وَإِن كَانَ مُقَيّدا بِمدَّة وتتابع كعشرة أَيَّام مُتَوَالِيَة فَلَا يَنْقَطِع تتابعه بِخُرُوجِهِ من الْمَسْجِد لعذر كنسيان الِاعْتِكَاف وكحيض ونفاس لَا تَخْلُو عَنهُ مُدَّة الِاعْتِكَاف غَالِبا أَو عذر مرض يشق مَعَه الْمقَام فِي الْمَسْجِد لحَاجَة فرش أَو خَادِم أَو تردد طَبِيب أَو يخَاف مِنْهُ تلويث الْمَسْجِد كإسهال وإدرار بَوْل بِخِلَاف الْمَرَض الْخَفِيف فَيَنْقَطِع التَّتَابُع بِالْخرُوجِ لَهُ وَفِي معنى الْمَرَض الْخَوْف من لص أَو حريق وَلَا يَنْقَطِع التَّتَابُع بِخُرُوج مُؤذن راتب إِلَى مَنَارَة مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد قريبَة مِنْهُ للأذان لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة لَهُ مَعْدُودَة من توابعه وَقد اعْتَادَ الرَّاتِب صعودها وَألف النَّاس صَوته فيعذر فِيهِ وَيجْعَل زمن الْأَذَان كالمستثنى من الِاعْتِكَاف وَمَتى زَالَ عذره وَجب عَلَيْهِ الْعود فَوْرًا وَبنى على مَا مضى وَمَا يطول زَمَنه عَادَة كَمَرَض وحيض ونفاس وعدة لَا بِاخْتِيَار يجب قَضَاء زَمَنه وَمَا لم يطلّ زَمَنه عَادَة كَأَكْل وَغسل جَنَابَة وأذان مُؤذن راتب وتبرز لَا يجب قَضَاء زَمَنه لِأَنَّهُ مُسْتَثْنى إِذْ لَا بُد مِنْهُ وَلِأَنَّهُ معتكف فِيهِ حكما فَإِن خرج لغير عذر انْقَطع تتابعه فيجدد النِّيَّة ويستأنف وَلَا يَبْنِي على مَا مضى مِنْهُ لبطلانه
وَالَّذِي يبطل الِاعْتِكَاف تِسْعَة أَشْيَاء الْوَطْء والإنزال عَن مُبَاشرَة بِشَهْوَة وَالسكر المتعدى بِهِ وَالرِّدَّة وَالْحيض إِذا كَانَت مُدَّة الِاعْتِكَاف تَخْلُو عَنهُ غَالِبا وَالنّفاس كَذَلِك وَالْخُرُوج لغير عذر وَالْخُرُوج لِاسْتِيفَاء عُقُوبَة ثبتَتْ بِإِقْرَارِهِ وَكَذَلِكَ الْخُرُوج لِاسْتِيفَاء حق مماطل بِهِ وَالْخُرُوج لعدة ثبتَتْ باختيارها
فَمَتَى طَرَأَ وَاحِد من هَذِه على الِاعْتِكَاف الْمَنْذُور الْمُقَيد بالمدة والتتابع أبْطلهُ وَخرج مِنْهُ وَوَجَب الِاسْتِئْنَاف وَإِن أثيب على مَا مضى فِي غير الرِّدَّة إِن كَانَ مُقَيّدا بِمدَّة من غير تتَابع فَمَعْنَى بُطْلَانه أَن زمن ذَلِك لَا يحْسب من الِاعْتِكَاف فَإِذا زَالَ ذَلِك جدد النِّيَّة وَبنى على مَا مضى وَإِن كَانَ مُطلقًا فَمَعْنَى بُطْلَانه أَنه انْقَطع استمراره ودوامه وَلَا بِنَاء وَلَا تَجْدِيد نِيَّة وَمَا مضى مُعْتَد بِهِ وَحصل بِهِ الِاعْتِكَاف
وَالْحَاصِل أَن الطارىء على الِاعْتِكَاف المتتابع إِمَّا أَن يَنْقَطِع تتابعه أَو لَا الَّذِي لَا يقطع تتابعه إِمَّا أَن يحْسب من الْمدَّة وَلَا يقْضى أَو لَا
فَالَّذِي يقطعهُ هَذِه التِّسْعَة وَالَّذِي لَا يقطعهُ وَيقْضى كالمرض وَالْجُنُون وَالْحيض الَّذِي تَخْلُو عَنهُ الْمدَّة غَالِبا وَالْعدة الَّتِي بِغَيْر اخْتِيَارهَا وَالَّذِي لَا يقْضى التبرز وَالْأكل وَغسل الْجَنَابَة وأذان الرَّاتِب
وَاعْلَم أَن الْوَطْء والمباشرة بِشَهْوَة حرَام فِي الْمَسْجِد مُطلقًا وَلَو من غير معتكف وَكَذَا خَارجه فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب دون الْمُسْتَحبّ لجَوَاز قطعه وَلَا يبطل بالغيبة أَو الشتم أَو أكل الْحَرَام
نعم ينقص ثَوَابه وَسن للمعتكف الصَّوْم
стр. 198
بَاب الْحَج وَالْعمْرَة
حَقِيقَة الْحَج شرعا قصد الْكَعْبَة للنسك الْآتِي بَيَانه مَعَ فعل الْأَركان الْآتِيَة
وَقَالَ ابْن الرّفْعَة هُوَ نفس الْأَفْعَال الْآتِيَة وَحَقِيقَة الْعمرَة شرعا قصد الْبَيْت للأفعال الْآتِيَة أَو نفس الْأَفْعَال والنسك آخر أَرْكَان الْإِسْلَام وَمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فيكفر جاحده إِلَّا الْجَاهِل الْمَعْذُور بِأَن قرب عَهده بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ بَعيدا عَن الْعلمَاء وَهُوَ يكفر الصَّغَائِر والكبائر حَتَّى التَّبعَات على الْمُعْتَمد إِن مَاتَ فِي حجه أَو بعده وَقبل التَّمَكُّن من أَدَائِهَا لَكِن قَالَ الشبراملسي وتكفيره لما ذكر إِنَّمَا هُوَ لإثم الْإِقْدَام لَا لسُقُوط حُقُوق الْآدَمِيّين بِمَعْنى أَنه إِذا غصب مَالا أَو قتل نفسا ظلما وعدوانا غفر الله لَهُ إِثْم الْإِقْدَام على مَا ذكر وَوَجَب عَلَيْهِ الْقود ورد الْمَغْصُوب وَإِلَّا فَأمره إِلَى الله فِي الْآخِرَة وَمثله سَائِر حُقُوق الْآدَمِيّين وَهُوَ مُخَالف لإِطْلَاق غَيره وَهُوَ الْمَشْهُور وتكفير الْحَج للذنوب إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لأمور الْآخِرَة حَتَّى لَو أَرَادَ شَهَادَة بعده فَلَا بُد من التَّوْبَة والاستبراء وَله فَضَائِل لَا تحصى مِنْهَا مَا روى ابْن حبَان عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْحَاج حِين يخرج لم يخط خطْوَة إِلَّا كتب الله لَهُ بهَا حَسَنَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة فَإِذا وقفُوا بِعَرَفَات باهى الله بهم مَلَائكَته يَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي أَتَوْنِي شعثا غبرا أشهدكم أَنِّي غفرت لَهُم ذنوبهم وَإِن كَانَت عدد قطر السَّمَاء وَرمل عالج وَإِذا رمى الْجمار لم يدر أحد مَا لَهُ حَتَّى يوفاه يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا حلق شعره فَلهُ بِكُل شَعْرَة سَقَطت من رَأسه نور يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا قضى آخر طَوَافه بِالْبَيْتِ خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه
(يجبان) أَي الْحَج وَالْعمْرَة (على مُكَلّف حر مستطيع مرّة بتراخ) من حَيْثُ الْأَدَاء فَلِمَنْ وجبا عَلَيْهِ بِنَفسِهِ أَو نَائِبه تأخيرهما بعد سنة الْإِمْكَان لِأَن الْحَج فرض سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَلم يحجّ ﷺ إِلَّا سنة عشر
وَمَكَّة قد فتحت سنة ثَمَان فَعدم حجه سنة ثَمَان وتسع دلَالَة على عدم وُجُوبه على الْفَوْر وَمحل جَوَاز التَّأْخِير إِن عزم على فعلهمَا فِي الْمُسْتَقْبل كَمَا فِي الصَّلَاة أَي فالنسك فرض عين على المستطيع وَمن الشَّرَائِع الْقَدِيمَة بل مَا من نَبِي إِلَّا وَحج ووجوبه على التَّرَاخِي لَكِن لَو مَاتَ قبل أَدَائِهِ تبين عصيانه من السّنة الْأَخِيرَة من سني الْإِمْكَان حَتَّى لَو شهد فِيهَا شَهَادَة وَلم يحكم بهَا حَتَّى مَاتَ فَلَا يحكم بهَا وَالْمُتَّجه أَن المُرَاد بِالسنةِ الْأَخِيرَة زمن إِمْكَان الْحَج على عَادَة أهل بَلَده وَمثل مَوته فِيمَا ذكر عضبه فيتبين من آخر سني الْإِمْكَان وَفِيمَا بعده إِلَى أَن يحجّ عَنهُ وَيجب عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَة فَوْرًا وَيسْتَثْنى من كَونه على التَّرَاخِي مَا لَو خشِي العضب أَو الْمَوْت أَو هَلَاك مَاله وَكَذَا لَو أفسد حجَّة الْإِسْلَام فَيجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا أَو تضيق بِالنذرِ وَمَعَ كَون الْحَج على التَّرَاخِي فَلَا بُد من الْعَزْم على فعله وَيسن تَعْجِيله
стр. 199
خُرُوجًا من خلاف من أوجب الْفَوْر كَالْإِمَامِ مَالك وَالْإِمَام أَحْمد
وَلَا يجب النّسك بِأَصْل الشَّرْع إِلَّا مرّة وَاحِدَة فِي الْعُمر وَقد يجب أَكثر مِنْهَا لعَارض كنذر وَقَضَاء عِنْد إِفْسَاد التَّطَوُّع وإحياء الْكَعْبَة كل عَام بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة فرض كِفَايَة بِشَرْط الِاسْتِطَاعَة إِن قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط الطّلب عَن البَاقِينَ وَإِلَّا أثموا جَمِيعًا
وللنسك شُرُوط وأركان وواجبات وَسنَن ومحظورات ومفسد ومبطل
أما شُرُوطه فَالْكَلَام فِيهَا فِي خمس مقامات الْمقَام الأول للصِّحَّة الْمُطلقَة وشروطها الْإِسْلَام وَالْوَقْت وَهُوَ فِي الْحَج من ابْتِدَاء شَوَّال إِلَى فجر يَوْم النَّحْر وَفِي الْعمرَة جَمِيع السّنة فَلَا يَصح من كَافِر أُصَلِّي أَو مُرْتَد وَلَا يَصح الْإِحْرَام بِالْحَجِّ قبل وقته الْمَذْكُور بل ينْعَقد عمْرَة وَلَا الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ إِذا بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من أَعمال الْحَج وَلَا يشْتَرط فِي الصِّحَّة الْمُطلقَة تَكْلِيف وَلَا تَمْيِيز فلولي المَال الْإِحْرَام بالنسك عَن الصَّغِير وَلَو مُمَيّزا وَعَن الْمَجْنُون كَأَن يَقُول جعلت فلَانا محرما بِالْحَجِّ سَوَاء كَانَ قبل الْإِحْرَام عَن نَفسه أَو بعده فَيصير من أحرم عَنهُ محرما بذلك وَلَا يشْتَرط حُضُوره ومواجهته حَال الْإِحْرَام عَنهُ وَلَا يصير الْوَلِيّ بذلك محرما وَيَطوف الْوَلِيّ بِغَيْر الْمُمَيز بِشَرْط طهارتهما وَجعل الْبَيْت عَن يسارهما وَيصلى عَنهُ رَكْعَتي الطّواف وَيسْعَى بِهِ ويحضره المواقف كلهَا وَلَا يَكْفِي حُضُوره بِدُونِهِ وَمِنْهَا المرمى وَهُوَ مَا يقف فِيهِ الرَّامِي وَلَو كَانَ خَارج منى لِأَن الْمدَار على إِيصَال الْحجر للمرمى فَيلْزمهُ إِحْضَاره إِيَّاه حَالَة رميه عَنهُ وَإِن لم يتَصَوَّر مِنْهُ لِأَن الْوَاجِب شَيْئَانِ الْحُضُور وَالرَّمْي فَلَا يسْقط أَحدهمَا بِسُقُوط الآخر ويناوله الْأَحْجَار فيرميها إِن قدر وَإِلَّا رمى عَنهُ من لَا رمي عَلَيْهِ من ولي ومأذونه وَلَا بُد فِي جَمِيع ذَلِك من تقدم فعل الْوَلِيّ أَو مأذونه عَن نَفسه فَلَا بُد من تقدم رميه عَن نَفسه أَولا والمميز يطوف وَيسْعَى وَيَرْمِي الْأَحْجَار بِنَفسِهِ وَيجب على الْوَلِيّ مَنعه عَن جَمِيع مُحرمَات الْإِحْرَام فَإِن فعل شَيْئا مِنْهَا فَإِن كَانَ غير مُمَيّز فَلَا فديَة عَلَيْهِ وَلَا على وليه وَإِن كَانَ مُمَيّزا فَإِن تطيب أَو لبس نَاسِيا فَلَا فديَة قطعا وَإِن تعمد ذَلِك بنى على الْقَوْلَيْنِ فِي عمد الصَّبِي فَإِن قُلْنَا عمده عمد وَجَبت وَإِن قُلْنَا عمده خطأ فَلَا وَلَو حلق أَو قلم أَو قتل صيدا وَجَبت الْفِدْيَة وَحَيْثُ وَجَبت فَهِيَ فِي مَال الْوَلِيّ وَهِي كالواجبة عَلَيْهِ بِفعل نَفسه فَإِن اقْتَضَت صوما أَو غَيره فعله وَمثل ذَلِك بِالْأولَى مَا لَو طيبه أَو ألبسهُ أَو حلق لَهُ وَإِن كَانَ ذَلِك لحَاجَة الطِّفْل على الْأَصَح وَلَو طيبه أَجْنَبِي فالفدية فِي مَال الْأَجْنَبِيّ وَلَو ترك وَاجِبا كالمبيت بِمُزْدَلِفَة أَو منى أَو غير ذَلِك وَجب الدَّم وَالْمَجْنُون كَالصَّبِيِّ فِيمَا سبق وَالسَّفِيه يكفر بِالصَّوْمِ
وَخرج بِمن ذكر الْمغمى عَلَيْهِ فَلَا يحرم عَنهُ غَيره إِن كَانَ بُرْؤُهُ يُرْجَى عَن قرب لِأَنَّهُ لَيْسَ بزائل الْعقل
الْمقَام الثَّانِي فِي صِحَة الْمُبَاشرَة بِنَفسِهِ اسْتِقْلَالا وشروطها الْإِسْلَام وَالْوَقْت والتمييز وَلَو صَبيا بِإِذن وليه أَو رَقِيقا وَلَكِن لَا يَقع النّسك لَهما عَن فرض الْإِسْلَام إِلَّا إِذا كملا قبل الْوُقُوف وَلَو كَانَا سعيا بعد طواف الْقدوم فَلَا بُد من إِعَادَة السَّعْي وَمِثَال الْوُقُوف طواف الْعمرَة
стр. 200
الْمقَام الثَّالِث صِحَة الْمَنْذُور وَشَرطهَا الْإِسْلَام والتكليف فَيصح من الرَّقِيق وَيكون فِي ذمَّته
الْمقَام الرَّابِع الْوُقُوع عَن فرض الْإِسْلَام وَشَرطه الْوَقْت وَالْإِسْلَام والتكليف وَالْحريَّة فيجزىء ذَلِك من فَقير لَا من صَغِير ورقيق كَمَا مر وَلَو حج أَو اعْتَمر بِمَال حرَام عصى وَسقط فَرْضه
الْمقَام الْخَامِس الْوُجُوب وشروطه مَا ذكر مَا عدا الْوَقْت مَعَ الِاسْتِطَاعَة وَهِي نَوْعَانِ أَحدهمَا استطاعة بِالنَّفسِ وَلَا تتَحَقَّق إِلَّا بِأُمُور سَبْعَة أَحدهَا وجود مُؤنَة السّفر كالزاد وأوعيته وكلفة ذَهَابه إِلَى مَكَّة ورجوعه مِنْهَا إِلَى وَطنه وَإِن لم يكن لَهُ فِيهِ أهل وَلَا عشيرة
ثَانِيهَا وجود الرَّاحِلَة الصَّالِحَة لمثله بشرَاء بِثمن مثل أَو اسْتِئْجَار بِأُجْرَة مثل لمن بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان فَأكْثر قدر على الْمَشْي أَو لَا لَكِن ينْدب للقادر على الْمَشْي الْحَج خُرُوجًا من خلاف من أوجبه حِينَئِذٍ
وَأما من بَينه وَبَين مَكَّة دون مرحلَتَيْنِ فَإِن كَانَ قَادِرًا على الْمَشْي لزمَه الْحَج وَلَا يعْتَبر فِي حَقه الرَّاحِلَة وَلَا يلْزمه الحبو والزحف وَإِن عجز عَن الْمَشْي أَو لحقه بِهِ ضَرَر ظَاهر فكالبعيد عَن مَكَّة فَيشْتَرط فِي حَقه وجود الرَّاحِلَة وَإِن لحقه بالراحلة مشقة شَدِيدَة اشْترط فِي حَقه وجود الْمحمل وَهَذَا فِي الرجل أما الْمَرْأَة وَالْخُنْثَى فَيشْتَرط فِي حَقّهمَا وجود الْمحمل مُطلقًا وَإِن لم يتضررا بالراحلة لِأَنَّهُ أستر لَهما وَيشْتَرط وجود شريك يجلس فِي الشق الآخر لتعذر ركُوب شقّ لَا يعادله شَيْء وَيشْتَرط أَن يَلِيق بِهِ ذَلِك المعادل بِأَن لَا يكون فَاسِقًا وَلَا شَدِيد الْعَدَاوَة وَأَن لَا يكون بِهِ نَحْو برص وَيشْتَرط كَون مَا ذكر من الزَّاد والمحمل وَالشَّرِيك فَاضلا عَن دينه وَلَو مُؤَجّلا وَعَن مُؤنَة من عَلَيْهِ مؤنتهم مُدَّة ذَهَابه وإيابه وَعَن مَسْكَنه اللَّائِق بِهِ الَّذِي لم يزدْ على حَاجته وَعَن عبد يَلِيق بِهِ وَيحْتَاج إِلَيْهِ لخدمته وَيلْزم صرف مَال تِجَارَته إِلَى الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَمَا يتَعَلَّق بهما وَلَا يلْزمه بيع آلَة محترف وَلَا كتب فَقِيه وَلَا بهائم زرع أَو نَحْو ذَلِك
ثَالِثهَا أَمن الطَّرِيق وَلَو ظنا فِي كل مَحل بِحَسب مَا يَلِيق بِهِ نفسا وبضعا ومالا وَلَو يَسِيرا وَيجب ركُوب الْبَحْر إِن تعين طَرِيقا وغلبت السَّلامَة فِي ركُوبه فان غلب الْهَلَاك أَو اسْتَوَى الْأَمْرَانِ أَو جهل الْحَال حرم ركُوبه
رَابِعهَا وجود مَاء وَزَاد وعلف دَابَّة بمحال يعْتَاد حملهَا مِنْهَا بِثمن الْمثل وَهُوَ الْقدر اللَّائِق بهَا زَمَانا ومكانا فَإِن لم يُوجد ذَلِك أَو وجد بِزِيَادَة على ثمن الْمثل لم يجب النّسك
خَامِسهَا أَن يخرج مَعَ الْمَرْأَة زَوجهَا أَو محرمها أَو عَبدهَا أَو مَمْسُوح أَو نسْوَة ثِقَات بِأَن جمعن صِفَات الْعَدَالَة وَإِن كن إِمَاء وَلَو بِأُجْرَة مثل فتلزمها إِذا لم يخرج إِلَّا بهَا وَيشْتَرط فِي وجوب النّسك عَلَيْهَا قدرتها عَلَيْهَا لِأَنَّهَا من أهبة سفرها
سادسها الثُّبُوت على المركوب وَلَو فِي محمل أَو نَحوه بِلَا ضَرَر شَدِيد فَمن لم يثبت عَلَيْهِ أصلا أَو ثَبت بِضَرَر شَدِيد لمَرض أَو غَيره لَا يلْزمه النّسك بِنَفسِهِ
سابعها وجود الزَّمن الَّذِي يسع الْمَعْهُود للنسك من بَلَده إِلَى مَكَّة بِأَن يكون قد بَقِي من الْوَقْت بعد الِاسْتِطَاعَة مَا يتَمَكَّن فِيهِ من السّير الْمُعْتَاد لأَدَاء النّسك وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فَإِن وجدت الِاسْتِطَاعَة وَالْبَاقِي زمن لَا يسع السّير الْمُعْتَاد لم ينْعَقد الْوُجُوب فِي حَقه فِي هَذَا الْعَام وَيعْتَبر فِي الِاسْتِطَاعَة امتدادها فِي حق كل إِنْسَان من وَقت خُرُوج أهل بَلَده مِنْهُ لِلْحَجِّ إِلَى عودهم فَمَتَى أعْسر فِي جُزْء من ذَلِك فَلَا استطاعة وَلَا عِبْرَة بيساره قبل ذَلِك وَلَا بعده
стр. 201
وَهَذَا فِي حق الْحَيّ أما من مَاتَ بعد الِاسْتِطَاعَة فَإِنَّهُ يحجّ من تركته وَإِن كَانَ مَوته بعد حجتهم وَقبل عودهم وَلَا بُد من وجود رفْقَة يخرج مَعَهم فِي الْوَقْت الَّذِي جرت عَادَة أهل الْبَلَد بِالْخرُوجِ فِيهِ وَأَن يَسِيرُوا السّير الْمُعْتَاد وَهَذَا إِن احْتِيجَ إِلَى الرّفْقَة لدفع الْخَوْف فَإِن أَمن الطَّرِيق بِحَيْثُ لَا يخَاف الْوَاحِد فِيهَا لزمَه النّسك وَلَا حَاجَة للرفقة وَلَا نظر للوحشة لِأَن النّسك لَا بدل لَهُ
ثَانِيهَا استطاعة بِغَيْرِهِ فَتجب الْإِنَابَة عَن غير مُرْتَد مَاتَ وَعَلِيهِ نسك وَلَو بِنَحْوِ نذر من تركته كَمَا تقضى مِنْهَا دُيُونه فَلَو لم تكن لَهُ تَرِكَة سنّ لوَارِثه أَن يَفْعَله عَنهُ وَلَو فعله عَنهُ أَجْنَبِي وَلَو بِلَا إِذن من الْوَارِث جَازَ كَمَا يَصح قَضَاء دُيُونه بِلَا إِذن فَإِن لم يكن عَلَيْهِ نسك بِأَن كَانَ أدّى حجَّة الْإِسْلَام لَا تجوز الْإِنَابَة عَنهُ إِلَّا لَو أوصى بذلك وَإِلَّا جَازَت مُطلقًا قَالَ شَيخنَا يُوسُف إِذا كَانَت الْأُجْرَة من الْمُنِيب لَا من التَّرِكَة جَازَت الْإِنَابَة بِلَا وَصِيَّة
أما الْمُرْتَد فَلَا تجوز الْإِنَابَة عَنهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْعِبَادَة بل لَو خلف مَالا قضى مِنْهُ دينه وَمَا فضل يكون فَيْئا وَتجب الْإِنَابَة عَن المعضوب الَّذِي عَلَيْهِ النّسك وَهُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة الْعَاجِز عَن مُبَاشرَة النّسك بِنَفسِهِ إِذا كَانَ بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان فَأكْثر أما لَو كَانَ دون مرحلَتَيْنِ أَو كَانَ بِمَكَّة فَإِنَّهُ يلْزمه مُبَاشرَة النّسك بِنَفسِهِ لقلَّة الْمَشَقَّة نعم إِن أنهاه الضنى إِلَى حَالَة لَا يحْتَمل الْحَرَكَة بِحَال جَازَت النِّيَابَة عَنهُ إِمَّا بِأُجْرَة مثل فاضلة عَمَّا مر غير مُؤنَة عِيَاله سفرا لِأَنَّهُ مُقيم عِنْدهم وَإِمَّا بِوُجُود مُتَطَوّع بالنسك عَنهُ
وَيشْتَرط فِي النَّائِب مُطلقًا أَن يكون غير معضوب موثوقا بِهِ أدّى فَرْضه وَيجوز كَون النَّائِب فِي نسك التَّطَوُّع صَبيا مُمَيّزا أَو عبدا لِأَنَّهُمَا من أهل التَّطَوُّع بالنسك لأنفسهما وَيشْتَرط فِي صِحَة عقد الِاسْتِئْجَار لِلْحَجِّ معرفَة الْعَاقِدين أَعمال الْحَج فرضا ونفلا حَتَّى لَو ترك مِنْهُ أدبا سقط من الْأُجْرَة مَا يُقَابله والاستئجار فِيمَا مر ضَرْبَان أَحدهمَا إِجَارَة عين كاستأجرتك عني أَو عَن ميتي هَذِه السّنة فَإِن عين غير السّنة الأولى لم يَصح العقد وَإِن أطلق صَحَّ وَحمل على السّنة الْحَاضِرَة وَيشْتَرط لصِحَّة العقد قدرَة الْأَجِير على الشُّرُوع فِي الْعَمَل واتساع الْمدَّة لَهُ والمكي وَنَحْوه يسْتَأْجر فِي أشهر الْحَج
الثَّانِي إِجَارَة ذمَّة كَقَوْلِه ألزمت ذِمَّتك تَحْصِيل حجَّة وَيجوز الِاسْتِئْجَار فِي هَذَا الضَّرْب على الْمُسْتَقْبل فَإِن أطلق حمل على الْحَاضِرَة فَتبْطل إِن ضَاقَ الْوَقْت وَلَا يشْتَرط قدرته على السّفر لِإِمْكَان الِاسْتِنَابَة فِي إِجَارَة الذِّمَّة وَلَو قَالَ ألزمت ذِمَّتك لتحج عني بِنَفْسِك بطلت الْإِجَارَة على مَا اعْتَمدهُ الرَّمْلِيّ خلافًا لما نقل عَن الْبَغَوِيّ أَن ذَلِك يَصح وَتَكون تِلْكَ الْإِجَارَة إِجَارَة عين وَلَو اسْتَأْجر للقران فالدم على الْمُسْتَأْجر فَإِن شَرطه على الْأَجِير بطلت الْإِجَارَة وَلَو كَانَ الْمُسْتَأْجر للقران مُعسرا فالصوم الَّذِي هُوَ بدل الدَّم على الْأَجِير لِأَن الصَّوْم يَقع بعضه فِي الْحَج وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى من الْمُسْتَأْجر لِأَن الْفَرْض أَنه معضوب وَأَنه فِي غير مَكَّة وَلَو أفسد الْأَجِير الْحَج بِالْجِمَاعِ لزمَه قَضَاؤُهُ عَن نَفسه فَيَقَع الْقَضَاء لَهُ وَعَلِيهِ الْمُضِيّ فِي فاسده وَالْكَفَّارَة وتنفسخ بِهِ إِجَارَة الْعين وَيلْزمهُ رد مَا أَخذه من الْمُسْتَأْجر وَيبقى عَلَيْهِ الْحَج فِي ذمَّته إِن كَانَت الْإِجَارَة إِجَارَة ذمَّة فَيلْزمهُ فِيهَا أَن يَأْتِي بعد الْقَضَاء عَن نَفسه بِحَجّ
стр. 202
آخر للْمُسْتَأْجر فِي عَام آخر أَو يَسْتَنِيب من يحجّ عَنهُ فِي ذَلِك الْعَام أَو غَيره وَلَو اسْتَأْجر المعضوب من يحجّ عَنهُ فحج عَنهُ ثمَّ شفي لم يَقع عَنهُ فَلَا يسْتَحق الْأَجِير أُجْرَة على الْمُعْتَمد وَيَقَع الْحَج نفلا للْأَجِير وَلَو حضر مَكَّة أَو عَرَفَة فِي سنة حج الْأَجِير لم يَقع حج الْأَجِير عَنهُ لتعين مُبَاشَرَته بِنَفسِهِ وَيلْزمهُ للْأَجِير الْأُجْرَة وَالْفرق بَين هَذِه وَمَا قبلهَا أَنه لَا تَقْصِير مِنْهُ فِي حق الْأَجِير فِي الشِّفَاء بِخِلَاف الْحُضُور فَإِنَّهُ بعد أَن ورط الْأَجِير مقصر بِهِ فَلَزِمته أجرته
(و) أما (أَرْكَانه) أَي الْحَج فستة الأول (إِحْرَام) أَي نِيَّة دُخُول فِي الْحَج فَإِن أحرم بحجتين انْعَقَدت وَاحِدَة وَالْأَفْضَل أَن يعين فِي نِيَّته فَلَو أحرم وَأطلق بِأَن قَالَ نَوَيْت الْإِحْرَام أَو نَوَيْت الْإِحْرَام بالنسك فَإِن كَانَ فِي أشهر الْحَج صرفه إِلَى مَا شَاءَ من النُّسُكَيْنِ أَو أَحدهمَا إِن كَانَ وَقت الصّرْف صَالحا لَهما ثمَّ بعد التَّعْيِين يَأْتِي بِمَا عينه فَلَا يجزىء الْعَمَل قبله وَإِن كَانَ فِي غير أشهر الْحَج انْعَقَد عمْرَة بِمُجَرَّد النِّيَّة الْمُطلقَة فَلَو صابر الْإِحْرَام وَلم يشرع فِي شَيْء من الْأَعْمَال حَتَّى دخلت أشهر الْحَج فَلَيْسَ لَهُ صرفه إِلَى الْحَج لِأَن وَقت النِّيَّة لَا يقبل غير الْعمرَة وَيجوز أَن يَقُول نَوَيْت الْإِحْرَام كإحرام زيد فَإِن كَانَ زيد غير محرم أَو كَانَ إِحْرَامه فَاسِدا انْعَقَد إِحْرَامه مُطلقًا وَإِلَّا فكإحرامه فَإِن تعذر معرفَة إِحْرَامه نوى قرانا ثمَّ أَتَى بِعَمَلِهِ
وَيسن النُّطْق بِالنِّيَّةِ فالتلبية عَقبهَا وَإِذا فرغ من التَّلْبِيَة صلى وَسلم على النَّبِي ﷺ وَسَأَلَ الله تَعَالَى رضوانه وَالْجنَّة واستعاذ بِهِ من النَّار
(و) الثَّانِي (وقُوف بِعَرَفَة) وَيجب فِيهِ حُضُوره بِجُزْء من أرْضهَا أَو على غُصْن شَجَرَة فِيهَا بِخِلَاف مَا إِذا ركب على طَائِر فِي هوائها أَو ركب على سَحَاب فِيهِ أَو طَار هُوَ فِيهِ فَلَا يَكْفِي لِأَن هَوَاء عَرَفَات لَيْسَ لَهُ حكمهَا وَيَكْفِي الْحُضُور بأرضها وَإِن كَانَ مارا فِي طلب آبق وَإِن لم يدر أَنَّهَا عَرَفَات وَعلم من ذَلِك أَن صرف الْوُقُوف إِلَى غَيره لَا يُؤثر بِخِلَاف الطّواف وَالسَّعْي وَرمي الْجمار فَإِنَّهَا يضر فِيهَا الصَّارِف
وَيشْتَرط فِي الْوَاقِف كَونه محرما أَهلا لِلْعِبَادَةِ لَا مغمى عَلَيْهِ جَمِيع وَقت الْوُقُوف وَلَا يضر النّوم وَوَقته (بَين زَوَال) ليَوْم تَاسِع ذِي الْحجَّة (وفجر نحر) فَفِي أَي وَقت من ذَلِك وقف أَجزَأَهُ وَيسْتَحب أَن يجمع فِي الْوُقُوف بَين اللَّيْل وَالنَّهَار
وَيسن فِي الْوُقُوف أَن يكون على طَهَارَة وإكثار الذّكر والتهليل وَالدُّعَاء والتلبية وَقِرَاءَة الْقُرْآن وإكثار التضرع والذلة والإلحاح فِي الدُّعَاء فيستقبل الْبَيْت الْحَرَام ويبسط كفيه وَيَقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين ثمَّ يُلَبِّي ثَلَاثًا وَيَقُول الله أكبر وَللَّه الْحَمد ثَلَاثًا ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ انقلني من ذل الْمعْصِيَة إِلَى عز الطَّاعَة واكفني بحلالك عَن حرامك وأغنني بِفَضْلِك عَمَّن سواك وَنور قلبِي وقبري واهدني وأعذني من الشَّرّ كُله واجمع لي الْخَيْر كُله
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْهدى والتقى والعفاف والغنى
اللَّهُمَّ آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار
اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا كَبِيرا وَإنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم
اللَّهُمَّ اغْفِر لي مغْفرَة تصلح بهَا شأني فِي الدَّاريْنِ وارحمني
стр. 203
رَحْمَة وَاسِعَة أسعد بهَا فِي الدَّاريْنِ وَتب عَليّ تَوْبَة نصُوحًا لَا أنكثها أبدا وألزمني سَبِيل الاسْتقَامَة لَا أزيغ عَنْهَا أبدا
وروى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خير الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة وَخير مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فَيسنّ الْإِكْثَار من ذَلِك حَتَّى قَالَ بَعضهم إِن اسْتَطَاعَ أَن يَأْتِي بهَا مائَة ألف مرّة فَلْيفْعَل وَمن فَاتَهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة بِأَن طلع فجر يَوْم النَّحْر وَلم يحضر بِجُزْء مِنْهَا بعد زَوَال يَوْم التَّاسِع فِي لَحْظَة من ليل أَو نَهَار فَاتَهُ الْحَج وَيجب عَلَيْهِ الْإِتْيَان بِمَا بَقِي من أَرْكَانه وَهُوَ الطّواف الْمَتْبُوع بالسعي إِن لم يكن سعى بعد طواف الْقدوم وَالْحلق وَيَنْوِي عِنْد كل مِنْهُمَا التَّحَلُّل من حجه وبفراغها يصير حَلَالا وَهَذَا معنى قَوْلهم تحلل بِعَمَل عمْرَة
وَأما الْمبيت بِمُزْدَلِفَة وَمنى وَرمي الْجمار فقد سقط عَنهُ بِفَوَات الْحَج وَلَا يُغْنِيه ذَلِك عَن عمْرَة الْإِسْلَام وَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء فَوْرًا من عَام قَابل لهَذَا الْحَج الَّذِي فَاتَهُ سَوَاء كَانَ فرضا أَو نفلا وَسَوَاء كَانَ الْفَوات بِعُذْر أَو لَا وَلَا تشْتَرط الِاسْتِطَاعَة بل يجب عَلَيْهِ وَلَو مَاشِيا إِن أطاقه وَلَو كَانَ بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان فَأكْثر وَلَو استدام الْإِحْرَام حَتَّى حج بِهِ من قَابل لَا يجوز بِخِلَاف مَا لَو وقف فَإِنَّهُ يجوز لَهُ مصابرة الْإِحْرَام للطَّواف وَالسَّعْي وَالْحلق وَلَو سِنِين لِأَنَّهُ لَا آخر لوَقْتهَا مَعَ تبعيتها للوقوف وَلَيْسَ لِلْحَجِّ ركن يفوت بِفَوَات وقته إِلَّا الْوُقُوف وَأما بَاقِي الْأَركان فَلَا آخر لوَقْتهَا كَمَا مر وَإِنَّمَا يجب الْقَضَاء فِي فَوَات لم ينشأ عَن حصر فَإِن نَشأ عَنهُ بِأَن أحْصر فسلك طَرِيقا آخر ففاته الْحَج وتحلل بِعَمَل عمْرَة فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بذل مَا فِي وَسعه وَمحل ذَلِك إِن كَانَ الطَّرِيق الَّذِي سلكه أطول من الأول
أما لَو سلك طَرِيقا آخر مُسَاوِيا للْأولِ أَو أقرب مِنْهُ أَو صابر إِحْرَامه غير متوقع زَوَال الْإِحْصَار ففاته الْوُقُوف فَعَلَيهِ الْقَضَاء وَمحله أَيْضا غير الْفَرْض
أما هُوَ فَفِي ذمَّته إِن اسْتَقر عَلَيْهِ كحجة الْإِسْلَام بعد السّنة الأولى من سني الْإِمْكَان فَإِن لم يسْتَقرّ كحجة الْإِسْلَام فِي السّنة الأولى من سني الْإِمْكَان اعْتبرت استطاعة جَدِيدَة بعد زَوَال الْحصْر إِن وجدت وَجب وَإِلَّا فَلَا
(و) الثَّالِث (طواف إفَاضَة) وَهُوَ الْوَاقِع بعد الْوُقُوف
وأنواع الطّواف من حَيْثُ هُوَ سَبْعَة طواف الْقدوم وَطواف الْإِفَاضَة وَطواف الْوَدَاع وَطواف التَّحَلُّل وَطواف الْعمرَة والمنذور والمتطوع بِهِ
(و) الرَّابِع (سعي) بَين الصَّفَا والمروة (سبعا) لخَبر الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ﷺ اسْتقْبل النَّاس فِي الْمَسْعَى وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اسْعوا فَإِن السَّعْي قد كتب عَلَيْكُم
وشروطه سَبْعَة الأول أَن تكون بعد طواف وَاجِب كطواف الْإِفَاضَة فَيمْتَنع حِينَئِذٍ أَن يسْعَى بعد طواف نفل وَفعله بعد طواف الْقدوم أفضل تعجيلا لبراءة الذِّمَّة وَلَا يسْتَحبّ لَهُ إِعَادَته بعد طواف الْإِفَاضَة بل يكره وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا لَو سعى الصَّبِي
стр. 204
بعد طواف الْقدوم ثمَّ بلغ فِي أثْنَاء الْوُقُوف أَو قبله فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ إِعَادَة السَّعْي وَعتق الرَّقِيق فِي ذَلِك كبلوغ الصَّبِي وَلَا تشْتَرط الْمُوَالَاة بَين الطّواف وَالسَّعْي
وَظَاهر كَلَام الْجُمْهُور أَنه لَا يجوز السَّعْي إِلَّا بعد طواف قدوم أَو ركن
وَقَالَ بَعضهم الشَّرْط وُقُوعه بعد طواف صَحِيح فرض أَو نفل
الرَّابِع قطع الْمسَافَة بَين الصَّفَا والمروة بِحَيْثُ يلصق عقبه بِمَا ذهب مِنْهُ وأصابع رجلَيْهِ بِمَا ذهب إِلَيْهِ
الْخَامِس أَن يكون بِبَطن الْوَادي فَلَا يجزىء السَّعْي مَعَ الْخُرُوج عَنهُ
السَّادِس فقد الصَّارِف فَلَو سعى فِي طلب غَرِيم لَهُ لم يجز
السَّابِع أَن لَا يكون منكوسا وَلَا مُعْتَرضًا وَلَا طائرا فِي الْهَوَاء كَمَا فِي الْوُقُوف وَالطّواف
(و) الْخَامِس (إِزَالَة شعر) من الرَّأْس بحلق أَو قصّ أَو نتف أَو غَيرهَا وَالْحلق للذّكر أفضل وَالتَّقْصِير لغيره
وَيسن التَّيَامُن فِي إِزَالَته واستقبال صَاحب الشّعْر الْقبْلَة وَالتَّكْبِير بعد الْفَرَاغ مِنْهُ وَأقله إِزَالَة ثَلَاث شَعرَات من رَأسه وَيسن لمن لَا شعر بِرَأْسِهِ إمرار الموسى عَلَيْهِ وَيدخل وَقت طواف الْإِفَاضَة وَإِزَالَة الشّعْر بِنصْف لَيْلَة النَّحْر لمن وقف قبل ذَلِك وَلَا آخر لوقتهما كَمَا مر وَلَا تَرْتِيب بَينهمَا
(و) السَّادِس (تَرْتِيب) لمعظم الْأَركان بِأَن يبْدَأ بِالنِّيَّةِ ثمَّ الْوُقُوف ثمَّ الطّواف وَالْحلق ثمَّ السَّعْي إِن لم يكن سعى بعد طواف الْقدوم وَتقدم قَرِيبا أَنه لَا تَرْتِيب بَين الطّواف وَإِزَالَة الشّعْر (وَلَا تجبر) أَي تِلْكَ الْأَركان إِذا ترك وَاحِدًا مِنْهَا (بِدَم) وَلَا بِغَيْرِهِ بل لَا بُد من فعلهَا (وَغير وقُوف) بِعَرَفَة (أَرْكَان لعمرة) لَكِن لَا بُد من تَرْتِيب جَمِيع أَرْكَانهَا بِأَن يفعل الطّواف بعد الْإِحْرَام بهَا ثمَّ السَّعْي ثمَّ إِزَالَة الشّعْر
(وَشرط الطّواف) بأنواعه تِسْعَة الأول (طهر) عَن الْحَدث الْأَصْغَر والأكبر وَعَن النَّجس فِي ثَوْبه وبدنه ومكانه وَمن الْحَدث الْحيض فَيمْتَنع أَن تَطوف الْحَائِض حَتَّى تطهر فَإِن رحلت الْقَافِلَة قبل أَن تَطوف طواف الرُّكْن وخافت من التَّخَلُّف فلهَا الرحيل مَعَهم بِلَا طواف فَإِذا وصلت إِلَى مَحل يتَعَذَّر عَلَيْهَا الرُّجُوع مِنْهُ إِلَى مَكَّة جَازَ لَهَا أَن تتحلل بِذبح فحلق أَو تَقْصِير مَعَ نِيَّة التَّحَلُّل كالمحصر وَتحل حِينَئِذٍ من إحرامها وَيبقى الطّواف فِي ذمَّتهَا إِلَى أَن تعود وَالْأَقْرَب أَن الْعود على التَّرَاخِي وَإِذا مَاتَت وَلم تعد وَجب الإحجاج عَنْهَا بِشَرْطِهِ وتحتاج عِنْد فعل الطّواف إِلَى إِحْرَام للإتيان بِالطّوافِ فَقَط دون مَا فعلته قبله من أَرْكَان الْحَج كالوقوف وَإِنَّمَا احْتَاجَت إِلَى إِحْرَام جَدِيد لخروجها من الْحَج بالتحلل ويعفى عَمَّا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ من نَجَاسَة المطاف مَا لم تكن رطبَة أَو يتَعَمَّد الْمَشْي عَلَيْهَا
(و) الثَّانِي (ستر) للعورة السَّابِقَة فِي الصَّلَاة مَعَ الْقُدْرَة وَإِن حرم اللّبْس لكَون السَّاتِر محيطا فيبني الطَّائِف على مَا مضى من طَوَافه إِن فقد بعض شُرُوطه فِي أَثْنَائِهِ كَأَن أحدث أَو
стр. 205
تنجس بدنه أَو ثَوْبه أَو مطافه بِغَيْر مَعْفُو عَنهُ أَو عري وَلم يستر حَالا مَعَ الْقُدْرَة على السّتْر وَإِن تعمد ذَلِك وَطَالَ الْفَصْل إِذْ لَا يشْتَرط الْمُوَالَاة فِي الطّواف بعد أَن تطهر واستتر
نعم يسن لَهُ الِاسْتِئْنَاف خُرُوجًا من الْخلاف هَذَا فِي غير الْإِغْمَاء وَالْجُنُون وَالسكر
أما من اتّصف بذلك فِي أثْنَاء الطّواف فَيجب الِاسْتِئْنَاف للْوُضُوء وَالطّواف لزوَال التَّكْلِيف
(و) الثَّالِث (نِيَّته) أَي الطّواف (إِن اسْتَقل) بِأَن كَانَ الطّواف لَيْسَ فِي ضمن نسك كطواف النَّفْل والمنذور من الْحَلَال وكطواف الْوَدَاع فَلَا بُد لَهُ من نِيَّة لوُقُوعه بعد التَّحَلُّل بِخِلَاف طواف الرُّكْن والقدوم للْحَاج فَلَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة لشمُول نِيَّة النّسك لَهُ
(و) الرَّابِع (بدؤه بِالْحجرِ الْأسود محاذيا لَهُ) أَي الْحجر أَو لجزئه فِي مروره عَلَيْهِ ابْتِدَاء (بِبدنِهِ) أَي بِجَمِيعِ مَنْكِبه فَلَو تقدم شَيْء من مَنْكِبه عَنهُ لم يحْسب مَا طافه فَإِذا انْتهى إِلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ وَلَو أزيل الْحجر وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَجب محاذاة مَحَله وَصفَة الْمُحَاذَاة أَن يسْتَقْبل الْبَيْت وَيقف بِجَانِب الْحجر من جِهَة الرُّكْن الْيَمَانِيّ بِحَيْثُ يصير جَمِيع الْحجر عَن يَمِينه ومنكبه الْأَيْمن عِنْد طرفه ثمَّ يَنْوِي الطّواف ثمَّ يمشي مُسْتَقْبل الْحجر مارا إِلَى جِهَة يَمِينه حَتَّى يُجَاوِزهُ فَإِذا جاوزه انْفَتَلَ وَجعل يسَاره إِلَى الْبَيْت وَلَو فعل هَذَا من الأول وَترك اسْتِقْبَال الْحجر جَازَ لَكِن فَاتَتْهُ الْفَضِيلَة وَلَيْسَ شَيْء من الطّواف يجوز مَعَ اسْتِقْبَال الْبَيْت إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من مروره فِي الِابْتِدَاء وَذَلِكَ سنة فِي الطوفة الأولى لَا غير بل هُوَ مَمْنُوع فِي غَيرهَا وَهَذَا غير الِاسْتِقْبَال الْمُسْتَحبّ عِنْد لِقَاء الْحجر قبل أَن يبْدَأ بِالطّوافِ فَإِن ذَلِك مُسْتَحبّ قطعا وَسنة مُسْتَقلَّة أَي فَيسنّ لمن أَرَادَ الطّواف أَن يلمس الْحجر الْأسود بِيَدِهِ بعد استقباله أول طَوَافه ويقبله ثَلَاثًا وَيَضَع بعد ذَلِك جَبهته ثَلَاثًا ثمَّ يتَأَخَّر بِحَيْثُ يكون طرف مَنْكِبه الْأَيْمن عِنْد طرف الْحجر ثمَّ يمر إِلَى أَن يُجَاوِزهُ فينفتل وَحكى الْأَذْرَعِيّ وَجها أَنه يجب استقباله بِالْوَجْهِ عِنْد ابْتِدَاء الطّواف وانتهائه قَالَ فالاحتياط التَّام فعل ذَلِك
(و) الْخَامِس (جعل الْبَيْت عَن يسَاره) مارا تِلْقَاء وَجهه
وَالسَّادِس أَن يكون الطَّائِف خَارِجا بِكُل بدنه وثوبه عَن الْبَيْت فَلَو أَدخل جُزْءا من ذَلِك فِي هَوَاء الشاذروان أَو هَوَاء غَيره من أَجزَاء الْبَيْت أَو دخل من إِحْدَى فتحتي الْحجر المحوط بَين الرُّكْنَيْنِ الشاميين لم يَصح بعض طوفته وَمِمَّا يطْلب التفطن لَهُ فِي حَال تَقْبِيل الْحجر الْأسود أَنه يَنْبَغِي أَن يقر قَدَمَيْهِ فِي حَال التَّقْبِيل فِي مَحلهمَا حَتَّى يرفع قامته لأجل أَن يخرج عَن محاذاة الشاذروان ثمَّ يمشي وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا انحنى للتقبيل يصير جُزْء من بدنه فِي هَوَاء الشاذروان فَلَو مَشى قبل رفع قامته لم يَصح بعض طوفته وَيُقَاس بِمن يقبل الْحجر الْأسود فِيمَا ذكر من يسْتَلم الرُّكْن الْيَمَانِيّ
(و) السَّابِع (كَونه) أَي الطّواف (سبعا) يَقِينا وَلَو فِي الْأَوْقَات الْمنْهِي عَن الصَّلَاة فِيهَا وَإِن كَانَ رَاكِبًا لغير عذر فَلَو ترك مِنْهَا شَيْئا وَإِن قل لم يُجزئهُ
стр. 206
وَالثَّامِن كَونه فِي الْمَسْجِد وَإِن وسع مَا لم يبلغ الْحل بِحَيْثُ تصير حَاشِيَته فِي الْحل بِسَبَب التَّوسعَة وَإِلَّا فَلَا يَصح الطّواف فِي الْحَاشِيَة الَّتِي فِي الْحل بل لَا بُد أَن يكون فِي أَرض الْحرم وَلَو كَانَ على سطح الْمَسْجِد وَلَو مرتفعا عَن الْبَيْت وَلَو حَال بَينه وَبَين الْبَيْت حَائِل كزمزم والسواري وَنَحْوهَا فَلَو طَاف خَارج الْمَسْجِد وَلَو بِالْحرم لم يَصح
وَالتَّاسِع عدم صرفه لغيره كَطَلَب غَرِيم فَإِن صرفه لنَحْو طلب الْغَرِيم انْقَطع
(وَسن) للطائف أُمُور عشرَة الأول (أَن يفْتَتح) أَي الطَّائِف (باستلام الْحجر) الْأسود بعد استقباله أَي بلمسه بِيَدِهِ وَتَقْبِيله مَعَ تَخْفيف الْقبْلَة بِحَيْثُ لَا يسمع لَهَا صَوت وَوضع جَبهته عَلَيْهِ ثَلَاثًا فِي الْجَمِيع
(و) يسن أَن (يستلمه) أَي الْحجر (فِي كل طوفة) من الطوفات السَّبع وَهُوَ فِي الأوتار آكِد وَيسْتَحب أَن يكون الاستلام بِالْيَمِينِ فَإِن عجز عَن الاستلام بِيَدِهِ اسْتَلم بِنَحْوِ عَصا ثمَّ يقبل مَا اسْتَلم بِهِ فَإِن عجز أَشَارَ بِيَدِهِ أَو بِمَا فِيهَا ثمَّ قبل مَا أَشَارَ بِهِ وَلَا يسن للنِّسَاء استلام وَلَا تَقْبِيل وَلَا قرب من الْبَيْت إِلَّا عِنْد خلو المطاف (و) سنّ أَن يسْتَلم (الرُّكْن الْيَمَانِيّ) فِي كل طوفة وَلَا يقبله لعدم نَقله وَيقبل يَده بعد استلامه بهَا وَلَا يسْتَلم الرُّكْنَيْنِ الشاميين وَلَا يقبلهما
(و) الثَّانِي أَن (يرمل ذكر) وَهُوَ أَن يُقَارب الخطا بِسُرْعَة من غير عَدو وَلَا وثب وَذَلِكَ (فِي) الطوفات (الثَّلَاث الأول من) السَّبع لَا فِي جَمِيعهَا مستوعبا بالرمل الْبَيْت وَإِنَّمَا يسن ذَلِك فِي (طواف بعده سعي) مَطْلُوب فِي حج أَو عمْرَة
وَالثَّالِث أَن يضطبع وَهُوَ أَن يَجْعَل وسط رِدَائه تَحت مَنْكِبه الْأَيْمن ويكشفه وطرفيه على عَاتِقه الْأَيْسَر وَإِنَّمَا يسن للذّكر فِي طواف فِيهِ رمل
وَالرَّابِع أَن يقرب من الْبَيْت
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَالِاحْتِيَاط الإبعاد عَن الْبَيْت بِقدر ذِرَاع وَقَالَ الْكرْمَانِي بِقدر ثَلَاث خطوَات ليأمن الطّواف على الشاذروان وَمحل اسْتِحْبَاب الْقرب من الْبَيْت مَا لم يتأذ أَو يؤذ بالزحام وَإِلَّا فالبعد أولى
وَمن ثمَّ ندب لَهُ ترك الِاسْتِقْبَال والتقبيل حِينَئِذٍ
وَالْخَامِس أَن يطوف حافيا فَلَو طَاف فِي نعل طَاهِر أَسَاءَ لإخلاله بالتعظيم إِلَّا أَن يشق عَلَيْهِ مُبَاشرَة الأَرْض بباطن الْقدَم لشدَّة الْحر فَلَا يكره
وَالسَّادِس أَن يَأْتِي بِالطّوافِ بتؤدة وسكينة ووقار
وَالسَّابِع أَن يوالي بَين الطوفات
وَالثَّامِن أَن يَأْتِي بالدعوات المأثورة فِيهِ
وَالتَّاسِع أَن يَنْوِي الطّواف الَّذِي فِي ضمن النّسك وَإِلَّا وَجَبت كَمَا مر
والعاشر أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعده يَنْوِي بهما سنة الطّواف وَيَدْعُو بعدهمَا بِمَا أحب من أَمر الْآخِرَة وَالدُّنْيَا ثمَّ بعد ذَلِك يَأْتِي الْحجر فيقبله وَيَضَع جَبهته عَلَيْهِ
(وواجباته) أَي الْحَج خَمْسَة أَولهَا (إِحْرَام من مِيقَات) أَي كَون الْإِحْرَام من الْمِيقَات المكاني
стр. 207
وَاعْلَم أَن قَاصد النّسك إِمَّا أَن يكون مكيا وَهُوَ من بِمَكَّة سَوَاء كَانَ من أَهلهَا أَو غَرِيبا مُقيما بهَا أَو عَابِر سَبِيل وَإِمَّا أَن يكون آفاقيا وَهُوَ من بَلَده وَرَاء الْمَوَاقِيت الْخَمْسَة الَّتِي نظمها بعض الْفُضَلَاء بقوله عرق الْعرَاق يَلَمْلَم الْيمن وبذي الحليفة يحرم الْمدنِي وَالشَّام جحفة إِن مَرَرْت بهَا وَلأَهل نجد قرن فاستبن وَأما أَن يكون لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَهُوَ من مَسْكَنه بَين مَكَّة وَأحد الْمَوَاقِيت الْخَمْسَة فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَحْوَال الْحَال الأولى أَن يكون مكيا فميقاته لِلْحَجِّ نفس مَكَّة فَلَا يجوز الْإِحْرَام بعد مجاوزتها إِلَى جِهَة عَرَفَة وَمن فعل ذَلِك لزمَه دم
أما لَو كَانَ الْحَاج مِنْهَا فِي محاذاتها فَلَا حُرْمَة وَلَا دم وَالْأَفْضَل للمكي إِذا أَرَادَ الْإِحْرَام أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته سنة الْإِحْرَام ثمَّ يخرج فَيحرم من بَاب دَاره ثمَّ يَأْتِي الْمَسْجِد فيطوف للوداع ثمَّ يتَوَجَّه جِهَة مقْصده
الْحَال الثَّانِيَة أَن يكون آفاقيا وَفِي طَرِيقه أحد الْمَوَاقِيت الْخَمْسَة حِين سلكه أَو كَانَ فِي طَرِيقه مَوضِع جعل ميقاتا وَإِن لم يكن ميقاتا أَصْلِيًّا وَحكمه حِينَئِذٍ أَنه يحرم قبل مجاوزته فَإِن جاوزه غير محرم أَسَاءَ وَلَزِمَه دم وَيجوز مُجَاوزَة الْمِيقَات إِلَى جِهَة اليمنة أَو اليسرة وَيحرم من مثل مِيقَات بَلَده أَو أبعد وَمن لَا مِيقَات بطريقه فميقاته محاذاته فِي بر أَو بَحر هَذَا إِن سامت وَاحِدًا من الْمَوَاقِيت الْخَمْسَة يمنة أَو يسرة فَيَكْفِي الْإِحْرَام من محاذاتها يمنة أَو يسرة وَلَا عِبْرَة بالمسامتة خلفا وأماما فَإِن كَانَ فِي طَرِيقه يُحَاذِي ميقاتين فَإِن حاذاهما دفْعَة كَأَن يكون أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فميقاته مَكَان الْمُحَاذَاة وَإِن حاذاهما على التَّرْتِيب كَأَن يكون كل مِنْهُمَا عَن يَمِينه أَو عَن شِمَاله أَو أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فميقاته محاذاة الأول مِنْهُمَا إِن كَانَ أقرب إِلَيْهِ وَأبْعد إِلَى مَكَّة وَلَا يجوز لَهُ انْتِظَار الْوُصُول إِلَى محاذاة الْأَقْرَب إِلَى مَكَّة كَمَا لَيْسَ للآتي من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أَن يُجَاوز ذَا الحليفة ليحرم من الْجحْفَة فَإِن اسْتَويَا فِي الْقرب إِلَيْهِ عِنْد الْمُحَاذَاة وَكَانَ أَحدهمَا أبعد إِلَى مَكَّة لزمَه الْإِحْرَام من محاذاة الْأَبْعَد عَن مَكَّة على الْأَصَح وَقيل إِنَّه يتَخَيَّر فَإِن شَاءَ أحرم من الْموضع المحاذي لأبعدهما وَإِن شَاءَ لأقربهما فَإِن كَانَ الْأَبْعَد إِلَى مَكَّة بَعيدا عَنهُ أَيْضا أحرم من محاذاة أقربهما إِلَيْهِ وَإِن كَانَ أقرب إِلَى مَكَّة وَمن لم يحاذ ميقاتا
стр. 208
أصلا كالجائي من الْبَحْر من جِهَة سواكن فميقاته على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة إِذْ لَا مِيقَات أقل مَسَافَة من هَذَا الْقدر وَتحصل معرفَة ذَلِك بِأَن كَانَ عِنْده من يعرف تِلْكَ الْمسَافَة أَو بِأَن يجْتَهد فِيهَا وَيفهم من ذَلِك أَن جدة إِن كَانَت مسافتها إِلَى مَكَّة لَا تنقص عَن مرحلَتَيْنِ يَكْفِي أَن تكون ميقاتا
للجائي من الْبَحْر من جِهَة الْيمن وَإِلَّا فَلَا بُد أَن يحرم قبل وُصُول جدة بِحَيْثُ تبلغ الْمسَافَة إِلَى مَكَّة مرحلَتَيْنِ وَذَلِكَ أَن جِهَة جدة من مَكَّة غربي وجهة يَلَمْلَم مِنْهَا جنوبي شَرْقي فَصَارَت أَمَام الجائي بِخِلَافِهِ الْمَار على ذِي الحليفة فَلَا يجوز أَن يُؤَخر إِحْرَامه إِلَى الْجحْفَة لِأَن جهتهما من مَكَّة متحدة
الْحَال الثَّالِثَة أَن يكون مَسْكَنه بَين مَكَّة والميقات فميقاته مَسْكَنه فَإِن كَانَ سَاكِنا فِي قَرْيَة أَو خيام أَو وَاد فميقاته ذَلِك وَلَو ترك منزله وَقصد الْمِيقَات وَرَاءه وَأحرم مِنْهُ جَازَ وَلَا دم عَلَيْهِ كالمكي إِذا خرج إِلَى الْمِيقَات وَأحرم مِنْهُ فَلَو جَاوز مَسْكَنه إِلَى جِهَة مَكَّة فكمجاوزة الْمِيقَات الشَّرْعِيّ وَمثل من ذكر الآفاقي الَّذِي جَاوز الْمِيقَات غير مُرِيد للنسك ثمَّ أَرَادَهُ فميقاته مَحَله وَلَا يُكَلف الْعود إِلَى الْمِيقَات
(و) ثَانِيهَا (مبيت بِمُزْدَلِفَة) وَالْوَاجِب فِيهِ لَحْظَة من النّصْف الثَّانِي من اللَّيْل فَإِن دفع مِنْهَا قبل النّصْف الثَّانِي لزمَه الْعود فَإِن لم يعد حَتَّى طلع الْفجْر لزمَه دم
وَيسن أَن يَأْخُذ مِنْهَا حَصى رمي يَوْم النَّحْر وَهُوَ سبع حَصَيَات
وَأما حَصى رمي أَيَّام التَّشْرِيق فَيَأْخذهُ من بطن محسر أَو من منى فَتحصل السّنة بِالْأَخْذِ من كل مِنْهُمَا وَيكرهُ أَخذ الْحَصَى من المرمى لما قيل إِن المقبول يرفع والمردود يتْرك وَلَوْلَا ذَلِك لسد مَا بَين الجبلين
(و) ثَالِثهَا مبيت (بمنى) ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة وَالْوَاجِب فِيهِ مُعظم اللَّيْل وَهَذَا يتَحَقَّق بِمَا زَاد على النّصْف وَلَو بلحظة وَيحْتَمل أَن المُرَاد مَا يُسمى مُعظما فِي الْعرف فَلَا يَكْفِي ذَلِك وَمحل وجوب مبيت اللَّيْلَة الثَّالِثَة إِن لم ينفر النَّفر الأول وَإِلَّا سقط عَنهُ مبيت اللَّيْلَة الثَّالِثَة كَمَا سقط عَنهُ رمي يَوْمهَا
وَاعْلَم أَنه قد اخْتصّت منى بِخمْس فَضَائِل رفع مَا يقبل من الْأَحْجَار وكف الحدأة عَن اللَّحْم المنثور والذباب عَن الحلو وَقلة البعوض فِيهَا واتساعها للْحَاج كاتساع الْفرج للْوَلَد
(و) رَابِعهَا (طواف الْوَدَاع) وَإِنَّمَا يجب ذَلِك على مُرِيد السّفر من مَكَّة إِلَى مَسَافَة الْقصر مكيا كَانَ أَو غَيره وعَلى مُرِيد الْخُرُوج لمنزله أَو لمحل يُقيم بِهِ وَيلْزم الْأَجِير فعله ويحط عِنْد تَركه من الْأُجْرَة مَا يُقَابله لِأَنَّهُ وَجب بِمُجَرَّد إِحْرَامه وَلِأَنَّهُ وَإِن لم يكن من الْمَنَاسِك هُوَ من توابعها الْمَقْصُودَة وَمن ثمَّ لم ينْدَرج فِي غَيره كَذَا قَالَ ابْن حجر وعَلى هَذَا القَوْل يجب على الْوَلِيّ أَن يطوف بِالْوَلَدِ الصَّغِير إِن خرج الْوَلِيّ بالصغير عقب النّسك وَإِلَّا فَلَا يجب
أما على القَوْل بِأَنَّهُ من الْمَنَاسِك فَيلْزم الْوَلِيّ أَن يطوف بالصغير مُطلقًا إِذا أحرم بِهِ وَلَا يلْزم على الْوَلِيّ ذَلِك مُطلقًا على القَوْل بِأَنَّهُ وَاجِب مُسْتَقل لَيْسَ من وَاجِبَات الْحَج وعد بَعضهم من وَاجِبَات الْحَج بدل هَذَا اجْتِنَاب مُحرمَات الْإِحْرَام
стр. 209
(و) خَامِسهَا (رمي) إِلَى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر وَإِلَى الْجمار الثَّلَاث كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق فَيدْخل وَقت رمي يَوْم النَّحْر بانتصاف لَيْلَة النَّحْر
وَأما رمي أَيَّام التَّشْرِيق فَيدْخل وَقت رمي كل يَوْم بِزَوَال شمسه وَيبقى وَقت الِاخْتِيَار فِي الْجَمِيع إِلَى غرُوب يَوْمه وَوقت الْجَوَاز فِيهَا إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق
وَشرط رمي الْجمار مُطلقًا خَمْسَة الأول أَن يكون سبع مَرَّات لكل جَمْرَة فَلَو رمى سبع حَصَيَات مرّة وَاحِدَة أَو حصاتين كَذَلِك إِحْدَاهمَا بِيَمِينِهِ وَالْأُخْرَى بيساره لم يحْسب إِلَّا وَاحِدَة وَلَو رمى حَصَاة وَاحِدَة سبع مَرَّات كفى وَلَا يَكْفِي وضع الْحَصَى فِي المرمى لِأَنَّهُ لَا يُسمى رميا
الثَّانِي أَن يكون بِالْيَدِ فَلَا يَكْفِي بِرَجُل وَلَا بِفَم وَلَا بمقلاع
الثَّالِث كَونه (بِحجر) فَإِن الرَّمْي يجزىء بأنواع الْحجر وَمِنْه الزبرجد والعقيق وَلَيْسَ مِنْهُ اللُّؤْلُؤ وَلَا الخزف وَلَا النورة وَهُوَ المحرق من الكذان
نعم إِن ترَتّب على الرَّمْي بالياقوت وَنَحْوه كسر أَو إِضَاعَة مَال حرم وَإِن أَجْزَأَ وَلَا يشْتَرط فِي حجر الرَّمْي طَهَارَته
الرَّابِع قصد المرمى وَضَبطه بعض الْمُتَأَخِّرين بِثَلَاثَة أَذْرع من كل جَانب إِلَّا جَمْرَة الْعقبَة فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا وَجه وَاحِد فَلَو قصد الرَّمْي إِلَى الْعلم الْمَنْصُوب أَو إِلَى الْحَائِط الَّتِي لجمرة الْعقبَة فَأَصَابَهُ ثمَّ وَقع فِي المرمى أَجْزَأَ على مَا استقربه الزَّرْكَشِيّ وَهُوَ الْمُعْتَمد خلافًا لما اسْتَظْهرهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ من عدم الْإِجْزَاء
الْخَامِس تحقق إِصَابَة المرمى بِالْحجرِ وَيُزَاد شَرط سادس فِي رمي أَيَّام التَّشْرِيق وَهُوَ التَّرْتِيب فَيبْدَأ بالجمرة الَّتِي تلِي مَسْجِد الْخيف ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ الْعقبَة وَهَذِه الْأَخِيرَة لَيست من منى بل منى تَنْتَهِي إِلَيْهَا فَلَا بُد أَن يَسْتَوْفِي الرَّمْي للجمرة الأولى قبل الثَّانِيَة وللثانية قبل الثَّالِثَة فَلَو ترك حَصَاة من الأولى أَو شكّ فِيهَا هَل هِيَ من الأولى أَو من غَيرهَا جعلهَا من الأولى فَيَرْمِي بهَا إِلَيْهَا وَيُعِيد رمي الْجَمْرَتَيْن بعْدهَا وَلَو ترك وَاحِدَة من سَبْعَة يَوْم النَّحْر وَرمي الجمرات الثَّلَاث فِي أول أَيَّام التَّشْرِيق حسبت رمية من جَمْرَة الْعقبَة عَن المتروكة وَيَلْغُو الْبَاقِي وَيُعِيد الثَّلَاث وَلَا بُد أَن يكون رميه عَن يَوْمه بعد رميه عَن أمسه وَأَن يكون رميه عَن غَيره بعد رميه عَن نَفسه وَمن عجز عَن الرَّمْي بِنَفسِهِ أناب من يَرْمِي عَنهُ بِأَن يَرْمِي النَّائِب الجمرات الثَّلَاث عَن نَفسه ثمَّ يرميها عَن المستنيب فَلَو رمى عَنهُ قبل أَن يرميها عَن نَفسه وَقعت الرميات عَن نَفسه وَلَو زَالَ عذر المستنيب بعد رمي النَّائِب عَنهُ وَالْوَقْت بَاقٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَة الرَّمْي وَيسن أَن يكون الْحَصَى بِقدر الباقلاء وَأَن يرفع الذّكر يَده بِالرَّمْي حَتَّى يرى بَيَاض إبطه وَأَن يكون الرَّمْي بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَأَن يَدْعُو وَيذكر الله تَعَالَى ويهلل ويسبح بعد رمي الْجَمْرَة الأولى وَالثَّانيَِة لَا الثَّالِثَة بل يذهب بعد رميها (وتجبر) أَي هَذِه الْخَمْسَة أَي وَاحِدَة من وَاجِبَات الْحَج الْخَمْسَة بِدَم
(وسننه) أَي الْحَج ثنتا عشرَة الأولى الْإِفْرَاد وَهُوَ أَن يحرم بِالْحَجِّ وَحده ثمَّ بعد فَرَاغه من أَعماله يحرم بِالْعُمْرَةِ ويليه فِي الْفَضِيلَة التَّمَتُّع وَهُوَ عكس الْإِفْرَاد ويليه الْقرَان وَهُوَ أَن يحرم بِحَجّ وَعمرَة مَعًا أَو بِعُمْرَة فحج قبل الشُّرُوع فِي طواف الْعمرَة ويكتفي للنسكين
стр. 210
بِطواف وَاحِد وسعي وَاحِد وَحلق وَاحِد وكل من الْإِفْرَاد وَالْقرَان لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي أشهر الْحَج أما إِذا وصل إِلَى الْمِيقَات فِي غير أشهر الْحَج وَهُوَ مُرِيد الْعمرَة مُطلقًا أَو مُرِيد الْحَج فِي تِلْكَ السّنة وَجب الْإِحْرَام مِنْهُ بِعُمْرَة بِخِلَاف مَا إِذا قصد الْحرم لنَحْو زِيَارَة أَو تِجَارَة فَيُسْتَحَب لَهُ الْإِحْرَام بالنسك وَفِي قَول يجب وعَلى هَذَا لَو دخل غير محرم لم يلْزمه قَضَاء إِذْ الْإِحْرَام تَحِيَّة الْبقْعَة فَلَا تقضى كتحية الْمَسْجِد وَلَا يجْبر بِالدَّمِ بِخِلَاف مَا لَو أحرم بعد مُجَاوزَة الْمِيقَات فَعَلَيهِ دم
وثانيتها الأغسال المسنونة فِي الْحَج وَذَلِكَ (غسل لإحرام) بِحَجّ وَكَذَا بِعُمْرَة ولدخول الْحرم (وَدخُول مَكَّة ووقوف) بِعَرَفَة بعد الزَّوَال وللمبيت بِمُزْدَلِفَة وللوقوف بالمشعر الْحَرَام غَدَاة النَّحْر إِن لم يكن اغْتسل للوقوف بِعَرَفَة ولرمي الْجمار فِي كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة
(و) ثالثتها (تطيب) فِي الْبدن (قبيله) أَي الْإِحْرَام سَوَاء كَانَ الْمحرم ذكرا أم غَيره شَابة أم عجوزا خلية أم لَا وَمحل نَدبه بعد غسله وَيحصل بِأَيّ طيب كَانَ وَالْأَفْضَل الْمسك وَأَن يخلطه بِمَاء الْورْد وَنَحْوه وَلَا بَأْس باستدامة الطّيب فِي الْبدن بعد الْإِحْرَام لَكِن إِذا لزم الْمَرْأَة الْإِحْدَاد بعد الْإِحْرَام لَزِمَهَا إِزَالَته أما التَّطَيُّب فِي الثَّوْب فمباح لَا مَنْدُوب على الْمُعْتَمد لَكِن لَو نزع ثَوْبه المطيب ورائحة الطّيب مَوْجُودَة فِيهِ ثمَّ لبسه لزمَه الْفِدْيَة
(و) رابعتها (تَلْبِيَة) وَهِي أَن يَقُول لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك لَا شريك لَك لبيْك إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك لَك
وَيسن وَقْفَة لَطِيفَة على لبيْك الثَّالِثَة
وعَلى لبيْك بعد لَا شريك لَك وعَلى الْملك قبل لَا شريك لَك وليحذر الملبي فِي حَال تلبيته من أُمُور يَفْعَلهَا بعض الغافلين من الضحك واللعب وَليكن مُقبلا على مَا هُوَ بصدده بسكينة ووقار وليشعر نَفسه أَنه يُجيب البارىء تَعَالَى فَإِن أقبل على الله تَعَالَى بِقَلْبِه أقبل عَلَيْهِ وَإِن أعرض أعرض عَنهُ وَمن لم يحسنها بِالْعَرَبِيَّةِ يَأْتِي بهَا بلغته وَيسن للْمحرمِ إكثار التَّلْبِيَة فِي دوَام إِحْرَامه وَيرْفَع الذّكر صَوته بهَا وتتأكد عِنْد تغاير الْأَحْوَال كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلاط رفْقَة وافتراقهم وإقبال ليل أَو نَهَار
(و) خامستها (طواف قدوم) إِذا دخل مَكَّة قبل الْوُقُوف أَو بعده وَقبل انتصاف لَيْلَة النَّحْر والحلال مثل الْحَاج فِي طلب طواف الْقدوم مِنْهُ
أما إِذا دخل الْحَاج مَكَّة بعد الْوُقُوف وَبعد نصف اللَّيْل فَلَا يطوف طواف الْقدوم بل يطوف طواف الْإِفَاضَة لدُخُول وقته كالمعتمر فَإِنَّهُ لَا يسن لَهُ طواف الْقدوم لِأَنَّهُ يشْتَغل بِطواف الْعمرَة
(و) سادستها (مبيت بمنى لَيْلَة) التَّاسِع فِي حَال الذّهاب إِلَى (عَرَفَة) لِأَنَّهُ للاستراحة لَا للنسك
(و) سابعتها (وقُوف) بالمشعر الْحَرَام بعد صَلَاة الصُّبْح فِي وَقت ظلام إِلَى الْإِسْفَار أَي الإضاءة وَذَلِكَ بعد حُصُوله فِي مُزْدَلِفَة لَحْظَة من النّصْف الثَّانِي من اللَّيْل وَهُوَ جبل صَغِير فِي آخر الْمزْدَلِفَة اسْمه قزَح بِضَم الْقَاف وَفتح الزَّاي وَالْأولَى أَن يكون الْوُقُوف فَوق ذَلِك الْجَبَل
стр. 211
إِن سهل وَإِلَّا فَتحته وَسمي مشعرا لما فِيهِ من الشعائر وَهِي معالم الدّين وَسمي حَرَامًا لِأَنَّهُ مَمْنُوع من إِزَالَة حرمته جَاهِلِيَّة وإسلاما وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقوله (بِجمع) وَهُوَ اسْم للمزدلفة كَمَا فِي الصِّحَاح والمصباح سميت بذلك لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا أَو لِأَن آدم اجْتمع هُنَاكَ بحواء
(و) ثامنتها (أذكار) فِي الْوُقُوف وَالْمَبِيت وَالطّواف وَالسَّعْي وَفِي الْجمار وَغير ذَلِك
تاسعتها الْجمع بَين اللَّيْل وَالنَّهَار فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة
عاشرتها شدَّة السّير فِي بطن وَادي محسر وَهُوَ مَوضِع فاصل بَين مُزْدَلِفَة وَمنى
حادية عشرهَا أَن يحلق الذّكر وَيقصر غَيره
ثَانِيَة عشرهَا أَن يمْكث بمنى حَيْثُ يبيت بهَا اللَّيْلَة الثَّالِثَة من ليَالِي التَّشْرِيق بِأَن لَا ينفر النَّفر الأول وَيسن إِذا نفر من منى أَن يَأْتِي المحصب فَينزل بِهِ وَيُصلي فِيهِ الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء ويبيت فِيهِ لِلِاتِّبَاعِ وَهُوَ مَكَان متسع بَين مَكَّة وَمنى وَحده مَا بَين الجبلين إِلَى الْمقْبرَة ثمَّ يَأْتِي مَكَّة بعد طُلُوع الْفجْر
فصل فِي مَحْظُورَات النّسك
(يحرم بِإِحْرَام) أُمُور وَهِي على ثَلَاثَة أَقسَام مِنْهَا مَا يحرم على رجل وَأُنْثَى وَهُوَ كثير مِنْهُ (وَطْء) وَكَذَا مقدماته (و) هِيَ (قبْلَة) ومباشرة وَنظر ولمس ومعانقة بِشَهْوَة وَلَو مَعَ عدم إِنْزَال أَو مَعَ حَائِل (و) مِنْهُ (استمناء) بيد (و) مِنْهُ (نِكَاح) أَي عقده بِولَايَة أَو وكَالَة وقبوله وَخرج بذلك الرّجْعَة فَلَا تحرم (و) مِنْهُ (تطيب) أَي اسْتِعْمَال طيب بِمَا يقْصد بِهِ رَائِحَته غَالِبا وَلَو مَعَ غَيره إِذا لم يستهلك فِيهِ كالمسك وَالْعود والكافور والزعفران سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي ملبوسه أَو فِي بدنه وَسَوَاء كَانَ ذَلِك بِأَكْل أَو استعاط أَو احتقان وَخرج بِمَا يقْصد بِهِ رَائِحَته مَا يقْصد بِهِ الْأكل أَو التَّدَاوِي وَإِن كَانَ لَهُ ريح طيبَة كالتفاح وَسَائِر الأبازير الطّيبَة كالقرنفل والهيل الْهِنْدِيّ فَلَا يحرم
(و) مِنْهُ (دهن شعر) فِي رَأس وَوجه بِزَيْت أَو نَحوه وَلَو غير مُطيب وَلَا فرق فِي الشّعْر بَين الْكثير والقليل وَلَو وَاحِدَة ومحلوقا
(و) مِنْهُ (إِزَالَته) أَي الشّعْر من أَي جُزْء من بدنه بحلق أَو قصّ أَو نتف أَو إحراق أَو نَحْو ذَلِك
(و) مِنْهُ (قلم) للأظفار من الْيَد أَو الرجل وَمِنْه التَّعَرُّض للصَّيْد الْبري الوحشي الْمَأْكُول أَو الَّذِي كَانَ متولدا بَين الْبري الوحشي الْمَأْكُول وَبَين غَيره كالمتولد بَين حمَار وَحشِي وحمار أَهلِي أَو بَين شَاة وظبي وَذَلِكَ يَشْمَل تنفيره وإزعاجه من مَكَانَهُ والإعانة عَلَيْهِ كدفع آلَة صيد لصائده وَدلَالَة متعرضه عَلَيْهِ وكما يحرم التَّعَرُّض لَهُ يحرم التَّعَرُّض لجزئه كَيده وشعره وَغَيرهمَا
(و) مِنْهَا مَا (يحرم) على الذّكر فَقَط وَهُوَ (ستر رجل بعض رَأس) وَلَو الْبيَاض الَّذِي وَرَاء الْأذن سَوَاء ستر الْبَعْض الآخر أَو لَا (بِمَا يعد ساترا) عرفا
стр. 212
كالعمامة والطيلسان وَكَذَا الطين والحناء الثخينان بِخِلَاف الرقيقين وَبِخِلَاف مَا لَا يعد ساترا عرفا كاستظلال بمحمل وَإِن مَسّه وكانغماسه فِي مَاء كدر وكوضع يَده على رَأسه وَإِن قصد بِهِ السّتْر وَأما وضع قفة أَو نَحْوهَا على رَأسه فَيجوز إِن لم تعمه أَو غالبه وَلم يقْصد بهَا السّتْر (ولبسه محيطا) ستر بدنه أَو عضوا مِنْهُ سَوَاء كَانَ مخيطا أَو منسوجا أَو ملزقا وَسَوَاء كَانَ من قطن أَو جلد أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ كقميص وقباء وَإِن لم يخرج يَدَيْهِ من كميه وخريطة لخضاب لحيته وقفاز ليديه
وَمن الْمُحِيط سرموجة لإحاطتها بِالرجلِ والبابوج لإحاطته بالأصابع وَيجوز لبس النَّعْل والقبقاب بِشَرْط أَن لَا يسترا جَمِيع الْأَصَابِع وَإِلَّا حرما (بِلَا عذر) وَمن لم يجد نَحْو النَّعْلَيْنِ مِمَّا يجوز لبسه جَازَ لَهُ لبس الْخُفَّيْنِ بِشَرْط أَن يقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَإِن بَقِي مِنْهُمَا مَا يُحِيط بالعقب والأصابع وَظهر الْقَدَمَيْنِ وَأَن يحْتَاج إِلَيْهِمَا
(و) مِنْهَا مَا يحرم على غير الذّكر فَقَط وَهُوَ (ستر امْرَأَة بعض وَجه) إِلَّا لحَاجَة فَيجوز مَعَ الْفِدْيَة وَيجب على الْحرَّة أَن تستوعب رَأسهَا بالستر للصَّلَاة وَلَو لزم على ذَلِك ستر بعض الْوَجْه مُرَاعَاة للصَّلَاة فَإِذا أَرَادَت الْمَرْأَة ستر وَجههَا عَن النَّاس أرخت عَلَيْهِ مَا يستره من نَحْو ثوب متجاف عَنهُ بِنَحْوِ خَشَبَة بِحَيْثُ لَا يَقع السَّاتِر على بشرة الْوَجْه وَلها لبس الْمُحِيط فِي بَاقِي بدنهَا إِلَّا القفاز وَهُوَ شَيْء يعْمل لليد
وَتجب فِي جَمِيع هَذِه الْمُحرمَات الْفِدْيَة إِلَّا عقد النِّكَاح فَلَا فديَة فِيهِ لِأَنَّهُ لَا ينْعَقد فوجوده كَالْعدمِ وَلَا دم فِي النّظر بِشَهْوَة والقبلة بِحَائِل وَإِن أنزل بِخِلَاف مَا سوى ذَلِك من الْمُقدمَات فَإِن فِيهِ الدَّم إِن بَاشر عمدا بِشَهْوَة وَبِخِلَاف الاستمناء فَلَا تجب الْفِدْيَة إِلَّا إِذا أنزل وَكلهَا صغائر إِلَّا قتل الصَّيْد وَالْجِمَاع الْمُفْسد فَإِنَّهُمَا من الْكَبَائِر وَلَا يفْسد الْحَج بِشَيْء من هَذِه الْمُحرمَات إِلَّا بِالْجِمَاعِ وَإِن لم ينزل بِشَرْط أَن يكون المجامع مُمَيّزا وَلَو صَبيا أَو رَقِيقا وَأَن يكون عَامِدًا عَالما مُخْتَارًا وَأَن يكون قبل التَّحَلُّل الأول فِي الْحَج فَإِن لَهُ تحللين يحصل التَّحَلُّل الأول مِنْهُمَا بِفعل اثْنَيْنِ من ثَلَاثَة وَهِي رمي جَمْرَة الْعقبَة وَإِزَالَة الشّعْر وَطواف الْإِفَاضَة الْمَتْبُوع بالسعي إِن لم يكن سعى بعد طواف الْقدوم وَيحل بِهِ سَائِر مُحرمَات الْإِحْرَام إِلَّا مَا يتَعَلَّق بِالنسَاء من عقد النِّكَاح وَالْجِمَاع ومقدماته وَإِذا فعل الثَّالِث من الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة حصل لَهُ التَّحَلُّل الثَّانِي وَحل لَهُ بَاقِي مُحرمَات الْإِحْرَام وَيحرم على الْحَلَال كالمحرم التَّعَرُّض للصَّيْد الْبري الوحشي الْمَأْكُول أَو الْمُتَوَلد بَينه وَبَين غَيره فِي الْحرم والتعرض لشجر الْحرم مُطلقًا إِذا كَانَ رطبا غير مؤذ وَإِلَّا جَازَ قطعه ولزرع الْحرم غير مَا يستنبته الآدميون وَتجب فِيهِ الْقيمَة
نعم يجوز أَخذه لعلف الْبَهَائِم وللتداوي
والدماء الْوَاجِبَة على الْحَاج والمعتمر أحد وَعِشْرُونَ دَمًا مقسومة أَرْبَعَة أَقسَام الأول دم تَخْيِير وَتَقْدِير وَمعنى التَّخْيِير هُوَ أَن يجوز الِانْتِقَال إِلَى الثَّانِي مَعَ الْقُدْرَة على الأول وَيكون مُخَيّرا بَينهمَا وَمعنى التَّقْدِير أَنه ينْتَقل إِلَى شَيْء قدره الشَّارِع بِمَا لَا يزِيد وَلَا ينقص (وفدية ارْتِكَاب) وَاحِد من الْأَسْبَاب الثَّمَانِية من (مَا يحرم) هَذَا الْمَذْكُور فالسبب الأول إِزَالَة الشّعْر بِأَيّ طَرِيق كَانَ من مُمَيّز لم يتَحَلَّل أَزَال من نَفسه أَو أزيل مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ ثَلَاث شَعرَات فَصَاعِدا من الرَّأْس أَو غَيره أَو بعض كل مِنْهُمَا فِي زمَان وَاحِد عرفا فِي
стр. 213
مَكَان وَاحِد فَلَو أَزَال ثَلَاث شَعرَات فِي ثَلَاثَة أزمان فالفدية لَا تكمل بل تجب عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَمْدَاد وَكَذَا فِي تعدد الْمَكَان
وَالسَّبَب الثَّانِي قلم الْأَظْفَار وَلَو انْكَسَرَ بعض الظفر وتأذى بِهِ جَازَ قطع المنكسر أَو قلمه وَلَا فديَة كشعر نبت دَاخل الجفن
وَالسَّبَب الثَّالِث اللّبْس من محرم مُمَيّز عَامِد عَالم بِالتَّحْرِيمِ وللمحرم أَن يدْخل يَده فِي قَمِيص مُنْفَصِل وَرجله فِي سَاق الْخُف لإفراده وتكرر الْفِدْيَة بِتَكَرُّر اللّبْس والستر مَعَ اخْتِلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وَلَو لبس فَوق ملبوسه فَإِن ستر الثَّانِي زِيَادَة على مَا ستر الأول تَكَرَّرت الْفِدْيَة وَإِلَّا فَلَا
وَالسَّبَب الرَّابِع دهن شَيْء من شعر رَأسه أَو لحيته وَلَو محلوقين بدهن مَا
وَالسَّبَب الْخَامِس اسْتِعْمَال الطّيب على الْوَجْه المألوف فِيهِ كالتبخر بِالْعودِ بِخِلَاف أكله وَحمله وَوَضعه فِي النَّار من غير أَن يعد متطيبا بِهِ على الْعَادة وَلَا شَيْء بشم نَحْو مَاء الْورْد من غير مس إِذْ الْعَادة فِيهِ التصمخ وَلَا شَيْء فِي زهر الْبَادِيَة ونبتها لِأَنَّهُ لَا يعد طيبا عرفا وَمن الطّيب الرياحين كالورد واستعمالها يكون بملاقاتها للأنف فَلَا شَيْء بشمها من غير إلصاقها بالأنف
وَالسَّبَب السَّادِس مُقَدمَات الْجِمَاع وَلَو بَين التحللين لَكِن لَو جَامع بعد ذَلِك اندرجت فديَة الْمُبَاشرَة فِي دم الْجِمَاع الْوَاقِع بعْدهَا سَوَاء كَانَ بَدَنَة أَو شَاة أَو بدل الْبَدنَة وَسَوَاء أَطَالَ الزَّمن بَين الْمُقدمَات وَالْجِمَاع أم قصر
وَالسَّبَب السَّابِع الْوَطْء بعد الْجِمَاع الْمُفْسد مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْفَصِلا وتتعدد الْفِدْيَة بِتَكَرُّر الْجِمَاع وَلَو كثرت المرات وَإِن كَانَ على التوالي الْمُعْتَاد مَعَ اتِّحَاد الْمَكَان وَإِن لم يسْبق التَّكْفِير على الصَّحِيح
وَالسَّبَب الثَّامِن الْوَطْء بَين التحللين وَإِذا تكَرر الْجِمَاع بَين التحللين قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين الظَّاهِر أَن حكمه حكم تكرره بعد الْإِفْسَاد فَهَذِهِ الْأَسْبَاب الثَّمَانِية فديتها إِمَّا (ذبح شَاة) مجزئة فِي الْأُضْحِية (أَو تصدق بِثَلَاثَة آصَع لسِتَّة) من الْمَسَاكِين لكل مِسْكين نصف صَاع (أَو صَوْم ثَلَاثَة) من الْأَيَّام
(و) الثَّانِي دم تَرْتِيب وَتَقْدِير
وَمعنى التَّقْدِير أَنه لَا ينْتَقل إِلَى الثَّانِي إِلَّا بعد الْعَجز عَن الأول
وَلِهَذَا أَسبَاب فالخمسة مِنْهَا (دم ترك مَأْمُور) من الْأُمُور الْخَمْسَة الأول مُجَاوزَة الْمِيقَات وَيجب الدَّم على من جَاوز مِيقَاته مرِيدا للنسك ثمَّ أحرم بِعُمْرَة مُطلقًا أَو بِحَجّ فِي سنته وَلم يعد قبل التَّلَبُّس بنسك إِلَى مِيقَاته أَو إِلَى مِيقَات مثل مسافته أَو أبعد مِنْهُ لَا أقرب وعَلى حرمي أحرم بِالْعُمْرَةِ من الْحرم وَلم يخرج إِلَى أدنى الْحل قبل التَّلَبُّس بنسك وَلَا فرق فِي وجوب الدَّم بذلك بَين الْعَالم الْعَامِد وضده وَإِن افْتَرَقُوا فِي الْإِثْم وَعَدَمه
وَالثَّانِي ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة لَيْلَة النَّحْر بعد الْوُقُوف أما الْمَعْذُور فَلهُ ترك الْمبيت بهَا وَلَا دم
стр. 214
عَلَيْهِ كمن اشْتغل بِالْوُقُوفِ عَن الْمبيت
وَالثَّالِث ترك الْمبيت بمنى مُعظم لَيْلَة من ليَالِي التَّشْرِيق
أما أَصْحَاب الْأَعْذَار فَلهم ترك الْمبيت وَلَا دم عَلَيْهِم كالرعاء إِن خَرجُوا نَهَارا وَأهل السِّقَايَة مُطلقًا وَكَمن ضَاعَ لَهُ مَال أَو أبق لَهُ عبد أَو خَافَ على نَفسه أَو مَاله أَو كَانَ بِهِ مرض يشق مَعَه الْمبيت أَو كَانَ لَهُ مَرِيض يحْتَاج إِلَى تعهده
وَفِي ترك اللَّيْلَة الْوَاحِدَة مد والليلتين مدان إِن كَانَ قَادِرًا فَإِن عجز عَن مد وَاحِد صَامَ أَرْبَعَة أَيَّام
وَالرَّابِع ترك الرَّمْي لثلاث حَصَيَات فَأكْثر من حَصى الْجمار ويتحقق ترك مَا ذكر بغروب ثَالِث أَيَّام التَّشْرِيق إِن لم ينفر النَّفر الأول وثانيه إِن نفره وَسَوَاء الْمَعْذُور بِمَرَض أَو حبس مثلا وَغَيره
أما الْحَصَاة الْوَاحِدَة فَفِيهَا مد وَفِي الحصاتين مدان بِأَن يتْرك ذَلِك من جَمْرَة الْعقبَة آخر أَيَّام التَّشْرِيق هَذَا إِن كَانَ قَادِرًا فَإِن عجز عَن الْمَدّ صَامَ عَن الْحَصَاة الْوَاحِدَة أَرْبَعَة أَيَّام وَذَلِكَ لِأَن ثلث عشرَة أَيَّام ثَلَاثَة أَيَّام وَثلث يَوْم فيكمل المنكسر فَتَصِير أَرْبَعَة لَكِن يَصُوم ثَلَاثَة أعشارها مُعجلَة وَهُوَ يَوْمَانِ بتكميل المنكسر وَسَبْعَة أعشارها فِي بَلَده وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام بتكميل المنكسر وَفِي الحصاتين سَبْعَة أَيَّام بتكميل المنكسر يَصُوم ثَلَاثَة أعشارها مُعجلَة وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام بتكميل المنكسر وَسَبْعَة أعشارها فِي بَلَده وَهُوَ خَمْسَة أَيَّام بتكميل المنكسر
وَالْخَامِس ترك طواف الْوَدَاع وَيجب الدَّم على من خرج من مَكَّة إِلَى وَطنه أَو إِلَى مَوضِع يُقيم فِيهِ مُطلقًا أَو إِلَى مَسَافَة الْقصر فَلَا يَتَقَرَّر عَلَيْهِ الدَّم إِلَّا بوصول مقْصده أَو بُلُوغ مَسَافَة الْقصر وَيشْتَرط فِي وجوب الدَّم بترك طواف الْوَدَاع أَن لَا يكون مَعْذُورًا كالحائض وَالنُّفَسَاء والخائف من ظَالِم أَو فَوت رفْقَة أَو من غَرِيم لَهُ وَهُوَ مُعسر وَلَا يدْخل طواف الْوَدَاع تَحت غَيره حَتَّى لَو أخر طواف الْإِفَاضَة وَفعله عِنْد إِرَادَة السّفر لم يكف
وَالسَّبَب السَّادِس التَّمَتُّع وَيجب بِهِ الدَّم بأَرْبعَة شُرُوط أَولهَا أَن يكون إِحْرَامه بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج
ثَانِيهَا أَن يحجّ فِي عَامه
ثَالِثهَا أَن لَا يكون من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام حِين إِحْرَامه بهَا وَالْمرَاد بحاضريه من هُوَ مستوطن بِالْحرم أَو على دون مرحلَتَيْنِ مِنْهُ فَلَا يَكْفِي مُجَرّد الْإِقَامَة بِدُونِ استيطان
رَابِعهَا أَن لَا يعود قبل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ أَو بعده وَقبل التَّلَبُّس بنسك إِلَى الْمِيقَات الَّذِي أحرم بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ أَو إِلَى مثل مسافته أَو إِلَى مِيقَات أقرب مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا دم عَلَيْهِ
وَالسَّبَب السَّابِع الْقرَان وَيجب بِهِ الدَّم بِشَرْطَيْنِ أَن لَا يكون من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام وَأَن لَا يعود إِلَى الْمِيقَات قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة
وَالسَّبَب الثَّامِن فَوَات الْوُقُوف بِعَرَفَة بِأَن يطلع فجر يَوْم النَّحْر قبل حُضُوره فِي جُزْء من أرْضهَا وَإِذا كَانَ قَارنا تفوت الْعمرَة تبعا لِلْحَجِّ وَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء فَوْرًا من عَام قَابل سَوَاء فَاتَهُ بِعُذْر أَو بِغَيْرِهِ وَلَا يَصح الذّبْح إِلَّا بعد دُخُول وَقت الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ وَيمْتَنع تَقْدِيمه عَلَيْهِ وَإِن كَانَ واجبه الصَّوْم صَار الثَّلَاثَة فِي حجَّة الْقَضَاء والقارن إِذا فَاتَهُ الْوُقُوف يلْزمه ثَلَاثَة دِمَاء دم للفوات
стр. 215
وَدم للْقَضَاء وَإِن أفرد فِيهِ بذبحان فِي عَام الْقَضَاء وَدم للقران يذبح فِي عَام الْفَوات
وَالسَّبَب التَّاسِع مُخَالفَة الْمَنْذُور كَأَن نذر الْمَشْي أَو الرّكُوب أَو الْإِفْرَاد أَو الْحلق فَخَالف ذَلِك فَالْوَاجِب فِي كل سَبَب من هَذِه الْأَسْبَاب التِّسْعَة مُرَتّب مُقَدّر وَهُوَ (ذبح) فَهُوَ مُخَاطب بِهِ ابْتِدَاء (ف) إِن عجز عَنهُ حسا أَو شرعا وَجب عَلَيْهِ (صَوْم) عشرَة أَيَّام (ثَلَاثَة) فِي الْحَج أَي بعد الْإِحْرَام بِهِ و (قبل) يَوْم (نحر وَسَبْعَة بوطنه) أَي فِي بَلَده
وَالْمرَاد بِهِ الْمحل الَّذِي قصد التوطن فِيهِ سَوَاء الْموضع الَّذِي خرج مِنْهُ وَغَيره حَتَّى لَو استوطن مَكَّة صَامَ بهَا وَيجب فِي هَذَا الصَّوْم تَعْيِينه من كَونه تمتعا أَو قرانا أَو غَيرهمَا وتبييت النِّيَّة فِيهِ لِأَنَّهُ وَاجِب
تَنْبِيه مَا تقرر من كَونه يَصُوم ثَلَاثَة فِي الْحَج ظَاهر فِي ترك الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من الْمِيقَات وَفِي الْمُتَمَتّع والقارن وَفِي الْفَوات لِأَنَّهُ يصومها بعد الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ وَفِيمَا لَو نذر الْإِفْرَاد أَو الْمَشْي أَو الرّكُوب فِي الْحَج فَخَالف ذَلِك أما إِذا ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة أَو منى أَو الرَّمْي فَلَا يُمكنهُ صَوْم الثَّلَاثَة فِي الْحَج لِأَن وَقت الْحَج قد فَاتَ وَكَذَا إِذا ترك الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْمِيقَات إِذْ لَا حج وَكَذَا إِذا نذر الْحلق فِي النّسك فخالفه وَكَذَا إِذا ترك طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ وَاجِب مُسْتَقل فَيجب صَومهَا بعد أَيَّام التَّشْرِيق فِي ترك الْمبيت وَالرَّمْي لِأَن ذَلِك وَقت إِمْكَان الصَّوْم بعد الْوُجُوب وَفِي ترك الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْمِيقَات يصومها فِي الْعمرَة إِن شَاءَ وَإِن شَاءَ عقب التَّحَلُّل مِنْهَا وَفِيمَا لَو نذر الْحلق فخالفه يصومها بعد الْمُخَالفَة وَفِي ترك طواف الْوَدَاع يصومها حَيْثُ وصل إِلَى مَحل يَتَقَرَّر عَلَيْهِ فِيهِ الدَّم فَإِن فعل كَذَلِك فأداء وَإِلَّا فقضاء
وَاعْلَم أَن دم التَّمَتُّع يتَعَلَّق بسببين أَحدهمَا الْفَرَاغ من الْعمرَة
وَثَانِيهمَا الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من عَامه فَيجوز الذّبْح بعد وجود السَّبَب الأول وَقبل وجود السَّبَب الثَّانِي لِأَن الْحق المالي إِن تعلق بسببين يجوز تَقْدِيمه على ثَانِيهمَا بِخِلَاف الصَّوْم لَا يجوز إِلَّا بعد وجود السببين جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ ماليا فَلَو فعل قبل وجود السَّبَب الثَّانِي لَا يَصح وَكَذَا دم الْفَوات لَهُ سببان أَحدهمَا فَوَات الْحَج
وَثَانِيهمَا الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ فَيجوز الذّبْح قبل وجود السَّبَب الثَّانِي بِشَرْط دُخُول وَقت الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ
وَلَا يجوز الصَّوْم إِلَّا بعد الْإِحْرَام بِهِ وَبَاقِي الدِّمَاء التِّسْعَة لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَبَب وَاحِد وَهُوَ الْإِحْرَام بالنسك فِي ترك الْمِيقَات وَخلف النّذر فِي الْمَشْي وَالرُّكُوب وَالْحلق الْمَنْذُورَة فِي النّسك وَخلف الْإِفْرَاد الْمَنْذُور فِي الْحَج وَتَمام الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة فِي الْقرَان وطلوع فجر يَوْم النَّحْر فِي الْمبيت بِمُزْدَلِفَة وفراق مَكَّة فِي ترك طواف الْوَدَاع وفراغ أَيَّام منى فِي بَقِيَّة الدِّمَاء التِّسْعَة فَلَا يجوز ذبح وَلَا صَوْم إِلَّا بعد تحقق السَّبَب وَكَانَ الْوَقْت يقبل الصَّوْم وَإِلَّا أَخّرهُ حَتَّى يَجِيء الْوَقْت الْقَابِل لَهُ كَتَرْكِ الْمبيت بِمُزْدَلِفَة يتَحَقَّق بِطُلُوع فجر يَوْم النَّحْر فَيجب تَأْخِير الصَّوْم إِلَى فرَاغ أَيَّام التَّشْرِيق لِأَن الْوَقْت غير قَابل لَهُ بِخِلَاف الذّبْح فَيجوز فِيهَا وَلَا آخر لوقته
وَالثَّالِث دم تَرْتِيب وتعديل وَمَعْنَاهُ التَّقْوِيم والعدول إِلَى غَيره بِاعْتِبَار الْقيمَة وَهَذَا يجب فِي سببين السَّبَب الأول الْإِحْصَار
والمحصر هُوَ محرم مَنعه عَدو أَو حبس من سُلْطَان أَو نَحوه
следующие страницы →