Полный текст (877 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
قَصده السّفر على الحكم المشروح أَعْلَاهُ
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَصُورَة الحكم بِمَنْع الْوَالِد من السّفر بولده على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى
وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد ﵁ حضرت إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين الْحَنَفِيّ فُلَانَة أَو فلَان وَهُوَ مُتَكَلم شَرْعِي جَائِز كَلَامه مسموعة دَعْوَاهُ عَن فُلَانَة
وأحضرت مَعهَا أَو أحضر مَعَه فلَانا
وَادعت عَلَيْهِ أَو ادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
أَنه تزوج بهَا أَو أَنه تزوج بموكلته الْمَذْكُورَة تزويجا صَحِيحا شَرْعِيًّا
وَدخل بهَا وأصابها
وأولدها على فرَاشه ولدا ذكرا يدعى فلَان الرباعي أَو الخماسي
ثمَّ إِنَّه أَبَانهَا بِالطَّلَاق
وَسَأَلت الْحَاكِم أَو سَأَلَ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم باستمرار الْوَلَد الْمَذْكُور بيد والدته وبمنع وَالِده الْمَذْكُور من السّفر بِهِ عِنْد قَصده السّفر من مَدِينَة كَذَا وَإِلَى غَيرهَا من الْجِهَات على مُقْتَضى مذْهبه ومعتقده
فاستخار الله تَعَالَى وأجابها أَو وَأجَاب السَّائِل إِلَى سُؤَاله وَحكم لَهَا بذلك حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا تَاما مُعْتَبرا مرضيا مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ فِيمَا فِيهِ الْخلاف من ذَلِك
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَالله أعلم
стр. 597
كتاب الْجراح
وَمَا يتَعَلَّق بهَا من أَحْكَام
الْجِنَايَات وَتَحْرِيم الْقَتْل وَمن يجب عَلَيْهِ الْقصاص وَمن لَا يجب عَلَيْهِ الْقَتْل بِغَيْر حق حرَام
وَالْأَصْل فِيهَا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ﴾ فَأخْبر أَنه لَيْسَ لِلْمُؤمنِ أَن يقتل مُؤمنا
وَقَوله إِلَّا خطأ لم يرد أَن قَتله خطأ يجوز وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه إِذا قَتله خطأ فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة وَالدية
وقوه تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾
وَأما السّنة فَمَا روى عُثْمَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يحل دم امرىء مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِيمَان وزنى بعد إِحْصَان وَقتل نفس بِغَيْر نفس
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله تَعَالَى
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لزوَال الدُّنْيَا أَهْون على الله من قتل مُؤمن بِغَيْر حق
وروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَو أَن أهل السَّمَاء وَالْأَرْض
стр. 598
اشْتَركُوا فِي قتل مُؤمن لكبهم الله فِي النَّار
وروى ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَو أَن أهل السَّمَاء وَالْأَرْض اشْتَركُوا فِي قتل مُؤمن لعذبهم الله إِلَّا أَن يَشَاء ذَلِك
وروى عبد الله بن مَسْعُود الوَاسِطِيّ عَن ابْن وَائِل الوَاسِطِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أول مَا يقْضى بَين الْعباد فِي الدِّمَاء
وَأما الْإِجْمَاع فَإِنَّهُ لَا خلاف بَين الْأَئِمَّة فِي تَحْرِيم الْقَتْل بِغَيْر حق
وجماع ذَلِك أَن من قتل مُؤمنا مُتَعَمدا بِغَيْر حق فسق
واستوجب النَّار إِلَّا أَن يَتُوب
وَالنَّص أَن قتل النَّفس بِغَيْر حق من أكبر الْكَبَائِر
وَقيل إِنَّه أكبر الْكَبَائِر بعد الْكفْر
وَتقبل التَّوْبَة مِنْهُ
وَإِن مَاتَ قبلهَا لم يتَّجه دُخُوله النَّار بل هُوَ تَحت الْمَشِيئَة
وَإِن دخل لم يخلد
وَيتَعَلَّق بِهِ الْقصاص أَو الدِّيَة وَالْكَفَّارَة وَالتَّعْزِير فِي صور
وَيجْرِي فِي طرف وَغَيره
وَالْقَتْل هُوَ كل فعل عمد مَحْض مزهق للروح عُدْوانًا من حَيْثُ كَونه مزهقا
والعمد هُوَ قصد الْفِعْل والشخص بِمَا يقتل غَالِبا بجارح أَو مثقل
فَإِن فقد قصد أَحدهمَا بِأَن رمى شَجَرَة فَأَصَابَهُ
فخطأ
وَإِن قصدهما بِمَا لَا يقتل غَالِبا فَشبه عمد
وَمِنْه الضَّرْب بِالسَّوْطِ والعصى غرز الإبرة
فِي المقتل كالدماغ وَالْحلق
يَقْتَضِي الْقصاص
وَكَذَا فِي غير المقتل إِن تورم الْموضع وَبَقِي متألما إِلَى أَن مَاتَ وَإِن لم يظْهر مِنْهُ أثر وَمَات فِي الْحَال
فأقوى الْوَجْهَيْنِ أَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ الْقصاص
وعَلى هَذَا فالأشبه أَنه شبه عمد
والغرز فِي جلدَة الْعقب وَمَا لَا يؤلم لَا أثر لَهُ بِحَال
وَلَو حَبسه فِي بَيت وَمنعه من الطَّعَام وَالشرَاب وَمنعه من الطّلب حَتَّى مَاتَ
فَإِن مَضَت مُدَّة يَمُوت مثله فِيهَا
стр. 599
غَالِبا من الْجُوع والعطش
تعلق بِهِ الْقصاص
وَإِلَّا فَإِن لم يكن جوع وَلَا عَطش سَابق
فَهُوَ شبه عمد
فَإِن كَانَ بِهِ بعض الْجُوع والعطش وَعلم الحابس الْحَال
فَعَلَيهِ الْقصاص
وَإِلَّا فَالْأَصَحّ الْمَنْع
وَإِذا أكره إِنْسَان إنْسَانا على قتل آخر بِغَيْر حق فَقتله وَجب على الْمُكْره الْقصاص
وَلَو شهد اثْنَان على إِنْسَان بوجب الْقصاص
فَحكم القَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَقتل
ثمَّ رجعا وَقَالا تعمدنا الْكَذِب
لزمهما الْقصاص إِلَّا إِذا اعْترف الْوَلِيّ أَنه كَانَ عَارِفًا بكذبهما فَلَا قصاص عَلَيْهِمَا
وَلَو أَضَافَهُ على طَعَام مَسْمُوم فَأَكله وَمَات لزمَه الْقصاص
وَإِذا أمسك إنْسَانا حَتَّى قَتله آخر أَو حفر بِئْرا فردى فِيهَا غَيره
قالقصاص على الْقَاتِل والمردي دون الممسك والحافر
وَلَو رمى إنْسَانا من شَاهِق فَتَلقاهُ متلق فَقده نِصْفَيْنِ
فالقصاص على المتلقي دون الملقي
وَلَو أَلْقَاهُ فِي مَاء فغرق أَو فالتقمه الْحُوت
وَجب الْقصاص على الملقي
وَلَو لم يكن المَاء مغرقا فالتقمه حوت
فَلَا قصاص
وَإِذا قتل جمَاعَة وَاحِدًا قتلوا بِهِ
وللولي أَن يقتل بَعضهم وَيَأْخُذ حِصَّة البَاقِينَ من الدِّيَة
وتوزع الدِّيَة على قدر رؤوسهم
وَإِن كَانَ أحد القاتلين مخطئا سقط الْقصاص عَن البَاقِينَ
وَيجب الْقصاص على شريك الْأَب وعَلى العَبْد إِذا شَارك الْحر فِي قتل العَبْد
وعَلى الذِّمِّيّ إِذا شَارك الْمُسلم فِي قتل الذِّمِّيّ
وعَلى شريك الْحَرْبِيّ فِي قتل الْمُسلم الذِّمِّيّ
وعَلى شريك الْجَارِح قصاصا
وعَلى شريك دَافع الصَّائِل
وَإِذا جرح حَرْبِيّا أَو مُرْتَدا بِقطع عُضْو أَو غَيره فَأسلم ثمَّ مَاتَ من تِلْكَ الْجراحَة
فَلَا قصاص وَلَا دِيَة
وَلَا ضَمَان على من جرح عبد نَفسه ثمَّ أعْتقهُ فَمَاتَ بِالسّرَايَةِ
وَلَو رمى حَرْبِيّا أَو مُرْتَدا فَأسلم قبل وُصُول الرَّمية إِلَيْهِ ثمَّ أَصَابَهُ وَمَات فَلَا قصاص
وَلَكِن تجب دِيَة مُسلم
وَلَو جرح عبدا لغيره فَعتق ثمَّ مَاتَ بِالسّرَايَةِ
وَجب فِيهِ دِيَة حر مُسلم
فَإِذا كَانَت قيمَة العَبْد نَظِير دِيَة مُسلم أَو أقل
فَهِيَ للسَّيِّد جَمِيعهَا
وَإِن كَانَت الدِّيَة أَكثر
فللسيد قيمَة العَبْد
وَالْبَاقِي لوَرَثَة العَبْد
فصل وَيجب الْقصاص من الشجاج
وَهِي جراحات الْوَجْه وَالرَّأْس
فالموضحة الَّتِي توضح الْعظم لَا قصاص فِيمَا بعْدهَا من الهاشمة الَّتِي تهشم الْعظم
стр. 600
أَي تكسره
والمنقلة الَّتِي تنقل الْعظم
والمأمومة وَهِي الَّتِي تبلغ أم الرَّأْس وَهِي خريطة الدِّمَاغ المحيطة بِهِ
والدامغة وَهِي الَّتِي تخرق الخريطة وَتصل إِلَى الدِّمَاغ
وَلَا قصاص على الْأَظْهر فِي الحارصة وَهِي الَّتِي تشق الْجلد قَلِيلا أَي تقطعه
والمتلاحمة وَهِي الَّتِي تغوص فِي اللَّحْم وَلَا تبلغ الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي بَين اللَّحْم والعظم
والسمحاق وَهِي الَّتِي تبلغ الْجلْدَة الفاصلة بَين الْعظم وَاللَّحم
وَفِي وجوب الْقصاص بِقطع بعض المارن وَالْأُذن من غير إبانة وَجْهَان
أظهرهمَا الْوُجُوب
وَيجب فِي الْقطع من المفاصل الْقصاص
وَيجب فِي فقء الْعين وَقطع الْأذن والجفن والشفة وَاللِّسَان وَالذكر والأنثيين والشفرين والأليتين الْقصاص
وَلَا قصاص فِي كسر الْعِظَام لَكِن للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ أَن يقطع أقرب مفصل إِلَى مَوضِع الْكسر وَيَأْخُذ الْحُكُومَة للْبَاقِي
وَلَو أوضح رَأسه من الهشم فَلهُ أَن يقْتَصّ فِي الْمُوَضّحَة
وَيَأْخُذ مَا بَين أرش الْمُوَضّحَة والهاشمة وَهُوَ خمس من الْإِبِل
وَإِذا أوضح رَأسه فَذهب ضوء عَيْنَيْهِ وَجب الْقصاص فِي الضَّوْء والموضحة جَمِيعًا
وَكَذَلِكَ لَو زَالَ بطشه أَو ذوقه أَو شمه
وَلَا يقطع الْيُمْنَى باليسرى وَلَا الشّفة الْعليا بالسفلى وَلَا السبابَة بالوسطى
وَلَا بِالْعَكْسِ وَلَا أُنْمُلَة إِصْبَع بأنملة أُخْرَى من تِلْكَ الْأَصَابِع وَلَا إِصْبَع زَائِدَة بزائدة أُخْرَى
وَإِذا اشْترك جمَاعَة فِي مُوضحَة
فيوزع عَلَيْهِم
ويوضح من كل وَاحِد بِالْقِسْطِ فِي وَجه
وَالثَّانِي يُوضح من كل وَاحِد مِنْهُم مثل تِلْكَ الْمُوَضّحَة
وَلَا تقطع الْيَد الصَّحِيحَة بالشلاء
وَلَو خَالف الْمَجْنِي عَلَيْهِ وَقطع الصَّحِيحَة
لم يَقع فرضا
وَعَلِيهِ دِيَتهَا
وَلَو سرى فَعَلَيهِ قصاص النَّفس
وَحكم الذّكر الأشل وَالصَّحِيح حكم الْيَد الصَّحِيحَة والشلاء
وَيقطع الْأنف الصَّحِيح بالأنف الأخشم وَأذن السَّمِيع بأذن الْأَصَم
وَلَا تُؤْخَذ الْعين الصَّحِيحَة بالحدقة العمياء وَلَا لِسَان النَّاطِق بِلِسَان الْأَخْرَس
стр. 601
وَفِي السن الْقصاص
لَكِن عِنْد الْقلع دون الْكسر
وَإِن قلع سنّ صَغِير لم يثغر فَلَا قصاص فِي الْحَال وَلَا دِيَة
فَإِن جَاءَ وَقت نباتها وَنبت جَمِيع الْأَسْنَان وعادت وَلم تعد هِيَ وَقَالَ أهل الْخِبْرَة قد فسد المنبت
وَجب الْقصاص
لَكِن لَا يسْتَوْفى فِي صغره
وَالصَّحِيح أَن الْقصاص يسْتَحقّهُ جَمِيع الْوَرَثَة على فَرَائض الله تَعَالَى
فَإِن كَانَ بَعضهم غَائِبا انْتظر حُضُوره أَو مُرَاجعَته
وَإِن كَانَ بَعضهم صَبيا أَو مَجْنُونا انْتظر بُلُوغ الصَّبِي وإفاقة الْمَجْنُون
وَإِن انْفَرد صبي أَو مَجْنُون بِالِاسْتِحْقَاقِ انْتظر كَمَاله
وَلَا يَسْتَوْفِيه الْقيم بأَمْره
وَيحبس الْقَاتِل فِي هَذِه الصُّورَة وَلَا يخلى بالكفيل وليتفق مستحقو الْقصاص على وَاحِد أَو ليوكلوا أَجْنَبِيّا
فَإِن تزاحموا أَقرع بَينهم
وَالْأَظْهَر أَنه يدْخل فِي الْقرعَة من عجز عَن الِاسْتِيفَاء كالشيخ وَالْمَرْأَة
فَإِذا خرجت لَهُ استناب
وَإِذا بَادر أحد الْوَرَثَة فَقتل الْجَانِي
فأصح الْقَوْلَيْنِ أَنه لَا يلْزمه الْقصاص
وللآخرين نصِيبهم
وَهل يأخذونه من شريكهم المبادر أَو من تَركه الْجَانِي الْأَصَح الثَّانِي
ثمَّ إِن كَانَت الْمُبَادرَة بعد عَفْو سَائِر الشُّرَكَاء أَو بَعضهم فَالْأَظْهر وجوب الْقصاص
وَلَيْسَ لمن يسْتَحق الْقصاص أَن يسْتَقلّ بِهِ بل يسْتَوْفى بِإِذن الإِمَام
فَإِن اسْتَقل عذر
وَإِذا رَاجع الإِمَام فَرَآهُ أَهلا فوض إِلَيْهِ قصاص النَّفس وَلَا يُفَوض إِلَيْهِ قصاص الطّرف
وَإِذا أذن لَهُ فِي ضرب الرَّقَبَة
فَأصَاب غَيرهَا عَامِدًا عذره وَلم يعزله
وَإِن قَالَ أَخْطَأت وَهُوَ مُحْتَمل فَلَا يعْذر
وَلَكِن يعْزل
وَأُجْرَة الجلاد على الْمُقْتَص مِنْهُ وللمستحق الاقتصاص على الْفَوْر
وَلَو التجأ الْجَانِي إِلَى الْحرم فَلهُ الِاسْتِيفَاء فِيهِ
وَلَا يُؤَخر لشدَّة الْحر وَالْبرد وَالْمَرَض
وَالْمَرْأَة الْحَامِل لَا يقْتَصّ مِنْهَا فِي النَّفس وَلَا فِي الطّرف حَتَّى تضع الْوَلَد وترضعه اللبأ
فَإِن لم يُوجد من ترْضِعه فيؤخر الِاسْتِيفَاء إِلَى أَن تُوجد مُرْضِعَة أَو إِلَى أَن ترْضِعه هِيَ حَوْلَيْنِ وتفطمه
وتحبس الْحَامِل فِي الِاسْتِيفَاء إِلَى أَن يُمكن الِاسْتِيفَاء
وَإِذا قتل بمحدد أَو غَيره من تخنيق أَو تحريق أَو تجويع اقْتصّ مِنْهُ بِمثلِهِ
وَلَو قَتله بِالسحرِ أَو بإسقائه الْخمر أَو باللواط اقْتصّ بِالسَّيْفِ
стр. 602
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب اتّفق الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى على أَن الْقَاتِل لَا يخلد فِي النَّار
وَتَصِح تَوْبَته من الْقَتْل
وَحكي عَن ابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت وَالضَّحَّاك أَنه لَا تقبل لَهُ تَوْبَة
وَاتَّفَقُوا على أَن من قتل نفسا مسلمة مكافئة لَهُ فِي الْحُرِّيَّة وَلم يكن الْمَقْتُول ابْنا للْقَاتِل
وَكَانَ فِي قَتله لَهُ مُتَعَمدا وَجب عَلَيْهِ الْقود
وَأَن السَّيِّد إِذا قتل عَبده
فَإِنَّهُ لَا يقتل بِهِ وَإِن تعمد
وَاتَّفَقُوا على أَن الْكَافِر إِذا قتل مُسلما قتل بِهِ
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قتل مُسلم ذِمِّيا أَو معاهدا
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا يقتل بِهِ وَقَالَ مَالك كَذَلِك إِلَّا أَنه اسْتثْنى
فَقَالَ إِن قتل ذِمِّيا أَو معاهدا أَو مستأمنا غيلَة قتل حتما
وَلَا يجوز للْوَلِيّ الْعَفو
لِأَنَّهُ تعلق قَتله بالافتيات على الإِمَام
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقتل الْمُسلم بالذمي لَا بالمستأمن
وَاتَّفَقُوا على أَن العَبْد يقتل بِالْحرِّ وَأَن العَبْد يقتل بِالْعَبدِ
وَاخْتلفُوا فِي الْحر إِذا قتل عبد غَيره
هَل يقتل بِهِ أم لَا فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لَا يقتل بِهِ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقتل بِهِ
وَاتَّفَقُوا على أَن الابْن إِذا قتل أحد أَبَوَيْهِ قتل بِهِ
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قتل الْأَب ابْنه
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لَا يقتل بِهِ
وَقَالَ مَالك يقتل بِهِ بِمُجَرَّد الْقَصْد
كإضجاعه وذبحه
فَإِن حذفه بِالسَّيْفِ غير قَاصد لقَتله
فَلَا يقتل بِهِ
وَالْجد عِنْده فِي ذَلِك كَالْأَبِ
وَاتَّفَقُوا على أَن الْمَرْأَة تقتل بِالرجلِ وَالرجل يقتل بِالْمَرْأَةِ
وَاخْتلفُوا هَل يجْرِي الْقصاص بَين الرجل وَالْمَرْأَة فِيمَا دون النَّفس وَبَين العبيد بَعضهم على بعض فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يجْرِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجْرِي
فصل وَالْجَمَاعَة إِذا اشْتَركُوا فِي قتل الْوَاحِد
هَل يقتلُوا بِهِ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يقتل الْجَمَاعَة كلهم بِالْوَاحِدِ إِلَّا أَن مَالِكًا اسْتثْنى من ذَلِك الْقسَامَة
فَقَالَ لَا يقتل بالقسامة إِلَّا وَاحِد
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا كمذهب الْجَمَاعَة واختارها الْخرقِيّ
وَالْأُخْرَى لَا تقتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ
وَتجب الدِّيَة دون الْقود
وَهل تقطع الْأَيْدِي بِالْيَدِ قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد تقطع
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تقطع
وَتُؤْخَذ دِيَة الْيَد من الْقَاطِع بالسواء
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا جرح رجلا عمدا
فلازم الْفراش حَتَّى مَاتَ
فَإِنَّهُ يقْتَصّ مِنْهُ
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ الْقَتْل بمثقل كالخشبة الْكَبِيرَة وَالْحجر الْكَبِير الْغَالِب فِي مثله أَن يقتل
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يجب الْقصاص بذلك
стр. 603
وَلَا فرق بَين أَن يخدشه بِحجر أَو عَصا أَو يغرقه أَو يحرقه بالنَّار أَو يخنقه أَو يطين عَلَيْهِ بَيْتا
ويمنعه الطَّعَام وَالشرَاب حَتَّى يَمُوت جوعا أَو يضغطه أَو يهدم عَلَيْهِ بَيْتا
أَو يضْربهُ بِحجر عَظِيم أَو خَشَبَة عَظِيمَة محددة أَو غير محددة
وَبِذَلِك قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِنَّمَا الْقصاص عِنْد الْقَتْل بالنَّار أَو بالمحدد من الْحَدِيد أَو الْخَشَبَة المحددة أَو الْحجر المحدد
فَأَما إِن غرقه بِالْمَاءِ أَو قَتله بِحجر أَو خَشَبَة غير محددة فَإِنَّهُ لاقود
وَقَالَ الشَّافِعِي وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ لاقود إِلَّا فِي حَدِيد
وَلَو ضربه فاسود الْموضع أَو كسر عِظَامه فِي دَاخل الْجلد
فَعَن أبي حنيفَة فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ
وَاخْتلفُوا فِي عمد الْخَطَأ
وَهُوَ أَن يتَعَمَّد الْفِعْل ويخطىء فِي الْقَصْد أَو يضْرب بِسَوْط لَا يقتل مثله غَالِبا أَو يلكزه أَو يلطمه لطما بليغا
فَفِي ذَلِك الدِّيَة دون الْقود عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
إِلَّا أَن الشَّافِعِي وَأحمد قَالَا إِن كرر الضَّرْب حَتَّى مَاتَ
فَعَلَيهِ الْقود
وَقَالَ مَالك بِوُجُوب الْقود فِي ذَلِك
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا أكره رجل رجلا على قتل آخر
فَقَالَ أَبُو حنيفَة يقتل الْمُكْره دون الْمُبَاشر
وَقَالَ مَالك وَأحمد يقتل الْمُبَاشر
وَقَالَ الشَّافِعِي يقتل الْمُكْره بِكَسْر الرَّاء قولا وَاحِدًا
وَفِي قتل الْمُكْره بِفَتْح الرَّاء قَولَانِ
الرَّاجِح من مذْهبه أَن عَلَيْهِمَا الْقصاص جَمِيعًا
فَإِن كافأه أَحدهمَا فَقَط
فالقصاص عَلَيْهِ
وَاخْتلفُوا فِي صفة الْمُكْره
فَقَالَ مَالك إِذا كَانَ سُلْطَانا أَو متغلبا أَو سيدا مَعَ عَبده
أقيد بهما جَمِيعًا إِلَّا أَن يكون العَبْد أعجميا جَاهِلا بِتَحْرِيم ذَلِك
فَلَا يجب عَلَيْهِ الْقود
وَقَالَ الْبَاقُونَ يَصح الْإِكْرَاه من كل ذِي يَد عَادِية
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا أمسك رجل رجلا فَقتله آخر
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ الْقود على الْقَاتِل دون الممسك
وَلم يُوجب على الممسك شَيْئا إِلَّا التَّعْزِير
وَقَالَ مَالك الممسك وَالْقَاتِل شريكان فِي الْقَتْل
فَيجب عَلَيْهِمَا الْقود إِذا كَانَ الْقَاتِل لَا يُمكنهُ قَتله إِلَّا بالإمساك وَكَانَ الْمَقْتُول لَا يقدر على الْهَرَب بعد الْإِمْسَاك
وَقَالَ أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه يقتل الْقَاتِل وَيحبس الممسك حَتَّى يَمُوت
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يقتلان جَمِيعًا على الْإِطْلَاق
فصل لَو شهدُوا بِالْقَتْلِ
ثمَّ رجعُوا عَن الشَّهَادَة بعد اسْتِيفَاء الْقصاص وَقَالُوا تعمدنا أَو جَاءَ الْمَشْهُود بقتْله حَيا
قَالَ أَبُو حنيفَة لاقود بل يجب دِيَة مُغَلّظَة
وَقَالَ الشَّافِعِي يجب الْقصاص
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ
وَاتَّفَقُوا على أَنهم لَو رجعُوا أَو قَالُوا أَخْطَأنَا لم يجب عَلَيْهِم قصاص
وَإِنَّمَا
стр. 604
تجب دِيَة
وَاخْتلفُوا فِي الْوَاجِب بقتل الْعمد هَل هُوَ معِين أم لَا فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك فِي إِحْدَى روايتيه الْوَاجِب معِين وَهُوَ الْقود
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى التَّخْيِير بَين الدِّيَة والقود
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ
أَحدهمَا الْوَاجِب لَا بِعَيْنِه
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح أَن الْوَاجِب الْقصاص عينا وَلَكِن لَهُ الْعُدُول إِلَى الدِّيَة
وَإِن لم يرض الْجَانِي
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ كالمذهبين
وَفَائِدَة الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه إِذا عَفا مُطلقًا سَقَطت الدِّيَة
وَلَو عَفا الْوَلِيّ عَن الْقصاص عَاد إِلَى الدِّيَة بِغَيْر رضى الْجَانِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَيْسَ لَهُ الْعُدُول إِلَى المَال إِلَّا برضى الْجَانِي
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَهُ ذَلِك مُطلقًا
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ
كالمذهبين
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا عَفا رجل من أَوْلِيَاء الدَّم سقط الْقصاص
وانتقل الْأَمر إِلَى الدِّيَة
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا عفت الْمَرْأَة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يسْقط الْقود
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك فِي ذَلِك
فَنقل عَنهُ أَنه لَا مدْخل للنِّسَاء فِي الدَّم
وَنقل عَنهُ أَن لَهُنَّ مدْخل فِي الدِّمَاء كالرجال إِذا لم يكن فِي درجتهن عصبَة
فعلى هَذَا فَفِي أَي شَيْء لَهُنَّ مدْخل عَنهُ رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا فِي الْقود دون الْعَفو
وَالثَّانيَِة فِي الْعَفو دون الْقود
وَاتَّفَقُوا على أَن الْأَوْلِيَاء الْبَالِغين الْمُسْتَحقّين إِذا حَضَرُوا وطلبوا الْقصاص لم يُؤَخر إِلَّا أَن يكون الْجَانِي امْرَأَة حَامِلا فتؤخر حَتَّى تضع
وعَلى أَنه إِذا كَانَ المستحقون صغَارًا أَو غائبين
فَإِن الْقصاص يُؤَخر إِلَّا أَبَا حنيفَة
فَإِنَّهُ قَالَ فِي الصغار إِذا كَانَ لَهُم أَب استوفى الْقصاص وَلم يُؤَخر
وَلَو كَانَ من الْمُسْتَحقّين صغَار أَو غَائِب أَو مَجْنُون
فقد اتّفق الْأَئِمَّة على أَن الْقصاص يُؤَخر فِي مَسْأَلَة الْغَائِب
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الصَّغِير وَالْمَجْنُون
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا يُؤَخر الْقصاص لأجلهما
وَقَالَ الشَّافِعِي يُؤَخر الْقصاص حَتَّى يفِيق الْمَجْنُون ويبلغ الصَّغِير
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
أظهرهمَا أَنه يُؤَخر
وَالثَّانيَِة لَا يُؤَخر
فصل وَلَيْسَ للْأَب أَن يَسْتَوْفِي الْقصاص
لوَلَده الْكَبِير بالِاتِّفَاقِ
وَهل لَهُ أَن يَسْتَوْفِيه لوَلَده الصَّغِير قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَيْسَ لَهُ ذَلِك سَوَاء كَانَ شَرِيكا لَهُ أم لَا وَسَوَاء كَانَ فِي النَّفس أَو الطّرف
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي أظهر روايتيه لَيْسَ لَهُ أَن يَسْتَوْفِيه
وَاخْتلفُوا فِي الْوَاحِد يقتل الْجَمَاعَة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقود لجماعتهم وَلَا يجب عَلَيْهِ شَيْء آخر
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن قتل وَاحِدًا بعد وَاحِد
قتل
стр. 605
بِالْأولِ
وللباقين الدِّيات
وَإِن قَتلهمْ فِي حَالَة وَاحِدَة أَقرع بَين أَوْلِيَاء المقتولين
فَمن خرجت قرعته قتل لَهُ وللباقين الدِّيات
وَقَالَ أَحْمد إِذا قتل وَاحِد جمَاعَة
فَحَضَرَ الْأَوْلِيَاء وطلبوا الْقصاص قتل لجماعتهم
وَلَا دِيَة عَلَيْهِ
وَإِن طلب بَعضهم الْقصاص وَبَعْضهمْ الدِّيَة
قتل لمن طلب الْقصاص
وَوَجَبَت الدِّيَة لمن طلبَهَا
وَإِن طلبُوا الدِّيَة كَانَ لكل وَاحِد دِيَة كَامِلَة
فصل وَلَو جنى رجل على رجل
فَقطع يَده الْيُمْنَى
ثمَّ على آخر فَقطع يَده الْيُمْنَى ثمَّ طلبا مِنْهُ الْقصاص
فَقَالَ أَبُو حنيفَة تقطع يَمِينه بهما وَتُؤْخَذ مِنْهُ دِيَة أُخْرَى لَهما
وَقَالَ مَالك يقطع يَمِينه بهما
وَلَا دِيَة عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي تقطع يَمِينه للْأولِ وَيغرم الدِّيَة للثَّانِي
فَإِن كَانَ قطع يديهما مَعًا أَقرع بَينهمَا كَمَا قَالَ فِي النَّفس
وَكَذَا إِن اشْتبهَ الْأَمر
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن طلبا الْقصاص قطع لَهما وَلَا دِيَة
وَإِن طلب أَحدهمَا الْقصاص وَأَحَدهمَا الدِّيَة قطع لمن طلب الْقصاص وَأخذت الدِّيَة للْآخر
وَلَو قتل مُتَعَمدا ثمَّ مَاتَ
قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك يسْقط حق ولي الدَّم من الْقصاص وَالدية جَمِيعًا
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد تبقى الدِّيَة فِي تركته لأولياء الْمَقْتُول
وَاتَّفَقُوا على أَن الإِمَام إِذا قطع السَّارِق فسرى ذَلِك إِلَى نَفسه أَنه لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قطعه مقتص فسرى إِلَى نَفسه
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد السَّرَايَة غير مَضْمُونَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة هِيَ مَضْمُونَة تتحملها عَاقِلَة الْمُقْتَص
وَلَو قطع ولي الْمَقْتُول يَد الْقَاتِل
فَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن عَفا عَنهُ الْوَلِيّ غرم دِيَة يَده وَإِن لم يعف لم يلْزمه شَيْء
وَقَالَ مَالك تقطع يَده بِكُل حَال عَفا عَنهُ الْوَلِيّ أَو لم يعف
وَقَالَ أَحْمد يلْزمه دِيَة الْيَد فِي مَاله بِكُل حَال
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا تقطع الْيَد الصَّحِيحَة بالشلاء وَلَا يَمِين بيسار وَلَا يسَار بِيَمِين
وَاخْتلفُوا هَل يسْتَوْفى الْقصاص فِيمَا دون النَّفس قبل الِانْدِمَال أَو بعده فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد لَا يسْتَوْفى إِلَّا بعد الِانْدِمَال
وَقَالَ الشَّافِعِي يسْتَوْفى فِي الْحَال
وَاخْتلفُوا فِيمَا يسْتَوْفى بِهِ الْقصاص من الْآلَة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يسْتَوْفى إِلَّا بِالسَّيْفِ
سَوَاء قتل بِهِ أَو بِغَيْرِهِ
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يقتل بِمثل مَا قتل بِهِ
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ كالمذهبين
وَاتَّفَقُوا على أَن من قتل فِي الْحرم جَازَ قَتله
وَاخْتلفُوا فِيمَن قتل خَارج الْحرم ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم أَو وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل لكفر أَو زنى أَو وردة ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد لَا يقتل فِيهِ
وَلَكِن يضيق عَلَيْهِ فَلَا يُبَايع وَلَا يشارى حَتَّى يخرج مِنْهُ فَيقْتل
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يقتل فِي الْحرم
انْتهى
стр. 606
بَاب كَيْفيَّة الْقصاص ومستوفيه وَالْخلاف فِيهِ
الْقصاص فِيمَا دون النَّفس شَيْئَانِ جرح يشق
وطرف يقطع
وَالْقصاص يجب فِيمَا دون النَّفس من الجروح والأعضاء
لقَوْله تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص﴾
وَلما رُوِيَ أَن الرّبيع بنت معوذ وَقيل بنت أنس كسرت ثنية جَارِيَة من الْأَنْصَار
فعرضوا عَلَيْهِم الْأَرْش فَلم يقبلُوا
وطلبوا الْعَفو فَأَبَوا
فَأتوا النَّبِي ﷺ
فَأمر بِالْقصاصِ
فَقَالَ أنس بن النَّضر وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا لَا تكسر ثنيتها
فَقَالَ النَّبِي ﷺ كتاب الله الْقصاص
فَعَفَا الْقَوْم
فَقَالَ ﷺ إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لَأَبَره
وَلِأَن الْقصاص فِي النَّفس إِنَّمَا جعل لحفظ النُّفُوس
وَهَذَا مَوْجُود فِيمَا دون النَّفس
فعلى هَذَا كل شَخْصَيْنِ جرى الْقصاص بَينهمَا فِي النَّفس جرى الْقصاص بَينهمَا فِيمَا دون النَّفس
فتقطع يَد الْحر الْمُسلم بيد الْحر الْمُسلم وَيَد الْكَافِر بيد الْكَافِر وَيَد الْمَرْأَة بيد الْمَرْأَة
وَهَذَا إِجْمَاع
وتقطع يَد الْمَرْأَة بيد الرجل وَيَد الرجل بيد الْمَرْأَة وَيَد العَبْد بيد الْحر وَالْعَبْد على خلاف فِيهِ
والأطراف الْمقدرَة إِذا صدر الصُّلْح على الدِّيَة فِيهَا هِيَ الأول مِنْهَا الأذنان
ففيهما على الْمَذْهَب وَلَو من أَصمّ دِيَة وَاحِدَة نصف دِيَة
وَفِي بعضه بِقسْطِهِ بِقدر مساحته
وَلَو أيبسهما فديَة
وَفِي قَول حُكُومَة
الثَّانِي العينان
ففيهما دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
وَلَو عين أَحول وأعمش وأعشى وأخفش
وَكَذَا من بِعَيْنِه بَيَاض لَا ينقص الضَّوْء
وَكَذَا فِي الْقصاص
فَإِن نقصت فبقسطه
فَإِن لم يَنْضَبِط فَحُكُومَة
الثَّالِث الأجفان الْأَرْبَعَة
وفيهَا دِيَة
وَفِي كل جفن ربعهَا وَلَو من أعمى وأعمش
وَفِي بعضه بِقسْطِهِ
وَفِي يَابِس حُكُومَة
الرَّابِع الْأنف
فَفِي الْأنف وَهُوَ مالان من الْأنف دِيَة فِي كل من طَرفَيْهِ فِي المارن ثلث الدِّيَة
وَفِي الحاجز حُكُومَة
وَفِيهِمَا دِيَة
الْخَامِس الشفتان
وَفِيهِمَا دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
وَفِي بَعْضهَا بِقسْطِهِ
وَهِي فِي عرض الْوَجْه إِلَى الشدقين
وَفِي طوله من جَوف الْفَم إِلَى مَا يستر اللِّحْيَة فِي
стр. 607
الْأَصَح وَلَو شقّ شفته وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء فَحُكُومَة أَو قطع مشقوقة فديَة أَو نَاقِصَة فَحُكُومَة
السَّادِس اللِّسَان
وَفِيه دِيَة
وَلَو ألكن ومبرسم وأرت وألثغ وطفل
وَلَو بلغ الطِّفْل فِي وَقت النُّطْق أَو التحريك وَلم يُوجد
فَحُكُومَة
السَّابِع الْأَسْنَان
وَفِي كل سنّ لذكر حر مُسلم خَمْسَة أَبْعِرَة بِشَرْط كَونهَا أَصْلِيَّة تَامَّة مثغورة غير مقلقلة
وَفِي سنّ زَائِدَة حُكُومَة
وَلَو قلع سنّ صَغِير لم يثغر وَمَضَت مُدَّة يتَوَقَّع فِيهَا الْعود وَلم تعد وَفَسَد المنبت وَجب قصاص أَو دِيَة
فَإِن مَاتَ قبل النَّبَات فَحُكُومَة
وَلَو قلع سنّ صَغِير فطلع بَعْضهَا وَمَات قبل أَن يتم نباتها فَحُكُومَة
الثَّامِن اللحيان
وَفِيهِمَا دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
وَالصَّحِيح أَنه تكمل الدِّيَة فِي بسيط الْأَصَابِع
وَفِي كل إِصْبَع عشرَة أَبْعِرَة
وَفِي أُنْمُلَة ثلثهَا وَفِي أُنْمُلَة إِبْهَام نصفهَا
التَّاسِع الرّجلَانِ
وَفِيهِمَا دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
والأعرج وَكَذَا إِن تعطل مشيها بِكَسْر الفقار فِي الْأَصَح
الْعَاشِر حلمتا الْمَرْأَة
وَفِيهِمَا دِيَتهَا
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
والحلمة الْمُجْتَمع الناتىء على الثدي يُخَالف لَونه لون الثدي غَالِبا وبجوانبها دارة على لَوْنهَا
وَهِي من الثدي لَا من الحلمة
فَلَو قطع الثدي مَعَ الحلمة لم يجز إِلَّا دِيَة
وَلَو قطع مَعَ الثدي جلدَة الصَّدْر وَجَبت حُكُومَة فِي الْجلد أَيْضا
وَفِي حلمة الرجل حُكُومَة
وَفِي قَول دِيَة
وَفِي حلمتي الْخُنْثَى حُكُومَة على الْأَظْهر
الْحَادِي عشر الذّكر
وَفِيه دِيَة
وَلَو لشيخ وصغير وعنين وَخصي وَغَيرهم
وَفِي أشل حُكُومَة
وَلَو ضربه فشل فديَة وحشفة كَذَلِك
وَبَعضهَا بِقسْطِهِ مِنْهَا
وَقيل من الذّكر
الثَّانِي عشر الْأُنْثَيَيْنِ
وَفِيهِمَا دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
الثَّالِث عشر الأليتان
وَفِيهِمَا دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا
وَفِي بَعْضهَا بِقسْطِهِ إِن عرف قدره وَضَبطه وَإِلَّا فَحُكُومَة
والألية الشَّيْء الناتىء على اسْتِوَاء الظّهْر والفخذ
وَلَا نظر إِلَى اخْتِلَاف قدره
وَلَا يشْتَرط وُصُول إِلَى الْعظم وَلَو نَبتَت الألية والتحم الْموضع لم تسْقط الدِّيَة على الْمَذْهَب
الرَّابِع عشر الشفران
وهما اللحمان الملتقيان على المنفذ
وَفِيهِمَا دِيَة
وَفِي
стр. 608
أَحدهمَا نصفهَا وَلَو ضربهما فشلا فديَة
وَلَو قطع مَعَهُمَا عانتها فَحُكُومَة أَيْضا
الْخَامِس عشر سلخ الْجلد إِن بَقِي حَيَاة مُسْتَقِرَّة وحز غير السالخ رقبته
فَفِيهِ دِيَة
فَلَو قطع يَدَاهُ وسلخ رجل الْجلد وزعت مساحة الْجلد على جَمِيع الْبدن
فَمَا خص الْيَدَيْنِ حط من دِيَتهمَا
وعَلى هَذَا لَو قطع يَدَاهُ ثمَّ سلخ آخر جلده
لزم السالخ دِيَة الْجلد إِلَّا قسط الْيَدَيْنِ
وَفِي الترقوتين حُكُومَة على الْمَذْهَب كالضلع وَسَائِر الْعِظَام
فصل فِي إِزَالَة الْمَنَافِع
الأول الْعقل
فِيهِ دِيَة لَا قصاص
فَلَو قطع يَدَاهُ وَرجلَاهُ فَزَالَ عقله
وَجب ثَلَاث ديات
وَإِن انتظم قَوْله وَفعله صدق الْجَانِي بِيَمِينِهِ وَإِن لم يَنْتَظِم قَوْله وَفعله فَلهُ دِيَة بِلَا يَمِين
الثَّانِي السّمع
وَفِيه دِيَة
وَمن أذن نصفهَا وَلَو أَزَال أُذُنَيْهِ وسمعيه فديتان
الثَّالِث الْبَصَر
وَفِي إذهابه من الْعَينَيْنِ دِيَة
وَفِي إِحْدَاهمَا نصفهَا وَلَو من أَحول وأعمش وَنَحْوهمَا
وَلَو فَقَأَ عَيْنَيْهِ لم يجب إِلَّا دِيَة
وَلَا يقبل فِي إذهاب الْبَصَر عمدا إِلَّا رجلَانِ أَو خطأ فَرجل وَامْرَأَتَانِ
وَإِن نقص ضوء الْعَينَيْنِ وَعرف قدره فبقسط الذَّاهِب من الدِّيَة وَإِلَّا فَحُكُومَة عِنْد الْأَكْثَر بِاجْتِهَاد القَاضِي
الرَّابِع الشم
وَفِيه دِيَة على الصَّحِيح
وَمن منخر نصفهَا
وَلَو قطع أَنفه فَذهب شمه وَجَبت ديتان
فَإِن عَاد استردت الدِّيَة
فَإِن ادّعى ذَهَابه وَأنكر الْجَانِي يزعج فِي خلواته
فَإِن لم يظْهر مِنْهُ شَيْء حلف كأخرس
وَأديت دِيَة
وَفِي بعض الْحُرُوف قسط من الدِّيَة
والموزع عَلَيْهِ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا فِي لُغَة الْعَرَب
فصل والحكومة جُزْء نسبته إِلَى دِيَة
النَّفس وَقيل إِلَى عُضْو الْجِنَايَة نِسْبَة نَقصهَا من قِيمَته لَو كَانَ رَقِيقا بصفاته
وجنسها إبل
فَإِن كَانَت مقدرَة شَرط أَن لَا تبلع مقدرَة
فَإِن بلغته نقص القَاضِي شَيْئا بِاجْتِهَادِهِ
وَيجوز أَن تبلغ حُكُومَة الْكَفّ دِيَة إِصْبَع فِي الْأَصَح
فصل فِي نفس الرَّقِيق
قِيمَته وَلَو مُدبرا ومكاتبا وَأم ولد
وَفِي غَيرهَا مَا نقص
وَإِن لم تتقدر من الْحر وَإِلَّا فبنسبته من قِيمَته فِي الْأَظْهر
فَفِي يَده نصف قِيمَته
وَفِي يَدَيْهِ كلهَا وَفِي ذكره وأنثييه قيمتان
стр. 609
وَهَكَذَا
فَلَو لم تنقص الْقيمَة بِقطع الذّكر والأنثيين أَو ازدادت لم يجب شَيْء فِي الْأَصَح
بَاب مُوجبَات الدِّيَة والعاقلة وَالْكَفَّارَة
الْعقل اسْم للدية
وَسميت الدِّيَة الْعقل لِأَنَّهَا تعقل بِبَاب ولي الْمَقْتُول
والعصبة الَّذين يتحملون الدِّيَة يسمون الْعَاقِلَة وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم يأْتونَ بِالدِّيَةِ فيعقلونها عِنْد بَاب ولي الْمَقْتُول
وَقيل لأَنهم يمْنَعُونَ من الْقَاتِل
وَالْعقل الْمَنْع
وَلذَلِك سمي الْعقل عقلا لِأَنَّهُ يمْنَع صَاحبه من فعل الْقَبِيح
وَالْأَصْل فِي وجوب الْكَفَّارَة فِي الْقَتْل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ فَذكر الله تَعَالَى فِي الْآيَة ثَلَاث كَفَّارَات
إِحْدَاهُنَّ إِذا قتل مُسلما فِي دَار الْإِسْلَام
لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾
الثَّانِيَة إِذا قتل مُؤمنا فِي دَار الْحَرْب بِأَن كَانَ أَسِيرًا فِي صفهم أَو مُقيما بِاخْتِيَارِهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ وَمَعْنَاهُ فِي قوم عَدو لكم
وَقد تقدم بَيَانه
الثَّالِثَة إِذا قتل ذِمِّيا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ وَظَاهر الْآيَة أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يقْتله عمدا وَله أَن يقْتله خطأ
لِأَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات
قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن قتل الْخَطَأ محرم كَقَتل الْعمد إِلَّا أَن قتل الْعمد يتَعَلَّق بِهِ الْإِثْم وَقتل الْخَطَأ لَا إِثْم عَلَيْهِ
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
اخْتلف الْعلمَاء رَحِمهم الله تَعَالَى فِيمَا إِذا صَاح بصبي أَو معتوه وهما على سطح أَو حَائِط
فَوَقع فَمَاتَ
أَو ذهب عقل الصَّبِي أَو عقل الْبَالِغ
فصاح بِهِ فَسقط
وَإِذا بعث الإِمَام إِلَى امْرَأَة يستدعيها إِلَى مجْلِس الحكم
فأجهضت جَنِينا فَزعًا أَو زَالَ عقلهَا
стр. 610
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا ضَمَان فِي شَيْء من ذَلِك على أحد
وَقَالَ الشَّافِعِي الدِّيَة فِي ذَلِك كُله على الْعَاقِلَة إِلَّا فِي حق الْبَالِغ
فَإِنَّهُ لَا ضَمَان على الْعَاقِلَة فِيهِ
وَمن أَصْحَابه من أوجب أَيْضا الضَّمَان فِيهِ
وَهُوَ ابْن أبي هُرَيْرَة
وَقَالَ أَحْمد الدِّيَة فِي ذَلِك كُله على الْعَاقِلَة
وعَلى الإِمَام فِي حق المستدعاة
وَقَالَ مَالك الدِّيَة فِي ذَلِك كُله على الْعَاقِلَة مَا عدا الْمَرْأَة
فَإِنَّهُ لَا دِيَة فِيهَا على أحد
وَاخْتلفُوا فِي الْمَرْأَة إِذا ضرب أحد بَطنهَا فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا ثمَّ مَاتَت
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا ضَمَان لأجل الْجَنِين
وعَلى من ضربهَا الدِّيَة
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي ذَلِك الدِّيَة كَامِلَة
وغرة الْجَنِين
وَاخْتلفُوا فِي قيمَة جَنِين الْأمة إِذا كَانَ مَمْلُوكا
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِيهِ عشر قيمَة أمه سَوَاء كَانَ ذكرا أَو أُنْثَى
وَتعْتَبر قيمَة الْأُم يَوْم جني عَلَيْهَا
وَأما جَنِين أم الْوَلَد من مَوْلَاهَا فَفِيهِ غرَّة تكون قيمتهَا نصف عشر دِيَة الْأَب
وَكَذَلِكَ فِي جَنِين الذِّمِّيَّة إِذا كَانَ أَبوهُ مُسلما ولجنين الْكِتَابِيَّة إِذا كَانَ أَبوهُ مجوسيا قيمتهَا نصف عشر قِيمَته
وَفِي الْأُنْثَى الْعشْر وَيعرف عشر دِيَة الْأُم اعْتِبَارا بأوفى الديتين
وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي الذّكر نصف عشر قِيمَته
وَفِي الْأُنْثَى الْعشْر
وَلم يفرق
وَاخْتلفُوا فِيمَن حفر بِئْرا فِي فنَاء دَاره
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يضمن مَا هلك فِيهَا
وَقَالَ مَالك لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَاخْتلفُوا فِيمَن بسط بَارِية فِي الْمَسْجِد أَو حفر فِيهِ بِئْرا لمصلحته أَو علق قِنْدِيلًا فَعَطب بذلك أَو بِشَيْء مِنْهُ إِنْسَان
فَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا لم يَأْذَن لَهُ الْجِيرَان فِي ذَلِك ضمن
وَعَن الشَّافِعِي فِي الضَّمَان وَإِسْقَاط قَولَانِ
أظهرهمَا أَنه لَا ضَمَان
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَهِي أظهرهمَا
وَالْأُخْرَى يضمن
وَلَا خلاف أَنه لَو بسط فِيهِ الْحَصِير
فزلق بِهِ إِنْسَان أَنه لَا ضمار عَلَيْهِ
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا ترك فِي دَاره كَلْبا عقورا فَدخل فِي دَاره إِنْسَان وَقد علم أَن ثمَّ كَلْبا عقورا فعقره
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لَا ضَمَان عَلَيْهِ على الْإِطْلَاق
وَقَالَ مَالك عَلَيْهِ الضَّمَان بِشَرْط أَن لَا يكون صَاحب الدَّار يعلم أَنه عقور
وَقَالَ أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه وَهِي أظهرهمَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى يضمن سَوَاء علم أَنه عقور أم لَا
стр. 611
فصل وَاتَّفَقُوا على أَن الدِّيَة
فِي قتل الْخَطَأ على عَاقِلَة الْجَانِي
وَأَنَّهَا تجب عَلَيْهِم مُؤَجّلَة فِي ثَلَاث سِنِين
وَاخْتلفُوا هَل يدْخل الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَة فَيُؤَدِّي مَعَهم فَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ كَأحد الْعَاقِلَة يلْزمه مَا يلْزم أحدهم
وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك
فَقَالَ ابْن الْقَاسِم كَقَوْل أبي حنيفَة
وَقَالَ غَيره لَا يدْخل الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَة
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن اتسعت الْعَاقِلَة أَو لم تتسع وعَلى هَذَا إِذا لم تتسع الْعَاقِلَة لتحمل جَمِيع الدِّيَة انْتقل ذَلِك إِلَى بَيت المَال
وَإِن كَانَ الْجَانِي من أهل الدِّيوَان
فَهَل يلْحق أهل ديوانه بالعصبة فِي الدَّم أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة ديوانه عَاقِلَته ويقدمون على الْعصبَة فِي التَّحَمُّل
فَإِن عدموا فَحِينَئِذٍ تتحمل الْعصبَة
وَكَذَا عَاقِلَة السوقي أهل سوقه ثمَّ قرَابَته
فَإِن عجزوا فَأهل محلته
فَإِن لم تتسع فَأهل بلدته
وَإِن كَانَ الْجَانِي من أهل الْقرى وَلم يَتَّسِع فالمصر الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْقرْيَة من سوَاده
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لَا مدْخل لَهُم فِي الدِّيَة إِذا لم يَكُونُوا أقَارِب الْجَانِي
وَاخْتلفُوا فِيمَا تحمله الْعَاقِلَة من الدِّيَة
هَل هُوَ مُقَدّر
أم هُوَ على قدر الطَّاقَة وَالِاجْتِهَاد فَقَالَ أَبُو حنيفَة يسوى بَين جَمِيعهم
فَيُؤْخَذ من ثَلَاثَة دَرَاهِم إِلَى أَرْبَعَة
وَقَالَ مَالك وَأحمد لَيْسَ فِيهِ مُؤَقّت وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسب التسهيل وَلَا يضر بِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي يتَقَدَّر فَيُوضَع على الْغَنِيّ نصف دِينَار وعَلى متوسط الْحَال ربع دِينَار وَلَا ينقص من ذَلِك
وَهل يَسْتَوِي الْفَقِير والغني من الْعَاقِلَة فِي تحمل الدِّيَة أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة يستويان
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يتَحَمَّل الْغَنِيّ زِيَادَة على الْمُتَوَسّط
وَالْغَائِب من الْعَاقِلَة هَل يحمل شَيْئا من الدِّيات كالحاضر أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد هما سَوَاء
وَقَالَ مَالك لَا يتَحَمَّل الْغَائِب مَعَ الْحَاضِر شَيْئا إِذا كَانَ الْغَائِب من الْعَاقِلَة فِي إقليم آخر سوى الإقليم الَّذِي فِيهِ بَقِيَّة الْعَاقِلَة
وَيضم إِلَيْهِم أقرب الْقَبَائِل مِمَّن هُوَ محَارب مَعَهم
وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين
وَاخْتلفُوا فِي تَرْتِيب التَّحَمُّل
فَقَالَ أَبُو حنيفَة الْقَرِيب والبعيد فِيهِ سَوَاء
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد تَرْتِيب التَّحَمُّل على تَرْتِيب الْأَقْرَب من الْعَصَبَات
فَإِن استغرقوه لم يقسم على غَيرهم
فَإِن لم يَتَّسِع الْأَقْرَب لتحمله دخل الْأَبْعَد
وَهَكَذَا حَتَّى يدْخل فيهم أبعدهم دَرَجَة على حسب الْمِيرَاث
وَابْتِدَاء حول الْعقل هَل يعْتَبر بِالْمَوْتِ أَو بِحكم
стр. 612
الْحَاكِم قَالَ أَبُو حنيفَة اعْتِبَاره من حِين حكم الْحَاكِم
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد من حِين الْمَوْت
وَمن مَاتَ من الْعَاقِلَة بعد الْحول هَل يسْقط مَا كَانَ يلْزمه أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة يسْقط وَلَا يُؤْخَذ من تركته
وَأما مَذْهَب مَالك فَقَالَ ابْن الْقَاسِم يجب فِي مَاله وَيُؤْخَذ من تركته
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه ينْتَقل مَا عَلَيْهِ إِلَى تركته
فصل إِذا مَال حَائِط إِنْسَان
إِلَى طَرِيق أَو إِلَى ملك غَيره ثمَّ وَقع على شخص فَقتله
فَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن طُولِبَ بِالنَّقْضِ فَلم يفعل مَعَ التَّمَكُّن
ضمن مَا تلف بِسَبَبِهِ وَإِلَّا فَلَا يضمن
وَقَالَ مَالك وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيهما إِن تقدم إِلَيْهِ بنقضه فَلم ينْقضه
فَعَلَيهِ الضَّمَان
زَاد مَالك وَأشْهد عَلَيْهِ
وَعَن مَالك رِوَايَة أُخْرَى أَنه إِذا بلغ من شدَّة الْخَوْف إِلَى مَا لَا يُؤمن مَعَه الْإِتْلَاف ضمن مَا تلف بِهِ سَوَاء تقدم أم لَا وَسَوَاء أشهد أم لَا
وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى وَهِي الْمَشْهُورَة أَنه لَا يضمن مُطلقًا
ولأصحاب الشَّافِعِي فِي الضَّمَان وَجْهَان
أصَحهمَا أَنه لَا يضمن
فصل وَاتَّفَقُوا على وجوب الْكَفَّارَة
فِي قتل الْخَطَأ إِذا لم يكن الْمَقْتُول ذِمِّيا وَلَا عبدا
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ ذِمِّيا أَو عبدا
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد تجب الْكَفَّارَة فِي قتل الذِّمِّيّ على الْإِطْلَاق وَفِي قتل العَبْد الْمُسلم على الْمَشْهُور
وَقَالَ مَالك لَا تجب الْكَفَّارَة فِي قتل الذِّمِّيّ
وَهل تجب فِي قتل الْعمد قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا تجب
وَقَالَ الشَّافِعِي تجب
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ كالمذهبين
وَلَو قتل الْكَافِر مُسلما خطأ
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لَهُ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ
وَهل تجب الْكَفَّارَة على الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا قتلا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد تجب
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تجب
وَاتَّفَقُوا على أَن كَفَّارَة الْخَطَأ عتق رَقَبَة مُؤمنَة
فَإِن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين
وَاخْتلفُوا فِي الْإِطْعَام
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه لَا يجزىء الْإِطْعَام فِي ذَلِك
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد أَنه يجزىء
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ
أصَحهمَا أَنه لَا إطْعَام
وَهل تجب الْكَفَّارَة على الْقَاتِل بِسَبَب تعديه كحفر الْبِئْر وَنصب السكين وَوضع الْحجر فِي الطَّرِيق قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد تجب
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تجب مُطلقًا
وَإِن كَانُوا قد أَجمعُوا على وجوب الدِّيَة فِي ذَلِك
انْتهى
стр. 613
كتاب الدِّيات
وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْأَحْكَام
تجب الدِّيَة بقتل الْمُسلم وَالذِّمِّيّ
وَالْأَصْل فِيهِ من الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ وَقد تقدم بَيَانهَا
وَمن السّنة مَا روى أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن النَّبِي ﷺ كتب إِلَى أهل الْيَمين وَفِي النَّفس مائَة من الْإِبِل وَهُوَ إِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ
فَإِن كَانَت الدِّيَة فِي الْعمد الْمَحْض أَو فِي شبه الْعمد وَجَبت مائَة مُغَلّظَة
وَهِي ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة والخلفة الْحَامِل
بِدَلِيل مَا روى عبَادَة ابْن الصَّامِت ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَلا إِن فِي الدِّيَة الْعُظْمَى مائَة من الْإِبِل مِنْهَا أَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ دِيَة شبه الْعمد ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة
فَإِن قيل فَمَا معنى قَوْله مِنْهَا أَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا وَقد علم أَن الخلفة لَا تكون إِلَّا حَامِلا قُلْنَا لَهُ تَأْوِيلَانِ
стр. 614
أَحدهمَا أَنه أَرَادَ التَّأْكِيد فِي الْكَلَام
وَذَلِكَ جَائِز
كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾
وَالثَّانِي أَن الخلفة اسْم للحامل الَّتِي لم تضع
وَاسم للَّتِي وضعت ويتبعها وَلَدهَا
فَأَرَادَ أَن يُمَيّز بَينهمَا
وَإِن كَانَت الْجِنَايَة خطأ وَلم يكن الْقَتْل فِي الْحرم وَلَا فِي الْأَشْهر الْحرم وَلَا كَانَ الْمَقْتُول ذَا رحم محرم للْقَاتِل فَإِن الدِّيَة تكون مُخَفّفَة أَخْمَاسًا
وَهِي مائَة من الْإِبِل عشرُون بنت مَخَاض وَعِشْرُونَ بنت لبون وَعِشْرُونَ ابْن لبون وَعِشْرُونَ حقة وَعِشْرُونَ جَذَعَة
بِدَلِيل مَا روى مُجَاهِد عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قضى بدية الْخَطَأ مائَة من الْإِبِل عشرُون بنت مَخَاض وَعِشْرُونَ بنت لبون وَعِشْرُونَ ابْن لبون وَعِشْرُونَ حقة وَعِشْرُونَ جَذَعَة
وَإِن كَانَ قتل الْخَطَأ فِي الْحرم أَو فِي الْأَشْهر الْحرم وَهِي رَجَب وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم أَو كَانَ الْمَقْتُول ذَا رحم محرم للْقَاتِل كَانَت دِيَة الْخَطَأ مُغَلّظَة كدية الْعمد
بِدَلِيل أَن الصَّحَابَة ﵃ غلظوا فِي دِيَة الْخَطَأ فِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة
وَعَن عمر ﵁ أَنه قَالَ من قتل فِي الْحرم أَو فِي الْأَشْهر الْحرم أَو ذَا رحم محرم
فَعَلَيهِ دِيَة وَثلث
وَرُوِيَ عَن عُثْمَان ﵁ أَن امْرَأَة وطِئت فِي الطّواف فَمَاتَتْ
فَقضى أَن دِيَتهَا سِتَّة آلَاف دِرْهَم
وألفا دِرْهَم للحرم
وروى ابْن جُبَير أَن رجلا قتل رجلا فِي الْبَلَد الْحَرَام فِي الشَّهْر الْحَرَام
فَقَالَ ابْن عَبَّاس دِيَته اثْنَا عشر ألف دِرْهَم وَأَرْبَعَة آلَاف تَغْلِيظًا للشهر الْحَرَام وَأَرْبَعَة آلَاف للبلد الْحَرَام فكملها عشْرين ألفا
وَلَا مُخَالف لَهُم من الصَّحَابَة
وَإِن قتل خطأ فِي حرم الْمَدِينَة
فَهَل تتغلظ الدِّيَة فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا تغلظ كَمَا تغلظ فِي الْبَلَد الْحَرَام
فَإِنَّهُ كالحرم فِي تَحْرِيم الصَّيْد
فَكَانَ كالحرم فِي تَغْلِيظ دِيَة الْخَطَأ
وَالثَّانِي لَا تغلظ وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ دون الْحرم
بِدَلِيل أَنه يجوز قَصده بِغَيْر إِحْرَام
فَلم يلْحق بِهِ فِي الْحُرْمَة وَلَا فِي تَغْلِيظ الدِّيَة
стр. 615
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
اتّفق الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى على أَن دِيَة الْمُسلم الْحر الذّكر مائَة من الْإِبِل فِي مَال الْقَاتِل الْعَامِد إِذا عدل إِلَى الدِّيَة
ثمَّ اخْتلفُوا هَل هِيَ مُؤَجّلَة فِي ثَلَاث سِنِين وَاخْتلفُوا فِي دِيَة الْعَمَل
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه هِيَ أَربَاع
لكل سنّ من أَسْنَان الْإِبِل مِنْهَا خمس وَعِشْرُونَ بنت مَخَاض وَمثلهَا بنت لبون وَمثلهَا حقاق وَمثلهَا جذاع
وَقَالَ الشَّافِعِي تُؤْخَذ مُثَلّثَة ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة
أَي حوامل
وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَته الْأُخْرَى
وَأما دِيَة شبه الْعمد فَهِيَ مثل دِيَة الْعمد الْمَحْض عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك فِي ذَلِك
وَأما دِيَة الْخَطَأ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد هِيَ مخمسة عشرُون جَذَعَة وَعِشْرُونَ بنت لبون وَعِشْرُونَ ابْن مَخَاض وَعِشْرُونَ بنت مَخَاض
وَبِذَلِك قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَّا أَنَّهُمَا جعلا مَكَان ابْن مَخَاض ابْن لبون
فصل وَاخْتلفُوا فِي الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم
هَل يجوز أَن تُؤْخَذ فِي الدِّيات أم لَا فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد يجوز أَخذهَا فِي الدِّيات مَعَ وجود الْإِبِل
وعنهما رِوَايَتَانِ
وَهل هِيَ أصل بِنَفسِهَا أم الأَصْل الْإِبِل وَالذَّهَب
وَالدَّرَاهِم وَالْفِضَّة بدل عَنْهَا قَالَ مَالك هِيَ أصل بِنَفسِهَا مقدرَة بِالشَّرْعِ
وَلم يَعْتَبِرهَا بِالْإِبِلِ
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يعدل عَن الْإِبِل إِذا وجدت إِلَّا بِالتَّرَاضِي
فَإِن أعوزت فَعَنْهُ قَولَانِ
الْجَدِيد الرَّاجِح أَنه يعدل إِلَى قيمتهَا حِين الْقَبْض زَائِدَة أَو نَاقِصَة وَالْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ ضَرُورَة يعدل إِلَى ألف دِينَار أَو اثْنَي عشر ألف دِرْهَم
وَاخْتلفُوا فِي مبلغ الدِّيَة من الدَّرَاهِم
فَقَالَ أَبُو حنيفَة عشرَة آلَاف دِرْهَم
وَاخْتلفُوا فِي الْبَقر وَالْغنم هَل لَهَا أصل فِي الدِّيَة أم تُؤْخَذ على وَجه الْقيمَة قَالَ أَحْمد الْبَقر وَالْغنم أصل مُقَدّر فِيهَا
فَمن الْبَقر مِائَتَا بقرة وَمن الْغنم ألفا شَاة
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ أَنَّهَا لَيست بِبَدَل
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قتل فِي الْحرم أَو قتل وَهُوَ محرم أَو فِي شهر حرَام أَو قتل ذَا رحم محرم هَل تغلظ الدِّيَة فِي ذَلِك
стр. 616
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تغلظ الدِّيَة فِي شَيْء من ذَلِك
وَقَالَ مَالك تغلظ فِي قتل الرجل وَلَده فَقَط
والتغليظ أَن تُؤْخَذ الْإِبِل أَثلَاثًا ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة
وَعَن مَالك فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا لَا تغلظ الدِّيَة فيهمَا
وَالْأُخْرَى تغلظ
وَفِي صفة تغليظها عَنهُ رِوَايَتَانِ
أشهرهما أَنه يلْزم من الذَّهَب وَالْوَرق قيمَة الْإِبِل الْمُغَلَّظَة بَالِغَة مَا بلغت
وَقَالَ الشَّافِعِي تغلظ فِي الْحرم وَالْمحرم وَالْأَشْهر الْحرم
وَقيل تغلظ فِي الْإِحْرَام
ولأصحابه وَجْهَان
أظهرهمَا لَا تغلظ
وَلَا تغلظ عِنْده إِلَّا فِي الْإِبِل
وَأما الذَّهَب وَالْوَرق فَلَا يدْخل التَّغْلِيظ فِيهِ
وَصفَة التَّغْلِيظ عِنْده أَن تكون بأسنان الْإِبِل فَقَط
وَقَالَ أَحْمد تغلظ الدِّيَة
وَصفَة التَّغْلِيظ إِن كَانَ الضَّمَان بِالذَّهَب وَالْفِضَّة فبزيادة الْقدر
وَهُوَ ثلث الدِّيَة نصا عَنهُ
وَإِن كَانَ بِالْإِبِلِ فَقِيَاس مذْهبه أَنه كالأثمان
وَأَنَّهَا مُغَلّظَة بِزِيَادَة الْقدر لَا بِالسِّنِّ
وَاخْتلف الشَّافِعِي وَأحمد هَل يتداخل تَغْلِيظ الدِّيَة أم لَا مِثَاله قتل فِي شهر حرَام فِي الْحرم ذَا رحم محرم
فَقَالَ الشَّافِعِي يتداخل وَيكون التَّغْلِيظ فيهمَا وَاحِدًا
وَقَالَ أَحْمد لَا يتداخل بل لكل وَاحِد من ذَلِك ثلث الدِّيَة
وَاتَّفَقُوا على أَن الجروح قصاص فِي كل مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقصاص
وَأما مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقصاص
وَهُوَ عشرَة الحارصة
وَهِي الَّتِي تشق الْجلد
والدامية وَهِي الَّتِي تخرج الدَّم
والباضعة وَهِي الَّتِي تشق اللَّحْم
والمتلاحمة وَهِي الَّتِي تغوص فِي اللَّحْم
والسمحاق وَهِي الَّتِي يبْقى بَينهَا وَبَين الْعظم قشرة رقيقَة
فَهَذِهِ الجروح الْخَمْسَة لَيْسَ فِيهَا مُقَدّر شَرْعِي بِاتِّفَاق الْأَرْبَعَة إِلَّا مَا روى أَحْمد أَن زيدا ﵁ حكم فِي الدامية بِبَعِير
وَفِي الباضعة ببعيرين
وَفِي المتلاحمة بِثَلَاثَة أَبْعِرَة
وَفِي السمحاق بأَرْبعَة أَبْعِرَة قَالَ أَحْمد وَأَنا أذهب إِلَى ذَلِك
فَهَذِهِ رِوَايَة عَنهُ
وَالظَّاهِر من مذْهبه كالجماعة
وَأَجْمعُوا على أَن فِي كل وَاحِدَة من هَذِه الْخَمْسَة حُكُومَة بعد الِانْدِمَال
والحكومة أَن يقوم الْمَجْنِي عَلَيْهِ قبل الْجِنَايَة كَأَنَّهُ كَانَ عبدا
فَيُقَال كم قِيمَته قبل الْجِنَايَة وَكم قِيمَته بعْدهَا فَيكون لَهُ بِقدر التَّفَاوُت من دِيَته
стр. 617
فصل وَأما الْخَمْسَة الَّتِي فِيهَا مُقَدّر شَرْعِي
فَهِيَ الْمُوَضّحَة
وَهِي الَّتِي توضح عَن الْعظم
فَإِذا كَانَت فِي الْوَجْه فَفِيهَا خمس من الْإِبِل عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِيهَا عشر
وَقَالَ مَالك فِي مُوضحَة الْأنف واللحى الْأَسْفَل حُكُومَة خَاصَّة
وَبَاقِي الْمَوَاضِع من الْوَجْه فِيهَا خمس من الْإِبِل
وَإِن كَانَت فِي الرَّأْس فَهَل هِيَ بِمَنْزِلَة الْمُوَضّحَة فِي الْوَجْه أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ هِيَ بمنزلتها
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا كالجماعة
وَالثَّانيَِة إِن كَانَت فِي الْوَجْه فَفِيهَا عشر وَإِن كَانَت فِي الرَّأْس فَفِيهَا خمس
وَأَجْمعُوا على أَن فِي الْمُوَضّحَة الْقصاص إِن كَانَ عمدا
الثَّانِيَة الهاشمة
وَهِي الَّتِي تهشم الْعظم وتكسره
وفيهَا عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد عشر من الْإِبِل وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك فِي ذَلِك فَقيل خمس وحكومة
وَقيل خَمْسَة عشر
وَقَالَ أَشهب فِيهَا عشر كمذهب الْجَمَاعَة
الثَّالِثَة المنقلة
وَهِي الَّتِي توضح وتهشم وتنقل الْعِظَام
وفيهَا خَمْسَة عشر من الْإِبِل بِالْإِجْمَاع
الرَّابِعَة المأمومة
وَهِي الَّتِي تبلغ أم الرَّأْس وَهِي خريطة الدِّمَاغ المحيطة بِهِ
وفيهَا ثلث الدِّيَة ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ وَثلث من الْإِبِل
الْخَامِسَة الْجَائِفَة
وَهِي الَّتِي تصل إِلَى الْجوف كبطن وَصدر وثغرة نحر وجنب وخاصرة
وفيهَا ثلث الدِّيَة بِالْإِجْمَاع
وَاتَّفَقُوا على أَن الْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ
وعَلى أَن فِي الْعَينَيْنِ دِيَة كَامِلَة
وَفِي الْأنف إِذا جدع الدِّيَة
وَفِي اللِّسَان الدِّيَة
وَفِي الشفتين الدِّيَة
وَفِي مَجْمُوع الْأَسْنَان وَهِي اثْنَان وَثَلَاثُونَ سنا الدِّيَة
وَفِي كل سنّ خَمْسَة أَبْعِرَة
وَفِي اللحييين الدِّيَة وَفِي لحي إِن نَبتَت الْأُخْرَى نصفهَا
وَاسْتشْكل وجوب الدِّيَة فِي اللحيين صَاحب التَّتِمَّة من الشَّافِعِيَّة
لِأَنَّهُ لم يرد فِيهِ خبر
وَالْقِيَاس لَا يَقْتَضِيهِ
بل هُوَ كالترقوة والضلع
بل هُوَ من الْعِظَام الدَّاخِلَة
وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَة عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَعند مَالك رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا كالجماعة وَالثَّانيَِة حُكُومَة
стр. 618
وَاتَّفَقُوا على أَن فِي الأجفان الْأَرْبَعَة الدِّيَة فِي كل وَاحِد ربع إِلَّا مَالِكًا
فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا حُكُومَة
وَاخْتلفُوا فِي الْعين الْقَائِمَة الَّتِي لَا يبصر بهَا وَالْيَد الشلاء وَالذكر الأشل وَذكر الْخصي ولسان الْأَخْرَس والإصبع الزَّائِدَة وَالسّن السَّوْدَاء
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه فِيهَا حُكُومَة
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ
أظهرهمَا فِيهَا الدِّيَة
وَالْأُخْرَى كالجماعة
وَاخْتلفُوا فِي الترقوة والضلع والذراع والساعد والزند والفخذ
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي ذَلِك حُكُومَة
وَقَالَ أَحْمد فِي الضلع بعير وَفِي الترقوة بعير وَفِي كل وَاحِد من الذِّرَاع والساعد والزند والفخذ بعيران فَفِي الزندين أَرْبَعَة أَبْعِرَة
وَاخْتلفُوا فِيمَا لَو ضرّ بِهِ فأوضحه فَذهب عقله فَهَل تنْتَقل الْمُوَضّحَة فِي دِيَة الْعقل أم لَا فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه عَلَيْهِ الدِّيَة لِلْعَقْلِ وَيدخل فِي ذَلِك أرش الْمُوَضّحَة
وَالْقَوْل الآخر للشَّافِعِيّ وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَصْحَابه أَن عَلَيْهِ لذهاب الْعقل دِيَة كَامِلَة
وَعَلِيهِ أرش الْمُوَضّحَة
وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأحمد
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قلع سنّ من قد ثغر
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد لَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان
وَقَالَ مَالك بِوُجُوبِهِ وبعدم سُقُوطه بعودها
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ أصَحهمَا الْوُجُوب وَعدم السُّقُوط
وَلَو ضرب سنّ رجل فاسودت
قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه يجب أرش سنّ خمس من الْإِبِل
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى ثلث دِيَة السن
وَزَاد مَالك على ذَلِك فَقَالَ إِن وَقعت السن السَّوْدَاء بعد ذَلِك لزمَه دِيَة أُخْرَى وَقَالَ فِي ذَلِك حُكُومَة فَقَط
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قطع لِسَان صبي لم يبلغ حد النُّطْق
فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِيهِ حُكُومَة
وَقَالَ مَالك وَأحمد فِيهِ دِيَة كَامِلَة
وَلَو قلع عين أَعور
فَقَالَ مَالك وَأحمد يلْزمه دِيَة كَامِلَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ يجب الْقصاص
فَإِن عَفا فَنصف دِيَة
وَقَالَ مَالك لَيْسَ لَهُ الْقصاص
وَهل لَهُ دِيَة كَامِلَة أَو نصفهَا عَنهُ فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ
وَقَالَ أَحْمد لَا قصاص بل دِيَة كَامِلَة
وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَة فِي كل وَاحِدَة نصفهَا بِالْإِجْمَاع
وَكَذَا الْأَمر فِي الرجلَيْن
وَأَجْمعُوا على أَن فِي اللِّسَان الدِّيَة
وَأَن فِي الذّكر الدِّيَة وَأَن فِي ذهَاب الْعقل دِيَة وَفِي ذهَاب السّمع دِيَة
стр. 619
وَإِذا ضرب رجل رجلا فَذهب شعر لحيته فَلم ينْبت أَو ذهب شعر رَأسه أَو شعر حَاجِبه أَو أهداب عَيْنَيْهِ فَلم تعد
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي ذَلِك الدِّيَة
وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِيهِ حُكُومَة
وَأَجْمعُوا على أَن دِيَة الْمَرْأَة الْحرَّة الْمسلمَة فِي نَفسهَا على النّصْف من دِيَة الرجل الْحر الْمُسلم
ثمَّ اخْتلفُوا هَل تساويه فِي الْجراح أم لَا فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد لَا تساويه فِي شَيْء من الْجراح بل جراحها على النّصْف من جراحه فِي الْقَلِيل وَالْكثير
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه تساويه فِي الْجراح فِيمَا دون ثلث الدِّيَة
فَإِذا بلغت الثُّلُث كَانَت دِيَة جراحها على النّصْف من دِيَة الرجل
وَقَالَ أَحْمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي أظهر روايتيه واختارها الْخرقِيّ تساويه إِلَى ثلث الدِّيَة
فَإِذا زَادَت على الثُّلُث فَهِيَ على النّصْف
وَلَو وطىء زَوجته وَلَيْسَ مثلهَا يُوطأ فأفضاها
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي عَلَيْهِ الدِّيَة
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ
أشهرهما فِيهِ حُكُومَة
وَالْأُخْرَى دِيَة
وَاخْتلفُوا فِي دِيَة الْكِتَابِيّ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ
فَقَالَ أَبُو حنيفَة دِيَته كدية الْمُسلم فِي الْعمد وَالْخَطَأ من غير فرق
وَقَالَ أَحْمد إِن كَانَ لِلنَّصْرَانِيِّ أَو الْيَهُودِيّ عهد وَقَتله مُسلم عمدا فديته كدية الْمُسلم
وَإِن قَتله خطأ فروايتان
إِحْدَاهمَا نصف دِيَة الْمُسلم
واختارها الْخرقِيّ
وَالثَّانِي دِيَة مُسلم
فصل والمجوسي دِيَته
عِنْد أبي حنيفَة كدية الْمُسلم فِي الْعمد وَالْخَطَأ من غير فرق
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ دِيَة الْمَجُوسِيّ فِي الْخَطَأ ثَمَانمِائَة دِرْهَم
وَفِي الْعمد ألف وسِتمِائَة
وَاخْتلفُوا فِي ديات الكتابيات والمجوسيات
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ دياتهن على النّصْف من ديات رِجَالهنَّ
لَا فرق بَين الْخَطَأ والعمد
وَقَالَ أَحْمد على النّصْف فِي الْخَطَأ وَفِي الْعمد كَالرّجلِ مِنْهُم سَوَاء
فصل وَإِذا جنى العَبْد جِنَايَة
فَتَارَة تكون خطأ
وَتارَة تكون عمدا
فَإِن كَانَت خطأ فقد اخْتلف الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى فِي ذَلِك
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي أظهر روايتيه الْمولى بِالْخِيَارِ بَين الْفِدَاء
وَبَين
стр. 620
دفع العَبْد إِلَى ولي الْمَجْنِي عَلَيْهِ
فَيملكهُ بذلك
سَوَاء زَادَت قِيمَته على أرش الْجِنَايَة أَو نقصت
فَإِن امْتنع ولي الْمَجْنِي عَلَيْهِ من قبُوله وطالب الْمولى بِبيعِهِ وَدفع الْقيمَة فِي الْأَرْش لم يجْبر الْمولى على ذَلِك
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمولى بِالْخِيَارِ بَين الْفِدَاء وَبَين الدّفع إِلَى الْوَلِيّ للْبيع
فَإِن فضل من ثمنه شَيْء فَهُوَ لسَيِّده
فَإِن امْتنع الْوَلِيّ من قبُوله وطالب الْمولى بِبيعِهِ وَدفع الثّمن إِلَيْهِ كَانَ لَهُ ذَلِك
وَإِن كَانَت الْجِنَايَة عمدا
قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر روايتيه ولي الْمَجْنِي عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَين الْقصاص وَبَين الْعَفو على مَال
وَلَيْسَ لَهُ الْعَفو على رَقَبَة العَبْد أَو استرقاقه
وَلَا يملكهُ بِالْجِنَايَةِ
وَقَالَ مَالك وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يملكهُ الْمَجْنِي عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ
فَإِن شَاءَ قَتله
وَإِن شَاءَ استرقه وَإِن شَاءَ أعْتقهُ
وَيكون فِي جَمِيع ذَلِك متصرفا فِي ملكه
إِلَّا أَن مَالِكًا اشْترط أَن تكون الْجِنَايَة قد ثبتَتْ بِالْبَيِّنَةِ لَا بالاعتراف
وَهل يضمن العَبْد بِقِيمَتِه بَالِغَة مَا بلغت وَإِن زَادَت على دِيَة الْحر أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يبلغ بِهِ دِيَة الْحر بل ينقص عشرَة آلَاف دِرْهَم
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي أظهر روايتيه يضمن بِقِيمَتِه بَالِغَة مَا بلغت
وَالْحر إِذا قتل عبدا خطأ
قَالَ أَبُو حنيفَة قِيمَته على عاقله الْجَانِي
وَقَالَ مَالك وَأحمد قِيمَته على الْجَانِي دون عَاقِلَته
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ
أَحدهمَا كمذهب مَالك وَأحمد
وَالثَّانِي على عَاقِلَة الْجَانِي
وَاخْتلفُوا فِي الْجِنَايَة على أَطْرَاف العَبْد
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد كل ذَلِك فِي مَال الْجَانِي لَا على عَاقِلَته
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ
والجنايات الَّتِي لَهَا أروش مقدرَة فِي حق الْحر كَيفَ الحكم فِي مثلهَا فِي العَبْد قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه كل جِنَايَة لَهَا أرش مُقَدّر فِي الْحر من الدِّيَة فَإِنَّهَا مقدرَة من العَبْد بذلك الْأَرْش من قِيمَته
وَقَالَ مَالك وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يضمن مَا نقص من قِيمَته
وَزَاد مَالك فَقَالَ إِلَّا فِي المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة
فَإِن مذْهبه فِيهَا كمذهب الْجَمَاعَة
فصل وَإِذا اصطدم الفارسان
الحران فماتا
قَالَ مَالك وَأحمد على عَاقِلَة كل وَاحِد مِنْهُمَا دِيَة الآخر كَامِلَة
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة
فَقَالَ الدَّامغَانِي فِيهَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا كمذهب مَالك وَأحمد
وَالْأُخْرَى على عَاقِلَة كل وَاحِد مِنْهُمَا نصف دِيَة الآخر
وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي
قَالَ وَفِي تَرِكَة كل وَاحِد نصف قيمَة دَابَّة الآخر
وَله
стр. 621
قَول آخر أَن هلاكهما وهلاك الدابتين يكون هدرا
لِأَنَّهُ لَا صنع لَهما فِيهِ
كالآفة السماوية
وَالله أعلم
بَاب دَعْوَى الدَّم والقسامة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْقسَامَة
ومدعي الدَّم يَنْبَغِي أَن يعين من يَدعِي عَلَيْهِ من وَاحِد أَو جمَاعَة
وَالْقَتْل فِي مَحل اللوث يَقْتَضِي الْقسَامَة
واللوث قرينَة حَال توقع فِي الْقلب صدق الْمُدَّعِي مثل أَن يُوجد قَتِيل فِي قَبيلَة أَو قَرْيَة صَغِيرَة بَين الْمَقْتُول وَبَين أَهلهَا عَدَاوَة ظَاهِرَة
فَهُوَ لوث فِي حَقهم
وَكَذَا لَو تفرق جمَاعَة عَن قَتِيل فِي دَار أَو مَسْجِد أَو بُسْتَان أَو ازْدحم قوم على بِئْر ثمَّ تفَرقُوا عَن قَتِيل
وَمعنى الْقسَامَة أَن يحلف الْمُدَّعِي على الْقَتْل الَّذِي يَدعِيهِ خمسين يَمِينا
وَكَيْفِيَّة الْيَمين كَمَا فِي سَائِر الدَّعَاوَى
وَإِذا مَاتَ قَامَ وَارثه مقَامه
ويستأنف الْوَارِث
وَإِن كَانُوا جمَاعَة وزعت الْخمسين عَلَيْهِم على قدر مواريثهم وَيجْبر الْكسر فِي الْيَمين
وَإِذا أقسم الْمُدَّعِي على قتل الْخَطَأ أَو شبه الْعمد أَخذ الدِّيَة من الْعَاقِلَة
وَإِن حلف على الْعمد فيقتص من الْمقسم عَلَيْهِ
وَإِذا حلف على ثَلَاثَة أَخذ من كل مِنْهُم ثلث الدِّيَة
وَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهُم حَاضرا والآخران غائبين حلف على الْحَاضِر خمسين يَمِينا وَأخذ مِنْهُ ثلث الدِّيَة
فَإِذا حضر الْآخرَانِ حلف عَلَيْهِمَا خمسين يَمِينا وَأخذ مِنْهُمَا الثُّلثَيْنِ على خلاف فِيهِ
وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن سهل السَّرخسِيّ ﵀ من أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي الْمَبْسُوط إِذا وجد الرجل قَتِيلا فِي محلّة قوم فَعَلَيْهِم أَن يقسم مِنْهُم خَمْسُونَ رجلا بِاللَّه مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا علمنَا لَهُ قَاتلا ثمَّ يغرمون الدِّيَة
قَالَ بلغنَا هَذَا عَن رَسُول الله ﷺ
وَفِيه أَحَادِيث مَشْهُورَة
مِنْهَا حَدِيث سهل ابْن أبي حثْمَة بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن بن سهل وحويصة ومحيصة وَهُوَ أَنهم خَرجُوا فِي التِّجَارَة إِلَى خَيْبَر وَتَفَرَّقُوا
стр. 622
لحوائجهم
فوجدوا عبد الله بن سهل قَتِيلا فِي قليب من قلب خَيْبَر
فجاؤوا إِلَى النَّبِي ﷺ ليخبروه
فَقَامَ عبد الرَّحْمَن وَهُوَ أَخُو الْقَتِيل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْكبر الْكبر
فَتكلم أحد عميه حويصة أَو محيصة
وَهُوَ الْأَكْبَر مِنْهُمَا
وَأخْبر بذلك فَقَالَ وَمن قَتله فَقَالُوا من يقْتله سوى الْيَهُود قَالَ يبرئكم الْيَهُود بأيمان خمسين مِنْهُم
قَالُوا لَا نرضى بأيمان قوم كفار لَا يبالون مَا حلفوا عَلَيْهِ
فَقَالَ ﵊ أتحلفون وتستحقون دم صَاحبكُم فَقَالُوا كَيفَ نحلف على أَمر لم يعاين وَلم يُشَاهد قَالَ فألزم رَسُول الله ﷺ الْيَهُود الدِّيَة والقسامة
وَذكر الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَى أهل خَيْبَر إِن هَذَا قَتِيل قد وجد بَين أظْهركُم
فَمَا الَّذِي يُخرجهُ عَلَيْكُم فَكَتَبُوا إِلَيْهِ إِن مثل هَذِه الْحَادِثَة وَقعت فِي بني إِسْرَائِيل
فَأنْزل الله على مُوسَى أمرا
فَإِن كنت نَبيا فاسأل الله مثل ذَلِك
فَكتب إِلَيْهِم إِن الله تَعَالَى أَرَانِي أَن أخْتَار مِنْكُم خمسين رجلا
فَيحلفُونَ بِاللَّه مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا علمنَا لَهُ قَاتلا ثمَّ يغرمون الدِّيَة
فَقَالُوا قد قضيت فِينَا بالناموس يَعْنِي بِالْوَحْي
الْخلاف الْمَذْكُور فِي مسَائِل الْبَاب
اتّفق الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى على أَن الْقسَامَة مَشْرُوعَة فِي الْقَتْل إِذا وجد قَتِيل وَلم يعلم قَائِله
وَاخْتلفُوا فِي السَّبَب الْمُوجب للقسامة
فَقَالَ أَبُو حنيفَة الْمُوجب للقسامة وجود الْقَتِيل فِي مَوضِع هُوَ حفظ قوم أَو حمايتهم كالمحلة وَالدَّار وَمَسْجِد الْمحلة والقرية
فَإِنَّهُ يُوجب الْقسَامَة على أَهلهَا
لَكِن الْقَتِيل الَّذِي يشرع فِيهِ الْقسَامَة اسْم لمَيت بِهِ أثر من جِرَاحَة أَو ضرب أَو خنق
وَلَو كَانَ الدَّم يخرج من أَنفه وَدبره فَلَيْسَ بقتيل
وَلَو خرج من أُذُنه وعينه فَهُوَ قَتِيل فِيهِ الْقسَامَة
وَقَالَ مَالك السَّبَب الْمُعْتَبر فِي الْقسَامَة أَن يَقُول الْمَقْتُول دمي عِنْد فلَان عمدا
стр. 623
وَيكون الْمَقْتُول بَالغا مُسلما حرا سَوَاء كَانَ فَاسِقًا أَو عدلا ذكرا أَو أُنْثَى
أَو يقوم لأولياء الْمَقْتُول شَاهد وَاحِد
وَاخْتلف أَصْحَابه فِي اشْتِرَاط عَدَالَة الشَّاهِد وذكوريته
فشرطها ابْن الْقَاسِم
وَاكْتفى أَشهب بالفاسق وَالْمَرْأَة
وَمن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للقسامة عِنْد مَالك من غير خلاف عَنهُ أَن يُوجد الْمَقْتُول فِي مَكَان خَال من النَّاس
وعَلى رَأسه رجل مَعَه سلَاح مخضب بِالدَّمِ
وَقَالَ السَّبَب الْمُوجب للقسامة اللوث
وَهُوَ عِنْده قرينَة لصدق الْمُدَّعِي بِأَن يرى قَتِيل فِي مَحَله أَو قَرْيَة صَغِيرَة وَبَينه وَبينهمْ عَدَاوَة ظَاهِرَة أَو تفرق جمع عَن قَتِيل وَإِن لم يكن بَينهم وَبَينه عَدَاوَة
وَشَهَادَة الْعدْل عِنْده لوث
وَكَذَا عبيد وَنسَاء وصبيان
وَكَذَا فسقة وكفار على الرَّاجِح من مذْهبه لَا امْرَأَة وَاحِدَة
وَمن أَقسَام اللوث عِنْده لهج أَلْسِنَة الْعَام وَالْخَاص بِأَن فلَانا قتل فلَانا
وَمن اللوث وجود الرجل مُلَطَّخًا بالدماء بِيَدِهِ سلَاح عِنْد الْقَتِيل
وَمِنْه يزدحم النَّاس بِموضع أَو فِي بَاب فيوجد بَينهم قَتِيل
قَالَ أَحْمد لَا يحكم بالقسامة إِلَّا أَن يكون بَين الْمَقْتُول وَبَين الْمُدعى عَلَيْهِ لوث
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي اللوث
فَروِيَ عَنهُ أَنه الْعَدَاوَة الظَّاهِرَة والعصبية خَاصَّة كَمَا بَين الْقَبَائِل من الْمُطَالبَة بالدماء
وكما بَين أهل الْبَغي وَأهل الْعدْل
وَهَذَا قَول عَامَّة أَصْحَابه
وَأما دَعْوَى الْمَقْتُول أَن فلَانا قتلني فَلَا يكون لوثا إِلَّا عِنْد مَالك
فصل وَإِذا وجد الْمُقْتَضِي للقسامة
عِنْد كل وَاحِد من الْأَئِمَّة حلف المدعون على قَاتله خمسين يَمِينا واستحقوا دَمه إِذا كَانَ الْقَتْل عمدا عِنْد مَالك وَأحمد
وعَلى الْقَدِيم من قولي الشَّافِعِي
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد يسْتَحق دِيَة مُغَلّظَة
وَاخْتلفُوا هَل يبْدَأ بأيمان المدعين فِي الْقسَامَة أم بأيمان الْمُدعى عَلَيْهِم قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد بأيمان المدعين
فَإِن نكل المدعون وَلَا بَيِّنَة حلف الْمُدعى عَلَيْهِ خمسين يَمِينا وبرىء
وَقَالَ مَالك يبْدَأ بأيمان المدعين
وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي الحكم إِن نكلوا
فَفِي رِوَايَة يبطل الدَّم وَلَا قسَامَة
وَفِي رِوَايَة يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ إِن كَانَ رجلا بِعَيْنِه حلف وبرىء
وَإِن نكل لَزِمته الدِّيَة فِي مَاله وَلَا يلْزم الْعَاقِلَة مِنْهَا شَيْء
لِأَن النّكُول عِنْده كالاعتراف والعاقلة لَا تحمل
стр. 624
الِاعْتِرَاف
وَفِي رِوَايَة تحمل الْعَاقِلَة قلت أَو كثرت
فَمن حلف مِنْهُم برىء وَمن تخلف فَعَلَيهِ بِقسْطِهِ من الدِّيَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تشرع الْيَمين فِي الْقسَامَة إِلَّا على الْمُدعى عَلَيْهِم المعينون
فَإِذا لم يعين المدعون شخصا بِعَيْنِه يدعونَ عَلَيْهِ
فَيحلف من الْمُدعى عَلَيْهِم خَمْسُونَ رجلا خمسين يَمِينا مِمَّن يختارهم المدعون
فَيحلفُونَ بِاللَّه مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا علمنَا لَهُ قَاتلا
فَإِن لم يَكُونُوا خمسين كررت الْيَمين
فَإِن تَكَلَّمت الْأَيْمَان وَجَبت الدِّيَة على عَاقِلَة أهل الْمحلة
وَإِن عين المدعون قَاتلا فَلَا قسَامَة
وَيكون تعيينهم الْقَاتِل تبرئة لباقي أهل الْمحلة
وَيلْزم الْمُدعى عَلَيْهِ الْيَمين بِاللَّه أَنه مَا قتل وَيتْرك
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ الْأَوْلِيَاء جمَاعَة
فَقَالَ مَالك وَأحمد تقسم الْأَيْمَان بَينهم بِالْحِسَابِ
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي
وَقَالَ أَبُو حنيفَة تكَرر الْأَيْمَان عَلَيْهِم بالإدارة بعد أَن يبْدَأ أحدهم بِالْقُرْعَةِ
وَاخْتلفُوا هَل تثبت الْقسَامَة فِي العبيد فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد تثبت وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ
أصَحهمَا تثبت
وَهل تسمع أَيْمَان النِّسَاء فِي الْقسَامَة قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد لَا تسمع مُطلقًا لَا فِي عمد وَلَا فِي خطأ
وَقَالَ الشَّافِعِي تسمع مُطلقًا فِي الْعمد وَالْخَطَأ
وَهن فِي الْقسَامَة كَالرّجلِ
وَقَالَ مَالك تسمع أيمانهن فِي الْخَطَأ دون الْعمد
انْتهى
فَالْحَاصِل من تَقْرِير أَحْكَام هَذِه الْجِنَايَات فَوَائِد مِنْهَا مَا حكى عَن صدر الدّين الخابوري
قَالَ سَمِعت القَاضِي شرف الدّين الْبَارِزِيّ بحماه يَقُول لَو وَقع شخص على شخص
فَإِن اسْتمرّ عَلَيْهِ مَاتَ وَإِن انْتقل إِلَى غَيره أَي انْقَلب عَلَيْهِ مَاتَ
فَمَاذَا يفعل الْجَواب الِاسْتِمْرَار على من وَقع عَلَيْهِ
لِأَن انقلابه إِحْدَاث فعل من جِهَته وَلَا يجوز لَهُ إِحْدَاث فعل
وَمِنْهَا لَو وَقع رجل على طِفْل بَين أَطْفَال إِن أَقَامَ على أحدهم قَتله
وَإِن انْتقل إِلَى آخر قَتله
وَكَانَ أحدهم كَافِرًا
قَالَ ابْن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِده الْأَظْهر عِنْدِي أَنه يلْزمه الِانْتِقَال إِلَيْهِ لِأَن قَتله أخف مفْسدَة من قتل الطِّفْل الْمَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ
ولأنا نجوز قتل أَوْلَاد الْكفَّار عِنْد التترس بهم بِحَيْثُ لَا يجوز ذَلِك فِي أَطْفَال الْمُسلمين
стр. 625
وَمِنْهَا لَو وَقع فِي نَار لَا ينجو مِنْهَا
وَأمكنهُ أَن يلقِي نَفسه فِي مَاء يغرق
فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الصَّبْر على ألم النَّار على الْأَصَح بِشَرْط أَن تستوي مُدَّة الْحَيَاة فِي الإغراق والإحراق
ذكره أَيْضا فِي الْقَوَاعِد
وَمِنْهَا الْكَافِر لَا يقْتَصّ مِنْهُ إِذا أسلم لمن قَتله من الْمُسلمين وَلَا يغرمون مَا أتلفوه على الْمُسلمين من الْأَمْوَال
لأَنا لَو ألزمناهم لتقاعدوا عَن الْإِسْلَام
وَمِنْهَا أَن كل عُضْو زوج من أَعْضَاء بني آدم فَهُوَ مؤنث إِلَّا الحاجبين والثديين
وكل عُضْو فَرد من أعضائهم يذكر إِلَّا الكبد وَالطحَال
وَمِنْهَا الخصيان بِغَيْر تَاء هَذَا هُوَ الْمَشْهُور
وَنقل الْجَوْهَرِي وَغَيره عَن أبي عَمْرو قَالَ الخصيان البيضتان والخصيان بِحَذْف التَّاء الجلدتان اللَّتَان فيهمَا البيضتان
قَالَ الْجَوْهَرِي وَيُقَال خصية بِضَم الْخَاء وَكسرهَا وَالْمَشْهُور الضَّم
وَمِنْهَا الحدقة هِيَ السوَاد الْأَعْظَم الَّذِي فِي الْعين
وَأما الْأَصْغَر فَهُوَ النَّاظر
وَفِيه إِنْسَان الْعين
والمقلة شحمة الْعين الَّتِي تجمع السوَاد وَالْبَيَاض
ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب
وَجمع الحدقة أحداق
وَقيل حداق
وَيُقَال حدق
وَمِنْهَا أَن جمع رَجَب رجبات وأرجاب ورجاب ورجوب
وَفِي اشتقاقه أَقْوَال
أَحدهَا لتعظيمهم إِيَّاه
يُقَال رجبته بِالتَّشْدِيدِ ورجبته بِكَسْر الْجِيم وَالتَّخْفِيف وَإِذا عظمه
قَالَ النّحاس وَقَالَ الْمبرد سمي رجبا لِأَنَّهُ فِي وسط السّنة
مُشْتَقّ من الرواجب
وَقيل لترك الْقِتَال فِيهِ من الرجب
وَهُوَ الْقطع وَقَالَ الْجَوْهَرِي إِنَّمَا قيل رَجَب مُضر لأَنهم كَانُوا أَشد تَعْظِيمًا لَهُ
قَالَ وَإِذا ضمُّوا إِلَيْهِ شعْبَان قَالُوا الرجبان
وَيُقَال لرجب الْأَصَم لأَنهم يتركون الْقِتَال فِيهِ
فَلَا يسمع فِيهِ صَوت سلَاح وَلَا استغاثة
وَهُوَ اسْتِعَارَة
وَتَقْدِيره يصم النَّاس فِيهِ كَمَا قَالُوا ليل نَائِم أَي نيام فِيهِ
ذكره صَاحب تَحْرِير التَّنْبِيه
وَمِنْهَا مَا إِذا وجد قَتِيل فِي محلّة
فَقَالَ رجل أَنا تَعَمّدت قتل هَذَا الْقَتِيل وَلم يشركني فِيهِ أحد
وَقَالَ آخر مثله
فَسئلَ ولي الْمَقْتُول عَن ذَلِك فَإِن صدقهما سقط حَقه من الْقود وَالدية
لِأَن فِي تَصْدِيق كل وَاحِد مِنْهُمَا تَكْذِيبًا للْآخر
وَإِن صدق أَحدهمَا ثَبت حَقه إِن شَاءَ قَتله وَإِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَأخذ الدِّيَة
وَمِنْهَا الِاصْطِلَاح فِي لُغَة الْعَرَب جبهة الْأَمِير جماعته
والعرقوب الطَّرِيق فِي الْجَبَل
والثنية الطَّرِيق بَين جبلين
وَالرجل الْقطعَة من الْجَرَاد
وَالْعين عين الْبِئْر
وفلا راس الرجل إِذا ضربه بِالسَّيْفِ
والدهن الضَّرْب بالعصا
والبلبل الرجل
стр. 626
الْخَفِيف اللَّحْم
وقطاة الْمَرْأَة مَا بَين الْوَرِكَيْنِ
والخسيس الْجَنِين الْملقى مَيتا
المصطلح وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِ من الصُّور
صُورَة قتل الْعمد وَبَيَانه وَمَا يجب فِيهِ من دِيَة الْعمد حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان وَفُلَان
وَأقر الْحَاضِر الأول أَنه عمد إِلَى وَالِد الْحَاضِر الثَّانِي فلَان الْمَذْكُور أَو إِلَى وَلَده لصلبه فلَان أَو إِلَى أَخِيه لِأَبَوَيْهِ فلَان المنحصر إِرْثه الشَّرْعِيّ فِيهِ وَإِن كَانَ للْمَيت وَرَثَة جمَاعَة عينهم وَحصر كل وَاحِد بِحِصَّتِهِ على حكم الْمِيرَاث وضربه بِسيف أَو سكين أَو شفرة أَو حَدِيدَة أَو بمثقل خَشَبَة أَو فسطاط أَو حجر كَبِير قَاصِدا مُتَعَمدا قَتله
فَمَاتَ من ذَلِك
واتفقا على أَن يَأْخُذ ولي الدَّم مِنْهُ الدِّيَة
وَيَعْفُو عَن الْقصاص
فَدفع إِلَيْهِ دِيَة الْعمد الْوَاجِبَة عَلَيْهِ شرعا
فَإِن اتفقَا على أَخذهَا على مَذْهَب أبي حنيفَة
وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد فَهِيَ أَربَاع خمس وَعِشْرُونَ بنت مَخَاض وَخمْس وَعِشْرُونَ بنت لبون وَخمْس وَعِشْرُونَ حقة
وَخمْس وَعِشْرُونَ جَذَعَة
وَإِن اتفقَا على أَخذهَا على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد
فَهِيَ من ثَلَاثَة أَسْنَان ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا
وَسلم هَذِه الدِّيَة من مَاله إِلَى ولي الْمَقْتُول أَو إِلَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول الْمَذْكُورين أَعْلَاهُ
فتسلموها مِنْهُ تسلما شَرْعِيًّا صَحِيحا غير مراض وَلَا معيبات
وَإِن كَانَ الْأَخْذ على مَذْهَب أبي حنيفَة فيكتبها مقسطة فِي ثَلَاث سِنِين من أَرْبَعَة أَسْنَان
وَأقر الْوَلِيّ الْمَذْكُور أَو الْأَوْلِيَاء المذكورون أَنه عَفا أَو أَنهم عفوا عَن الْقصاص
وَرَجَعُوا إِلَى الدِّيَة الشَّرْعِيَّة
وَرَضوا بهَا عفوا شَرْعِيًّا ورضا مُعْتَبرا مرضيا
وَإِن كَانَ الْمَكْتُوب على مَذْهَب الشَّافِعِي فَيَقُول ورضى الْقَاتِل بالعدول من الْقصاص إِلَى الدِّيَة
وَقد سبق فِي كتاب الْإِقْرَار صُورَة قبض الدِّيَة وَالْإِقْرَار بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاق وَالْإِبْرَاء بِسَبَب ذَلِك
وَإِن عَفا الْوَلِيّ عَن الْقصاص مجَّانا كتب صُورَة الْعَفو مُجَرّدَة
وَلَا يتَعَرَّض لذكر شَيْء مِمَّا تقدم من أَسْنَان الْإِبِل ثمَّ يعقب الْإِشْهَاد بِالْعَفو بِالْإِقْرَارِ بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاق وإبراء شَامِل
ويكمل على نَحْو مَا سبق
стр. 627
وَصُورَة مَا إِذا أَبى الْوَلِيّ وَلم يرض إِلَّا بِالْقصاصِ حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين الشَّافِعِي أَو الْمَالِكِي فلَان وأحضر مَعَه فلَان
وَادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه قتل وَلَده لصلبه فلَانا عمدا مَحْضا ظلما وعدوانا
وَأَنه ضربه بِسيف أَو بمحدد أَو بمثقل وَيذكر صفة المحدد أَو المثقل ضَرْبَة أَو ضربتين أَو أَكثر
فَمَاتَ مِنْهُ أَو فأزهق روحه وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فَأجَاب بالاعتراف أَو بالإنكار أَو قَالَ لم أفعل ذَلِك أَو يثبت مَا يَدعِيهِ أَو يثبت مَا ادّعى بِهِ فَذكر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور أَن لَهُ بَيِّنَة تشهد لَهُ بذلك
وَسَأَلَ الْإِذْن فِي إحضارها
فَأذن الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فِي ذَلِك
فأحضر كل وَاحِد من فلَان وَفُلَان وَفُلَان وشهدوا لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فِي وَجه الْمُدعى عَلَيْهِ إِمَّا على إِقْرَاره بذلك أَو بِالْمُشَاهَدَةِ للْفِعْل وَأَنه عمد إِلَى فلَان ولد الْمُدَّعِي الْمَذْكُور لصلبه وضربه بالشَّيْء الْفُلَانِيّ إِمَّا المحدد أَو المثقل الَّذِي يقتل مثله غَالِبا ضَرْبَة أَو ضربتين أَو أَكثر فَمَاتَ
عرفهم الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
وَقبل شَهَادَتهم بِمَا رأى مَعَه قبُولهَا أَو بعد التَّزْكِيَة الشَّرْعِيَّة وَثَبت ذَلِك عِنْده ثبوتا صَحِيحا شَرْعِيًّا
وَلما تَكَامل ذَلِك عِنْده سَأَلَ الْمُدَّعِي الْمَذْكُور الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم لَهُ على الْقَاتِل بِالْقصاصِ عملا بمذهبه ومعتقده
فأعذر إِلَى الْقَاتِل
فَلم يَأْتِ بدافع شَرْعِي واعترف بِعَدَمِ الدَّافِع والمطعن لذَلِك ولشيء مِنْهُ الِاعْتِرَاف الشَّرْعِيّ
وَثَبت اعترافه بذلك لَدَيْهِ الثُّبُوت الشَّرْعِيّ
فَحِينَئِذٍ نظر الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فِي ذَلِك وتدبره
وروى فِيهِ فكره وَنَظره واستخار الله كثيرا
واتخذه هاديا ونصيرا
وَأجَاب السَّائِل إِلَى سُؤَاله
وَحكم على الْقَاتِل الْمَذْكُور بِالْقصاصِ إِذْ لَا يجوز للْوَلِيّ الْعَفو عَن الْقصاص عِنْده حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا لموافقة ذَلِك مذْهبه ومعتقده مسؤولا فِي ذَلِك مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ فِيمَا فِيهِ الْخلاف من ذَلِك على نَحْو مَا تقدم شَرحه
وللولي اسْتِيفَاء الْقصاص بِنَفسِهِ بِأَمْر السُّلْطَان أَو نَائِبه بِأَمْر السُّلْطَان
وَإِلَّا فَمَتَى وثب بِنَفسِهِ كَانَ ذَلِك افتئاتا على السُّلْطَان
وَالصُّورَة فِي قتل الْعمد عِنْد أبي حنيفَة بالمحدد وَحده
وَعند البَاقِينَ بالمحدد والمثقل
صُورَة شبه الْعمد وديته حضر إِلَى شُهُوده فِي يَوْم تَارِيخه فلَان وَفُلَان
وَأقر الْحَاضِر الأول أَنه ضرب ولد الْحَاضِر الثَّانِي لصلبه فلَان بِسَوْط أَو عصى حَتَّى مَاتَ من ذَلِك الضَّرْب أَو غرز
стр. 628
فِي مَقْتَله إبرة أَو غرز فِي دماغه أَو حلقه إبرة فتورم وَمَات مِنْهُ أَو مَاتَ فِي الْحَال وَصدق على أَن هَذَا الْفِعْل قتل شبه الْعمد وَأَنه يَقْتَضِي الْقصاص
وَسَأَلَ الْوَلِيّ أَن يعْفُو عَن الْقصاص ويعدل إِلَى الدِّيَة على مَذْهَب من يرى ذَلِك من السَّادة الْعلمَاء ﵃ أَجْمَعِينَ
فَأَجَابَهُ الْوَلِيّ إِلَى ذَلِك إِذْ الْعُدُول عَن الْقصاص إِلَى الدِّيَة من رضى الْجَانِي
وَهِي عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد مثل دِيَة الْعمد الْمَحْض من أَرْبَعَة أَسْنَان خمس وَعِشْرُونَ بنت لبون وَخمْس وَعِشْرُونَ حقة وَخمْس وَعِشْرُونَ جَذَعَة
وَهِي على مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ من ثَلَاثَة أَسْنَان ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة
وَأَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا
فَرضِي مِنْهُ بذلك وأجابه إِلَيْهِ
وتسلم مِنْهُ الدِّيَة الْمَذْكُورَة من أَرْبَعَة أَسْنَان أَو من ثَلَاثَة أَسْنَان على مَا يتفقان عَلَيْهِ تسلما شَرْعِيًّا تَاما كَامِلا وافيا
وَيكْتب بَينهمَا بَرَاءَة على نَحْو مَا تقدم شَرحه
وَإِن تَرَاضيا على الْإِبِل بِالدَّرَاهِمِ
فَعِنْدَ الشَّافِعِي يُعْطي قيمَة الْإِبِل بَالِغَة مَا بلغت
وَلَا يعدل عَن الْإِبِل إِذا وجدت إِلَّا بِالتَّرَاضِي
وَإِن أعوزت الْإِبِل فَقَوْلَانِ للشَّافِعِيّ الْقَدِيم أَنه يعدل إِلَى ألف دِينَار أَو اثْنَي عشر ألف دِرْهَم
والجديد تجب الْقيمَة حِين الْقَبْض
وَعند أبي حنيفَة وَأحمد الدِّيَة مقدرَة بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِم
وَيجوز أَخذهَا مَعَ وجود الْإِبِل
وَعند مَالك أَن الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير أصل بِنَفسِهَا مقدرَة فِي الذِّمَّة وَلم يعْتَبر الدِّيَة بِالْإِبِلِ
ومبلغها من الدَّرَاهِم عِنْد أبي حنيفَة عشرَة آلَاف دِرْهَم
وَعند البَاقِينَ اثْنَا عشر ألف دِرْهَم وَقد تقدم ذكر الْخلاف فِي ذَلِك مُبينًا
وَفِي الْبَقر وَالْغنم وَالْحلَل
وَهل هِيَ أصل فِي الدِّيَة أم تُؤْخَذ على وَجه الْقيمَة فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لَيْسَ لشَيْء من ذَلِك أصل فِي الدِّيَة وَلَا هُوَ مُقَدّر
وَإِنَّمَا يرجع إِلَيْهِ بِالتَّرَاضِي على وَجه الْقيمَة
وَقَالَ أَحْمد الْبَقر وَالْغنم أصلان مقدران فِي الدِّيَة
فَمن الْبَقر مِائَتَا بقرة
وَمن الْغنم ألفا شَاة
وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي الْحلَل
فَروِيَ عَنهُ أَنَّهَا مقدرَة بِمِائَتي حلَّة
كل حلَّة إِزَار ورداء
وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهَا لَيست بِبَدَل
فَإِذا اتّفق الخصمان على شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء نزل الْكَاتِب الصُّورَة على أوضاعها الشَّرْعِيَّة الْمُتَّفق عَلَيْهَا الْمُوَافقَة لأحد هَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَعَ مُرَاعَاة الْإِيضَاح
وَصُورَة وجوب الْقصاص على من حبس آخر حَتَّى مَاتَ جوعا حضر إِلَى شُهُوده فلَان وَفُلَان
وتصادقا على أَن الْحَاضِر الأول حبس ولد الْحَاضِر الثَّانِي فلَان الرجل الْكَامِل وَمنعه من الْخُرُوج وَمن الطَّعَام وَالشرَاب
وَمن طلبهما مُدَّة يَمُوت مثله فِيهَا غَالِبا
стр. 629
من الْجُوع والعطش وَأَنه مَاتَ فِي حَبسه من الْجُوع والعطش
وَأَنه علم أَن الْوَاجِب عَلَيْهِ بذلك الْقصاص
وَسَأَلَ الْحَاضِر الثَّانِي ولي الْمَقْتُول الْمَذْكُور الْعَفو عَن الْقصاص إِلَى الدِّيَة
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَرَضي مِنْهُ بِالدِّيَةِ وَعَفا عَن الْقصاص
فَسَأَلَهُ ثَانِيًا أَن يقبض الدِّيَة دَرَاهِم أَو دَنَانِير
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك
وَرَضي بِقَبض الدِّيَة دَرَاهِم أَو دَنَانِير على مَذْهَب من يرى ذَلِك من السَّادة الْعلمَاء ﵃ أَجْمَعِينَ
وَأَن الْحَاضِر الأول دفع إِلَى الْحَاضِر الثَّانِي مَا مبلغه اثْنَا عشر ألف دِرْهَم أَو مَا مبلغه ألف دِينَار وَارثه
فَقبض ذَلِك مِنْهُ بِحَضْرَة شُهُوده وَإِن قبضهَا على مَذْهَب أبي حنيفَة
فَتكون عشرَة آلَاف دِرْهَم قبضا شَرْعِيًّا تَاما وافيا وَهُوَ مبلغ الدِّيَة الَّتِي عَفا عَلَيْهَا الْقَابِض الْمَذْكُور أَعْلَاهُ وَلم يتَأَخَّر لَهُ بِسَبَب ذَلِك مُطَالبَة وَلَا شَيْء قل وَلَا جلّ
وَيكْتب بَرَاءَة شَامِلَة بَينهمَا
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَإِن لم يرض الْوَلِيّ إِلَّا بِالْإِبِلِ
فَالْوَاجِب دِيَة الْعمد
وَإِن اتفقَا على الْبَقر فمائتا بقرة
أَو على الْغنم فألفا شَاة
وَحَيْثُ وَجب الْقصاص وتراضيا على الدِّيَة
وَجب دِيَة الْعمد
وَصُورَة وجوب الْقصاص على الْمُكْره والعدول مِنْهُ إِلَى الدِّيَة حضر إِلَى شُهُوده فلَان وَفُلَان
وَأقر الْحَاضِر الأول أَنه أكره فلَانا بِالْيَدِ العادية وَالْقُوَّة الْغَالِبَة حَتَّى قتل فلَانا ولد الْحَاضِر الثَّانِي وأزهق روحه بِسيف أَو بمثقل
فَمَاتَ مِنْهُ وَسَأَلَ ولي الْمَقْتُول الْعَفو عَن الْقصاص والعدول إِلَى الدِّيَة
وَهِي اثْنَا عشر ألف دِرْهَم
فَأجَاب إِلَى ذَلِك وَرَضي مِنْهُ بِالدِّيَةِ الْمَذْكُورَة
فَدفع الْمبلغ الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَقَبضهُ مِنْهُ قبضا شَرْعِيًّا
وَإِن اتفقَا على عشرَة آلَاف دِرْهَم
كتب ذَلِك لموافقة مَذْهَب أبي حنيفَة ثمَّ يكمل بِالْإِبْرَاءِ على نَحْو مَا تقدم شَرحه
وَهَذِه الصُّورَة جَائِزَة عِنْد الثَّلَاثَة إِلَّا مَالِكًا
فَإِن الْإِكْرَاه لَا يَتَأَتَّى عِنْده إِلَّا من سُلْطَان أَو متغلب أَو سيد مَعَ عَبده
فَإِذا أكره السَّيِّد عَبده على قتل آخر فَقتله
فَهَذِهِ الصُّورَة تصح عِنْد مَالك
فالجناية على السَّيِّد وعَلى عَبده
فَإِنَّهَا عِنْده على الْمُكْره وَالْمكْره جَمِيعًا
هَذَا إِذا كَانَ العَبْد يعرف لِسَان سَيّده فَإِن كَانَ السَّيِّد عَرَبيا وَالْعَبْد أعجميا
فَلَا يجب عِنْده على العَبْد شَيْء
وَبِالْعَكْسِ أَيْضا
وَإِن كتب ذَلِك على مَذْهَب مَالك وَأحمد
فَيجب الْقصاص على السَّيِّد وعَلى عَبده إِذا كَانَ العَبْد مستعربا غير أعجمي
стр. 630
وَصُورَة الدَّعْوَى بِالْقَتْلِ خطأ وَوُجُوب دِيَة الْخَطَأ على الْعَاقِلَة حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين فلَان
وأحضر مَعَه فلَانا
وَادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه عمد إِلَى وَلَده لصلبة فلَان العشاري الْعُمر مثلا وضربه بِحجر أَو عَصا ضَرْبَة
فَمَاتَ من ذَلِك
وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسئلَ
فَأجَاب إِنَّنِي لم أتعمده بِالضَّرْبِ
وَإِنَّمَا كنت قَاصِدا الرَّمْي إِلَى شَجَرَة أَو غَيرهَا
فَوَقَعت الضَّرْبَة فِيهِ فَمَاتَ مِنْهَا
وَكَانَ ذَلِك خطأ مني
فَطلب الْمُدَّعِي الْمَذْكُور يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ الْمَذْكُور أَنه لم يَقْصِدهُ بِالضَّرْبِ مُتَعَمدا قَتله
فبذل الْيَمين وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم الْيَمين الشَّرْعِيَّة الجامعة لمعاني الْحلف شرعا أَنه لم يتَعَمَّد ضربه وَإِنَّمَا رمى بِالْحجرِ إِلَى غَيره
فَوَقَعت الضَّرْبَة فِيهِ
فَمَاتَ مِنْهُ
كل ذَلِك من غير قصد مِنْهُ وَلَا تعمد لقَتله
فَقَالَ الْحَاكِم للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة تشهد أَنه قَتله عمدا فَأجَاب بِأَنَّهُ لَا بَيِّنَة لَهُ
فَقَالَ لَهُ الْحَاكِم الْوَاجِب لَك على عَاقِلَته دِيَة مُخَفّفَة وَهِي مائَة من الْإِبِل مخمسة من خَمْسَة أَسْنَان عشرُون جَذَعَة وَعِشْرُونَ حقة وَعِشْرُونَ بنت لبون وَعِشْرُونَ ابْن لبون وَعِشْرُونَ بنت مَخَاض
أَو اثْنَي عشر ألف دِرْهَم بِالتَّرَاضِي
فَحِينَئِذٍ سَأَلَ ولي الْمَقْتُول الْمَذْكُور من الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم بِالدِّيَةِ على عَاقِلَته على مُقْتَضى مذْهبه ومعتقد مقلده
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله لجوازه عِنْده شرعا وَحكم لَهُ بِالدِّيَةِ الْمَذْكُورَة إبِلا أَخْمَاسًا أَو قيمتهَا بَالِغَة مَا بلغت حَال الْقَبْض عِنْد إعواز الْإِبِل مقسطة على عَاقِلَة الْقَاتِل الْمَذْكُور حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا
مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة
وَلما تَكَامل ذَلِك عِنْده سَأَلَ الْمُدعى عَلَيْهِ الْمَذْكُور ولي الْمَقْتُول أَن يَأْخُذ الدِّيَة مبلغ اثْنَا عشر ألف دِرْهَم
فَرضِي بذلك وقسطها على الْعَاقِلَة تقسيطا شَرْعِيًّا
وانفصلوا من مجْلِس الحكم الْمشَار إِلَيْهِ على ذَلِك
وَصُورَة دَعْوَى تَتَضَمَّن أَن مُسلما قتل ذِمِّيا
وَوُجُوب دِيَة الذِّمِّيّ عَلَيْهِ وَالْحكم لوَارث الْمَقْتُول بهَا على الْقَاتِل
فَإِن كَانَت الدَّعْوَى عِنْد حَنَفِيّ كَانَت الدِّيَة مثل دِيَة الْمُسلم فِي الْعمد وَالْخَطَأ
وَعدل الْوَلِيّ عَن الْقصاص عِنْده إِلَى الدِّيَة
وَإِن كَانَت الدَّعْوَى عِنْد مالكي كَانَت الدِّيَة مثل نصف دِيَة الْمُسلم فِي الْعمد وَالْخَطَأ
وَإِن كَانَت الدَّعْوَى عِنْد الشَّافِعِي كَانَت مثل دِيَة الْمُسلم فِي الْعمد وَالْخَطَأ
وَإِن كَانَت الدَّعْوَى عِنْد حنبلي كَانَت الدِّيَة فِي قتل الذِّمِّيّ الَّذِي لَهُ عهد مثل دِيَة الْمُسلم فِي الْعمد وَحده
وَأما فِي الْخَطَأ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا
стр. 631
ثلث دِيَة الْمُسلم
وَالْأُخْرَى مثل نصف دِيَة الْمُسلم
وَهِي اخْتِيَار الْخرقِيّ
وَصُورَة ذَلِك حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ فلَان الْيَهُودِيّ أَو النَّصْرَانِي
وأحضر مَعَه فلَان الشريف الْحُسَيْنِي أَو الْمُسلم الْأَصْلِيّ
وَادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه عمد إِلَى وَلَده فلَان وضربه بِسيف أَو سكين أَو غير ذَلِك ضَرْبَة أَو أَكثر
فأزهق روحه فَهَذَا قتل الْعمد وَهُوَ فِي مَال الْقَاتِل أَو ضرب بِسَهْم إِلَى غَايَة أَو طير أَو شَجَرَة
فَأَصَابَهُ السهْم
فَمَاتَ مِنْهُ فَهَذَا قتل الْخَطَأ
وَفِيه الدِّيَة على عَاقِلَة الْقَاتِل أَو ضربه بِسَوْط أَو عَصا أَو غرز فِي دماغه إبرة وَمَا أشبه ذَلِك حَتَّى مَاتَ وَهَذَا شبه عمد وَقد بَينا دِيَة الْعمد ودية الْخَطَأ ودية شبه الْعمد
وَذكرنَا الْخلاف فِي ذَلِك بَين الْعلمَاء فِي الصُّورَة الَّتِي تقدّمت
وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
فَأجَاب بالاعتراف
فَحِينَئِذٍ سَأَلَ ولي الْمَقْتُول الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم لَهُ بدية وَلَده على مُقْتَضى مذْهبه ومعتقده
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله
وَحكم على الْقَاتِل الْمَذْكُور بِالدِّيَةِ على مَا هِيَ مقدرَة عِنْده حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا تَاما مُعْتَبرا مرضيا مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ
ويكمل على نَحْو مَا سبق
صُورَة دَعْوَى على رجل قتل عبد غَيره عمدا وَوُجُوب الْقصاص على الْقَاتِل عِنْد أبي حنيفَة خلافًا للباقين
فَإِنَّهُ لَا يقتل عِنْدهم قَاتل العَبْد بِحَال
وَعند أبي حنيفَة إِذا عدل عَن الْقصاص إِلَى الْقيمَة
فَالْوَاجِب قيمَة العَبْد بِحَيْثُ لَا تبلغ الْقيمَة مِقْدَار الدِّيَة بل تنقص عشرَة دَرَاهِم
وَالْوَاجِب عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه وَهِي الَّتِي اخْتَارَهَا الْخرقِيّ قيمَة العَبْد بَالِغَة مَا بلغت
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عِنْد أَحْمد أَنه لَا يبلغ بهَا دِيَة الْحر وَلم يقدر بِالنُّقْصَانِ
حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين الْحَنَفِيّ فلَان وأحضر مَعَه فلَانا
وَادّعى عَلَيْهِ أَنه عمد إِلَى عَبده فلَان بن عبد الله
وضربه بِسيف فَمَاتَ من تِلْكَ الضَّرْبَة أَو فَمَاتَ مِنْهُ
وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
فَأجَاب بالاعتراف أَو بالإنكار
فأحضر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور بَيِّنَة شهِدت لَهُ بذلك لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فِي وَجه الْخصم الْمَذْكُور وهم فلَان وَفُلَان وَفُلَان
عرفهم الْحَاكِم وَسمع شَهَادَتهم
وَقبلهَا بِمَا رأى مَعَه قبُولهَا
وَثَبت ذَلِك عِنْده ثبوتا صَحِيحا شَرْعِيًّا
فَحِينَئِذٍ خير الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ سيد العَبْد بَين الْقصاص وَالْقيمَة فَاخْتَارَ الْقيمَة
وَسَأَلَ الْحَاكِم الحكم لَهُ بهَا على الْقَاتِل
стр. 632
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله وَحكم لَهُ بِقِيمَة العَبْد الْمَذْكُور مَا لم تبلغ دِيَة الْمُسلم
وبالتنقيص عَن مبلغ الدِّيَة عشرَة دَرَاهِم على مُقْتَضى مذْهبه ومعتقده حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ
ويكمل على نَحْو مَا سبق
وَصُورَة دَعْوَى على جمَاعَة قتلوا وَاحِدًا عمدا وَوُجُوب الْقصاص عَلَيْهِم كلهم عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ خلافًا لِأَحْمَد
فَإِن عِنْده إِذا قتل جمَاعَة وَاحِدًا
فَعَلَيْهِم الدِّيَة وَلَا قصاص فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ
وَإِذا عدل الْوَارِث عَن الْقصاص إِلَى الدِّيَة جَازَ
وَإِن اخْتَار الْوَلِيّ أَن يَأْخُذ الْقصاص من وَاحِد وَيَأْخُذ من البَاقِينَ قسطهم من الدِّيَة جَازَ حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ فلَان وأحضر مَعَه فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا
وَادّعى عَلَيْهِم أَنهم عَمدُوا إِلَى وَلَده لصلبه فلَان وضربوه بِالسُّيُوفِ حَتَّى برد
وَمَات من ذَلِك
وَسَأَلَ سُؤَالهمْ عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُمْ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
فَأَجَابُوهُ بالاعتراف أَو بالإنكار
فَذكر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور أَنه لَهُ بَيِّنَة تشهد لَهُ بذلك
وَسَأَلَ الْإِذْن فِي إحضارها
فَأذن لَهُ
فأحضر جمَاعَة من الْمُسلمين
وهم فلَان وَفُلَان وَفُلَان
فَشَهِدُوا عِنْد الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ شَهَادَة متفقة اللَّفْظ وَالْمعْنَى مسموعة شرعا أَن الْمُدعى عَلَيْهِم الْمَذْكُورين عَمدُوا إِلَى فلَان ولد الْمُدَّعِي الْمَذْكُور وضربوه بسيوفهم حَتَّى مَاتَ مُشَاهدَة مِنْهُم لذَلِك
عرف الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الشُّهُود الْمَذْكُورين وَسمع شَهَادَتهم
وَقبلهَا بِمَا رأى مَعَه قبُولهَا شرعا
وَثَبت ذَلِك عِنْده ثبوتا صَحِيحا شَرْعِيًّا
ثمَّ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْمَذْكُور الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم لَهُ بِالْقصاصِ من القاتلين الْمَذْكُورين لجوازه عِنْده شرعا
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله
وَحكم عَلَيْهِم بِالْقصاصِ حكما شَرْعِيًّا تَاما مُعْتَبرا مرضيا مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة بعد الْإِعْذَار الشَّرْعِيّ
وَاعْتِبَار مَا يجب اعْتِبَاره شرعا من تشخيص القاتلين الْمَذْكُورين وَمَعْرِفَة الْمَقْتُول الْمَذْكُور الْمعرفَة الشَّرْعِيَّة
وَإِن كَانَ قد طلب الْقصاص من أحدهم وَأخذ من البَاقِينَ قسطهما من الدِّيَة
فَيَقُول فَحِينَئِذٍ طلب ولي الْمَقْتُول أَن يَسْتَوْفِي الْقصاص من فلَان المبدأ بِذكرِهِ أَعْلَاهُ وَأَن يَأْخُذ من الآخرين مَا وَجب عَلَيْهِمَا من دِيَة الْعمد
وَهُوَ الثُّلُثَانِ مِنْهَا على كل وَاحِد مِنْهُمَا الثُّلُث
стр. 633
وَسَأَلَ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم لَهُ بذلك
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله وَحكم على فلَان المبدأ بِذكرِهِ بِالْقصاصِ وعَلى كل وَاحِد من الآخرين بِثلث دِيَة الْعمد حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا إِلَى آخِره وَرَضي ولي الْمَقْتُول الْمَذْكُور أَن يَأْخُذ بَدَلا عَن الْإِبِل ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم
فدفعاها إِلَيْهِ فقبضها مِنْهُمَا قبضا شَرْعِيًّا ويكمل
وَإِن كَانَ الْعمد على مَذْهَب أبي حنيفَة فتقسط الدِّيَة فِي ثَلَاث سِنِين
وَإِن حصل الْعَفو عَن الْجَمِيع كتب صُورَة الْعَفو كَمَا تقدم
وَإِن كَانَت الدَّعْوَى عِنْد حنبلي وَاخْتَارَ الْعَمَل بالرواية الثَّانِيَة فَيُوجب عَلَيْهِم الدِّيَة لَا الْقصاص
صُورَة دَعْوَى على مُسلم قتل مجوسيا عمدا وَوُجُوب دِيَته وَهِي ثلثا عشر دِيَة الْمُسلم أَو قتل عَابِد الوثن أَو الشَّمْس أَو الْقَمَر
وَهَؤُلَاء لَيْسَ لَهُم عقد ذمَّة فَلَا دِيَة لَهُم لَكِن لَو دخل أحدهم إِلَى دَار الْإِسْلَام رَسُولا لم يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِالْقَتْلِ
فَإِن قَتله قَاتل فَفِيهِ أخس الدِّيات دِيَة الْمَجُوس وَهِي ثلثا عشر دِيَة الْمُسلم حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين الشَّافِعِي فلَان الْمَجُوسِيّ وأحضر مَعَه فلَانا الْمُسلم
وَادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه عمد إِلَى وَلَده لصلبه فلَان وضربه بِالسَّيْفِ أَو بمثقل فَمَاتَ مِنْهُ وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
فَأجَاب بالاعتراف أَو بالإنكار
فأحضر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور بَيِّنَة شهِدت لَهُ بذلك فِي وَجه الْخصم
وهم فلَان وَفُلَان وَفُلَان
وَقبل الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ شَهَادَتهم بِمَا رأى مَعَه قبُولهَا شرعا
فَحِينَئِذٍ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْمَذْكُور الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم بِمَا يجب لَهُ عَلَيْهِ شرعا
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤال
وَحكم على الْقَاتِل الْمَذْكُور بدية وَلَده الْقَتِيل الْمَذْكُور
وَهِي ثلثا عشر دِيَة الْمُسلم وقدرها سِتّ وَثُلُثَانِ من ثَلَاثَة أَسْنَان عِنْد الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد
وَمن أَرْبَعَة أَسْنَان عِنْد أبي حنيفَة حكما شَرْعِيًّا تَاما مُعْتَبرا مرضيا مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة
وَاعْتِبَار مَا يجب اعْتِبَاره شرعا من إعذار وتشخيص الْقَاتِل وَمَعْرِفَة الْمَقْتُول الْمعرفَة الشَّرْعِيَّة مَعَ الْعلم بِالْخِلَافِ
وَإِن حصل التَّرَاضِي على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير جَازَ
وَقد بَينا فِي هَذِه الصُّور مقادير الدِّيات فِي الْقَتْل على اخْتِلَاف الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى زِيَادَة على مَا ذكرنَا فِي الْخلاف السَّابِق فِي مسَائِل الْبَاب
فصل وَأما صور الْمجَالِس الْحكمِيَّة
المتضمنة الدَّعَاوَى بالشجاج فِي الْوَجْه
стр. 634
وَالرَّأْس
وَمَا يجب فِيهِ الْقصاص وَمَا لَا يجب وَمَا يجب فِي جراحات الْوَجْه وَالرَّأْس وَالْبدن من الدِّيات والحكومات
وَمَا يجب فِيهِ الدِّيَة من الْأَطْرَاف والحواس وَمَا يجب الضَّمَان بِفِعْلِهِ
وَمَا لَا يجب فِيهَا
صُورَة دَعْوَى بالموضحة حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز الْفُلَانِيّ فلَان وأحضر مَعَه فلَانا
وَادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه ضربه بِسيف أَو حجر أَو غَيره فِي وَجهه أَو رَأسه فأوضح الْعظم
وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
فَأجَاب بالاعتراف
أَو بالإنكار
وَتقوم الْبَيِّنَة فِي وَجه الْخصم أَنه ضربه بِكَذَا
فجرحه هَذَا الْجرْح وشخصوه لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
وَأَشَارَ إِلَيْهِ
وأشاروا إِلَيْهِ فِي مَوْضِعه
فَذكر الْمُدعى عَلَيْهِ الْمَذْكُور أَن هَذِه الْجراحَة لَيست بموضحة
وَإِنَّمَا هِيَ دونهَا
فأحضر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور جمَاعَة من أهل الْمعرفَة والخبرة بالجراحات
وهم فلَان وَفُلَان وَفُلَان فَشَهِدُوا لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنَّهَا مُوضحَة
وَثَبت ذَلِك عِنْده ثبوتا صَحِيحا شَرْعِيًّا
فَعرف الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الْمُدعى عَلَيْهِ أَن الْوَاجِب عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْقصاص أَو أرش مُوضحَة إِذا رَضِي الْمَجْنِي عَلَيْهِ بالعدول عَن الْقصاص إِلَى الدِّيَة وَهِي خمس من الْإِبِل أَو قيمتهَا من الذَّهَب أَو الدَّرَاهِم برضى الْمَجْنِي عَلَيْهِ
فَسَأَلَ الْجَانِي الْعَفو عَن الْقصاص والعدول إِلَى الْأَرْش
فَعرض الْحَاكِم ذَلِك على الْمَجْنِي عَلَيْهِ
فَأجَاب إِلَيْهِ
وَسَأَلَ الحكم لَهُ على الْجَانِي بِأَرْش الْمُوَضّحَة
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله
وَحكم لَهُ بذلك حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا إِلَى آخِره
ويكمل
وَإِن كَانَت المشجوجة امْرَأَة فَالْوَاجِب النّصْف من أرش مُوضحَة الرجل
وَإِن كَانَ المشجوج يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا
فَعِنْدَ أبي حنيفَة كأرش مُوضحَة الْمُسلم
وَعند مَالك كالنصف مِنْهَا
وَعند الشَّافِعِي كالثلث مِنْهَا
وَعند أَحْمد كموضحة الْمُسلم إِذا كَانَ للكتابي عهد
وَيعْتَبر الْحَال فِي موضحات النِّسَاء على النّصْف من ذَلِك وَيعْتَبر ذَلِك فِي مُوضحَة الْمَجُوسِيّ نصف عشر أخس الدِّيات
وَهَذَا التَّفْصِيل فِي جَمِيع ديات الشجاج الْحَاصِلَة فِي الْوَجْه وَالرَّأْس
وجراحات الْبدن والجائفات والحكومات المتقومة
وَمَا يلْزم بِالضَّمَانِ
وَصُورَة دَعْوَى بالهاشمة
وفيهَا عشر من الْإِبِل إِذا أوضح وهشم الْعظم
فَإِن
стр. 635
هشمت الْعظم من غير إيضاحه
فَفِيهَا خمس من الْإِبِل حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين فلَان الْفُلَانِيّ
وأحضر مَعَه فلَانا
وَادّعى عَلَيْهِ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه ضربه بِكَذَا
فجرحه بِوَجْهِهِ أَو بِرَأْسِهِ
وأوضح الْعظم وكسره
وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسَأَلَهُ الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
فَأجَاب بالاعتراف مثلا أَنه ضربه فجرحه وَأَنه لم يُوضح الْعظم وَلَا هشمه فأحضر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور جمَاعَة من أهل الْمعرفَة والخبرة بذلك
وهم فلَان وَفُلَان وَفُلَان
ووقفوا على الْجراح الْمَذْكُور وعاينوه
وعرفوه وحققوه وشهدوا لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فِي وَجه الْمُدعى عَلَيْهِ الْمَذْكُور أَن هَذَا الْجرْح أوضح فِيهِ الْعظم وهشمه
عرفهم الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ
وَسمع شَهَادَتهم وَقبلهَا لما رأى مَعَه قبُولهَا شرعا
وَثَبت ذَلِك عِنْده ثبوتا صَحِيحا شَرْعِيًّا
فَحِينَئِذٍ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْمَذْكُور الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الْحَاكِم لَهُ بدية الهاشمة الْمَذْكُورَة على مُقْتَضى قَاعِدَة مذْهبه ومعتقده
فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَاله
وَحكم لَهُ بِعشر من الْإِبِل حكما صَحِيحا شَرْعِيًّا تَاما مُعْتَبرا مرضيا مسؤولا فِيهِ مُسْتَوْفيا شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة
وَاعْتِبَار مَا يجب اعْتِبَاره شرعا بعد ثُبُوت الْإِعْذَار إِلَى الْجَانِي الْمَذْكُور وتشخيصه
واعترافه بِعَدَمِ الدَّافِع والمطعن لذَلِك ولشيء مِنْهُ الثُّبُوت الشَّرْعِيّ
ويكمل
صُورَة دَعْوَى بالمنقلة
وفيهَا خمس عشرَة من الْإِبِل حضر إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز بَين يَدي سيدنَا فلَان الدّين فلَان
وأحضر مَعَه فلَانا وَادّعى عَلَيْهِ لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ أَنه ضربه بِكَذَا فِي وَجهه أَو رَأسه
فجرحه جرحا أوضح الْعظم وهشمه وَنَقله من مَكَانَهُ
وَسَأَلَ سُؤَاله عَن ذَلِك
فَسئلَ
فَأجَاب أَنه جرحه هَذَا الْجرْح وَأَنه لَا يعلم صِحَة الدَّعْوَى فِيمَا عداهُ
فَذكر الْمُدَّعِي الْمَذْكُور أَن لَهُ بَيِّنَة تشهد لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ
وَسَأَلَ الْإِذْن فِي إحضارها
فَأذن لَهُ
فأحضر جمَاعَة من أهل النّظر والمعرفة والخبرة بذلك
وهم فلَان وَفُلَان وَفُلَان
فَشَهِدُوا لَدَى الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ فِي وَجه الْخصم الْمَذْكُور بعد تشخيص الْجرْح ومعاينته أَن هَذِه الْجراحَة أوضحت الْعظم وهشمته ونقلته
عرفهم الْحَاكِم وَسمع شَهَادَتهم وَقبلهَا لما رأى مَعَه قبُولهَا شرعا
وَثَبت ذَلِك عِنْده ثبوتا صَحِيحا شَرْعِيًّا
فَحِينَئِذٍ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْمَذْكُور الْحَاكِم الْمشَار إِلَيْهِ الحكم لَهُ على الْجَانِي الْمَذْكُور بِالدِّيَةِ الشَّرْعِيَّة الْوَاجِبَة فِي هَذِه الْجراحَة على مُقْتَضى مذْهبه ومعتقده
فَأَجَابَهُ إِلَى
следующие страницы →