Полный текст (877 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَيشْتَرط التَّكْلِيف فِي الْمُوصي
وَالصَّحِيح: صِحَّتهَا من السَّفِيه والمحجور عَلَيْهِ
وتلغى وَصِيَّة الرَّقِيق
وَفِيمَا إِذا أعتق ثمَّ مَاتَ: وَجه وَتَصِح وَصِيَّة الْكَافِر
ثمَّ إِن كَانَت الْوَصِيَّة لجِهَة عَامَّة: فَالشَّرْط أَن لَا تكون لجِهَة مَعْصِيّة
فَلَا تصح لعمارة البيع وَبِنَاء بَيت لبَعض الْمعاصِي
وَإِن كَانَت لشخص معِين فَيَنْبَغِي أَن يتَصَوَّر لَهُ الْملك
فَتجوز الْوَصِيَّة للْحَمْل وَينفذ إِذا انْفَصل حَيا وَأَن يكون مَعْلُوم الْوُجُود عِنْد الْوَصِيَّة بِأَن ينْفَصل لأَقل من سِتَّة أشهر
فَإِذا انْفَصل لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا وَالْمَرْأَة فرَاش زوج أَو سيد فَلَا حق لَهُ
وَإِذا أوصى لعبد إِنْسَان
فَإِن اسْتمرّ رقّه: فَالْوَصِيَّة لسَيِّده وَإِن أعتق قبل موت الْمُوصي: فالاستحقاق لَهُ
وَلَا تصح الْوَصِيَّة للدابة على قصد تَملكهَا وَكَذَا لَو أطلق الْوَصِيَّة وَلَو قَالَ: ليصرف فِي عَلفهَا فَالظَّاهِر الصِّحَّة
وَلَو أوصى لعمارة مَسْجِد صَحَّ وتنزل على عِمَارَته ومصالحه
وَتجوز الْوَصِيَّة للذِّمِّيّ وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيّ
وَتجوز الْوَصِيَّة للْقَاتِل فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ
وَالْوَصِيَّة للْوَارِث لاغية نَافِذَة بِإِجَازَة الْوَرَثَة
وَلَو أوصى لِأَخِيهِ وَلَا ولد للْمُوصي ثمَّ ولد لَهُ ولد قبل مَوته: صحت الْوَصِيَّة وَلم يخرج على الْخلاف
فَإِن الِاعْتِبَار بِكَوْن الْمُوصى لَهُ وَارِثا يَوْم الْمَوْت لَا يَوْم الْوَصِيَّة
وَتَصِح الْوَصِيَّة بِالْحملِ وَالشّرط أَن ينْفَصل لوقت يعلم وجوده عِنْد الْوَصِيَّة وَأَن ينْفَصل حَيا
وَتَصِح أَيْضا بالمنافع
وَكَذَا بالثمار الَّتِي ستحدث وَالْحمل الَّذِي سيوجد
وَتَصِح الْوَصِيَّة بِأحد الْعَبْدَيْنِ
وَيصِح بِمَا يحل بِهِ الانتفاعات من النَّجَاسَات كَالْكَلْبِ الْمعلم والزبل وَالْخمر المحترمة
وَلَو أوصى بكلب من كلابه وَله كلاب يحل الِانْتِفَاع بهَا أعْطى وَاحِدًا مِنْهَا وَإِن لم يكن لَهُ كلاب لغت الْوَصِيَّة
وَمن لَهُ مَال وكلاب
فأوصى بهَا أَو بِبَعْضِهَا
فَالْأَظْهر نُفُوذ الْوَصِيَّة وَإِن كثرت وَقل المَال
стр. 352
وَلَو أوصى بطبل وَكَانَ الطبل يصلح للحرب والحجيج حملت الْوَصِيَّة على مَا يجوز الِانْتِفَاع بِهِ وَلَو أوصى بطبل لَهو لم تصح الْوَصِيَّة
وَلَا يَنْبَغِي أَن يُوصي بِأَكْثَرَ من ثلث المَال ول فعل ورد الْوَارِث ارْتَدَّت الْوَصِيَّة فِي الزِّيَادَة
فَإِن أجَاز نفذت فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
وَإِذا تبرع تبرعات منجزة فِي مرض الْمَوْت كالوقف وَالْهِبَة وَالْعِتْق وَالْإِبْرَاء
وَلم يَفِ الثُّلُث بهَا فَأخذ الْقَوْلَيْنِ: أَنه يقدم الْعتْق
وَالأَصَح: التَّسْوِيَة بَين الْعتْق وَغَيره
ويقسط الثُّلُث عَلَيْهَا بِاعْتِبَار الْقيمَة
فَإِن تمحض الْعتْق فيقرع وَإِن تمحض غَيره فيقسط
وَإِن اجْتمع تبرعات فَصَاعِدا منجزات
فَإِن ترتبت قدم الأول فَالْأول إِلَى أَن يتم الثُّلُث إِن وجدت دفْعَة وَاحِدَة
فَإِن اتَّحد الْجِنْس كَمَا لَو أعتق عبيدا وَأَبْرَأ جمَاعَة فَلَا يقدم بَعْضهَا على بعض بل يقرع فِي الْعتْق ويقسط الثُّلُث فِي غَيره
وَإِن اخْتلف الْجِنْس وصدرت التَّصَرُّفَات من وكلاء
فَإِن لم يكن فِيهَا عتق فيقسط الثُّلُث وَإِن كَانَ فِيهَا فَيقدم الْعتْق أَو يقسط فِيهِ الْقَوْلَانِ
وَلَو كَانَ لَهُ عَبْدَانِ سَالم وغانم
فَقَالَ: إِن أعتقت غانما فسالم حر ثمَّ أعتق غانما فِي مرض مَوته فَلَا يقرع وَيتَعَيَّن لِلْعِتْقِ غَانِم
وَإِذا أوصى بِعَين حَاضِرَة هِيَ ثلث مَاله وَبَاقِي مَاله غَائِب لم يدْفع إِلَى الْمُوصى لَهُ فِي الْحَال
وَإِذا ظننا أَن الْمَرَض مخوف لم ينفذ التَّصَرُّف فِيمَا زَاد على الثُّلُث
فَإِن برأَ تبين خلاف مَا ظنناه وَنفذ التَّبَرُّع
وَإِن ظننا غير مخوف وَمَات فَإِن كَانَ يحمل على الْفجأَة نفذ التَّبَرُّع
وَإِلَّا تبين أَنه مخوف
وَإِن شككنا فِي الْمَرَض أهوَ مخوف أم لَا فالرجوع فِيهِ إِلَى الْأَطِبَّاء
وَإِنَّمَا يعْتَمد قَول من يجمع الْإِسْلَام والتكليف وَالْعَدَالَة وَالْحريَّة
وَيشْتَرط الْعدَد أَيْضا فِي الْأَمْرَاض المخوفة وَهُوَ القولنج وَذَات الْجنب والرعاف الدَّائِم والإسهال الْمُتَوَاتر وَخُرُوج الطَّعَام غير مُسْتَحِيل أَو كَانَ يخرج بِشدَّة أَو وجع وَمَعَهُ دم
وَمِنْهَا: الدق وَابْتِدَاء الفالج والحمى المطبقة وَكَذَا غير المطبقة كالورد وَالْغِب إِلَّا الرّبع
وَالْأَظْهَر: أَنه يلْتَحق بالأمراض المخوفة: الْوُقُوع فِي أسر كفار اعتادوا قتل
стр. 353
الأسرى والتحام الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ والتقديم للْقصَاص أَو الرَّجْم واضطراب الرِّيَاح وهيجان الأمواج فِي حق ركاب السَّفِينَة وَمَا إِذا ضرب الْحَامِل الطلق وَبعد الْوَضع مَا لم تنفصل المشيمة
وَصُورَة الْوَصِيَّة أَن يَقُول: أوصيت لَهُ بِكَذَا أَو ادفعوا إِلَيْهِ أَو أَعْطوهُ بعد موتِي أَو جعلته لَهُ أَو هُوَ لَهُ بعد موتِي
وَلَو اقْتصر على قَوْله: (هُوَ لَهُ) فَهُوَ إِقْرَار لَا يَجْعَل كِنَايَة عَن الْوَصِيَّة إِلَّا أَن يَقُول: (هُوَ لَهُ من مَالِي)
وَإِذا كَانَت الْوَصِيَّة لغير معِين كالفقراء لم يشْتَرط فِيهَا الْقبُول
ولزمت بِالْمَوْتِ وَإِن كَانَت لمُعين فَلَا بُد من الْقبُول
وَلَا يَصح الْقبُول فِي حَيَاة الْمُوصي وَلَا الرَّد
وَلَا يشْتَرط الْقبُول على الْفَوْر بعد موت الْمُوصي
وَإِذا مَاتَ الْمُوصى لَهُ قبل موت الْمُوصي بطلت الْوَصِيَّة
وَإِن مَاتَ بعد مَوته قَامَ وَارثه مقَامه فِي الْقبُول
وَبِمَ يملك الْمُوصى لَهُ الْمُوصى بِهِ فِيهِ أَقْوَال
أَحدهَا: بقبوله
وَالثَّانِي: بِمَوْت الْمُوصي
وأصحها أَنَّهَا تتَوَقَّف
فَإِن قبل تَبينا أَنه ملك من وَقت الْمَوْت وَإِلَّا تَبينا أَنه كَانَ ملكا للْوَارِث
وعَلى هَذَا الْخلاف يَنْبَنِي كسب العَبْد وَثَمَرَة الشَّجَرَة الحاصلان بَين الْمَوْت وَالْقَبُول وفطرة العَبْد إِذا وَقع وَقت الْوُجُوب بَينهمَا وَنَفَقَته
وَيُطَالب الْمُوصي لَهُ بِنَفَقَة العَبْد أَو الدَّابَّة الْمُوصي بهَا لَهُ إِذا توقف فِي الْقبُول وَالرَّدّ
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
: (الْوَصِيَّة) تمْلِيك مُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت
وَهِي جَائِزَة مُسْتَحبَّة غير وَاجِبَة بِالْإِجْمَاع لمن لَيست عِنْد أَمَانَة يجب عَلَيْهِ الْخُرُوج مِنْهَا وَلَا عَلَيْهِ دين لَا يعلم بِهِ من هُوَ لَهُ أَو لَيست عِنْده وَدِيعَة بِغَيْر إِشْهَاد
فَإِن كَانَت ذمَّته مُتَعَلقَة بِشَيْء من ذَلِك كَانَت الْوَصِيَّة وَاجِبَة عَلَيْهِ فرضا
وَهِي مُسْتَحبَّة لغير وَارِث بِالْإِجْمَاع
وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَأهل الظَّاهِر: إِن الْوَصِيَّة وَاجِبَة للأقارب الَّذين لَا يَرِثُونَ الْمَيِّت سَوَاء كَانُوا عصبَة أَو ذَا رحم إِذا كَانَ هُنَاكَ وَارِث غَيرهم
стр. 354
فصل: وَالْوَصِيَّة لغير وَارِث بِالثُّلثِ جَائِزَة بِالْإِجْمَاع
وَلَا تفْتَقر إِلَى إجَازَة
وللوارث جَائِزَة مَوْقُوفَة على إجَازَة الْوَرَثَة
وَإِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلثه وَأَجَازَ الْوَرَثَة ذَلِك
فمذهب مَالك: أَنهم إِذا أَجَازُوا فِي مَرضه لم يكن لَهُم أَن يرجِعوا بعد مَوته
وَفِي صِحَّته فَلهم الرُّجُوع بعد مَوته
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَهُم الرُّجُوع سَوَاء كَانَ فِي صِحَّته أَو فِي مَرضه
فصل: وَمن أوصى بجمل أَو بعير
جَازَ عِنْد الثَّلَاثَة أَن يُعْطي أُنْثَى
وَكَذَلِكَ إِن أوصى ببدنة أَو بقرة جَازَ أَن يُعْطي ذكرا
فالذكر وَالْأُنْثَى عِنْدهم سَوَاء
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز فِي الْبَعِير إِلَّا الذّكر وَلَا فِي الْبَدنَة وَالْبَقَرَة إِلَّا الْأُنْثَى
وَإِذا أوصى بِإِخْرَاج ثلث مَاله فِي الرّقاب ابتدىء عِنْد مَالك بِعِتْق مماليكه
قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يصرف إِلَى المكاتبين
فصل: إجَازَة الْوَرَثَة: هَل هِيَ تَنْفِيذ لما كَانَ أَمر بِهِ الْمُوصي أم عَطِيَّة مُبتَدأَة
فَعِنْدَ الثَّلَاثَة تَنْفِيذ
وَعند الشَّافِعِي قَولَانِ أصَحهمَا: كالجماعة
وَهل يملك الْمُوصى لَهُ بِمَوْت الْمُوصي أم بقبوله
وَإِذا أوصى بِشَيْء لرجل ثمَّ أوصى بِهِ الآخر وَلم يُصَرح بِرُجُوع عَن الأول فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ بالِاتِّفَاقِ
وَقَالَ الْحسن وَعَطَاء وَطَاوُس: هُوَ رُجُوع
وَيكون للثَّانِي
وَقَالَ دَاوُد: هُوَ للْأولِ
فصل: وَالْعِتْق وَالْهِبَة وَالْوَقْف وَسَائِر العطايا المنجزة فِي مرض الْمَوْت
مُعْتَبرَة من الثُّلُث بالِاتِّفَاقِ
وَقَالَ مُجَاهِد وَدَاوُد: هِيَ منجزة من رَأس المَال
وَاخْتلف فِيمَا قدم ليقتص مِنْهُ أَو كَانَ فِي الصَّفّ بِإِزَاءِ الْعَدو أَو جَاءَ الْحَامِل الطلق أَو هاج الموج بالبحر وَهُوَ رَاكب سفينة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: إِن عطايا هَؤُلَاءِ من الثُّلُث
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ
أصَحهمَا: من الثُّلُث
وَالثَّانِي: من جَمِيع المَال
وَرُوِيَ عَن مَالك: أَن الْحَامِل إِذا بلغت سِتَّة أشهر وَلم تتصرف فِي أَكثر من ثلث مَالهَا
وَاخْتلفُوا فِي الْوَصِيَّة إِلَى العَبْد
فَقَالَ مَالك وَأحمد: تصح مُطلقًا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تصح إِلَى عبد نَفسه بِشَرْط أَن يكون فِي الْوَرَثَة كَبِير وَلَا تصح إِلَى عبد غَيره
وَمن لَهُ أَب أَو جد
لَا يجوز لَهُ عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد أَن يُوصي إِلَى أَجْنَبِي بِالنّظرِ فِي أَمر أَوْلَاده مَعَ وجود أَبِيه وجده إِذا كَانَ من أهل الْعَدَالَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك:
стр. 355
تصح الْوَصِيَّة فِي أَمر الْأَوْلَاد وَقَضَاء الدُّيُون وتنفيذ الثُّلُث مَعَ وجود الْأَب وَالْجد
وَإِذا أوصى إِلَى عدل ثمَّ فسق نزعت الْوَصِيَّة مِنْهُ كَمَا إِذا أسْند الْوَصِيَّة إِلَيْهِ فَإِنَّهَا لَا تصح
فَإِنَّهُ لَا يُؤمن عَلَيْهَا
وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا فسق يضم إِلَيْهِ آخر عدل
فَإِذا أوصى إِلَى فَاسق يُخرجهُ القَاضِي من الْوَصِيَّة فَإِن لم يُخرجهُ بعد تصرفه صحت وَصيته
وَاخْتلفُوا فِي الْوَصِيَّة للْكفَّار
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: تصح سَوَاء كَانُوا أهل حَرْب أَو ذمَّة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تصح لأهل الْحَرْب
وَتَصِح لأهل الذِّمَّة خَاصَّة
فصل: وللوصي أَن يُوصي مَا وصّى بِهِ إِلَيْهِ غَيره
وَإِن لم يكن الْوَصِيّ جعل ذَلِك إِلَيْهِ
هَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك
وَمنع من ذَلِك الشَّافِعِي وَأحمد فِي أظهر الرِّوَايَتَيْنِ
وَإِذا كَانَ الْوَصِيّ عدلا لم يحْتَج إِلَى حكم الْحَاكِم وتنفيذ الْوَصِيَّة إِلَيْهِ
وَيصِح جَمِيع تصرفه عِنْد الثَّلَاثَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن لم يحكم لَهُ حَاكم فَجَمِيع مَا يَشْتَرِيهِ ويبيعه للصَّبِيّ مَرْدُود
وَمَا ينْفق عَلَيْهِ فَقَوله فِيهِ مَقْبُول
فصل: وَيشْتَرط بَيَان مَا يُوصي فِيهِ وتعيينه
فَإِن أطلق الْوَصِيَّة فَقَالَ: أوصيت إِلَيْك لم يَصح عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَكَانَ ذَلِك لَغوا
وَقَالَ مَالك: يَصح وَتَكون وَصِيَّة فِي كل شَيْء
وَقَالَ مَالك فِي رِوَايَة أُخْرَى: إِنَّه لَا يكون وَصِيّا إِلَّا فِيمَا عينه
وَإِذا أوصى لأقاربه أَو عقبه لم يدْخل أَوْلَاد الْبَنَات فيهم عِنْد مَالك فَإِن أَوْلَاد الْبَنَات عِنْده لَيْسُوا بعقب
وَيُعْطى الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: أَقَاربه ذَوُو رَحمَه وَلَا يُعْطي ابْن الْعم وَلَا ابْن الْخَال
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا قَالَ لأقاربي: دخل كل قرَابَة وَإِن بعد لَا أصلا وفرعا وَإِذا قَالَ لذريتي وعقبى: دخل أَوْلَاد الْبَنَات
وَقَالَ أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه: من كَانَ يصله فِي حَيَاته فَيصْرف إِلَيْهِ وَإِلَّا فَالْوَصِيَّة لأقاربه من جِهَة أَبِيه
وَلَو أوصى لجيرانه
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هم الملاصقون
وَقَالَ الشَّافِعِي: حد الْجوَار أَرْبَعُونَ دَارا من كل جَانب
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ أَرْبَعُونَ وَثَلَاثُونَ
وَلَا حد لذَلِك عِنْد مَالك
стр. 356
فصل: وَالْوَصِيَّة للْمَيت
عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: بَاطِلَة وَقَالَ مَالك بِصِحَّتِهَا
فَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين أَو كَفَّارَة صرفت
وَإِلَّا كَانَت لوَرثَته
وَلَو أوصى لرجل بِأَلف وَلم يكن حَاضرا إِلَّا ألف وَبَاقِي مَاله غَائِب أَو بَاقِي مَاله عقار أَو دين وشح الْوَرَثَة وَقَالُوا: لَا ندفع إِلَى الْمُوصى لَهُ إِلَّا ثلث الْألف
فَعِنْدَ مَالك: لَيْسَ لَهُم ذَلِك
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَهُ ثلث الْألف
وَيكون بباقي حَقه شَرِيكا فِي جَمِيع مَا خَلفه الْمُوصي يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقه
فصل: وَإِذا وصّى لغلام لم يبلغ الْحلم
وَكَانَ يعقل مَا يوصى لَهُ بِهِ فوصيته جَائِزَة عِنْد مَالك
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: بِعَدَمِ الْجَوَاز
وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي
فَالْأَصَحّ من مذْهبه: أَنَّهَا لَا تصح
وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد
وَلَو اعتقل لِسَان الْمَرِيض فَهَل تصح وَصيته بِالْإِشَارَةِ أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا تصح
وَقَالَ الشَّافِعِي: تصح
وَالظَّاهِر من مَذْهَب مَالك: جَوَاز ذَلِك وَإِذا قبل الْمُوصى إِلَيْهِ الْوَصِيَّة فِي حَيَاة الْمُوصي لم يكن لَهُ عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك أَن يرجع بعد مَوته
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: وَلَا فِي حَيَاة الْمُوصي إِلَّا أَن يكون الْمُوصي حَاضرا
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَهُ الرُّجُوع على كل حَال
وعزل نَفسه مَتى شَاءَ
قَالَ النَّوَوِيّ: إِلَّا أَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَو يغلب على ظَنّه تلف المَال باستيلاء ظَالِم عَلَيْهِ
وَإِذا أوصى لحر بِأَبِيهِ الرَّقِيق فَقبل الْوَصِيَّة وَهُوَ مَرِيض
فَيعتق عَلَيْهِ أَبوهُ
ثمَّ مَاتَ الابْن فَعِنْدَ مَالك وَالْجُمْهُور: أَنه يَرِثهُ
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يَرِثهُ
وَإِذا قَالَ: أَعْطوهُ رَأْسا من رقيقي أَو جملا من إبلي
وَكَانَ رَقِيقه أَو إبِله عشرَة قَالَ مَالك: يعْطى عشرهم بِالْقيمَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِي: يُعْطِيهِ الْوَرَثَة مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم رَأس صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا
فصل: وَإِذا كتب وَصِيَّة بِخَطِّهِ وَيعلم أَنَّهَا بِخَطِّهِ
وَلم يشْهد فِيهَا فَهَل يحكم بهَا كَمَا يحكم بهَا لَو أشهد على نَفسه بهَا الثَّلَاثَة على أَنه لَا يحكم بهَا
وَقَالَ أَحْمد: يحكم بهَا مَا لم يعلم رُجُوعه عَنْهَا
وَلَو أوصى إِلَى رجلَيْنِ وَأطلق فَهَل لأَحَدهمَا التَّصَرُّف دون الآخر قَالَ الثَّلَاثَة: لَا تجوز مُطلقًا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجوز فِي ثَمَانِيَة أَشْيَاء مَخْصُوصَة: شِرَاء الْكَفَن وتجهيز الْمَيِّت وإطعام الصغار وكسوتهم ورد وَدِيعَة بِعَينهَا وَقَضَاء دين وإنقاذ وَصِيَّة بِعَينهَا وَعتق عبد بِعَيْنِه
وَالْخُصُومَة فِي حُقُوق الْمَيِّت
стр. 357
وَاخْتلفُوا هَل يَصح التَّزْوِيج فِي مرض الْمَوْت قَالَ الثَّلَاثَة: يَصح
وَقَالَ مَالك: لَا يَصح للْمَرِيض الْمخوف عَلَيْهِ: فَإِن تزوج وَقع فَاسِدا سَوَاء دخل بهَا أَو لم يدْخل وَيكون الْفَسْخ بِالطَّلَاق
فَإِن برىء من المرص فَهَل يَصح ذَلِك النِّكَاح أم يبطل عَنهُ فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ
وَلَو كَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد
فأوصى لآخر بِمثل نصيب أحدهم
قَالَ الثَّلَاثَة: لَهُ الرّبع
وَقَالَ مَالك: لَهُ الثُّلُث
وَلَو أوصى بِجَمِيعِ مَاله وَلَا وَارِث لَهُ
قَالَ أَبُو حنيفَة: الْوَصِيَّة صَحِيحَة
وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد
وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة عَنهُ وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: لَا تصح
إِلَّا فِي الثُّلُث
وَلَو وهب أَو أعتق فِي مَرضه وَعجز الثُّلُث
وَقَالَ الثَّلَاثَة: يتحاصان
وَقَالَ الشَّافِعِي: يبْدَأ بِالْأولِ
وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد
فصل: وَهل يجوز للْوَصِيّ أَن يَشْتَرِي شَيْئا لنَفسِهِ من مَال الْيَتِيم
قَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز بِزِيَادَة على الْقيمَة اسْتِحْسَانًا
فَإِن اشْتَرَاهُ بِمثل قِيمَته لم يجز
وَقَالَ مَالك: لَهُ أَن يَشْتَرِيهِ بِالْقيمَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز على الْإِطْلَاق
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
أشهرهما: عدم الْجَوَاز وَالْأُخْرَى: إِذا وكل غَيره جَازَ
وَإِذا ادّعى الْوَصِيّ دفع المَال إِلَى الْيَتِيم بعد بُلُوغه
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: القَوْل قَول الْوَصِيّ مَعَ يَمِينه
فَيقبل قَوْله كَمَا يقبل فِي تلف المَال وَمَا يَدعِيهِ من الْإِتْلَاف يكون أَمينا وَكَذَا الحكم فِي الْأَب وَالْحَاكِم وَالشَّرِيك وَالْمُضَارب
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يقبل قَول الْوَصِيّ إِلَّا بِبَيِّنَة
فصل: وَالْوَصِيَّة لِلْعَامِلِ صَحِيحَة
عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ أصَحهمَا: الصِّحَّة
وَلَو أوصى لمَسْجِد
قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: تصح الْوَصِيَّة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تصح إِلَّا أَن يَقُول: ينْفق عَلَيْهِ
وَلَو أوصى لبني فلَان لم يدْخل إِلَّا الذُّكُور بالِاتِّفَاقِ
وَيكون بَينهم بِالسَّوِيَّةِ
فصل: وَالْوَصِيّ الْغَنِيّ هَل يجوز لَهُ
٣٦٠ - أَن يَأْكُل من مَال الْيَتِيم عِنْد الْحَاجة أم لَا فمذهب أبي حنيفَة: لَا يَأْكُل بِحَال لَا قرضا وَلَا غَيره
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: يجوز لَهُ
стр. 358
أَن يَأْكُل بِأَقَلّ الْأَمريْنِ من أُجْرَة عمله وكفايته
وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَإِن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ بِقدر نظره وَأُجْرَة عمله
فَائِدَة قَالَ السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات: ذكر القَاضِي شُرَيْح فِيمَا إِذا قَالَ الْمُوصي (مَا يَدعِي فلَان فصدقوه) قَالَ الثَّقَفِيّ: يحْتَمل أَن يصدق فِي الْجَمِيع
وَقَالَ الزجاجي: هُوَ إِقْرَار لمجهول يُعينهُ الْوَارِث
وَقَالَ الْعَبَّادِيّ: هَذَا أشبه بِالْحَقِّ
وَلابْن الملقن فِي شَرحه فروع
الأول: أوصى لأعقل النَّاس فِي بَلَده صرف إِلَى أزهدهم فِي الدُّنْيَا
نَص عَلَيْهِ
فَإِن قلت: الْأَخْذ من الْوَصِيَّة يُنَافِي الزّهْد
فَالْجَوَاب: منع ذَلِك
فَإِن الزّهْد ترك فضول الدُّنْيَا
قَالَ فِي الْإِحْيَاء: والزهد يَنْقَسِم إِلَى فرض وَهُوَ الزّهْد فِي الْحَرَام وَإِلَى نفل
وَهُوَ الزّهْد فِي الْحَلَال
وَحكي بَعضهم: أَن الزّهْد لَا يكون إِلَّا فِي الْحَلَال وَأَنه لم يبْق فِي أَمْوَال الدُّنْيَا حَلَال فَلَا يتَصَوَّر الزّهْد فِيهَا الْيَوْم
وَقَالَ القَاضِي: وَكَذَا لَو أوصى لأكيس النَّاس
الثَّانِي: لَو أوصى لأحمقهم
فقد حكى الْمَاوَرْدِيّ عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: أَنه يصرف إِلَى أهل التَّثْلِيث من النَّصَارَى
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: وَعِنْدِي أَنه يصرف إِلَى أس النَّاس لِأَن الْحمق يرجع إِلَى الْعقل دون الِاعْتِقَاد
الثَّالِث: لَو أوصى لأبخل النَّاس
قَالَ القَاضِي حُسَيْن: يحْتَمل أَن يصرفهُ لمن لَا يعْطى الزَّكَاة وَيحْتَمل أَن يصرف لمن لَا يقري الضَّيْف
وَأورد فِيهِ حَدِيثا وَهُوَ أَنه ﷺ قَالَ: (برىء من الشُّح من أقرى الضَّيْف وَأعْطى الزَّكَاة وَأدّى الْأَمَانَة)
الرَّابِع: لَو أوصى لسَيِّد النَّاس
كَانَ للخليفة أَو لأعْلم النَّاس: كَانَ مصروفا للفقهاء لأطلاعهم على عُلُوم الشَّرِيعَة الَّتِي هِيَ بِأَكْثَرَ الْعُلُوم مُتَعَلقَة
قَالَه كُله الْمَاوَرْدِيّ
مَسْأَلَة: لَو أوصى لقوم فلَان أَو لقوم صالحين
فَفِي دُخُول النِّسَاء وَجْهَان
أَحدهمَا: الدُّخُول لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَكذب بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحق﴾
стр. 359
وعَلى هَذَا: يدْخل الخناثي فِي الْوَصِيَّة
وَالثَّانِي: لَا يدْخل النِّسَاء
لقَوْل الشَّاعِر: وَمَا أدرى وَلست إخال أَدْرِي أقوم آل حصن أم نسَاء وعَلى هَذَا
فَلَا يدْخل الخناثي فِي الصوية للْقَوْم
فَائِدَة: لَفْظَة (الْمُتَكَلّم) تطلق على من يعرف علم الْكَلَام
وَهُوَ أصُول الدّين
وَإِنَّمَا قيل لَهُ: (علم الْكَلَام) لِأَن أول خلاف وَقع فِي الدّين: كَانَ فِي كَلَام تَعَالَى
أمخلوق هُوَ أم غير مَخْلُوق فَتكلم النَّاس فِيهِ
فَسُمي هَذَا النَّوْع من الْعلم كلَاما اخْتصَّ بِهِ وَإِن كَانَت الْعُلُوم جَمِيعهَا تنشر بالْكلَام
قَالَه السَّمْعَانِيّ
مَسْأَلَة: قَالَ الشَّيْخ عز الدّين فِي الْقَوَاعِد: اخْتلفُوا فِي اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْإِمَامَة الْعُظْمَى لغَلَبَة الفسوق على الْوُلَاة
فَلَو شرطناها لتعطلت الْأُمُور
وَلما كَانَ تصرف الْقُضَاة أَعم من تصرف الأوصياء وأخص من تصرف الْأَئِمَّة
اخْتلف فِي إلحاقهم بالأئمة
فَمنهمْ من ألحقهم بالأئمة فَلم يشْتَرط عدالتهم وَمِنْهُم من ألحقهم بالأوصياء فاشترطها
المصطلح
: ويشتمل على صور
مِنْهَا: صُورَة وَصِيَّة
ذكر أَن الإِمَام الْأَعْظَم أَبَا حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت أملاها على البديهة
وَهِي مِمَّا يَنْبَغِي أَن يعتني بهَا لكَونهَا من إنْشَاء ذَلِك الإِمَام الْأَعْظَم رَحمَه الله تَعَالَى
هَكَذَا نَقله فِي الفتاوي الظَّهِيرِيَّة
وَصورتهَا بعد الْبَسْمَلَة الشَّرِيفَة: هَذَا مَا أوصى بِهِ فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ وشهوده بِهِ عارفون فِي صِحَة عقله وَثُبُوت فهمه وَمرض جِسْمه وَهُوَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لم يلد وَلم يُولد وَلم يتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَلم يكن لَهُ ولي من الذل
وَهُوَ الْكَبِير المتعال وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وأمينه على وحيه
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَأَن الْجنَّة حق وَأَن النَّار حق وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور
مبتهلا إِلَى الله تَعَالَى أَن يتم عَلَيْهِ ذَلِك وَلَا يسلبه مَا وهب لَهُ فِيهِ وَمَا أمتن بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يتوفاه إِلَيْهِ
فَإِن لَهُ الْملك وَبِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير
أوصى هَذَا الْمُوصي فلَان وَلَده وَأَهله وقرابته وَإِخْوَته وَمن أطَاع أمره بِمَا أوصى بِهِ إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب ﴿يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وأوصاهم جَمِيعًا أَن يتقوا الله حق تُقَاته وَأَن يطيعوا الله فِي سرهم وعلانيتهم فِي
стр. 360
من قَوْلهم وفعلهم وَأَن يلتزموا طَاعَته وَأَن ينْتَهوا عَن مَعْصِيَته وَأَن يقيموا الدّين وَلَا يتفرقوا فِيهِ وَجَمِيع مَا أوصاهم بِهِ فَلَا غنى لَهُم عَنهُ وَلَا غنى لأحد عَن طَاعَة الله وَعَن التَّمَسُّك بأَمْره
أوصى هَذَا الْمُوصي الْمُسَمّى عافاه الله تَعَالَى ولطف بِهِ إِلَى فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ: أَنه إِذا نزل بِهِ حَادث الْمَوْت الَّذِي كتبه على خلقه وساوى فِيهِ بَين بريته وَصَارَ إِلَى ربه الْكَرِيم وَهُوَ يسْأَل خير ذَلِك الْمصير: أَن يحْتَاط على تركته المخلفة عَنهُ
فَيبْدَأ مِنْهَا بمؤنة تَجْهِيزه وتكفينه ومواراته فِي حفرته أُسْوَة أَمْثَاله
ثمَّ يُوفي مَا عَلَيْهِ من الدُّيُون الشَّرْعِيَّة المستقرة فِي ذمَّته وَهِي الَّتِي أقرّ بهَا هَذَا الْوَصِيّ الْمُسَمّى بِحَضْرَة شُهُوده
وأشهدهم عَلَيْهَا بهَا
فَمِنْهَا: مَا أقربه أَن عَلَيْهِ وَفِي ذمَّته بِحَق شَرْعِي لفُلَان ابْن فلَان الْفُلَانِيّ كَذَا وَلفُلَان ابْن فلَان ابْن فلَان الْفُلَانِيّ كَذَا
وَمن ادّعى غير من ذكرهم وَسَمَّاهُمْ عَلَيْهِ دينا
وأثبته فيدفعه إِلَيْهِ وَأَن يخرج عَنهُ من ثلث مَاله المخلف لفُلَان كَذَا وَلفُلَان كَذَا وَإِن كَانَ يُوصي بختمة أَو بِحجَّة
فيذكرها أَيْضا ثمَّ مَا بَقِي بعد وَفَاء دينه وتنفيذ وَصَايَاهُ يقسم بَين ورثته وهم فلَان وَفُلَان عى الْفَرِيضَة الشَّرْعِيَّة وَأَن ينظر فِي أَمر وَلَده الصَّغِير فلَان ويحفظ لَهُ مَا يَخُصُّهُ من تركته إِلَى بُلُوغه وإيناس رشده
أوصى بذلك جَمِيعه إِلَيْهِ وعول فِيمَا ذكره عَلَيْهِ لعلمه بديانته وأمانته وعدالته ونهضته وكفايته
وَجعل لَهُ أَن يسْندهُ إِلَى من شَاءَ ويوصي بِهِ إِلَى من أحب وللمسند إِلَيْهِ من جِهَته مثل ذَلِك وللموصى إِلَيْهِ من جِهَته مثل مَا إِلَيْهِ وَصِيّا بعد وَصِيّ وَمُسْندًا بعد مُسْند
وَقبل الْوَصِيّ مِنْهُ ذَلِك فِي مجْلِس الْإِيصَاء فِي وَجه الْمُوصي قبولا شَرْعِيًّا
وأشهدا عَلَيْهِمَا بذلك
ويؤرخ
صُورَة وَصِيَّة إِلَى رجل وناظر عَنهُ
هَذَا مَا أوصى فلَان إِلَى فلَان أَو أسْند فلَان وَصيته الشَّرْعِيَّة حذرا من هجوم الْمنية واتباعا للسّنة النَّبَوِيَّة حَيْثُ ندب إِلَى الْوَصِيَّة إِلَى فلَان فِي حَال توعك جسده وَصِحَّة عقله وَحُضُور حسه وفهمه وَهُوَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن الْمَوْت حق وَأَن الْجنَّة حق وَأَن النَّار حق وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور: أَن إِذا نزل بِهِ حَادث الْمَوْت الَّذِي كتبه الله على العبيد وساوى فِيهِ بَين الصَّغِير وَالْكَبِير والغني وَالْفَقِير والشقي والسعيد
وَأَن يحْتَاط على تركته المخلفة بعده أَو المخلفة عَنهُ وَيبدأ مِنْهَا بمؤنة تَجْهِيزه وتكفينه ومواراته فِي حفرته كأحسن مَا يفعل بأمثاله على الأوضاع الشَّرْعِيَّة وَالسّنة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة ثمَّ يقْضِي دُيُونه الشَّرْعِيَّة لتقر عينه فَإِن نفس الْمُؤمن بِدِينِهِ مَرْهُونَة وتنفيذ
стр. 361
وَصَايَاهُ من ثلث مَاله لتَكون مَقْبُولَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَعَ الصَّالح من أَعماله
ثمَّ يقسم تركته على مستحقي إِرْثه شرعا
ويراعي مَا يعْتَبر فِيهِ طَرِيق الشَّرْع
ويرعى ويحفظ مَا يخْتَص بأولاده الصغار لَدَيْهِ وهم فلَان وَفُلَان ويجتهد فِي حفظه والاحتراز عَلَيْهِ ويتصرف لَهُم فِيهِ بِمَا فِيهِ الْحَظ والمصلحة وَالْغِبْطَة والنمو وَالزِّيَادَة
عَاملا فِي ذَلِك بتقوى الله الَّذِي لَهُ الحكم والإرادة
ويعامل لَهُ فِيهِ بِسَائِر الْمُعَامَلَات الْجَائِزَة الْمُعْتَبرَة الشَّرْعِيَّة على القوانين المرعية وَالْوُجُوه السائغة المرضية وَينْفق عَلَيْهِم ويكسوهم من مَالهم من غير إِسْرَاف وَلَا تقتير مراقبا فِي ذَلِك كُله السَّمِيع الْبَصِير
فَإِذا بلغ كل مِنْهُم رشيدا مصلحا لدينِهِ وَمَاله
سلم إِلَيْهِ مَا فضل من مَاله
وأوصاه بِحسن التَّصَرُّف فِي ابْتِدَاء أمره ومآله وَأشْهد عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ وَصِيَّة صَحِيحَة شَرْعِيَّة
أسندها إِلَيْهِ وعول فِيهَا عَلَيْهِ لعلمه بديانته وأمانته ونهضته وكفايته وَأذن لَهُ أَن يسند وَصيته هَذِه إِلَى من شَاءَ من أهل الْخَيْر والديانة والصدق والعفاف وَالْأَمَانَة إِذْنا شَرْعِيًّا
وَقبل الْمُوصى إِلَيْهِ ذَلِك مِنْهُ قبولا شَرْعِيًّا
وَجعل الْمُوصي النّظر فِي هَذِه الْوَصِيَّة لفُلَان بِحَيْثُ لَا يتَصَرَّف الْمُوصي الْمَذْكُور فِي ذَلِك وَلَا فِي شَيْء مِنْهُ إِلَّا بِإِذن النَّاظر الْمشَار إِلَيْهِ ومراجعته فِيهِ ومشاورته ومشاركته وإطلاعه إِلَّا أَن يُسَافر النَّاظر إِلَى فَوق مَسَافَة الْقصر
فَإِن سَافر أَو مرض واشتغل بمرضه كَانَ للْوَصِيّ التَّصَرُّف من غير مُشَاركَة إِلَى أَن يعود من سَفَره قب الْوَصِيّ والناظر مِنْهُ ذَلِك قبولا شَرْعِيًّا
وَرجع الْمُوصي الْمَذْكُور عَن كل وَصِيَّة كَانَ أوصى بهَا قبل هَذِه الْوَصِيَّة
وَأخرج من كَانَ أوصى إِلَيْهِ وعزله عَمَّا كَانَ أوصى بِهِ إِلَيْهِ
فَلَا وَصِيَّة لأحد سوى هَذَا الْمُوصي الْمُسَمّى أَعْلَاهُ
بِنَظَر النَّاظر الْمشَار إِلَيْهِ أَعْلَاهُ
ويكمل
وَصُورَة الْوَصِيَّة بتنفيذ الْوَصَايَا من الثُّلُث وَمَا فضل من الثُّلُث بعد تَنْفِيذ الْوَصَايَا يَشْتَرِي من عرضه ملكا ويقفه وَقفا صَحِيحا شَرْعِيًّا على قارئين وَغير ذَلِك من جِهَات الْبر: يكْتب الصُّور كَمَا تقدم إِلَى قَوْله: (وتنفيذ وَصَايَاهُ من ثلث مَاله) وَمَا فضل من الثُّلُث بعد تَنْفِيذ الْوَصَايَا يَشْتَرِي من عرضه بمبلغ كَذَا مَكَانا ملكا ويقفه وَقفا صَحِيحا شَرْعِيًّا على قارئين حافظين لكتاب الله تَعَالَى مجيدين للْقِرَاءَة يجلسان صَبِيحَة كل يَوْم بعد صَلَاة الصُّبْح بالجامع الْفُلَانِيّ بِالْمَكَانِ الْفُلَانِيّ مِنْهُ ويقرآن مُجْتَمعين جُزْءا من الْقُرْآن
فَإِذا ختما قِرَاءَة الْجُزْء الشريف يهديان ثَوَاب الْقِرَاءَة الشَّرِيفَة للْمُوصي الْمَذْكُور وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين
وَأَن يشرط الْبدَاءَة من ريعه بعمارته وإصلاحه وترميمه
وَمَا فضل بعد ذَلِك يصرف إِلَى القارئين الْمَذْكُورين بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَأَن يكون مآله عِنْد انْقِطَاع سبله وَتعذر جهاته: إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين من أمة مُحَمَّد وَأَن يكون النّظر فِي ذَلِك
стр. 362
للْوَصِيّ الْمَذْكُور ثمَّ للأرشد فالأرشد من أَوْلَاده ثمَّ لأولادهم ثمَّ لأَوْلَاد أَوْلَادهم ثمَّ لنسلهم وعقبهم ثمَّ لحَاكم الْمُسلمين
وَمَا فضل من الثُّلُث بعد ذَلِك: ابْتَاعَ بِهِ الْوَصِيّ قمصا جددا بيضًا وَتصدق بهَا على الْفُقَرَاء من أَرْبَاب الْبيُوت المستورين الَّذِي لَا يعْرفُونَ بالسؤال
ثمَّ يقسم الْوَصِيّ الْمَذْكُور بِإِذن النَّاظر الثُّلثَيْنِ الباقيين من التَّرِكَة بعد صرف الثُّلُث الْمُوصي بصرفه بَين ورثته الْمُسْتَحقّين لميراثه المستوعبين لجميعه
وهم زَوجته فُلَانَة وَأَوْلَاده مِنْهَا وَمن غَيرهَا فلَان وَفُلَان وَفُلَان
فَمن كَانَ مِنْهُم بَالغا رشيدا حفظ مَاله تَحت يَده وَتصرف لَهُ فِيهِ بتقوى الله تَعَالَى
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَإِن كَانَ لم يَجْعَل عَلَيْهِ فِي ذَلِك نَاظر
كتب بعد قَوْله: (وَصِيَّة صَحِيحَة شَرْعِيَّة أسندها إِلَيْهِ وعول فِيهَا عَلَيْهِ) وَلم يَجْعَل عَلَيْهِ فِي ذَلِك نَاظرا وَلَا مشاركا وَلَا أَمينا لعلمه بديانته ووثوقه بأمانته ومعرفته بنهوضه وكفايته
وَإِن كَانَ الْقبُول من الْوَصِيّ قبل الْمَوْت ذكره
وَأثبت كتاب الْوَصِيَّة عِنْد حَنَفِيّ أَو مالكي أَو حنبلي
وَإِن كَانَ الْقبُول بعد الْمَوْت فقد ارْتَفع الْخلاف فيثبته عِنْد أحد الْقُضَاة لَا بِعَيْنِه
وَإِن كَانَ قد أوصى أَن يقف عَنهُ مَكَانا معينا من أملاكه المخلفة عَنهُ كتب: أوصى فلَان إِلَى فلَان أَن يقف عَنهُ بعد وَفَاته إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى جَمِيع الْمَكَان الْفُلَانِيّ الَّذِي أنشأه الْمَعْرُوف بِهِ ويصفه ويحدده بحقوقه كلهَا وَقفا صَحِيحا شَرْعِيًّا بعد اعْتِبَار قيمَة الْمَوْقُوف الْمعِين وَمَعْرِفَة قِيمَته وَأَنَّهَا لَا تبلغ مِقْدَار الثُّلُث من تركته
على أَنه يبْدَأ أَولا من ريعه بعمارته وإصلاحه وترميمه
وَمَا فضل بعد ذَلِك يصرف إِلَى الْجِهَة الْفُلَانِيَّة أَو إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين
وَجعل لَهُ أَن يشْتَرط فِي هَذَا الْوَقْف كَذَا وَكَذَا
وَحصل لَهُ النّظر فِي ذَلِك وَأَن يفوضه إِلَى من يرَاهُ ويسنده إِلَى من شَاءَ
والمسند إِلَيْهِ كَذَلِك وَصِيّا بعد وَصِيّ
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَصُورَة وَصِيَّة الْمَقْتُول فِي حَال جراحته: أوصى فلَان الْمَقْتُول الْمَجْرُوح جراحات جَائِفَة لَا يُمكن الْبُرْء مِنْهَا إِلَى فلَان طَائِعا مُخْتَارًا فِي صِحَة عقله وفهمه وَوُجُود الْجِرَاحَات بِرَأْسِهِ وَجَسَده متلفظا بِالشَّهَادَتَيْنِ موقنا بِالْمَوْتِ والبعث والنشور عَالما أَنه لَا مفر من قَضَاء الله الْمَقْدُور: أَنه إِذا نزل بِهِ حَادث الْمَوْت المحتوم الَّذِي حكم بِهِ على سَائِر الْبَريَّة الْحَيّ القيوم: أَن يحْتَاط على موجوده ثمَّ يذكر جَمِيع مَا وصّى بِهِ ويكمل على نَحْو مَا تقدم
стр. 363
وَهَذِه الْوَصِيَّة صَحِيحَة عِنْد مَالك وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَفِي أحد الْأَقْوَال الثَّلَاثَة عَن الشَّافِعِي على الْإِطْلَاق بَاطِلَة عِنْد أبي حنيفَة
وَصُورَة الْوَصِيَّة من الْحر للْعَبد سَوَاء كَانَ عبد الْوَصِيّ أَو عبد غَيره على مَذْهَب مَالك وَأحمد: أوصى فلَان إِلَى عَبده فلَان الرجل الْكَامِل الْمُعْتَرف لسَيِّده الْمَذْكُور بِالرّقِّ والعبودية أَو إِلَى فلَان بن عبد الله الرجل الْكَامِل رَقِيق فلَان باعترافه بذلك لشهوده
ويسوق أَلْفَاظ الْوَصِيَّة على نَحْو مَا تقدم
وهذ الْوَصِيَّة عِنْد أبي حنيفَة صَحِيحَة إِلَى عبد نَفسه بِشَرْط أَن لَا يكون أَوْلَاده كبارًا
وباطلة عِنْد الشَّافِعِي فِي الْحَالَتَيْنِ
وَإِن كَانَ قد أوصى إِلَى فَاسق مثل صَاحب مكس
فَعِنْدَ أبي حنيفَة: إِذا كَانَ أوصى فَاسِقًا وَلم يُخرجهُ الْحَاكِم من الْوَصِيَّة
نفذ تصرفه
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد: أَنَّهَا تصح وَيضم الْحَاكِم إِلَيْهِ أَمينا وَهِي اخْتِيَار الْخرقِيّ
فيرفع وَصيته إِلَى حَاكم حنبلي يرى الْعَمَل بالرواية الْأُخْرَى وَيحكم بموجبها مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ
وَصُورَة الْوَصِيَّة إِلَى الصَّبِي الْمُمَيز: أوصى فلَان إِلَى فلَان الصَّبِي الْمُمَيز وَيجْرِي الْوَصِيَّة إِلَى آخرهَا بشروطها وَهَذِه الْوَصِيَّة صيحيحة عِنْد مَالك وَأحمد
وَفِي أحد الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ
وباطلة عِنْد أبي حنيفَة
وَفِي القَوْل الآخر عَن الشَّافِعِي فيرفع إِلَى حَاكم يرى صِحَّتهَا ليثبتها وَيحكم بِالْمُوجبِ مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ
وَصُورَة وَصِيَّة الصَّبِي إِلَى آخر فِيمَا هُوَ وصّى فِيهِ إِن كَانَ الْمُوصي الأول جعل لَهُ ذَلِك: أوصى فلَان إِلَى فلَان الْوَصِيّ على أَيْتَام فلَان الَّذِي أوصى إِلَيْهِ من قبل تَارِيخه الْوَصِيَّة الشَّرْعِيَّة وَجعل لَهُ أَن يُوصي بهَا ويسندها إِلَى من أَرَادَ بِمُقْتَضى كتاب الْوَصِيَّة الْمحْضر من يَده المتضمن لذَلِك وَغَيره المؤرخ بِكَذَا الثَّابِت مضمونه لَدَى الْحَاكِم الْفُلَانِيّ المؤرخ ثُبُوته بِكَذَا
وَإِن كَانَ قد أوصى إِلَيْهِ رجل وَلم يَجْعَل لَهُ أَن يُوصي فأوصى هُوَ بِتِلْكَ الْوَصِيَّة فَيكْتب الْوَصِيَّة إِلَى آخر
وَلَا يتَعَرَّض إِلَى ذكر أَنه جعل لَهُ أَن يُوصي وَيثبت عِنْد القَاضِي الْحَنَفِيّ وَيحكم بِمُوجبِه مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ
стр. 364
وَصورتهَا: أوصى فلَان إِلَى فلَان فِيمَا هُوَ وصّى فِيهِ أَو بِمَا وصّى فِيهِ عَن فلَان أَو أسْند فلَان إِلَى فلَان وَصِيَّة فلَان المسندة إِلَيْهِ على أَوْلَاده لصلبه بِمُقْتَضى كتاب الْوَصِيَّة الَّذِي من مضمونه: أَنه أوصى إِلَيْهِ فِي كَذَا وَكَذَا
المؤرخ بِكَذَا الثَّابِت مَعَ قبُوله إِيَّاهَا بِمَجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ الثُّبُوت الشَّرْعِيّ أَن يحْتَاط على مَا هُوَ تَحت يَده من تَرِكَة فلَان الْمَذْكُور أَعْلَاهُ لأولاده الصغار فلَان وَفُلَان من عين وَدين وقماش وأثاث ورقيق وحيوان وصامت وناطق وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مفروز معِين مَعْزُول عَن ملك نَفسه مضبوط مُحَرر بأوراق مشمولة بخطوط الْعُدُول المندوبين لذَلِك من مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ
وَأَن يتسلم ذَلِك جَمِيعه وينقله إِلَى تَحت يَده وَينظر للأيتام الْمَذْكُورين فِيهِ ويتصرف لَهُم بِسَائِر التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة على القوانين الْمُعْتَبرَة المرضية بِمَا فِيهِ الْحَظ والمصلحة وَالْغِبْطَة لَهُم من البيع وَالشِّرَاء وَالْأَخْذ وَالعطَاء وَيذكر الْكسْوَة وَالنَّفقَة عَلَيْهِم حَسْبَمَا أوصى إِلَيْهِ والدهم ويكمل
وَقد تقدم أَن هَذِه الْوَصِيَّة صَحِيحَة عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ سَوَاء كَانَ قد أذن لَهُ أَن يُوصي إِلَى معِين أَو إِلَى غير معِين
وَهِي صَحِيحَة أَيْضا عِنْد مَالك إِذا أطلق وَلم يَنْهَهُ عَن الْوَصِيَّة أَو كَانَ قد أذن لَهُ أَن يُوصي خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي وَأظْهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد
وَصُورَة الْوَصِيَّة لمَسْجِد بني فلَان: أوصى فلَان لمَسْجِد بني فلَان ويصفه ويحدده بِكَذَا وَكَذَا وَصِيَّة صَحِيحَة شَرْعِيَّة
وَهَذِه الْوَصِيَّة صَحِيحَة عِنْد الثَّلَاثَة خلافًا لأبي حنيفَة
وَإِن قَالَ الْوَصِيّ: أوصيت إِلَى مَسْجِد بني فلَان بِكَذَا يصرف ذَلِك فِي مَصَالِحه
وَقد ارْتَفع الْخلاف وَزَالَ الْإِشْكَال
وَتَكون الْوَصِيَّة أَيْضا صَحِيحَة عِنْد أبي حنيفَة
وَصُورَة الْوَصِيَّة لبني فلَان وَهِي تتَنَاوَل الذُّكُور دون الْإِنَاث بالِاتِّفَاقِ: أوصى فلَان لبني فلَان بِجَمِيعِ الثُّلُث من مَاله المخلف تَرِكَة عِنْد بعد وَفَاء دُيُونه وَصرف مُؤنَة تَجْهِيزه وتكفينه ومواراته فِي حفرته يصرف على الْمُوصي لَهُم الذُّكُور دون الْإِنَاث بَينهم على مُقْتَضى الشَّرِيعَة المطهرة الْمُقْتَضِيَة التَّسْوِيَة وَصِيَّة صَحِيحَة شَرْعِيَّة
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَكَذَلِكَ إِذا أوصى لولد فلَان
فَإِنَّهُ يتَنَاوَل الذُّكُور وَالْإِنَاث بَينهم بِالسَّوِيَّةِ
وَصُورَة إِسْنَاد نظر من نَاظر شَرْعِي:
стр. 365
أشهد عَلَيْهِ فلَان وَهُوَ النَّاظر الشَّرْعِيّ فِي الْأَمَاكِن الْآتِي ذكرهَا وَفِي أَمر الْأَمَاكِن الْمَوْقُوفَة عَلَيْهَا وَله ولَايَة الْإِسْنَاد فِي ذَلِك شرعا شُهُوده إشهادا شَرْعِيًّا: أَنه أسْند النّظر فِي أَمر كَذَا وَكَذَا وتوصف الْأَمَاكِن وتحدد وَفِي أَمر مَا هُوَ مَوْقُوف على ذَلِك بالبلاد الْفُلَانِيَّة وأعمالها وَفِي جَمِيع مَاله فِيهِ النّظر شرعا إِلَى فلَان الْفُلَانِيّ إِسْنَادًا صَحِيحا شَرْعِيًّا وفوض إِلَيْهِ النّظر فِي ذَلِك كُله تفويضا صَحِيحا شَرْعِيًّا اسْتَفَادَ بِهِ التَّصَرُّف فِي ذَلِك
وَفِي أوقافه الْمشَار إِلَيْهَا
وَفِي جَمِيع مَا للمسند الْمشَار إِلَيْهِ النّظر فِيهِ شرعا بِسَائِر التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة على مَا مُقْتَضى شَرط الْوَاقِف رَحمَه الله تَعَالَى بِحكم النّظر الصَّحِيح الشَّرْعِيّ الْمسند إِلَيْهِ من الْمسند
وَصَارَت الْأَمَاكِن الْمَذْكُورَة كلهَا بِحكم هَذَا الْإِسْنَاد: جَارِيَة تَحت نظر الْمسند إِلَيْهِ يتَصَرَّف فِي ذَلِك تصرف النظار التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة بالوجوه الْجَائِزَة شرعا الْمُوَافقَة لشرط الْوَاقِف الْمَذْكُور
وَاسْتقر لَهُ من الْمَعْلُوم على ذَلِك جَمِيعه مَا كَانَ مُسْتَقرًّا للمسند الْمشَار إِلَيْهِ أُسْوَة من تقدمه من النظار على ذَلِك
وَجعل الْمسند الْمشَار إِلَيْهِ للمسند إِلَيْهِ الْمَذْكُور: أَن يسند ذَلِك إِلَى من شَاءَ ويفوضه إِلَى من يرى ويستنيب فِيهِ من أَرَادَ على الْوَجْه الشَّرْعِيّ السائغ فِي مثله حَسْبَمَا هُوَ مجعول لَهُ وَلمن يؤل النّظر إِلَيْهِ من الْوَاقِف الْمشَار إِلَيْهِ نَاظرا بعد نَاظر
قبل ذَلِك مِنْهُ قبولا شَرْعِيًّا
ويؤرخ
وَصُورَة وَصِيَّة
وصدرها يصلح أَن يكْتب عَن صَالح زاهد متدين: أوصى العَبْد الْفَقِير إِلَى ربه الْمُعْتَرف بِذَنبِهِ المبتهل فِي الْعَفو إِلَيْهِ الواثق بصفحه عَنهُ عِنْد الْقدوم عَلَيْهِ وَالْعرض بَين يَدَيْهِ الْحسن الظَّن بأفعاله الْمعول على جوده الْمُعْتَمد على كرمه وسعة رَحمته وجزيل إفضاله الآمل فيض عطائه ورضوانه الراجي تجاوزه عَن سيئاته بغفرانه فِي حَال كَذَا اقْتِدَاء بِأَفْعَال أولي الْعَزْم ومبالغة فِي الِاحْتِيَاط والحزم واعتمادا على مَا ورد فِي الْخَبَر عَن سيد الْبشر من النّدب إِلَى الْوَصِيَّة والحث عَلَيْهَا
إِذْ كَانَت من مؤكدات الشَّرِيعَة وَالْأَحْكَام النافذة الرفيعة أوصى الْمُوصي الْمَذْكُور وَهُوَ يشْهد بِمَا شهد الله بِهِ لنَفسِهِ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم من خلقه: أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم القَاضِي على خلقه بالفناء المحتوم شَهَادَة بريئة من أَسبَاب النِّفَاق مَوْقُوفَة على الْإِخْلَاص والاتفاق وَأَن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي أَمر بِالْوَصِيَّةِ وحث عَلَيْهَا وشرعها لأمته وَندب إِلَيْهَا
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه نُجُوم الظلام وَهُدَاة المهتدين إِلَى تَقْرِير أَحْكَام شرائع الْإِسْلَام صَلَاة دائمة على ممر الدهور والأعوام
أوصى هَذَا الْمُوصي الْمشَار إِلَيْهِ أطلع الله من بروج مَعْرفَته كواكب الْعِنَايَة وَنشر
стр. 366
لَهُ فِي رياض حَضرته أَعْلَام الْولَايَة وأظهره على خفايا الْأَسْرَار وكشف لَهُ عَن حقائق الْآخِرَة
وَهُوَ فِي هَذِه الدَّار أَنه مَتى وافاه حمامه وَانْقَضَت أعوامه وشهوره وأيامه ودنا إِلَى الْآخِرَة رحيله وَانْقطع من الْحَيَاة رجاؤه وتأميله وَلحق من سلف من الْقُرُون وَمضى وَنفذ أَجله وانقضى وسلك سَبِيلا يتساوى فِيهِ الشريف والمشروف
وَصَارَ أَمن كل وَاحِد عَلَيْهِ مَوْقُوف
وَأسْندَ الْوَصِيَّة إِلَى فلَان
ويكمل ويؤرخ
وَصُورَة وَصِيَّة نَصْرَانِيّ لمُسلم وفيهَا يقدم اسْم الْمُسلم على النَّصْرَانِي: هَذِه وَصِيَّة لفُلَان الْمُسلم من فلَان النَّصْرَانِي عِنْد مَا سَأَلَهُ فِي ذَلِك
أوصى إِلَيْهِ وَهُوَ فِي صِحَة عقله وَمرض جِسْمه وَجَوَاز أمره وَهُوَ دَاخل تَحت مِلَّته وَدينه مقرّ بمذهبه ومعتقده ومعبوده على قدر يقينه جَائِز التَّصَرُّف فِي أَمْوَاله على عَادَة أَمْثَاله
وَتَحْت ظلال هَذِه الدولة الشَّرِيفَة
راتع فِي ظلال عدلها الوريفة أَنه مَتى هلك وَعجل الله بِرُوحِهِ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ
فليبدأ فلَان الْمُوصي لاحتياط على جَمِيع موروثه المخلف عِنْد يَوْم ذَاك
ويكمل على نَحْو مَا سبق
فصل: فِي الشَّهَادَة بعدالة الْوَصِيّ
: إِذا مَاتَ الْمُوصي واحتيج إِلَى ثُبُوت الْوَصِيَّة يكْتب فِي هامشها: يشْهد من يضع خطه فِيهِ بِمَعْرِِفَة فلَان الْمُوصي إِلَيْهِ الْمعرفَة الشَّرْعِيَّة وَيشْهدُونَ مَعَ ذَلِك أَنه عدل أَمِين كَاف للتَّصَرُّف أهل لما أسْند إِلَيْهِ من الْإِيصَاء الْمَشْرُوع فِيهِ
وَأَن ضمنه الْوَفَاء وَالْقَبُول كتب وبقبول لذَلِك بعد وَفَاة الْمُوصي الْمَذْكُور الْقبُول الشَّرْعِيّ
ويؤرخ
وَصُورَة مَا إِذا عزل الْوَصِيّ وَصِيَّة وَأقَام غَيره: حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان وَأشْهد عَلَيْهِ: أَنه عزل فلَانا عَن وَصيته الَّتِي كَانَ أسندها وفوضها إِلَيْهِ من قبل تَارِيخه عزلا شَرْعِيًّا
وَرجع عَن ذَلِك فِي حَقه رُجُوعا شَرْعِيًّا
وأبطل مَا كَانَ جعله لَهُ من ذَلِك وَأخرجه مِنْهُ وَأَنه أسْند وَصيته الْمَذْكُورَة لفُلَان
وَجعله وَصِيّا عَنهُ فِي ذَلِك كُله
وأقامه مقَام نَفسه
وَأشْهد عَلَيْهِ بذلك
وَإِن كَانَ مَكْتُوب الْوَصِيَّة حَاضرا
كتب هَذَا الْفَصْل فِي هامشه
فَائِدَة: أوصى للْعُلَمَاء أَو لأهل الْعلم: صرف للْعُلَمَاء بِالشَّرْعِ دون غَيرهم وهم أهل التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه
وَلَا يدْخل فِيهِ الَّذين يسمعُونَ الحَدِيث وَلَا علم لَهُم بِطرقِهِ وَأَسْمَاء الرِّجَال والمتون
فَإِن السماع الْمُجَرّد لَيْسَ بِعلم
وَلَا يدْخل أَيْضا المقرئون ومعبرو الرُّؤْيَا والأدباء والأطباء والمنجمون والحساب والمهندسون والمتكلمون
стр. 367
وَإِن أوصى للفقهاء أَو المتفقهة أَو للصوفية: صرف إِلَى من حصل من الْفِقْه شَيْئا وَإِن قل
والمتفقهة هم المشتغلون بتحصيل الْفِقْه المبتدىء والمنتهي على خلاف فِيهِ
والصوفية المشتغلون بِالْعبَادَة فِي غَالب الْأَوْقَات المعرضون عَن الدُّنْيَا
وَلَو أوصى لأجهل النَّاس صرف إِلَى عَبده الْأَوْثَان
فَإِن قَالَ: (من الْمُسلمين) صرف إِلَى من يسب الصَّحَابَة
﵃ أَجْمَعِينَ
ضَابِط: إِذا توفّي الْوَصِيّ وَقبل الْمُوصي الْوَصِيَّة وَثَبت على حَاكم الشَّرِيعَة المطهرة مَا يعْتَبر ثُبُوته فِيهَا بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيّ واحتيج إِلَى الحوطة على تَرِكَة الْمُتَوفَّى بِحُضُور شَاهِدي الْوَصِيَّة
أَو غَيرهمَا كتب فِي أول قَائِمَة أوراق عرض الْمَوْجُود المخلف عَن فلَان الْمُتَوفَّى إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قبل تَارِيخه المنحصر إِرْثه الشَّرْعِيّ فِي زَوجته فُلَانَة وَأَوْلَاده مِنْهَا أَو من غَيرهَا أَو مِنْهَا وَمن غَيرهَا فلَان وَفُلَان وَفُلَان ويميز الْبَالِغ بِالْبُلُوغِ ويميز الْقَاصِر عَن دَرَجَة الْبلُوغ الدَّاخِل تَحت وَصِيَّة فلَان الْمسند إِلَيْهِ من أَبِيه الْمَذْكُور مِمَّا عرض ذَلِك بِحُضُور فلَان الْوَصِيّ على التَّرِكَة والأيتام الْمَذْكُورين وَحُضُور من سيضع خطه بِظَاهِرِهِ من الْعُدُول المندوبين لذَلِك من مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ فِي تَارِيخ كَذَا
وَيكْتب فِي الْهَامِش الْأَيْمن: النَّقْد كَذَا والقماش كَذَا
ويفصل النَّقْد: هرجه وأفلوريه وأشرفية وَفِضة مَا يُوزن بوزنه وَمَا يعد بعدته
ويفصل القماش قِطْعَة قِطْعَة وَيذكر نوعها وصفتها ثمَّ يكْتب الْكتب ويصفها بأسمائها وعدة أَجْزَائِهَا ثمَّ السِّلَاح ثمَّ الْعقار ثمَّ مساطير الدُّيُون وَيضمن هَذِه الأوراق ذكر جَمِيع الْمَوْجُود والمخلف وينبه على مَا يدْخل تَحت الْخَتْم مِنْهُ وَمَا لم يدْخل فَإِذا انْتهى ذَلِك جَمِيعه سد القوائم وَذكر عدتهَا فِي رسم شَهَادَته كَيْلا تسْقط قَائِمَة أَو تسرق ويشبك القوائم وَيكْتب شُهُود الْعرض بِظَاهِر أول قَائِمَة حضرت ذَلِك وَالْأَمر على مَا نَص وَشرح فِيهِ
وعدة هَذِه القوائم كَذَا وَكَذَا قَائِمَة
كتبه ثمَّ تُوضَع هَذِه القوائم فِي خزانَة أَو حَاصِل وَيقف عَلَيْهَا بقفل وَيخْتم وَيُعْطى الْخَتْم للْوَصِيّ أَو يَجْعَل عِنْد الشُّهُود
فَإِذا أَرَادوا الْمَبِيع حضر الْوَصِيّ وَالشُّهُود وَغير الْمَحْجُور عَلَيْهِ من الْوَرَثَة أَو وَكيله وَيفتح الْحَاصِل وَيخرج مَا فِيهِ وَيُبَاع كل شَيْء فِي سوقه بِحَضْرَة الشُّهُود
كِتَابَة أوراق الْمَبِيع: أَن يكْتب الشَّاهِد فِي رَأس الْقَائِمَة: الْمَبِيع من تَرِكَة فلَان الْمُتَوفَّى إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قبل تَارِيخه ويستوفي ذكر جَمِيع مَا فِي أوراق الْعرض إِلَى
стр. 368
أَن يَنْتَهِي من ذكر الْوَرَثَة ثمَّ يَقُول: مِمَّا تولى بيع ذَلِك فلَان الْوَصِيّ الشَّرْعِيّ على التَّرِكَة الْمَذْكُورَة فلَان الْوَارِث أَو وَكيله الشَّرْعِيّ بِحَضْرَة شُهُوده دلَالَة فلَان وَصرف فلَان بِالسوقِ الْفُلَانِيّ فِي تَارِيخ كَذَا ثمَّ يكْتب القماش أَولا قِطْعَة قِطْعَة أَو غَيره بِحَسب ذَلِك السُّوق
فَإِن كَانَ فِيهِ سلَاح بَدَأَ بِالسِّلَاحِ
وَكلما بِيعَتْ قِطْعَة كتب ثمنهَا مقابلها فِي الْهَامِش الْأَيْسَر وَاسم مشتريها فِي الْوسط بَين الهامشين والدلال تَحت اسْم المُشْتَرِي وشطب عَلَيْهَا فِي أوراق الْعرض إِلَى أَن يَنْتَهِي ذَلِك السُّوق يجمل ثمن الْمَبِيع وَيصرف من ذَلِك مَا يَنْبَغِي صرفه
مثل دلَالَة كَذَا أَو أُجْرَة حَانُوت كَذَا من عمالة الشُّهُود كَذَا إِلَى أَن يَنْتَهِي المصروف ويبرز الْبَاقِي
فَإِن تسلمه الْوَصِيّ كتب: مِمَّا تسلم ذَلِك الْوَصِيّ الْمَذْكُور
وَإِن اسْتمرّ فِي جِهَة أربابه كتب: مِمَّا هُوَ مُسْتَقر فِي جِهَة أربابه وعَلى الصَّيْرَفِي الْمَذْكُور استخراجه
وَإِن كَانَ تَحت يَد الصَّيْرَفِي كتب: مِمَّا اسْتَقر حَاصِل الصَّيْرَفِي الْمَذْكُور
وَهَكَذَا إِلَى أَن يَنْتَهِي الْمَبِيع بأسواقه وَيكْتب الشَّاهِد بمبيع كل سوق مخزومة
وَإِن كَانَ الْمَبِيع فِي سوق وَاحِد فلمبيع كل يَوْم مخزومة ويشملها هُوَ ورفيقه بخطهما
وتسلم للْوَصِيّ حَتَّى يطمئن قلبه
وَصُورَة مَا يكْتب فِي المخزومة: مخزومة مباركة بِمَا بيع من تَرِكَة فلَان بِمُبَاشَرَة وَصِيَّة فلَان وَزَوجته فُلَانَة أَو وكيلها الشَّرْعِيّ فلَان بِالسوقِ الْفُلَانِيّ صرف فلَان مِمَّا تسلم ذَلِك الْوَصِيّ الْمَذْكُور أَو مِمَّا اسْتَقر حَاصِل الصَّيْرَفِي الْمَذْكُور فِي تَارِيخ كَذَا وَكَذَا مبلغ كَذَا وَكَذَا المصروف من ذَلِك كَذَا البارز كَذَا
فَإِذا تكملت الْأَسْوَاق بِالْبيعِ وَلم يبْق شَيْء من الْمَوْجُود
كتب جَامِعَة بِجَمِيعِ الْأَسْوَاق
وَصورتهَا: جَامِعَة مباركة تشْتَمل على جَمِيع مَا تحصل من ثمن الْمَوْجُود المخلف عَن فلَان
الْمُتَوفَّى إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قبل تَارِيخه المنحصر إِرْثه الشَّرْعِيّ فِي زَوجته فُلَانَة وَأَوْلَاده مِنْهَا أَو من غَيرهَا فلَان وَفُلَان وَفُلَان كَمَا تقدم مِمَّا تولى بيع ذَلِك وَقبض ثمنه وَصِيَّة الشَّرْعِيّ فلَان وَزَوجته الْمَذْكُورَة أَو وكيلها فلَان مِمَّا حرر ذَلِك مخصوما مساقا مُضَافا إِلَى ذَلِك مَا يجب إِضَافَته من اسْتِقْبَال يَوْم كَذَا وَإِلَى كَذَا بِحُضُور من سيضع خطه بِظَاهِرِهِ من الْعُدُول
صرف فلَان الْفُلَانِيّ بتاريخ كَذَا وَكَذَا ويفصل الْأَسْوَاق كل سوق بِبيعِهِ وَجُمْلَته ومصروفه وبارزه مستدلا على ذَلِك من المخازيم
وَإِن شَاءَ كتب ثمن الْمَبِيع جملَة وَاحِدَة وَكتب المصروف جملَة وَاحِدَة وَيكْتب البارز بعد ذَلِك للْقِسْمَة كَذَا وَكَذَا
ثمَّ يقسم بَين الْوَرَثَة على قدر حصصهم بالفريضة الشَّرْعِيَّة
стр. 369
ويتسلم الْوَصِيّ حصص محاجيره ثمَّ يكْتب بعد ذَلِك فرض الْحَاكِم الْمَحْجُور فِي مَاله مُطلقًا
وَسَيَأْتِي فِي صُورَة الْفَرْض فِي كتاب النَّفَقَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَإِذا أَرَادَ المشترون أوراقا بِالَّذِي اشتروه من التَّرِكَة ليقبضوا ثمنه: كتب لكل وَاحِد ورقة
صورتهَا: من جِهَة فلَان الْفُلَانِيّ
ثمن مَا ابتاعه من تَرِكَة فلَان بِمُبَاشَرَة وَصِيّه فلَان بِالسوقِ الْفُلَانِيّ كَذَا وَكَذَا ويفصل ثمَّ كَذَا كَذَا وَكَذَا وَثمن كَذَا كَذَا وَكَذَا إِلَى أَن يَأْتِي بالتفصيل على الْجُمْلَة بالمطابقة وَالصِّحَّة ثمَّ يَقُول: صرف فلَان أَو جباية فلَان
ويؤرخ
وَيكْتب الْوَصِيّ علامته فِي أَعلَى الطرة أَو اسْمه وَالشُّهُود إِلَى جَانِبه
فَإِذا قبض الصَّيْرَفِي: أشهد عَلَيْهِ فِي ظَاهر الْوُصُول بِالْقَبْضِ وَيُعْطِيه للْمُشْتَرِي
وَالله أعلم
стр. 370
كتاب الْوَدِيعَة
وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْأَحْكَام
(الْوَدِيعَة) مُشْتَقَّة من السّكُون فَكَأَنَّهَا عِنْد الْمُودع سَاكِنة مُسْتَقِرَّة
وَقيل: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من الدعة فَكَأَنَّهَا فِي دعة عِنْد الْمُودع وَالْأَصْل فِي الْوَدِيعَة: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
أما الْكتاب: فَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿فليؤد الَّذِي اؤتمن أَمَانَته﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن أهل الْكتاب من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار لَا يؤده إِلَيْك﴾ فَدلَّ على أَن للأمانة أصل فِي الشَّرْع
وَأما السّنة: فَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك) أَي لَا تقابله بخيانة
وَرُوِيَ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَت عِنْده ودائع بِمَكَّة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يُهَاجر تَركهَا عِنْد أم أَيمن
وَخلف عليا ليردها على أَهلهَا)
وَأما الْإِجْمَاع: فَإِن الْأمة أَجمعت على جَوَاز الْإِيدَاع
وَالنَّاس فِي قبُول الْوَدِيعَة على ثَلَاث أضْرب
ضرب: يعلم من نَفسه الْقُدْرَة على حفظهَا ويأمن من نَفسه الْخِيَانَة فِيهَا وَلَا يخَاف التّلف عَلَيْهَا إِن لم يقبلهَا
فَهَذَا يسْتَحبّ لَهُ قبُولهَا لقَوْله تَعَالَى: ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَلَا
стр. 371
يجب عَلَيْهَا قبُولهَا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة بِهِ إِلَى ذَلِك
وَضرب: يجب عَلَيْهِ قبُولهَا وَهُوَ أَن يَأْتِي رجل بِمَال ليودعه فِي مَكَان عِنْد رجل وَلَيْسَ هُنَاكَ من يصلح لحفظها إِلَّا هُوَ
وَيعلم أَنه إِن لم يقبل ذَلِك مِنْهُ هلك المَال
فَيجب عَلَيْهِ الْقبُول لقَوْله ﵊: (حُرْمَة مَال الْمُؤمن كَحُرْمَةِ دَمه) وَلَو خَافَ على دَمه وَقدر على الدّفع عَنهُ ولوجب عَلَيْهِ ذَلِك
وَكَذَلِكَ مَاله
فَإِن لم يقبلهَا أَثم لما ذَكرْنَاهُ
وَلَا يضمن المَال إِذا تلف لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ تعد فَهُوَ كَمَا لَو قدر على الدّفع عَن نفس غَيره وَلم يدْفع عَنهُ حَتَّى قتل
وَضرب: يكره لَهُ قبُولهَا وَهُوَ من يعلم من حَال نَفسه الْعَجز عَن حفظ الْوَدِيعَة أَو لَا يَأْمَن من نَفسه الْخِيَانَة فَلَا يغرر بِمَال غَيره ويعرض نَفسه للضَّمَان
فَإِن قبلهَا لم يجب عَلَيْهِ الضَّمَان إِلَّا بِالتَّعَدِّي
وَيعْتَبر فِي الْمُودع وَالْمُودع مَا يعْتَبر فِي الْمُوكل وَالْوَكِيل
وَلَا بُد من صِيغَة من الْمُودع بِأَن يَقُول: استودعتك هَذَا المَال أَو استحفظتك إِيَّاه أَو استنبتك فِي حفظه
وَالْأَظْهَر: أَنه لَا يعْتَبر الْقبُول بِاللَّفْظِ وَيَكْفِي الْقَبْض وَلَو أودعهُ صبي أَو مَجْنُون مَالا لم يقبله
فَإِن قبل ضمن
وَلَو أودع مَالا عِنْد صبي فَتلف عِنْده لم يضمنهُ
وَلَو أتْلفه فَالْأَظْهر: أَنه يضمن وَالسَّفِيه كَالصَّبِيِّ فِي إيداعه
وترتفع الْوَدِيعَة بِمَوْت الْمُودع وَالْمُودع وبالجنون وَالْإِغْمَاء
وللمودع أَن يستردها مَتى شَاءَ
وللمودع كَذَلِك
وَالْأَصْل فِي الْوَدِيعَة: الْأَمَانَة
وَقد تصير مَضْمُونَة بعوارض
مِنْهَا: أَن يودع غَيره بِغَيْر إِذن الْمَالِك من غير عذر
فَيضمن
وَمِنْهَا: إِذا أودع القَاضِي على وَجه أَنه لَا يضمن
وَإِذا لم تزل يَده عَن الْوَدِيعَة فَلَا بَأْس بالاستعانة بِغَيْرِهِ بِأَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ ليحملها إِلَى الْحِرْز أَو ليضعها فِي الخزانة الْمُشْتَركَة بَينهمَا
وَإِذا أَرَادَ سفرا فليردها إِلَى الْمُودع أَو وَكيله
فَإِن لم يظفر بهما دَفعهَا إِلَى القَاضِي
فَإِن لم يجده فَإلَى أَمِين
فَإِن دَفنهَا فِي مَوضِع وسافر ضمن إِلَّا أَن يعلم بهَا أَمِين يسكن ذَلِك الْموضع فَلَا
стр. 372
يضمن فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
وَلَو سَافر بهَا ضمن إِلَّا إِذا وَقع حريق أَو غَارة وَعجز عَمَّن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ عَن مَا ذكرنَا
وَوُقُوع الْحَرِيق والإغارة فِي الْبقْعَة وإشراف الْحِرْز على الخراب: أعذار
وَإِذا وَقع الْمُودع فِي مرض الْمَوْت: فَيَنْبَغِي أَن يرد الْوَدِيعَة إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله وَإِلَّا فيودعها عِنْد الْحَاكِم أَو أَمِين أَو يُوصي بهَا
فَإِن لم يفعل ضمن إِلَّا إِذا لم يجد الفرصة
بِأَن مَاتَ فَجْأَة أَو قتل غيلَة
وَمِنْهَا: إِذا نقل الْوَدِيعَة من محلّة إِلَى محلّة أَو من دَار إِلَى دَار
وَالْمَنْقُول مِنْهُ أحرز: ضمن وَإِن تَسَاويا أَو كَانَ الْمَنْقُول إِلَيْهِ أحرز: فَلَا ضَمَان
وَمِنْهَا: أَنه لَا يدْفع فِي مهلكات الْوَدِيعَة
فَلَو أودعهُ دَابَّة
فَترك عَلفهَا ضمن إِلَّا أَن ينهاه عَنهُ فَلَا يضمن على الْأَصَح
ثمَّ لَا يلْزمه الْعلف من مَاله بل يعلف بِمَا دفع إِلَيْهِ الْمَالِك
فَإِن لم يدْفع إِلَيْهِ شَيْئا رَاجعه أَو وَكيله
فَإِن لم يجدهما رفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم
وَلَو بعثها مَعَ من يسقيها لم يضمن على الْأَظْهر
وعَلى الْمُودع تَعْرِيض ثِيَاب الصُّوف للريح كَيْلا يُفْسِدهَا الدُّود
وَكَذَا لبسهَا عِنْد الْحَاجة
وَمِنْهَا: لَو عدل عَن الْحِفْظ على الْوَجْه الْمَأْمُور بِهِ إِلَى غَيره وَتَلفت الْوَدِيعَة بِسَبَب الْوَجْه المعدول إِلَيْهِ ضمن
فَلَو قَالَ: لَا ترقد على الصندوق فرقد وانكسر رَأس الصندوق بثقله وَتلف مَا فِيهِ ضمن
وَإِن تلف بِسَبَب آخر لم يضمن على ظَاهر الْمَذْهَب: وَكَذَا لَو قَالَ: لَا تقفل عَلَيْهِ فأقفل
وَلَو قَالَ: اربط هَذِه الدَّرَاهِم فِي كمك فَأَمْسكهَا فِي يَده فَتلفت
فَالْأَصَحّ: أَنه يضمن إِن ضَاعَت بنوم أَو نِسْيَان
وَلَا يضمن إِن أَخذهَا غَاصِب
وَلَو جعلهَا فِي جيبه بَدَلا عَن الرَّبْط فِي الْكمّ لم يضمن
وَبِالْعَكْسِ يضمن
وَلَو سلم إِلَيْهِ الدَّرَاهِم فِي السُّوق وَلم يبين كَيْفيَّة الْحِفْظ فربطها فِي الْكمّ وأمسكها فِي الْيَد
فقد بَالغ فِي الْحِفْظ
وَكَذَا لَو جعلهَا فِي جيبه
وَلَو أمْسكهَا بِيَدِهِ وَلم يربطها فِي الْكمّ لم يضمن إِن أَخذهَا غَاصِب وَيضمن إِن تلفت بغفلة أَو نوم وَلَو أَنه لما سلمهَا إِلَيْهِ فِي السُّوق قَالَ: احفظها فِي الْبَيْت
فَيَنْبَغِي أَن يمْضِي إِلَيْهِ ويحرزها فِيهِ وَلَو أخر من غير عذر ضمن
стр. 373
وَمِنْهَا: إِذا ضيع الْوَدِيعَة بِأَن جعلهَا فِي مضيعة أَو فِي غير حرز مثلهَا أَو سعى بهَا إِلَى من يضارر الْمَالِك أَو دلّ عَلَيْهَا السَّارِق: ضمن
وَلَو أكرهه الظَّالِم حَتَّى سلمهَا إِلَيْهِ
فَالظَّاهِر: أَن للْمَالِك مُطَالبَته بِالضَّمَانِ ثمَّ يرجع هُوَ على الظَّالِم
وَمِنْهَا: الِانْتِفَاع بالوديعة كلبس الثَّوْب وركوب الدَّابَّة خِيَانَة مضمنة
وَكَذَا أَخذ الثَّوْب للبس وَالدَّرَاهِم للإنفاق
وَلَو نوى الْأَخْذ وَلم يَأْخُذ لم يضمن على الْأَظْهر
وَمِنْهَا: إِذا خلط الْوَدِيعَة بِمَال نَفسه وارتفع التَّمْيِيز: ضمن
وَكَذَا لَو خلط دَرَاهِم كيس بِدَرَاهِم كيس آخر من مَال الْمُودع
ضمن فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
وَمِنْهَا: إِذا صَارَت الْوَدِيعَة مَضْمُونَة على الْمُودع بانتفاع وَغَيره ثمَّ إِنَّه ترك الْخِيَانَة: لم يبرأ
وَلم يعد أَمينا إِلَّا إِذا أحدث لَهُ الْمَالِك استئمانا فأظهر الْوَجْهَيْنِ أَنه يبرأ
وَإِذا طلب الْمَالِك الْوَدِيعَة: فعلى الْمُودع الرَّد بِأَن يخلي بَين الْمَالِك وَمَاله فَإِن أخر من غير عذر ضمن
وَإِن ادّعى التّلف وَذكر سَببا خفِيا كالسرقة أَو لم يذكر سَببا صدق بِيَمِينِهِ وَإِن ذكر سَببا ظَاهرا كالحريق فَإِن عرف مَا يَدعِيهِ صدق بِالْيَمِينِ وَإِن لم يعرف عُمُومه
وَإِن عرف فَلَا حَاجَة إِلَى الْيَمين
وَإِن لم يعرف مَا يَدعِيهِ طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ
ثمَّ إِنَّه يحلف على حُصُول الْهَلَاك بِهِ
وَإِن ادّعى الرَّد على الْمَالِك الَّذِي ائتمنه صدق بِيَمِينِهِ
وَإِن ادّعى الرَّد على غير من ائتمنه صدق بِالْبَيِّنَةِ
وَذَلِكَ كَمَا إِذا ادّعى الرَّد على وَرَثَة الْمَالِك وَادّعى وَارِث الْمُودع الرَّد على الْمَالِك أَو أودع عِنْد السّفر أَمينا فَادّعى الْأمين الرَّد على الْمَالِك فَإِنَّهُم يطالبون بِالْبَيِّنَةِ
وجحود الْوَدِيعَة بعد طلب الْمَالِك من أَسبَاب الضَّمَان
هَذَا كَلَام صَاحب الْمُحَرر
وَقَالَ صَاحب الْمقنع: إِذا ادّعى أَنه أودع عِنْد رجل وَدِيعَة وَأنكر الرجل ذَلِك وَقَالَ: مَا أودعتني شَيْئا فَالْقَوْل قَول الْمُودع يحلف أَنه مَا أودعهُ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ إِذا اتفقَا على الْإِيدَاع وَاخْتلفَا فِي رده فَالْقَوْل قَول الْمُودع أَيْضا
فَأَما إِن قَالَ الْمُودع: أَمرتنِي أَن أدفَع الْوَدِيعَة إِلَى زيد وَقد دفعت إِلَيْهِ وَقَالَ صَاحب الْوَدِيعَة: مَا دفعت
فَالْقَوْل قَول صَاحب الْوَدِيعَة حَتَّى يُقيم الْمُودع الْبَيِّنَة أَنه دفع إِلَيْهِ
وَكَذَا إِذا قَالَ صَاحب الْوَدِيعَة: مَا أَمرتك بِالدفع إِلَى زيد
وَقَالَ: أَمرتنِي
فَالْقَوْل قَول صَاحب الْوَدِيعَة أَيْضا حَتَّى يُقيم الْمُودع الْبَيِّنَة: أَنه أمره بِالدفع إِلَى زيد
وَينظر فِي حَال زيد
فَإِن أنكر
стр. 374
أَنه أَخذ مِنْهُ شَيْئا فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
وَإِن أقرّ نظر فِي الْوَدِيعَة
فَإِن كَانَت بَاقِيَة ردَّتْ على صَاحبهَا وَيسْقط الضَّمَان عَنْهُمَا
وَإِن كَانَت تالفة فلصاحبها أَن يُطَالب من شَاءَ من الْمُودع وَمن زيد وَأيهمَا ضمن لم يكن لَهُ أَن يرجع على الآخر
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
: اتّفق الْأَئِمَّة على أَن الْوَدِيعَة من الْقرب الْمَنْدُوب إِلَيْهَا
وَأَن فِي حفظهَا ثَوابًا وَأَنَّهَا أَمَانَة مَحْضَة
وَأَن الضَّمَان لَا يجب على الْمُودع إِلَّا بِالتَّعَدِّي وَأَن القَوْل قَوْله فِي التّلف وَالرَّدّ على الْإِطْلَاق مَعَ يَمِينه
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ قبضهَا بِبَيِّنَة
فالثلاثة على أَنه يقبل قَوْله فِي الرَّد بِلَا بَيِّنَة وَقَالَ مَالك: لَا يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة
وَإِذا استودع دَنَانِير أَو دَرَاهِم أنفقها أَو أتلفهَا ثمَّ رد مثلهَا إِلَى مَكَانَهُ من الْوَدِيعَة ثمَّ تلف الْمَرْدُود بِغَيْر فعله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ عِنْد مَالك
فَإِن عِنْده لَو خلط دَرَاهِم الْوَدِيعَة أَو الدَّنَانِير أَو الْحِنْطَة بِمِثْلِهَا حَتَّى لَا تتَمَيَّز لم يكن ضَامِنا للتلف
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن رده بِعَيْنِه لم يضمن تلفه
وَإِن رد مثله لم يسْقط عَنهُ الضَّمَان
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: هُوَ ضَامِن على كل حَال بِنَفس إِخْرَاجه لتعديه
وَلَا يسْقط عَنهُ الضَّمَان سَوَاء رده بِعَيْنِه إِلَى حرزه أَو رد مثله
وَإِذا استودع ثوبا أَو دَابَّة فتعدى بِالِاسْتِعْمَالِ ثمَّ رده إِلَى مَوضِع آخر
قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب قَالَ مَالك: فِي الدَّابَّة إِذا ركبهَا ثمَّ ردهَا فصاحبها الْمُودع بِالْخِيَارِ بَين أَن يضمنهُ قيمتهَا وَبَين أَن يَأْخُذ مِنْهُ أجرتهَا وَلم يبين حكمهَا إِن تلفت بعد ردهَا مَوضِع الْوَدِيعَة
وَلَكِن يَجِيء على قَوْله: (أَنه يَأْخُذ الْكِرَاء) أَن يكون من ضَمَان الْمُودع وَإِن أَخذ الْقيمَة أَن يكون من ضَمَان الْمُودع
وَلم يقل فِي الثَّوْب: كَيفَ الْعَمَل إِذا لبسه وَلم يبله ثمَّ رده إِلَى حرزه ثمَّ تلف قَالَ: وَالَّذِي يقوى فِي نَفسِي: أَن الشَّيْء إِذا كَانَ مِمَّا لَا يُوزن وَلَا يُكَال كالدواب وَالثيَاب فَاسْتَعْملهُ فَتلف: كَانَ اللَّازِم قِيمَته لَا مثله
فَإِنَّهُ يكون مُتَعَدِّيا بِاسْتِعْمَالِهِ خَارِجا عَن الْأَمَانَة
فَرده إِلَى مَوْضِعه وَلَا يسْقط عَنهُ الضَّمَان بِوَجْه
وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا تعدى ورده بِعَيْنِه ثمَّ تلف
لم يلْزمه ضَمَان
وَاتَّفَقُوا على أَن مَتى طلبَهَا صَاحبهَا وَجب على الْمُودع ردهَا مَعَ الْإِمْكَان وَإِلَّا ضمن
стр. 375
وعَلى أَنه إِذا طَالبه
فَقَالَ: مَا أودعتني ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: ضَاعَت أَنه يضمن بِخُرُوجِهِ عَن حد الْأَمَانَة
فَلَو قَالَ: مَا تسْتَحقّ عِنْدِي شَيْئا ثمَّ قَالَ تسْتَحقّ: كَانَ القَوْل قَوْله
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا سلم الْوَدِيعَة إِلَى عِيَاله فِي دَاره
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: إِذا أودعها عِنْد من تلْزمهُ نَفَقَته من غير عذر لم يضمن
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا أودعها عِنْد غَيره من غير عذر ضمن
المصطلح: وتشتمل صوره على أَنْوَاع مِنْهَا: صُورَة فِي الْوَدِيعَة وحفظها: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَو أقرّ فلَان أَنه قبض وتسلم من فلَان أَو أَن فِي يَده وتسليمه لفُلَان على سَبِيل الْإِيدَاع الشَّرْعِيّ مَا مبلغه كَذَا وَكَذَا مُلْتَزما حفظ هَذِه الْوَدِيعَة وصونها فِي حرز مثلهَا فِي الْمَكَان الَّذِي أمره الْمُودع أَن يَضَعهَا فِيهِ وَحضر الْمُودع الْمَذْكُور وَصدق على ذَلِك التَّصْدِيق الشَّرْعِيّ ويكمل
صُورَة رد الْوَدِيعَة: أقرّ فلَان أَنه قبض وتسلم من فلَان مَا مبلغه كَذَا وَكَذَا قبضا شَرْعِيًّا
وَصَارَ ذَلِك إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ وحوزه
وَذَلِكَ هُوَ الْقدر الَّذِي كَانَ الْقَابِض الْمَذْكُور أودعهُ عَن المقبض الْمَذْكُور من قبل تَارِيخه
وَلم يتَأَخَّر لَهُ من ذَلِك شَيْء قل وَلَا جلّ وَصدقه الدَّافِع الْمَذْكُور على ذَلِك تَصْدِيقًا شَرْعِيًّا
صُورَة رد الْوَدِيعَة مَعَ كَون الْمُودع خَالف وتعدى فَهَلَك بعض الْوَدِيعَة: أشهد عَلَيْهِ فلَان أَنه كَانَ قد استودع من فلَان قبل تَارِيخه مَا مبلغه كَذَا وَكَذَا وَأَن الْمُودع أمره أَن يَضَعهَا فِي جيبه
فوضعها فِي كمه فَسقط مِنْهَا كَذَا وَكَذَا وَصدقه الْمُودع على ذَلِك
واتفقا على أَن يبرىء ذمَّته من مبلغ كَذَا ويغرمه الْبَاقِي من الْهَالِك وَهُوَ كَذَا
فَدفع إِلَيْهِ الْمُودع بَاقِي الْوَدِيعَة وَمَا اتفقَا على تغريمه إِيَّاه
وَجُمْلَته كَذَا
فقضبه مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وَأَبْرَأ ذمَّته من الْقدر الْمُتَّفق على الْإِبْرَاء مِنْهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا
بَرَاءَة شَرْعِيَّة
قبلهَا مِنْهُ قبولا شَرْعِيًّا وتصادقا على ذَلِك كُله تَصَادقا شَرْعِيًّا
انْتهى
стр. 376
كتاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة
وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَحْكَام
الْفَيْء المَال الْحَاصِل من الْكفَّار من غير قتال وَلَا إيجَاف خيل وَلَا ركاب كالجزية وَعشر تجاراتهم الْمَشْرُوطَة عَلَيْهِم إِذا دخلُوا دَار الْإِسْلَام وَمَا جلوا عَنهُ خوفًا وَمَال من مَاتَ أَو قتل على الرِّدَّة وَمَال من مَاتَ من أهل الذِّمَّة وَلَا وَارِث لَهُ
وَذَلِكَ يقسم خَمْسَة أسْهم مُتَسَاوِيَة
ثمَّ يُؤْخَذ أَحدهَا فَيقسم خَمْسَة أسْهم مُتَسَاوِيَة
أَحدهَا الْمُضَاف إِلَى الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ
وَيصرف فِي مصَالح الْمُسلمين
كسد الثغور وأرزاق الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء يقدم الأهم فالأهم
وَالثَّانِي يصرف إِلَى أقَارِب رَسُول الله ﷺ المنتسبين إِلَى هَاشم وَالْمطلب يشْتَرك فِيهِ الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالذكر وَالْأُنْثَى
ويفضل الذّكر على الْأُنْثَى كَمَا فِي الْمِيرَاث
وَالثَّالِث يصرف إِلَى الْيَتَامَى واليتيم الصَّغِير الَّذِي لَا أَب لَهُ وَيشْتَرط فِي اسْتِحْقَاقه الْفقر على الْأَظْهر
وَالرَّابِع يصرف إِلَى الْمَسَاكِين
وَالْخَامِس إِلَى أَبنَاء السَّبِيل
وَسَيَأْتِي بَيَان الصِّنْفَيْنِ الباقيين فِي كتاب قسم الصَّدقَات وَهل يعم ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَأَبْنَاء السَّبِيل أَو يخصص الْحَاصِل فِي كل نَاحيَة بِمن فِيهَا من هَؤُلَاءِ فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا الأول
وَأما الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة فَإِنَّهَا كَانَت لرَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته مَضْمُومَة إِلَى خمس الْخمس
وَبعده الْأَصَح أَنَّهَا للمرتزقة المرصدين للْجِهَاد
وَيَنْبَغِي أَن يضع الإِمَام ديوانا وَينصب لكل جمَاعَة أَو قَبيلَة عريفا ويبحث عَن
стр. 377
حَال كل وَاحِد وَعِيَاله وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ
فيعطيه مَا يَكْفِيهِ مُؤْنَته ومؤنتهم
وَيقدم فِي إِثْبَات الِاسْم والإعطاء قُريْشًا
وهم ولد النَّضر بن كنَانَة وَمِنْهُم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب ثمَّ بَنو عبد شمس ثمَّ بَنو نَوْفَل ثمَّ بَنو عبد الْعُزَّى ثمَّ سَائِر الْبُطُون الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب إِلَى رَسُول الله ﷺ
ثمَّ الْأَنْصَار ثمَّ سَائِر الْعَرَب ثمَّ الْعَجم
وَلَا يثبت فِي الدِّيوَان اسْم العميان والزمنى وَمن لَا يصلح للغزو
وَإِذا طَرَأَ على بعض الْمُقَاتلَة مرض أَو جُنُون يُرْجَى زَوَاله أعطي وَلم يسْقط اسْمه
وَإِن لم يرج فَفِيهِ قَولَانِ
أظهرهمَا أَنهم يُعْطون
وتعطى زَوْجَة الْمَيِّت إِلَى أَن تنْكح وَالْأَوْلَاد إِلَى أَن يستقلوا
وَإِذا فضلت الْأَخْمَاس عَن حاجات المرتزقة وزع عَلَيْهِم قدر مؤنتهم
وَالْأَظْهَر أَنه يجوز أَن يصرف بعضه إِلَى إصْلَاح الثغور والكراع وَالسِّلَاح
وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ فِي منقولات أَمْوَال الْفَيْء
فَأَما الدّور والأراضي فَالظَّاهِر أَنَّهَا تجْعَل وَقفا مُؤَبَّدًا وتستغل وتقسم غَلَّتهَا كَذَلِك
وَأما الْغَنِيمَة فَهِيَ المَال الْحَاصِل من الْكفَّار بِالْقِتَالِ وإيجاف الْخَيل والركاب
وَيبدأ مِنْهُ بالسلب فَيدْفَع إِلَى الْقَاتِل
وسلب الْكَافِر ثِيَابه الملبوسة مَعَ الْخُف وآلات الْحَرْب كالدرع وَالسِّلَاح والمركوب وَمَا عَلَيْهِ كالسرج واللجام
وَالأَصَح عدا السوار والمنطقة والخاتم
وَمَا مَعَه من دَرَاهِم النَّفَقَة والجنيب المقود من السَّلب
وَاسْتِحْقَاق السَّلب بركوب الْغرَر فِي كِفَايَة شَرّ الْكفَّار فِي حَال قيام الْحَرْب
فَلَو رمى من حصن أَو من وَرَاء الصَّفّ أَو قتل الْكَافِر وَهُوَ نَائِم أَو قتل أَسِيرًا لم يسْتَحق السَّلب
وَكَذَلِكَ لَو قتل كَافِرًا بعد انهزام جيوشهم وكفاية شرهم بِأَن يقْتله أَو يزِيل امْتِنَاعه بفقء عينه أَو قطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَمَا فِي معنى أسره وَقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فَلَا سلب لَهُ بذلك فِي أشبه الْقَوْلَيْنِ بل يكون السَّلب فِي الْغَنِيمَة
وَأما السَّلب فَلَا يُخَمّس على الْأَصَح بل يعْطى كل قَاتل سلب مقتوله
ثمَّ يخرج مُؤَن الْحِفْظ وَالنَّفْل وَغَيرهمَا
ثمَّ يُخَمّس المَال وَيقسم أحد الْأَخْمَاس خَمْسَة أسْهم كَمَا ذكرنَا فِي الْفَيْء
وَالْأَظْهَر أَن مُؤنَة النَّقْل تقع فِي خمس الْخمس الْمعد للْمصَالح إِذا نفل الإِمَام مَال
стр. 378
الْغَنِيمَة فِي هَذَا الْقِتَال
وَيجوز أَن ينفل من مَال الْمصَالح الْحَاصِل عِنْده
وَالنَّفْل زِيَادَة مَال يَشْتَرِطه الإِمَام أَو الْأمين لمن يقوم بِمَا فِيهِ زِيَادَة نكاية فِي الْكفَّار
وَقدره يتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ
وَأما الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة فَيقسمهَا بَين الْغَانِمين سَوَاء الْعقار وَالْمَنْقُول
والغانمون هم الَّذين شهدُوا الْوَقْعَة على نِيَّة الْقِتَال
وَلَا يشْتَرط فِي الِاسْتِحْقَاق الْقِتَال
وَلَا حق لمن حضر بعد انْقِضَاء الْقِتَال وحيازة المَال
وَمن شهد الْوَقْعَة وَمَات بعد انْقِضَاء الْقِتَال وحيازة المَال انْتقل حَقه إِلَى ورثته
وَكَذَا لَو مَاتَ بعد انقضائه وَقبل الْحِيَازَة على الْأَظْهر
وَمن مَاتَ فِي معركة الْقِتَال
فَالظَّاهِر سُقُوط حَقه
وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ أَن الأجراء لسياسة الدَّوَابّ ولحفظ الْأَمْتِعَة وتجار الْعَسْكَر والمحترفين يسْتَحقُّونَ السهْم إِذا قَاتلُوا
وَيُعْطى الراجل سَهْما والفارس ثَلَاثَة أسْهم
وَإِنَّمَا يعْطى رَاكب الْفرس دون رَاكب الْبَعِير وَغير الْبَعِير
وَلَا يعْطى إِلَّا لفرس وَاحِد
وَلَا فرق بَين الْعَرَبِيّ وَغَيره
وَلَا يعْطى الأعجف وَلَا الَّذِي لَا غنى فِيهِ على الْأَظْهر
وَالْعَبِيد وَالصبيان وَالنِّسَاء وَأهل الذِّمَّة إِذا حَضَرُوا لَا يكمل لَهُم سهم الْغَنِيمَة لَكِن ينقص وَيُسمى الرضخ ويجتهد فِي تَقْدِيره الإِمَام
وَمحل الرضخ الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة على الْأَصَح
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
اتّفق الْأَئِمَّة على أَن مَا حصل فِي أَيدي الْمُسلمين من مَال الْكفَّار بِإِيجَاف الْخَيل والركاب فَهُوَ غنيمَة عينه وعروضه
فَإِن كَانَ فِيهِ سلب اسْتَحَقَّه الْقَاتِل من أهل الْغَنِيمَة سَوَاء شَرط ذَلِك الإِمَام أَو لم يشرطه عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد
وَإِنَّمَا يسْتَحقّهُ الْقَاتِل إِذا غرر بِنَفسِهِ فِي قتل مُشْرك وأزال امْتِنَاعه
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا أَن يشرط لَهُ الإِمَام ثمَّ بعد السَّلب يفرد الْخمس من الْغَنِيمَة
وَاخْتلفُوا فِي قسْمَة الْخمس
فَقَالَ أَبُو حنيفَة يقسم على ثَلَاثَة أسْهم سهم لِلْيَتَامَى وَسَهْم للْمَسَاكِين وَسَهْم لِابْنِ السَّبِيل يدْخل فُقَرَاء ذَوي الْقُرْبَى فيهم دون أغنيائهم
стр. 379
فَأَما سهم النَّبِي ﷺ فَهُوَ خمس الله وَخمْس رَسُوله وَهُوَ وَاحِد
وَقد سقط بِمَوْت النَّبِي ﷺ
وَسَهْم ذَوي الْقُرْبَى كَانُوا يستحقونه فِي زمن النَّبِي ﷺ بالنصر
وَبعده لَا سهم لَهُم وَإِنَّمَا يستحقونه بالفقر خَاصَّة
وَيَسْتَوِي فِيهِ ذكورهم وإناثهم
وَقَالَ مَالك هَذَا الْخمس لَا يسْتَحق بِالتَّعْيِينِ لشخص دون شخص وَلَكِن النّظر فِيهِ إِلَى الإِمَام يصرفهُ فِيمَا يرى وعَلى من يرى من الْمُسلمين
وَيُعْطى الإِمَام الْقَرَابَة من الْخمس والفيء وَالْخَرَاج والجزية
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد يقسم الْخمس على خَمْسَة أسهل سهم للرسول ﷺ وَهُوَ بَاقٍ لم يسْقط حكمه بِمَوْتِهِ وَسَهْم لبني هَاشم وَبَين الْمطلب دون بني عبد شمس وَبني نَوْفَل
وَإِنَّمَا هُوَ مُخْتَصّ ببني هَاشم وَبني الْمطلب لأَنهم هم ذَوُو الْقُرْبَى
وَقد منعُوا من أَخذ الصَّدقَات
فَجعل هَذَا لَهُم غنيهم وفقيرهم فِيهِ سَوَاء إِلَّا أَن للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ
وَلَا يسْتَحقّهُ أَوْلَاد الْبَنَات مِنْهُم وَسَهْم لِلْيَتَامَى وَسَهْم لأبناء السَّبِيل
وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة يسْتَحقُّونَ بالفقر وَالْحَاجة بِالِاسْمِ
ثمَّ اخْتلفُوا فِي سهم الرَّسُول الله ﷺ إِلَى من يصرف فَقَالَ الشَّافِعِي يصرف فِي الْمصَالح من إعداد السِّلَاح والكراع وَعقد القناطر وَبِنَاء الْمَسَاجِد وَنَحْو ذَلِك
فَيكون حكمه حكم الْفَيْء
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا كَهَذا الْمَذْهَب
واختارها الْخرقِيّ
وَالْأُخْرَى يصرف فِي أهل الدِّيوَان
وهم الَّذين نصبوا أنفسهم لِلْقِتَالِ وانفردوا بالثغور لسدها يقسم فيهم على قدر كفايتهم
وَاتَّفَقُوا على أَن أَرْبَعَة أَخْمَاس الْغَنِيمَة الْبَاقِيَة يقسم على من شهد الْوَقْعَة بنية الْقِتَال وَهُوَ من أهل الْقِتَال
فَإِن للراجل سَهْما وَاحِدًا
وَاخْتلفُوا فِي الْفَارِس
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد إِن لَهُ ثَلَاثَة أسْهم سهم لَهُ وسهمان للْفرس
وَقَالَ أَبُو حنيفَة للفارس سَهْمَان سهم لَهُ وَسَهْم للْفرس
قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب القَوْل بِأَن للْفرس سَهْمَان قَالَ بِهِ عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَلَا مُخَالف لَهما فِي الصَّحَابَة
وَمن التَّابِعين عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن وَابْن سِيرِين
وَمن الْفُقَهَاء أهل الْمَدِينَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَأهل الشَّام وَاللَّيْث بن سعد
وَأهل مصر وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَمن أهل الْعرَاق أَحْمد بن حَنْبَل
стр. 380
وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن
وَقيل إِنَّه لم يُخَالف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة غير أبي حنيفَة وَحده
وَلم يقل بقوله أحد
حُكيَ عَنهُ أَنه قَالَ أكره أَن أفضل بَهِيمَة على مُسلم
وَلَو كَانَ مَعَ الْفَارِس فرسَان
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يُسهم إِلَّا لفرس وَاحِد
وَقَالَ أَحْمد يُسهم لفرسين وَلَا يُزَاد على ذَلِك وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُف وَهِي رِوَايَة عَن مَالك
وَالْفرس سَوَاء كَانَ عَرَبيا أَو غَيره يُسهم لَهُ
وَقَالَ أَحْمد للفحل سَهْمَان
وللبرذون سهم وَاحِد
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول لَا يُسهم إِلَّا للعربي فَقَط
وَهل يُسهم للبعير قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يُسهم لَهُ
وَقَالَ أَحْمد يُسهم لَهُ سهم وَاحِد
وَلَو دخل دَار الْحَرْب بفرس ثمَّ مَاتَ الْفرس قبل الْقِتَال
قَالَ مَالك لَا يُسهم لفرسه بِخِلَاف مَا إِذا مَاتَ فِي الْقِتَال أَو بعده فَإِنَّهُ يُسهم لَهُ
وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا دخل دَار الْحَرْب فَارِسًا ثمَّ مَاتَ فرسه قبل الْقِتَال أسْهم للْفرس
فصل اخْتلف الْأَئِمَّة
﵏ هَل يملك الْكفَّار مَا يسلبونه من أَمْوَال الْمُسلمين فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ لَا يملكونه
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تدل على ذَلِك لِأَن ابْن عمر ذهب لَهُ فرس فَأَخذهَا الْعَدو فَظهر عَلَيْهَا الْمُسلمُونَ
فَرد عَلَيْهِ فِي زمن رَسُول الله ﷺ
وأبق لَهُ عبد فلحق بالروم فَظهر عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ
فَرد عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يملكونه
وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد
وَاتَّفَقُوا على أَنهم إِذا قسموا الْغَنِيمَة وحازوها ثمَّ اتَّصل بهم مدد لم يكن للمدد فِي ذَلِك حِصَّة
فَإِذا اتَّصل المدد بعد انْقِضَاء الْحَرْب وَقبل حِيَازَة الْغَنِيمَة فِي دَار الْإِسْلَام أَو بعد أَن أخذوها وَقبل قسمهَا
قَالَ أَبُو حنيفَة يُسهم لَهُم مَا لم يحز إِلَى دَار الْإِسْلَام أَو يقسموها
وَقَالَ مَالك وَأحمد لَا سهم لَهُم على كل حَال
وَعند الشَّافِعِي قَولَانِ
أَحدهمَا يُسهم لَهُم
وَالثَّانِي لَا يُسهم لَهُم
وَاتَّفَقُوا على أَن من حضر الْغَنِيمَة
من مَمْلُوك أَو امْرَأَة أَو صبي أَو ذمِّي فَلهم الرضخ
وَهُوَ سهم يجْتَهد الإِمَام فِي قدره وَلَا يكمل لَهُم سَهْما
وَقَالَ مَالك إِن راهق
стр. 381
الصَّبِي أَو أطَاق الْقِتَال أَو أجَازه الإِمَام كمل لَهُم السهْم وَإِن لم يبلغ
فصل وَقسم الْغَنَائِم
فِي دَار الْحَرْب هَل يجوز أم لَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يجوز وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجوز
وَقَالَ أَصْحَابه إِن لم يجد الإِمَام حمولة قسمهَا خوفًا عَلَيْهَا لَكِن لَو قسمهَا الإِمَام فِي دَار الْحَرْب نفذت الْقِسْمَة بالِاتِّفَاقِ
وَالطَّعَام والعلف وَالْحَيَوَان يكون فِي دَار الْحَرْب هَل يجوز اسْتِعْمَاله من غير إِذن الإِمَام قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه لَا بَأْس بذلك وَلَو بِغَيْر إِذن الإِمَام
فَإِن فضل عَنهُ فَأخْرج مِنْهُ شَيْئا إِلَى دَار الْإِسْلَام
كَانَ غنيمَة قل أَو كثر
وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى برد مَا فضل إِذا كَانَ كثيرا
فَإِن كَانَ يَسِيرا فَلَا
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن كَانَ كثيرا لَهُ قيمَة رد وَإِن كَانَ نزرا يَسِيرا فَقَوْلَانِ
أصَحهمَا لَا يرد
وَحكي عَن مَالك أَن مَا أخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام فَهُوَ غنيمَة
فصل وَلَو قَالَ من أَخذ شَيْئا
فَهُوَ لَهُ
قَالَ أَبُو حنيفَة يجوز للْإِمَام أَن يَشْتَرِطه إِلَّا أَن الأولى أَن لَا يفعل
وَقَالَ مَالك يكون لَهُ ذَلِك كَيْلا يشوب فضل الْمُجَاهدين فِي جهادهم إِرَادَة الدُّنْيَا
وَيكون من الْخمس لامن أصل الْغَنِيمَة
وَكَذَلِكَ الْفضل كُله من الْخمس
وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط لَازم فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ عِنْده
وَقَالَ أَحْمد هُوَ شَرط صَحِيح
وَللْإِمَام أَن يفضل بعض الْغَانِمين على بعض قبل الْأَخْذ والحيازة بالِاتِّفَاقِ
وَاتَّفَقُوا على أَن الإِمَام مُخَيّر فِي الأسرى بَين الْقَتْل والاسترقاق
وَاخْتلفُوا هَل هُوَ مُخَيّر فيهم بَين الْمَنّ وَالْفِدَاء وَعقد الذِّمَّة قَالَ الشَّافِعِي ومالكوأحمد هُوَ مُخَيّر بَين الْفِدَاء بِالْمَالِ أَو بالأسرى وَبَين الْمَنّ عَلَيْهِم
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يمن وَلَا يفادى
وَأما عقد الذِّمَّة فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك هُوَ مُخَيّر فِي ذَلِك ويكونوا أحرارا وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَيْسَ لَهُ ذَلِك لأَنهم قد ملكوا
فصل وَلَو أسر الْمُشْركُونَ أَسِيرًا مُسلما
فأحلفوه على أَن لَا يخرج من دَارهم وَلَا يهرب
على أَن يخلوه يذهب وَيَجِيء
قَالَ مَالك يلْزمه فِي أَن يَفِي لَهُم وَلَا يهرب مِنْهُم
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يَسعهُ أَن يَفِي
وَعَلِيهِ أَن يخرج وَيَمِينه يَمِين مكره
فصل المغنوم عنْوَة
بالعراق ومصر هَل يقسم بَين غانميها أم لَا
стр. 382
قَالَ أَبُو حنيفَة الإِمَام بِالْخِيَارِ بَين أَن يقْرَأ أَهلهَا عَلَيْهَا وَيضْرب عَلَيْهِم خراجا وَبَين أَن يصرفهم عَنْهَا وَيَأْتِي بِقوم آخَرين وَيضْرب عَلَيْهِم الْخراج
وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يقفها على الْمُسلمين أَجْمَعِينَ وَلَا على غانميها
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا لَيْسَ للْإِمَام أَن يقفها بل تصير بِنَفس الظُّهُور عَلَيْهَا وَقفا على الْمُسلمين
وَالثَّانيَِة أَن الإِمَام مُخَيّر بَين قسمهَا ووقفها لمصَالح الْمُسلمين
وَقَالَ الشَّافِعِي يجب على الإِمَام قسمهَا بَين جمَاعَة الْغَانِمين كَسَائِر الْأَمْوَال إِلَّا أَن تطيب أنفسهم بوقفها على الْمُسلمين ويسقطوا حُقُوقهم فِيهَا فيقفها
وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات
أظهرها أَن الإِمَام يفعل مَا يرَاهُ الْأَصْلَح من قسمهَا ووقفها
وَالثَّانيَِة كمذهب الشَّافِعِي
وَالثَّالِثَة تصير وَقفا بِنَفس الظُّهُور
فصل وَاخْتلف الْأَئِمَّة فِي الْخراج
الْمَضْرُوب على مَا يفتح عنْوَة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي جريب الْحِنْطَة قفيز ودرهمان
وَفِي جريب الشّعير قفيز وَدِرْهَم
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي جريب الْحِنْطَة أَرْبَعَة دَرَاهِم وَفِي جريب الشّعير دِرْهَمَانِ
وَقَالَ أَحْمد فِي أظهر الرِّوَايَات الْحِنْطَة وَالشعِير سَوَاء
وَفِي جريب كل وَاحِد مِنْهُمَا قفيز وَدِرْهَم
والقفيز الْمَذْكُور ثَمَانِيَة أَرْطَال بالحجازي وَهُوَ سِتَّة عشر بالعراقي
وَأما جريب النّخل فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِيهِ عشرَة
وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي فَمنهمْ من قَالَ عشرَة
وَمِنْهُم من قَالَ ثَمَانِيَة وَقَالَ أَحْمد ثَمَانِيَة
وَأما جريب الْعِنَب فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد عشرَة
وَقَول أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْعِنَب كَقَوْلِهِم فِي النّخل
وَأما جريب الزَّيْتُون فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِيهِ اثْنَا عشر درهما
وَأَبُو حنيفَة لم يُوجد لَهُ نَص فِي ذَلِك
وَقَالَ مَالك لَيْسَ فِي ذَلِك جَمِيعه تَقْدِير بل الْمرجع فِيهِ إِلَى مَا تحمله الأَرْض من ذَلِك لاختلافها
فيجتهد الإِمَام فِي تَقْدِير ذَلِك مستعينا عَلَيْهِ بِأَهْل الْخِبْرَة
فصل قَالَ ابْن هُبَيْرَة فِي الإفصاح
وَاخْتِلَافهمْ إِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى اخْتِلَاف الرِّوَايَات عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي ذَلِك على الصَّحِيح
وَإِنَّمَا اخْتلف لاخْتِلَاف النواحي
стр. 383
وَاخْتلف الْأَئِمَّة هَل يجوز للْإِمَام أَن يزِيد فِي الْخراج على وَضعه أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَو ينقص مِنْهُ
وَكَذَلِكَ فِي الْجِزْيَة فَأَما أَبُو حنيفَة فَلَيْسَ عَنهُ نَص فِي ذَلِك لَكِن حُكيَ الْقَدُورِيّ عَنهُ بعد ذكر الْأَشْيَاء الْمعِين عَلَيْهَا الْخراج لَا بِوَضْع عمر ﵁ قَالَ وَمَا سوى ذَلِك من أَصْنَاف الْأَشْيَاء يوضع عَلَيْهَا بِحَسب الطَّاقَة
فَإِن لم تطق الأَرْض مَا يوضع عَلَيْهَا نَقصهَا الإِمَام
وَاخْتلف صَاحِبَاه
فَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يجوز للْإِمَام النُّقْصَان وَلَا الزِّيَادَة مَعَ الِاحْتِمَال
وَقَالَ مُحَمَّد يجوز ذَلِك مَعَ الِاحْتِمَال
وَعَن الشَّافِعِي يجوز للْإِمَام الزِّيَادَة وَلَا يجوز لَهُ النُّقْصَان
وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات
إِحْدَاهَا يجوز لَهُ الزِّيَادَة إِذا احتملت
وَالنُّقْصَان إِذا لم يحْتَمل
وَالثَّانيَِة يجوز الزِّيَادَة مَعَ الِاحْتِمَال لَا النُّقْصَان
وَالثَّالِثَة لَا يجوز الزِّيَادَة وَلَا النُّقْصَان
وَأما مَالك فَهُوَ على أَصله فِي اجْتِهَاد الْأَئِمَّة على مَا تحمله الأَرْض مستعينا فِيهِ بِأَهْل الْخِبْرَة
فصل قَالَ ابْن هُبَيْرَة لَا يجوز أَن يضْرب على الأَرْض
مَا يكون فِيهِ هضم لحقوق بَيت المَال رِعَايَة لآحاد النَّاس وَلَا مَا يكون فِيهِ إِضْرَار بأرباب الأَرْض تحميلا لَهَا من ذَلِك مَا لَا تطِيق
فمدار الْبَاب على أَن تحمل الأَرْض من ذَلِك مَا تطِيق
وَأرى أَن مَا قَالَه أَبُو يُوسُف كَمَا فِي كتاب الْخراج الَّذِي صنفه للرشيد وَهُوَ الْجيد قَالَ أرى أَن يكون لبيت المَال من الْحبّ الخمسان وَمن الثِّمَار الثُّلُث
فصل هَل فتحت مَكَّة صلحا
أَو عنْوَة قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي أظهر روايتيه عنْوَة
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى صلحا
فصل لَو صَالح قوم على أَن أراضيهم
لَهُم وَجعل عَلَيْهَا شَيْئا
فَهُوَ كالجزية إِن أَسْلمُوا سقط عَنْهُم
وَكَذَا إِن اشْتَرَاهُ مِنْهُم مُسلم
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يسْقط عَنْهُم خراج أَرضهم بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا بشرَاء مُسلم
وَاخْتلفُوا فِي الِاسْتِعَانَة بالمشركين على قتال أهل الْحَرْب
وَهل يعانون على
стр. 384
الْإِطْلَاق قَالَ مَالك إِن كَانُوا خدما للْمُسلمين فَيجوز
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يستعان بهم ويعانون على الْإِطْلَاق مَتى كَانَ حكم الْإِسْلَام هُوَ الْغَالِب الْجَارِي عَلَيْهِم
فَإِن كَانَ حكم الْمُشرك هُوَ الْغَالِب كره
وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز ذَلِك بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون بِالْمُسْلِمين قلَّة وَيكون بالمشركين كَثْرَة
وَالثَّانِي أَن يعلم من الْمُشْركين حسن رَأْي فِي الْإِسْلَام
وميل إِلَيْهِ
وَمَتى اسْتَعَانَ بهم رضخ لَهُم وَلم يُسهم
فصل وَهل تُقَام الْحُدُود
فِي دَار الْحَرْب على من تجب عَلَيْهِ فِي دَار الْإِسْلَام
قَالَ مَالك نعم تُقَام
فَكل فعل يرتكبه الْمُسلم فِي دَار الْإِسْلَام إِذا فعله فِي دَار الْحَرْب لزم الْحَد سَوَاء كَانَ من حُقُوق الله تَعَالَى أَو من حُقُوق الْآدَمِيّين
فَإِذا زنا أَو سرق أَو شرب الْخمر أَو قذف حد
وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة من زنا أَو سرق أَو قذف لَا يُقَام عَلَيْهِ حد إِلَّا أَن يكون بدار الْحَرْب إِمَام فيقيمه عَلَيْهِ بِنَفسِهِ
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَكِن لَا يَسْتَوْفِي فِي دَار الْحَرْب حَتَّى يرجع إِلَى دَار الْإِسْلَام
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن كَانَ فِي دَار الْحَرْب إِمَام مَعَ جَيش الْمُسلمين أَقَامَ عَلَيْهِم الْحَد فِي المعسكر قبل القفول
وَإِن كَانَ أَمِير سَرِيَّة لم يقم الْحُدُود فِي دَار الْحَرْب
وَإِن دخل دَار الْإِسْلَام من فعل مَا يُوجب الْحَد سَقَطت الْحُدُود عَنهُ كلهَا إِلَّا الْقَتْل
فَإِنَّهُ يضمن الدِّيَة فِي مَاله عمدا كَانَ أَو خطأ
فصل هَل يُسهم لتجار الْعَسْكَر
وأجرائهم إِذا شهدُوا الْوَقْعَة وَإِن لم يقاتلوا
قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا يُسهم لَهُم حَتَّى يقاتلوا
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد يُسهم لَهُم وَإِن لم يقاتلوا
وَللشَّافِعِيّ قَول آخر أَنه لَا يُسهم لَهُم
وَإِن قَاتلُوا
فصل هَل تصح الِاسْتِنَابَة فِي الْجِهَاد
أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لَا سَوَاء كَانَ بِجعْل أَو بِأُجْرَة أَو تبرع وَسَوَاء تعين على المستنيب أم لم يتَعَيَّن
وَقَالَ مَالك يَصح إِذا كَانَ بِجعْل وَلم يكن الْجِهَاد مُتَعَيّنا على النَّائِب كَالْعَبْدِ وَالْأمة
فصل قَالَ مَالك وَلَا بَأْس بالجعائل
فِي الثغور مضى النَّاس على ذَلِك
وَقد أدّى
стр. 385
الْقَاعِد إِلَى الْخَارِج مائَة دِينَار فِي بعث أَيَّام عمر ﵁
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز لأحد من الْغَانِمين أَن يطَأ جَارِيَة من السَّبي قبل الْقِسْمَة
وَاخْتلفُوا فِيمَا يجب عَلَيْهِ إِذا وَطئهَا
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا حد عَلَيْهِ بل عُقُوبَة وَلَا يثبت نسب الْوَلَد مِنْهُ
وَهل هُوَ مَمْلُوك يرد فِي الْغَنِيمَة وَعَلِيهِ الْعقُوبَة عَن الْإِصَابَة وَقَالَ مَالك هُوَ زَان يحد
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا حد عَلَيْهِ وَيثبت نسب الْوَلَد وحريته وَعَلِيهِ قيمتهَا
وَالْمهْر يرد فِي الْغَنِيمَة
وَهل تصير أم ولد قَالَ أَحْمد نعم
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ
أصَحهمَا لَا تصير
فصل لَو كَانَ جمَاعَة فِي سفينة
فَوَقع فِيهَا نَار
فَهَل يجوز لَهُم إِلْقَاء أنفسهم فِي المَاء أم يلْقوا الثِّيَاب قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذا لم يَرْجُو النجَاة لَا فِي الْإِلْقَاء وَلَا فِي الْإِقَامَة فِي السَّفِينَة ثبتوا
وَإِن اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فعلوا مَا شَاءُوا وَإِن أيقنوا بِالْهَلَاكِ فِيهَا أَو غلب على ظنهم بِهِ فروايتان
أظهرهمَا منع الْإِلْقَاء
لأَنهم لم يَرْجُو نجاة
وَهَذَا قَول مُحَمَّد بن الْحسن الْحَنَفِيّ
وَهِي رِوَايَة عَن مَالك
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا ند بعير من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام أَو دخل حَرْبِيّ بِغَيْر أَمَان
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يكون ذَلِك فَيْئا للْمُسلمين إِلَّا أَن الشَّافِعِي قَالَ إِلَّا أَن يسلم الْحَرْبِيّ قبل أَن يُؤْخَذ فَلَا سَبِيل عَلَيْهِ
وَقَالَ أَحْمد هُوَ لمن أَخذه خَاصَّة
فصل هَدَايَا أُمَرَاء الجيوش
هَل يختصون بهَا أَو تكون كَهَيئَةِ مَال الْفَيْء قَالَ مَالك تكون غنيمَة فِيهَا الْخمس
وَهَكَذَا إِن أهْدى إِلَى أَمِير من أُمَرَاء الْمُسلمين لِأَن ذَلِك على وَجه الْخَوْف
فَإِن أهْدى الْعَدو إِلَى رجل من الْمُسلمين لَيْسَ بأمير
فَلَا بَأْس بأخذها وَيكون لَهُ دون أهل الْعَسْكَر
رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي حنيفَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف مَا أهْدى ملك الرّوم إِلَى أَمِير الْجَيْش فِي دَار الْحَرْب فَهُوَ لَهُ خَاصَّة وَكَذَلِكَ مَا يعْطى الرَّسُول
وَلم يذكر عَن أبي حنيفَة خلافًا
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا أهْدى إِلَى الْوَالِي هَدِيَّة فَإِن كَانَت بِشَيْء نَالَ مِنْهُ حَقًا أَو بَاطِلا فَهِيَ فَيْء على الْوَالِي أَخذهَا
لِأَنَّهُ يحرم عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ على خلاص الْحق جعلا
وَقد ألزم الله تَعَالَى ذَلِك
فَحَرَام عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ ذَلِك بَاطِلا
والجعل على الْبَاطِل حرَام
فَإِن أهْدى إِلَيْهِ من غير هذَيْن الْمَعْنيين أحد من ولَايَته تفضلا وشكرا فَلَا يقبلهَا
стр. 386
وَإِن قبلهَا كَانَت منَّة فِي الصَّدقَات لَا يَسعهُ عِنْدِي غَيره إِلَّا أَن يُكَافِئهُ عَلَيْهِ بِقدر مَا يَسعهُ
وَإِن كَانَت من رجل لَا سُلْطَان لَهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِالْبَلَدِ الَّذِي بِهِ سُلْطَانه على إِحْسَان كَانَ بِهِ فَأحب أَن يقبلهَا ويجعلها لأهل الْولَايَة أَو يَدعهَا
وَلَا يَأْخُذ على الْخَيْر مُكَافَأَة
فَإِن أَخذهَا وتمولها لم يحرم عَلَيْهِ
وعَلى أَحْمد رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا لَا يخْتَص بهَا من أهديت إِلَيْهِ بل هِيَ غنيمَة قبل حيازها إِذا كَانَ لَهُ فِيهَا حق أَنه لَا يقطع
وَاخْتلفُوا فِيمَن لَهُ فِيهَا حق هَل يحرق رَحْله وَيحرم سَهْمه أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يحرق رَحْله وَلَا يحرم سَهْمه
وَقَالَ أَحْمد يحرق رَحْله الَّذِي مَعَه إِلَّا الْمُصحف وَمَا فِيهِ روح من الْحَيَوَان وَمَا هُوَ جنَّة لِلْقِتَالِ كالسلاح رِوَايَة وَاحِدَة
وَهل يحرم سَهْمه عَنهُ رِوَايَتَانِ
فصل مَال الْفَيْء
وَهُوَ مَا أَخذ من مُشْرك لأجل كفره بِغَيْر مَال كالجزية الْمَأْخُوذَة على الرؤوس وَأُجْرَة الأَرْض الْمَأْخُوذَة باسم الْخراج أَو مَا تَرَكُوهُ فَزعًا وهربا
وَمَال الْمُرْتَد إِذا قتل فِي ردته وَمَال كل كَافِر مَاتَ بِلَا وَارِث
وَمَا يُؤْخَذ مِنْهُم من الْعشْر إِذا اخْتلفُوا إِلَى بِلَاد الْمُسلمين أَو صولحوا عَلَيْهِ
هَل يُخَمّس أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الْمَنْصُوص عَنهُ هُوَ للْمُسلمين كَافَّة فَلَا يُخَمّس بل جَمِيعه لمصَالح الْمُسلمين
وَقَالَ مَالك كل ذَلِك هُوَ فَيْء متميز مقسوم يصرفهُ الإِمَام فِي مصَالح الْمُسلمين بعد أَخذ حَاجته مِنْهُ
وَقَالَ الشَّافِعِي يُخَمّس وَقد كَانَ ذَلِك لرَسُول الله ﷺ
وَأما الَّذِي يصنع بِهِ من بعد فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا لمصَالح الْمُسلمين
وَالثَّانِي للمقاتلة
وَأما الَّذِي يُخَمّس مِنْهُ فَقَوْلَانِ
الْجَدِيد أَنه يُخَمّس جَمِيعه وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد
وَالْقَدِيم لَا يُخَمّس إِلَّا مَا تَرَكُوهُ فزوعا المصطلح ويشتمل على صور مِنْهَا صُورَة مَا إِذا نصب الإِمَام الْأَعْظَم رجلا لتَحْصِيل أَمْوَال الْفَيْء وقسمتها على متسحقيها شرعا
هَذَا كتاب إِسْنَاد صَحِيح شَرْعِي وتفويض مُعْتَبر مرعي وَنصب قَاسم للْمُسلمين مُعْتَمدًا فِيهِ على رب الْعَالمين أَمر بإنشائه وتحريره وكتابته وتسطيره مَوْلَانَا الْمقَام
стр. 387
الشريف الْأَعْظَم العالي المولوي السلطاني الملكي الْفُلَانِيّ أعز الله نَصره وأنفذ فِي الْخَافِقين نَهْيه وَأمره أشهد على نَفسه الشَّرِيفَة صان الله حماها وحرسها من الْغَيْر وحماها أَنه نصب سيدنَا ومولانا العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة فلَان الدّين حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين سيد الْعلمَاء فِي الْعَالمين لِسَان الْمُتَكَلِّمين سيف المناظرين أوحد الْمُجْتَهدين
بركَة الْمُلُوك والسلاطين خَالِصَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبَا فلَان فلَان
هَذَا إِذا كَانَ الْمَنْصُوب من مَشَايِخ الْعلمَاء
وَإِن كَانَ من أكَابِر أُمَرَاء الدولة الشَّرِيفَة فَيَقُول الْمقر الشريف العالي المولوي العالمي العادلي ويسوق ألقابه اللائقة بِهِ الصَّالِحَة الْمثلَة إِلَى آخرهَا
وَإِن كَانَ الْمَنْصُوب كافل مملكة أَو نَائِب ثغر من الثغور فيذكر كل وَاحِد بِحَسبِهِ وَنعمته ثمَّ يَقُول فِي النّظر فِي أَمْوَال الْفَيْء وتحصيله من جهاته وَأَخذه أَوَان مَحَله وأوقاته الْحَاصِل من الْكفَّار من غير قتال وَلَا إيجَاف خيل وَلَا ركاب
كالجزية والواجبة على الْيَهُود وَالنَّصَارَى خلا نِسَائِهِم وَمن لَهُ شُبْهَة كتاب كالمجوس وَمن كل كَافِر عَرَبِيّ كَانَ أَو عجمي وَإِن لم يكن لَهُ كتاب
وَذَلِكَ مَعَ علم الإِمَام خلد الله ملكه بِالْخِلَافِ فِي ذَلِك سوى قُرَيْش خَاصَّة
فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذ مِنْهُم جِزْيَة وَجعل لَهُ أَن يَسْتَوْفِي الْجِزْيَة من كل وَاحِد من الْأَغْنِيَاء ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما
وَمن كل متوسط أَرْبَعَة وَعشْرين درهما
وَمن كل فَقير اثْنَي عشر درهما
فَإِن شَاءَ استوفاها كَيفَ اقْتضى رَأْيه وَأدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده
فَإِن رأى أَن يَأْخُذ من كل مِنْهُم دِينَارا غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا وَأَن ينظر فِي حَال الْفُقَرَاء الَّذين هم غير معلمين وَلَا كسب لَهُم وَلَا يتمكنون من الْأَدَاء وَتَكون إقامتهم بالبلاد مجَّانا
وَيكون مُخَيّرا بَين إخراجهم من الْبِلَاد أَو تقريرهم بهَا وَإِيجَاب الْجِزْيَة عَلَيْهِم وحقن دِمَائِهِمْ بضمانهم ومطالبتهم بهَا عِنْد الْيَسَار وَبَين إمهالهم إِلَى آخر الْحول
فَإِن بذلوها أقرهم وَإِن لم يبذلوها ألحقهم بدار الْحَرْب وَأَن يَأْخُذ مَال من يَمُوت من الْكفَّار وَلَا وَارِث لَهُ
وَمن مَاتَ مِنْهُم وَعَلِيهِ جِزْيَة
فَلهُ أَن يَأْخُذهَا أَو يَتْرُكهَا لوَرثَته مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ فِي ذَلِك الْمَعْلُوم عِنْد الإِمَام الْأَعْظَم الْمشَار إِلَيْهِ وَعند منصوبه وَجعل لَهُ أَن يَأْخُذ الْجِزْيَة إِن شَاءَ أول الْحول وَإِن شَاءَ آخِره على الْخلاف الْمَذْكُور فِي ذَلِك وَأَن يَأْخُذ عشور تِجَارَات الْكفَّار الْمَشْرُوطَة عَلَيْهِم إِذا دخلُوا دَار الْإِسْلَام وَأَن يستولي على بِلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ الَّتِي جلوا عَنْهَا خوفًا من الْمُسلمين وَمَال من مَاتَ أَو قتل مِنْهُم على
стр. 388
الرِّدَّة وَأَن يقسم المَال كَيفَ اقْتَضَاهُ رَأْيه وَمَال قلبه إِلَى مَذْهَب من مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة رَحْمَة الله عَلَيْهِم
فَإِن رأى الْقسم على مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ الشَّافِعِي وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى
فَيَجْعَلهُ خَمْسَة أسْهم مُتَسَاوِيَة ثمَّ يقسم الْخمس خَمْسَة أَخْمَاس مُتَسَاوِيَة فَيقسم خمس الْخمس فِي مصَالح الْمُسلمين كسد الثغور وأرزاق الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء وَيقدم فِي ذَلِك الأهم فالأهم
وَيصرف خمس الْخمس إِلَى أقَارِب رَسُول الله ﷺ المنتسبين إِلَى هَاشم وَالْمطلب ويشرك فِي بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالذكر وَالْأُنْثَى مِنْهُم بَينهم على حكم الْفَرِيضَة الشَّرْعِيَّة للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ
وَيصرف خمس الْخمس على الْفُقَرَاء واليتامى الَّذِي لَا أَب لَهُم
وَيصرف خمس الْخمس إِلَى الْمَسَاكِين وَيصرف خمس الْخمس إِلَى أَبنَاء الْمَسَاكِين وَأَن يعم كل صنف إِن أمكن
وَإِن شَاءَ خصص الْحَاصِل فِي كل نَاحيَة بِمن فِيهَا وَأَن يهيىء الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة وَينصب ديوانا وعرفاء للقبائل وَالْجَمَاعَات المرتزقين المرصدين للْجِهَاد
وَيَأْمُر العرفاء بِجَمْعِهِمْ وَينظر فِي أُمُورهم ويبحث عَن حَال كل وَاحِد وَعِيَاله وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَيُعْطِيه مَا يَكْفِي مُؤْنَته ومؤنتهم وَيقدم فِي الْإِعْطَاء قُريْشًا وهم ولد النَّضر بن كنَانَة وَبَنُو هَاشم وَبَنُو الْمطلب ثمَّ بَنو عبد شمس ثمَّ بَنو نَوْفَل ثمَّ بَنو عبد الْعُزَّى ثمَّ سَائِر الْبُطُون الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب إِلَى رَسُول الله ﷺ
ثمَّ الْأَنْصَار ثمَّ سَائِر الْعَرَب ثمَّ الْعَجم من اسْمه مَكْتُوب ثَابت فِي الدِّيوَان
لَا يثبت فِي الدِّيوَان أَسمَاء للعميان وَلَا الزمنى وَلَا من لَا يصلح للغزو
وَمن مَاتَ مِنْهُم أعْطى لأولاده إِلَى أَن يستقلوا وَزَوجته إِلَى أَن تنْكح وَمهما فضل من هَذِه الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة وزعه عَلَيْهِم إِن شَاءَ وَإِن شَاءَ صرف بعضه إِلَى إصْلَاح الثغور وَفِي الكراع وَالسِّلَاح وَأَن يَجْعَل مَا تحصل من أَمر الْفَيْء من الدّور والأراضي وَقفا مُؤَبَّدًا يستغل ريعه وَيقسم عَلَيْهِم كَذَلِك نصبا صَحِيحا شَرْعِيًّا وتفويضا تَاما مُعْتَبرا مرضيا ويكمل بِالْإِشْهَادِ والتاريخ
وَصُورَة نصب الإِمَام الْأَعْظَم رجلا مقدما على العساكر المنصورة المجهزة إِلَى الْغَزْو وَتَحْصِيل أَمْوَال الْغَنِيمَة وَقسمهَا على مستحقيها شرعا
يكْتب الصُّور كَمَا تقدم فِي اسْم السُّلْطَان وَاسم الْمَنْصُوب إِلَى آخِره ثمَّ يَقُول مقدما على العساكر المنصورة والجيوش والكتائب المخبورة المتوجهين مَعَه وَبَين يَدَيْهِ لجهاد أَعدَاء الله الْمُشْركين والفرنج المخذولين لفتح قبرص ونديك المخروبتين وَأسر من بهما من النِّسَاء وَالصبيان وَقتل الرِّجَال من الطَّائِفَتَيْنِ المخذولتين وَيجمع الْأَمْوَال الْحَاصِلَة من الْكفَّار بِالْقِتَالِ وإيجاف الْخَيل والركاب من الذَّهَب وَالْفِضَّة والأثاث وَالرَّقِيق من الصّبيان وَالْبَنَات وَالنِّسَاء والكراع والمواشي والأسلاب
فَيبْدَأ
стр. 389
بالأسلاب فيدفعها إِلَى المقاتلين وَهِي ثِيَاب الْكفَّار الملبوسة مَعَ الْخُف وآلات الْحَرْب كالدرع وَالسِّلَاح والمركوب وَمَا عَلَيْهِ كالسرج واللجام والسوار والمنطقة والخاتم ودراهم النَّفَقَة والجنيب المقود ويحترز فِي معرفَة مستحقي سلب الْكفَّار المقتولين من المقاتلين الْمُسلمين وَهُوَ الرّكُوب للغزو وَدفع شَرّ الْكَافِر فِي حَال قيام الْحَرْب
وَمن قتل كَافِرًا من وَرَاء حصن أَو من وَرَاء الصَّفّ
وَمن قتل كَافِرًا نَائِما أَو قتل أَسِيرًا أَو قتل كَافِرًا بعد انهزام جيشهم
فَلَا يُعْطي شَيْئا من السَّلب بل يكون سلب هَؤُلَاءِ مُضَافا إِلَى الْغَنِيمَة
ثمَّ يخرج مُؤَن الْحِفْظ وَالنَّفْل وَغَيرهمَا ثمَّ بِخمْس المَال
وَيقسم أحد الْأَخْمَاس على خَمْسَة أسْهم فَيجْعَل خمس الْخمس فِي سد الثغور وأرزاق الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء
وَيصرف الْخمس الثَّانِي من الْخمس إِلَى أقَارِب رَسُول الله ﷺ المنتسبين إِلَى هَاشم وَالْمطلب ويشرك فِيهِ الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالذكر وَالْأُنْثَى للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ
وَيصرف الْخمس الثَّالِث من الْخمس إِلَى الْيَتَامَى الصغار الْفُقَرَاء الَّذين لَا آبَاء لَهُم
وَيصرف خمس الْخمس الرَّابِع إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَيصرف الْخمس الْخَامِس إِلَى أَبنَاء السَّبِيل
ثمَّ يقسم أَرْبَعَة أَخْمَاس الْغَنِيمَة بَين الْغَانِمين الَّذين شهدُوا الْوَقْعَة على نِيَّة الْقِتَال وَإِن لم يكن مِنْهُم من قَاتل
وَيُعْطِي وَرَثَة من شهد الْقِتَال والوقعة وَمَات بعد انْقِضَاء الْقِتَال وَقبل حيازته سَهْمه
وَيُعْطِي للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سَهْمَان
والفارس هُوَ رَاكب الْفرس الْعَتِيق
وَيُعْطى رَاكب الْبَعِير سَهْما مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ فِي ذَلِك وَجعل لَهُ أَن ينفل من مَا شَاءَ من الْغَنِيمَة بعد الْحِيَازَة مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ أَيْضا
وَله أَن يُسهم لفرسين وَلَا يزِيد عَلَيْهِمَا مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ فِي ذَلِك
وسواس الْخَيل وحفظة الْأَمْتِعَة وتجار الْعَسْكَر والمحترفون يُسهم لَهُم إِذا قَاتلُوا
ويرضخ للصبيان وَالْعَبِيد وَالنِّسَاء وَأهل الذِّمَّة إِذا حَضَرُوا
وَلَا يعقر من الْمَوَاشِي إِلَّا مَا يحْتَاج إِلَى أكله وَلَا يقتل أحدا من النِّسَاء إِذا لم يقاتلن وَلم يكن صاحبات رَأْي
وَلَا يقتل الْأَعْمَى والمقعد وَالشَّيْخ الفاني وَأهل الصوامع إِذا لم يكن فيهم ذُو رَأْي
وَإِذا وصل الْمُقدم الْمشَار إِلَيْهِ بالعساكر المنصورة إِلَى تِلْكَ الديار وبرزت أحزاب الشَّيْطَان إِلَى جنود الله والتقى الْجَمْعَانِ والتحم الْقِتَال وتكرر الْكر والفر والنزال واحمرت الْبيض والسمر وسكرت الرِّجَال بِغَيْر خمر وغضبت الكماة والأبطال وَدنت الْمنون وتقاربت الْآجَال وارتفع الْغُبَار والعجاج وتسعر لهيب نَار الْحَرْب الْوَهَّاج
وَجَرت أَنهَار الدِّمَاء وَنزلت مَلَائِكَة السَّمَاء وأيد الله جُنُوده وَأهل دينه وَفتح لَهُ بَاب النَّصْر بِيَمِينِهِ وهبت الرِّيَاح وتمزق الْغُبَار
وأعلن مُؤذن النَّصْر يجي على الْفَلاح ولاح للْمُسلمين علم الظفر وأسفر لَهُم صبح النجاح الوضاح
стр. 390
فَحِينَئِذٍ يتَقَدَّم مقدم العساكر المنصورة الْمشَار إِلَيْهِ بِجمع قَتْلَى الْمُسلمين من المعركة ودفنهم بدمائهم وثيابهم
وَجمع الملبوس وَالسِّلَاح والكراع وَمَا بقبرس من الصّبيان وَالنِّسَاء والأبكار وَالْأَمْوَال على اخْتِلَاف الْأَجْنَاس والأنواع
وَجَمِيع الْمَوَاشِي
وَنقل الْجَمِيع إِلَى سيف الْبَحْر الْأَعْظَم ووسق الْفلك بهَا ويتركوا تِلْكَ الديار خاوية على عروشها خامدة والحس والهمس حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس
وَركب هُوَ والجيوش المنصورة فِي أفلاكها
وَرَجَعُوا متوجهين بالسلامة والنصر
وَإِذا دخلُوا بِالْغَنِيمَةِ إِلَى دَار الْإِسْلَام جلس الْمُقدم لقسم مَال الْغَنَائِم وَهُوَ بِعَمَل الْحق وَقِسْمَة الْعدْل قَائِم
وخمسها
ثمَّ خمس الْخمس
وَجعله حَيْثُ أمره بِهِ الرَّسُول ﷺ
ثمَّ قسم أَرْبَعَة أَخْمَاس الْخمس على مستحقيه
ثمَّ قسم أَرْبَعَة أَخْمَاس الْغَنِيمَة بَين الجيوش المنصورة على حكم الشَّرْع الشريف المطهر وَمُقْتَضَاهُ عَاملا فِي ذَلِك بتقوى الله وَمَا يُحِبهُ رَسُوله الله ﷺ ويرضاه
وعهد إِلَيْهِ أَن يَأْخُذ الْأَمر بزمامه وَأَن يعْمل لله ولإمامه وَأَن يعرف للمجاهدين حَقهم وَيقدم أهل النَّفْع مِنْهُم على غَيرهم تَقْدِيمًا
وَلمن وفى شكر إقدامهم ومداومة تأنسهم فطالما اقتحموا على الْمُلُوك مثل الوحوش وَمَا هابوا يقظة حراسهم
وليرفع بَعضهم على بعض دَرَجَات
فَمَا هم سَوَاء
فَهُوَ أولى من عمل بِهَذِهِ الْوَصَايَا الَّتِي هُوَ مِنْهَا على يَقِين وأحق من فرج على الْإِسْلَام كل ضيق بتصريف رِجَاله وَأَصْحَابه الميامين
وَالله تَعَالَى يُعينهُ ويوفقه ويرشده ويطيل باعة لما قصرت عَنهُ سواعد الرماح ووصلت إِلَيْهِ يَده آمين
ويكمل بِالْإِشْهَادِ والتاريخ وَالله أعلم
следующие страницы →