Полный текст (222 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثمَّ نزل وَدفعهَا إِلَى إِنْسَان ليُصَلِّي صَلَاة الْجِنَازَة فسرقت لَا ضَمَان على الْمُسْتَعِير وَلَا على الْمُسْتَأْجر فَصَارَ الْحِفْظ فِي هَذَا الْوَقْت مُسْتَثْنى
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين لَو كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحرَاء وَنزل عَن الدَّابَّة وأمسكها فانفلتت مِنْهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ قلت وَهَذِه الْمَسْأَلَة دَلِيل على أَن الْمُعْتَبر أَن لَا يغيبها عَن بَصَره
وَذكر فِي فَتَاوَى الفضلى عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَا اسْتعَار دَابَّة فَحَضَرت الصَّلَاة فَدَفعهَا إِلَى غَيره ليمسكها فَضَاعَت قَالَ إِن كَانَ شَرط فِي الْعَارِية ركُوب نَفسه فَهُوَ ضَامِن وَإِلَّا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَو سلم الدَّابَّة إِلَى رجل ليسلمها إِلَى مَالِكهَا فَضَاعَت ضمن وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا إِذا كَانَ شَرط أَن يحمل أَو يركب بِنَفسِهِ أما إِذا أطلق وَلم يبين فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْعَارِية تودع
وَفِي الْعدة لَو اسْتعَار فرسا حَامِلا ليرْكبَهَا إِلَى مَوضِع كَذَا فركبها وَأَرْدَفَ مَعَه آخر فَأسْقطت جَنِينا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْجَنِين وَلَكِن إِذا نقصت الْأُم بِسَبَب ذَلِك فَعَلَيهِ نصف النُّقْصَان لِأَن النُّقْصَان حصل بركوبه وركوب غَيره وركوبه مَأْذُون فِيهِ فَلم يَصح سَببا للضَّمَان وركوب غَيره لَيْسَ بمأذون فِيهِ فأوجبنا عَلَيْهِ نصف الضَّمَان لهَذَا وَهَذَا إِذا كَانَ الْفرس بِحَال يُمكن أَن يركبه اثْنَان فَأَما إِذا كَانَ لَا يُمكن فَهُوَ اتلاف فَيضمن الْمُسْتَعِير جَمِيع النُّقْصَان وَلَو اسْتعَار دَابَّة وَفِي بَطنهَا ولد فزلقت من غير صنعه وأسقطت الْوَلَد لَا يضمن الْمُسْتَعِير وَلَو نخعها باللجام أَو فَقَأَ عينهَا يضمن
وَفِي خُلَاصَة الْمُفْتِي رجل اسْتعَار دَابَّة فَقَالَ مَالِكهَا أعطكيها غَدا ثمَّ جَاءَ الْمُسْتَعِير فِي الْغَد وَأَخذهَا بِغَيْر اذن مَالِكهَا واستعملها وردهَا فَمَاتَتْ لَا يضمن
وَفِي الذَّخِيرَة الْمُسْتَعِير إِذا قضى حَاجته من الدَّابَّة ثمَّ ردهَا على يَد بعض من فِي عِيَاله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن عطبت هَذَا هُوَ الْعرف فِيمَا بَين النَّاس بِخِلَاف الْوَدِيعَة وَلَو ردهَا على يَد بعض عبد صَاحب الدَّابَّة وَهُوَ عبد يقوم عَلَيْهَا لَا يضمن وَكَذَلِكَ إِذا ردهَا على يَد عبد لَا تقوم عَلَيْهَا يبرأ أَيْضا فِي الصَّحِيح وَكَذَلِكَ لَو لم يجد صَاحب الدَّابَّة وَلَا خادمه فربطها على معلفها فِي دَار صَاحبهَا لَا يضمن
وَفِي الْوَدِيعَة إِذا ردهَا على يَد عبد صَاحب الْوَدِيعَة وضاعت من يَده يضمن الْمُودع سَوَاء كَانَ العَبْد مِمَّن يقوم عَلَيْهَا أَو لَا يقوم وَهُوَ الصَّحِيح
وَفِي الْعدة إِذا كَانَت الْعَارِية عقد جَوْهَر أَو شَيْئا نفيسا فَدفع ذَلِك إِلَى عبد الْمُعير أَو إِلَى أجيره يضمن وَالْمُسْتَأْجر فِي رد الْمُسْتَأْجر كالمستعير وَالْمُرْتَهن بِمَنْزِلَة الْمُودع
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين امْرَأَة استعارت ملاءة ووضعتها دَاخل الْبَيْت وَالْبَاب مَفْتُوح فَصَعدت السَّطْح فَهَلَكت الملاءة قيل تضمن وَقيل لَا تضمن وَلَو استعارت سَرَاوِيل لتلبسه فلبسته وَهِي تمشي فزلقت رجلهَا فتخرق السَّرَاوِيل لَا ضَمَان عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا صنع لَهَا فِيهِ
وَفِي فَتَاوَى الديناري إِذا نقصت الْعين المستعارة فِي حَالَة الِاسْتِعْمَال لَا يجب الضَّمَان بِسَبَب النُّقْصَان إِذا استعملها اسْتِعْمَالا معهودا
رجل دخل منزل انسان باذنه وَأخذ إِنَاء لينْظر إِلَيْهِ فَوَقع وانكسر لَا يضمن وَإِن أَخذه بِغَيْر اذنه بِخِلَاف مَا إِذا دخل فِي السُّوق الَّذِي يُبَاع فِيهِ الْإِنَاء فَأخذ إِنَاء بِغَيْر اذن مَالِكه فَسقط وانكسر يضمن
стр. 72
رجل ساوم قدحا ليشتريه من صَاحبه فَقَالَ أَرِنِي قدحك هَذَا فَدفعهُ إِلَيْهِ لينْظر فِيهِ فَوَقع مِنْهُ على الأقداح فانكسر الْقدح وأقداح أخر لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْقدح الَّذِي ساومه وَيضمن الأقداح
وَفِي النَّوَازِل لَو اسْتعْمل قصاع الْحمام فَسَقَطت قَصْعَة من يَده وانكسرت أَو أَخذ كوز فقاع ليشْرب فَسقط أَو أَخذ قدحا فَوَقع من يَده لَا يضمن لِأَنَّهُ عَارِية
وَفِي تَجْرِيد أبي الْفضل رَحمَه الله تَعَالَى إِذا اخْتلف الْمُعير وَالْمُسْتَعِير فِي الْأَيَّام أَو فِي الْمَكَان أَو فِيمَا يحمل على الدَّابَّة الْعَارِية فَالْقَوْل قَول رب الدَّابَّة مَعَ يَمِينه
ضَمَان الْمُرْتَهن الْمُرْتَهن إِذا ركب الدَّابَّة الْمَرْهُونَة ليردها على الْمَالِك فَهَلَكت فِي الطَّرِيق لَا يضمن إِن سلمت من ركُوبه وَلَكِن لَا يصدق الا بِبَيِّنَة على سلامتها وَلَو رهن عبدا فأبق سقط الرَّهْن فَإِن وجده صَار رهنا وَيسْقط من الدّين بِحِسَاب ذَلِك إِن كَانَ أول إباق وَإِن كَانَ أبق قبل ذَلِك فَلَا ينقص من الدّين شَيْء وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي فصل الرَّهْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ضَمَان الْمُسْتَأْجر ذكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَن فِي كل مَوضِع فِي الْإِعَارَة يضمن فِي الاجارة وَلَا يجب الْأجر وَفِي كل مَوضِع لَا يضمن فِي الاعارة لَا يضمن فِي الاجارة وَيجب الْأجر انْتهى
وَفِي الْعدة الْحمار الْمُسْتَأْجر إِذا عمي أَو عجز عَن الْمَشْي فَبَاعَهُ الْمُسْتَأْجر وَأخذ ثمنه وَهلك فِي الطَّرِيق إِن كَانَ فِي مَوضِع لَا يصل إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يَأْمُرهُ بِبيعِهِ لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْحمار وَلَا فِي ثمنه وَإِن كَانَ فِي مَوضِع يقدر على ذَلِك أَو يَسْتَطِيع إِمْسَاكه أَو رده أعمى فَهُوَ ضَامِن لقيمته
رجل اسْتَأْجر حمارا فَحمل عَلَيْهِ وَله حمَار آخر حمل عَلَيْهِ أَيْضا فَلَمَّا سارا بعض الطَّرِيق سقط حِمَاره واشتغل بِهِ فَذهب الْحمار الْمُسْتَأْجر وَهلك هَل يضمن قيل إِن كَانَ بِحَالَة لَو اتبع الْحمار الْمُسْتَأْجر يهْلك حِمَاره أَو مَتَاعه لَا يضمن وَإِلَّا فَيضمن
وَفِي الذَّخِيرَة إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر اسْتَأْجر حِمَارَيْنِ فاشتغل بِحمْل أَحدهمَا فَضَاعَ الآخر إِن غَابَ عَن بَصَره فَهُوَ ضَامِن قلت فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يضمن فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي مرت إِن غَابَ الْحمار عَن بَصَره ثمَّ هلك
رجل اسْتَأْجر حمارا ليذْهب بِهِ إِلَى مَوضِع مَعْلُوم فَأخْبر أَن فِي الطَّرِيق لصوصا فَلم يلْتَفت إِلَى ذَلِك فَأَخذه اللُّصُوص وذهبوا بالحمار إِن كَانَ النَّاس يسلكون ذَلِك الطَّرِيق مَعَ هَذَا الْخَبَر بدوابهم وَأَمْوَالهمْ فَلَا ضَمَان وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِن
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان اسْتَأْجر دَابَّة أَو عبدا فَإِن مُؤنَة الرَّد بعد الْفَرَاغ على صَاحب العَبْد وَالدَّابَّة وَكَذَا مُؤنَة رد الْمَرْهُون تكون على الرَّاهِن وَمؤنَة رد الْوَدِيعَة تكون على صَاحبهَا وَمؤنَة رد الْمُسْتَعَار تكون على الْمُسْتَعِير وَمؤنَة رد الْمَغْصُوب تكون على الْغَاصِب وَكَذَا مُؤنَة رد الْمَبِيع بيعا فَاسِدا بعد الْفَسْخ على الْقَابِض
اسْتَأْجر مكاريا أَو حمالا يحمل لَهُ طَعَاما فِي طَرِيق كَذَا فَأخذ طَرِيقا آخر يسلكه النَّاس فَهَلَك الْمَتَاع لَا يضمن قَالُوا هَذَا إِذا كَانَ الطريقان متقاربين أما إِذا كَانَ بَينهمَا تفَاوت فَاحش فِي الطول وَالْقصر والسهولة والصعوبة فَيضمن
وَذكر فِي الْعدة بقار لأهل قَرْيَة وَلَهُم مرعى ملتف بالاشجار لَا يُمكنهُ النّظر إِلَى كل بقرة فَضَاعَت بقرة
стр. 73
لَا يضمن وَلَو مرت بقرة على قنطرة فَدخلت رجلهَا فِي ثقب القنطرة فَانْكَسَرت أَو دخلت فِي مَاء عميق والبقار لَا يعلم فَلم يسقها ضمن إِذا أمكنه سوقها
وَفِي الذَّخِيرَة أهل مَوضِع جرت الْعَادة بَينهم أَن البقار إِذا دخل السَّرْح فِي السكَك أرسل كل بقرة فِي سكَّة صَاحبهَا فَفعل الرَّاعِي كَذَلِك فَضَاعَت بقرة أَو شَاة قبل أَن تصل إِلَى صَاحبهَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْرُوف كالمشروط
ضَمَان الحارس رجل اُسْتُؤْجِرَ لحفظ خَان فَسرق من الخان شَيْء لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يحفظ الْأَبْوَاب فَقَط أما الْأَمْوَال فَهِيَ فِي يَد أَرْبَابهَا فِي الْبيُوت
وروى عَن أَحْمد بن مُحَمَّد القَاضِي فِي حارس يحرس الحوانيت فِي السُّوق فَنقبَ حَانُوت وسرق مِنْهُ أَنه ضَامِن لِأَنَّهُ فِي معنى الْأَجِير الْمُشْتَرك لِأَن لكل وَاحِد حانوتا على حِدة فَصَارَ بِمَنْزِلَة من يرْعَى غنما لكل انسان شَاة وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر والفقيه أَبُو بكر رحمهمَا الله تَعَالَى الحارس أجِير خَاص فَلَا يضمن إِذا نقب الْحَانُوت لِأَن الْأَمْوَال مَحْفُوظَة فِي الْبيُوت وَفِي يَد ملاكها وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَاخْتَارَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر أَنه يضمن مَا كَانَ خَارج السُّوق وَلَا يضمن مَا كَانَ دَاخل السُّوق
وَذكر فِي التَّجْرِيد الدَّلال والنخاس أجِير مُشْتَرك حَتَّى لَو ضَاعَ شَيْء من يدهما من غير صنعهما فَلَا ضَمَان عَلَيْهِمَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى
ضَمَان الْحمال وَلَو اسْتَأْجر حمالا يحمل لَهُ دن خل فعثر وانكسر يضمن لِأَنَّهُ تولد من عمله وَهَذَا إِذا انْكَسَرَ فِي وسط الطَّرِيق أما إِذا سقط من رَأسه أَو زلقت رجله بعد مَا انْتهى إِلَى الْمَكَان الْمَشْرُوط ثمَّ انْكَسَرَ الدن فَلهُ الْأجر وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حِين انْتهى إِلَى الْمَكَان الْمَشْرُوط لم يبْق الْحمل مَضْمُونا عَلَيْهِ
وَفِي الْمُنْتَقى وَلَو اسْتَأْجر حمالا ليحمل لَهُ زقا من سمن فَحَمله صَاحبه والحمال ليضعاه على رَأس الْحمال فَوَقع وتخرق الزق لَا يضمن الْحمال لِأَنَّهُ لم يسلم إِلَيْهِ السّمن فَإِن السّمن فِي يَد صَاحبه بعد وَلَا ضَمَان على الْحمال بِدُونِ التَّسْلِيم
وَذكر فِي النَّوَازِل ابْن سَمَّاعَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو حمله ثمَّ وَضعه فِي بعض الطَّرِيق ثمَّ أَرَادَ رَفعه فاستعان بِرَبّ الزق فرفعاه ليضعاه على رَأس الْحمال فَوَقع وتخرق فالحمال ضَامِن لِأَنَّهُ صَار فِي ضَمَانه حِين حمله وَلم يبرأ مِنْهُ بعد لِأَنَّهُ لم يُسلمهُ إِلَى صَاحبه
وَفِي الذَّخِيرَة إِذا سرق الْمَتَاع من رَأس الْحمال وَرب الْمَتَاع مَعَه لَا يضمن وَإِن لم يكن صَاحبه مَعَه لَا يضمن أَيْضا عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى خلافًا لَهما وَإِذا انْقَطع حَبل الْحمال وَسقط الْحمل ضمن الْحمال بالِاتِّفَاقِ
ضَمَان المكاري ذكر فِي الذَّخِيرَة لَو عثرت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة من سوق المكاري فَسقط الْحمل وَفَسَد الْمَتَاع وَصَاحب الْمَتَاع رَاكب على الدَّابَّة لَا يضمن الْأَجِير بِخِلَاف مَا إِذا عثرت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة وَسقط الْمَتَاع وَهلك وَصَاحب الْمَتَاع يسير مَعَه خلف الدَّابَّة فَإِن الْأَجِير يضمن لِأَن الْهَلَاك حصل من جِنَايَة يَده وَمحل الْعَمَل مُسلم إِلَيْهِ
وَفِي فَتَاوَى أبي اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى مكار حمل كرابيس إِنْسَان فَاسْتَقْبلهُ اللُّصُوص فَطرح الكرابيس
стр. 74
وَذهب بالحمار قَالَ إِن كَانَ يعلم أَنه لَو لم يطْرَح الكرابيس اخذوا الكرابيس وَالْحمار جَمِيعًا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يتْرك الْحِفْظ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ
ضَمَان النساج وَفِي فَتَاوَى الفضلى رَحمَه الله تَعَالَى إِذا دفع إِلَى نساج غزلا لينسجه كرباسا فَدفعهُ النساج إِلَى آخر لينسجه كرباسا فَدفعهُ النساج إِلَى آخر لينسجه فَسرق من بَيت الآخر إِن كَانَ أجِير الأول فَلَا ضَمَان على وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن لم يكن أجِير الأول وَكَانَ أَجْنَبِيّا ضمن بِلَا خلاف وَلَا يضمن الآخر عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا رحمهمَا الله تَعَالَى يضمن وَهُوَ نَظِير الْمُودع إِذا دفع الْوَدِيعَة إِلَى أَجْنَبِي بِغَيْر اذن مَالِكهَا فعندهما صَاحب الْوَدِيعَة يضمن أَيهمَا شَاءَ وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الأول وَلَيْسَ لَهُ أَن يضمن الثَّانِي
قَالَ صَاحب الذَّخِيرَة وعَلى قِيَاس مَا ذكره الْقَدُورِيّ أَن كل صانع اشْترط عَلَيْهِ الْعَمَل بِنَفسِهِ لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَعْمل غَيره وَإِنَّمَا لَا يضمن إِذا كَانَ الآخر أجِير الأول فِيمَا إِذا كَانَ أطلق لَهُ الْعَمَل أما إِذا شَرط عَلَيْهِ النسج بِنَفسِهِ يضمن بِالدفع إِلَى الآخر وَإِن كَانَ أجيره
إِذا قَالَ صَاحب الثَّوْب للنساج اذْهَبْ بِالثَّوْبِ إِلَى مَنْزِلك حَتَّى إِذا رَجعْنَا من الْجُمُعَة سرت إِلَى منزلي فأوفى لَك أجرك فاختلس الثَّوْب من يَد الحائك فِي التَّوَجُّه قَالَ الْفَقِيه أَبُو بكر الْبَلْخِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ الحائك دفع الثَّوْب إِلَى صَاحبه أَو مكنه من الْأَخْذ ثمَّ دَفعه صَاحبه إِلَى الحائك ليوفي لَهُ الْأجر يكون الثَّوْب رهنا فَإِذا هلك هلك بِالْأَجْرِ وَإِن كَانَ صَاحب الثَّوْب دفع الثَّوْب إِلَيْهِ على وَجه الْوَدِيعَة لَا يضمن الحائك وَتَكون أجرته على صَاحب الثَّوْب وَلَو صنعه الحائك بِالْأَجْرِ قبل الدّفع اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَإِن اصطلحا على شَيْء كَانَ حسنا كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي الْعِمَادِيّ للحائك والقصار والصباغ وَلكُل صانع لعمله أثر فِي الْعين احتباس مَا استؤجروا على الْعَمَل فِيهِ حَتَّى يَأْخُذُوا الْأُجْرَة وَلَو هلك فِي يَده بعد الْحَبْس لَا يضمن عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا أجر لَهُ بِهَلَاك الْمَعْقُود عَلَيْهِ قبل التَّسْلِيم
حائك عمل بِالْأَجْرِ فَتعلق الْآجر بِهِ ليأخذه وابى الحائك أَن يدْفع حَتَّى يَأْخُذ الْأُجْرَة فتخرق من مد صَاحبه لَا ضَمَان على الحائك وَإِن تخرق من مدهما فعلى الحائك نصف الضَّمَان
إِذا خَالف الحائك فِي النسج بِأَن أمره أَن ينسج لَهُ ثوبا سبعا فِي أَربع أَو سِتا فِي أَربع أَو أمره أَن ينسجه رَقِيقا فنسجه ثخينا أَو على الْعَكْس فَفِي الْفُصُول كلهَا صَاحب الْغَزل بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ترك الثَّوْب على النساج وَضَمنَهُ غزلا مثل غزله وَإِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب وَأَعْطَاهُ الاجر الْمُسَمّى لَا يُزَاد فِي الزِّيَادَة وَلَا ينقص فِي النُّقْصَان لِأَنَّهُ مُتَبَرّع فِي الزِّيَادَة وَفِي النُّقْصَان نُقْصَان الْعَمَل
وَذكر صَاحب الذَّخِيرَة هَذِه الْمَسْأَلَة هَكَذَا ثمَّ قَالَ اخْتلف الْمَشَايِخ هَل يُعْطِيهِ الْمُسَمّى أَو أجر الْمثل قَالَ بَعضهم يُعْطِيهِ أجر الْمثل على كل حَال لَا يُجَاوز بِهِ مَا سمى وَقَالَ بَعضهم يُعْطِيهِ مَا سمى إِذا أَخذ الثَّوْب ورضى بِالْعَيْبِ وَإِن أَخذ الثَّوْب وَلم يرض بِالْعَيْبِ يُعْطِيهِ أجر الْمثل على كل حَال لَا يُجَاوز بِهِ الْمُسَمّى
ضَمَان الْخياط رجل قَالَ للخياط انْظُر إِلَى هَذَا الثَّوْب فَإِن كفاني قَمِيصًا فاقطعه بدرهم وخطه فَقَالَ الْخياط نعم وقطعه ثمَّ قَالَ بعد مَا قطعه إِنَّه لَا يَكْفِيك ضمن الْخياط قيمَة الثَّوْب لِأَنَّهُ إِنَّمَا أذن لَهُ بِالْقطعِ بِشَرْط الْكِفَايَة وَلَو قَالَ للخياط انْظُر أيكفيني قَمِيصًا فَقَالَ الْخياط نعم يَكْفِيك فَقَالَ صَاحب
стр. 75
الثَّوْب اقطعه فَقَطعه فَإِذا هُوَ لَا يَكْفِيهِ لَا يضمن الْخياط شَيْئا لِأَنَّهُ أذن بِالْقطعِ مُطلقًا وَإِن قَالَ الْخياط نعم فَقَالَ صَاحب الثَّوْب فاقطعه وَقَالَ اقطعه إِذن فَقَطعه كَانَ ضَامِنا إِذا كَانَ لَا يَكْفِيهِ لِأَنَّهُ علق ذَلِك الاذن بِالشّرطِ
وَفِي الذَّخِيرَة رجل دفع إِلَى خياط كرباسا ليخيط لَهُ قَمِيصًا فخاطه لَهُ قَمِيصًا فَاسِدا وَعلم صَاحب الثَّوْب بِالْفَسَادِ ولبسه لَيْسَ لَهُ أَن يضمنهُ لِأَن اللّبْس يكون رضَا بالإفساد قَالَ وَيعلم من هَذِه الْمَسْأَلَة كثير من الْمسَائِل
وَفِي الْمُنْتَقى إِذا دفع إِلَى خياط ثوبا وَقَالَ اقطعه حَتَّى يُصِيب الْقدَم أَو اجْعَل كمه خَمْسَة أشبار وَعرضه كَذَا فجَاء بِهِ نَاقِصا قَالَ إِذا كَانَ قدر أصْبع وَنَحْوه فَلَيْسَ بِشَيْء وَإِن كَانَ أَكثر مِنْهُ فَلهُ أَن يضمنهُ
ضَمَان الْقصار الْقصار إِذا لبس ثوب القصارة ثمَّ نَزعه فَضَاعَ بعده لَا يضمن وَفِي الْعُيُون وَلَو دفع إِلَى قصار ثوبا ليقصره لَهُ بدانق فَجعل الْقصار بدقه فاستعان بِرَبّ الثَّوْب على دقه فدقه فتخرق الثَّوْب قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا لم يعلم من أَيهمَا تخرق فَالضَّمَان على الْقصار لِأَنَّهُ قي يَده وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الْقصار نصف الْقيمَة وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد رحمهمَا الله تَعَالَى أَنه يجب كل الضَّمَان على الْقصار حَتَّى يعلم أَنه تخرق من دق صَاحبه وعَلى قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَن لَا يضمن الْقصار أصلا مالم يعلم أَنه تخرق من دقه بِنَاء على أَن يَد الْأَجِير الْمُشْتَرك يَد أَمَانَة عِنْده يَد ضَمَان عِنْدهمَا وَإِذا لم يتخرق الثَّوْب هَل يسْقط من الْأجر مِقْدَار مَا يَخُصُّهُ من عمل الْمَالِك ذكر فِي الْمُحِيط عَن شمس الْأَئِمَّة أَن الْأَجِير إِن اسْتَعَانَ بالمستأجر لم ينْقل فعل الْمُسْتَأْجر إِلَى الْأَجِير حَتَّى يسْتَوْجب الْأجر وَكَذَلِكَ لَو جَاءَ صَاحب الثَّوْب وخاط بعض الثَّوْب فِي يَد الْخياط أَو نسج بعض ثَوْبه فِي يَد النساج فَإِنَّهُ يسْقط من الأحر بِحِصَّتِهِ لِأَن الْإِعَانَة لَا تجْرِي فِي الاجارة بِخِلَاف الْمُضَاربَة فَإِن الْإِعَانَة تجْرِي فِيهَا
وَفِي الذَّخِيرَة لَو جفف الْقصار الثَّوْب فمرت بِهِ حمولة فتخرق لَا ضَمَان عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن الْهَلَاك لم يكن من فعله وَعَمله وَعِنْدَهُمَا يضمن لِأَن هَذَا مِمَّا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ
تلميذ الْقصار أَو أجيره الْخَاص إِذا أوقد نَارا بِأَمْر الْأُسْتَاذ أَو السراج فَوَقَعت شرارة على ثوب القصارة فَلَا ضَمَان على الْأَجِير وَإِنَّمَا الضَّمَان على أستاذه وَإِن لم يكن من ثِيَاب القصارة ضمن الْأَجِير
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا أَدخل الْقصار سِرَاجًا فِي حانوته فَاحْتَرَقَ بِهِ ثوب غَيره بِغَيْر فعله ضمن لِأَن هَذَا مِمَّا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا لَا يضمن فِي الْحَرِيق الْغَالِب الَّذِي لَا يُمكن إطفاؤه وَهَذَا قَوْلهمَا فَأَما عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا يضمن مَا هلك بِغَيْر صنعه
استفتيت أَئِمَّة بُخَارى عَن الْقصار إِذا شَرط عَلَيْهِ أَن يفرغ الْيَوْم من الْعَمَل فَلم يفرغ وَهلك فِي الْغَد هَل يضمن أم لَا أجابوا نعم يضمن وَلَو اخْتلفَا فِي الشَّرْط وَعَدَمه فَيَنْبَغِي أَن يكون القَوْل للقصار لِأَنَّهُ مُنكر للشّرط ثمَّ إِذا شَرط عَلَيْهِ أَن يفرغ الْيَوْم أَو نَحوه من الْعَمَل وَلم يفرغ فِيهِ وقصره بعد ايام هَل تجب الْأُجْرَة قَالَ صَاحب الْفُصُول كَانَت وَاقعَة الْفَتْوَى وَيَنْبَغِي أَن لَا تجب الْأُجْرَة لِأَنَّهُ لم يبْق عقد الاجارة بِدَلِيل وجوب الضَّمَان على تَقْدِير الْهَلَاك اه
ضَمَان الصّباغ رجل دفع إِلَى صباغ إبْريسَمًا ليصبغه بِكَذَا ثمَّ قَالَ للصباغ لَا تصبغ إبريسمي ورده
стр. 76
عَليّ كَذَلِك فَلم يَدْفَعهُ ثمَّ هلك لم يضمن الصّباغ لِأَن الْإِجَارَة صحت الْمُسْتَأْجر لَا يتَمَكَّن من فسخ الاجارة بِغَيْر رضَا صَاحبه إِلَّا بِعُذْر فَيبقى حكم العقد بعد نهي الْمُسْتَأْجر وَمن حكم هَذَا العقد أَن تكون الْعين أَمَانَة فِي يَد الْأَجِير فَلَا يضمنهُ بِالْهَلَاكِ فِي يَده إِلَّا بالتقصير وَلم يُوجد
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان أَمر رجلا ليصبغ ثَوْبه بالزعفران أَو بالبقم فصبغه بصبغ من جنس آخر كَانَ لرب الثَّوْب أَن يضمنهُ قيمَة ثَوْبه أَبيض وَيتْرك الثَّوْب عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب وَأَعْطَاهُ مثل أجر عمله لَا يُجَاوز بِهِ مَا سمى وَإِذا اخْتلف الصّباغ وَرب الثَّوْب فَقَالَ رب الثَّوْب أَمرتك أَن تصبغه بعصفر وَقَالَ الصّباغ أَمرتنِي أَن أصبغه بزعفران فَالْقَوْل لرب الثَّوْب مَعَ يَمِينه اه
ضَمَان الغلاف والوراق فِي الذَّخِيرَة رجل دفع إِلَى رجل مُصحفا ليعْمَل فِيهِ وَدفع الغلاف مَعَه أَو دفع سَيْفا إِلَى صيقلي ليصقله وَدفع الغمد إِلَيْهِ أَيْضا فَسرق لَا يضمن الغلاف لِأَنَّهُ فِي الغلاف مُودع لَا أجِير وَالْمُودع لَا يضمن إِلَّا مَا جنت يَده وَفِي شرح الْقَدُورِيّ عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ يضمن الْمُصحف والغلاف وَالسيف والغمد لِأَن السَّيْف لَا يَسْتَغْنِي عَن الغمد والمصحف عَن الغلاف فصارا كشيء وَاحِد وَإِن أعطَاهُ الْمُصحف ليعْمَل لَهُ غلافا أَو سكينا ليعْمَل لَهَا نِصَابا فَضَاعَ الْمُصحف أَو السكين لم يضمن لِأَنَّهُ اسْتَأْجرهُ على ايقاع الْعَمَل فِي غَيرهمَا لَا فيهمَا وهما ليسَا يتبع فِي ذَلِك الْعين قَالَ الْعِمَادِيّ صَاحب الْفُصُول وَفِي فَوَائِد جدي رَحمَه الله تَعَالَى دفع مُصحفا إِلَى وراق ليجلده فسافر بِهِ وَأَخذه اللُّصُوص هَل يضمن أجَاب نعم
قَالَ عمي نظام الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَقد أجبْت أَنه لَا يضمن مُعْتَمدًا على ظَاهر الْفِقْه أَن الْمُودع إِذا سَافر بالوديعة لَا يضمن وَلَا يُقَال إِنَّه مُودع بِأَجْر فَيضمن لِأَنَّهُ لَيْسَ ثمَّة عقد حَتَّى يتَعَيَّن عَلَيْهِ مَكَان العقد للْحِفْظ وَفِي الْوَدِيعَة بِأَجْر إِنَّمَا يضمن لِأَنَّهُ تعين مَكَان العقد بِالْحِفْظِ وَهَاهُنَا مَا أمره بِالْحِفْظِ مَقْصُودا وَإِنَّمَا أمره بِالْحِفْظِ ضمنا فِي الِاسْتِئْجَار وَفِي الاجارة يعْتَبر مَكَان العقد فَكَذَا مَا فِي ضمنهَا
ضَمَان الفصاد فِي فَتَاوَى ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ على الفصاد والبزاغ والحجام ضَمَان السَّرَايَة إِذا لم يقطعوا زِيَادَة على الْقدر الْمَعْهُود الْمَأْذُون فِيهِ فَإِن شَرط على هَؤُلَاءِ الْعَمَل السَّلِيم دون الساري لَا يَصح الشَّرْط لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعهم ذَلِك وَلَو شَرط على الفصاد الْعَمَل على أَن لَا يسرى يَصح لِأَنَّهُ فِي وَسعه
وَسُئِلَ صَاحب الْمُحِيط عَن رجل فصد نَائِما وَتَركه حَتَّى مَاتَ من سيلان الدَّم قَالَ يجب عَلَيْهِ الْقصاص
ضَمَان الحمامي فِي الذَّخِيرَة رجل دخل الْحمام وَقَالَ لصَاحب الْحمام احفظ الثِّيَاب فَلَمَّا خرج لم يجد ثِيَابه فَإِن قَالَ صَاحب الْحمام إِن غَيره رَفعهَا وَهُوَ يرَاهُ ويظن أَنه يرفع ثِيَاب نَفسه فَهُوَ ضَامِن لِأَنَّهُ ترك الْحِفْظ حَيْثُ لم يمْنَع القاصد وَهُوَ يرَاهُ وَإِن قَالَ إِنِّي رايت شخصا قد رفع ثِيَابك إِلَّا أَنِّي ظَنَنْت أَن الرافع أَنْت فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يصر تَارِكًا للْحِفْظ لما ظن أَن الرافع هُوَ وَإِن سرق وَهُوَ لَا يعلم بِهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن لم يذهب عَن ذَلِك الْموضع وَلم يضيع
رجل دخل حَماما وَقَالَ للحمامي أَيْن أَضَع ثِيَابِي فَأَشَارَ الحمامي إِلَى مَوضِع فَوضع ثمَّة وَدخل الْحمام ثمَّ خرج رجل وَرفع الثِّيَاب وَلم يمنعهُ الحمامي لما أَنه ظَنّه صَاحب الثِّيَاب ضمن الحمامي لِأَنَّهُ استحفظ وَقد قصر فِي الْحِفْظ وَهَذَا قَول أبي سَلمَة وَأبي نصر الدبوسي رحمهمَا الله تَعَالَى وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول لَا ضَمَان على الحمامي وَالْأول أصح
стр. 77
رجل دخل بدابته خَانا وَقَالَ للخاني أَيْن أربطها فَقَالَ هُنَاكَ فربطها وَذهب فَلَمَّا رَجَعَ لم يجد دَابَّته فَقَالَ لَهُ صَاحب الخان إِن صَاحبك قد أخرج الدَّابَّة ليسقيها وَلم يكن لَهُ صَاحب ضمن الخاني لِأَن قَوْله أَيْن أربطها استحفاظ مِنْهُ لَهُ فَإِذا أَشَارَ لَهُ إِلَى مَوضِع الرَّبْط فقد أَجَابَهُ إِلَى الْحِفْظ فَصَارَ مودعا وَقد قصر فِي الْحِفْظ فَيضمن الْجُمْلَة منتخبة من الْعِمَادِيّ
الْفَصْل الْعَاشِر فِي الْوَقْف
قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَزُول ملك الْوَاقِف عَن الْوَقْف إِلَّا أَن يحكم بِهِ الْحَاكِم أَو يعلقه بِمَوْتِهِ فَيَقُول إِذا مت فقد وقفت دَاري على كَذَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ يَزُول الْملك بِمُجَرَّد القَوْل وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَزُول حَتَّى يَجْعَل للْوَقْف وليا ويسلمه إِلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَة
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى الْوَقْف عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى على ثَلَاثَة أوجه فِي وَجه لَا يلْزم وَهُوَ مَا إِذا وقف فِي صِحَّته وَذكر شَرَائِط الصِّحَّة وَفِي وَجه لَا يلْزم فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَهُوَ مَا إِذا وقف فِي مرض مَوته فَهُوَ كالوقف حَال الصِّحَّة وروى الطَّحَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَنه كالمضاف إِلَى مَا بعد مَوته وَالثَّالِث أَن يذكر شَرَائِط صِحَة الْوَقْف فِي حَيَاته ويجعله وَصِيَّة بعد مماته بِأَن يَقُول أوصيت بغلة دَاري هَذِه أَو أرضي هَذِه أَو يَقُول جعلت ملكي هَذَا وَقفا فتصدقوا بِهِ بعد وفاتي على كَذَا أَو يَقُول يُوقف ملكي هَذَا إِلَى كَذَا فَيجوز من الثُّلُث وَيلْزم وَعِنْدَهُمَا الْوَقْف جَائِز لَازم فِي صِحَّته ومرضه بِدُونِ هَذِه التكليفات
قَالَ صَاحب المنبع وَفِي التَّتِمَّة والعيون والحقائق الْفَتْوَى على قَوْلهمَا وَالنَّاس لم يَأْخُذُوا بقول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذَا للآثار الْمَشْهُورَة عَن النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وتعامل النَّاس وَكَانَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول أَولا بقول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لكنه لما حج مَعَ هَارُون الرشيد وَرَأى أوقاف الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ ونواحيها رَجَعَ وافتى بِلُزُوم الْوَقْف وَقَالَ بَلغنِي حَدِيث عمر وَهُوَ مَا روى ابْن عمر أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَت لَهُ أَرض تدعى ثمغ فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله إِنِّي اسْتَفَدْت مَالا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس أفأتصدق بِهِ فَقَالَ ﵊ تصدق بأصلها لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث وَلَكِن توقف ثَمَرَته على الْمَسَاكِين قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فَلهَذَا رجعت فَلَو بلغ هَذَا أَبَا حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لرجع قلت ذكر البزازي فِي جَامعه أَنه لَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك على الامام رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ نفى اللُّزُوم لَا الصِّحَّة فِي الْمَذْهَب الصَّحِيح والوجود لَا يدل على اللُّزُوم وَلَئِن سلم أَنه لَا يَصح عِنْده فَعدم الصِّحَّة غير مُسْتَغْرق لأفراده بل يَصح الْمُضَاف والمحكوم بِجَوَازِهِ فَلم لَا يجوز أَن يكون الْوَقْف الْمَوْجُود من تِلْكَ الْأَفْرَاد صَحِيحا فَكيف يَصح الطعْن على سيد التَّابِعين بِأَنَّهُ لم يُشَاهد الْأَوْقَاف فِي الْحَرَمَيْنِ مَعَ أَنه حج خمْسا وَخمسين حجَّة وَلَقي فِيهَا الصَّحَابَة وَبِذَلِك حكمنَا بِأَنَّهُ من التَّابِعين الَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ فَأنى سَاغَ الطعْن بِعَدَمِ الْوُقُوف مَعَ ذَلِك العكوف انْتهى
وَلَو وقف فِي مرض مَوته قَالَ الطَّحَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ بِمَنْزِلَة الْوَصِيَّة بعد الْمَوْت وَالصَّحِيح أَنه لَا يلْزم عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ فِي الْمَرَض كَالْوَصِيَّةِ وَهِي لَا تجوز لوَارث دون وَارِث
стр. 78
وَعِنْدَهُمَا يلْزم إِلَّا أَنه يعْتَبر من الثُّلُث وَالْوَقْف فِي الصِّحَّة ينفذ من جَمِيع المَال ووقف الْمَتَاع جَائِز عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجوز وَلَا يجوز وقف مَا ينْقل وَيجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يجوز وقف مَا فِيهِ تعامل النَّاس من المنقولات كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف وَنَحْو ذَلِك وَعَن نصير بن يحيى رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يجوز وقف الْكتب إِلْحَاقًا لَهَا بالمصحف وَهَذَا صَحِيح لِأَن كل وَاحِد يمسك للدّين تَعْلِيما وتعلما وَقِرَاءَة وَأكْثر فُقَهَاء الْأَمْصَار على قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي البزازي وقف الْبناء بِدُونِ الأَرْض لم يجوزه هِلَال رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ وَعمل أَئِمَّة خوارزم على خِلَافه وقف الكردار بِدُونِ الأَرْض لَا يجوز كوقف الْبناء بِلَا أَرض والكردار فَارسي مُعرب وَهُوَ كالبناء وَالْأَشْجَار
وَإِذا كَانَ اصل الْقرْيَة وَقفا على جِهَة قَرْيَة فَبنى عَلَيْهَا رجل بِنَاء ووقف بناءها على جِهَة قَرْيَة أُخْرَى اخْتلفُوا فِيهِ فَأَما إِذا وقف الْبناء على جِهَة الْقرْيَة الَّتِي كَانَت الْبقْعَة وَقفا عَلَيْهَا فَيجوز بِالْإِجْمَاع وَيصير وَقفا تبعا للقرية هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ فَتَاوَى أَئِمَّة خوارزم
غرس شَجَرَة ووقفها إِن غرسها فِي أَرض مَمْلُوكَة لَهُ يجوز وَقفهَا تبعا للْأَرْض وَإِن وَقفهَا بِدُونِ أَصْلهَا لَا يجوز وَإِن كَانَت فِي أَرض مَوْقُوفَة إِن وَقفهَا على تِلْكَ الْجِهَة جَازَ كَمَا فِي الْبناء وَإِن وَقفهَا على جِهَة أُخْرَى فعلى الْخلاف الْمَذْكُور فِي وقف الْبناء وَلَا يجوز وقف الْبناء فِي أَرض عَارِية أَو إِجَارَة اه
وَفِي الْبَدَائِع وَلَو وقف أشجارا قَائِمَة فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ وقف الْمَنْقُول وَفِي الِاسْتِحْسَان يجوز لتعامل النَّاس بِهِ فِي ذَلِك وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن
وَقَالَ الْعَلامَة الشَّيْخ شرف الدّين قَاسم رَحمَه الله تَعَالَى فعلى هَذَا إِذا جرى التَّعَامُل بوقف الْبناء يَنْبَغِي أَن يجوز وَلَكِن فِي أَرض نَفسه كَمَا تقدم أما على الأَرْض الْمُسْتَأْجرَة فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يملك استتباع مَا تَحت الْجدر فَيبقى العقد لِلْأَبَد واردا على التناهي فَلَا يَصح
وَفِي قنية الْمنية اسْتَأْجر أَرضًا وَقفا وغرس فِيهَا وَبنى ثمَّ مَضَت مُدَّة الاجارة فللمستأجر أَن يبقيها بِأَجْر الْمثل إِذا لم يكن فِي ذَلِك ضَرَر قيل لَهما فَلَو أَبى الْمَوْقُوف عَلَيْهِم الا الْقطع فَهَل لَهُم ذَلِك فَقَالَا لَا انْتهى
وَفِي الذَّخِيرَة ذكر الصَّدْر الشَّهِيد فِي واقعاته رجل مَاتَ وَترك ابْنَيْنِ فِي يَد أَحدهمَا ضَيْعَة يدعى أَنَّهَا وقف عَلَيْهِ من أَبِيه وَالِابْن الآخر يَقُول هِيَ وقف علينا كَانَ القَوْل قَوْله وَهِي وقف عَلَيْهِمَا هُوَ الْمُخْتَار لِأَنَّهُمَا تَصَادقا على أَنَّهَا كَانَت فِي يَد أَبِيهِمَا فَلَا ينْفَرد أَحدهمَا باستحقاقهما إِلَّا بِحجَّة اه
وَإِذا صَحَّ الْوَقْف لم يجز بَيْعه وَلَا تَمْلِيكه وَهل تجوز قسمته فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز بِنَاء على أَن الشُّيُوع فِي الْوَقْف غير مَانع من صِحَة الْوَقْف عِنْده فَتجوز الْقِسْمَة لِأَنَّهَا تَمْيِيز وإفراز ثمَّ إِن وقف نصِيبه من عقار مُشْتَرك بَينه وَبَين غَيره الْوَاقِف هُوَ الَّذِي يقاسم شَرِيكه لَا القَاضِي عِنْد من يَقُول بِجَوَاز الْقِسْمَة لِأَن الْولَايَة فِي الْوَقْف إِلَى الْوَاقِف فَإِن مَاتَ الْوَاقِف فلوصيه أَن يقاسم شَرِيكه ويفرز حِصَّة الْوَقْف لِأَنَّهُ قَائِم مقَامه وَإِن كَانَت الأَرْض كلهَا لَهُ فَوقف بَعْضهَا ثمَّ اراد الْقِسْمَة فوجهه أَن يَبِيع مَا بَقِي من رجل ثمَّ يقتسمان ثمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ ذَلِك إِن شَاءَ لِأَن الْقِسْمَة إِنَّمَا تُجزئ بَين اثْنَيْنِ فَلَا يصلح الْوَاحِد مقاسما ومقاسما وَإِن لم يبع رفع الْأَمر إِلَى القَاضِي ليأمر إنْسَانا بِالْقِسْمَةِ مَعَه لتجري الْقِسْمَة بَين اثْنَيْنِ
стр. 79
وَفِي الْمُحِيط وَالْكَافِي إِذا قضى القَاضِي بِجَوَاز وقف الْمشَاع وَنفذ قَضَاؤُهُ صَار مُتَّفقا عَلَيْهِ كَسَائِر المختلفات إِذا اتَّصل بِهِ قَضَاء القَاضِي وَلَا تجوز قسمته فَلَو طلب بَعضهم الْقِسْمَة قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يقسم ويتهايئون وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يفرز وَأَجْمعُوا على أَن الْكل لَو كَانَ وَقفا على الأرباب فأرادوا الْقِسْمَة لَا يقسم لَهما إِن الْقِسْمَة تَمْيِيز وإفراز لَا بيع وتمليك فَيجوز وَلأبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْقِسْمَة بيع معنى لاشتمالها على الْإِفْرَاز والمبادلة وجهة الْمُبَادلَة راجحة فِي غير الْمِثْلِيَّات والوجب على من يتَوَلَّى أَمر الْوَقْف أَن يبْدَأ من غلَّة الْوَقْف بعمارته شَرط ذَلِك الْوَاقِف أَو لم يشرط لِأَن الْمَقْصُود من الْوَقْف التَّصَدُّق بالغلة على وَجه التَّأْبِيد وَلَا يتأبد إِلَّا بالعمارة
وَمِمَّا توسع فِيهِ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يشْتَرط التَّأْبِيد حَتَّى لَو وقف على جِهَة يتَوَهَّم انقطاعها بِأَن وقف على أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده وَلم يَجْعَل آخِره للْفُقَرَاء لَا يَصح الْوَقْف عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَا يشْتَرط ذَلِك وَإِذا انفرضوا يعود إِلَى ملكه أَو ملك ورثته وَالصَّحِيح أَن التَّأْبِيد شَرط على قَول الْكل وَلَكِن ذكر التَّأْبِيد لَيْسَ بِشَرْط عِنْد أبي يُوسُف حَتَّى إِذا مَاتَ أَوْلَاده وانقرضوا تصرف الْغلَّة حِينَئِذٍ إِلَى الْفُقَرَاء وَإِن لم يسمهم
وَإِذا بنى مَسْجِدا لم يزل ملكه عَنهُ حَتَّى يفرز عَن ملكه بطريقه الشَّرْعِيّ وَيَأْذَن للنَّاس بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَإِذا صلى فِيهِ وَاحِد زَالَ عَن ملكه عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يشْتَرط الصَّلَاة فِيهِ بِالْجَمَاعَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَزُول ملكه بقوله جعلته مَسْجِدا لِأَن التَّسْلِيم عِنْده لَيْسَ بِشَرْط وَإِذا جعل الْوَاقِف غلَّة الْوَقْف لنَفسِهِ أَو جعل الْولَايَة إِلَيْهِ جَازَ عِنْد أبي يُوسُف وَلَا يجوز على قِيَاس قَول مُحَمَّد وَهُوَ قَول هِلَال الرازى
وَفِي البزازي وقف على أُمَّهَات أَوْلَاده فَلَا شَيْء لمن يتَزَوَّج مِنْهُنَّ فَإِن طَلقهَا زَوجهَا فَلَا يعود حَقّهَا السَّاقِط إِلَّا إِذا كَانَ الْوَاقِف اسْتثْنى وَقَالَ من طلقت فلهَا أَيْضا قسط من الْوَقْف وَلَو وقف وَجعل الْبَعْض أَو الْكل لأمهات أَوْلَاده ومدبريه مَا داموا أَحيَاء فَإِذا مَاتُوا فَهُوَ للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فقد قيل يجوز بالِاتِّفَاقِ وَقد قيل هُوَ على الْخلاف أَيْضا وَهُوَ الصَّحِيح كَذَا فِي الْهِدَايَة قلت وَقد وَقعت بِالْقَاهِرَةِ مَسْأَلَة سُئِلَ عَنْهَا جدي شيخ الاسلام محب الدّين بن الشّحْنَة متع الله تَعَالَى بحياته الْكَرِيمَة صورتهَا مَا تَقول السَّادة الْعلمَاء أَئِمَّة الدّين رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ فِي رجل وقف وَقفا وَشرط فِيهِ شُرُوطًا من جُمْلَتهَا أَن يصرف لأم وَلَده شكر باي من ريع الْوَقْف الْمَذْكُور فِي سنة تمْضِي مبلغ عشرَة آلَاف دِرْهَم مَا دمت عزبة فَهَل إِذا تزوجت تسْتَحقّ الْمبلغ الْمَذْكُور أم لَا وَإِذا قُلْتُمْ أيدكم الله تَعَالَى لَا تسْتَحقّ فَهَل إِذا مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا أَو طَلقهَا واستمرت عزبة يعود الدَّوَام وتستحق الْمبلغ الْمَذْكُور أم لَا مَا الحكم فِي ذَلِك أجَاب جدي شيخ مَشَايِخ الاسلام المومي إِلَيْهِ بِدُونِ كِتَابَة بل بالْكلَام لَا تسْتَحقّ شكر باي الْمبلغ الْمَذْكُور لِأَن الدَّوَام قد انْقَطع بِالتَّزْوِيجِ فَلَا يعود وَأجَاب الشَّيْخ مُحي الدّين الكافيجي بِأَنَّهَا تسْتَحقّ الْمبلغ الْمَذْكُور وَيعود الدَّوَام كَمَا كَانَ بالفراق بِمَوْت أَو طَلَاق وَوَقع الْكَلَام فِي ذَلِك بَين يَدي السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر خشقدم بِحَضْرَة قَاضِي الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والأمراء وأركان الدولة الشَّرِيفَة وَأظْهر سَيِّدي الْجد عدَّة نقُول من كتب جمة ناطقة بِمَا أفتى بِهِ فَرجع الْحَاضِرُونَ إِلَى فَتْوَى سَيِّدي الْجد بَعضهم بِالْكِتَابَةِ وَالْبَاقُونَ بالإذعان فَللَّه الْحَمد وَبِه الْمُسْتَعَان
стр. 80
وَمِنْهَا وَاقعَة الْفَتْوَى عَن وقف بكتمر الْحَاجِب وَشرط فِيهِ على أَن من مَاتَ مِنْهُم وَلم يتْرك ولدا وَلَا ولد ولدا انْتقل نصِيبه إِلَى اخوته وأخواته فَمَاتَ عبد الرَّحِيم عَن وَلَده عبد الرَّحْمَن فَأجَاب بعض الْمُفْتِينَ بِاسْتِحْقَاق عبد الرَّحْمَن نصيب أَبِيه عملا بِمَفْهُوم الْمُخَالفَة وَأجَاب الْعَلامَة الشَّيْخ قَاسم بِأَن هَذَا بَاطِل نقلا وعقلا أما نقلا فقد قَالَ الامام أَبُو بكر الْخصاف لَو قَالَ جعلت أرضي هَذِه صَدَقَة مَوْقُوفَة لله تَعَالَى أبدا على فلَان بن فلَان وَفُلَان بن فلَان وَمن بعدهمَا على الْمَسَاكِين فَمن مَاتَ مِنْهُمَا وَلم يتْرك ولدا كَانَ نصِيبه من ذَلِك للْبَاقِي مِنْهُمَا فَمَاتَ أَحدهمَا وَترك ولدا قَالَ يرجع نصِيبه إِلَى الْمَسَاكِين وَلَا يكون ذَلِك للْبَاقِي مِنْهُمَا من قبل أَن الْوَاقِف إِنَّمَا اشْترط أَن يرجع نصيب الَّذِي يَمُوت مِنْهُمَا إِلَى الْبَاقِي إِذا لم يتْرك الْمَيِّت وَارِثا وَهَذَا قد ترك وَارِثا وَهُوَ وَلَده قلت فَلم لَا تجْعَل نصيب الْمَيِّت مِنْهُمَا لوَلَده قَالَ من قبل أَن الْوَاقِف لم يَجْعَل ذَلِك لولد الْمَيِّت إِنَّمَا قَالَ من مَاتَ مِنْهُمَا وَلم يتْرك وَارِثا كَانَ ذَلِك للْبَاقِي فلهذه الْعلَّة لم يكن للْبَاقِي وَلَا لولد الْمَيِّت من ذَلِك شَيْء وَأما عقلا فَلِأَن الْمَفْهُوم لَيْسَ من الْمَدْلُول اللّغَوِيّ وَإِنَّمَا يكون بِاعْتِبَار التَّفَاوُت النَّفْسِيّ إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يعلم من الْوَاقِف فَلَا يَصح الْعَمَل بِهِ
وَمِنْهَا وَاقعَة الْفَتْوَى فِي وَظِيفَة ابْن الْعَطَّار تقرر فِيهَا بعض الْقُضَاة بمرسوم من السُّلْطَان وَبَعض الطّلبَة بتقرير النَّاظر بِشَرْط الْوَاقِف فَأجَاب فِي ذَلِك بعض الْمُفْتِينَ بِأَن للْإِمَام النّظر الْعَام وَأجَاب الْعَلامَة الشَّيْخ قَاسم فِيهَا بِأَنَّهُ فِيمَا لَا نَاظر لَهُ يَخُصُّهُ فقد قَالَ فِي فَتَاوَى الثَّوْريّ لَا تدخل ولَايَة السُّلْطَان على ولَايَة الْمُتَوَلِي فِي الْوَقْف اه
وَفِي الملحقات رجل لَهُ ضَيْعَة تَسَاوِي عشْرين ألف دِرْهَم وَعَلِيهِ دُيُون ووقف الضَّيْعَة وَشرط صرف غلاتها إِلَى نَفسه قصدا مِنْهُ إِلَى المماطلة وَشهِدت الشُّهُود على إفلاسه جَازَ الْوَقْف وَالشَّهَادَة أما جَوَاز الْوَقْف فلمصادفته ملكه وَأما جَوَاز الشَّهَادَة فَلِأَنَّهَا صدق لِأَن بِالْوَقْفِ خرجت الضَّيْعَة عَن ملكه فَإِن فضل من قوته شَيْء من هَذِه الغلات فللغرماء أَن يَأْخُذُوا ذَلِك مِنْهُ لِأَن الغلات ملكه وَلَو وقف أَرضًا وفيهَا زرع لَا يدْخل الزَّرْع فِي الْوَقْف سَوَاء كَانَ لَهُ قيمَة أَو لم يكن لِأَن الزَّرْع لَا يدْخل تَحت البيع إِلَّا بِالشّرطِ فَكَذَا لَا يدْخل تَحت الْوَقْف إِلَّا بِالشّرطِ على مَا يَجِيء فِي فصل الْبيُوع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَفِي المنبع إِذا خرب مَا حول الْمَسْجِد وَاسْتغْنى أهل الْمحلة عَن الصَّلَاة فِيهِ يبقي مَسْجِدا عِنْد أبي يُوسُف وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَلَا يعود إِلَى ملك بانيه إِن كَانَ حَيا وَلَا إِلَى ملك ورثته إِن كَانَ مَيتا وَعند مُحَمَّد يعود إِلَى ملك الْبَانِي لَو كَانَ حَيا وَإِلَى ملك ورثته لَو كَانَ مَيتا وَقَالَ احْمَد جَازَ نقضه وَصرف آلَته إِلَى مَسْجِد آخر وَعند أبي يُوسُف يتَحَوَّل إِلَى أقرب الْمَسَاجِد من ذَلِك الْمَسْجِد وَلَا يعود إِلَى ملك الْبَانِي
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة سُئِلَ الْحلْوانِي عَن أوقاف الْمَسْجِد إِذا تعطلت وَتعذر استغلالها هَل للمتولي أَن يَبِيعهَا وَيَشْتَرِي مَكَانهَا أُخْرَى قَالَ نعم قيل إِن لم تتعطل وَلَكِن يُوجد بِثمنِهَا مَا هُوَ خير مِنْهَا هَل لَهُ أَن يَبِيعهَا قَالَ لَا وَمن الْمَشَايِخ من لم يجوز بيع الْوَقْف تعطل أَو لم يتعطل وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك رحمهمَا الله تَعَالَى وَكَذَا لم يجوزوا الِاسْتِبْدَال بِمَا هُوَ خير مِنْهَا وَفِي السّير الْكَبِير قَالَ أَبُو يُوسُف يجوز الِاسْتِبْدَال بالأوقاف وَفِي الْمُنْتَقى قَالَ هِشَام سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول الْوَقْف إِذا صَار بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِهِ الْمَسَاكِين فللقاضي أَن يَبِيعهُ وَيَشْتَرِي بِثمنِهِ غَيره وَلَيْسَ ذَلِك الا للْقَاضِي وَذكر فِي المنبع عَن أبي يُوسُف أَنه يجوز استبدال الأَرْض الْمَوْقُوفَة إِذا تعطلت لِأَن الأَرْض قد تخرب فَلَا تغل إِلَّا بمؤنة تربو على قيمتهَا
стр. 81
وغلتها وَفِي البزازي مَا هُوَ أَعلَى من هَذَا وَهُوَ مَا روى عَن مُحَمَّد أَن أَرض الْوَقْف لَو قل ريعها فللقيم أَن يَبِيعهَا وَيَشْتَرِي بِثمنِهَا أَرضًا أُخْرَى ريعها أَكثر نفعا للْفُقَرَاء فجوز استبدال الأَرْض بِالْأَرْضِ اه وَإِذا شَرط أَن يسْتَبْدل بِالْوَقْفِ مَتى شَاءَ الْوَاقِف مثل ذَلِك وَيكون وَقفا مَكَانهَا لَهُ ذَلِك وَالْوَقْف وَالشّرط جائزان عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى وَكَذَا إِذا شَرط أَن يَبِيعهُ وَيَشْتَرِي بِثمنِهِ مَا يكون وَقفا وَعند مُحَمَّد وهلال رحمهمَا الله تَعَالَى جَازَ الْوَقْف لَا الشَّرْط
وَفِي وقف الْخصاف قلت أَرَأَيْت الرجل يقف الأَرْض على قوم ثمَّ من بعدهمْ على الْمَسَاكِين وَيشْتَرط فِي الْوَقْف أَن لَهُ أَن يزِيد من رأى زِيَادَته من أهل هَذَا الْوَقْف وَله أَن ينقص من رأى نقصانه مِنْهُم وَأَن يدْخل فيهم من رأى ادخاله وَأَن يخرج مِنْهُم من رأى اخراجه قَالَ الْوَقْف جَائِز على مَا اشْتَرَطَهُ قلت فَإِن زَاد وَاحِدًا مِنْهُم شَيْئا عَمَّا سمى لَهُ أَو نقص وَاحِدًا مِنْهُم مِمَّا سمى لَهُ أَو أخرج مِنْهُم أحدا أَو أَدخل فيهم أحدا هَل لَهُ بعد ذَلِك أَن ينقص من كَانَ زَاده أَو يزِيد من كَانَ نَقصه أَو يخرج من كَانَ أدخلهُ فِي الْوَقْف أَو يدْخل من كَانَ أخرجه مِنْهُم قَالَ إِذا فعل ذَلِك مرّة فَلَيْسَ لَهُ أَن يُغير ذَلِك لِأَن الرَّأْي إِنَّمَا هُوَ على فعل يرَاهُ فَإِذا رَآهُ وأمضاه فَلَيْسَ لَهُ بعد ذَلِك أَن يُغَيِّرهُ قلت فَإِذا أَرَادَ أَن يكون لَهُ ذَلِك أبدا مَا كَانَ حَيا يزِيد وَينْقص وَيدخل وَيخرج مرّة بعد مرّة قَالَ يشْتَرط فَيَقُول على أَن لفُلَان بن فلَان أَن يزِيد من رأى زِيَادَته من أهل هَذَا الْوَقْف وَينْقص مِنْهُم من رأى نقصانه مِمَّا جعل إِلَيْهِ وَيدخل فيهم من رأى ادخاله وَيُسمى لَهُ من الْأجر مَا يرى وَيخرج مِنْهُم من يرى اخراجه ويحرمه مِمَّا كَانَ جعل لَهُ من غلَّة هَذِه الصَّدَقَة وَمن زَاده فلَان شَيْئا من غلَّة هَذِه الصَّدَقَة على مَا جعل لَهُ فَلهُ أَن ينقصهُ بعد ذَلِك وَمن نَقصه فلَان شَيْئا مِمَّا كَانَ جعل لَهُ فَلهُ بعد ذَلِك زِيَادَته مَتى رأى وَمن أخرجه فلَان من هَذِه الصَّدَقَة فَلهُ بعد ذَلِك إِعَادَته فِيهَا وَمن أدخلهُ فلَان فِي هَذِه الصَّدَقَة فَلهُ بعد ذَلِك إِخْرَاجه مِنْهَا مَتى رأى فلَان أَن يفعل ذَلِك فعل فِي جَمِيع ذَلِك كُله بِرَأْي يمضيه على مَشِيئَته أبدا مَا كَانَ حَيا رَأيا بعد رَأْي ومشيئة بعد مَشِيئَة مُطلق لَهُ ذَلِك غير مَحْظُور عَلَيْهِ فِيهِ فَيكون لَهُ تَغْيِير ذَلِك أبدا كلما رأى فَإِذا فعل هَذَا كَانَ ذَلِك مُطلقًا لَهُ وَيكون الْوَقْف جَائِزا قلت فَمَا تَقول إِذا اشْترط الْوَاقِف هَذَا ثمَّ مَاتَ وَقد أحدث فِيهِ شَيْئا مِمَّا كَانَ اشْتَرَطَهُ قَالَ يكون جَارِيا على الْحَالة الَّتِي يكون عَلَيْهَا يَوْم يحدث عَلَيْهِ حدث الْمَوْت وَكَذَلِكَ إِن لم يحدث فِيهِ شَيْئا مِمَّا كَانَ اشْتَرَطَهُ حَتَّى مَاتَ قَالَ هُوَ جَار على مَا سبله عَلَيْهِ قلت فَهَل لوصيه أَو لوَلِيِّه فِي هَذِه الصَّدَقَة شَيْء من ذَلِك قَالَ لَا يكون لوَلِيّ هَذِه الصَّدَقَة شَيْء مِمَّا كَانَ اشْتَرَطَهُ الْوَاقِف قلت فَمَا تَقول إِن كَانَ الْوَاقِف اشْترط هَذِه الْأَشْيَاء لإِنْسَان مَا كَانَ حَيا قَالَ اشْتِرَاطه ذَلِك جَائِز والشروط نَافِذَة لمن اشْترط لَهُ ذَلِك قلت أَرَأَيْت الْوَاقِف إِذا اشْترط فِي الْوَقْف أَن لَهُ أَن يقْضِي من غَلَّته دينا قَالَ ذَلِك جَائِز وَكَذَلِكَ إِن قَالَ إِن حدث عَليّ حَادث الْمَوْت وَعلي دين بديء من غلَّة هَذَا الْوَقْف بِقَضَاء مَا عَليّ من الدّين فَإِذا قضى ديني كَانَت غلَّة هَذَا الْوَقْف جَارِيَة على مَا سبلتها قَالَ ذَلِك جَائِز
وَفِي البزازي رجل وقف محدودا ثمَّ بَاعه وَكتب القَاضِي شَهَادَته فِي صك البيع وَكتب فِي الصَّك بَاعَ فلَان بن فلَان منزل كَذَا أَو كَانَ كتب وَأقر البَائِع بِالْبيعِ لَا يكون حكما بِصِحَّة البيع وَنقض الْوَقْف وَلَو كتب بَاعَ بيعا صَحِيحا جَائِزا كَانَ حكما بِصِحَّة البيع وَبطلَان الْوَقْف وَإِذا أطلق الْحَاكِم وَأَجَازَ بيع وقف غير مسجل إِن أطلق ذَلِك للْوَارِث كَانَ حكما بِصِحَّة بيع الْوَقْف وَإِن أطلقهُ لغير الْوَارِث لَا يكون ذَلِك
стр. 82
نقضا للْوَقْف أما إِذا بيع الْوَقْف وَحكم بِصِحَّتِهِ قَاض كَانَ حكما بِبُطْلَان الْوَقْف وَفِي الْعِمَادِيّ رجل هيأ موضعا لبِنَاء مدرسة وَقبل أَن يَبْنِي وقف على هَذِه الْمدرسَة قرى بشرائط وَجعل آخِره للْفُقَرَاء وَحكم قَاض بِصِحَّتِهِ أفتى القَاضِي الإِمَام صدر الدّين السربلي أَن هَذَا الْوَقْف غير صَحِيح مُعَللا بِأَن هَذَا الْوَقْف قبل وجود الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَأفْتى غَيره من أهل زَمَانه بِصِحَّة هَذَا الْوَقْف وَهُوَ الصَّحِيح فَإِنَّهُ ذكر فِي النَّوَازِل رجل وقف أَرضًا لَهُ على أَوْلَاد فلَان وَجعل آخِره للْفُقَرَاء وَلَيْسَ لفُلَان أَوْلَاد فالوقف جَائِز وَتَكون الْغلَّة للْفُقَرَاء فَإِن حدث لفُلَان أَوْلَاد يصرف مَا يحدث من الْغلَّة من المستأنف إِلَى أَوْلَاد فلَان وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْوَقْف على الْأَوْلَاد فهاهنا يكون كَذَلِك بِالطَّرِيقِ الأولى وَتصرف الْغلَّة إِلَى الْفُقَرَاء فَإِذا بنيت الْمدرسَة يصرف إِلَيْهَا فِي الْمُسْتَقْبل وَفِي الملحقات عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا خَافَ الْوَاقِف إِبْطَاله وَلم يَتَيَسَّر لَهُ الحكم بِأَن لم يُصَادف حَاكما يجوز أَن يكْتب فِي صك الْوَقْف أَنه قضى بِهِ قَاض من قُضَاة الْمُسلمين وَإِن لم يكن قضى بذلك قَاض لِأَن التَّصَرُّف وَقع صَحِيحا لَكِن للْقَاضِي أَن يُبطلهُ وَالْكَاتِب بِهَذِهِ الْكِتَابَة يمْنَع القَاضِي عَن الْإِبْطَال فَلم يكن بِهِ بَأْس وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل وقف ضَيْعَة على أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده أبدا مَا تَنَاسَلُوا وَله أَوْلَاد أَوْلَاد يقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ لَا تفضل الذُّكُور على الْإِنَاث لِأَنَّهُ أوجب الْحق لَهُم على السوَاء وَأَوْلَاد الْبَنَات هَل يدْخلُونَ فِي ذَلِك ذكر الْخصاف أَنهم يدْخلُونَ وَذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنهم لَا يدْخلُونَ وَكَذَا لَو كَانَ مَكَان الْوَقْف وَصِيَّة وَالْفَتْوَى على ظَاهر الرِّوَايَة لِأَن أَوْلَاد الْبَنَات لَيْسُوا بأولاد أَوْلَاده لأَنهم منسوبون إِلَى الْأَب لَا إِلَى الْأُم وَفِي الْقنية الْأَوْقَاف ببخارى على الْعلمَاء لَا يعرف من الْوَاقِف شَيْء غير ذَلِك فللقيم أَن يفضل الْبَعْض وَيحرم الْبَعْض إِن لم يكن الْوَاقِف على قوم يُحصونَ وَكَذَا الْوَقْف على الَّذين يَخْتَلِفُونَ إِلَى هَذِه الْمدرسَة أَو على متعلمي هَذِه الْمدرسَة أَو على علمائها يجوز للقيم أَن يفضل الْبَعْض وَيحرم الْبَعْض إِن لم يبين الْوَاقِف قدر مَا يُعْطي كل وَاحِد
الْأَوْقَاف الْمُطلقَة على الْفُقَهَاء التَّرْجِيح فِيهَا بِالْحَاجةِ أم بِالْفَضْلِ قَالَ الوبري رَحمَه الله تَعَالَى التَّرْجِيح فِيهَا بِالْحَاجةِ وَقَالَ البقالي رَحمَه الله تَعَالَى بِالْفَضْلِ قَالَ الْعَلَاء الترجماني وَبقول البقالي نَأْخُذ قَالَ وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يُسَوِّي بَين النَّاس فِي الْعَطاء من بَيت المَال وَكَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يعطيهم على قدر الْحَاجة والعفة وَالْفضل وَالْأَخْذ بِمَا فعله عمر فِي زَمَاننَا أحسن فنعتبر الْأُمُور الثَّلَاثَة وَإِن كَانَ فِي أحدهم فضل مَعَ أصل حَاجته وعفته يرجح على من هُوَ أقل فضلا وَإِن كَانَ ذَلِك أحْوج وأعف فَهُوَ الْمَعْلُوم من غَرَض الواقفين فِي زَمَاننَا
اسْتخْلف الامام فِي الْمَسْجِد خَليفَة ليؤم فِيهِ زمَان غيبته لَا يسْتَحق الْخَلِيفَة من أوقاف الامامة شَيْئا إِن كَانَ الامام أم أَكثر السّنة
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَان إِذا عرض للْإِمَام أَو للمؤذن عذر مَنعه الْمُبَاشرَة مُدَّة سِتَّة أشهر فللمتولي أَن يعزله ويولي غَيره وَإِن كَانَ للمعزول نَائِب
وَفِي الْقنية قَالَ الْعَلَاء الترجماني للامام الْغَنِيّ أَخذ غلَّة الامامة
وَقَالَ شرف الْأَئِمَّة إِمَام أَخذ غلَّة السّنة ثمَّ مَاتَ قبل تَمام السّنة وَهِي فِي يَده لوَرثَته
إِمَام أم شهرا وَاسْتوْفى إِلَى السّنة ثمَّ نصب أهل الْمحلة إِمَامًا آخر لَيْسَ لَهُم أَن يستردوا مَا أَخذ وَكَذَا لَو انْتقل بِنَفسِهِ
стр. 83
وَفِي الْمُحِيط أَخذ الامام الْغلَّة وَقت الادراك ثمَّ انْتقل لَا تسترد مِنْهُ حِصَّة مَا بَقِي من السّنة كَالْقَاضِي إِذا مَاتَ وَقد أَخذ رزق السّنة وَيحل للامام أكل حِصَّة مَا بَقِي من السّنة إِن كَانَ فَقِيرا وَهَكَذَا الحكم فِي طلبة الْعلم فِي الْمدَارِس يَعْنِي إِذا كَانَ الْعَطاء مسانهة فَأَخذه المتعلم وَقت الْقِسْمَة ثمَّ ترك الْمدرسَة
رجل قَالَ أرضي هَذِه صَدَقَة مَوْقُوفَة لله أبدا على وُجُوه سَمَّاهَا على أَن ولايتها فِي حَياتِي وَبعد وفاتي إِلَى أفضل وَلَدي قَالَ ذَلِك جَائِز قلت فَإِن كَانَ أَوْلَاده فِي الْفضل سَوَاء قَالَ يكون أكبرهم سنا قلت فَإِن قَالَ على أَن تكون ولَايَة هَذَا الْوَقْف إِلَى الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل من وَلَدي فَأبى أفضلهم أَن يقبل ذَلِك قَالَ تكون الْولَايَة إِلَى الَّذِي يَلِيهِ قلت وَكَذَلِكَ إِن تولى ذَلِك أفضلهم ثمَّ مَاتَ قَالَ تكون الْولَايَة إِلَى الَّذِي يَلِيهِ قلت فَإِن كَانَ أفضلهم غير مَوضِع لولاية هَذِه الصَّدَقَة قَالَ يَجْعَل القَاضِي رجلا يقوم بِهِ قلت فَإِن صَار بعدذلك فيهم من يصلح للْقِيَام بِهِ قَالَ ترد ولَايَة هَذَا الْوَقْف إِلَيْهِ قلت فَإِن قَالَ على أَن ولَايَة هَذِه الصَّدَقَة إِلَى الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل من وَلَدي وتولاها أفضلهم ثمَّ صَار فِي وَلَده من هُوَ أفضل من الَّذِي تولاها قَالَ تكون ولايتها إِلَى الَّذِي صَار أفضل من الَّذِي تولاها الأول اه كَذَا فِي وقف الْخصاف
وَفِي البزازي إِذا مَاتَ الْمُتَوَلِي والواقف حَيّ فَالرَّأْي فِي النصب إِلَى الْوَاقِف لَا إِلَى الْحَاكِم وَبعد موت الْوَاقِف إِلَى وَصِيّه لَا إِلَى الْحَاكِم وَإِن لم يكن لَهُ وَصِيّ فَالرَّأْي إِلَى لحَاكم لِأَن الْعين وَإِن زَالَت بِالْوَقْفِ عَن ملكه حَقِيقَة فَهِيَ بَاقِيَة على ملكه حكما لقَوْله ﵊ وَصدقَة جَارِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي الأَصْل الْحَاكِم لَا يَجْعَل الْقيم من الاجانب مَا دَامَ فِي أهل بَيت الْوَاقِف من يصلح لذَلِك فَإِذا لم يجد فيهم من يصلح وَنصب من غَيرهم ثمَّ وجد فيهم من يصلح صرفه عَنهُ إِلَى من يصلح من أهل بَيت الْوَاقِف
وقف وَلم يشْتَرط الْولَايَة لنَفسِهِ وَلَا لغيره قَالَ هِلَال رَحمَه الله تَعَالَى الْولَايَة إِلَيْهِ وَقَالَ قوم لَا تثبت الْولَايَة بِلَا شَرط لنَفسِهِ قَالَ مَشَايِخنَا الْأَشْبَه أَن يكون هَذَا قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن التَّسْلِيم لما كَانَ شرطا عِنْده وَبِه تَنْقَطِع ولَايَته قَالَ أَبُو اللَّيْث بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُتَوَلِي تَنْقَطِع ولَايَته عِنْد مُحَمَّد فَلَا يملك عزل الْمُتَوَلِي إِذا لم يشْتَرط حَال الْوَقْف ولَايَة الْعَزْل لنفسيه وَقَالَ أَبُو يُوسُف يملكهُ شَرط أَو لم يشرط
وَإِذا كَانَ الْوَاقِف غير مَأْمُون وَقد شَرط الْولَايَة لنَفسِهِ يُخرجهُ الْحَاكِم عَن الْولَايَة وينزعه مِنْهَا وَكَذَا لَو اجْتمع عِنْده من غلَّة الْوَقْف مَا يَكْفِي للعمارة وَالْوَقْف مُحْتَاج إِلَيْهَا وَامْتنع الْوَاقِف عَنْهَا يَأْمُرهُ الْحَاكِم بالعمارة فَإِن فعل وَإِلَّا يَنْزعهُ مِنْهُ وَإِن كَانَ شَرط أَن لَا يَنْزعهُ مِنْهُ أحد فَالشَّرْط بَاطِل لمُخَالفَة الشَّرْع إِذْ الْحَاكِم نَاظر لمصْلحَة الْوَقْف فَإِن كَانَ فِي نَزعه مصلحَة يجب عَلَيْهِ اخراجه دفعا للضر عَن الْوَقْف
وقف وَأشْهد وَكتب الصَّك وقرىء عَلَيْهِ وَقفه وَقفا صَحِيحا ثمَّ قَالَ وقفت بِشَرْط أَن لي ولَايَة بَيْعه مَتى شِئْت لَكِن الْكَاتِب لم يَكْتُبهُ وَلم أعلم بِهِ إِن كَانَ فصيحا يعرف اللُّغَة الَّتِي كتب بهَا الصَّك وقرىء عَلَيْهِ لَا يقبل قَوْله وَإِن كَانَ أعجميا لَا يعرف اللُّغَة الَّتِي كتب بهَا الصَّك يقبل قَوْله وَإِن شهدُوا أَنه قرىء عَلَيْهِ بلغته وَفهم كل مَا فِيهِ لَا يقبل قَوْله أَيْضا وَكَذَا فِي البيع والاجارة إِذا قَالَ البَائِع والآجر لم أعلم الْمَكْتُوب فِي صك البيع والاجارة
стр. 84
شَرط أَن لَا يؤاجره وَإِلَيْهِ فَإِن آجره فَهُوَ خَارج عَن الْولَايَة أَو لَا يَدْفَعهَا مُسَاقَاة فَإِن فعل فَهُوَ خَارج عَن الْولَايَة وَفُلَان يكون واليها أَو شَرط وَقَالَ من نَازع فِي هَذِه الصَّدَقَة متوليها أَو قَالَ من نَازع متوليها فِي إبِْطَال هَذِه الصَّدَقَة فَهُوَ خَارج عَن هَذِه الصَّدَقَة يجوز شَرطه وَيعْمل على حسب مَا شَرطه الْوَاقِف
قيم الْوَقْف أنْفق من مَاله فِي الْوَقْف ليرْجع فِي غَلَّته لَهُ الرُّجُوع إِن شَرطه وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا الْوَصِيّ فِي مَال الْمَيِّت لَكِن لَو ادّعى ذَلِك لَا يكون القَوْل قَوْله
اشْترى بِمَال الْوَقْف دَارا ثمَّ بَاعهَا يجوز
إِن وجدت ضالتي فَللَّه عَليّ أَن أَتصدق بأرضي هَذِه على ابْن السَّبِيل فَوَجَدَهَا يجوز أَن يقف أرضه على من يجوز لَهُ وضع الزَّكَاة فِيهِ وَلَا يجوز على من لَا يجوز لَهُ دفع زَكَاة مَاله لِأَن هَذَا نذر فَيعْتَبر بِإِيجَاب الله تَعَالَى وَإِن وقف على وَلَده جَازَ ونذره بَاقٍ
إِن مت من مرضِي هَذَا فأرضي وقف فبرأ من مَرضه وَبَاعَ أرضه جَازَ وَإِن مَاتَ من مَرضه هَذَا لَا تكون وَقفا وَتَعْلِيق الْوَقْف بِالشّرطِ لَا يَصح وَلَو قَالَ إِذا مت فاجعلوا أرضي هَذِه وَقفا يجوز كَمَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فأرضي وقف لَا يجوز وَلَو قَالَ إِن دخلت فاجعلوا أرضي وَقفا يجوز وَقَالَ السَّرخسِيّ والقدوري تَعْلِيق الْوَقْف بِالشّرطِ جَائِز
وَذكر فِي وقف الْخصاف قَالَ أرضي هَذِه صَدَقَة مَوْقُوفَة لله تَعَالَى على النَّاس أَو على بني آدم أَو على أهل بَغْدَاد ابدا فَإِذا انقرضوا فعلى الْمَسَاكِين أَو العميان أَو الزمني فالوقف بَاطِل وَذكر فِي مَوضِع آخر قَالَ الْغلَّة للْمَسَاكِين لَا لَهما وَلَو وقف على قِرَاءَة الْقُرْآن والفقراء فالوقف بَاطِل وَذكر هِلَال الْوَقْف على الزمنى والمنقطعين صَحِيح وَقَالَ الْمَشَايِخ الْوَقْف على معلم الْمَسْجِد الَّذِي يعلم الصّبيان غير صَحِيح وَقيل يَصح لِأَن الْفقر غَالب فيهم قَالَ شمس الْأَئِمَّة فعلى هَذَا إِذا وقف على طلبة علم بَلَده يجوز لِأَن الْفقر غَالب فيهم فَكَانَ الِاسْم مَبْنِيا على الْحَاجة
فَالْحَاصِل أَنه مَتى ذكر مصرفا فِيهِ نَص على الْفقر وَالْحَاجة فالوقف صَحِيح يُحصونَ أم لَا وَقَوله يُحصونَ إِشَارَة إِلَى أَن التَّأْبِيد لَيْسَ بِشَرْط وَمَتى ذكر مصرفا يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيّ وَالْفَقِير إِن كَانُوا يُحصونَ صَحَّ بطرِيق التَّمْلِيك وَإِن كَانُوا لَا يُحصونَ فَهُوَ بَاطِل إِلَّا أَن يكون فِي لَفظه مَا يدل على الْحَاجة كاليتامى فَحِينَئِذٍ إِن كَانُوا يُحصونَ فالأغنياء والفقراء سَوَاء وَإِن كَانُوا لَا يُحصونَ فالوقف صَحِيح وَيصرف إِلَى فقرائهم لَا إِلَى أغنيائهم وَكَذَا لَو وقف على الزمنى فَهُوَ على فقرائهم وَلَو وقف على أَصْحَاب الحَدِيث لَا يدْخل فيهم شَافِعِيّ الْمَذْهَب إِذْ لم يكن فِي طلب الحَدِيث وَيدخل الْحَنَفِيّ كَانَ فِي طلبه أَو لَا
وَذكر بكر أَن الْوَقْف على أقرباء سيدنَا رَسُول الله ﷺ وعَلى أهل بَيته يجوز وَإِن كَانَ لَا تجوز الصَّدَقَة عَلَيْهِم وَفِي الْفَتَاوَى إِنَّه لَا يجوز وَلَا يصير وَقفا لعدم جَوَاز صرف الصَّدَقَة لبني هَاشم لَكِن فِي جَوَاز الْوَقْف وَصدقَة النَّقْل عَلَيْهِم رِوَايَتَانِ
الْوَقْف على الصُّوفِيَّة لَا يجوز وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة يجوز
وَأخرج الامام على السغدي رِوَايَة من وقف الْخصاف أَنه لَا يجوز على الصُّوفِيَّة والعميان فَرجع الْكل إِلَى جَوَابه اه كَلَام البزازي
стр. 85
وَفِي وقف الْخصاف يَنْعَزِل النَّاظر بالجنون المطبق إِذا دَامَ سنة لَا إِن دَامَ أقل وَلَو عَاد إِلَيْهِ عقله وبرأ من علته عَاد إِلَيْهِ النّظر
نوع فِي اجارة الْوَقْف وَالدَّعْوَى فِيهِ وَالشَّهَادَة عَلَيْهِ وَفِي المنبع الْمُتَوَلِي إِذا آجر الْوَقْف سِنِين مَعْلُومَة بِأُجْرَة مثله ينظر إِن كَانَ الْوَاقِف اشْترط أَن لَا يُؤَاجر أَكثر من سنة لَا يجوز لِأَن شَرط الْوَاقِف يجب مراعاته وَلَا يتَجَاوَز عَمَّا شَرطه وَإِن لم يشْتَرط ذَلِك قَالَ المتقدمون من مَشَايِخنَا إِنَّه يجوز ذَلِك لِأَن الْوَاقِف فوض الْأَمر إِلَى الْمُتَوَلِي فَنزل الْمُتَوَلِي منزلَة الْوَاقِف وللواقف أَن يُؤجر سِنِين كَثِيرَة فَكَذَا من يقوم مقَامه وَقَالَ الْمُتَأَخّرُونَ من مَشَايِخنَا لَا يجوز أَكثر من سنة وَاحِدَة لِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك يخَاف على الْوَقْف أَن يتَّخذ ملكا لِأَنَّهُ بِمُضِيِّ مُدَّة مديدة تندرس سمة الْوَقْف ويتسم بسمة الملكية خُصُوصا فِي زَمَاننَا لِأَن الظلمَة المتغلبة مستحلة متأكلة
وَكَانَ الشَّيْخ الامام أَبُو حَفْص الْكَبِير رَحمَه الله تَعَالَى يُجِيز الاجارة فِي الضّيَاع ثَلَاث سِنِين لِأَنَّهُ لَا يرغب فِي أقل من ذَلِك وَلَا يُجِيز فِي غير الضّيَاع أَكثر من سنة وَاحِدَة إِلَّا إِذا كَانَت الْمصلحَة فِي الضّيَاع فِي عدم جَوَاز اجارتها ثَلَاث سِنِين أَو فِي غير الضّيَاع جَوَاز اجارتها أَكثر من سنة وَاحِدَة فَهُوَ أَمر يختف باخْتلَاف الْموضع وَالزَّمَان وَهُوَ الْمُخْتَار للْفَتْوَى وَكَذَلِكَ الْمُزَارعَة والمعاملة وَالْوَجْه فِي تَصْحِيح الاجارة الطَّوِيلَة فِي الْوَقْف أَن يعْقد عقودا مترادفة كل عقد على سنة بِأَن اسْتَأْجر ثَلَاثِينَ سنة بِثَلَاثِينَ عقدا كل عقد على سنة من غير أَن يكون بَعْضهَا شرطا فِي العقد فَيكون العقد الأول لَازِما لِأَنَّهُ ناجز وَالثَّانِي غير لَازم لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْمُسْتَقْبل
وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْإِجَارَة المضافة لَازِمَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيح وَذكر هَذِه الْحِيلَة فِي الذَّخِيرَة ثمَّ قَالَ وَلَكِن هَذِه الْحِيلَة عِنْدِي ضَعِيفَة لِأَن من لم يجوز الاجارة الطَّوِيلَة فِي الْوَقْف إِنَّمَا لم يجوز صِيَانة للْوَقْف عَن الْبطلَان فَإِن الْوَقْف إِذا بَقِي فِي يَد الْمُسْتَأْجر مُدَّة طَوِيلَة وَالنَّاس يرونه يتَصَرَّف فِيهِ تصرف الْملاك يَقع فِي قُلُوبهم أَنه ملكه فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالْملكِ لَو ادَّعَاهُ يَوْمًا من الدَّهْر فَيبْطل الْوَقْف وَفِي حق هَذَا الْمَعْنى لَا فرق بَين أَن تكون الاجارة معقودة بِعقد وَاحِد وَبَين أَن تكون معقودة بعقود مُتَفَرِّقَة هَذَا هُوَ الحكم فِي الاجارة الطَّوِيلَة فِي الْأَوْقَاف فَأَما الاجارة الطَّوِيلَة فِي الأقطاع والأملاك فستأتي فِي فصل الاجارات ان شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا يجوز إِجَارَة الْوَقْف الا بِأَجْر الْمثل وَلَا تنقض إِن زَادَت الْأُجْرَة لِكَثْرَة الرغبات لِأَن الْمُعْتَبر فِي أجر الْمثل وَقت العقد وَوقت العقد كَانَ الْمُسَمّى أجر الْمثل وَلَا مُعْتَبر لما بعده لِأَن تِلْكَ حالات لَا تضبط
وَفِي الْعِمَادِيّ اسْتَأْجر عَرصَة مَوْقُوفَة من الْمُتَوَلِي مُدَّة بِأَجْر الْمثل وَبنى عَلَيْهَا باذن الْمولى فَلَمَّا مَضَت الْمدَّة زَاد آخر على أجر تِلْكَ الْمدَّة للمدة الْمُسْتَقْبلَة فَرضِي صَاحب السُّكْنَى بِتِلْكَ الزِّيَادَة هَل هُوَ أولى قَالَ كَانَت وَاقعَة الْفَتْوَى أُجِيب نعم إِنَّه أولى وَالله أعلم
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ إِذا كَانَت الأَرْض وَقفا اسْتَأْجرهَا من الْمُتَوَلِي مُدَّة طَوِيلَة فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ السّعر بِحَالهِ لم يَزْدَدْ وَلم ينقص عَمَّا كَانَ وَقت العقد فَإِنَّهُ يجوز وَإِن غلا أجر مثلهَا فَإِنَّهُ يفْسخ ذَلِك العقد وَيحْتَاج إِلَى عقد جَدِيد ويجددان العقد على مَا ازْدَادَ ثَانِيًا وَكَذَلِكَ لَو اسْتَأْجرهَا بِأُجْرَة مَعْلُومَة إِلَى سنة فَلَمَّا مضى من الْمدَّة نصف السّنة غلا سعرها وازداد أجر مثلهَا فَإِنَّهُ يفْسخ ذَلِك العقد فِيمَا بقى من الْمدَّة
стр. 86
وَفِيمَا مضى من الْمدَّة يجب الْمُسَمّى بِقَدرِهِ وَبعد ذَلِك يجدد العقد ثَانِيًا على أُجْرَة مَعْلُومَة وَلَيْسَ للْمَوْقُوف عَلَيْهِ إِذا لم يكن مُتَوَلِّيًا على الْوَقْف وَلَا نَائِبا من جِهَة القَاضِي أَن يؤاجره لِأَنَّهُ لَا يملك ذَلِك وَإِنَّمَا يملك الْغلَّة دون الْعين وَالتَّصَرُّف بالاجارة إِلَى من لَهُ الْولَايَة فِي ذَلِك
إِذا آجر الْمُتَوَلِي أَو نَائِبه ثمَّ مَاتَ لم تَنْفَسِخ الاجارة بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَمَوْت الْوَكِيل لَا يُوجب فسخ عقوده
وَفِي وقف الْخصاف إِذا آجر الْوَاقِف الأَرْض سنة وَلم يحط من الْأجر شَيْئا قَالَ فَالْإِجَارَة جَائِزَة قلت فَلهُ أَن يقبض الاجر ويفرقه فِي الْوُجُوه الَّتِي سبل فِيهَا قَالَ نعم قلت فَإِن قَالَ قد قبضت الْأجر من الْمُسْتَأْجر ودفعته إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين وقفت ذَلِك عَلَيْهِم وَجحد الْقَوْم قبض ذَلِك قَالَ فَالْقَوْل قَوْله وَلَا شَيْء عَلَيْهِ قلت وَكَذَلِكَ إِن قَالَ قَبضته وَضاع مني أَو سرق قَالَ فَالْقَوْل قَوْله فِي ذَلِك
وَفِي الْقنية محالا على وقف الناصحي إِذا آجر الْوَاقِف أَو قيمه أَو وصّى الْوَاقِف أَو القَاضِي أَو أَمِينه ثمَّ قَالَ قد قبضت الْغلَّة فَضَاعَت أَو فرقتها على الْمَوْقُوف عَلَيْهِم وأنكروا فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
الْوَاقِف إِذا آجر الأَرْض الْمَوْقُوفَة من أَبِيه أَو من ابْنه أَو عَبده أَو من مكَاتبه قَالَ أَبُو بكر الْخصاف أما فِي مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَإِن الاجارة لَا تجوز من أحد هَؤُلَاءِ وَأما مَذْهَب أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فَإِن الاجارة من أَبِيه وَابْنه جَائِزَة وَأما من عَبده ومكاتبه فَإِن الاجارة لَا تجوز
وَفِي العمادى الدَّعْوَى فِي دَار الْوَقْف على مُتَوَلِّي الْوَقْف تجوز أما القَاضِي لَو أَمر انسانا بِأَن يُؤَاجر دَار الْوَقْف مشاهرة فَهُوَ لَيْسَ بخصم لِأَنَّهُ وَكيل من القَاضِي بالاستغلال وَلَيْسَ بمأذون فِي الْخُصُومَة فَلَا تصح خصومته الا إِذا كَانَ مَأْذُونا فِيهَا من جِهَة القَاضِي والمأذون فِي الاستغلال لَيْسَ بمتول وَالْمُتوَلِّيّ من يَلِي التَّصَرُّف فِي الْوَقْف وَكَذَا لَا تصح الدَّعْوَى على أكار الْوَقْف وَغير الْوَقْف وَكَذَا على غلَّة دَار الْوَقْف وَغير الْوَقْف إِذا ثَبت أَنه أكار أَو غلَّة دَار
ادّعى الْمَحْدُود لنَفسِهِ ثمَّ ادّعى أَنه وقف الصَّحِيح من الْجَواب إِن كَانَت دَعْوَى الوقفية بِسَبَب التَّوْلِيَة يحْتَمل التَّوْفِيق لِأَنَّهُ فِي الْعَادة يُضَاف إِلَيْهِ بِاعْتِبَار ولَايَة التَّصَرُّف وَالْخُصُومَة كَمَا فِي الْوَكِيل إِذا ادّعى لنَفسِهِ ثمَّ ادّعى أَنه لفُلَان وَكله فِي الْخُصُومَة فِيهِ تقبل وَلَا يكون متناقضا وَلَو ادّعى الدَّار ملكا لنَفسِهِ ثمَّ ادّعى أَنَّهَا وقف وَقفهَا فلَان على مَسْجِد كَذَا لَا تسمع دَعْوَى الْوَقْف للتناقض
رجل بَاعَ دَارا ثمَّ ادّعى أَنه كَانَ وَقفهَا أَو قَالَ وقف عَليّ لَا تصح هَذِه الدَّعْوَى وَلَيْسَ لَهُ أَن يحلف المُشْتَرِي أما لَو قَامَت بِهِ الْبَيِّنَة قبلت كَمَا لَو شهدُوا على عتق الْأمة تقبل من غير الدَّعْوَى وَذكر فِي النَّوَازِل إِذا أَقَامَ بَيِّنَة على أَنه وَقفهَا قبل البيع تقبل وَيبْطل القَاضِي البيع وَلَيْسَ للْمُشْتَرِي أَن يحبس الأَرْض بِالثّمن وَإِن لم تكن بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي وَلَو اقام المُشْتَرِي الْبَيِّنَة أَن هَذِه الدَّار كَانَت وَقفا على أَوْلَاد فلَان أَو على مَسْجِد كَذَا أَو على الْفُقَرَاء وَأَن فلَانا وَقفهَا وَسلمهَا إِلَى المتولى فدعوى الْوَقْف لَا تصح من المُشْتَرِي لأنع ساع فِي نقض مَا تمّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بخصم فِي دَعْوَى الوقفية عَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ
ادّعى الْمُتَوَلِي على المُشْتَرِي أَن هَذِه الدَّار وقف على أَوْلَاد فلَان وَأثبت الِاسْتِحْقَاق على المُشْتَرِي
стр. 87
فَأَرَادَ المُشْتَرِي أَن يرجع بِالثّمن على بَائِعه فَقَالَ البَائِع بلَى كَانَت وقف فلَان على أَوْلَاد فلَان لَكِن لما مَاتَ الْوَاقِف رفع ورثته الْأَمر إِلَى القَاضِي حَتَّى قضى بِبُطْلَان الْوَقْف وَكنت وَارِثا للْوَاقِف فقسمنا التَّرِكَة وَوَقعت الدَّار فِي نَصِيبي وبيعي وَقع صَحِيحا قَالَ صَاحب الْفُصُول ينْدَفع بِهَذَا دَعْوَى الوقفية وَيبقى فِي يَد المُشْتَرِي
ادّعى الْمُتَوَلِي أَن هَذِه الدَّار وقف على مَسْجِد كَذَا وَلم يذكر الْوَاقِف قَالَ مَشَايِخ بَلخ كَأبي جَعْفَر وَغَيره ﵏ تسمع وَقَالَ غَيرهم لَا تسمع مالم يذكر الْوَاقِف عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين ادّعى وَقفا وشهدوا على وَقفه وَلم يذكرُوا الْوَاقِف ذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى أَن دَعْوَى الْوَقْف وَالشَّهَادَة على الْوَقْف يصحان من غير بَيَان الْوَاقِف وَذكر رشيد الدّين أَن الشَّهَادَة على الْوَقْف لَا تقبل مالم يبينوا الْوَاقِف وَذكر فِي الْعدة وَلَو شهدُوا أَن هَذَا وقف على كَذَا وَلم يبينوا الْوَاقِف يَنْبَغِي أَن تقبل إِذا كَانَ قَدِيما
وَتقبل الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِي الْوَقْف وَكَذَا شَهَادَة الرِّجَال مَعَ النِّسَاء وَكَذَا الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ وَإِن صرحا بِهِ وَلَو شهد أَحدهمَا أَنه وقف نصفهَا مشَاعا وَشهد الآخر أَنه وقف نصفهَا مفروزا مُمَيّزا فالشهادة بَاطِلَة وَلَو شهد أَحدهمَا أَنه وَقفهَا يَوْم الْخَمِيس وَشهد الآخر أَنه وَقفهَا يَوْم الْجُمُعَة قبلت الشَّهَادَة قيل هَذَا على قَول أبي يُوسُف أما على قَول مُحَمَّد فَلَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَلَو شهد أَحدهمَا أَنه وَقفهَا وَقفا صَحِيحا فِي صِحَّته وَشهد الآخر أَنه وَقفهَا وَقفا مُضَافا إِلَى مَا بعد الْمَوْت فَلَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَلَو شهد أَحدهمَا أَنه وَقفهَا وَقفا صَحِيحا فِي صِحَّته وَشهد الآخر أَنه وَقفهَا فِي الْمَرَض قبلت الشَّهَادَة فَتكون جَمِيع الأَرْض وَقفا إِن كَانَت تخرج من الثُّلُث وَإِن كَانَت لَا تخرج من الثُّلُث يصير ثلثهَا وَقفا وَلَو شهد أَحدهمَا أَنه جعلهَا صَدَقَة مَوْقُوفَة على الْفُقَرَاء وَشهد الآخر أَنه جعلهَا صَدَقَة مَوْقُوفَة على الْمَسَاكِين قبلت لِأَنَّهُمَا اتفقَا على الْفُقَرَاء فَإِن من قَالَ أرضي هَذِه صَدَقَة مَوْقُوفَة كَانَت مَوْقُوفَة على الْفُقَرَاء فَهَذَا معنى قَوْلنَا لِأَنَّهُمَا اتفقَا على الْفُقَرَاء اه
وَإِن جحد الْوَاقِف الْوَقْف فَجَاءَت بَيِّنَة يشْهدُونَ عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ وبمقدار حِصَّته من الأَرْض أَو من الدَّار وَسموا ذَلِك قبل القَاضِي ذَلِك وَحكم بِالْوَقْفِ وَإِن شهدُوا على الْوَاقِف بِإِقْرَارِهِ وَلم يعرفوا مَاله من الأَرْض أَو من الدَّار يَأْمُرهُ القَاضِي بِأَن يُسمى مَاله من ذَلِك فَمَا سمي من شَيْء فَالْقَوْل قَوْله فِيهِ وَيحكم بوقفية ذَلِك وَإِن كَانَ الْوَاقِف قد مَاتَ فوارثه يقوم مقَامه فِي ذَلِك وَإِن شهدُوا على إِقْرَار الْوَاقِف أَنه وقف جَمِيع حِصَّته من هَذِه الأَرْض وَذَلِكَ الثُّلُث مِنْهَا فَكَانَت حِصَّته النّصْف أَو أَكثر من الثُّلُث قَالَ تكون حِصَّته كلهَا نصفا كَانَت أَو أَكثر وَقفا
نوع فِي غصب الْوَقْف وَحكمه وَفِي أجره وَفِي بَيَان حكم وقف الْمَرْهُون والمؤاجر مُتَوَلِّي الْوَقْف إِذا أسكن رجلا دَارا الْوَقْف بِغَيْر أجر ذكر هِلَال رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا شَيْء على السَّاكِن وَعَامة الْمُتَأَخِّرين على أَن عَلَيْهِ أجر الْمثل سَوَاء كَانَت الدَّار معدة للِاسْتِغْلَال أَو لم تكن صِيَانة للْوَقْف عَن أَيدي الظلمَة وقطعا للأطماع الْفَاسِدَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَكَذَا الرجل إِذا أسكن دَار الْوَقْف بِغَيْر أَمر الْوَاقِف وَبِغير أجر الْقيم كَانَ عَلَيْهِ أجر الْمثل بَالغا مَا بلغ
стр. 88
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَان رجل غصب أَرض الْوَقْف أَو أَرضًا لصغير قَالَ بَعضهم يضمن الْغَاصِب أجر الْمثل للْوَقْف وللصغير وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا يضمن فَلَو أَن هَذَا الْغَاصِب أجر الأَرْض الْمَغْصُوبَة من غَيره يجب على الْمُسْتَأْجر الْأجر الْمُسَمّى وَذكر فِي التَّجْنِيس أَن الْفَتْوَى فِي غصب العقارات والدور الْمَوْقُوفَة بِالضَّمَانِ كَمَا أَن الْفَتْوَى فِي غصب مَنَافِع الْوَقْف بِالضَّمَانِ
رجل رهن ضَيْعَة من رجل على مَال أَخذه مِنْهُ ثمَّ إِنَّه وقف هَذِه الضَّيْعَة وَقفا صَحِيحا هَل يجوز هَذَا الْوَقْف قَالَ الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى إِن افتكها من الرَّهْن فالوقف جَائِز وَإِن لم يَفْتكهَا فالرهن صَحِيح لَا يبطل وَلَا تخرج هَذِه الضَّيْعَة من الرَّهْن بايقاف مَالِكهَا أَلا ترى أَن رجلا لَو رهن ضَيْعَة لَهُ ثمَّ بَاعهَا أَن من قَول أَصْحَابنَا إِن افتكها فَالْبيع صَحِيح نَافِذ وَإِن أجَاز أَيْضا الْمُرْتَهن البيع فَالْبيع جَائِز وَكَذَلِكَ الحكم أَيْضا فِي الرَّهْن
رجل آجر ضَيْعَة لَهُ سِنِين ثمَّ إِنَّه جعلهَا بعد ذَلِك صَدَقَة مَوْقُوفَة لله تَعَالَى أبدا على سَبِيل سَمَّاهَا ثمَّ بعد ذَلِك تكون غَلَّتهَا للْمَسَاكِين أبدا حَتَّى يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا قَالَ الإِمَام أَبُو بكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ لصَاحب الأَرْض أَن يبطل مَا عقد من الْإِجَارَة فَإِذا انْقَضتْ مُدَّة الاجارة كَانَت الضَّيْعَة وَقفا قلت وَلم أجزت هَذِه الصَّدَقَة وَهِي السَّاعَة لَا تكون وَقفا قَالَ هِيَ السَّاعَة وقف وَإِن كَانَت مَشْغُولَة بالاجارة أَلا ترى أَنه لَو قَالَ كنت وقفت هَذِه الضَّيْعَة على كَذَا وَكَذَا قبل أَن أؤاجرها وَإِنَّمَا آجرتها للْوَقْف وأجرها مَصْرُوف فِي سَبِيل الْوَقْف إِنَّا نلزمه إِقْرَاره بِالْوَقْفِ وَيكون الْأجر الَّذِي آجرها بِهِ مصروفا فِي السَّبِيل الَّذِي وَقفهَا فِيهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا تكون وَقفا بعد انْقِضَاء الاجارة لِأَنَّهَا هِيَ وقف إِلَّا أَن فِي هَذَا الْوَقْت لَيْسَ لَهُ أَن يبطل اجارة الْمُسْتَأْجر أَلا ترى أَنه لَو آجرها ثمَّ بَاعهَا من رجل فَإِنَّهُ يُقَال للْمُشْتَرِي إِن شِئْت فاصبر حَتَّى تَنْقَضِي الاجارة فتأخذها بِالشِّرَاءِ وَإِن شِئْت فَأبْطل شراءك فَإِن اخْتَار الشِّرَاء صَبر قَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَن يبطل الشِّرَاء إِلَّا عِنْد القَاضِي أَو عِنْد السُّلْطَان وَهَذَا قَول الْحسن بن زِيَاد رَحمَه الله تَعَالَى
الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي الْغَصْب وَالشُّفْعَة وَالْقِسْمَة
حكم الْغَصْب نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا يرجع إِلَى الْآخِرَة وَهُوَ الاثم وَاسْتِحْقَاق الْمُؤَاخَذَة وَالثَّانِي مَا يرجع إِلَى الدُّنْيَا وَهُوَ أَنْوَاع بَعْضهَا يرجع إِلَى حَال قيام الْعين وَبَعضهَا يرجع إِلَى حَال هلاكها وَبَعضهَا يرجع إِلَى حَال نقصانها وَبَعضهَا يرجع إِلَى حَال زيادتها أما الَّذِي يرجع إِلَى حَال قيام الْعين فَهُوَ وجوب رد الْعين إِلَى مَالِكهَا فِي مَكَان غصبه لقَوْله ﵊ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد ثمَّ الرَّد هُوَ الْمُوجب الْأَصْلِيّ على مَا قَالُوا ورد الْقيمَة مخلص خلفا عِنْده لِأَنَّهَا قَاصِرَة والكمال فِي رد الصُّورَة وَالْمعْنَى
وَقيل الْمُوجب الْأَصْلِيّ الْقيمَة ورد الْعين بدل عَنْهَا وَلِهَذَا يعْتَبر فِي غير ذَوَات الْأَمْثَال قيمَة الْمَغْصُوب يَوْم غصبه وَيظْهر ذَلِك فِي بعض الْأَحْكَام مِنْهَا إِذا غصب جَارِيَة قيمتهَا ألف وَله ألف دِرْهَم وَقد حَال عَلَيْهِ الْحول فَإِنَّهُ لَا تجب عَلَيْهِ الزَّكَاة عَن الْألف لِأَنَّهُ مديون وَالزَّكَاة غير وَاجِبَة عَلَيْهِ مِنْهَا إِذا أَبْرَأ
стр. 89
الْغَاصِب عَن الضَّمَان مَعَ قيام الْعين يَصح حَتَّى لَو هَلَكت بعد ذَلِك لَا يجب الضَّمَان فلولا أَن الْمُوجب الْأَصْلِيّ هُوَ الْقيمَة وَإِلَّا لما صَحَّ الْإِبْرَاء لِأَن الْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يَصح وَمِنْهَا صِحَة الرَّهْن وَالْكَفَالَة بالمغصوب حَال قيام الْعين إِذْ لَو كَانَ رد الْعين أصلا لما صَحَّ الرَّهْن وَالْكَفَالَة لِأَن الرَّهْن وَالْكَفَالَة بالأعيان لَا يَصح
وَفِي الجلالية وعَلى قَول من يَقُول الْمُوجب الْأَصْلِيّ رد الْعين لَا يَصح الْإِبْرَاء وَالرَّهْن وَالْكَفَالَة حَال قيام الْعين
وَفِي الْمُحِيط وَلَو غصب دَرَاهِم أَو دَنَانِير فالمالك يَأْخُذهَا مِنْهُ حَيْثُ وجده وَلَيْسَ لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِالْقيمَةِ وَإِن اخْتلف السّعر لِأَنَّهَا أَثمَان وَمعنى الثمنية لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمَكَان وَإِذا هلك الْمَغْصُوب يجب ضَمَان مثله إِن كَانَ مثلِيا كالمكيلات والموزنات والمعدودات المتقاربة وَإِن لم يكن مثلِيا كالمزروعات والمعدودات الْغَيْر المتقاربة والحيوانات يجب ضَمَان قِيمَته يَوْم الْغَصْب لِأَن ضَمَان الْغَصْب ضَمَان اعتداء وَضَمان الاعتداء لم يشرع الا بِالْمثلِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ والمثل الْمُطلق هُوَ الْمثل صُورَة وَمعنى
وَلَو كَانَت الْقيمَة فِي مَكَان الْخُصُومَة أَكثر فالغاصب بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعْطى مثله حَيْثُ خَاصم وَإِن شَاءَ أعْطى قِيمَته حَيْثُ غصب مِنْهُ إِلَّا أَن يرضى الْمَغْصُوب مِنْهُ بِالتَّأْخِيرِ فَإِن الْغَاصِب لَا يلْزمه دفع الضَّمَان فِي مَكَان الْغَصْب بل اينما لقِيه أَخذه وَإِن كَانَت الْقيمَة فِي المكانين سَوَاء فللمالك أَن يُطَالِبهُ بِالْمثلِ لِأَنَّهُ لَا يتَضَرَّر بِهِ وَاحِد مِنْهُمَا اه
وَإِذا نقص الْمَغْصُوب فِي يَد الْغَاصِب ضمن النُّقْصَان لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يردهُ على الْوَصْف الَّذِي غصبه بِهِ بِخِلَاف الْمَبِيع فَإِنَّهُ إِذا نقص فِي يَد البَائِع لَا يجب فِي مُقَابلَته شَيْء وَلَكِن يُخَيّر المُشْتَرِي بَين أَن يَأْخُذهُ بِكُل الثّمن أَو يتْركهُ لِأَنَّهُ ضَمَان عقد وَالْعقد يرد على الْأَعْيَان لَا على الْأَوْصَاف أما ضَمَان الْغَصْب فمتعلق بِالْفِعْلِ على مَا بَينا
إِذا غصب رجل ثوب انسان فصبغه الْغَاصِب بصبغ نَفسه أَحْمَر أَو أصفر فَصَاحب الثَّوْب بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب من الْغَاصِب وَأَعْطَاهُ مَا زَاد الصَّبْغ فِيهِ وَإِن شَاءَ ضمنه قيمَة ثوب أَبيض يَوْم الْغَصْب وَقيل لَهُ خِيَار ثَالِث وَهُوَ قَول أبي عصمَة إِن شَاءَ رب الثَّوْب بَاعَ الثَّوْب على حَاله وَيقسم الثّمن على قدر حصتهما كَمَا إِذا انصبغ لَا بِفعل أحد لِأَن الثَّوْب ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ والصبغ ملك الْغَاصِب والتمييز مُتَعَذر فصارا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْب فَيُبَاع الثَّوْب وَيقسم الثّمن بَينهمَا على قدر حصتهما وَهَذَا حسن لِأَنَّهُ طَرِيق لايصال حق كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه معنى وَإِنَّمَا خيرنا صَاحب الثَّوْب دون الْغَاصِب مَعَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحب حق لِأَن صَاحب الثَّوْب صَاحب أصل وَالْغَاصِب صَاحب وصف فَكَانَ إِثْبَات الْخِيَار لصَاحب الأَصْل أولى
وَفِي البزازي رجل غصب حانوتا واتجر فِيهِ وَربح يطيب لَهُ الرِّبْح لِأَنَّهُ حصل بِالتِّجَارَة
وَلَو مر فِي أَرض الْغَيْر إِذا وجد طَرِيقا ثمَّة لَا يحل وَإِن لم يجد طَرِيقا لَهُ ذَلِك مالم يمنعهُ صَاحب الأَرْض فَإِذا مَنعه حرم عَلَيْهِ الْمُرُور لِأَن الصَّرِيح يبطل الدّلَالَة وَهَذَا إِذا كَانَ الْمَار وَاحِدًا فَإِن كَانُوا جمَاعَة فَلَا يُبَاح
والمرور فِي الطَّرِيق الْحَادِث إِن كَانَ مَالِكه جعله طَرِيقا يجوز وَإِن لم يعلم أَو علم أَنه غصب فَهَذَا بِنَاء
стр. 90
على أَن الْمُرُور فِي أَرض الْغَيْر بِغَيْر اذنه هَل يُبَاح اخْتلفُوا فِيهِ قَالَ الْفَقِيه إِن علم أَن الْمَالِك أحدثه حل وَإِن علم أَنه غصب حرم وَعَن الامام الْأَعْظَم رَحمَه الله تَعَالَى أَنه إِذا كَانَ لَهُ حَائِط أَو حَائِل لَا يحل الْمُرُور وَلَا النُّزُول فِيهِ وَإِن لم يكن فَلَا بَأْس بِهِ وَعَن أبي الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى إِذا خَفِي عَلَيْهِ الطَّرِيق يمشي فِي الأَرْض المزروعة وَلَا يطَأ الزَّرْع وَفِي المنبع رجل غصب جَارِيَة فحبلت فِي يَده إِن كَانَ الْحَبل من الْمولى أَو الزَّوْج فَلَا شَيْء على الْغَاصِب وَإِن كَانَ الْحَبل من زنى أَخذهَا الْمولى وَضَمنَهُ النُّقْصَان
وَالْكَلَام فِي قدر الضَّمَان قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ ينظر إِلَى مَا نَقصهَا الْحَبل وَإِلَى أرش عيب الزِّنَى فَيضمن الْأَكْثَر وَيدخل الْأَقَل فِيهِ وَهَذَا اسْتِحْسَان وَفِي الْقيَاس أَن يضمن الْأَمريْنِ جَمِيعًا وروى عَن مُحَمَّد أَنه أَخذ بِهِ لِأَن الْحَبل والزنى كل وَاحِد مِنْهُمَا عيب على حِدة فَكَانَ النُّقْصَان الْحَاصِل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا نُقْصَانا على حِدة فيفرز بِضَمَان على حِدة
وَمن غصب أمة فزنى بهَا هُوَ أَو غَيره فحبلت عِنْده فَردهَا إِلَى الْمَالِك فَهَلَكت بِالْولادَةِ أَو فِي النّفاس ضمن الْغَاصِب قيمتهَا يَوْم علقت وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْحرَّة اتِّفَاقًا وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَقَالا لَا يضمن فِي الْأمة شَيْئا أَيْضا وَالصَّحِيح أَن عَلَيْهِ ضَمَان نُقْصَان الْحَبل عِنْدهمَا وَهل يجب على الْغَاصِب حد الزِّنَى أم لَا لم يتَعَرَّض لهَذَا الحكم فِي الْهِدَايَة وَلَا فِي شرح الْجَامِع الصَّغِير لَكِن ذكر الشَّيْخ حسام الدّين السغناقي رَحمَه الله تَعَالَى فِي نهايته أَنه يجب الْحَد لِأَن ضَمَان الْغَصْب يُوجب الْملك دون ضَمَان الْجِنَايَة وَلِهَذَا لَو زنى بِجَارِيَة ثمَّ قَتلهَا يحد عِنْدهم لِأَنَّهُ لَا يملكهَا بِالضَّمَانِ حَتَّى يصير شُبْهَة بِخِلَاف مالو غصب جَارِيَة فزنى بهَا فَقَتلهَا ثمَّ ضمن قيمتهَا لم يحد لِأَن ضَمَان الْغَصْب يُوجب الْملك وَلَو غصب أمة فزنى بهَا فَمَاتَتْ قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى الْأَصَح أَنه تجب الْقيمَة وَلَا يجب الْحَد فعلى هَذَا إِن وجوب ضَمَان الْجِنَايَة مَعَ وجوب الْحَد يَجْتَمِعَانِ وَأما وجوب ضَمَان الْغَصْب مَعَ وجوب الْحَد فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَفِي العمادى إِذا حبس رجلا حَتَّى ضَاعَ مَاله لَا يضمن وَلَو حبس المَال من الْمَالِك وَضاع يضمن
إِذا حَال بَين رجل وأملاكه حَتَّى تلفت لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَو فعل ذَلِك فِي الْمَنْقُول ضمن
رجل وقف بِجنب دَابَّة انسان وَمنع صَاحبهَا عَنْهَا حَتَّى هَلَكت لَا يضمن وأوضح من هَذَا إِذا قَاتل صَاحب المَال وَقَتله وَلم يَأْخُذهُ حَتَّى تلف المَال لَا يضمن وَقد مر فِي فصل أَنْوَاع الضمانات مَا يُخَالف هَذِه الْمَسْأَلَة
وَسُئِلَ مَوْلَانَا الشَّيْخ عَلَاء الدّين وَالشَّيْخ نظام الدّين عَن صَاحب العمادى تغمدهم الله برحمته عَن رجل ختم مَاء أرز آخر حَتَّى هلك الْأرز هَل يضمن أجَاب مَوْلَانَا الشَّيْخ عَلَاء الدّين أَنه يضمن
وَفِي التَّجْنِيس رجل أَرَادَ أَن يسْقِي زرعه فَمَنعه إِنْسَان حَتَّى فسد زرعه لَا يضمن قلت وَهَذِه الْمَسْأَلَة تخَالف مَا قبلهَا وَالله أعلم
وَفِي الْقنية إِذا منع الْآجر أَو صَاحب الأَرْض الْمُسْتَأْجر من نقل مَتَاعه إِلَى أَن يُعْطي مَا عَلَيْهِ من الْخراج فَهَلَك من مطر أَو غَيره لَا يضمن إِذا اخْتلف الْغَاصِب وَالْمَغْصُوب مِنْهُ فِي الْقيمَة فَالْقَوْل فِي قيمَة الْمَغْصُوب قَول الْغَاصِب مَعَ الْيَمين إِلَّا أَن يُقيم الْمَالِك الْبَيِّنَة بِأَن الْقيمَة أَكثر مِمَّا قَالَه الْغَاصِب فَحِينَئِذٍ يعْمل بِبَيِّنَتِهِ لِأَنَّهُ نور دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ الملزمة
وَفِي الذَّخِيرَة وَإِن لم يكن لرب الثَّوْب بَيِّنَة وَجَاء الْغَاصِب بِبَيِّنَة أَن قيمَة ثَوْبه كَذَا وَكذبه رب الثَّوْب
стр. 91
وَسَأَلَ يَمِين الْغَاصِب فَإِنَّهُ يحلف على دَعْوَاهُ وَلَا تقبل بَينته لِأَن بَينته لنفي الزِّيَادَة وَالْبَيِّنَة على النَّفْي لَا تقبل قَالَ بعض مَشَايِخنَا رَحِمهم الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَن تقبل بَيِّنَة الْغَاصِب لاسقاط الْيَمين عَن نَفسه وَقد تقبل الْبَيِّنَة لاسقاط الْيَمين أَلا ترى أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة يقبل قَوْله وَلَو اقام الْبَيِّنَة على ذَلِك قبلت بَينته وَطَرِيقه مَا قُلْنَاهُ وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا يَنْبَغِي أَن يكون فِي كل فصل رِوَايَتَانِ وَكَانَ القَاضِي أَبُو عَليّ النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول هَذِه الْمَسْأَلَة مشكلة وَمن الْمَشَايِخ من فرق بَين مَسْأَلَة الْوَدِيعَة وَبَين هَذِه الْمَسْأَلَة
وَاعْلَم أَن ذكر الْجِنْس وَالصّفة وَالْقيمَة لَيْسَ بِشَرْط فِي دَعْوَى الْغَصْب بِخِلَاف سَائِر الدَّعْوَى لِأَن مُحَمَّدًا ذكر فِي الأَصْل إِذا ادّعى على رجل أَنه غصب مِنْهُ جَارِيَة وَأقَام على ذَلِك بَيِّنَة يحبس الْمُدَّعِي عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيء بهَا ويردها على مَالِكهَا قَالَ شمس الْأَئِمَّة يَنْبَغِي أَن تحفظ هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ قَالَ أَقَامَ بَيِّنَة أَنه غصب جَارِيَة وَلم يبين جِنْسهَا وصفتها وَقيمتهَا وَمن الْمَشَايِخ من شَرط بَيَان الْجِنْس وَالصّفة وَالْقيمَة وَأول كَلَام مُحَمَّد على هَذَا وَقَالَ ابو بكر الْأَعْمَش رَحمَه الله تَعَالَى تَأْوِيلهَا أَن الشُّهُود شهدُوا على إِقْرَار الْغَاصِب أَنه غصب مِنْهُ جَارِيَة فَثَبت غصب الْجَارِيَة بِإِقْرَارِهِ فِي حق الْجِنْس وَالْقيمَة فَأَما الشَّهَادَة على فعل الْغَصْب فَلَا تقبل مَعَ جَهَالَة الْمَغْصُوب لِأَن الْقَضَاء بِالْمَجْهُولِ غير مُمكن وَالصَّحِيح أَن هَذِه الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة مَقْبُولَة بِدُونِ ذكر الْجِنْس وَالصّفة وَالْقيمَة للضَّرُورَة فَإِن الْغَاصِب يكون مُمْتَنعا من إِحْضَار الْمَغْصُوب عَادَة وَحين غصب انما يَتَأَتَّى من الشُّهُود مُعَاينَة فعل الْغَاصِب دون الْعلم بأوصاف الْمَغْصُوب وَسقط اعْتِبَار علمهمْ بالأوصاف لأجل التَّعَذُّر وَثَبت بِشَهَادَتِهِم فعل الْغَاصِب فِيمَا هُوَ مَال مُتَقَوّم فَصَارَ ثُبُوت ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ كثبوته بِالْإِقْرَارِ فَيحْبس كَذَا فِي المنبع
رجل اشْترى بِالنَّقْدِ الْمَغْصُوب جَارِيَة أَو ثوبا أَو تزوج بِهِ امْرَأَة حل لَهُ وَطْء الْمَرْأَة وَلبس الثَّوْب وَلَو اشْترى بِالثَّوْبِ الْمَغْصُوب لَا يحل لَهُ وَلَو تزوج على الثَّوْب الْمَغْصُوب يحل
غصب ألفا وَاشْترى بهَا جَارِيَة فَبَاعَهَا بِأَلفَيْنِ تصدق بِالرِّبْحِ وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَا يتَصَدَّق بِهِ أَصله الْمُودع إِذا ربح فِي الْوَدِيعَة بِالتَّصَرُّفِ يطيب لَهُ الرِّبْح وَعند الامام الْأَعْظَم وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لَا يطيب لَهُ ذَلِك وَلَو غصب ألفا وَاشْترى بهَا طَعَاما يُسَاوِي أَلفَيْنِ فَأَكله أَو وهبه لَا يتَصَدَّق بِالرِّبْحِ اجماعا
رجل وَجه جَارِيَة إِلَى نخاس للْبيع فَبعثت امْرَأَة النخاس الْجَارِيَة إِلَى حَاجَتهَا فهربت فَالضَّمَان على امْرَأَة النخاس لَا غير لِأَن النخاس أجِير مُشْتَرك وَمن مَذْهَب الامام رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْأَجِير الْمُشْتَرك لَا يضمن مَا تلف فِي يَده بِغَيْر فعله وَقَالا يُخَيّر صَاحب الْجَارِيَة بَين تضمين النخاس وَزَوجته
جَاءَ الْغَاصِب بِثَوْب وَقَالَ الْمَغْصُوب هَذَا وَقَالَ الْمَالِك لَا بل غَيره فَالْقَوْل للْغَاصِب وَتَمام هَذَا الْفَصْل تقدم شَرحه فِي فصل أَنْوَاع الضمانات فَينْظر ثمَّة
نوع فِي الشُّفْعَة دَار بِيعَتْ بِجنب دَار الْوَقْف لَا شُفْعَة للْوَقْف حَتَّى لَا يَأْخُذهَا الْقيم لِأَن الشُّفْعَة تجب بِحَق الْملك والموقوفة لَيست بمملوكة لأحد فِي الْحَقِيقَة قلت وَفِي البزازي مَا يُخَالف هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ قَالَ تثبت الشُّفْعَة بجوار دَار الْوَقْف اه
стр. 92
رجل اشْترى دَارا لِابْنِهِ الصَّغِير وَالْأَب شفيعها فَأَرَادَ أَن يَأْخُذهَا بِالشُّفْعَة كَانَ لَهُ ذَلِك لِأَن الْأَب لَو اشْترى دَار ابْنه يجوز فَكَذَا هَذَا وَإِذا أَخذ كَيفَ يَأْخُذ يَقُول اشْتريت فَأخذت بِالشُّفْعَة وَلَو كَانَ مَكَان الْأَب وَصِيّ يجب أَن يكون الْجَواب فِيهِ كالجواب فِي شِرَاء الْوَصِيّ مَال الْيَتِيم على قَول من يملك الشِّرَاء فَهُوَ كَالْأَبِ وعَلى قَول من لَا يملك لَهُ الشُّفْعَة أَيْضا لَكِن يَقُول اشْتريت وَطلبت الشُّفْعَة ثمَّ يرفع الْأَمر الى القاذي حَتَّى ينصب قيمًا عَن الصَّبِي فَيَأْخُذ الْوَصِيّ مِنْهُ بِالشُّفْعَة وَيسلم الثّمن إِلَيْهِ ثمَّ هُوَ يسلم الثّمن إِلَى الْوَصِيّ كَذَا فِي الْوَلْوَالجيّ
وَفِي البزازي الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالْمكَاتب والمأذون ومعتق الْبَعْض سَوَاء فِيهَا وَلَا شُفْعَة فِي المنقولات وَإِذا ملك الْعقار بِلَا عوض كَالْهِبَةِ وَالصَّدَََقَة وَالْوَصِيَّة وَالْمِيرَاث أَو بعوض لَيْسَ بِمَال كالمهر وَبدل الْخلْع وَالصُّلْح عَن دم عمدا وَجعله أُجْرَة فَلَا شُفْعَة فِيهَا
وَلَا شُفْعَة فِي الْبناء وَالْأَشْجَار إِذا بِيعَتْ بِدُونِ الْعَرَصَة لِأَنَّهُ نقلي وَلَو كَانَ الْبناء بِمَكَّة جَازَ أَن يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة وَتُؤْخَذ الشُّفْعَة بِهِ كَذَا روى عَن أبي يُوسُف وَهِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة كَذَا ذكره ابْن وهبان فِي شَرحه وَهِي لثَلَاثَة الشَّرِيك فِي الْمَبِيع وَهُوَ الَّذِي لم يقاسم والخليط وَهُوَ المقاسم الَّذِي بَقِي لَهُ خلْطَة فِي الطَّرِيق أَو الشّرْب وَالْجَار الملاصق
وَلَا شُفْعَة للْجَار الْمُقَابل إِذا كَانَت الْمحلة نَافِذَة وَتجب الشُّفْعَة إِذا كَانَت غير نَافِذَة
وَالشَّفِيع فِي الطَّرِيق أَحَق من الْجَار قَالَ مَشَايِخنَا لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ طَرِيقا عَاما لِأَنَّهُ غير مَمْلُوك لأحد وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا يكون فِي سكَّة غير نَافِذَة وَإِن لم تكن نَافِذَة حَتَّى كَانَ الطَّرِيق مُشْتَركا بَين أَهلهَا فَإِن كَانَ فِي أَسْفَل السِّكَّة مَا يتَعَلَّق بِهِ حق الْعَامَّة كالمسجد وَنَحْوه فَلَيْسَ لأحد من أهل السِّكَّة شُفْعَة بِالشّركَةِ فِي الطَّرِيق وَإِن كَانَ الْمَسْجِد وسط السِّكَّة فَمن بَيته فِي وَسطهَا أَو مدخلها فَلَيْسَ لَهُ شُفْعَة وَإِن بِيعَتْ دَار فِي الْأَسْفَل فلشركاء الْأَسْفَل فِي الطَّرِيق حق الشُّفْعَة
وَالْجَار مَعَ الشَّرِيك شَفِيع حَتَّى إِن سلم الشَّرِيك يَأْخُذهَا الْجَار فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن أبي يُوسُف أَنه لَا يَأْخُذ وَالْجَار إِذا سلم مَعَ الشريط صَحَّ حَتَّى إِذا سلمهَا الشَّرِيك لَا يَأْخُذهَا الْجَار وَبعد تَسْلِيم الشَّرِيك إِنَّمَا يَأْخُذهَا الْجَار إِذا كَانَ بِأحد الطلبين بِأَن يَقُول اني قد طلبتها إِن لم يَأْخُذهَا الشَّرِيك أَخذهَا وَلم يذكر فِي الْكتاب أَن من لَا يرى الشُّفْعَة بالجوار إِذا جَاءَ إِلَى حَاكم يرى الشُّفْعَة بالجوار وطلبها قيل لَا يقْضِي لَهُ بهَا لِأَنَّهُ يزْعم بطلَان دَعْوَاهُ وَقيل يقْضِي بهَا لِأَن الْحَاكِم يرى وُجُوبهَا وَقيل يُقَال لَهُ هَل تعتقد وُجُوبهَا إِن قَالَ نعم حكم لَهُ بهَا وَإِن قَالَ لَا لَا يصغي إِلَى كَلَامه
قَالَ الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى وَهَذَا احسن الْأَقَاوِيل
وَيحلف فِي دَعْوَى الشُّفْعَة على من يَرَاهَا بِاللَّه مَا لهَذَا قبلك شُفْعَة فِي هَذِه الدَّار وعَلى قَول من يَرَاهَا بالجوار لَا يحلف بِاللَّه مَا لهَذَا قبلك شُفْعَة فِي هَذِه الدَّار لِأَنَّهُ لَو حلف على هَذَا الْوَجْه يحلف بِمَاء على مذْهبه فيتوى حَقه
وَلَو قضى حَنَفِيّ لشافعي بالجوار هَل يحل بَاطِنا فِيهِ وَجْهَان ذكرهمَا فِي الْوَسِيط
وَفِي أدب الْقَضَاء لقَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين السَّرخسِيّ إِذا بلغ الشَّفِيع الْخَبَر وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ
стр. 93
من يشهده فَإِنَّهُ يَقُول أَنا مطَالب بِالشُّفْعَة حَتَّى لَا يسْقط طلبه فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَالْغَائِب إِذا علم بِالشُّفْعَة هُوَ بِمَنْزِلَة الْحَاضِر فِي الطّلب وَبعد مَا يشْهد لَهُ من الْأَجَل مِقْدَار الْمسَافَة فَإِن لم يقدم وَلم يُوكل من يَأْخُذ لَهُ بِالشُّفْعَة بطلت شفعته
قَالَ طلبت الشُّفْعَة لَا تبطل وَلَو قَالَ أطلبها أَو أَنا طَالب لَهَا تبطل وَالصَّحِيح لَا تبطل وَفِي الْمُحِيط إِذا طلب بِأَيّ لفظ كَانَ مَاضِيا أَو مُسْتَقْبلا جَازَ
سمع الْيَهُودِيّ بِالْبيعِ يَوْم السبت فَلم يشْهد بطلت
الشَّفِيع بالجوار إِذا خَافَ أَنه لَو طلب الشُّفْعَة عِنْد قَاض لَا يرى الشُّفْعَة بالجوار فَلم يطْلب فَهُوَ على شفعته لِأَنَّهُ ترك الْعذر
وَإِذا لم يكن للصَّبِيّ من يَأْخُذ شفعته وقف على بُلُوغه لقَوْله ﷺ ينْتَظر الشَّفِيع إِذا كَانَ غَائِبا وَتَسْلِيم الْأَب وَالْوَصِيّ على الصَّبِي جَائِز خلافًا لمُحَمد وَزفر رحمهمَا الله تَعَالَى
أكره على إِسْقَاط الشُّفْعَة أَو الْإِبْرَاء عَن دين لم يجز وَلم تبطل شفعته وَلَا يَصح تَسْلِيم الشُّفْعَة مَعَ الْهزْل وَلَو سد فَمه مكْرها وَلم يتْركهُ ينْطق لم تبطل شفعته
وَفِي البزازي الْحِيلَة بعد ثُبُوتهَا تكره بالِاتِّفَاقِ نَحْو أَن يَقُول المُشْتَرِي للشَّفِيع اشتره مني وَإِن كَانَ قبل الثُّبُوت لَا بَأْس بِهِ عدلا كَانَ أَو فَاسِقًا فِي الْمُخْتَار لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِبْطَال وعَلى هَذَا حِيلَة الزَّكَاة وَدفع الرِّبَا
وَالْحِيلَة على وُجُوه إِمَّا أَن يهب بَيْتا من دَار من رجل ثمَّ يَبِيع بقيتها مِنْهُ أَو يكون داران متلاصقتان تصدق صَاحب احدى الدَّاريْنِ بِالْحَائِطِ الَّذِي يَلِي جَاره على رجل وَقَبضه ثمَّ بَاعَ مِنْهُ مَا بَقِي من الدَّار أَو يَشْتَرِي عشرَة بِثمن كثير أَو سَهْما من مائَة سهم وَالْبَاقِي بِثمن قَلِيل فَللشَّفِيع الشُّفْعَة فِي الأول لَا فِي الْبَاقِي
وَلَو خَافَ البَائِع أَن يفْسخ المُشْتَرِي البيع يَبِيع الْبَاقِي على خِيَار ثَلَاثَة ايام وَلَو خَافَ المُشْتَرِي أَنه إِذا اشْترى الْقَلِيل بِالثّمن الْكثير لَا يَبِيع مِنْهُ الْبَاقِي بِالثّمن يَشْتَرِي السهْم الْوَاحِد على خِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فَلَو أَرَادَ الشَّفِيع أَن يحلفهُ بِاللَّه مَا أردْت إبِْطَال الشُّفْعَة لم يكن لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لَو أقرّ بِهِ لَا يلْزمه شَيْء وَلَو حلفه أَن البيع الأول لم يكن تلجئة لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ ادّعى معنى لَو أقرّ بِهِ للزمه فَيكون خصما
وَفِي الكروم وَالْأَشْجَار إِن أَرَادَ الْحِيلَة بَاعَ الْأَشْجَار أَو وَهبهَا بأصلها ثمَّ يَشْتَرِي الأَرْض لِأَنَّهُ صَار شَرِيكا قبل الشِّرَاء فَيقدم على الْجَار أَو يَقُول المُشْتَرِي لَهُ أَنا أبيعها مِنْك بالمأخوذ وَلَا فَائِدَة لَك فِي طلبَهَا فَإِذا قَالَ الشَّفِيع نعم أَو اشْتريت بطلت وَإنَّهُ مَكْرُوه اجماعا قَالَه بكر وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه لَا يكره لِأَنَّهُ لم يقْصد بِهِ الاضرار بالشفيع وَقيل إِن كَانَ الْجَار فَاسِقًا يتَأَذَّى بِهِ فَلَا يكره وَإِلَّا يكره فِي الْأَحْوَال كلهَا أَو يَبِيع الْبناء بِثمن قَلِيل وَلَا شُفْعَة فِيهِ ثمَّ يَبِيع الساحة بِثمن كثير فَلَا يرغب فِي الساحة لِكَثْرَة ثمنهَا الْجُمْلَة منتخبة من البزازي وَالله موفق لطريق الرشاد
نوع فِي الْقِسْمَة لَا يقسم حمام وحائط وَبَيت ودكان صَغِير لِأَنَّهُ لَو قسم لَا يبْقى لكل فَائِدَة وانتفاع فِيمَا يَخُصُّهُ وَإِن بَقِي فَائِدَة يقسم بَينهمَا والحوض لَا يقسم عشرا فِي عشر أَو أقل وَكَذَا الْخَشَبَة الْوَاحِدَة لَو كَانَ فِي قطعهَا ضَرَر وَلَا يقسم بِئْر ونهر وقناة الا إِذا كَانَت مَعَ أَرض فتقسم وتترك الْبِئْر والقناة على الشّركَة الثَّوْب الْوَاحِد لَا يقسم الا بِالتَّرَاضِي
стр. 94
وَفِي الْوَلْوَالجيّ دَار بَين اثْنَيْنِ انْهَدَمت فَقَالَ أَحدهمَا أبني وأبى الآخر قسمت بَينهمَا
وَفِي الملتقطات دَار بَين اثْنَيْنِ لأَحَدهمَا الْقَلِيل وَللْآخر الْكثير وَصَاحب الْقَلِيل لَا ينْتَفع بِنَصِيبِهِ بعد الْقِسْمَة فَطلب صَاحب الْكثير الْقِسْمَة وابى صَاحب الْقَلِيل قسمت بالِاتِّفَاقِ وَإِذا كَانَ على الْعَكْس قَالَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي فِي مُخْتَصره لَا تقسم وَإِلَيْهِ ذهب الاسبيجابي والفقيه أَبُو اللَّيْث وَأَبُو بكر وَمُحَمّد بن أبي سهل السَّرخسِيّ وَجعلُوا هَذَا قَول أَصْحَابنَا وَذكر الْحَاكِم الشَّهِيد أَنَّهَا تقسم وَإِلَيْهِ ذهب خُوَاهَر زَاده وَعَلِيهِ الْفَتْوَى لِأَن الطَّالِب رَضِي بِالْقِسْمَةِ وَهَذِه الْقِسْمَة لَا تَتَضَمَّن الضَّرَر على الآبي
صبرَة مُشْتَركَة بَين الدهْقَان والمزارع قَالَ الدهْقَان أقسمها وأفرز حصتي فَقَسمهَا الْمزَارِع فِي غيبَة الدهْقَان وَحمل حِصَّته إِلَيْهِ فَلَمَّا رَجَعَ وجد حِصَّة الْمزَارِع قد تلفت فالهلاك عَلَيْهِمَا وَإِن ترك حِصَّة الدهْقَان مفرزة وَحمل حِصَّته إِلَى منزله فَلَمَّا رَجَعَ وجد حِصَّة الدهْقَان قد تلفت فالهلاك على الدهْقَان وَفِي واقعات السَّمرقَنْدِي إِذا تلفت حِصَّة الدهْقَان قبل قَبضه ينقضها وَيرجع على الأكار بِنصْف الْمَقْبُوض وَإِن تلفت حِصَّة الأكار لَا تنقض لِأَن تلفهَا بعد قَبضه وَالْغلَّة كلهَا فِي يَده والاصل أَن هَلَاك حِصَّة من الْمكيل فِي يَده قبل قبض الآخر نصِيبه لَا يُوجب انْتِقَاض الْقِسْمَة وهلاك حِصَّة من لم يكن الْمكيل فِي يَده قبل قبض حِصَّته يُوجب انتقاضها
وَذكر شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْمكيل وَالْمَوْزُون لَو كَانَ بَين اثْنَيْنِ فاقتسماه وَقبض أَحدهمَا حِصَّته للْآخر حَتَّى تلف نصيب الآخر تنقض الْقِسْمَة وَيكون التَّالِف وَالْبَاقِي على الشّركَة وتأويله إِذا لم يكن الْمَقْسُوم فِي يَد أَحدهمَا والمقبوض بِالْقِسْمَةِ الْفَاسِدَة تثبت يَد الْمَالِك فِيهِ
وَفِي المنبع إِذا طلب أحد الشَّرِيكَيْنِ الْقِسْمَة وأبى الآخر فَأمر القَاضِي قاسما ليقسمه بَينهمَا فالأجرة على الطَّالِب كَذَا روى الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الْأُجْرَة عَلَيْهِمَا
وَفِي الذَّخِيرَة سُئِلَ ابو جَعْفَر عَن سُلْطَان غرم أهل قَرْيَة فأرادوا قسْمَة الغرامة وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم فَقَالَ قَالَ بَعضهم يقسم على قدر الْأَمْلَاك وَقَالَ بَعضهم يقسم ذَلِك على عدد الرؤوس وَقَالَ بَعضهم إِن كَانَت الغرامة لتحصين أملاكهم تقسم على قدر الْأَمْلَاك وَإِن كَانَت الغرامة لتحصين الْأَبدَان يقسم ذَلِك على عدد الرؤوس وَلَا شَيْء على النسوان وَالصبيان فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يتَعَرَّض لَهُم
وارثان فِي يدهما عقار ومعهما غَائِب أَو صبي وبرهنا على الْوَفَاة وَعدد الْوَرَثَة قسم الْعقار بطلبهما وَنصب القَاضِي عَن الْغَائِب وَكيلا وَعَن الصَّبِي وَصِيّا يقبض نصيبهما وَلَا بُد من اقامة الْبَيِّنَة فِي هَذِه الصُّورَة
ثمَّ اعْلَم أَن هَاهُنَا مَسْأَلَة لَا بُد من مَعْرفَتهَا وَهِي أَن القَاضِي إِنَّمَا ينصب وَصِيّا عَن الصَّغِير إِذا كَانَ الصَّغِير حَاضرا أما إِذا كَانَ غَائِبا فَلَا ينصب عَنهُ وَصِيّا وَالْفرق أَن الصَّغِير إِذا كَانَ حَاضرا تتَوَجَّه الدَّعْوَى عَلَيْهِ فلصحة الدَّعْوَى ينصب عَنهُ من يُجيب عَنهُ وَأما إِذا كَانَ الصَّغِير غَائِبا لم تصح الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى نصب من يُجيب عَنهُ فَلم تقع الضَّرُورَة على نصب الْوَصِيّ فَافْتَرقَا كَذَا فِي المنبع
وَفِي البزازي أَنه لَا يشْتَرط حَضْرَة الصَّغِير بل يشْتَرط أَن يكون فِي ولَايَته وَأَن يكون الْحَاكِم الناصب عَالما بِوُجُودِهِ وحاله اه
стр. 95
الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي الْإِكْرَاه
وَهُوَ عبارَة عَن تهديد الْقَادِر غَيره على مَا هدده بمكروه على أَمر بِحَيْثُ يَنْتَفِي بِهِ الرِّضَا
وَفِي المنبع الْإِكْرَاه نَوْعَانِ نوع يرجع إِلَى الْمُكْره وَنَوع يرجع إِلَى الْمُكْره أما الَّذِي يرجع إِلَى الْمُكْره فَهُوَ أَن يكون الْمُكْره قَادِرًا على تَحْقِيق مَا هدد بِهِ لِأَن الضَّرُورَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا عِنْد الْقُدْرَة على الايقاع فَإِنَّهُ إِذا لم يكن قَادِرًا على الْإِكْرَاه يكون هذيانا وَفِي هَذَا الْمَعْنى لَا فرق بَين السُّلْطَان وَغَيره هَذَا على مَذْهَبهمَا ظَاهر لتحَقّق الْإِكْرَاه من السُّلْطَان وَغَيره وَأما على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فقد قيل إِنَّه لَا يتَحَقَّق الْإِكْرَاه الا من السُّلْطَان أَي من السُّلْطَان الْأَعْظَم لِأَن الْقُدْرَة لَا تتَحَقَّق الا من السُّلْطَان وَقيل انه يتَحَقَّق مِمَّن يملك الْحُدُود وَالصَّحِيح أَن الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك اخْتِلَاف عصر وزمان لَا حجَّة وبرهان لِأَن زمَان أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لم يكن لغير السُّلْطَان من الْقُوَّة مَا يتَحَقَّق بِهِ الْإِكْرَاه فَأفْتى على حسب مَا عاين وَفِي زمانهما ظهر الْفساد وَصَارَ الْأَمر إِلَى كل متغلب فتحقق الْإِكْرَاه من الْكل
وَفِي البزازي نفس الْأَمر من السُّلْطَان بِلَا تهديد إِكْرَاه لِأَنَّهُ لَو لم يمتثل يُعَاقِبهُ وَقَالا إِن كَانَ الْمَأْمُور يعلم أَنه لَو لم يفعل مَا قَالَه السُّلْطَان يُعَاقِبهُ كَانَ أمره لَهُ بِالْفِعْلِ إِكْرَاها
وَفِي الْبَدَائِع الْبلُوغ وَالْعقل والتمييز الْمُطلق لَيْسَ بِشَرْط لتحَقّق الاكراه حَتَّى يتَحَقَّق من الصَّبِي الْعَاقِل إِذا كَانَ مُطَاعًا مسلطا وَمن الْبَالِغ الْمُخْتَلط الْعقل إِذا كَانَ مُطَاعًا مسلطا للقدرة على الايقاع وَأما النَّوْع الَّذِي يرجع إِلَى الْمُكْره فَهُوَ أَن يكون فِي غَالب رَأْيه أَنه لَو لم يجب إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ تحقق مَا أوعد بِهِ لِأَن غَالب الرَّأْي حجَّة يعْمل بِهِ خُصُوصا عَنهُ تعذر الْوُصُول إِلَى الْيَقِين حَتَّى لَو كَانَ فِي أكبر رَأْيه أَن الْمُكْره لَا يُحَقّق مَا أوعده بِهِ لَا يثبت حكم الاكراه شرعا وَإِن وجدت صُورَة الإيعاد لِأَن الضَّرُورَة لم تتَحَقَّق وَمثله لَو أمره بِفعل وَلم يوعده عَلَيْهِ وَلَكِن فِي أكبر رَأْي الْمُكْره أَنه لَو لم يفعل يتَحَقَّق مَا أوعد بِهِ فَثَبت حكم الاكراه لتحَقّق الضَّرُورَة وَلِهَذَا لَو كَانَ فِي أكبر رَأْيه أَنه لَو امْتنع عَن تنَاول الْميتَة وصبر إِلَى أَن يلْحقهُ الْجُوع المهلك لأزيل عَنهُ الاكراه لَا يُبَاح لَهُ التَّنَاوُل فِي الْحَال وَإِن كَانَ فِي أكبر رَأْيه أَنه لَو صَبر إِلَى تِلْكَ الْحَالة لَا يَزُول عَنهُ الاكراه يُبَاح لَهُ التَّنَاوُل فِي الْحَال فَدلَّ أَن الْعبْرَة لغالب الرَّأْي وأكبر الظَّن دون صُورَة الإيعاد
وَفِي الْهِدَايَة وَإِذا أكره على بيع مَاله أَو شِرَاء سلْعَة أَو على أَن يقر لرجل بِأَلف أَو يُؤجر دَاره فأكره على ذَلِك بِالْقَتْلِ أَو بِالضَّرْبِ الشَّديد أَو بِالْحَبْسِ فَبَاعَ أَو اشْترى فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أمضى البيع وَإِن شَاءَ فَسخه وَرجع بِالْمَبِيعِ لِأَن من شَرط صِحَة هَذِه الْعُقُود التَّرَاضِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ وَالْإِكْرَاه بِهَذِهِ الْأَشْيَاء بِعَدَمِ الرِّضَا فتفسد بِخِلَاف من إِذا أكره بِضَرْب سَوط أَو حبس يَوْم أَو قيد يَوْم لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بهَا بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة فَلَا يتَحَقَّق بِهِ الاكراه الا إِذا كَانَ رجلا صَاحب منصب يعلم أَنه يتَضَرَّر بِهِ فَإِنَّهُ يفوت الرِّضَا
وَفِي الْوَلْوَالجيّ إِذا كَانَ الرجل من الْأَشْرَاف أَو من الأجلاء أَو من كبراء الْعلمَاء أَو الرؤساء بِحَيْثُ يستنكف عَن ضرب سَوط أَو حبس سَاعَة لم يجز إِقْرَاره لِأَن مثل هَذَا الرجل يُؤثر ألف دِرْهَم
стр. 96
على مَا يلْحقهُ من الهوان بِهَذَا الْقدر من الْحَبْس والقيد فَكَانَ مكْرها وَكَذَا الْإِقْرَار حجَّة لترجح جَانب الصدْق فِيهِ على جَانب الْكَذِب وَعند الْإِكْرَاه يحْتَمل أَنه يكذب لدفع الْمضرَّة
وَفِي الذَّخِيرَة وَلَو هدد بِضَرْب سَوط أَو سوطين فَهُوَ لَا يعْتَبر إِلَّا أَن يَقُول لأضربنك على عَيْنَيْك أَو على المذاكير
وَفِي الْبَدَائِع الْإِكْرَاه يمْنَع صِحَة الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ الْمقر بِهِ مِمَّا يحْتَمل الْفَسْخ أَو لَا يحْتَمل وَسَوَاء كَانَ مِمَّا يسْقط بِالشُّبُهَاتِ كالحدود وَالْقصاص أَو لَا وَلَو أكره على الْإِقْرَار بذلك ثمَّ خلى سَبيله فَهَذَا على وَجْهَيْن إِمَّا أَن يتَوَارَى عَن بصر الْمُكْره حينما خلى سَبيله وَإِمَّا أَن لَا يتَوَارَى عَن بَصَره حَتَّى بعث من أَخذه ورده إِلَيْهِ فَإِن كَانَ قد توارى عَن بَصَره ثمَّ أَخذه فَأقر إِقْرَارا مستأنفا جَازَ إِقْرَاره لِأَنَّهُ لما خلى سَبيله حَتَّى توارى عَن بَصَره فقد زَالَ الْإِكْرَاه عَنهُ فَإِذا أقرّ بِهِ من غير إِكْرَاه جَدِيد فقد أقرّ طَائِعا فصح وَإِن كَانَ لم يتوار عَن بَصَره بعد حَتَّى رده إِلَيْهِ فَأقر بِهِ من غير تَجْدِيد الْإِكْرَاه لم يَصح لِأَنَّهُ لما لم يتوار عَن بَصَره فَهُوَ على الْإِكْرَاه الأول
وَلَو أكرهه على الْإِقْرَار بِالْقصاصِ فَأقر بِهِ فَقتله حَيْثُمَا أقرّ بِهِ من غير بَيِّنَة فَإِن كَانَ الْمقر مَعْرُوفا بالدعارة يدْرَأ عَنهُ الْقصاص اسْتِحْسَانًا وَإِن لم يكن مَعْرُوفا بهَا يجب الْقصاص وَالْقِيَاس أَن يجب الْقصاص على الْمُكْره كَيْفَمَا كَانَ لِأَن الْإِقْرَار بِالْإِكْرَاهِ لما لم يَصح شرعا كَانَ وجوده وَعَدَمه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة ح فَصَارَ كَمَا لَو قَتله ابْتِدَاء
وَنَظِيره مَا إِذا دخل رجل على آخر فِي منزله فخاف صَاحب الْمنزل أَنه داعر دخل عَلَيْهِ ليَقْتُلهُ وَيَأْخُذ مَاله فبادر وَقَتله فَإِن كَانَ الدَّاخِل مَعْرُوفا بالدعارة لَا يجب الْقصاص على صَاحب الْمنزل وَإِن لم يكن مَعْرُوفا بالدعارة يجب الْقصاص على صَاحب الْمنزل كَذَا هَذَا وَإِذا لم يجب الْقصاص يجب الْأَرْش لِأَن سُقُوط الْقصاص للشُّبْهَة وَإِنَّهَا لَا تمنع وجوب المَال وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يجب الْأَرْش أَيْضا إِذا كَانَ مَعْرُوفا بالدعارة انْتهى كَلَام الْبَدَائِع
وَفِي البزازي وَلَو أكره على شرب الْخمر بإكراه يخَاف مِنْهُ التّلف أَو تلف عُضْو أَو قَالَ لأحبسنك أَو لأضربنك بالسياط يحل لَهُ شربه وَلَو امْتنع يَأْثَم
أكره على الْهِبَة فوهب وَسلم طَائِعا لَا يكون ملكا للْمَوْهُوب لَهُ وَالْإِكْرَاه على الْهِبَة إِكْرَاه على التَّسْلِيم بِخِلَاف البيع فَإِن الْإِكْرَاه على البيع لَا يكون إِكْرَاها على التَّسْلِيم
أكره على البيع بِأَلف فَبَاعَهُ بِأَقَلّ لَا يجوز فِي الِاسْتِحْسَان
أكره على البيع فوهب جَازَ
أكره على البيع وَلم يسم المُشْتَرِي فَبَاعَهُ من إِنْسَان لَا يجوز
طالبوه بِمَال بَاطِل وأكره على أَدَائِهِ فَبَاعَ جَارِيَته بِلَا إِكْرَاه على البيع جَازَ البيع لِأَنَّهُ غير مُتَعَيّن لأدائه وَهَذَا عَادَة الظلمَة إِذا صادروا رجلا أَن يتحكموا بِالْمَالِ وَلَا يذكرُوا بيع شَيْء من مَاله وَالْحِيلَة لَهُ فِيهِ أَن يَقُول من أَيْن أعطي وَلَا مَال لي فَإِذا قَالَ الظَّالِم لَهُ بِعْ جاريتك فقد صَار مكْرها على بيع الْجَارِيَة فَلَا ينْعَقد بيعهَا
أكره على الْإِبْرَاء عَن الْحُقُوق أَو الْكفَالَة بِالنَّفسِ أَو تَسْلِيم الشُّفْعَة أَو ترك طلبَهَا كَانَ بَاطِلا
стр. 97
رجل ضرب زَوجته حَتَّى أقرَّت بِاسْتِيفَاء مهرهَا جَازَ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن الْإِكْرَاه لَا يتَحَقَّق إِلَّا من السُّلْطَان قَالَ أَي البزازي وَالزَّوْج سُلْطَان زَوجته فَيتَحَقَّق مِنْهُ الاكراه وَلم يذكر الْخلاف قلت وَسِيَاق اللَّفْظ يدل على الْوِفَاق وَالله أعلم
وَفِي المنبع إِذا أكره انسان رجلا بِالْإِكْرَاهِ التَّام على أَن يُطلق امْرَأَته أَو يعْتق عَبده فَفعل وَقع الطَّلَاق وَالْعِتْق عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِذا أكره على التَّوْكِيل بِالطَّلَاق وَالْعتاق فَفعل الْوَكِيل فالتوكيل جَائِز اسْتِحْسَانًا وَقد تصرف الْوَكِيل وَالْقِيَاس أَن لَا تصح الْوكَالَة مَعَ الْإِكْرَاه لِأَن كل عقد يُؤثر فِيهِ الْهزْل يُؤثر فِيهِ الْإِكْرَاه ومالا يُؤثر فِيهِ الْهزْل لَا يُؤثر فِيهِ الْإِكْرَاه لِأَنَّهُمَا ينفيان الرِّضَا وَالْوكَالَة تبطل بِالْهَزْلِ فَكَذَا بِالْإِكْرَاهِ
وَفِي جَامع الفتاوي أكره على أَن يكْتب على قرطاس امْرَأَته أَو أمرهَا بِيَدِهَا لم يَصح إِلَّا إِذا نوى وَلَو أكره على أَن يقر بِالطَّلَاق فَأقر لَا يَقع كَذَا ذكره السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي أدب الْقَضَاء
أكره على نذر أَو حد أَو قطع أَو نسب فَأقر لَا يلْزمه شَيْء وَفِي الْمُحِيط من الْمَشَايِخ من قَالَ بِصِحَّة الْإِقْرَار بِالسَّرقَةِ مكْرها
وَعَن الْحسن بن زِيَاد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يحل ضرب السَّارِق حَتَّى يقر وَقَالَ مالم يقطع اللَّحْم أَو يظْهر الْعظم
أمره بقتل رجل وَلم يقل إِن لم تقتله لأَقْتُلَنك لَكِن يعلم أَنه إِن لم يقْتله يَقع مَا يهدد بِهِ كَانَ مكْرها
الْكَافِر إِذا أكره مُسلما على الْكفْر وَله امْرَأَة مسلمة فارتكب وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان لم تبن امْرَأَته لِأَنَّهُ لَا يحكم بِكُفْرِهِ بإجراء الْكَلِمَة على لِسَانه فَإِن قَالَت الْمَرْأَة قد كفرت وَقد بنت مِنْك وَقَالَ الزَّوْج أظهرت ذَلِك بِعُذْر الْإِكْرَاه وقلبي مطمئن بِالْإِيمَان فَالْقَوْل قَوْله اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن يكون القَوْل قَوْلهَا وَيحكم بالفرقة
أكره على الاسلام فَأسلم صَحَّ وَلَو ارْتَدَّ يحبس وَلَا يقتل اسْتِحْسَانًا
وَفِي الْعِمَادِيّ رجل سعى إِلَى سُلْطَان ظَالِم حَتَّى غرم رجلا جملَة من المَال إِن كَانَت السّعَايَة بِحَق بِأَن كَانَ يُؤْذِيه وَلَا يُمكنهُ دفع الْأَذَى عَن نَفسه إِلَّا بِالدفع إِلَيْهِ أَو كَانَ فَاسِقًا لَا يمْتَنع بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فَفِي مثل هَذَا الْموضع لَا يضمن السَّاعِي وَلَو قَالَ إِن فلَانا وجد كنزا أَو لقطَة وَقد ظهر أَنه كَاذِب ضمن إِلَّا إِذا كَانَ السُّلْطَان عادلا لَا يغرم بِمثل هَذِه السّعَايَة أَو قد يغرم وَقد لَا يغرم فَلَا يضمن السَّاعِي
وَفِي الْقنية سعى بِرَجُل إِلَى السُّلْطَان فَأخذ مِنْهُ مَالا ظلما يضمن السَّاعِي روى هَذَا عَن زفر وَبِه قَالَ كثير من مَشَايِخنَا لمصْلحَة الْعَامَّة
وَفِي شرح الصباغي إِن كَانَت السّعَايَة بِحَق كَمَا لَو أَذَاهُ أَو دَامَ على الْفسق وَلَا يتعظ بالعظة فَأخْبر السُّلْطَان فغرمه مَالا لَا يضمن
وَفِي فتاوي قاضيخان رجل ادّعى على آخر سَرقَة وَقدمه إِلَى السُّلْطَان وَطلب مِنْهُ أَن يضْربهُ حَتَّى يقر فَضَربهُ مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَو حَبسه فخاف الْمَحْبُوس من التعذيب وَالضَّرْب فَصَعدَ السَّطْح لينفلت فَسقط عَن السَّطْح فَمَاتَ وَقد كَانَت لحقته غَرَامَة فِي هَذِه الْحَادِثَة فظهرت السّرقَة على يَد غَيره كَانَ للْوَرَثَة أَن يَأْخُذُوا صَاحب السّرقَة بدية أَبِيهِم وبالغرامة الَّتِي أَدَّاهَا إِلَى السُّلْطَان
стр. 98
وَفِي الذَّخِيرَة الْمَضْرُوب إِذا شكا إِلَى السُّلْطَان وَأخذ مَالا من الضَّارِب لَا ضَمَان على الْمَضْرُوب
وَفِي الْقنية رجل أخبر الظلمَة أَن لفُلَان حِنْطَة فِي مطمورة فَأَخَذُوهَا مِنْهُ فَلهُ أَن يرجع بهَا على الْمخبر وَكَذَا إِذا علمهَا الظَّالِم لَكِن أمره السَّاعِي بِالْأَخْذِ يضمن وَلَو قَالَ النمام للظالم لفُلَان فرس جيد فَأَخذه الظَّالِم مِنْهُ فالنمام هُنَا ضَامِن اه
نوع فِي الْحجر وَسَببه الصغر وَالْجُنُون وَالرّق فَلم يَصح طَلَاق صبي وَمَجْنُون غلب على عقله وعتقهما وإقرارهما وَصَحَّ طَلَاق العَبْد وَإِقْرَاره فِي حق نَفسه لَا فِي حق سَيّده فَلَو أقرّ بِمَال آخر إِلَى عتقه وبحد وقود عجل وَمن عقد مِنْهُم وَهُوَ يعقله أجَاز وليه أَو رد وَإِن أتلفوا شَيْئا ضمنُوا كَذَا فِي الْوِقَايَة
وَفِي الْهِدَايَة قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا أحجر على الْحر الْعَاقِل الْبَالِغ السَّفِيه وتصرفه فِي مَاله جَائِز وَإِن كَانَ مبذرا مُفْسِدا يتْلف مَاله فِيمَا لَا غَرَض لَهُ فِيهِ وَلَا مصلحَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَهُوَ قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يحْجر عَلَيْهِ وَيمْنَع من التَّصَرُّف فِي مَاله
وَإِذا حجر القَاضِي عَلَيْهِ ثمَّ رفع إِلَى قَاض آخر فَأبْطل حجره وَأطلق عَنهُ جَازَ لِأَن الْحجر مِنْهُ فَتْوَى وَلَيْسَ بِقَضَاء أَلا ترى أَنه لم يُوجد الْمقْضِي لَهُ والمقضي عَلَيْهِ وَلَو كَانَ قَضَاء فَنَفْس الْقَضَاء مُخْتَلف فِيهِ فَلَا بُد من الْإِمْضَاء حَتَّى لَو رفع تصرفه بعد الْحجر إِلَى القَاضِي الحاجر أَو إِلَى غَيره فَقضى بِبُطْلَان تصرفه ثمَّ رفع إِلَى قَاض آخر نفذ إِبْطَاله لاتصال الْإِمْضَاء بِهِ فَلَا يقبل النَّقْض بعد ذَلِك ثمَّ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِذا بلغ الْغُلَام غير رشيد لم يسلم إِلَيْهِ مَاله حَتَّى يبلغ خمْسا وَعشْرين سنة فَإِن تصرف فِيهِ قبل ذَلِك نفذ تصرفه فَإِذا بلغ خمْسا وَعشْرين سنة سلم إِلَيْهِ مَاله وَإِن لم يؤنس مِنْهُ الرشد وَقَالا لَا يدْفع إِلَيْهِ مَاله أبدا حَتَّى يؤنس مِنْهُ الرشد وَلَا يجوز تصرفه فِيهِ لِأَن عِلّة الْمَنْع السَّفه فيبقي مَا بقيت الْعلَّة وَصَارَ كَالصَّبِيِّ
وَلَا يحْجر على الْفَاسِق المصلح لمَاله خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن الْحجر عَلَيْهِ زجر وعقوبة كَمَا فِي السَّفِيه وَلِهَذَا لم يَجْعَل أَهلا للشَّهَادَة وَالْولَايَة عِنْده وَلنَا أَنه مصلح لمَاله فَيكون الرشد مأنوسا مِنْهُ فَيدْفَع مَاله إِلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ وَقد علق الرشد بإيناس رشد وَاحِد لِأَنَّهُ نكرَة فِي الاثبات والرشد فِي المَال مُرَاد بقول ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَلَا يكون الرشد فِي الدّين مرَادا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مُعَلّقا برشدين
وَتخرج الزَّكَاة من مَال السَّفِيه لِأَنَّهُ وَاجِب عَلَيْهِ وَينْفق على أَوْلَاده وَزَوجته وَمن يجب عَلَيْهِ نَفَقَته من ذَوي أرحامه لِأَن إحْيَاء وَلَده وَزَوجته من حَوَائِجه والإنفاق على ذَوي الرَّحِم وَاجِب عَلَيْهِ حَقًا لقريبه والسفه لَا يبطل حق النَّاس إِلَّا أَن القَاضِي يدْفع قدر الزَّكَاة إِلَيْهِ ليصرفها إِلَى مصرفها لِأَنَّهُ لَا بُد من نِيَّته لكَونهَا عبَادَة لَكِن يبْعَث أَمينا مَعَه كي لَا يصرفهَا فِي غير وَجههَا وَفِي النَّفَقَة تدفع إِلَى أَمِينه ليصرفها لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعبَادة فَلَا يحْتَاج إِلَى نِيَّته وَإِن أَرَادَ حجَّة الاسلام لم يمْنَع مِنْهَا لِأَنَّهُ وَاجِب عَلَيْهِ بِإِيجَاب الله تَعَالَى من غير صنعه وَلَا يسلم القَاضِي النَّفَقَة إِلَيْهِ ويسلمها إِلَى ثِقَة من الْحَاج ينفقها عَلَيْهِ فِي طَرِيق الْحَج كي لَا يتلفها فِي غير هَذَا الْوَجْه اه كَلَام الْهِدَايَة
стр. 99
وَفِي نِصَاب الذرائع وَلَا يحْجر على الْمَدْيُون عِنْده وَلَكِن يحبس بِالدّينِ إِن كَانَ لَهُ مَال حَتَّى يقْضِي دينه وَالْقَاضِي يقْضِي دينه بدراهمه ودنانيره بِغَيْر أمره لِأَنَّهَا معدة لقَضَاء الدّين وَقَالا يحْجر عَلَيْهِ بِطَلَب الْغُرَمَاء الْحجر وَيبِيع مَاله لقَضَاء دينه بِدَرَاهِم وَيقسم ثمن مَا بَاعَ من مَاله بَين غُرَمَائه بِالْحِصَصِ وَينْفق عَلَيْهِ من مَاله كَمَا ينْفق من مَال السَّفِيه لِأَن الْإِنْفَاق لَا بُد مِنْهُ دفعا للهلاك
نوع فِي معرفَة حد الْبلُوغ وَفِي العمادى الْبلُوغ يكون تَارَة بِالسِّنِّ وَتارَة يكون بالعلامة والعلامة فِي الْجَارِيَة الْحيض والاحتلام وَالْحَبل وَأدنى الْمدَّة تسع سِنِين هُوَ الْمُخْتَار والعلامة فِي الْغُلَام الِاحْتِلَام والإحبال وَأدنى الْمدَّة اثْنَتَا عشرَة سنة وَأما السن فِي الْغُلَام فَهُوَ إِذا دخل فِي التَّاسِعَة عشر وَفِي الْجَارِيَة إِذا دخلت فِي السَّابِعَة عشر وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه اعْتبر نَبَات الشّعْر وَهُوَ قَول مَالك رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي الْهِدَايَة وَإِذا راهق الْغُلَام أَو الْجَارِيَة وأشكل أَمرهمَا فِي الْبلُوغ فَقَالَا قد بلغنَا فَالْقَوْل قَوْلهمَا وأحكامهما أَحْكَام الْبَالِغين لِأَنَّهُ معنى لَا يعرف الا من جهتهما ظَاهرا فَإِذا أخبرا بِهِ وَلم يكذبهما الظَّاهِر قبل قَوْلهمَا كَمَا يقبل قَول الْمَرْأَة فِي الْحيض
وَفِي فتاوي قاضيخان امْرَأَة وهبت مهرهَا من زَوجهَا وَقَالَت أَنا مدركة ثمَّ قَالَت لم أكن مدركة وكذبت فِيمَا قَالَت قَالُوا إِن كَانَت تشبه المدركات فِي ذَلِك الْوَقْت أَو كَانَت بهَا عَلامَة المدركات لَا تصدق لِأَنَّهَا لم تكن مدركة وَإِن لم تكن كَذَلِك فَإِن القَوْل قَوْلهَا
وَفِي فتاوي النَّسَفِيّ سُئِلَ عَن قوم اصْطَلحُوا على شَيْء وَفِيهِمْ مراهق وَأقر الْمُرَاهق عِنْد الصُّلْح أَنه بَالغ ثمَّ قَالَ بعض الْوَرَثَة بعد ذَلِك إِنَّه لم يكن بَالغا وَلم يَصح هَذَا الصُّلْح قَالَ القَوْل قَول الصَّبِي بِالْبُلُوغِ بِشَرْط أَن يكون ابْن ثَلَاث عشرَة سنة لِأَن الْأَقَل من ذَلِك نَادرا
الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي النِّكَاح
اخْتلف أَصْحَابنَا رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ قَالَ بَعضهم إِنَّه مَنْدُوب ومستحب وَإِلَيْهِ ذهب الْكَرْخِي وَقَالَ بَعضهم فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ كالجهاد وَصَلَاة الْجِنَازَة وَقَالَ بَعضهم إِنَّه وَاجِب على سَبِيل الْكِفَايَة كرد السَّلَام وَقَالَ بَعضهم إِنَّه وَاجِب عينا لَكِن عملا لَا اعتقادا على طَرِيق التَّعْيِين كصدقة الْفطر وَالْوتر وَالْأُضْحِيَّة وَفِي الْمجمع قَالَ يسن حَالَة الِاعْتِدَال وَيجب فِي التوقان وَيكرهُ لخوف الْجور
وَفِي الْهِدَايَة وَينْعَقد بالايجاب وَالْقَبُول بلفظين يعبر بهما عَن الْمَاضِي لِأَن الصِّيغَة وَإِن كَانَت للإخبار وضعا فقد جعلت للإنشاء شرعا دفعا للْحَاجة وَينْعَقد بلفظين يعبر بِأَحَدِهِمَا عَن الْمَاضِي وبالآخر عَن الْمُسْتَقْبل مثل أَن يَقُول زَوجنِي فَيَقُول زَوجتك لِأَن هَذَا تَوْكِيل بِالنِّكَاحِ وَالْوَاحد يتَوَلَّى طرفِي النِّكَاح وَينْعَقد بِلَفْظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج وَالْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَالصَّدَََقَة وَالْبيع وَلَا ينْعَقد بِلَفْظ الاجارة فِي الصَّحِيح وَلَا بِلَفْظ الْإِحْلَال وَالْإِبَاحَة وَالْإِجَارَة وَالْوَصِيَّة وَلَا ينْعَقد نِكَاح الْمُسلمين إِلَّا بِحُضُور شَاهِدين حُرَّيْنِ عاقلين بالغين مُسلمين أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولًا كَانُوا أَو غير عدُول أَو محدودين فِي قذف
стр. 100
وَينْعَقد النِّكَاح بِشَهَادَة الأعميين عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن الْبَصَر شَرط لإِظْهَار النِّكَاح عِنْده وَعِنْدنَا بصر الشَّاهِد لَيْسَ بِشَرْط وَفِي الذَّخِيرَة وَلَا ينْعَقد النِّكَاح بِشَهَادَة النائمين اللَّذين لَا يسمعان كَلَام الْمُتَعَاقدين والأصمين وَذكر القاضيان الإسبيجاني والسغدي أَن النِّكَاح ينْعَقد بِشَهَادَة الأصمين وَنَصّ الْقَدُورِيّ على أَن سَماع الشُّهُود كَلَام الْمُتَعَاقدين هَل هُوَ شَرط لانعقاد النِّكَاح فقد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بِشَرْط وَإِنَّمَا الشَّرْط حضرتهما فَينْعَقد النِّكَاح بِشَهَادَة الأصمين وَقَالَ بَعضهم لَا بُد من السماع فَلَا ينْعَقد بِشَهَادَة الأصمين
وَفِي الْمُحِيط رجل تزوج امْرَأَة بِحَضْرَة السكارى وهم يعْرفُونَ أَمر النِّكَاح غير أَنهم لَا يذكرُونَهُ بعد مَا صحوا انْعَقَد النِّكَاح لِأَن هَذَا نِكَاح بِحَضْرَة الشُّهُود
وَفِي البزازي لقنت امْرَأَة بِالْعَرَبِيَّةِ زوجت نَفسِي من فلَان وَلَا تعرف ذَلِك وَقَالَ فلَان قبلت وَالشُّهُود يعلمُونَ أَو لَا يعلمُونَ صَحَّ النِّكَاح قَالَ فِي النّصاب وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وَفِي النَّوَادِر رجل وَامْرَأَة أقرا بِالنِّكَاحِ بَين يَدي شَاهِدين عَدْلَيْنِ فَقَالَ الرجل هَذِه امْرَأَتي وَقَالَت الْمَرْأَة هَذَا زَوجي فَإِنَّهُ يَصح النِّكَاح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وَفِي فتاوي قاضيخان رجل لَهُ بنت وَاحِدَة اسْمهَا عَائِشَة فَقَالَ الْأَب وَقت العقد زوجت مِنْك بِنْتي فَاطِمَة لَا ينْعَقد النِّكَاح بَينهمَا وَلَو كَانَت الْمَرْأَة حَاضِرَة فَقَالَ الْأَب زَوجتك بِنْتي فَاطِمَة هَذِه واشار إِلَى عَائِشَة وَغلط فِي اسْمهَا فَقَالَ الزَّوْج قبلت جَازَ
وَفِي الْخُلَاصَة أَبُو الصَّغِيرَة إِذا قَالَ زوجت بِنْتي فُلَانَة من ابْن فلَان بِكَذَا وَقَالَ فلَان قبلت لِابْني وَلم يسم الْأَب الابْن إِن كَانَ لَهُ ابْنَانِ أَو أَكثر لَا يجوز وَإِن كَانَ لَهُ ابْن وَاحِد صَحَّ وَلَو ذكر أَبُو الْبِنْت اسْم الابْن وَقَالَ زوجت بِنْتي من ابْنك فلَان فَقَالَ أَبُو الابْن قبلت صَحَّ وَإِن لم يقل قبلت للِابْن وَلَو قَالَ قبلت لأجل ابْني إِن سَمَّاهُ جَازَ ايضا وَإِن لم يسمه إِن كَانَ لَهُ ابْن وَاحِد جَازَ وَإِن كَانَ أَكثر لَا يجوز وَفِي الْمُحِيط لَو قَالَ زوجت بِنْتي مِنْك وَلم يزدْ على هَذَا وَله بنت وَاحِدَة جَازَ وَلَو كَانَ لَهُ بنتان اسْم الْكُبْرَى عَائِشَة وَاسم الصُّغْرَى فَاطِمَة فَقَالَ زوجت بِنْتي فَاطِمَة مِنْك ينْعَقد النِّكَاح على الصُّغْرَى وَإِن كَانَ يُرِيد تَزْوِيج الْكُبْرَى وَلَو قَالَ زوجت بِنْتي الْكُبْرَى فَاطِمَة يجب أَن لَا ينْعَقد النِّكَاح على إِحْدَاهمَا
امْرَأَة لَهَا اسمان اسْم سميت بِهِ فِي الصغر وَاسم سميت بِهِ فِي الْكبر وَصَارَت مَعْرُوفَة بِهَذَا الِاسْم تزوج بِالِاسْمِ الَّذِي سميت بِهِ فِي الْكبر وَقَالَ الامام ظهير الدّين الْأَصَح الْجمع بَين الاسميين وَبِه يُفْتى
وَفِي البزازي رجل لَهُ بنتان متزوجة وَغير متزوجة وَقَالَ عِنْد الشُّهُود زوجت بِنْتي مِنْك وَلم يسم اسْم الْبِنْت وَقَالَ الْخَاطِب قبلت صَحَّ وَانْصَرف إِلَى الفارغة
أجَاب صَاحب الْهِدَايَة فِي امْرَأَة زوجت نَفسهَا بِأَلف من رجل عِنْد الشُّهُود فَلم يقل الزَّوْج شَيْئا لَكِن أَعْطَاهَا الْمهْر فِي الْمجْلس أَنه يكون قبولا قَالَ البزازي وَأنْكرهُ صَاحب الْمُحِيط وَقَالَ لَا مالم يقل بِلِسَانِهِ قبلت بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ ينْعَقد بالتعاطي وَالنِّكَاح لخطره لَا ينْعَقد حَتَّى يتَوَقَّف على الشُّهُود وَبِخِلَاف إجَازَة نِكَاح الْفُضُولِيّ بِالْفِعْلِ لوُجُود القَوْل ثمَّة
стр. 101
وَإِذا تزوج مُسلم ذِمِّيَّة بِشَهَادَة ذميين جَازَ عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجوز
وَيحرم على الرجل نِكَاح أُصُوله أَي الْأُم وَالْأَب والأجداد والجدات وَإِن علوا وفروعه أَي الْوَلَد وَولد الْوَلَد وَولد ولد الْوَلَد وَإِن سفلوا وفروع أُصُوله أَي الاخوة وَالْأَخَوَات وَأَوْلَادهمْ وَأَوْلَاد أَوْلَادهم وَإِن نزلُوا والأعمام والعمات والأخوال والخالات وَنِكَاح أم امْرَأَته دخل بهَا أم لَا وَزَوْجَة أَبِيه وأجداده وَكَذَا يحرم عَلَيْهِ نِكَاح امْرَأَة ابْنه وَبني أَوْلَاده وَيحرم عَلَيْهِ نِكَاح أمه من الرَّضَاع وَأُخْته من الرضَاعَة وَلَا يحل لَهُ أَن يجمع بَين أُخْتَيْنِ بِنِكَاح وَلَا بِملك يَمِين استمتاعا وَلَا بَأْس بِأَن يجمع بَين امْرَأَة وَابْنَة زوج كَانَ لَهَا من قبل لِأَنَّهُ لَا قرَابَة بَينهمَا وَلَا رضَاع وَقَالَ زفر رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجوز لِأَن ابْنة الزَّوْج لَو قدرتها ذكرا لَا يجوز لَهُ التَّزَوُّج بِامْرَأَة أَبِيه قُلْنَا امْرَأَة الْأَب لَو صورتهَا ذكرا جَازَ لَهُ التَّزَوُّج بِهَذِهِ الشُّرُوط أَن يصور ذَلِك من كل جَانب
وَمن زنى بِامْرَأَة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وابنتها وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى الزِّنَى لَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز للْأُم أَن تتَزَوَّج ابْنهَا من الزِّنَى
وَمن مسته امْرَأَة بِشَهْوَة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وابنتها وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تحرم ثمَّ الْمس بِشَهْوَة أَن تَنْتَشِر الْآلَة أَو تزداد انتشارا هُوَ الصَّحِيح وَالْمُعْتَبر النّظر إِلَى الْفرج الدَّاخِل وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا عِنْد اتكائها وَلَو مس فَأنْزل فقد قيل يُوجب الْحُرْمَة وَالصَّحِيح أَنه لَا يُوجِبهَا لِأَنَّهُ بالإنزال تبين أَنه غير مفض إِلَى الْوَطْء وعَلى هَذَا إتْيَان الْمَرْأَة فِي دبرهَا لَا يُوجِبهَا وَإِذا طلق الرجل امْرَأَته طَلَاقا بَائِنا أَو رَجْعِيًا لم يجز لَهُ أَن يتَزَوَّج بأختها حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا وَلَا يتَزَوَّج الْمولى أمته وَلَا الْمَرْأَة عَبدهَا وَيجوز تزوج الكتابيات لَا المجوسيات وَيجوز تزوج الصابئات إِن كَانُوا يُؤمنُونَ بِنَبِي ويقرون بِكِتَاب
وَيجوز للْمحرمِ والمحرمة أَن يتزوجا فِي حَالَة الاحرام وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز لقَوْله ﵊ لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح وَلنَا مَا روى أَنه ﷺ تزوج مَيْمُونَة ﵂ وَهُوَ محرم وَمَا رَوَاهُ مَحْمُول على الْوَطْء
وَلَا يتَزَوَّج أمة على حرَّة وَيجوز تزوج الْحرَّة عَلَيْهَا فَإِن تزوج أمة على حرَّة فِي عدَّة من طَلَاق بَائِن لم يجز عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَيجوز عِنْدهمَا وللحر أَن يتَزَوَّج أَرْبعا من الْحَرَائِر وَالْإِمَاء وَلَيْسَ لَهُ أَن يتَزَوَّج أَكثر من ذَلِك لقَوْله تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ والتنصيص على الْعدَد يمْنَع الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَا يتَزَوَّج إِلَّا أمة وَاحِدَة لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ عِنْده وَالْحجّة عَلَيْهِ مَا تلونا إِذْ الْأمة الْمَنْكُوحَة يتضمنها اسْم النِّسَاء كَمَا فِي الظِّهَار
وَلَا يجوز للْعَبد أَن يتَزَوَّج أَكثر من اثْنَيْنِ وَقَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى يجوز لِأَنَّهُ فِي حق النِّكَاح بِمَنْزِلَة الْحر عِنْده حَتَّى ملكه بِغَيْر اذن الْمولى وَلنَا أَن الرّقّ منصف فَيَتَزَوَّج العَبْد اثْنَتَيْنِ وَالْحر أَرْبعا إِظْهَارًا لشرف الْحُرِّيَّة فَإِن طلق الْحر احدى الْأَرْبَع طَلَاقا بَائِنا لم يجز لَهُ أَن يتَزَوَّج رَابِعَة حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَهُوَ نَظِير نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت فَإِن تزوج حُبْلَى من زنى جَازَ النِّكَاح وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تضع حملهَا وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ النِّكَاح فَاسد وَإِن كَانَ الْحمل ثَابت النّسَب فَالنِّكَاح بَاطِل بِالْإِجْمَاع
стр. 102
وَنِكَاح الْمُتْعَة بَاطِل وَهُوَ أَن يَقُول لامْرَأَة أتمتع بك كَذَا مُدَّة بِكَذَا من المَال وَقَالَ مَالك هُوَ جَائِز وَالنِّكَاح الْمُؤَقت بَاطِل مثل أَن يتَزَوَّج امْرَأَة بِشَهَادَة شَاهِدين عشرَة ايام وَقَالَ زفر هُوَ صَحِيح لَازم وَيبْطل التَّوْقِيت
نوع فِي الْأَوْلِيَاء والأكفاء وَينْعَقد نِكَاح الْحرَّة الْعَاقِلَة الْبَالِغَة بِرِضَاهَا وَإِن لم يعْقد عَلَيْهَا بولِي بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا ينْعَقد إِلَّا بولِي وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى ينْعَقد مَوْقُوفا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى لَا ينْعَقد النِّكَاح بِعِبَارَة النِّسَاء أصلا ثمَّ فِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا فرق بَين الْكُفْء وَغير الْكُفْء إِلَّا أَن للْوَلِيّ حق الِاعْتِرَاض فِي غير الْكُفْء وَعَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى أَنه لَا يجوز فِي غير الْكُفْء لِأَنَّهُ كم من وَاقع لَا يرفع وَفِي الْحَقَائِق الْمُطلقَة ثَلَاثًا إِذا زوجت نَفسهَا من غير كفؤ وَدخل بهَا الزَّوْج ثمَّ طَلقهَا لَا تحل للزَّوْج الأول على مَا هُوَ الْمُخْتَار قلت وَهَذَا مِمَّا يجب حفظه
وَلَا يجوز للْوَلِيّ إِجْبَار الْبكر الْبَالِغ على النِّكَاح خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِذا استأذنها فَسَكَتَتْ أَو ضحِكت فَهُوَ اذن وَقيل إِذا ضحِكت كالمستهزئة بِمَا سَمِعت لَا يكون رضَا وَإِذا بَكت بلاصوت لم يكن ردا وَقيل هَذَا إِذا خرج الدمع بِلَا صَوت كالعويل لِأَنَّهَا تحزن على مُفَارقَة بَيت أَبَوَيْهَا فَأَما إِذا كَانَ لبكائها صَوت كالعويل فَإِنَّهُ يكون ردا
وَفِي فتاوي قاضيخان أَنه يمْتَحن الدمع فَإِن كَانَ بَارِدًا فَهُوَ رضَا وَإِن كَانَ حارا فَلَيْسَ بِرِضا
وَيجوز نِكَاح الصَّغِير وَالصَّغِيرَة إِذا زَوجهمَا الْوَلِيّ بكرا كَانَت الصَّغِيرَة أَو ثَيِّبًا وَالْوَلِيّ هُوَ الْعصبَة فَإِن زَوجهمَا الْأَب وَالْجد فَلَا خِيَار لَهما بعد بلوغهما لِأَنَّهُمَا كَامِلا الرَّأْي وافرا الشَّفَقَة فَيلْزم العقد بمباشرتهما وَإِن زَوجهمَا غير الْأَب وَالْجد فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا الْخِيَار إِذا بلغ إِن شَاءَ أَقَامَ على النِّكَاح وَإِن شَاءَ فسخ وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَا خِيَار لَهما اعْتِبَارا بالاب وَالْجد
وَذكر الناطفي فِي روضته إِذا عضل الْأَب بنته الصَّغِيرَة عَن التَّزْوِيج فَزَوجهَا القَاضِي قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز وَلَا يلْتَفت إِلَى الْأَب
القَاضِي إِذا زوج الصَّغِيرَة من نَفسه فَهُوَ نِكَاح بِلَا ولي لِأَن القَاضِي رعية فِي حق نَفسه وَكَذَا إِذا زوج من ابْنه لَا يجوز لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الحكم وَحكم القَاضِي لِابْنِهِ بَاطِل بِخِلَاف غَيره من الْأَوْلِيَاء حَيْثُ يجوز لِابْنِ الْعم أَن يُزَوّج بنت عَمه من نَفسه أَو ابْنه
وَإِذا غَابَ الْوَلِيّ الْأَقْرَب غيبَة مُنْقَطِعَة جَازَ لمن هُوَ أبعد مِنْهُ فِي الْولَايَة أَن يُزَوّج وَيلْزم تَزْوِيجه حَتَّى لَو جَاءَ الْأَقْرَب لَا يبطل مَا عقده الْأَبْعَد والغيبة المنقطعة أَن يكون فِي بلد لَا تصل القوافل إِلَيْهِ فِي السّنة الا مرّة وَاحِدَة وَهُوَ اخْتِيَار الْقَدُورِيّ وَقيل أدنى مُدَّة السّفر وَهُوَ اخْتِيَار بعض الْمُتَأَخِّرين وَقيل إِذا كَانَ بِحَال يفوت الكفؤ الْخَاطِب استطلاع رَأْيه وَهَذَا أقرب إِلَى الْفِقْه لِأَنَّهُ لَا نظر فِي إبْقَاء ولَايَته حِينَئِذٍ
نوع فِي الْكَفَاءَة وَفِي الْهِدَايَة الْكَفَاءَة تعْتَبر فِي النّسَب لِأَنَّهُ يَقع بِهِ التفاخر فقريش بَعضهم أكفاء لبَعض وَالْعرب بَعضهم أكفاء لبَعض وَأما الموَالِي فَمن كَانَ لَهُ أَبَوَانِ فِي الاسلام فَصَاعِدا فَهُوَ من الْأَكفاء
стр. 103
يَعْنِي لمن كَانَ لَهُ آبَاء فِيهِ وَمن أسلم بِنَفسِهِ أَو لَهُ أَب وَاحِد فِي الاسلام لَا يكون كُفؤًا لمن لَهُ أَبَوَانِ فِي الاسلام لِأَن تَمام النّسَب بالاب وَالْجد وَمن أسلم بِنَفسِهِ لَا يكون كُفؤًا لمن لَهُ أَب وَاحِد فِي الاسلام وَتعْتَبر أَيْضا فِي الدّين أَي الدّيانَة وَتعْتَبر فِي المَال وَهُوَ أَن يكون مَالِكًا للمهر وَالنَّفقَة وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي ظَاهر الرِّوَايَة حَتَّى أَن من لَا يملكهما أَو لَا يملك أَحدهمَا لَا يكون كُفؤًا
وَفِي البزازي العجمي الْعَالم كفؤ للعربي الْجَاهِل لِأَن شرف الْعلم اقوى وارفع وَكَذَا الْعَالم الْفَقِير كُفؤًا للغني الْجَاهِل وَكَذَا الْعَالم الَّذِي لَيْسَ بقرشي كفؤ للجاهل الْقرشِي والعلوي الْمَجْهُول النّسَب لَا يكون كُفؤًا لمعروف النّسَب
امْرَأَة زوجت نَفسهَا من رجل وَلم تعرف أَنه حر أَو عبد فَإِذا هُوَ عبد مَأْذُون بِالنِّكَاحِ لَيْسَ لَهَا الْفَسْخ وَلَا لأوليائها طلبه وَلَا يَنْفَسِخ بِلَا فسخ القَاضِي وَيكون فرقة من غير طَلَاق حَتَّى أَنه لَو لم يدْخل بهَا لَا يلْزمه شَيْء
تَزْوِيج الْفُضُولِيّ مَوْقُوف ينفذ بِالْإِجَازَةِ وَيبْطل بِالرَّدِّ لصدور الرُّكْن من الْأَهْل مُضَافا إِلَى الْمحل وَلم ينْعَقد قبل الاجازة لعدم الْولَايَة وَكَذَا نِكَاح العَبْد وَالْأمة بِغَيْر اذن الْمولى وَإِن تزوج العَبْد باذن مَوْلَاهُ فالمهر دين فِي رقبته يُبَاع فِيهِ لِأَنَّهُ دين وَجب عَلَيْهِ لوُجُود سَببه من أَهله فقد ظهر فِي حق مَوْلَاهُ لاذنه بِهِ فَيتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ كديون التِّجَارَة
وأنكحة الْكفَّار بَعضهم من بعض جَائِزَة وَقَالَ مَالك فَاسِدَة لنا قَوْله ﵊ ولدت من نِكَاح لَا من سفاح وَيجوز لِلنَّصْرَانِيِّ أَن يتَزَوَّج بالمجوسية لِأَن الْكفْر كُله مِلَّة وَاحِدَة
ذمِّي تزوج مسلمة يفرق بَينهمَا ويعزران لِأَنَّهَا مَعْصِيّة وَيُعَزر المزوج أَيْضا وَإِذا اسْلَمْ الذِّمِّيّ لم يتْرك على النِّكَاح لِأَنَّهُ وَقع فَاسِدا كَذَا ذكره السرُوجِي فِي آدَاب الْقَضَاء
نوع فِي الْمهْر يَصح عقد النِّكَاح بِغَيْر تَسْمِيَة الْمهْر لِأَن النِّكَاح عقد انضمام وازدواج لُغَة فَيتم بالزوجين ثمَّ الْمهْر وَاجِب شرعا ابانة لشرف الْمحل فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكره لصِحَّة النِّكَاح واقل الْمهْر عشرَة دَرَاهِم وَلَو سمى أقل من عشرَة فلهَا الْعشْرَة وَقَالَ زفر ﵀ لَهَا مهر الْمثل لِأَن تَسْمِيَة مَالا يصلح مهْرا كانعدامه وَلَو طَلقهَا قبل الدُّخُول بهَا يجب خَمْسَة عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَعِنْده تجب الْمُتْعَة كَمَا إِذا لم يسم شَيْئا
وَمن سمى مهْرا عشرَة فَمَا زَاد فَعَلَيهِ الْمُسَمّى إِن دخل بهَا أَو مَاتَ عَنْهَا وَإِن طَلقهَا قبل الدُّخُول بهَا وَالْخلْوَة فلهَا نصف الْمُسَمّى لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ الْآيَة وَشَرطه أَن يكون قبل الْخلْوَة لِأَنَّهَا كالدخول بهَا عِنْد نَا وَإِن تزَوجهَا وَلم يسم لَهَا مهْرا أَو تزَوجهَا على أَن لَا مهر لَهَا فلهَا مهر مثلهَا إِن دخل بهَا أَو مَاتَ عَنْهَا وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجب شَيْء فِي الْمَوْت وَأَكْثَرهم على أَنه يجب فِي الدُّخُول وَلَو طَلقهَا قبل الدُّخُول بهَا فلهَا الْمُتْعَة لقَوْله تَعَالَى ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره﴾ الْآيَة ثمَّ هَذِه الْمُتْعَة وَاجِبَة رُجُوعا إِلَى الْأَمر وَفِيه خلاف مَالك رَحمَه الله تَعَالَى والمتعة لَا تزيد على نصف مهر مثلهَا وَلَا تنقص عَن خَمْسَة دَرَاهِم وَتعْتَبر بِحَالهِ فِي الصَّحِيح وَهِي درع وخمار وَمِلْحَفَة
стр. 104
وَإِذا زوج الرجل بنته على أَن يُزَوجهُ الآخر بنته أَو أُخْته ليَكُون أحد الْعقْدَيْنِ عوضا عَن الآخر فالعقدان جائزان وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا مهر مثلهَا وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يبطل العقدان
وَإِن تزوج حر امْرَأَة على خدمته سنة أَو على تَعْلِيم الْقُرْآن فلهَا مهر مثلهَا وَقَالَ مُحَمَّد لَهَا قيمَة خدمته وَمهر مثلهَا يعْتَبر بأخواتها وعماتها وَبَنَات أعمامها فَإِن لم يُوجد مِنْهُم أحد فَمن الْأَجَانِب أَي يعْتَبر مهر مثلهَا من قَبيلَة مثل قَبيلَة أَبِيهَا وَلَا يعْتَبر بأمها وخالتها إِذا لم يَكُونَا من قبيلتها فَإِن كَانَت الْأُم من قوم أَبِيهَا بِأَن كَانَت بنت عَمه فَحِينَئِذٍ يعْتَبر بمهرها وَيعْتَبر فِي مهر الْمثل أَن تتساوى الْمَرْأَتَانِ فِي السن وَالْجمال وَالْمَال وَالْعقل وَالدّين والبلد وَالْعصر والعفة قَالُوا وَيعْتَبر التَّسَاوِي أَيْضا فِي الْبكارَة والثيوبة وللمرأة أَن تمنع نَفسهَا حَتَّى تَأْخُذ الْمهْر الْمُعَجل وتمنعه أَن يُخرجهَا أَي يُسَافر بهَا وَلَيْسَ للزَّوْج أَن يمْنَعهَا من السّفر وَالْخُرُوج من منزله وزيارة أَهلهَا حَتَّى يوفيها الْمهْر كُله أَي الْمُعَجل وَلَو كَانَ الْمهْر كُله مُؤَجّلا فَلَيْسَ لَهَا أَن تمنع نَفسهَا لإِسْقَاط حَقّهَا بالتأجيل كَمَا فِي المنبع وَلَو كَانَ الْمهْر حَالا فأخرته شهرا فَلَيْسَ لَهَا أَن تمنع نَفسهَا عِنْدهمَا وَعند أبي يُوسُف لَهَا ذَلِك لِأَن هَذَا تَأْجِيل طاريء فَكَانَ حكمه حكم التَّأْجِيل الْمُقَارن
وَلَو قَالَ نصفه معجل وَنصفه مُؤَجل وَلم يذكر الْوَقْت للمؤجل اخْتلف الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى فِيهِ قَالَ بَعضهم لَا يجوز الْأَجَل وَيجب حَالا كَمَا إِذا قَالَ تَزَوَّجتك على ألف مُؤَجّلَة وَقَالَ بَعضهم يجوز وَيَقَع ذَلِك على وَقت وُقُوع الْفرْقَة بِالْمَوْتِ أَو بِالطَّلَاق وروى عَن أبي يُوسُف مَا يُؤَيّد هَذَا القَوْل وَهُوَ أَن رجلا كفل لامْرَأَة عَن زَوجهَا نَفَقَة كل شهر يلْزمه نَفَقَة شهر وَاحِد فِي الِاسْتِحْسَان وَذكر عَن أبي يُوسُف أَنه يلْزمه نَفَقَة أكل شهر مَا دَامَ النِّكَاح بَينهمَا قَائِما فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَمن تزوج امْرَأَة ثمَّ اخْتلفَا فِي الْمهْر فَالْقَوْل قَول الْمَرْأَة فِي مهر مثلهَا وَالْقَوْل قَول الزَّوْج فِيمَا زَاد على مهر الْمثل وَإِن طَلقهَا قبل الدُّخُول بهَا فَالْقَوْل قَوْله فِي نصف الْمهْر وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ القَوْل قَوْله قبل الطَّلَاق وَبعده إِلَّا أَن يَأْتِي بِشَيْء قَلِيل وَمَعْنَاهُ مَالا يتعارف مهْرا لَهَا وَهُوَ الصَّحِيح وَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف فِي أصل الْمُسَمّى فَيجب مهر الْمثل بالاجماع
وَمن بعث إِلَى امْرَأَته شَيْئا فَقَالَت هُوَ هَدِيَّة وَقَالَ الزَّوْج هُوَ مهر فَالْقَوْل قَوْله لِأَنَّهُ هُوَ المملك فَكَانَ أعرف بِجِهَة التَّمْلِيك كَيفَ وَأَن الظَّاهِر أَنه يسْعَى فِي إِسْقَاط الْوَاجِب قَالَ إِلَّا فِيمَا هيء للْأَكْل كالحلوى وَالْخبْز والفاكهة مِمَّا لَا يعْطى فِي الْمهْر عَادَة فَإِن القَوْل فِيهِ قَوْلهَا وَلَا يكون مهْرا بِحَال لِأَن الظَّاهِر يكذبهُ وَأما سَائِر الْأَمْوَال فقد يكون مهْرا وَقد يكون هَدِيَّة فإليه الْبَيَان وَلَو لم يكن مُهَيَّأ للْأَكْل نَحْو شَاة أَو حِنْطَة أَو لوز مِمَّا يبقي مثلهَا شهرا فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
وَفِي الذَّخِيرَة رجل زوج ابْنَته وجهزها بجهاز فَمَاتَتْ ثمَّ زعم أَن الَّذِي دَفعه إِلَيْهَا أَمَانَة وَأَنه لم يَهبهُ لَهَا وَإِنَّمَا هُوَ عَارِية فَالْقَوْل قَول الزَّوْج إِنَّه ملك الزَّوْجَة وعَلى الْأَب الْبَيِّنَة أَنه عَارِية لِأَن الْعَارِية لَا تثبت بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ لَهَا من لم يبرهن هُوَ لِأَن الظَّاهِر شَاهد للزَّوْج وَحكى عَن القَاضِي الامام على السغدي رَحمَه الله تَعَالَى أَن القَوْل قَول الْأَب لِأَن الْيَد استفيدت من جِهَته فَيكون القَوْل قَوْله بِأَيّ جِهَة أثبتها وَبِه أَخذ بعض مَشَايِخنَا وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ فِي السّير الْكَبِير هَكَذَا إِن القَوْل قَول الْأَب وَقَالَ لِأَن الْعَارِية تبرع وَالْهِبَة تبرع وَالْعَارِية أدناها فَتحمل على الْأَدْنَى قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد وَالْمُخْتَار
стр. 105
للْفَتْوَى أَنه إِن كَانَ الْعرف مستمرا أَن الْأَب يدْفع إِلَيْهَا جهازا لَا عَارِية كَمَا فِي دِيَارنَا فَالْقَوْل قَول الزَّوْج وَإِن كَانَ الْعرف مُشْتَركا فَالْقَوْل للْأَب قَالَ قاضيخان ﵀ إِن كَانَ الْجَواب فِيهِ دلّ على التَّفْصِيل إِن كَانَ الْأَب من الْأَشْرَاف والكرام لَا يقبل قَوْله إِن الجهاز عَارِية وَإِن كَانَ مِمَّن لَا يُجهز الْبَنَات بِمثل ذَلِك قبل قَوْله
وَفِي الْعِمَادِيّ رجل غر رجلا وَقَالَ أزوج بِنْتي مِنْك وأجهزها جهازا عَظِيما وَمَا تدفع الي من الْمُعَجل أرده اليك مَعَ ثَلَاثَة أَمْثَاله فَتزَوج الرجل وَدفع النَّقْد إِلَى أبي الْمَرْأَة بِقدر وَسعه ثمَّ إِن أَبَا الْبِنْت لم يجهزها وَلم يدْفع إِلَى الزَّوْج شَيْئا هَل للزَّوْج أَن يرجع عَلَيْهِ بِمَا زَاد على نقد مثلهَا لَا رِوَايَة فِيهِ إِلَّا أَن صدر الاسلام الْبَزْدَوِيّ وعماد الدّين النَّسَفِيّ وجمال الاسلام الشريف والصدر الْكَبِير برهَان الدّين ومشايخ بُخَارى رَحِمهم الله تَعَالَى أفتوا أَن الزَّوْج يُطَالب أَبَا الْمَرْأَة بالتجهيز فَإِن جهزوا لَا يسْتَردّ مَا زَاد على نقد مثلهَا وَقد قدرُوا الجهاز بِالنَّقْدِ فَالْقَاضِي الامام صدر الاسلام الْبَزْدَوِيّ وعماد الدّين النَّسَفِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى قدرا لكل دِينَار من النَّقْد ثَلَاثَة دَنَانِير من الجهاز أَو أَرْبَعَة دَنَانِير فالزوج يُطَالِبهُ بِهَذَا الْقدر وَلَا يسْتَردّ مَا زَاد على نقد مثلهَا قَالَ ﵀ وَقد استفتيت من بعض مَشَايِخ بُخَارى كَالْقَاضِي جلال الدّين وَالشَّيْخ الْأَجَل برهَان الدّين فَأَجَابُوا كَمَا كتبنَا وَقَالُوا إِن اخْتِيَار مَشَايِخ بُخَارى هَكَذَا وَفِي فتاوي ظهير الدّين المرغيناني الصَّحِيح أَنه لَا يرجع على أبي الْمَرْأَة بِشَيْء لِأَن الْمَالِيَّة فِي بَاب النِّكَاح لَيست بمقصود أُصَلِّي
وَفِي فَوَائِد صدر الاسلام طَاهِر بن مَحْمُود تزوج امْرَأَة وَدفع إِلَيْهَا النَّقْد وَلم تأت بالجهاز إِلَى بَيت زَوجهَا هَل تجبر على ذَلِك قَالَ القَاضِي الامام جلال الدّين رَحمَه الله تَعَالَى للزَّوْج أَن يطالبها بالجهاز بِمِقْدَار مَا أَعْطَاهَا من النَّقْد على عرف النَّاس وعاداتهم
تزوج امْرَأَة على أَنَّهَا بكر فَإِذا هِيَ غير بكر وَقد أَعْطَاهَا الْمُعَجل هَل لَهُ أَن يرجع عَلَيْهَا بِمَا زَاد على نقد مثلهَا فعلى قِيَاس مَا اخْتَارَهُ صدر الاسلام الْبَزْدَوِيّ وَمن وَافقه من مَشَايِخ بُخَارى فِي مَسْأَلَة الجهاز يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ ذَلِك وَفِي فتاوي ظهير الدّين المرغيناني أَنه لَا رُجُوع لَهُ بِشَيْء لِأَن مَا دَفعه إِلَيْهَا لَيْسَ هُوَ فِي مُقَابلَة الْبضْع وَإِنَّمَا هُوَ للاستمتاع بهَا
وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِذا نعى إِلَى امْرَأَة بِمَوْت زَوجهَا فاعتدت وَتَزَوَّجت بآخر وَولدت ثمَّ جَاءَ الأول حَيا فَعِنْدَ أبي حنيفَة ﵀ الْوَلَد للزَّوْج الأول سَوَاء جَاءَت بِهِ لأَقل من سِتَّة أشهر أَو لأَقل من سنتَيْن أَو أَكثر لِأَنَّهُ صَاحب الْفراش الصَّحِيح وَالثَّانِي صَاحب الْفراش الْفَاسِد فَصَارَ كمن زوج أمته فَجَاءَت بِولد فَإِنَّهُ يثبت النّسَب من الزَّوْج دون الْمولى وَلَو ادعياه ذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى فِي حجَّة أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِن اتفقَا أَن الأول لَو كَانَ حَاضرا أَو كَانَ متغيبا مختفيا فَالْوَلَد للْأولِ هَكَذَا ذكر أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِي الأمالي فِي هَذَا الْفَصْل اتِّفَاقًا وَإِن نفى الأول وَالْآخر الْوَلَد أَو نَفَاهُ أَحدهمَا فَهُوَ للْأولِ على كل حَال وَلَا حد عَلَيْهِ وَلَا لعان وروى عبد الْكَرِيم والجرجاني عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه رَجَعَ عَن هَذَا القَوْل وَقَالَ يثبت النّسَب من زوج الثَّانِي وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِن جَاءَت بِهِ لأَقل من سِتَّة أشهر مُنْذُ تزَوجهَا الثَّانِي فَهُوَ للْأولِ وَإِن جَاءَت بِهِ لسِتَّة شهر فَصَاعِدا مُنْذُ تزَوجهَا فَهُوَ للثَّانِي سَوَاء ادعياه أَو نفياه وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِن جَاءَت بِهِ لأَقل من
стр. 106
سنتَيْن مُنْذُ دخل بهَا الثَّانِي فَهُوَ للْأولِ وَإِن جَاءَت بِهِ لأكْثر من سنتَيْن مُنْذُ دخل بهَا الثَّانِي فَهُوَ للثَّانِي قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث وَقَول مُحَمَّد أصح وَبِه نَأْخُذ
وَلَو سبيت الْمَرْأَة وَتَزَوجهَا رجل من أهل الْحَرْب وَولدت فعلى هَذَا الْخلاف
وَفِي مَجْمُوع النَّوَازِل سُئِلَ نجم الدّين النَّسَفِيّ عَمَّن تزوج امْرَأَة صَغِيرَة بتزويج أَبِيهَا ثمَّ مَاتَ الْأَب وَالزَّوْج غَائِب فكبرت الْبِنْت وَتَزَوَّجت رجلا فَحَضَرَ الْغَائِب وادعاها فأنكرت وَلم يكن لَهُ بَيِّنَة فَلم يقْض لَهُ بهَا وَقضى بهَا للثَّانِي فَولدت مِنْهُ بِنْتا وَللزَّوْج الأول ابْن من امْرَأَة لَهُ أُخْرَى هَل يجوز النِّكَاح من هَذَا الابْن بِهَذِهِ الْبِنْت قَالَ ﵀ إِن كَانَ فِي حَال صغر الابْن لَا يجوز لِأَن فِي زعم أَبِيه أَن أم الْبِنْت زَوجته وَالْبِنْت ولدت على فرَاشه فَهِيَ بنته فَأَما إِذا كبر الابْن وَأَرَادَ أَن يتَزَوَّج الْبِنْت بِنَفسِهِ فَيَنْبَغِي أَن يجوز لِأَن إِقْرَار الْأَب لم ينفذ على غَيره
قَالَ صَاحب الْعِمَادِيّ وَسُئِلَ جدي شيخ الاسلام عَن صَغِيرَة زَوجهَا أَبوهَا من صَغِير قبل عَنهُ أَبوهُ فَمَاتَ الأبوان ثمَّ بلغا وَلم يعلمَا بِهِ يَعْنِي النِّكَاح وَتَزَوَّجت الْمَرْأَة بآخر وَولدت مِنْهُ أَوْلَادًا ثمَّ إِن الرجل علم بذلك وَادّعى النِّكَاح وَلم يُمكنهُ إثْبَاته ثمَّ أَرَادَ أَن يُزَوّج وَلَدهَا من وَلَده هَل يحل ذَلِك فَأجَاب رَحمَه الله تَعَالَى لَا يحل وَالله أعلم
وَفِي فتاوي قاضيخان وَلَو تزوج امْرَأَة لَهَا زوج وَوَطئهَا لَا يجب الْحَد عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَإِن لم يدع الْحل
نوع فِي الْقسم وَالرّضَاع وَفِي الْهِدَايَة إِذا كَانَ للرجل امْرَأَتَانِ حرتان فَعَلَيهِ أَن يعدل بَينهمَا فِي الْقسم بكرين كَانَتَا أَو ثيبين أَو كَانَت إِحْدَاهمَا بكرا وَالْأُخْرَى ثَيِّبًا لقَوْله ﷺ من كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ وَمَال إِلَى أَحدهمَا فِي الْقسم جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَشقه مائل أَي مفلوج وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت إِن النَّبِي ﷺ كَانَ يعدل بَين نِسَائِهِ فِي الْقسم وَكَانَ يَقُول اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك فَلَا تؤاخذني فِيمَا لَا أملك يَعْنِي زِيَادَة الْمحبَّة وَلَا فصل فِيمَا روينَاهُ والقديمة والحديثة والمسلمة والكتابية سَوَاء لإِطْلَاق مَا روينَا وَلِأَن الْقسم من حُقُوق النِّكَاح وَلَا تفَاوت بَينهُنَّ فِي ذَلِك
وَالِاخْتِيَار فِي مِقْدَار الدّور إِلَى الزَّوْج لِأَن الْمُسْتَحق هُوَ التَّسْوِيَة دون طَرِيقه والتسوية الْمُسْتَحقَّة فِي البيتوتة لَا فِي المجامعة لِأَنَّهَا تنبني على النشاط وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ يُقيم الزَّوْج عِنْد الْبكر الجديدة سبعا وَالثَّيِّب ثَلَاثًا ثمَّ يسْتَأْنف لقَوْله ﷺ من تزوج بكرا على امْرَأَة عِنْده يُقيم مَعهَا سَبْعَة ايام وَإِن تزوج ثَيِّبًا يُقيم عِنْدهَا ثَلَاثَة أَيَّام وَمعنى مَا رَوَاهُ الدّور على السَّبع وَالثَّلَاث فِي الْقسم بالتسوية بَينهُنَّ جَمِيعًا بَين الْحَدِيثين وَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا حرَّة وَالْأُخْرَى أمة فللحرة الثُّلُثَانِ من الْقِسْمَة وللأمة الثُّلُث فَأَما فِي الْمَأْكُول والمشروب والملبوس فَإِنَّهُ يَسْتَوِي بَينهمَا لِأَن ذَلِك من الْحَاجَات اللَّازِمَة فتستوي فِيهِ الْحرَّة وَالْأمة وَالْمُكَاتبَة والمدبرة وَأم الْوَلَد كالأمة لقِيَام الرّقّ فِيهِنَّ وَلَا قسم للملوكة بِملك الْيَمين أَي لَا لَيْلَة لَهَا وَإِن كثرن
وَفِي الْقنية رجل لَهُ زَوْجَة وَجَارِيَة يبيت عِنْد الزَّوْجَة خمس لَيَال من الْأُسْبُوع وليلتين عِنْد الْجَارِيَة أَو فِي المطالعة فَلهُ ذَلِك إِذا لم يقْصد الْإِقْرَار بهَا وَلَا قسم فِي السّفر فيسافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ والقرعة
стр. 107
أولى يَعْنِي يسْتَحبّ أَن يقرع بَينهُنَّ ليسافر بِمن خرجت قرعتها تطييبا لقلوبهن وَإِن تركت قسمهَا لضرتها صَحَّ وَإِن رجعت جَازَ اه
وَفِي المنبع الرَّضَاع قَلِيله وَكَثِيره سَوَاء فِي اثبات الْحُرْمَة عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا تثبت الْحُرْمَة بِمُطلق الرَّضَاع بل بِخمْس رَضعَات قيل فِي تَفْسِير الْخمس أَن يَكْتَفِي الصَّبِي بِكُل وَاحِدَة مِنْهَا
ثمَّ مُدَّة الرَّضَاع عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى ثَلَاثُونَ شهرا وَعِنْدَهُمَا رحمهمَا الله تَعَالَى سنتَانِ وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ رحمهمَا الله تَعَالَى وَعند زفر رَحمَه الله تَعَالَى ثَلَاث سِنِين وَقَالَ بَعضهم أَربع سِنِين وَقَالَ بَعضهم عشر سِنِين وَقَالَ بَعضهم خَمْسَة عشر سنة وَقَالَ بَعضهم عشرُون سنة وَقَالَ بَعضهم أَرْبَعُونَ سنة وَقَالَ بَعضهم مُدَّة الرَّضَاع جَمِيع الْعُمر
وَفِي الذَّخِيرَة مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاث أَوْقَات أدنى وأوسط وأقصى فالأدنى حول وَنصف حول والأوسط حولان والأقصى حولان وَنصف حول فَلَو كَانَ الْوَلَد يَسْتَغْنِي دون الْحَوْلَيْنِ ففطمته أمه فِي حول وَنصف يحل بالاجماع وَلَا إِثْم وَلَو لم يسْتَغْن عَنْهَا بحولين يحل لَهَا أَن ترْضِعه بعد ذَلِك عِنْد عَامَّة الْعلمَاء إِلَّا عِنْد خلف بن أَيُّوب
فَالْحَاصِل أَن مُدَّة الرَّضَاع إِذا مَضَت لَا يتَعَلَّق بهَا التَّحْرِيم وَلَكِن ذَلِك على حسب اخْتلَافهمْ فِي مُدَّة الرَّضَاع كَمَا مر فَلَا نعيده ثَانِيًا وَقَالَ بعض النَّاس تثبت الْحُرْمَة بارتضاع الْكَبِير وَلَا يعْتَبر الْفِطَام قبل الْمدَّة حَتَّى لَو فطم الصَّغِير قبل الْحَوْلَيْنِ ثمَّ ارضع فِي مُدَّة ثَلَاثِينَ شهرا عِنْده وحولين عِنْدهمَا فَهُوَ رضَاع يُوجب الْحُرْمَة لوُجُود الارضاع فِي الْمدَّة
وَذكر الْخصاف ﵀ أَنه ينظر إِن كَانَ الصَّبِي يَسْتَغْنِي بِالطَّعَامِ عَن اللَّبن لَا تثبت الْحُرْمَة وَإِن كَانَ لَا يَسْتَغْنِي تثبت الْحُرْمَة وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة ﵀ قلت وَهَذِه الرِّوَايَة لَا تخَالف الرِّوَايَة الأولى من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا لم يُوجد الِاسْتِغْنَاء لم يكن الْفِطَام مُعْتَبرا وَفِي الْغَايَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله أَنه إِذا فطم الصَّغِير وَكَانَ يَكْتَفِي بِالطَّعَامِ فأرضعته امْرَأَة لم يكن رضَاعًا وَإِن كَانَ لَا يَكْتَفِي بِالطَّعَامِ عَن اللَّبن فَإِن كَانَ أَكثر الَّذِي يتَنَاوَلهُ هُوَ اللَّبن دون الطَّعَام يكون رضَاعًا وَإِن كَانَ الْأَكْثَر هُوَ الطَّعَام لَا يكون رضَاعًا وَفِي الْهِدَايَة قيل لَا يُبَاح الارضاع بعد مُدَّة الرَّضَاع لِأَن إِبَاحَته ضَرُورِيَّة لكَونه جُزْء الْآدَمِيّ
وَيحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب للْحَدِيث الْمَشْهُور إِلَّا أم أُخْته من الرَّضَاع فَإِنَّهُ يجوز أَن يَتَزَوَّجهَا وَلَا يجوز أَن يتَزَوَّج أم أُخْته من النّسَب لِأَنَّهَا تكون أمه أَو موطوأة أَبِيه بِخِلَاف الرَّضَاع وَيجوز أَن يتَزَوَّج أُخْت ابْنه من الرَّضَاع وَلَا يجوز ذَلِك من النّسَب لِأَنَّهُ لما وطيء أمهَا حرمت عَلَيْهِ وَلم يُوجد هَذَا الْمَعْنى فِي الرَّضَاع
وَلبن الْفَحْل يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم وَهُوَ أَن ترْضع الْمَرْأَة صبية فَتحرم هَذِه الصبية على زَوجهَا وعَلى آبَائِهِ وأبنائه وَيصير الزَّوْج الَّذِي نزل لَهَا مِنْهُ اللَّبن أَبَا للمرضعة وَفِي أحد قولي الشَّافِعِي لبن الْفَحْل لَا يحرم
وَفِي الْمُحِيط وَلَو زنى بِامْرَأَة فَولدت مِنْهُ فأرضعت بِهَذَا اللَّبن صبية تحرم على الزَّانِي وفروعه وأصوله
стр. 108
لِأَنَّهَا بنت الزَّانِي رضَاعًا وكما لَا يجوز للزاني أَن يَتَزَوَّجهَا فَكَذَا لهَؤُلَاء ولعم الزَّانِي وخاله أَن يتَزَوَّج بِهَذِهِ الصبية كَمَا يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج بالمولودة من الزِّنَى لِأَنَّهُ لم يثبت نسب ولد الزِّنَى من الزَّانِي فَلَنْ تثبت بَينهمَا الْقَرَابَة الْمُحرمَة للزوجية
فروع ذكرت فِي الْغَايَة وَلَو أَن امْرَأَة لَهَا بنُون وَأُخْرَى لَهَا بَنَات فأرضعت الَّتِي لَهَا بَنَات ابْنا من بني الْأُخْرَى فَإِن بناتها تحرم على ذَلِك الابْن بِعَيْنِه وَلَا تحرم وَاحِدَة من بناتها على سَائِر بني الْمَرْأَة لعدم اجْتِمَاعهم على ثدي امْرَأَة وَاحِدَة فَلَو كَانَت أرضعت بِنْتا حرمت على جَمِيع بنيها وَغَيرهَا من بناتها يحل لِابْنِ الْمُرضعَة فَلَو كَانَت أم الْبَنَات أرضعت أحد الْبَنِينَ وَأم الْبَنِينَ أرضعت إِحْدَى الْبَنَات لم يكن للِابْن المرتضع من أم الْبَنَات أَخ يتَزَوَّج وَاحِدَة مِنْهُنَّ ولاخوته أَن يتزوجوا بَنَات الْأُخْرَى إِلَّا الْبِنْت الَّتِي رضعت من أمّهم وَحدهَا لِأَنَّهَا أختهم من الرَّضَاع
وَفِي الْمَبْسُوط إِذا أرضعت بِنْتا لم يكن لأحد من أَوْلَاد الْمُرضعَة مِمَّن كَانَ قبل الرَّضَاع وَبعده أَن يتَزَوَّج تِلْكَ الْمُرضعَة وَعند بعض الْعلمَاء لَا تثبت الْحُرْمَة فِيمَن انفطموا قبل الرَّضَاع وَإِنَّمَا تثبت فِيمَن حدث بعده انْتهى وَلَا يثبت الرَّضَاع الا بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَهل يثبت الرَّضَاع بِشَهَادَة النِّسَاء منفردات فعندنا لَا يثبت خلافًا لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏ وَفِي الرَّافِعِيّ يثبت الرَّضَاع بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَكَذَا بِشَهَادَة أَربع نسْوَة وَقبل احْمَد شَهَادَة الْمُرضعَة وَحدهَا كَذَا فِي المنبع
الْفَصْل الرَّابِع عشر
فِي الطَّلَاق
اعْلَم أَن الطَّلَاق يَنْقَسِم إِلَى أحسن الطَّلَاق وَإِلَى طَلَاق السّنة وَإِلَى طَلَاق الْبِدْعَة فأحسنه أَن يُطلق الرجل امْرَأَته طَلْقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا وَأما طَلَاق الْبِدْعَة فَهُوَ أَن يُوقع ثِنْتَيْنِ أَو ثَلَاثًا دفْعَة وَاحِدَة فِي طهر وَاحِد فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَأما طَلَاق السّنة فَهُوَ أَن يُطلق الْمَدْخُول بهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار وَقَالَ مَالك هَذَا بدعي وَلَيْسَ طَلَاق السّنة إِلَّا أَن يطلقهَا وَاحِدَة ويصبر حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا
ثمَّ طَلَاق السّنة على نَوْعَيْنِ سنة من حَيْثُ الْعدَد وَسنة من حَيْثُ الْوَقْت فَالْأول يَسْتَوِي فِيهِ الْمَدْخُول بهَا وَغير الْمَدْخُول بهَا وَالثَّانِي يخْتَص بالمدخول بهَا وَهُوَ أَن يطلقهَا وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي الْمَدْخُول بهَا خَاصَّة كَذَا ذكره قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين الْعَيْنِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه على الْمجمع
وَفِي الْهِدَايَة وَيَقَع طَلَاق كل زوج إِذا كَانَ بَالغا عَاقِلا فَلَا يَقع طَلَاق الصَّبِي وَالْمَجْنُون والنائم وَفِي الْعِمَادِيّ طَلَاق الْمَعْتُوه غير وَاقع كَطَلَاق الْمَجْنُون
وَتَكَلَّمُوا فِي الْفَاصِل بَين الْمَجْنُون وَالْمَعْتُوه قَالُوا الْمَجْنُون من لَا يَسْتَقِيم كَلَامه وأفعاله إِلَّا نَادرا والعاقل ضِدّه وَالْمَعْتُوه من يخْتَلط كَلَامه وأفعاله فَيكون ذَلِك غَالِبا أَو هَذَا غَالِبا أَو كَانَا سَوَاء وَقَالَ بَعضهم الْمَجْنُون من يفعل الْأَفْعَال القبيحة لَا عَن قصد والعاقل من يفعل مَا يَفْعَله المجانين فِي الْأَحَايِين لَكِن
стр. 109
يفعل ذَلِك عَن قصد وَإِنَّمَا يفعل مَا يَفْعَله المجانين فِي الْأَحَايِين على ظن الصّلاح وَالْمَعْتُوه من يفعل مَا يَفْعَله المجانين فِي الْأَحَايِين لَكِن يفعل ذَلِك عَن قصد مَعَ ظُهُور الْفساد
المصروع إِذا طلق امْرَأَته فِي حَالَة الصرع لَا يَقع طَلَاقه كَذَا أجَاب صَاحب الْمُحِيط ﵀
طلق امْرَأَته وَهُوَ صَاحب برسام فَلَمَّا صَحَّ قَالَ طلقت امْرَأَتي ثمَّ قَالَ إِنِّي لست أَظن أَن الطَّلَاق فِي تِلْكَ الْحَالة كَانَ وَاقعا قَالَ مَشَايِخنَا ﵏ حينما أقرّ بِالطَّلَاق إِن رده إِلَى حَالَة البرسام وَقَالَ قد طلقت امْرَأَتي فِي حَالَة البرسام فالطلاق غير وَاقع وَإِن لم يردهُ إِلَى حَالَة البرسام فَهُوَ مؤاخذ بذلك فِي الْقَضَاء
وَطَلَاق الْمُكْره وَاقع خلافًا للشَّافِعِيّ ﵀ وَطَلَاق السَّكْرَان وَاقع وَاخْتَارَ الْكَرْخِي والطَّحَاوِي أَنه لَا يَقع وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَطَلَاق الْأَخْرَس وَاقع بالاشارة لِأَنَّهَا صَارَت معهودة فأقيمت مقَام الْعبارَة دفعا للْحَاجة وَطَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا وَطَلَاق الْحرَّة ثَلَاث حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا وَقَالَ الشَّافِعِي عدد الطَّلَاق يعْتَبر بِحَال الرِّجَال دون النِّسَاء وَكَذَلِكَ عِنْد الامام مَالك رَحمَه الله تَعَالَى وَإِذا تزوج العَبْد امْرَأَة وطلق وَقع طَلَاقه وَلَا يَقع طَلَاق مَوْلَاهُ على امْرَأَته لِأَن ملك النِّكَاح حق العَبْد فَيكون الاسقاط إِلَيْهِ دون الْمولى
نوع فِي الصَّرِيح وَالْكِنَايَة الطَّلَاق على ضَرْبَيْنِ صَرِيح وكناية فالصريح قَوْله أَنْت طَالِق ومطلقة وطلقتك فَهَذَا يَقع بِهِ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ مستعملة فِي الطَّلَاق وَلَا تسْتَعْمل فِي غَيره فَكَانَ صَرِيحًا وَأَنه تعقبه الرّجْعَة بِالنَّصِّ وَلَا يفْتَقر إِلَى النِّيَّة لِأَنَّهُ صَرِيح فِيهِ لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال وَكَذَا إِذا نوى الابانة لِأَنَّهُ قصد تَنْجِيز مَا علقه الشَّرْع بِانْقِضَاء الْعدة فَيرد عَلَيْهِ
وَلَو نوى الطَّلَاق عَن وثاق لَا يدين فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر ويدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ يحْتَملهُ وَلَو نوى بِهِ الطَّلَاق عَن الْعَمَل لم يدين فِي الْقَضَاء وَلَا فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَعَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَلَو قَالَ أَنْت مُطلقَة بتسكين الطَّاء لَا يكون طَلَاقا الا بِالنِّيَّةِ وَإِذا قَالَ أَنْت الطَّلَاق أَو أَنْت طَالِق الطَّلَاق أَو أَنْت طَالِق طَلَاقا فَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة أَو نوى وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة رَجْعِيَّة وَإِن نوى ثَلَاثًا فَثَلَاث وَلَو قَالَ يدك طَالِق أَو رجلك طَالِق لم يَقع الطَّلَاق وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى يَقع وَكَذَا الْخلاف فِي كل جُزْء معِين لَا يعبر بِهِ عَن جَمِيع الْبدن وَإِن طَلقهَا نصف تَطْلِيقَة أَو ثلثهَا كَانَت تَطْلِيقَة وَاحِدَة لِأَن الطَّلَاق لَا يتَجَزَّأ وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاث أَنْصَاف تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا لِأَن نصف التطليقتين تَطْلِيقَة فَإِذا جمع بَين ثَلَاث أَنْصَاف تَطْلِيقَة يكون ثَلَاث تَطْلِيقَات ضَرُورَة وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاث أَنْصَاف تَطْلِيقَة قيل يَقع تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهَا طَلْقَة وَنصف فتتكامل وَقيل يَقع ثَلَاث تَطْلِيقَات لِأَن كل نصف يتكامل فِي نَفسه فَيصير ثَلَاثًا وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق من وَاحِدَة إِلَى ثِنْتَيْنِ أَو مَا بَين وَاحِدَة إِلَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة وَلَو قَالَ من وَاحِدَة إِلَى ثَلَاث أَو مَا بَين وَاحِدَة إِلَى ثَلَاث فَهِيَ ثِنْتَانِ وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا يَقع فِي الأول ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِي ثَلَاث وَقَالَ زفر ﵀ فِي الأولى لَا يَقع شَيْء وَفِي الثَّانِيَة يَقع وَاحِدَة وَهُوَ الْقيَاس وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَاحِدَة فِي ثِنْتَيْنِ وَنوى الضَّرْب والحساب أَو لم يكن لَهُ نِيَّة فَهِيَ وَاحِدَة وَقَالَ زفر رَحمَه الله تَعَالَى يَقع ثِنْتَانِ لعرف الْحساب وَهُوَ قَول الْحسن بن زِيَاد رَحمَه الله تَعَالَى وَإِن نوى وَاحِدَة وثنتين فَهِيَ ثَلَاث وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة دَرَاهِم فِي عشرَة دَرَاهِم يلْزمه عشرَة عِنْد عُلَمَائِنَا
стр. 110
الثَّلَاثَة رَحِمهم الله تَعَالَى وَعند زفر يلْزمه مائَة دِرْهَم وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق من هَاهُنَا إِلَى الشَّام فَهِيَ وَاحِدَة يملك الرّجْعَة وَقَالَ زفر هِيَ بَائِنَة وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق بِمَكَّة أَو فِي مَكَّة فَهِيَ طَالِق فِي الْحَال فِي كل الْبِلَاد وَكَذَا قَوْله أَنْت طَالِق فِي الدَّار لِأَن الطَّلَاق لَا يتخصص بمَكَان دون مَكَان وَإِن عني بِهِ إِذا دخلت مَكَّة يصدق ديانَة وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِذا دخلت مَكَّة وَلم تطلق حَتَّى تدخل مَكَّة لِأَنَّهُ علقه بِالدُّخُولِ
وَفِي المنبع وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق غَدا وَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا بِطُلُوع الْفجْر وَلَا يَقع فِي الْحَال الا أَن يكون القَوْل قبل طُلُوع الْفجْر انْتهى
رجل قَالَ عَليّ طَلَاق امْرَأَتي لَا يَقع وَفِي أدب الْقَضَاء للسروجي رجل قَالَ لامْرَأَته طَلَاقك عَليّ فرض لَازم أَو قَالَ طَلَاقك عَليّ حتم لَازم الصَّحِيح أَنه يَقع الطَّلَاق فِي الْكل بِخِلَاف الْعتْق لِأَنَّهُ مِمَّا يجب فَجعل إِخْبَارًا
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل قَالَ لامْرَأَته الطَّلَاق عَلَيْك لَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا أَن يُرِيد الْإِيقَاع لِأَن هَذَا اللَّفْظ يَسْتَعْمِلهُ النَّاس للإيقاع
رجل قَالَ لامْرَأَته ثَلَاث تَطْلِيقَات عَلَيْك تطلق ثَلَاثًا لِأَنَّهُ أوقع الثَّلَاث عَلَيْهَا وَلَو قَالَ لَا نِكَاح بَيْننَا فَإِنَّهُ يَقع اجماعا وَقَالَ فِي المنبع جحود النِّكَاح لَا يكون طَلَاقا وَالله أعلم قَالَ جَمِيع نسَاء أهل الدُّنْيَا طَوَالِق تطلق امْرَأَته لِأَنَّهَا من حِسَاب الْعَالم قَالَ لامْرَأَته إِن لم أشبعك من الْجِمَاع فَأَنت طَالِق قَالَ بَعضهم لَا يعرف شبعها حَتَّى تَقول بلسانها وَقيل إِن جَامعهَا وَلم يفارقها حَتَّى أنزلت فقد أشبعها وَلم يَقع الطَّلَاق
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل لَهُ أَربع نسْوَة فَقَالَ أَنْت ثمَّ أَنْت ثمَّ أَنْت ثمَّ أَنْت طَالِق طلقت الرَّابِعَة لَا غير لِأَنَّهُ لم يذكر الْجَزَاء إِلَّا للرابعة وَلَو قَالَ لأَرْبَع نسْوَة لَهُ بينكن تَطْلِيقَة طلقت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَطْلِيقَة لِأَنَّهَا تَنْقَسِم عَلَيْهِنَّ فَيُصِيب كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ ربعهَا وَأَنه لَا يتَجَزَّأ فيكمل وَلَو قَالَ لامْرَأَته كوني طَالقا عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ أرَاهُ وَاقعا وَكَذَا لَو قَالَ لأمته كوني حرَّة لِأَنَّهُ صَرِيح فِي الطَّلَاق وَالْعتاق
رجل قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق عدد مَا فِي الْحَوْض من السّمك وَلَيْسَ فِي الْحَوْض سمك يَقع وَاحِدَة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أَنْت طَالِق بِعَدَد كل شَعْرَة على جَسَد ابليس لَعنه الله تَعَالَى يَقع وَاحِدَة لَا غير رجل قَالَت لَهُ امْرَأَته لست لي بِزَوْج فَقَالَ الزَّوْج صدقت وَهُوَ يَنْوِي بذلك طَلَاقا فَهَذَا وَمَا لَو قَالَ الرجل لامْرَأَته لست لي بِامْرَأَة وَنوى الطَّلَاق سَوَاء وثمة يَقع الطَّلَاق عِنْد أبي حنيفَة ﵀ كَذَا هُنَا
رجل قَالَ لامْرَأَته لَا حَاجَة لي فِيك أَو قَالَ مَا أريدك وَهُوَ يَنْوِي الطَّلَاق لم يكن طَلَاقا لِأَن اللَّفْظ لَا يحْتَملهُ
وَفِي المنبع رجل قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا مُنجزا ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بعد زوج آخر فَدخلت الدَّار لم يَقع شَيْء عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة رَحِمهم الله تَعَالَى وَهُوَ قَول مَالك ذكره فِي الْمُدَوَّنَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَأحمد بن حَنْبَل رَحِمهم الله تَعَالَى وَقَالَ زفر يَقع الطَّلَاق الثَّلَاث
следующие страницы →