← Фикх малики

Фикх малики · id 6193

القوانين الفقهية

ابن جزي الكلبي

Полный текст (292 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الْبَاب الثَّانِي عشر فِي بيع الْخِيَار وَالْخيَار الْمَشْرُوط هُوَ خِيَار التروي للاختبار والمشورة وَفِيه خمس مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي حكمه وَيجوز أَن يَشْتَرِطه البَائِع أَو المُشْتَرِي أَو كِلَاهُمَا ثمَّ لمن اشْتَرَطَهُ أَن يمْضِي البيع أَو يردهُ مَا لم تنقض مُدَّة الْخِيَار أَو يظْهر مِنْهُ مَا يدل على الرضى إِذا اشترطاه مَعًا فَإِن اجْتمعَا على إمضائه أَو رده وَقع مَا اجْتمعَا عَلَيْهِ من ذَلِك وَإِن اخْتلفَا فِي الرَّد والإمضاء فَالْقَوْل قَول من أَرَادَ الرَّد وَيجوز البيع أَيْضا على خِيَار غَيرهمَا أَو رِضَاهُ أَو مشورته وَلَا يتَوَقَّف الْفَسْخ بِالْخِيَارِ على حُضُور الْخصم وَلَا قَضَاء القَاضِي وَاشْترط أَبُو حنيفَة حُضُور الْخصم (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي مدَّته وأولها عِنْد العقد وَآخِرهَا مُخْتَلف باخْتلَاف المبيعات فَفِي الديار وَالْأَرْض الشَّهْر وَنَحْوه فَمَا دونه وَقَالَ ابْن الْمَاجشون الشَّهْر والشهران وَفِي الرَّقِيق جُمُعَة فَمَا دونهَا وروى ابْن وهب شهرا وَفِي الدَّوَابّ وَالثيَاب ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا دونهَا وَفِي الْفَوَاكِه سَاعَة وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة أمد الْخِيَار ثَلَاثَة لَا يُزَاد عَلَيْهَا وَأَجَازَهُ ابْن حَنْبَل لأي أمد اشْترط ثمَّ إِذا عقد العقد على الْخِيَار فَإِن جعلا لَهُ مُدَّة مَعْلُومَة على قدر مَا ذكرنَا جَازَ وَإِن زَاد فِي الْمدَّة على مَا هُوَ أمد خِيَارهَا فسد العقد وَإِن سكتا عَن تحديدها صَحَّ العقد وحملت على أمدها حَسْبَمَا ذكرنَا وَإِن جعلاه لمُدَّة مَجْهُولَة كقدوم زيد وَلَا إِمَارَة على قدومه فسد العقد (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِيمَا يعد رضى بِالْبيعِ من أَفعَال الْمُتَعَاقدين وَهِي على ثَلَاثَة أَقسَام (الأول) مَا يعد رضى بِاتِّفَاق كالتصريح بذلك قولا وكعتق العَبْد وكتابته وتزويج الْأمة والتمتع وَالِانْتِفَاع بهَا فَهَذِهِ من المُشْتَرِي تدل على الامضاء وَمن البَائِع تدل على الْفَسْخ (الثَّانِي) مَا لَا يعد رضى كركوب الدَّابَّة للاختبار وَلبس الثَّوْب وَشبهه فوجوده كَعَدَمِهِ (الثَّالِث) مُخْتَلف فِيهِ كرهن الْمَبِيع وإجارته والتسوم بالسلعة وَشبه ذَلِك من المحتملات فَيقطع الْخِيَار عِنْد أبي الْقَاسِم خلافًا أَشهب وَإِذا مَاتَ مشترط الْخِيَار فِي الْمدَّة فَالْخِيَار لوَرثَته خلافًا لأبي حنيفَة وَابْن حَنْبَل (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) الْمَبِيع فِي مُدَّة الْخِيَار على ملك البَائِع فَإِن تلف فمصيبته مِنْهُ إِلَّا أَن قَبضه المُشْتَرِي فمصيبته مِنْهُ إِن كَانَ مِمَّا يُغَاب عَلَيْهِ وَلم تقم على تلفه بَينه وَإِن حدثت لَهُ عِلّة فِي أمد الْخِيَار فَهِيَ للْبَائِع وَإِن ولدت الْأمة فِي أمد الْخِيَار فولدها للْمُشْتَرِي عِنْد ابْن الْقَاسِم وَقَالَ غَيره للْبَائِع كالغلة فَهِيَ لَهُ وَلَا يجوز للْمُشْتَرِي اشْتِرَاط الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ فِي مُدَّة الْخِيَار إِلَّا بقد الاختبار فَإِنَّهُ إِن لم يتم البيع بَينهمَا كَانَ انتفاعه بَاطِل من غير شَيْء كَمَا لَا يجوز للْبَائِع اشْتِرَاط النَّقْد فَإِنَّهُ إِن لم يتم البيع بَينهمَا كَانَ سلفا وَإِن تمّ كَانَ ثمنا فَإِن وَقع على ذَلِك فسخ البيع سَوَاء تمسك بِشَرْطِهِ أَو أسْقطه وَيجوز النَّقْد من غير شَرط (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) خِيَار الْمجْلس بَاطِل عِنْد مَالك وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ وَأبي حنيفَة فَالْبيع عِنْدهم يتم بالْقَوْل وَإِن لم يفترقا من الْمجْلس وَقَالَ الشَّافِعِي وَابْن حَنْبَل وسُفْيَان الثَّوْريّ وَإِسْحَاق إِذا تمّ العقد فهما بِالْخِيَارِ مَا لم يفترقا من الْمجْلس للْحَدِيث الصَّحِيح

стр. 177

= الْكتاب الرَّابِع من الْقسم الثَّانِي فِي الْعُقُود المشاكلة للبيوع = وَوجه المشاكلة بَينهمَا أَنَّهَا تحتوي على متعاقدين بِمَنْزِلَة المتتابعين وعَلى عوضين بِمَنْزِلَة الثّمن والمثمون وَفِي الْكتاب اثْنَا عشر بَابا الْبَاب الأول فِي الْإِجَارَة والجعل والكراء وَكلهَا بيع مَنَافِع فَفِي الْبَاب أَرْبَعَة فُصُول (الْفَصْل الأول) فِي الْإِجَارَة وَهِي جَائِزَة عندالجمهور وأركانها أَرْبَعَة (الأول) الْمُسْتَأْجر (الثَّانِي) الْأَجِير وَيشْتَرط فيهمَا مَا يشْتَرط فِي الْمُتَبَايعين وَيكرهُ أَن يُؤَاجر الْمُسلم نَفسه من كَافِر (الثَّالِث) الْأُجْرَة (الرَّابِع) الْمَنْفَعَة وَيشْتَرط فِيهَا مَا يشْتَرط فِي الثّمن والمثمن على الْجُمْلَة وَأما على التَّفْصِيل فَأَما الْأُجْرَة فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ (الْمَسْأَلَة الأولى) أَن تكون مَعْلُومَة خلافًا للظاهرية وَيجوز اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وَالظّهْر بطعامه وَكسوته على الْمُتَعَارف خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَو قَالَ أحصد زرعي وَلَك نصفه أَو أطحنه أَو أعصر الزَّيْت فَإِن ملكه نصفه الان جَازَ وَإِن أَرَادَ نصف مَا يخرج مِنْهُ لم يجز للْجَهَالَة (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) لَا يجب تَقْدِيم الْأُجْرَة بِمُجَرَّد العقد وَإِنَّمَا يسْتَحبّ تَقْدِيم جُزْء من الْأُجْرَة بِاسْتِيفَاء مَا يُقَابله من الْمَنْفَعَة إِلَّا إِن كَانَ هُنَاكَ شَرط أَو عَادَة أَن يقْتَرن بِالْعقدِ مَا يُوجب التَّقْدِيم مثل أَن تكون الْأُجْرَة عرضا معينا أَو طَعَاما رطبا أَو مَا أشبه ذَلِك أَو تكون الْإِجَارَة ثَابِتَة فِي ذمَّة الْأَجِير فَيجب تَقْدِيم الْأُجْرَة لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة رَأس المَال فِي السّلم وَقَالَ الشَّافِعِي تجب الْأُجْرَة بِنَفس العقد وَأما الْمَنْفَعَة فَيشْتَرط فِيهَا شَرْطَانِ (الأول) أَن تكون مَعْلُومَة إِمَّا بِالزَّمَانِ كالمياومة والمشاهرة وَأما بغاية الْعَمَل كخياطة ثوب وَلَا يجوز أَن يجمع بَينهمَا لِأَنَّهُ قد يتم الْعَمَل قبل الْأَجَل أَو بعده وَإِذا اسْتَأْجرهُ على رِعَايَة غنم بِأَعْيَانِهَا لزمَه رِعَايَة الْخلف عِنْد ابْن الْقَاسِم (الثَّانِي) أَن تكون الْمَنْفَعَة مُبَاحَة لَا مُحرمَة وَلَا وَاجِبَة أما الْمحرم فَلَا يجوز إِجْمَاعًا وَأما الْوَاجِب كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام فَلَا تجوز الْأُجْرَة عَلَيْهِ وَتجوز الْإِجَارَة على الْإِمَامَة مَعَ الْأَذَان وَالْقِيَام بِالْمَسْجِدِ لَا على الصَّلَاة بانفرادها ومنعها ابْن حبيب مفترقا

стр. 178

ومجتمعا وأجازها ابْن عبد الحكم مفترقا ومجتمعا فروع أُجْرَة الْحجَّاج جَائِزَة خلافًا لقوم وكراء الْفَحْل للنزو على الْإِنَاث خلافًا لَهما وَالْإِجَارَة على تَعْلِيم الْقُرْآن جَائِزَة خلافًا لأبي حنيفَة وَتجوز الْإِجَارَة على الْأَذَان خلافًا لِابْنِ حبيب (الْفَصْل الثَّانِي) فِي الْجعل وَهُوَ الْإِجَارَة على مَنْفَعَة يضمن حُصُولهَا وَهُوَ جَائِز خلافًا لأبي حنيفَة وَالْفرق بَينه وَبَين الْإِجَارَة من ثَلَاثَة أوجه (الأول) أَن الْمَنْفَعَة لَا تحصل للجاعل إِلَّا بِتمَام الْعَمَل كرد الْآبِق والشارد بِخِلَاف الْإِجَارَة فَإِنَّهُ يحصل على الْمَنْفَعَة مِقْدَار مَا عمل وَلذَلِك إِذا عمل الْأَجِير فِي الْإِجَارَة بعض الْعَمَل حصل لَهُ من الْأُجْرَة بِحِسَاب مَا عمل وَلَا يحصل لَهُ فِي الْجعل شَيْء إِلَّا بِتمَام الْعَمَل وكراء السفن من الْجعل فَلَا تلْزم الْأُجْرَة إِلَّا بالبلاغ خلافًا لِابْنِ نَافِع (الثَّانِي) أَن الْعَمَل فِي الْجعل قد يكون مَعْلُوما وَغير مَعْلُوم كحفر بِئْر حَتَّى يخرج مِنْهَا المَاء وَقد يكون قَرِيبا أَو بَعيدا بِخِلَاف الْإِجَارَة فَلَا بُد أَن يكون الْعَمَل فِيهَا مَعْلُوما ويتردد بَين الْجعل وَالْإِجَارَة مشارطة الطَّبِيب على برْء الْمَرِيض والمعلم على تَعْلِيم الْقُرْآن (الثَّالِث) أَنه لَا يجوز شَرط تَقْدِيم الْأُجْرَة فِي الْجعل بِخِلَاف الْإِجَارَة وَإِنَّمَا يجوز الْجعل بِثَلَاثَة شُرُوط ((أَحدهَا)) أَن تكون الْأُجْرَة مَعْلُومَة ((الثَّانِي)) أَن لَا يضْرب للْعَمَل أجل ((الثَّالِث)) أَن يكون يَسِيرا عِنْد عبد الوهاب خلافًا لِابْنِ رشد (الْفَصْل الثَّالِث) فِي الْكِرَاء وَقد سمي إِجَارَة وَأَحْكَامه كلهَا كَالْإِجَارَةِ فِي أَرْكَانه وشروطه وَقد يخْتَص إسم الْإِجَارَة باستئجار الْآدَمِيّ وَيخْتَص إسم الْكِرَاء بالدواب والرباع وَالْأَرضين فَنَذْكُر هَا هُنَا مَا يخْتَص بِهِ هَذَا من الْأَحْكَام أما الدَّوَابّ فتكرى لأربعة أوجه للرُّكُوب فَيتَعَيَّن بالمسافة أَو بِالزَّمَانِ وَلَا يجمع بَينهمَا وَلَا يشْتَرط وصف الرَّاكِب خلافًا للشَّافِعِيّ وَيجب أَن يركبه مثله لَا أضرّ مِنْهُ وللحمل فَيجب أَن يصف مَا يحمل عَلَيْهَا ويعين الْمسَافَة أَو الزَّمَان فَإِن زَاد فِي حملهَا وعطبت فَإِن كَانَ مَا زَادهَا مِمَّا يعطب بِمثلِهِ فر بهَا مُخَيّر بَين أَخذ قيمَة كِرَاء مَا زَاد عَلَيْهَا من الْكِرَاء أَو قيمَة الدَّابَّة وَإِن كَانَت الزِّيَادَة مِمَّا لَا يعطب بِمثلِهِ فَلهُ كِرَاء الزِّيَادَة مَعَ الْكِرَاء الأول وَلَا خِيَار لَهُ ولإستقاء فيوصف أَيْضا وللحرث فيعين الزَّمَان أَو الأَرْض وَإِذا عرض فِي الْكِرَاء أَو الْإِجَارَة مَا يمْنَع التَّمَادِي انفسخا وكراء السفن وَالدَّوَاب على وَجْهَيْن معِين فِي دَابَّة بِعَينهَا أَو سفينة بِعَينهَا أَو مَضْمُون كَقَوْل أَكْرِي مِنْك دَابَّة أَو سفينة وَيجوز النَّقْد وَالتَّأْخِير فِي الكراءين مَعًا إِذا شرع فِي الرّكُوب وَإِذا مَاتَت الدَّابَّة انْفَسَخ الْكِرَاء أَن يكون فِي دَابَّة مَضْمُونَة غير مُعينَة فَعَلَيهِ أَن يَأْتِيهِ بِدَابَّة أُخْرَى وَأما الرباع فَتكون مياومة ومشاهرة ومسانهة إِلَى سنة أَو سنتَيْن لَا تَتَغَيَّر فِي مثلهَا وَيَقَع الْكِرَاء فِيهَا على وَجْهَيْن ((أَحدهمَا)) تعْيين الْمدَّة فيلزمهما وَلَيْسَ لأَحَدهمَا حل الْكِرَاء إِلَّا برضى الآخر ((وَالثَّانِي)) إِبْهَام الْمدَّة كَقَوْلِه أَكْرِي بِكَذَا وَكَذَا للشهر فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا حل الْكِرَاء مَتى شَاءَ وَيُؤَدِّي من الْكِرَاء بِحَسب مَا سكن وَمثل ذَلِك

стр. 179

قَالَ ابْن الْمَاجشون إِلَّا أَنه قَالَ يلْزمهُمَا الشَّهْر الأول فَإِن انْهَدم جَمِيعهَا انْتقض الْكِرَاء وَإِن انْهَدم بَعْضهَا لم يلْزم رَبهَا إصلاحها عِنْد ابْن الْقَاسِم خلافًا لغيره وَيجوز كراؤها من ذمِّي إِذا لم يشْتَرط فِيهَا بيع الْخمر وَالْخِنْزِير وَاخْتلف فِي كنس مراحيض الديار هَل هُوَ على رب الدَّار أَو على الْمُكْتَرِي وَقيل يحملون على الْعَادة وَيجوز كِرَاء بيُوت مَكَّة وَبَيْعهَا وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل يمْنَع وفَاقا لأبي حنيفَة وَقيل يكره بِنَاء على إِن فتحهَا صلح أَو عنْوَة وَأما الأَرْض فَيجوز كراؤها بِشَرْطَيْنِ (الأول) أَن تكون بَيْضَاء أَو يكون سوادها يَسِيرا تَابعا لبياضها ومقداره الثُّلُث من قيمَة الْكِرَاء فَأَقل (الثَّانِي) أَن لَا تكرى بِمَا تنْبت سَوَاء كَانَ طَعَاما كالقمح أَو غير طَعَام كالكتان وَلَا بِطَعَام سَوَاء كَانَ ينْبت فِيهَا أَو لَا ينْبت كالعسل وَاللَّحم وَقَالَ ابْن نَافِع لَا تكري بشعير وَلَا قَمح وَلَا سلت وتكرى بِمَا سوى ذَلِك على أَن يزرع فِيهَا خلاف مَا تكرى بِهِ وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز كراؤها بِالطَّعَامِ وَغَيره إِلَّا بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا كالثلث وَالرّبع للْجَهَالَة وَأَجَازَ سعيد بن الْمسيب وَاللَّيْث بن سعد كراءها بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا وَأخذ بِهِ بعض الأندلسيين وَهِي إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي خالفوا فِيهَا مَالِكًا وَأَجَازَ قوم كراءها بِكُل شَيْء وَمنع قوم كراءها مُطلقًا وَإِذا أكرى أَرضًا ليزرع فِيهَا صنفا فَلهُ أَن يزرع غَيره مِمَّا هُوَ مثله فِي مضرَّة الأَرْض أَو أقل ضَرَرا مِنْهُ لَا أَكثر ضَرَرا وَلَا يحط الْكِرَاء بِمَا يُصِيب الزَّرْع من جَائِحَة غير الْقَحْط وَلَا يجوز النَّقْد إِلَّا فِي الأَرْض المأمونة وَأما الْعرُوض كالثياب فَيجوز كراؤها وَاخْتلف فِي كِرَاء الْمُصحف وَفِي كِرَاء الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم لتزيين الحوانيت (الْفَصْل الرَّابِع) فِي مسَائِل مُتَفَرِّقَة وَهِي سِتّ (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي فسخ الْكِرَاء وَالْإِجَارَة وَيُوجب الْفَسْخ وجود عَيبه أَو ذهَاب مَحل الْمَنْفَعَة كانهدام الدَّار كلهَا وغصبها فَإِن انْهَدم بَعْضهَا لم يَنْفَسِخ الْكِرَاء وَلم يجْبر رب الدَّار على إصلاحها وَحط عَن الْمُكْتَرِي مَا يَنُوب المنهدم عِنْد ابْن الْقَاسِم وَقَالَ غَيره يجْبر على إِصْلَاحه وَلَا يَنْفَسِخ بِمَوْت أحد الْمُتَعَاقدين وَلَا بِعُذْر طاريء على الْمُكْتَرِي مثل أَن يكتري حانوتا فيحرق مَتَاعه أَو يسرق خلافًا لأبي حنيفَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِن ظهر من مكتري الدَّار فسوق أَو سَرقَة لم يَنْفَسِخ الْكِرَاء وَلَكِن السُّلْطَان يكف أَذَاهُ وَإِن رأى أَن يُخرجهُ أخرجه وإكراها عَلَيْهِ وَبَيْعهَا على مَا لكها إِن ظهر ذَلِك مِنْهُ ويعاقبه (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) يجوز بيع الرباع وَالْأَرْض المكتراة خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَا يَنْفَسِخ الْكِرَاء وَيكون وَاجِب الْكِرَاء فِي بَقِيَّة مُدَّة الْكِرَاء للْبَائِع وَلَا يجوز أَن يَشْتَرِطه المُشْتَرِي لِأَنَّهُ يؤول إِلَى الرِّبَا إِلَّا إِن كَانَ البيع بِعرْض وَإِن لم يعلم المُشْتَرِي أَن الأَرْض مكتراة فَذَلِك عيب لَهُ الْقيام بِهِ (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) من اكترى عرضا أَو دَابَّة لم يضمنهَا إِلَّا بِالتَّعَدِّي لِأَن يَده يَد أَمَانَة بِخِلَاف الصَّانِع فَإِنَّهُ يضمن مَا غَابَ عَلَيْهِ إِذا كَانَ قد نصب نَفسه للنَّاس وسنستوفي ذَلِك فِي تضمين الصَّانِع (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) من عمل لأحد عملا بِغَيْر أمره أَو أوصل نفعا من مَال أَو غَيره لزمَه دفع أجرته أَو مَا نابه إِن كَانَ من الْأَعْمَال الَّتِي لَا بُد لَهُ من

стр. 180

الإستيجار عَلَيْهَا أَو من المَال الَّذِي لَا بُد لَهُ من إِنْفَاقه (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) فِي الإختلاف إِذا اخْتلف الصَّانِع والمصنوع لَهُ فِي صفة الصَّنْعَة فَالْقَوْل قَول الصَّانِع خلافًا لأبي حنيفَة وَإِذا ادّعى الصَّانِع رد مَا اسْتَأْجر عَلَيْهِ لم يصدق إِلَّا بِبَيِّنَة وَإِذا اخْتلفَا فِي دفع الْأُجْرَة فَالْمَشْهُور أَن القَوْل قَول الاجير مَعَ يَمِينه إِن قَامَ بحدثان ذَلِك وَإِن طَال فَالْقَوْل للْمُسْتَأْجر وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلف الْمكْرِي والمكتري (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) إِذا وَقع الْكِرَاء وَالْإِجَارَة على وَجه فَاسد فسخ فَإِذا كَانَت الْمَنْفَعَة قد استوفيت رَجَعَ إِلَى كِرَاء الْمثل أَو أُجْرَة الْمثل الْبَاب الثَّانِي فِي الْمُسَاقَاة وَهِي أَن يدْفع الرجل شَجَرَة لمن يخدمها وَتَكون غَلَّتهَا بَينهمَا وفيهَا سِتّ مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي حكمهَا وَهِي جَائِزَة مُسْتَثْنَاة من أصلين ممنوعين وَهِي الْإِجَارَة المجهولة وَبيع مَا لم يخلق وَلذَلِك منعهَا أَبُو حنيفَة مُطلقًا وَإِنَّمَا أجازها غَيره لفعل رَسُول الله ﷺ مَعَ يهود خَيْبَر فِي نخيلها فقصر الظَّاهِرِيَّة جَوَازهَا على النخيل خَاصَّة وَللشَّافِعِيّ على النخيل وَالْأَعْنَاب وأجازها مَالك فِي جَمِيع الْأَشْجَار والزروع مَا عدا الْبُقُول (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي شُرُوطهَا تجوز فِي الْأُصُول الثَّابِتَة كالكرم والنخيل والتفاح وَالرُّمَّان وَغير ذَلِك بِشَرْطَيْنِ (أَحدهمَا) أَن تعقد الْمُسَاقَاة قبل بَدو صَلَاح الثَّمَرَة وَجَوَاز بيعهَا وَلم يَشْتَرِطه سَحْنُون وَلَا الشَّافِعِي (الثَّانِي) أَن تعقد إِلَى أجل مَعْلُوم وَتكره فِيمَا طَال من السنين وَتجوز فِي الْأُصُول غير الثَّابِتَة كالمقاثي وَالزَّرْع بأَرْبعَة شُرُوط الشرطان الْمَذْكُورَان ثمَّ (الثَّالِث) أَن تعقد بعد ظُهُوره من الأَرْض (الرَّابِع) أَن يعجز عَنهُ ربه (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) الْعَمَل فِي الْحَائِط على ثَلَاثَة أَقسَام ((أَحدهَا)) مَا لَا يتَعَلَّق بالثمرة فَلَا يلْزم الْعَامِل بِالْعقدِ وَلَا يجوز أَن يشْتَرط عَلَيْهِ ((الثَّانِي)) مَا يتَعَلَّق بالثمرة وَيبقى بعْدهَا كإنشاء حفر بِئْر أَو عين أَو ساقية أَو بِنَاء بَيت يخزن فِيهِ التَّمْر أَو غرس فَلَا يلْزمه أَيْضا وَلَا يجوز أَن يشْتَرط عَلَيْهِ ((الثَّالِث)) مَا يتَعَلَّق بالثمرة وَلَا يبْقى فَهُوَ عَلَيْهِ بِالْعقدِ كالحفر والزبر والتقليم والسقي والتذكير والجذاذ وَشبه ذَلِك وَأما سد الحظار وَهُوَ تحصين الْجِدَار وَإِصْلَاح الصفيرة وَهُوَ مجْرى المَاء إِلَى الصهريج فَلَا يلْزمه وَيجوز اشْتِرَاطهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يسير وَعَلِيهِ جَمِيع الْمُؤَن من الْآلَات والأجراء وَالدَّوَاب ونفقتهم (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) يكون لِلْعَامِلِ جُزْء من الثَّمَرَة الثُّلُث أَو النّصْف أَو غير ذَلِك حَسْبَمَا يتفقان عَلَيْهِ وَيجوز أَن تكون لَهُ كلهَا وَلَا يجوز أَن يشْتَرط أَحدهمَا لنَفسِهِ مَنْفَعَة زَائِدَة كدنانير أَو دَرَاهِم وَتجوز مُسَاقَاة حَوَائِط عدَّة فِي صفقات مُتعَدِّدَة بِجُزْء مُتَّفق أَو مُخْتَلف وَأما فِي صَفْقَة وَاحِدَة فبجزء مُتَّفق لَا غير (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) إِن كَانَ مَعَ الشّجر أَرض بَيْضَاء فَإِن كَانَ الْبيَاض أَكثر من الثُّلُث لم يجز أَن

стр. 181

يدْخل فِي الْمُسَاقَاة وَلَا أَن يلغى لِلْعَامِلِ بل يبْقى لرَبه وَإِن كَانَ أقل جَازَ أَن يلغى لِلْعَامِلِ وَأَن يدْخل فِي الْمُسَاقَاة وَأَجَازَ ابْن حَنْبَل دُخُوله فِي الْمُسَاقَاة مُطلقًا (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) إِذا وَقعت الْمُسَاقَاة فَاسِدَة فَإِن عثر عَلَيْهَا قبل الْعَمَل فسخت وَإِن عثر عَلَيْهَا بعد الْعَمَل فَاخْتلف هَل ترد إِلَى أُجْرَة الْمثل أَو مُسَاقَاة الْمثل وَإِن عثر عَلَيْهَا بعد الشُّرُوع فِي الْعَمَل وَقبل فَرَاغه وَقبل تَمام الْمدَّة المحدودة فعلى القَوْل بِإِجَارَة الْمثل يفْسخ وَيكون لَهُ فِيمَا عمل إِلَى وَقت العثور عَلَيْهِ أُجْرَة مثله وعَلى القَوْل بمساقاة الْمثل لَا يفْسخ بل يمْضِي وَتَكون لَهُ فِيهِ مُسَاقَاة الْمثل الْبَاب الثَّالِث فِي الْمُزَارعَة والمغارسة أما الْمُزَارعَة فَهِيَ الشّركَة فِي الزَّرْع وَتجوز بِشَرْطَيْنِ عِنْد ابْن الْقَاسِم (أَحدهمَا) السَّلامَة من كِرَاء الأَرْض بِمَا تنْبت (الثَّانِي) تكافؤ الشَّرِيكَيْنِ فِيمَا يخرجَانِ وأجازها عِيسَى بن دِينَار وَإِن لم يتكافئا وَبِه جرى الْعَمَل بالأندلس وأجازها قوم وَإِن وَقع فِيهَا كِرَاء الأَرْض بِمَا تنْبت فَإِن كَانَت الأَرْض من أَحدهمَا وَالْعقل من الآخر فَلَا بُد أَن يَجْعَل رب الأَرْض حَظه من الزريعة لِئَلَّا يكون كِرَاء الأَرْض بِمَا تنْبت وَإِن كَانَت الأَرْض بَينهمَا بتملك أَو كِرَاء جَازَ أَن تكون الزريعة من عِنْدهمَا مَعًا أَو من عِنْد أَحدهمَا إِذا كَانَ فِي مقابلتها عمل من الآخر فرع إِذا وَقعت الْمُزَارعَة فَاسِدَة فَإِن عثر عَلَيْهَا قبل الْعَمَل فسخت وَإِن فَاتَت بِالْعَمَلِ فَقيل الْغلَّة لصَاحب الزريعة وَعَلِيهِ لأَصْحَابه الْكِرَاء فِيمَا أَخْرجُوهُ وَقيل لصَاحب الْعَمَل وَقيل لمن اجْتمع لَهُ شَيْئَانِ من ثَلَاثَة الزريعة وَالْأَرْض وَالْعَمَل وَأما المغارسة فَهِيَ أَن يدْفع الرجل أرضه لمن يغْرس فِيهَا شَجرا وَهِي على ثَلَاثَة أوجه (الأول) إِجَارَة وَهُوَ أَن يغْرس لَهُ بِأُجْرَة مَعْلُومَة (الثَّانِي) جعل وَهُوَ أَن يغْرس لَهُ شَجرا على أَن يكون لَهُ نصيب فِيمَا ينْبت مِنْهَا خَاصَّة (الثَّالِث) مُتَرَدّد بَين الْإِجَارَة والجعل وَهُوَ أَن يغْرس لَهُ على أَن يكون لَهُ نصيب مِنْهَا كلهَا وَمن الأَرْض فَيجوز بِخَمْسَة شُرُوط ((أَحدهَا)) أَن يغْرس فِيهَا أشجارا ثَابِتَة الْأُصُول دون الزَّرْع والمقاثي والبقول ((الثَّانِي)) أَن تتفق أَصْنَاف الْأَجْنَاس أَو تتقارب فِي مُدَّة إطعامها فَإِن اخْتلفت اخْتِلَافا متباينا لم يجز ((الثَّالِث)) أَن لَا يضْرب لَهَا أجل إِلَى سِنِين كَثِيرَة فَإِن ضرب لَهَا أجل إِلَى مَا فَوق الْإِطْعَام لم يجز وَإِن كَانَ دون الْإِطْعَام جَازَ وَإِن كَانَ إِلَى الْإِطْعَام فَقَوْلَانِ ((الرَّابِع)) أَن يكون لِلْعَامِلِ حَظه من الأَرْض وَالشَّجر فَإِن كَانَ لَهُ حَظه من أَحدهمَا خَاصَّة لم يجز إلاان جعل لَهُ مَعَ الشّجر موَاضعهَا من الأَرْض دون سَائِر الأَرْض ((الْخَامِس)) أَن

стр. 182

لَا تكون المغارسة فِي أَرض محبسة لِأَن المغارسة كَالْبيع مَسْأَلَة يمْنَع فِي المغارسة وَالْمُسَاقَاة والمزارعة شَيْئَانِ (الأول) أَن يشْتَرط أَحدهمَا لنَفسِهِ شَيْئا دون الآخر إِلَّا الْيَسِير (الثَّانِي) اشْتِرَاط السّلف فرع إِذا وَقعت المغارسة فَاسِدَة فلرب الأَرْض الْخِيَار بَين أَن يُعْطي الْمُسْتَأْجر قيمَة الْغَرْس أَو يَأْمُرهُ بقلعه وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ لَهُ الْقلع الْبَاب الرَّابِع فِي الْقَرَاض ويسميه الْعِرَاقِيُّونَ الْمُضَاربَة وَصفته أَن يدْفع رجل مَالا لآخر ليتجر بِهِ وَيكون الْفضل بَينهمَا حَسْبَمَا يتفقان عَلَيْهِ من النّصْف أَو الثُّلُث أَو الرّبع أَو غير ذَلِك بعد إِخْرَاج رَأس المَال والقراض جَائِز مُسْتَثْنى من الْغرَر وَالْإِجَارَة المجهولة وَإِنَّمَا يجوز بِسِتَّة شُرُوط ((الأول)) أَن يكون رَأس المَال دَنَانِير أَو دَرَاهِم فَلَا يجوز بالعروض وَغَيرهَا وَاخْتلف فِي التبر ونقار الذَّهَب وَالْفِضَّة وَفِي الْفُلُوس فَإِن كَانَ لَهُ دين على رجل لم يجز أَن يَدْفَعهُ لَهُ قراضا عِنْد الْجُمْهُور وَكَذَلِكَ إِن كَانَ لَهُ دين على آخر فَأمره بِقَبْضِهِ ليقارض بِهِ ((الثَّانِي)) أَن يكون الْجَزَاء مُسَمّى كالنصف وَلَا يجوز أَن يكون مَجْهُولا ((الثَّالِث)) أَن لَا يضْرب أجل الْعَمَل خلافًا لأبي حنيفَة ((الرَّابِع)) أَن لَا يَنْضَم إِلَيْهِ عقد آخر كَالْبيع وَغَيره ((الْخَامِس)) أَن لَا يحْجر على الْعَمَل فيقصر على سلْعَة وَاحِدَة أَو دكان ((السَّادِس)) أَن لَا يشْتَرط أَحدهمَا لنَفسِهِ شَيْئا ينْفَرد بِهِ من الرِّبْح وَيجوز أَن يشْتَرط الْعَامِل الرِّبْح كُله خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَا يجوز أَن يشْتَرط الضَّمَان على الْعَامِل خلافًا لأبي حنيفَة وَاخْتلف فِي اشْتِرَاط أَحدهمَا على الآخر زَكَاة نصِيبه من الرِّبْح فروع سَبْعَة (الْفَرْع الأول) إِذا وَقع الْقَرَاض فَاسِدا فسخ فَإِن فَاتَ بِالْعَمَلِ أعْطى الْعَامِل قِرَاض الْمثل عِنْد أَشهب وَقيل أُجْرَة الْمثل مُطلقًا وفَاقا لَهما وَقَالَ ابْن الْقَاسِم أُجْرَة الْمثل إِلَّا فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَهِي قرض بِعرْض أَو لأجل أَو بِضَمَان أَو بحظ مَجْهُول (الْفَرْع الثَّانِي) لِلْعَامِلِ النَّفَقَة من مَال الْقَرَاض فِي السّفر لَا فِي الْحَضَر إِن كَانَ المَال يحمل ذَلِك خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع الثَّالِث) لَا يفْسخ الْقَرَاض بِمَوْت أحد المتقارضين ولورثة الْعَامِل الْقيام بِهِ إِن كَانُوا أُمَنَاء أَو يَأْتُوا بأمين (الْفَرْع الرَّابِع) لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَن يَبِيع بدين إِلَّا أَن يُؤذن لَهُ خلافًا لأبي حنيفَة وَلَيْسَ لَهُ أَن يأتمن على المَال أحدا وَلَا يودعه وَلَا يُشَارِكهُ فِيهِ وَلَا يَدْفَعهُ قراضا فَإِن فعل شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ ضَامِن (الْفَرْع الْخَامِس) إِذا خلط الْعَامِل مَاله بِمَال الْقَرَاض من غير إِذن رب المَال فَهُوَ غير مُتَعَدٍّ خلافًا لَهما (الْفَرْع السَّادِس) الخسران والضياع على رب المَال دون الْعَامِل إِلَّا أَن يكون مِنْهُ تَفْرِيط

стр. 183

(الْفَرْع السَّابِع) لَا يجوز أَن يهدي رب المَال إِلَى الْعَامِل وَلَا الْعَامِل إِلَى رب المَال لأانه يُؤَدِّي إِلَى سلف جر مَنْفَعَة الْبَاب الْخَامِس فِي الشّركَة وَهِي ثَلَاثَة أَنْوَاع شركَة الْأَمْوَال وَشركَة الْأَبدَان وَشركَة الْوُجُوه فَأَما شركَة الْأَمْوَال فَتجوز فِي الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَاخْتلف فِي جعل أَحدهمَا دَنَانِير وَالْآخر دَرَاهِم فَمَنعه ابْن الْقَاسِم لِأَنَّهُ شركَة وَصرف وَتجوز فِي الْعرُوض بِالْقيمَةِ وَاخْتلف فِي جَوَازهَا بِالطَّعَامِ وعَلى القَوْل بِالْجَوَازِ يشْتَرط اتِّفَاق الطعامين فِي الْجَوْدَة وَالشَّرِكَة فِي الْأَمْوَال على نَوْعَيْنِ شركَة عنان وَشركَة مُفَاوَضَة فشركة الْعَنَان أَن يَجْعَل كل وَاحِد من الشَّرِيكَيْنِ مَالا ثمَّ يخلطاه أَو يجعلاه فِي صندوق وَاحِد ويتجرا بِهِ مَعًا وَلَا يستبد أَحدهمَا بِالتَّصَرُّفِ دون الآخر وَشركَة الْمُفَاوضَة أَن يُفَوض كل وَاحِد مِنْهُمَا التَّصَرُّف للْآخر فِي حُضُوره وغيبته وَيلْزمهُ كل مَا يعمله شَرِيكه وَمنع الشَّافِعِي شركَة الْمُفَاوضَة وَاشْتِرَاط أَبُو حنيفَة فِيهَا تَسَاوِي رُؤُوس الْأَمْوَال وَيجب فِي شركَة الْأَمْوَال أَن يكون الرِّبْح بَينهمَا على حسب نصيب كل وَاحِد مِنْهُمَا من المَال وَلَا يجوز أَن يشْتَرط أَحدهمَا من الرِّبْح أَكثر من نصِيبه من المَال خلافًا لأبي حنيفَة وَمَا فعله أحد الشَّرِيكَيْنِ من مَعْرُوف فَهُوَ فِي نصِيبه خَاصَّة إِلَّا أَن يكون مِمَّا ترجى بِهِ مَنْفَعَة فِي التِّجَارَة كضيافة التُّجَّار وَشبه ذَلِك وَأما شركَة الْأَبدَان فَهِيَ فِي الصَّنَائِع والأعمال وَهِي جَائِزَة خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِنَّمَا تجوز بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا اتِّفَاق الصِّنَاعَة كخياطين وحدادين وَلَا تجوز مَعَ اخْتِلَاف الصِّنَاعَة كخياط ونجار وَالشّرط الثَّانِي اتِّفَاق الْمَكَان الَّذِي يعملان فِيهِ فَإِن كَانَا فِي موضِعين لم يجز خلافًا لأبي حنيفَة فِي الشَّرْطَيْنِ وَإِذا كَانَ لأَحَدهمَا أدوات الْعَمَل دون الآخر فَإِن كَانَت تافهة ألغاها وَإِن كَانَت لَهَا خطر اكترى حِصَّته مِنْهَا وَأما شركَة الْوُجُوه فَهِيَ أَن يشتركا على غير مَال وَلَا عمل وَهِي الشّركَة على الذمم بِحَيْثُ إِذا اشتريا شَيْئا كَانَ فِي ذمتهما وَإِذا باعاه اقْتَسمَا ربحه وَهِي غير جَائِزَة خلافًا لأبي حنيفَة تَلْخِيص أجَاز مَالك شركَة الْعَنَان والمفاوضة والأبدان وَمنع شركَة الْوُجُوه وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة الْأَرْبَعَة وَأَجَازَ الشَّافِعِي الْعَنَان خَاصَّة الْبَاب السَّادِس فِي الْقِسْمَة وَهِي نَوْعَانِ قسْمَة الرّقاب وَقِسْمَة الْمَنَافِع فَأَما قسْمَة الرّقاب فَهِيَ على

стр. 184

ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهمَا قسْمَة قرعَة بعد تَقْوِيم وتعديل وَهِي الَّتِي يقْضى بهَا على من أَبَاهَا فِيمَا يحْتَمل الْقسم وَلَا تجوز فِي الْمكيل وَالْمَوْزُون وَلَا فِي الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة الْأَصْنَاف المتباينة وَلَا يجمع فِيهَا بَين حظين فِي الْقسم وَلَا إِذا كَانَ مَعَ أحد السِّهَام دَنَانِير وَيرجع فِيهَا بِالْغبنِ إِذا ظهر وَكَانَ الْقيام بحدثان الْقِسْمَة وَتجوز فِي الديار إِذا تقاربت أماكنها واستوت الرَّغْبَة فِيهَا وَلَا يجمع فِيهَا بَين دَار وجنان وَلَا بَين طيب ورديء فِي الْأَرْضين وَغَيرهَا وَصفَة الْقرعَة أَن تكْتب أَسمَاء الشُّرَكَاء فِي رقاع وَتجْعَل فِي طين أَو شمع وتكتب أَسمَاء الْمَوَاضِع المقسومة ثمَّ تخرج أول رقْعَة من الْأَسْمَاء ثمَّ أول رقْعَة من الْمَوَاضِع فَيعْطى من خرج اسْمه نصِيبه فِي ذَلِك الْموضع وَذَلِكَ بعد أَن تقسم الْفَرِيضَة وَتقوم الْأَمْلَاك المقسومة ثمَّ تقسم قيمتهَا على سِهَام الْفَرِيضَة وَإِذا قسمت الْفَرِيضَة فَكَانَ لجَماعَة سهم وَاحِد قسم كَأحد سِهَام الْفَرِيضَة ثمَّ قسم بَين أربابه قسْمَة ثَانِيَة وَالثَّانِي قسْمَة مراضاة بعد تَقْوِيم وتعديل فَهَذِهِ لَا يقْضى بهَا على من أَبَاهَا وَيجمع فِيهَا بَين حظين وَبَين الْأَجْنَاس والأصناف والمكيل وَالْمَوْزُون حاشا مَا يدّخر من الطَّعَام مِمَّا لَا يجوز التَّفَاضُل فِيهِ ويقام بِالْغبنِ فِيهَا أَيْضا لدُخُول كل وَاحِد من المتقاسمين على قيمَة مقدرَة وَالثَّالِث قسْمَة مراضاة بِلَا تَقْوِيم وَلَا تَعْدِيل فَحكمهَا حكم المراضاة بعد التَّقْوِيم وَالتَّعْدِيل إِلَّا فِي الْقيام بِالْغبنِ وَهَذَا الْقسم بيع من الْبيُوع بِاتِّفَاق وَاخْتلف فِي الْقسمَيْنِ اللَّذين قبله هَل هما بيع أَو تَمْيِيز حق وَأما قسْمَة الْمَنَافِع فَلَا تجوز بِالْقُرْعَةِ وَلَا يجْبر عَلَيْهَا من أَبَاهَا خلافًا لأبي حنيفَة وَهِي على وَجْهَيْن قسْمَة فِي الْأَعْيَان مثل أَن يسكن أَحدهمَا دَارا ويسكن الآخر أُخْرَى ة يركب أَحدهمَا فرسا وَالْآخر أُخْرَى وَقِسْمَة بالأزمان مثل أَن يسكن أَحدهمَا الدَّار شهرا ويسكنها الآخر شهرا آخر فروع خَمْسَة (الْفَرْع الأول) إِن كَانَ الشَّيْء الْمُشْتَرك مِمَّا يحْتَمل الْقِسْمَة بِلَا ضَرَر كالأرضين وَغَيرهَا فَأَرَادَ أحد الْوَرَثَة الْقِسْمَة وأباها بَعضهم أجبر من أَبى على الْقِسْمَة وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يقسم أجبر على بيع حَظه ثمَّ يقتسمون الثّمن وَاخْتلف فِيمَا تَتَغَيَّر صفته بِالْقِسْمَةِ كالحمام هَل يقسم أَو يُبَاع (الْفَرْع الثَّانِي) أُجْرَة القسام على عدد الرؤوس لَا على مِقْدَار السِّهَام وَكَذَلِكَ أُجْرَة كَاتب الْوَثِيقَة وَكَذَلِكَ أُجْرَة كنس مراحيض الديار (الْفَرْع الثَّالِث) الْقِسْمَة بِالتَّحَرِّي فِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال الْمَنْع مُطلقًا وَالْجَوَاز فِيمَا يُوزن لَا فِيمَا يُكَال وَالْجَوَاز فِيمَا يجوز التَّفَاضُل فِيهِ بِخِلَاف الرِّبَوِيّ فَلَا يجوز التَّحَرِّي فِيهِ إِلَّا فِي الْخبز وَاللَّحم وَالتَّمْر فِي رُؤُوس النّخل (الْفَرْع الرَّابِع) لَا تجوز قسْمَة الزَّرْع حَتَّى يحصد ويدرس ويصفى (الْفَرْع الْخَامِس) لَا تجوز قسْمَة الأَرْض الَّتِي فِيهَا زرع وَالشَّجر الَّتِي فِيهَا ثَمَر حَتَّى يطيب الزَّرْع وَالثَّمَر بِشَرْط أَن تقع الْقِسْمَة فِي الْأُصُول لَا فِي الزروع وَلَا فِي الثِّمَار

стр. 185

الْبَاب السَّابِع فِي الشُّفْعَة تجب الشُّفْعَة بِخَمْسَة شُرُوط (الشَّرْط الأول) أَن تكون فِي الْعقار كالدور وَالْأَرضين والبساتين والبئر وَاخْتلف فِي الْمَذْهَب فِي الشُّفْعَة فِي الْأَشْجَار وَفِي الثِّمَار فروى مَالك رِوَايَتَيْنِ وبالمنع قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَاخْتلف أَيْضا فِيمَا لَا يقسم من الْعقار كالحمام وَشبهه وَفِي الدّين والكراء وَلَا شُفْعَة فِي الْحَيَوَان وَالْعرُوض عِنْد الْجُمْهُور (الشَّرْط الثَّانِي) أَن يكون فِي الإشاعة لم يَنْقَسِم فَإِن قسم فَلَا شُفْعَة (الشَّرْط الثَّالِث) أَن يكون الشَّفِيع شَرِيكا فَلَا شُفْعَة لِجَار خلافًا لأبي حنيفَة (الشَّرْط الرَّابِع) أَن لَا يظْهر من الشَّفِيع مَا يدل على إِسْقَاط الشُّفْعَة من قَول أَو فعل أَو سكُوت مُدَّة من عَام فَأكْثر مَعَ علمه وحضوره فَإِن كَانَ غَائِبا وَلم يعلم لم تسْقط شفعته اتِّفَاقًا وَإِن علم وَهُوَ غَائِب لم تسْقط خلافًا لقوم وَقَالَ قوم تسْقط الشُّفْعَة بعد سُكُوته ثَلَاثَة أَيَّام وَتسقط الشُّفْعَة إِذا أسقطها بعد الشِّرَاء وَلَا تسْقط إِن أسقطها قبل الشِّرَاء وَكَذَلِكَ تسْقط إِذا ساوم المُشْتَرِي فِي الشّقص أَو اكتراه مِنْهُ وَسكت حَتَّى أحدث فِيهِ غرسا أَو بناه (الشَّرْط الْخَامِس) أَن يكون الْحَظ الْمَشْفُوع فِيهِ قد صَار للمشفوع عَلَيْهِ بمعاوضة كَالْبيع وَالْمهْر وَالْخلْع وَالصُّلْح عَن الدَّم فَإِن صَار لَهُ بميراث فَلَا شُفْعَة فِيهِ اتِّفَاقًا وَإِن صَار لَهُ بِهِبَة فَفِيهِ قَولَانِ قيل تجب الشُّفْعَة وَقيل لَا تجب وقصرها أَبُو حنيفَة على البيع فَإِذا وَجَبت الشُّفْعَة لِشَرِيك وَقَامَ بهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذ الْحَظ الْمَشْفُوع فِيهِ بِالثّمن الَّذِي صَار بِهِ للمشفوع عَلَيْهِ فَإِن كَانَ حَالا على الْمَشْفُوع عَلَيْهِ حل على الشَّفِيع وَإِن كَانَ مُؤَجّلا على الْمَشْفُوع عَلَيْهِ أجل على الشَّفِيع وَإِن لم يَأْخُذهُ الْمَشْفُوع عَلَيْهِ بِثمن مَعْلُوم كدفعه فِي مهر أَو صلح أَخذه الشَّفِيع بِقِيمَتِه فروع ثَمَانِيَة (الْفَرْع الأول) إِذا وَجَبت الشُّفْعَة لجَماعَة اقتسموا الْمَشْفُوع فِيهِ على قدر حظوظهم وَقَالَ أَبُو حنيفَة على قدر رؤوسهم وَإِن سلم بَعضهم فللآخر أَخذ الْجَمِيع أَو تَركه وَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ نصِيبه خَاصَّة إِلَّا إِن أَبَاحَهُ لَهُ المُشْتَرِي (الْفَرْع الثَّانِي) الشُّفْعَة موروثة خلافًا لأبي حنيفَة (الْفَرْع الثَّالِث) تجب الشُّفْعَة للذِّمِّيّ كَمَا تجب للْمُسلمِ خلافًا لِابْنِ حَنْبَل (الْفَرْع الرَّابِع) يشفع ذَوُو السِّهَام فِيمَا بَاعه الْعصبَة وَلَا يشفع الْعصبَة فِيمَا بَاعه ذَوُو السِّهَام وَقيل لَا يشفع صنف مِنْهُم فِيمَا بَاعه الْعصبَة وَلَا يشفع الْعصبَة فِيمَا بَاعه ذَوُو السِّهَام وَقيل لَا يشفع صنف مِنْهُم فِيمَا بَاعه الآخر وَقيل بِالْعَكْسِ (الْفَرْع الْخَامِس) من وَجَبت لَهُ شُفْعَة على اثْنَيْنِ لم يكن لَهُ أَن يشفع على أَحدهمَا دون الآخر خلافًا لأَشْهَب (الْفَرْع السَّادِس) إِذا كَانَ للْمُشْتَرِي حِصَّة فِي المُشْتَرِي من قبل الشِّرَاء فَلهُ أَن يحاص الشَّفِيع فِي حِصَّته تِلْكَ (الْفَرْع السَّابِع) إِذا حبس المُشْتَرِي الشّقص المُشْتَرِي أَو وهبه أَو أوصى بِهِ أَو أقَال فِي بَيْعه بَطل ذَلِك كُله إِن قَامَ الشَّفِيع بِالشُّفْعَة (الْفَرْع الثَّامِن) إِذا بيع الشّقص مرَارًا فَللشَّفِيع أَن يَأْخُذ بِأَيّ الصفقات شَاءَ وَيبْطل مَا بعْدهَا لَا مَا قبلهَا

стр. 186

الْبَاب الثَّامِن فِي السّلف وَهُوَ الْقَرْض وَفِيه أَربع مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي حكمه وَهُوَ جَائِز وَفعل مَعْرُوف سَوَاء كَانَ بالحلول أَو مُؤَخرا إِلَى أجل مَعْلُوم وَإِنَّمَا يجوز بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن لَا يجر نفعا فَإِن كَانَت الْمَنْفَعَة للدافع منع اتِّفَاقًا للنَّهْي عَنهُ وَخُرُوجه عَن بَاب الْمَعْرُوف وَإِن كَانَت للقابض جَازَ وَإِن كَانَ بَينهمَا لم يجز لغير ضَرُورَة وَاخْتلف فِي الضَّرُورَة كَمَسْأَلَة السفاتج وَسلف طَعَام مسوس أَو معفون ليَأْخُذ سالما أَو مبلولا ليأخذه يَابسا فَيمْنَع فِي غير المسغبة اتِّفَاقًا وَيخْتَلف مَعهَا وَالْمَشْهُور الْمَنْع وَكَذَلِكَ من أسلف ليأخذه فِي مَوضِع آخر يمْنَع فِي مَا فِيهِ مئنة حمل وَيجوز أَن يصطلحهما على ذَلِك بعد الْحُلُول لَا قبله الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يَنْضَم إِلَى السّلف عقد آخر كَالْبيع وَغَيره (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِيمَا يجوز السّلف فِيهِ وَهُوَ كل مَا يجوز أَن يثبت فِي الذِّمَّة سلما من الْعين وَالطَّعَام وَالْعرُوض وَالْحَيَوَان إِلَّا الْجَوَارِي لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِعَارَة الْفروج وَقيل يجوز إِن أسلفت الْجَارِيَة لذِي محرم مِنْهَا أَو لمن لَا يلتذذ بِالنسَاء أَو كَانَت الْجَارِيَة لَا تحمل الوطس وَأَجَازَهُ فِيهِنَّ الْمَازِني وَمنعه أَبُو حنيفَة فِي كل حَيَوَان (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي أَدَائِهِ وَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يُؤَدِّي مثل مَا أَخذ أَو يردهُ بِعَيْنِه مَا دَامَ على صفته وَسَوَاء كَانَ من ذَوَات الْأَمْثَال وَهُوَ الْمَعْدُود والمكيل وَالْمَوْزُون أَو من ذَوَات الْقيم كالعروض وَالْحَيَوَان فَإِن وَقع السّلف فَاسِدا فسخ وَيرجع إِلَى الْمثل فِي ذَوَات الْأَمْثَال وَإِلَى الْقيمَة فِي غَيرهَا (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) إِذا أهْدى لصَاحب الدّين مديانه لم يجز لَهُ قبُولهَا لِأَنَّهُ يَئُول إِلَى زِيَادَة على التَّأْخِير وَقَالَ بَعضهم يجوز إِن كَانَ بَينهمَا من الِاتِّصَال مَا يعلم أَن الْهَدِيَّة لَهُ لَا للدّين وَفِي مبايعته لَهُ الْجَوَاز وَالْكَرَاهَة الْبَاب التَّاسِع فِي الْقَضَاء والاقتضاء وهما الدّفع وَالْقَبْض وَقد أَمر بِالْإِحْسَانِ والمسامحة فيهمَا وَفِي الْبَاب خمس مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي مِقْدَار الْمقْضِي وَيتَصَوَّر أَن يقْضِي مثل مَا عَلَيْهِ أَو أقل أَو أَكثر ثمَّ إِن الْقلَّة وَالْكَثْرَة تَكُونَانِ فِي الْمِقْدَار وَفِي الصّفة وَيتَصَوَّر أَيْضا أَن يقْضِي عِنْد الْأَجَل أَو قبله أَو بعده فَإِن قضى الْمثل جَازَ مُطلقًا فِي الْأَجَل وَقَبله وَبعده وَإِن قضى أقل صفة أَو مِقْدَارًا جَازَ فِي الْأَجَل وَبعده وَلم يجز مُطلقًا سَوَاء كَانَ أفضل صفة أَو مِقْدَارًا فِي الْأَجَل أَو قبله أَو بعده إِذا كَانَ الْفضل فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَمنع أَن دَار من الطَّرفَيْنِ لِخُرُوجِهِ عَن الْمَعْرُوف وَإِن كَانَ من السّلف

стр. 187

فَإِن كَانَ بِشَرْط أَو وعد أَو عَادَة منع مُطلقًا وَإِن كَانَ بِغَيْر شَرط وَلَا وعد وَلَا عَادَة جَازَ اتِّفَاقًا فِي الْأَفْضَل صفة لِأَن النَّبِي ﷺ استسلف بكرا وَقضى جملا بكرا خيارا وَاخْتلف فِي الْأَفْضَل مِقْدَارًا فَفِي الْمُدَوَّنَة لَا يجوز إِلَّا فِي الْيَسِير جدا وَأَجَازَهُ ابْن حبيب مُطلقًا (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير ثَلَاثَة أَنْوَاع قَائِمَة وَهِي الوافية الْوَزْن وفرادى وَهِي نَاقِصَة ومجموعة وَهِي المختلطة مِنْهُمَا فَيجوز اقْتِضَاء كل صنف مِنْهَا عَن نَفسه وَأَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَة اقْتِضَاء الْقَائِمَة عَن الْمَجْمُوعَة والفرادى وَمنع اقْتِضَاء الْمَجْمُوعَة عَن الْقَائِمَة والفرادى وَأَجَازَ اقْتِضَاء الفرادى عَن الْقَائِمَة دون الْمَجْمُوعَة (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) لَا يجوز بيع الدّين بِالدّينِ مثل أَن يَبِيع دينا لَهُ على رجل من رجل آخر بِالتَّأْخِيرِ وَكَذَلِكَ فسخ الدّين بِالدّينِ مثل أَن يدْفع الْغَرِيم لصَاحب الدّين ثَمَرَة يجنيها أَو دَارا يسكنهَا لتأخر الْقَبْض فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن بَاعَ الدّين من الْغَرِيم بِالتَّأْخِيرِ (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) السِّكَّة والصياغة معتبرتان فِي الِاقْتِضَاء وَاخْتلف فِي اعتبارهما فِي المراطلة فَإِن كَانَ التَّعَامُل بِالْوَزْنِ فالعدد مطروح وَإِن لم يكن التَّعَامُل بِالْوَزْنِ اعْتبر الْعدَد (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) من قبض دَرَاهِم من صراف أَو من دين لَهُ أَو ثمن سلْعَة ثمَّ ادّعى أَنه وجد زائفا أَو نَاقِصا وَأنكر الدَّافِع أَن يكون من دَرَاهِمه فَالْقَوْل قَول الدَّافِع مَعَ يَمِينه وَاخْتلف هَل يحلف على الْبَتّ أَو على الْعلم فَقيل يحلف على الْبَتّ فِي الزائف والناقص وَقيل على الْبَتّ فِي النَّاقِص وعَلى الْعلم فِي الزائف وَقيل يحلف الصراف على الْبَتّ فيهمَا بِخِلَاف الْمديَان وَأما نقص الْعدَد فَيحلف فِيهِ على الْبَتّ اتِّفَاقًا فِي الْمَذْهَب الْبَاب الْعَاشِر فِي الْمَأْذُون لَهُ ومعاملة العبيد وَفِيه ثَلَاث مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي ملك العَبْد وَهُوَ يملك مَاله إِلَّا أَنه ملك نَاقص عَن ملك الْحر لِأَن للسَّيِّد انْتِزَاعه عَنهُ مَتى شَاءَ إِجْمَاعًا وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة لَا يملك العَبْد أصلا فعلى الْمَذْهَب يجوز لَهُ التَّسَرِّي وَالْوَطْء بِملك يَمِينه بِإِذن سَيّده خلافًا لَهما (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) العَبْد على نَوْعَيْنِ مَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة وَغير مَأْذُون لَهُ فَأَما غير الْمَأْذُون لَهُ فَلَا يجوز شَيْء من تصرافاته لَا على وَجه الْمُعَارضَة كَالْبيع وَلَا على وَجه الْمَعْرُوف كَالْهِبَةِ وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق وَحكمه الْمَحْجُور يتَوَقَّف بَيْعه على إجَازَة سَيّده وَأما الْمَأْذُون لَهُ فَيجوز لَهُ من التَّصَرُّف كل مَا يدْخل فِي التِّجَارَة كالمعاوضة فَهُوَ فِي ذَلِك كَالْوَكِيلِ الْمُفَوض إِلَيْهِ فَإِن مَنعه سَيّده من التِّجَارَة بِالدّينِ فَاخْتلف هَل يجوز لَهُ أم لَا فَأَما هِبته وصدقته وعتقه فموقوف على إجَازَة السَّيِّد أَو رده فَإِن لم يعلم السَّيِّد حَتَّى أعتق مضى وَلزِمَ العَبْد وَلم يكن للسَّيِّد رده (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) كل مَا على الْمَأْذُون لَهُ من دُيُون يُؤَدِّيهَا من مَاله فَإِن لم يكن لَهُ مَال يَفِي بهَا تعلّقت بِذِمَّتِهِ وَلَا يلْزم السَّيِّد أَدَاؤُهَا عَنهُ وَلَا يُبَاع فِيهَا

стр. 188

خلافًا لقوم فروع ثَلَاثَة (الْفَرْع الأول) من بَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للْبَائِع إِلَّا أَن يَشْتَرِطه الْمُبْتَاع (الْفَرْع الثَّانِي) للسَّيِّد أَن يحْجر عَبده بعد إِذْنه لَهُ وَيعرف السُّلْطَان بذلك ويوقفه للنَّاس (الْفَرْع الثَّالِث) لَا يَنْبَغِي للسَّيِّد أَن يَأْذَن فِي التِّجَارَة لعبد غير مَأْمُون فِي دينه خوفًا من الرِّبَا والخيانة وَالْعَبْد الْكَافِر أولى بِالْمَنْعِ الْبَاب الْحَادِي عشر فِي التِّجَارَة إِلَى أَرض الْحَرْب ومعاملة الْكفَّار وَفِيه ثَلَاث مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) لَا تجوز التِّجَارَة إِلَى أَرض الْحَرْب وَقَالَ سَحْنُون هِيَ جرحة وَلَا يدْخل الْمُسلم بِلَادهمْ إِلَّا لمفاداة مُسلم وَيَنْبَغِي للْإِمَام أَن يمْنَع النَّاس من الدُّخُول إِلَيْهَا وَيجْعَل على الطَّرِيق من يصدهم (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) إِذا قدم أهل الْحَرْب إِلَى بِلَادنَا جَازَ الشِّرَاء مِنْهُم إِلَّا أَنه لَا يُبَاع مِنْهُم مَا يستعينون بِهِ على الْحَرْب ويرهبون بِهِ الْمُسلمين كالخيل وَالسِّلَاح والأولوية وَالْحَدِيد والنحاس وَلَا يُبَاع مِنْهُم من الْكسْوَة إِلَّا مَا بَقِي الْحر وَالْبرد لَا مَا يتزينون بِهِ فِي الْحَرْب وَالْكَنَائِس وَلَا يُبَاع مِنْهُم من الْأَطْعِمَة إِلَّا مَا يقتات بِهِ كالزيت وَالْملح والفاكهة (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) مُعَاملَة أهل الذِّمَّة جَائِزَة وَإِن كَانُوا يعْملُونَ بالربا ويبيعون الْخمر وَالْخِنْزِير على أنهقد كرّ مَالك أَن يَبِيع الْمُسلم سلْعَة من ذمِّي بدينا رأو دِرْهَم يعلم أَنه أَخذه من ثمن خمر أَو خِنْزِير وَكره أَيْضا أَن يُبَاع مِنْهُم بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِم المنقوشة لما فِيهَا من اسْم الله وَقَالَ ابْن رشد ومعاملة الذِّمِّيّ أخف من مُعَاملَة الْمُسلم المرابي إِذا تَابَ لم يحل لَهُ مَا أربى عَلَيْهِ بِخِلَاف الْكَافِر وَلَا يجوز من مُعَاملَة بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ إِلَّا مَا يجوز بَين الْمُسلمين فَإِن عَامله بِمَا لَا يجوز من البيع وَغَيره فَالْحكم فِيهِ كَالْحكمِ بَين الْمُسلمين الْبَاب الثَّانِي عشر فِي الْمُقَاصَّة فِي الدُّيُون وَهِي اقتطاع دين من دين وفيهَا متاركة ومعارضة وحوالة وَمِنْهَا مَا يجوز وَمِنْهَا لَا يجوز وَالْجَوَاز نظر للمتاركة وَالْمَنْع تَغْلِيب للمعاوضة أَو الْحِوَالَة إِذا لم تتمّ شُرُوطهَا وَإِذا قويت التُّهْمَة وَقع الْمَنْع وَإِن فقدت حصل الْجَوَاز وَإِن ضعفت حصل الْخلاف الَّذِي فِي مُرَاعَاة التهم الْبَعِيدَة فَإِذا كَانَ لرجل على آخر دين وَكَانَ لذَلِك الآخر عَلَيْهِ دين فَأَرَادَ اقتطاع أحد الدينَيْنِ من الآخر لتقع الْبَرَاءَة

стр. 189

بذلك فَفِي ذَلِك تَفْصِيل وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو أَن يتَّفق جنس الدينَيْنِ أَو يختلفا فَإِن اخْتلفَا جَازَت الْمُقَاصَّة مثل أَن يكون أحد الدينَيْنِ عينا وَالْآخر طَعَاما أَو عرضا أَو يكون أَحدهمَا عرضا وَالْآخر طَعَاما وَأَن اتّفق جنس الدينَيْنِ فَلَا يَخْلُو أَن يكون كل وَاحِد من الدينَيْنِ عينا أَو طَعَاما أَو عرُوضا فَإِن كَانَ الدينان عينا فَلَا يَخْلُو أَن يَكُونَا ذهبين أَو فضتين أَو أَحدهمَا ذَهَبا وَالْآخر فضَّة فَإِن كَانَ أَحدهمَا ذَهَبا وَالْآخر فضَّة جَازَت الْمُقَاصَّة إِن كَانَا قد حلا مَعًا وَلم يجز إِن لم يحلا أَو حل أَحدهمَا دون الآخر لِأَنَّهُ صرف مستأخر وَإِن كَانَا ذهبين أَو فضتين جَازَت الْمُقَاصَّة إِذا كَانَ أجل الدينَيْنِ قد حل فَإِن لم يحل أجلهما أَو حل الْوَاحِد مِنْهُمَا دون الآخر فَفِي ذَلِك قَولَانِ وَالْمَشْهُور الْجَوَاز بِنَاء على أَنَّهَا متاركة تَبرأ بهَا الذمم ونظرا إِلَى بعد التُّهْمَة وَقيل تمنع لِأَنَّهَا مُبَادلَة مستأخر وَإِن كَانَ الدينان طَعَاما فَلَا يَخْلُو أَن يكون من بيع أَو قرض فَإِن كَانَا من بيع لم تجز الْمُقَاصَّة سَوَاء حل الْأَجَل أَو لم يحل لِأَنَّهُ من بيع الطَّعَام قبل قَبضه وَإِن كَانَا من قرض جَازَ حل الْأَجَل أَو لم يحل وَإِن كَانَ الدينان عرضين فَتجوز الْمُقَاصَّة إِذا اتفقَا فِي الْجِنْس وَالصّفة سَوَاء حل الْأَجَل أَو لم يحل

стр. 190

= الْكتاب الْخَامِس فِي الْأَقْضِيَة والشهادات وَمَا يتَّصل بذلك وَفِيه عشرَة أَبْوَاب = الْبَاب الأول فِي حكم الْقَضَاء وَفِي نظر القَاضِي بِهِ وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول (الْفَصْل الأول) فِي حكم الْقَضَاء وَهُوَ فرض كِفَايَة ويجبعلى الإِمَام أَن ينصب للنَّاس قَاضِيا وَمن أَبى عَن الْولَايَة أجْبرهُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يطْلب الْقَضَاء وَإِن دعِي فَالْأولى لَهُ الِامْتِنَاع لِأَن الْقَضَاء بلية يعسر الْخَلَاص مِنْهَا إِلَّا إِذا تعين عَلَيْهِ فَيجب عَلَيْهِ الدُّخُول فِيهِ وَذَلِكَ إِذا لم يكن فِي جِهَته من يصلح للْقَضَاء غَيره (الْفَصْل الثَّانِي) فِيمَا ينظر فِيهِ القَاضِي وتحتوي ولَايَته على عشرَة أَشْيَاء (الأول) الْفَصْل بَين المتخاصمين إِمَّا بصلح عَن ترَاض وَإِمَّا بإجبار على حكم نَافِذ (الثَّانِي) قمع الظَّالِمين على الْغَصْب والتعدي وَغير ذَلِك ونصرة المظلومين وإيصال كل ذِي حق إِلَى حَقه (الثَّالِث) إِقَامَة الْحُدُود وَالْقِيَام بِحُقُوق الله تَعَالَى (الرَّابِع) النّظر فِي الدِّمَاء والجراح (الْخَامِس) النّظر فِي أَمْوَال الْيَتَامَى والمجانين وَتَقْدِيم الأوصياء عَلَيْهِم حفظا لأموالهم (السَّادِس) النّظر فِي الاحباس (السَّابِع) تَنْفِيذ الوصيا (الثَّامِن) عقد نِكَاح النِّسَاء إِذا لم يكن لَهُنَّ ولي أَو عضلهن الْوَلِيّ (التَّاسِع) النّظر فِي الْمصَالح الْعَامَّة من طرقات الْمُسلمين وَغير ذَلِك (الْعَاشِر) الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالْقَوْل وَالْفِعْل (الْفَصْل الثَّالِث) فِيمَا يقْضِي بِهِ وَلَا يقْضِي بِعِلْمِهِ سَوَاء علم بذلك قبل الْقَضَاء أَو بعده وَقَالَ ابْن الْمَاجشون يقْضِي بِمَا سَمعه من المتخاصمين فِي مجْلِس الحكم وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حُقُوق النَّاس لَا فِي الْحُدُود وَقَالَ الشَّافِعِي يقْضِي بِعِلْمِهِ على الاطلاق وعَلى الْمَذْهَب فَإِنَّمَا يحكم بِحجَّة ظَاهِرَة وَهِي سَبْعَة أَشْيَاء وَمَا يتركب مِنْهَا وَهِي اعْتِرَاف أَو شَهَادَة أَو يَمِين أَو نُكُول أَو حوز فِي المك أَو لوث مَعَ الْقسَامَة فِي الذماء أَو معرفَة العفاص والوقاء فِي اللّقطَة حَسْبَمَا يَأْتِي ذَلِك كُله فِي أبوابه (الْفَصْل الرَّابِع) فِي نقض الْقَضَاء إِذا أصَاب الْحَاكِم لم ينْقض حكمه أصلا

стр. 191

وَإِن أَخطَأ فَذَلِك على أَرْبَعَة أوجه ((الأول)) أَن يحكم بِمَا يُخَالف الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع فينقض هُوَ حكم نَفسه بذلك وينقضه القَاضِي الْوَالِي بعده وَيلْحق بذلك الحكم بالْقَوْل الشاذ (الثَّانِي) أَن يحكم بِالظَّنِّ والتخمين من غير معرفَة وَلَا اجْتِهَاد فينقضه أَيْضا هُوَ وَمن يَلِي بعده (الثَّالِث) أَن يحكم بعد الِاجْتِهَاد ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ الصَّوَاب فِي خلاف مَا حكم بِهِ فَلَا ينْقضه من ولي بِهِ وَاخْتلف هَل يتَبَيَّن لَهُ الصَّوَاب فِي خلاف مَا حكم بِهِ فَلَا ينْقضه من ولي بِهِ وَاخْتلف هَل ينْقضه هُوَ أم لَا (الرَّابِع) أَن يقْصد الحكم بِمذهب فيذهل وَيحكم بِغَيْرِهِ من الْمذَاهب فيفسخه هُوَ وَلَا يفسخه غَيره الْبَاب الثَّانِي فِي صِفَات القَاضِي وآدابه أما صِفَاته فنوعان وَاجِبَة ومستبحة فالواجبة عشر وَهِي أَن يكون مُسلما عَاقِلا بَالغا ذكرا حرا سميعا بَصيرًا متكلما عدلا عَارِفًا بِمَا يقْضِي بِهِ وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة قَضَاء الْمَرْأَة فِي الْأَمْوَال وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيّ مُطلقًا وَأما المستحبة فَهِيَ خمس عشرَة ((الأولى)) أَن يكون عَالما بِالْكتاب وَالسّنة بِحَيْثُ يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلَا يُقَلّد أحدا من الْأَئِمَّة وَقَالَ عبد الوهاب أَن ذَلِك وَاجِب وفَاقا للشَّافِعِيّ ((الثَّانِيَة)) أَن يكون عَارِفًا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْعَرَبيَّة ((الثَّالِثَة)) أَن يكون عَارِفًا بِعقد الشُّرُوط وَهِي الوثائق ((الرَّابِعَة)) أَن يكون ورعا فِي دينه والورع زِيَادَة على الْعَدَالَة ((الْخَامِسَة)) أَن يكون غَنِيا فَإِن كَانَ فَقِيرا أغناه الإِمَام وَأدّى عَنهُ دُيُونه ((السَّادِسَة)) أَن يكون صبورا ((السَّابِعَة)) أَن يكون وقورا عبوسا فِي غير غضب ((الثَّامِنَة)) أَن يكون حَلِيمًا وطيء الأكناف ((التَّاسِعَة)) أَن يكون رحِيما يشفق على الأرامل واليتامى وَغَيرهم ((الْعَاشِرَة)) أَن يكون جزلا فِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام ((الْحَادِيَة عشر)) أَن لَا يُبَالِي بلوم النَّاس وَلَا بِأَهْل الجاه ((الثَّانِيَة عشر)) أَن يكون من أهل الْبَلَد الَّذِي يقْضِي فِيهِ ((الثَّالِثَة عشر)) أَن يكون مَعْرُوف النّسَب فَلَا يكون ولد زنى وَلَا ولد ملاعنة ((الرَّابِعَة عشر)) أَن لَا يكون محدودا وَإِن كَانَ قد تَابَ ((الْخَامِسَة عشر)) أَن يكون متيقظا لَا متغفلا (وَأما آدَاب القَاضِي) فَهِيَ عشرو ((الأول)) أَن يجلس فِي مَوضِع يصل إِلَيْهِ الْقوي والضعيف وجلوسه فِي الْمَسْجِد من الْأَمر الْقَدِيم وَاسْتحبَّ بعض الْعلمَاء أَن يجلس خَارج الْمَسْجِد ليصل إِلَيْهِ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَيجب عَلَيْهِ أَن يُسَوِّي بَين الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوس وَالْكَلَام وَالِاسْتِمَاع والملاحظة وَلَا يفضل الشريف على المشروف وَلَا الْغَنِيّ على الْفَقِير وَلَا الْقَرِيب على الْبعيد ((الثَّانِي)) أَن يجلس للْقَضَاء فِي بعض الْأَوْقَات دون بعض ليربح نَفسه وَلَا يجلس بِاللَّيْلِ وَلَا فِي أَيَّام الأعياد ((الثَّالِث)) أَن لَا يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان وَلَا جَائِع وَلَا عطشان ((الرَّابِع)) أَن يشاور أهل الْعلم وَيَأْخُذ بقَوْلهمْ ((الْخَامِس)) أَن لَا يُفْتِي فِي مسَائِل الْخِصَام وَلَا يسمع كَلَام أحد الْخَصْمَيْنِ فِي غيبَة صَاحبه ((السَّادِس)) أَن

стр. 192

لَا يقبل هَدِيَّة إِلَّا من الْأَقْرَبين الَّذين لَا يهدونه لأجل الْقَضَاء ((السَّابِع)) أَن لَا يطْلب من النَّاس الْحَوَائِج لَا عَارِية وَلَا غير ذَلِك ((الثَّامِن)) أَن لَا يُبَاشر الشِّرَاء بِنَفسِهِ وَلَا يَشْتَرِي لَهُ شخص مَعْرُوف خوفًا من الْمُحَابَاة ((التَّاسِع)) أَن لَا يقْضِي لمن لَا تجوز شَهَادَته لَهُ كولده ووالده وَيصرف الحكم فِي ذَلِك إِلَى غَيره وَيجوز لَهُ أَن يقْضِي عَلَيْهِ ((الْعَاشِر)) أَن لَا يقْضِي على عدوه وَيجوز أَن يقْضِي لَهُ ((الْحَادِي عشر)) أَن يزْجر من تعدى من المتخاصمين على الآخر فِي الْمجْلس بشتم أَو غَيره ((الثَّانِي عشر)) أيعاقب من آذاه من المتخاصمين أَو شَتمه أَو تنقصه أَو نسبه إِلَى جور والعقوبة فِي هَذَا أفضل من الْعَفو ((الثَّالِث عشر)) أَن يجْتَنب مُخَالطَة النَّاس ومشيه مَعَهم إِلَّا لحَاجَة ((الرَّابِع عشر)) أَن يتْرك الضحك والمزاح ((الْخَامِس عشر)) أَن يخْتَار كَاتبا مرتضى ومترجما مرتضى ((السَّادِس عشر)) أَن يتفقد السجون وَيخرج من كَانَ مسجونا بِغَيْر حق ((السَّابِع عشر)) أَن يتَجَنَّب الولائم إِلَّا وَلِيمَة النِّكَاح وَالْأولَى لَهُ ترك الْأكل فِي الْوَلِيمَة ((الثَّامِن عشر)) أَن لَا يتعقب حكم من قبله إِلَّا إِذا كَانَ مَعْرُوفا بالجور فَلهُ أَن يتعقب أَحْكَامه وَله أَن ينْقض قَضَاء نَفسه إِذا تبين لَهُ الْحق بِخِلَافِهِ ((التَّاسِع عشر)) أَن يتفقد النّظر على أعواته ويكفهم عَن الاستطالة على النَّاس ((الموفي عشْرين)) أَن يسْأَل فِي السِّرّ عَن أَحْوَال شُهُوده ليعرف الْعدْل من غَيره فروع أَرْبَعَة (الْفَرْع الأول) إِذا حكم المتخاصمان رجلا لزمهما حكمه إِذا حكم بجا يجوز خلافًا للشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة يلْزم إِذا وَافق حكم قَاضِي الْبَلَد (الْفَرْع الثَّانِي) يجب أَن يكون فِي الْمصر قَاض وَاحِد وَلَا يجوز اثْنَان فَأكْثر وَأَجَازَ الشَّافِعِي اثْنَيْنِ إِذا عين لكل وَاحِد مَا يحكم فِيهِ (الْفَرْع الثَّالِث) حكم القَاضِي فِي الظَّاهِر لَا يحل حَرَامًا فِي نفس الْأَمر وَلَا يحرم حَلَالا خلافًا لأبي حنيفَة فِي عقد النِّكَاح وحله وَأَجْمعُوا فِي الْأَمْوَال (الْفَرْع الرَّابِع) إِذا كَانَت خُصُومَة بَين مُسلم وذمي حكم بنيهما بِحكم الْإِسْلَام وَإِن كَانَا ذميين حكم بَينهمَا بِحكم الْإِسْلَام فِي بَاب الْمَظَالِم من الْغَصْب والتعدي وَجحد الْحُقُوق وَإِن تخاصما فِي غير ذَلِك ردوا إِلَى أهل دينهم إِلَّا أَن يرْضوا بِحكم الْإِسْلَام الْبَاب الثَّالِث فِي خطاب الْقُضَاة وَالْحكم على الْغَائِب وَفِيه فصلان (الْفَصْل الأول) فِي الْخطاب وللقاضي أَن يُخَاطب قَاضِيا آخر بِأحد ثَلَاثَة أَشْيَاء (الأول) الحكم على الَّذِي حكم بِهِ فِي قَضِيَّة بعد نُفُوذه (الثَّانِي) بأَدَاء الشُّهُود وقبولهم المتضمن الثُّبُوت على أَن يحكم فِيهَا الْمَكْتُوب إِلَيْهِ (الثَّالِث) بِمُجَرَّد أَدَاء الشُّهُود على أَن ينظر الْمَكْتُوب إِلَيْهِ فِي تعديلهم فِي يحكم وَالْخطاب يكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء إِمَّا بإشهاد القَاضِي على نَفسه بالحكم أَو الثُّبُوت أَو الْأَدَاء ثمَّ يشْهد من شهد عَلَيْهِ بذلك عِنْد القَاضِي الآخر الثَّانِي أَن يكْتب إِلَيْهِ وَكَانَ المتقدمون يشترطون مَعَ الْكِتَابَة الشَّهَادَة عَلَيْهِ أَو الشَّهَادَة بِأَنَّهُ خطه أَو خَتمه بِخَاتمِهِ

стр. 193

الْمَعْرُوف عِنْد القَاضِي الآخر ثمَّ اكْتفى الْمُتَأَخّرُونَ بِمَعْرِِفَة خطه الثَّالِث المشافهة وَهِي غير كَافِيَة لِأَن أَحدهمَا فِي غير مَحل ولَايَته وَمن كَانَ فِي غير مَوضِع ولَايَته لم ينفذ حكمه وَلم يقبل خطابه نَوْعَانِ (الْفَرْع الأول) إِذا مَاتَ القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَو عزل لزم من ولي بعده أَعمال ذَلِك الْخطاب خلافًا لأبي حنيفَة (الْفَرْع الثَّانِي) إِذا خَاطب قَاض قَاضِيا فَإِن عرف أَنه أهل اللقضاء قبل خطابه وَإِن عرف أَنه لَيْسَ أَهلا لَهُ لم يقبله (الْفَصْل الثَّانِي) يحمم للحاضر إِذا سَأَلَ الحكم على الْغَائِب خلافًا لأبي حنيفَة وَابْن الماشجون وعَلى الْمَذْهَب فَلَا يَخْلُو أَن يكون فِي الْبَلَد أَو فِي غَيره فَإِن كَانَ فِي الْبَلَد أَو بمقربة مِنْهُ أحضرهُ القَاضِي بِخَاتم أَو كتاب أَو رَسُول فَإِن اعتذر بِمَرَض أَو شبهه أمره بِالتَّوْكِيلِ وَإِن تغيب لغير عذر أحضرهُ فهرا فَإِن لم يُوجد طبع على بَاب دَاره وَإِن كَانَ بَعيدا مَعْلُوم الْموضع كتب إِلَيْهِ إِمَّا أَن يُرْضِي خَصمه وَإِمَّا أَن يحضر مَعَه وَإِن كَانَ فِي بلد غير ولَايَته كتب إِلَى قَاضِي ذَلِك الْبَلَد بِالنّظرِ فِي قَضيته وغن كَانَ لَهُ ملك فِي الْبَلَد وَجَبت تَوْفِيَة الْحُقُوق مِنْهُ بعد أَن يُؤمر الطَّالِب لَهُ بِإِثْبَات حَقه وَيَمِين الْقَضَاء بعد الثُّبُوت وَإِثْبَات غيبته وترجى لَهُ الْحجَّة فَإِن كَانَ لَهُ عقار يُبَاع فِي دينه أمره القَاضِي بِإِثْبَات تملكه لَهُ واتصاله ثمَّ وَجه شُهُود الْحِيَازَة يشْهدُونَ على من شهد بِهِ ثمَّ أَمر بتقويمه وتسوقه ثمَّ قدم من يَبِيعهُ بِمَا قوم بِهِ أَو بأزيد من ذَلِك إِن بلغ فِي التسويق ثمَّ يقبض الثّمن وَيدْفَع إِلَى صَاحب الْحق الْبَاب الرَّابِع فِي الحكم بَين الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَاب هُوَ عُمْدَة الْقَضَاء وَالْأَصْل فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ وَسلم ((الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر)) وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول (الْفَصْل الأول) فِي الْفرق بَين الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ وَقَالَ سعيد بن الْمسيب من عرف الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ لم يلتبس عَلَيْهِ مَا يحكم بَينهمَا قَالَ وَالْمُدَّعى هُوَ من يَقُول قد كَانَ كَذَا وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ هُوَ من يَقُول لم يكن وَقَالَ غَيره الْمُدعى هُوَ الطَّالِب وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ هُوَ الْمَطْلُوب وَقيل الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي دَعَا صَاحبه إِلَى الحكم وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ هُوَ الْمَدْعُو وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ الْمُدَّعِي هُوَ من كَانَ قَوْله أَضْعَف لِخُرُوجِهِ عَن مَعْهُود أَو لمُخَالفَة أصل وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ هُوَ من ترجح قَوْله بعادة أَو مُوَافقَة أصل أَو قرينَة فَالْأَصْل كمن أَن لَهُ مَالا على رجل فضعف قَول الطَّالِب وَهُوَ مُدع وترجح قَول الْمَطْلُوب وَهُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَلَو كَانَ الْحق ثَابتا وَقَالَ قد دَفعته صَار مُدعيًا لِأَن الأَصْل بَرَاءَة من الذِّمَّة من الدّفع وَلِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ عِنْده لِأَن الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ إِلَّا إِن كَانَ عرف يَقْتَضِي خلاف ذَلِك أَو قرينَة كمن حَاز شَيْئا ثمَّ ادعا غير فترجح قَول من حازه فَهُوَ

стр. 194

الْمُدعى عَلَيْهِ وَضعف قَول الآخر فَهُوَ مُدع فعلى هَذَا الْبَيِّنَة على من ضعف قَوْله وَالْيَمِين على من قوي قَوْله (الْفَصْل الثَّانِي) فِي مَرَاتِب الدعاوي وَهِي أَرْبَعَة (الأولى) دَعْوَى لَا تسمع وَلَا يُمكن الْمُدَّعِي من إِثْبَاتهَا وَلَا يجب على الْمُنكر يَمِين وَهُوَ إِذا لم يُحَقّق الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ كَقَوْلِه لي عَلَيْك شَيْء أَو أَظن أَن لي عَلَيْك كَذَا وَكَذَا (الثَّانِيَة) لَا تسمع أَيْضا وَهِي مَا يقْضِي الْعرف بكذبها كمن ادّعى على صَالح أَنه غصبه وكامرأة ادَّعَت على صَالح أَنه زنى بهَا وَمثل أَن يكون حائزا لدار سِنِين طَوِيلَة يتَصَرَّف فِيهَا بأنواع التَّصَرُّف ويضيفها إِلَى ملكه وَكَانَ إِنْسَان حَاضرا يشْهد أَفعاله طول الْمدَّة وَلَا يُعَارضهُ فِيهَا وَلَا يذكر أَن لَهُ فِيهَا حَقًا من غير مَانع يمنعهُ من الطّلب وَلَا قرَابَة بَينهمَا وَلَا شركَة ثمَّ جَاءَ بعد طول الْمدَّة يدعيها فَهَذَا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا تسمع دَعْوَاهُ وَلَا بَينته وَلَا يَمِين على الآخر (الثَّالِثَة) دعولا تسمع وَيُطَالب بِالْبَيِّنَةِ فَإِن أثْبته وَإِلَّا وَجب الْيَمين على الْمُنكر بعد أَن يثبت الْمُدَّعِي أَن بَينه وَبَينه خطلة من بيع أَو شِرَاء أَو شبه ذَلِك وَذَلِكَ فِي الدَّعْوَى الَّتِي هِيَ غير مشبهة وَلم يقْض بكذبها كمن ادّعى أَن لَهُ مَالا عِنْد آخر وَقَالَ بِوُجُوب إِثْبَات الْخلطَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة مَالك خلافًا للشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَابْن حَنْبَل ثمَّ إِن إِثْبَاتهَا يكون باعتراف الْخصم بهَا وبشاهدين يَشْهَدَانِ بهَا وبشاهد وَيَمِين وَبعد ثُبُوتهَا تجب الْيَمين على الْمُنكر (الرَّابِعَة) دَعْوَى تسمع وَيجب على الْمُدعى عَلَيْهِ الْيَمين بِنَفس الدَّعْوَى دون خلْطَة وَذَلِكَ فِي خَمْسَة مَوَاضِع من ادّعى على صانع منتصب للْعَمَل أَنه دفع لَهُ شَيْئا يصنعه لَهُ وَمن ادّعى السّرقَة على مُتَّهم بهَا وَمن قَالَ عِنْد مَوته لي دين عِنْد فلَان وَالْمَرِيض فِي السّفر يَدعِي أَنه دفع مَاله لفُلَان والغريب إِذا ادّعى أَنه أودع وَدِيعَة عِنْد أحد (الْفَصْل الثَّالِث) فِي صفة الحكم بَينهمَا إِذا جلسا إِلَى القَاضِي فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يسألهما من الْمُدَّعِي مِنْهُمَا أَو يسكت حَتَّى يبتدئاه فيتكلم الْمُدَّعِي أَولا وَيسمع كَلَامه حَتَّى يفرع ثمَّ يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن أقرّ قضى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَإِن أنكر طُولِبَ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ وَإِن امْتنع من الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار سجنه القَاضِي حَتَّى يقر أَو يُنكر تَكْمِيل وَبَيَان إِذا طُولِبَ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ ضرب لَهُ فِي ذَلِك أجل على قدر الدَّعْوَى وَقرب الْبَيِّنَة وَبعدهَا وَذَلِكَ رَاجع إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم فَإِن شَاءَ ضرب لَهُ أَََجَلًا بعد أجل وَإِن شَاءَ جعل لَهُ أَََجَلًا وَاحِدًا صَارِمًا فَإِذا انْقَضى الْأَجَل فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال إِمَّا أَن يَأْتِي بِشَاهِدين أَو بِشَاهِد وَاحِد أَو لَا يَأْتِي بِشَيْء فَأَما (الْحَالة الأولى) وَهِي أَن يَأْتِي بِشَاهِدين عدليت فِي جَمِيع الْحُقُوق أَو برج وَامْرَأَتَيْنِ حَيْثُ يحكم بذلك قضى لَهُ بعد الْأَعْذَار إِلَى الْمُدعى عَلَيْهِ وَلَا يحكم على أحد إِلَّا بعد الْأَعْذَار إِلَى الْمُدعى عَلَيْهِ وَلَا يحكم على أحد إِلَّا بعد الْأَعْذَار إِلَيْهِ فَإِذا أعذر إِلَيْهِ فِيمَا ثَبت عَلَيْهِ فَإِن ادّعى أَن لَهُ مدفعا أَو مقَالا كتجريح الشُّهُود أَو عَدَاوَة بَينه وَبينهمْ أَو غير ذَلِك مكن من الدّفع وَضرب لَهُ أجل فِي ذَلِك فَإِن اعْترف أَن لَيْسَ لَهُ مدفع وَلَا مقَال أَو عجز بعد التَّمْكِين من

стр. 195

الْأَعْذَار إِلَيْهِ قضى عَلَيْهِ وَهَذَا فِيمَن يَصح الْأَعْذَار إِلَيْهِ وَهُوَ الْحَاضِر الْمَالِك أَمر نَفسه فَإِن كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ غَائِبا أَو صَغِيرا أَو سَفِيها حلف الْمُدَّعِي بعد ثُبُوت حَقه يَمِين الْقَضَاء بِأَنَّهُ مَا قبض شَيْئا من حَقه وَلَا وهبه وَلَا أسْقطه وَلَا أحَال لَهُ وَلَا اسْتَحَالَ وَلَا أَخذ فِيهِ ضَامِنا وَلَا رهنا وَإِن حَقه بَاقٍ على الْمَطْلُوب إِلَى الْآن وَحِينَئِذٍ يحكم وَتقوم هَذِه الْيَمين مقَام الْأَعْذَار وَأما (الْحَالة الثَّانِيَة) فَهِيَ أَن يَأْتِي باشهد وَاحِد عدل فَلَا يَخْلُو أَن يكون فِي الْأَمْوَال أَو فِي الطَّلَاق وَالْعتاق أَو فِي غير ذَلِك فَإِن كَانَ فِي الْأَمْوَال أَو فِيمَا يؤول إِلَيْهَا حلف مَعَ شَاهده بِشَرْط أَن يكون بَين الْعَدَالَة وَقضى لَهُ وفَاقا للشَّافِعِيّ وَابْن حَنْبَل وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة خلافًا لأبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَيحيى بن يحيى الأندلسي وَإِن شهد لَهُ امْرَأَتَانِ حلف مَعَهُمَا خلافًا للشَّافِعِيّ فَإِن نكل الْمُدَّعِي عَن الْيَمين مَعَ الشَّاهِد أَو الْمَرْأَتَيْنِ انقلبت الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن حلف برىء وَإِن نكل قضى عَلَيْهِ خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِن كَانَ فِي الطَّلَاق أَو فِي الْعتاق لم يحلف الْمُدَّعِي مَعَ شَاهده وَوَجَبَت الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن حلف برىء وَإِن نكل فَقَالَ أَشهب يقْضِي عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن الْقَاسِم يحبس سنه لِيُقِر أَو يحلف فَإِن تَمَادى على الِامْتِنَاع مُتَّهمًا أخلي سَبيله وَقَالَ سَحْنُون يحبس ابدأ حَتَّى يقر أَو يحلف وَإِن كَانَ فِي النِّكَاح أَو الرّجْعَة أَو غير ذَلِك لم يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ وَكَانَ الشَّاهِد كَالْعدمِ فرع أَن شهد شَاهد وَاحِد لمن لَا تصح مِنْهُ الْيَمين كالصغير وَجَبت الْيَمين على الْمَشْهُود عَلَيْهِ فَإِن نكل قضى عَلَيْهِ وَإِن حلف برىء وَقيل يُوقف الْمَحْلُوف عَلَيْهِ حَتَّى يبلغ الصَّبِي وَيملك أَمر نَفسه ويستحلف حِينَئِذٍ فَإِن حلف وَجب لَهُ الْحق وَإِن نكل حلف الْمَطْلُوب حِينَئِذٍ وبرىء فَإِن نكل أَخذ الْحق مِنْهُ فرع يقوم الورقة فِي الْيَمين مَعَ الشَّاهِد مقَام موروثهم فَيحلفُونَ مَعَه حَيْثُ يحلف هُوَ وَيَقْضِي لَهُم (الْحَالة الثَّالِثَة) وَهِي أَن يَأْتِي الْمُدَّعِي بِشَيْء فَإِن كَانَ فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يقبل فِيهَا إِلَّا شَاهِدَانِ وَذَلِكَ مَا عدا الْأَمْوَال كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالنّسب وَالْوَلَاء وَقتل الْعمد لم تجب الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَلم تنْقَلب على الْمُدَّعِي وَلم يلْزم شَيْء بِمُجَرَّد الدَّعْوَى خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِن كَانَ فِي الْأَمْوَال وَمَا يؤول إِلَيْهَا مِمَّا يقبل فِيهِ رجل وَامْرَأَتَانِ فَحِينَئِذٍ تجب الْيَمين على الْمُنكر بعد إِثْبَات الْخلطَة أَو دونهَا حَيْثُ لَا يشْتَرط فَإِن حلف برىء وَإِن نكل لم يجب شَيْء بِنُكُولِهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة يغرم بِنُكُولِهِ وعَلى الْمَذْهَب تنْقَلب الْيَمين على الْمُدعى فَإِن حلف أَخذ حَقه وَإِن نكل فَلَا شَيْء لَهُ قَالَ ابْن حَارِث وكل من وَجَبت الْيَمين لَهُ أَو عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال أَو الْجراح خَاصَّة وَنكل عَنْهَا فَلَا بُد من رد الْيَمين على صَاحبه طلب ذَلِك خَصمه أَو لم يَطْلُبهُ فَإِن نكل من انقلبت عَلَيْهِ الْيَمين بَطل حَقه إِن كَانَ طَالبا وَغرم إِن كَانَ مَطْلُوبا تَلْخِيص مَا تقدم أَنه يحكم فِي دَعْوَى الْأَمْوَال بِسِتَّة أَشْيَاء بِشَاهِدين وَشَاهد وَيَمِين الْمُدَّعِي وبامرأتين وَيَمِين الْمُدَّعِي وبشاهد ونكول الْمُدعى عَلَيْهِ وبامرأتين ونكول الْمُدعى عَلَيْهِ وبيمين المعدي ونكول الْمُدعى عَلَيْهِ

стр. 196

فرع إِذا تَعَارَضَت الْبَيِّنَتَانِ رجح أعدلهما وَإِن كَانَ أقل عددا فِي الْمَشْهُور وَقيل يرجح بِالْكَثْرَةِ وفَاقا للشَّافِعِيّ فَإِن تعَارض شَاهِدَانِ مَعَ شَاهد وَيَمِين فَاخْتلف هَل يرجح الشَّاهِدَانِ أَو الشَّاهِد وَالْيَمِين فرع لَيْسَ للْمُدَّعِي أَن يطْلب الْمُدعى عَلَيْهِ بضامن عِنْد ابْن الْقَاسِم حَتَّى يُقيم على دَعْوَاهُ شَاهدا وَحِينَئِذٍ يحكم عَلَيْهِ بالضامن إِلَى أَن يحكم بَينهمَا فَإِن كَانَ فِيمَا لَا يَصح فِيهِ الضَّمَان كالحدود حبس لَهُ إِن أَتَى بِشَاهِد فرع إِذا أنكر الْمُدعى عَلَيْهِ إنكارا كليا على الْعُمُوم ثمَّ اعْترف بذلك أَو قَامَت عَلَيْهِ بَيِّنَة فَأَقَامَ بَيِّنَة بعد ذَلِك بِالْبَرَاءَةِ لم تَنْفَعهُ لإنكاره أَولا فَإِن كَانَ قَالَ مَالك عَليّ من هَذَا شَيْء نفعته الْبَرَاءَة وَكَذَلِكَ تَنْفَعهُ إِن أَتَى بِوَجْه لَهُ فِيهِ عذر مَسْأَلَة إِذا عجز الْمُدَّعِي عَن الْإِثْبَات بعد الْآجَال وَسَأَلَ الْمُدعى عَلَيْهِ القَاضِي أَن يعجزه أشهد القَاضِي بتعجيزه بعد اعترافه بِالْعَجزِ وَيصِح التَّعْجِيز فِي كل دَعْوَى إِلَّا فِي خَمْسَة أَشْيَاء فِي الْعتْق وَالطَّلَاق وَالنّسب والأحباس والدماء وَفَائِدَة التَّعْجِيز أَنه إِن أَقَامَ بعده بَيِّنَة لم يقْض بهَا وَقيل يقْضى لَهُ بهَا إِذا حلف أَنه لم يعلم بهَا وَإِن لم يعجزه القَاضِي فَلهُ الْقيام بهَا وَيقْضى لَهُ بهَا وَسَحْنُون وَابْن الْمَاجشون لَا يَقُولَانِ بالتعجيز وَإِن ادّعى بعد الْآجَال أَن لَهُ بَيِّنَة يرتجيها نظر فَإِن أمكن صدقه ضرب لَهُ أجل آخر وَإِن تبين لدده قضى عَلَيْهِ وأرجيء لَهُ الْحجَّة وَله الْقيام بهَا مَتى وجدهَا عِنْد هَذَا القَاضِي أَو غَيره فرع إِذا الْتبس على القَاضِي أَمر الْعُقُود الْقَدِيمَة وَرَجا فِي تقطيعها تقريب أَمر الْخَصْمَيْنِ قطعهَا وَقد أحرقها أبان بن عُثْمَان وَاسْتَحْسنهُ مَالك الْبَاب الْخَامِس فِي الحكم فِي التداعي والحوز إِذا تداعى رجلَانِ ملك شَيْء فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون الشَّيْء الْمُدعى بيد كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِمَّا أَن لَا يكون بيد وَاحِد مِنْهُمَا وَفِي كل وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مُدعيًا ومدعى عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا مستويان فِي الدَّعْوَى وَإِمَّا أَن يكون بيد وَاحِد مِنْهُمَا قد حازه دون الآخر فَيكون من حازه مدعى عَلَيْهِ لِأَن الْحَوْز يُقَوي دَعْوَاهُ وَيكون الآخر مُدعيًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يُقَوي دَعْوَاهُ فَأَما حَيْثُ يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مُدعيًا فعلى كل وَاحِد إِثْبَات الْملك واتصاله إِلَى حِين النزاع ثمَّ لَا يَخْلُو أَن يُقيم الْبَيِّنَة أَحدهمَا أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا أَو لم يقم أحد مِنْهُمَا فَإِن أَقَامَهَا أَحدهمَا حكم لَهُ بِعَدَمِ الاعذار إِلَى الآخر وَإِن أَقَامَهَا كل وَاحِد مِنْهُمَا حكم لمن كَانَت بَينته أعدل فَإِن تَسَاوَت الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَة قسم بَينهمَا بعد إيمانهما وَإِن لم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة قسم أَيْضا بَينهمَا بعد إِيمَانهم بَيَان وَإِذا قُلْنَا يقسم بَينهمَا فَإِن اسْتَويَا فِي مِقْدَار الدَّعْوَى اسْتَويَا فِي الْقِسْمَة مثل أَن يَدعِي كل وَاحِد مِنْهُمَا جَمِيعه فَيقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ وَإِن اخْتلفَا

стр. 197

فِي مِقْدَار الدَّعْوَى فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة فمذهب مَالك أَنه يقسم بَينهمَا على قدر الدعاوي وتعول عول الْفَرَائِض وَمذهب ابْن الْقَاسِم أَنه يقسم بَينهمَا على قدر الدعاوي وَيخْتَص صَاحب الْأَكْثَر بِالزِّيَادَةِ الَّتِي وَقع تَسْلِيم الآخر لَهُ فِيهَا بِدَعْوَى الْأَقَل مثل ذَلِك إِذا ادّعى أَحدهمَا جَمِيعه وَالْآخر نصفه فعلى مَذْهَب مَالك تعول بِنصْف لِأَن أَحدهمَا ادّعى نِصْفَيْنِ وَالْآخر نصفا فَيقسم على ثَلَاثَة يكون لمُدعِي الْجَمِيع اثْنَان ولمدعي النّصْف وَاحِد وعَلى مَذْهَب ابْن الْقَاسِم يكون لمُدعِي الْجَمِيع ثَلَاثَة أَربَاع ولمدعي النّصْف ربع لِأَن مدعي النّصْف قد سلم فِي النّصْف الآخر لمُدعِي الْجَمِيع فَيخْتَص بِهِ وَيقسم بَينهمَا النّصْف الْمُتَنَازع فِيهِ وَيتبع هَذَا الْحساب كَثْرَة الدعاوي والمتداعين وَأما إِن كَانَ بيد وَاحِد مِنْهُمَا فَلَا يَخْلُو الَّذِي حازه أَن يكون بِيَدِهِ مُدَّة الْحَوْز أَو أقل فَإِن بَقِي مُدَّة الْحَوْز فَأكْثر وَهِي عشرَة أَعْوَام بَين الْأَجَانِب وَخَمْسُونَ بَين الْأَقَارِب وَقيل أَرْبَعُونَ مَعَ حُضُور خَصمه وَعلمه وسكوته لم تسمع دَعْوَاهُ وَلم تقبل بَينته إِلَّا إِن أثبت أَنه بيد الْحَائِز على وَجه الْكِرَاء أَو الْمُسَاقَاة أَو الإعتمار أَو شبه ذَلِك وَأَن كَانَ لَهُ أقل من مُدَّة الْحَوْز طُولِبَ الْمُدَّعِي بإثباته بَيِّنَة فَإِن أثْبته اسْتَحَقَّه بعد أَن يحلف أَنه مَا بَاعه وَلَا فَوته وَلَا خرج عَن ملكه وَإِن لم يُثبتهُ قضي بِهِ لحائزه بعد أَن يحلف أَنه مَا بَاعه وَلَا فَوته وَلَا خرج عَن ملكه فَإِن نكل حلف الْمُدَّعِي وَحكم لَهُ بِهِ فَإِن نكل الْمُدَّعِي بَقِي بيد الْحَائِز بَيَان الشَّهَادَة على إِثْبَات الشَّيْء الْمُدَّعِي فِيهِ تكون على عينه فيحضر حِين أَدَاء الشَّهَادَة وتؤدى على عينه وَإِن كَانَ عقارا وقف القَاضِي إِلَيْهِ مَعَ الشُّهُود أَو وَجه شُهُود الْحِيَازَة على الشُّهُود فَيَقُولُونَ لَهُم هَذَا هُوَ الَّذِي شَهِدنَا بِهِ عِنْد القَاضِي ثمَّ يعْذر غلى الْخصم فِي شُهُود الْإِثْبَات وشهود الْحِيَازَة فرع إِن كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ عرضا أَو حَيَوَانا أَمر القَاضِي بإيقافه حَتَّى يحكم فِيهِ وَنَفَقَة العَبْد وَالدَّابَّة فِي مُدَّة الإيقاف على من يثبت لَهُ وَإِن كَانَ عقارا فَإِن أَقَامَ الطَّالِب شَاهدا وَاحِدًا منع الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ من إِحْدَاث شَيْء فِيهِ فَإِن أَقَامَ شَاهدا ثَانِيًا أخرج من يَده وَمنع من التَّصَرُّف فِيهِ وأغلق إِن كَانَ دَارا حَتَّى ينفذ الحكم فِيهِ الْبَاب السَّادِس فِي الْيَمين فِي الْأَحْكَام وَفِيه ثَلَاث مسَائِل (المسالة الأولى) فِي الْمَحْلُوف بِهِ وَهُوَ (بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) لكل حلف فِي جَمِيع الْحُقُوق على الْمَشْهُور وَقيل يُزَاد فِي الْقسَامَة وَاللّعان (عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الرَّحْمَن الرَّحِيم) وَقيل يزِيد الْيَهُودِيّ (الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى) وَالنَّصْرَانِيّ (الَّذِي أنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى) وَقَالَ الشَّافِعِي يُزَاد (الَّذِي يعلم من السِّرّ مَا يعلم من الْعَلَانِيَة) (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ

стр. 198

وَالْيَمِين فِي الْأَحْكَام كلهَا على نِيَّة المستحلف وَهُوَ القَاضِي فَلَا تصح فِيهَا التورية وَلَا بنفع الإستثناء ثمَّ أَن الْيَمين أَرْبَعَة أَنْوَاع ((الأولى)) يَمِين الْمُنكر على نفي الدَّعْوَى فَإِن حلف على مُطَابقَة الْإِنْكَار بَرِيء اتِّفَاقًا وَإِن حلف على أَعم من ذَلِك فَفِيهِ خلاف مثل لَو جحد البَائِع قبض الثّمن فأحلفه المُشْتَرِي فَإِن حلف أَنه لم يقبض من عِنْده شَيْئا من الثّمن بَرِيء وَإِن حلف أَن لَيْسَ لَهُ عِنْده شَيْء على الْإِطْلَاق فَقَوْلَانِ (الثَّانِيَة) يَمِين الْمُدَّعِي على صِحَة دَعْوَاهُ إِذا انقلبت الْيَمين عَلَيْهِ (الثَّالِثَة) يَمِين الْمُدَّعِي مَعَ شَاهده فَيحلف أَنه شهد لَهُ بِالْحَقِّ ((الرَّابِعَة)) يَمِين الْقَضَاء بعد ثُبُوت الْحق على الْغَائِب والمحجور حَسْبَمَا تقدم ثمَّ أَن الْحَالِف إِن حلف على مَا ينْسبهُ إِلَى نَفسه حلف على الْبَتّ فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات وَإِن حلف على مَا ينْسبهُ إِلَى غَيره حلف على الْبَتّ فِي الْإِثْبَات كيمبنه أَن لموروثه على فلَان دينا وعَلى الْعلم فِي النَّفْي كحلفه أَنه لَا يعلم على موروثه شَيْئا (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي مَكَان الْحلف وزمانه أما الْمَكَان فَفِي الْمَسْجِد قَائِما مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَإِن كَانَ فِي مَسْجِد الْمَدِينَة حلف على الْمِنْبَر وَلَا يشْتَرط الْحلف على الْمِنْبَر فِي سَائِر الْمَسَاجِد خلافًا للشَّافِعِيّ وَقيل إِن حلف على أقل من ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ربع دِينَار شَرْعِي حلف قَاعِدا حَيْثُ يقْضى عَلَيْهِ من مَسْجِد أَو غَيره وَيحلف الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ حَيْثُ يعظمون من كنائسهم وتحلف المخدرة وَهِي الْمَرْأَة الَّتِي لَا تخرج فِي الْمَسْجِد بِاللَّيْلِ على مَا لَهُ بَال وتحلف فِي بَيتهَا على أقل من ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ربع دِينَار شَرْعِي وَإِذا وَجَبت الْيَمين على مَرِيض فَإِن شَاءَ خَصمه أحلفه فِي مَوْضِعه أَو أَخّرهُ إِلَى أَن يبرأ واما الزَّمَان فَفِي كل وَقت إِلَّا فِي الْقسَامَة وَاللّعان فَيحلف بعد صَلَاة الْعَصْر وَيُوجه القَاضِي شَاهِدين للحضور على الْيَمين وَيجْزِي وَاحِد فرع إِذا حلف الْمُنكر ثمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة فَإِن كَانَت غَائِبَة أَو كَانَ لم يعلم بهَا قضى لَهُ بهَا وَإِن كَانَ عَالما بهَا وَهِي حَاضِرَة لم يقْض لَهُ بهَا وَلم تسمع بعد الْيَمين فِي الْمَشْهُور وفَاقا للظاهرية وَخِلَافًا لَهما ولأشهب الْبَاب السَّابِع فِي شُرُوط الشُّهُود وَهِي سَبْعَة الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة والتيقظ وَالْعَدَالَة وَعدم التُّهْمَة فَأَما الْإِسْلَام وَالْعقل فمشترطان إِجْمَاعًا إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة أجَاز شَهَادَة الْكفَّار على الوزصية فِي السّفر وَأما الْحُرِّيَّة فمشترطة خلافًا للظاهرية وَابْن الْمُنْذر وَأما الْبلُوغ فَيشْتَرط فِي كل مَوضِع إِلَّا أَن مَالِكًا أجَاز شَهَادَة الصّبيان بَعضهم على بعض فِي الدِّمَاء خلافًا لَهُم بِشَرْط أَن يتفقوا فِي الشَّهَادَة وَأَن يشْهدُوا قبل تفرقهم وَأَن لَا يدْخل بَينهم كَبِير وَاخْتلف فِي أناثهم وَأما التيقظ فتحرزا بِهِ من الْمُغَفَّل فَلَا تقبل شَهَادَته وَإِن كَانَ صَالحا وَأما

стр. 199

الْعَدَالَة فمشترطة إِجْمَاعًا وَالْعدْل هُوَ الَّذِي يجْتَنب الذُّنُوب الْكَبَائِر ويتحفظ من الصَّغَائِر ويحافظ على مروءته فَلَا تقبل شَهَادَة من وَقع فِي كَبِيرَة كالزنى وَشرب الْخمر وَالْقَذْف وَكَذَلِكَ الْكَذِب إِلَّا إِن تَابَ وَظهر صَلَاحه فَتقبل شَهَادَته إِلَّا أَن يشْهد على أحد بِمَا كَانَ هُوَ قد حد فِيهِ فَلَا تقبل شَهَادَته فِي الْمَشْهُور وَلَا يشْتَرط فِي الشَّاهِد انْتِفَاء الذُّنُوب فَإِن ذَلِك مُتَعَذر وَقَالَ أَبُو حنيفَة يَكْفِي فِي الْعَدَالَة الْإِسْلَام وَعدم معرفَة الجرحة وَتسقط الشَّهَادَة بالإدمان على الشطرنج والنرد وبالإشتغال بِهِ عَن صَلَاة وَاحِدَة حَتَّى يخرج وَقتهَا وَترك صَلَاة الْجُمُعَة ثَلَاث مَرَّات من غير عذر وَقيل بِتَرْكِهَا مرّة وَاحِدَة وَتسقط أَيْضا بِفعل مَا يسْقط الْمُرُوءَة وَإِن كَانَ مُبَاحا كَالْأَكْلِ فِي الطرقات وَالْمَشْي حافيا أَو عُريَانا وملازمة سَمَاعه وَأما عدم التُّهْمَة فَيرجع إِلَى سِتَّة أُمُور (الأول) الْميل للْمَشْهُود لَهُ فَلَا تقبل شَهَادَة الْوَلَد لوَالِديهِ وَلَا لأجداده وجداته وَلَا شَهَادَة وَاحِد مِنْهُم لَهُ عِنْد الْجُمْهُور وَلَا شَهَادَة الزَّوْج لامْرَأَته وَلَا شهادتها لَهُ خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَا شَهَادَة وَصِيّ لمحجوره وَاخْتلف فِي شَهَادَة الْأَخ لِأَخِيهِ وَقيل تقبل إِذا كَانَ عدلا مبرزا وَقيل إِذا لم يكن تَحت صلته وَاخْتلف فِي شَهَادَة الصهر لصهره وَالصديق لصديقه وَفِي شَهَادَة الرجل لِابْنِ امْرَأَته وَفِي شَهَادَة الْمَرْأَة لِابْنِ زَوجهَا وَفِي شَهَادَة الْوَلَد لأحد وَالِديهِ على الآخر وَفِي شَهَادَة الْوَالِد لأحد ولديه على الآخر (الثَّانِي) الْميل على الْمَشْهُود عَلَيْهِ فَلَا تقبل شَهَادَة الْعَدو على عدوه خلافًا لأبي حنيفَة وَلَا الْخصم على خَصمه وكل من لَا تقبل شَهَادَته عَلَيْهِ فَتقبل لَهُ وكل من لاتقبل شَهَادَته لَهُ فَتقبل عَلَيْهِ (الثَّالِث) أَن يجر لنَفسِهِ مَنْفَعَة بِالشَّهَادَةِ أَو يدْفع عَن نَفسه مضرَّة مثل من شهد على موروثه الْمُحصن بالزنى فيرجم ليرثه أَو من لَهُ دين على مُفلس فَيشْهد للْمُفلس أَن لَهُ دينا على آخر ليتوصل غلى دينه أَو من شهد بِحَق لَهُ وَلغيره (الرَّابِع) الْحِرْص على الشَّهَادَة فِي التَّحَمُّل أَو الْأَدَاء أَو الْقبُول أَو يحلف على شَهَادَته فَذَلِك قَادِح فِيهَا (الْخَامِس) شَهَادَة السُّؤَال الَّذين يَتَكَفَّفُونَ النَّاس لعدم الثِّقَة بهم ٠ (السَّادِس) شَهَادَة بدوي على قروي فَلَا تقبل فِي الْأَمْوَال وَشبههَا مِمَّا يُمكن الْإِشْهَاد عَلَيْهَا فِي الْحَضَر بِخِلَاف مَا يطْلب بِهِ الخلوات كالدماء بَيَان وَهَذِه الشُّرُوط السَّبْعَة الَّتِي ذكرنَا فِي الشُّهُود إِنَّمَا تشْتَرط فِي حِين أَدَاء الشَّهَادَة وَأما فِي حِين تحملهَا فَلَا يشْتَرط إِلَّا التيقظ والضبط لما يشْهد فِيهِ سَوَاء كَانَ فِي حِين التَّحَمُّل مُسلما أَو كَافِرًا عدلا أَو غير عدل أَو حرا أَو عبدا وَإِذا ردَّتْ شَهَادَة العَبْد أَو الْكَافِر أَو الصَّغِير أَو الْفَاسِق ثمَّ انقلبت أَحْوَالهم عَن ذَلِك لم تقبل شَهَادَتهم فِيمَا كَانُوا قد ردَّتْ فِيهِ شَهَادَتهم فرع إِذا عثر على شَاهد الزُّور عُوقِبَ بالسجن وَالضَّرْب وَيُطَاف بِهِ فِي الْمجَالِس وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ يسود وَجهه وَلَا تقبل شَهَادَته أبدا لِأَنَّهُ لَا تعرف تَوْبَته (فرع) شَهَادَة الْأَعْمَى جَائِزَة فِيمَا وَقع لَهُ الْعلم بِهِ بِسَمَاع الصَّوْت أَو لمس أَو غير ذَلِك مَا عدا النّظر خلافالهما

стр. 200

الْبَاب الثَّامِن فِي مَرَاتِب الشَّهَادَات وَالشُّهُود أما الشَّهَادَة فَهِيَ على سِتّ مَرَاتِب (الأولى) شَهَادَة أَرْبَعَة رجال وَذَلِكَ فِي الشَّهَادَة على الرُّؤْيَة فِي الزِّنَا بِإِجْمَاع (الثَّانِيَة) شَهَادَة رجلَيْنِ وَذَلِكَ فِي جَمِيع الْأُمُور سوى الزِّنَا (وَالثَّالِثَة) شَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال خَاصَّة دون حُقُوق الْأَبدَان وَالنِّكَاح وَالْعِتْق والدماء والجراح وَمَا يتَّصل بذلك كُله وَاخْتلف فِي الْوكَالَة على المَال وأجازها أَبُو حنيفَة فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق وأجازها الظَّاهِرِيَّة مُطلقًا (وَالرَّابِعَة) شَهَادَة امْرَأتَيْنِ دون رجل وَذَلِكَ فِيمَا لَا تطلع عَلَيْهِ الرجل كالحمل والولادة والإستهلال وَزَوَال الْبكارَة وعيوب النِّسَاء وَقيل إِنَّمَا يعْمل بهَا بِشَرْط أَن يفشو مَا شهدتا بِهِ عِنْد الْجِيرَان وينتشر وَقَالَ الشَّافِعِي لَا بُد من أَربع نسْوَة وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة (وَالْخَامِسَة) رجل مَعَ يَمِين وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال خَاصَّة (وَالسَّادِسَة) امرأتات مَعَ يَمِين وذلم فِي الْأَمْوَال أَيْضا فتلخص أَن شَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو رجل وَيَمِين أَو امْرَأتَيْنِ وَيَمِين مُخْتَصَّة بالأموال وَأما مَرَاتِب الشُّهُود فَهِيَ أَيْضا سِتّ (الأولى) الْعدْل المبرز فِي الْعَدَالَة فَتقبل شَهَادَته فِي كل شَيْء وَلَا يقبل فِيهِ التجريح إِلَّا بالعداوة (الثَّانِيَة) الْعدْل غير المبرز فَتقبل شَهَادَته فِي كل شَيْء وَيقبل فِيهِ التجريح بالعداوة وَغَيرهَا (الثَّالِثَة) الَّذِي تتوسم فِيهِ الْعَدَالَة (الرَّابِعَة) الَّذِي لَا تتوسم فِيهِ الْعَدَالَة وَلَا الجرحة (الْخَامِسَة) الَّذِي تتوسم فِيهِ الجرحة فَلَا تقبل شَهَادَة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة دون تَزْكِيَة (السَّادِسَة) الْمَعْرُوف بالجرحة فَلَا تقبل شَهَادَته حَتَّى يُزكي وَإِنَّمَا يُزَكِّيه من علم تَوْبَته ورجوعه عَمَّا جرح بِهِ بَيَان يجب أَن يَقُول الْمُزَكي هُوَ عدل رَضِي وَاخْتلف أَن اقْتصر على قَوْله عدل أَو على قَوْله رَضِي وَلَا يَكْفِي أَن يَقُول لَا أعلم فِيهِ إِلَّا خيرا وَيجب أَن ينص المجرح على الجرحة مَا هِيَ وعَلى تاريخها إِذْ يُمكن أَن يكون قد تَابَ مِنْهَا وَلَا يَكْفِي فِي التجريح وَالتَّعْدِيل أقل من شَاهِدين إِلَّا أَن يسْأَل القَاضِي رجلا فيخبره فَيَكْفِي وَاحِد لِأَنَّهُ من بَاب الْخَبَر وَيشْتَرط فِي الْمُزَكي كل مَا يشْتَرط فِي الشَّاهِد من الشُّرُوط وَيُزَاد إِلَى ذَلِك ثَلَاثَة شُرُوط (أَحدهَا) أَن يكون عَارِفًا بالتزكية (الثَّانِي) أَن يكون مطلعا على أَحْوَال الْمُزَكي بمجاورته أَو مخالطته لَهُ (الثَّالِث) أَن يكون ذكرا فَلَا يجوز تَعْدِيل النِّسَاء وَلَا تجريحهن فرع إِذا زكى شَاهِدَانِ رجلا وجرحه آخرَانِ قدم الشَّاهِدَانِ بالتجريح وَقيل يقدم من كَانَ أعدل فرع لَا يجرح الشَّاهِد إِلَّا من هُوَ أظهر مِنْهُ عَدَالَة إِلَّا إِن جرحه بالعداوة فَيجوز تجريح من هُوَ مثله أَو دونه

стр. 201

الْبَاب التَّاسِع فِي التَّحَمُّل وَالْأَدَاء ومستند علم الشَّاهِد وَفِيه خمس مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي تحمل الشَّهَادَة وأدائها وَكِلَاهُمَا فرض كِفَايَة إِلَّا أَن تعين أما التَّحَمُّل فَلَا يجب على الشَّاهِد أَن يتَحَمَّل إِلَّا أَن يفْتَقر إِلَيْهِ ويخشى تلف الْحُقُوق لعدمه وَأما أَدَاء الشَّهَادَة فَيجب على من تحملهَا إِذا كَانَ مُتَعَيّنا وَذَلِكَ إِذا لم يشْهد غَيره أَو تعذر أَدَاء سَائِر الشُّهُود ودعي إِلَى أَدَائِهَا من مَسَافَة قريبَة كالبريد والبريدين وَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة على الْأَدَاء لِأَنَّهُ وَاجِب (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي ابْتِدَاء الشَّاهِد بأَدَاء شَهَادَته قبل أَن يدعى إِلَى الْأَدَاء وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أَقسَام (الأول) يجب عَلَيْهِ فِيهِ الإبتداء وَيجوز لَهُ وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ من حُقُوق الله وَهُوَ يستدام فِيهِ التَّحْرِيم كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق وَالشَّهَادَة بِالرّضَاعِ والأحباس (الثَّانِي) لَا يجب عَلَيْهِ فِيهِ الإبتداء وَيجوز لَهُ وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ من حُقُوق الله وَلَا يستدام فِيهِ تَحْرِيم كَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَترك الإبتداء بِالشَّهَادَةِ أولى لِأَنَّهُ ستر (الثَّالِث) لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْأَدَاءِ حَتَّى يدعى فَإِن دعِي إِلَيْهِ أدّى وَإِن سكت عَنهُ ترك ذَلِك وَإِن بَدَأَ بهَا قبل أَن دعِي إِلَيْهَا لم تقبل مِنْهُ وَذَلِكَ فِي حُقُوق النَّاس بَعضهم على بعض فروع من كَانَت عِنْده شَهَادَة لرجل لَا يعلم بهَا صَاحبهَا فليخبره بهَا ثمَّ يُؤَدِّيهَا عِنْد الْحَاكِم إِن طلبه صَاحبهَا بِالْأَدَاءِ وَمن أدخلهُ رجلَانِ بَينهمَا للصلح جَازَ لَهُ أَن يشْهد بِالصُّلْحِ وَلَا يشْهد بِمَا أقرّ بِهِ أَحدهمَا وَمن قَالَ لَهُ رجلَانِ اسْمَع منا وَلَا تشهد علينا فَلَا يفعل فَإِن فعل واحتيج إِلَى شَهَادَته فليؤدها وَمن سمع رجلا يقر بِحَق فَلَا يشْهد عَلَيْهِ حَتَّى يستشهد لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون خَبرا عَمَّا تقدم إِلَّا أَن قَالَ الْمقر هُوَ عَليّ الْآن وَنَحْو من الْيَقِين وَمن أقرّ فِي الخلا وَجحد فِي الملا فَيجوز أَن يَجْعَل الْغَرِيم من يسمع إِقْرَاره خلف حَائِط أَو ستر إِلَّا إِن كَانَ الْمقر ضَعِيفا أَو مخدوعا فَلَا يجوز للشَّاهِد أَن يسْتَتر عَنهُ وَلَا تجوز الشَّهَادَة عَلَيْهِ بذلك (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي الشَّهَادَة على الْخط وَقد اخْتلف فِيهَا وَلَكِن جرى الْعَمَل بجوازها وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع شَهَادَة الشَّاهِد على خطّ نَفسه وَشَهَادَة الشَّاهِد على خطّ شَاهد غَيره وَشَهَادَة الشَّاهِد على خطّ غَيره بِمَا أقرّ بِهِ (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة لَا يجوز للْإنْسَان أَن يشْهد إِلَّا بِمَا علمه يَقِينا لَا يشك فِيهِ إِمَّا بِرُؤْيَة أَو سَماع إِلَّا أَنه تجوز الشَّهَادَة على شَهَادَة شَاهد آخر ونقلها عَنهُ بِالْقَاضِي إِذا تعذر أَدَاء الشَّاهِد الأول لمرضه أَو غيبته أَو مَوته أَو غير ذَلِك فِي جَمِيع الْحُقُوق ومنعها الشَّافِعِي فِي حُقُوق الله وَأَبُو حنيفَة فِي الْقصاص وَيَكْفِي شَاهِدَانِ فِي نقل شَهَادَة شَاهِدين وَقَالَ الشَّافِعِي أَرْبَعَة (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) تجوز الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ الفاشي فِي أَبْوَاب مَخْصُوصَة وَهِي عشرُون النِّكَاح وَالرّضَاع وَالْحمل والولادة وَالْمَوْت وَالنّسب وَالْوَلَاء وَالْحريَّة والأحباس وَالضَّرَر وتولية القَاضِي وعزله وترشيد السَّفِيه وَالْوَصِيَّة

стр. 202

وَإِن فلَانا وصّى وَالصَّدقَات المتقادمة والأشربة المتقادمة وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة والجرحة وَلَا تجوز الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ الفاشي فِي أثبات ملك لطالبه وَإِنَّمَا تجوز للَّذي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِشَرْط حوزه لَهُ سِنِين كَثِيرَة كالأربعين وَالْخمسين فرع اخْتلف فِيمَن رفع إِلَى الشُّهُود كتابا مطبوعا وَقَالَ اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ وَفِي القَاضِي يطبع على كتاب وَيشْهد الشُّهُود بِأَنَّهُ كِتَابه فَقيل تجوز الشَّهَادَة وَإِن لم يقرؤوه وَقيل لَا تجوز إِلَّا أَن يقرؤوه ويعلموا مَا فِيهِ الْبَاب الْعَاشِر فِي رُجُوع الشَّاهِد عَن شَهَادَته فَإِن رَجَعَ قبل الحكم بهَا لم يحكم وَلم يلْزمه شَيْء خلافًا لقوم وَإِن رَجَعَ بعد الحكم لم ينْقض الحكم عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للأوزاعي وَسَعِيد بن الْمسيب وَيلْزم الشَّاهِد مَا أتلف بِشَهَادَتِهِ إِذا أقرّ أَنه تعمد الزُّور ثمَّ أَن شَهَادَته الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا بعد الحكم إِن كَانَت فِي مَال لزمَه غرمه وَإِن كَانَت فِي دم غرم الدِّيَة فِي الْخَطَأ والعمد وفَاقا لأبي حنيفَة وَقَالَ أَشهب يقْتَصّ مِنْهُ فِي الْعمد وفَاقا للشَّافِعِيّ وَإِن كَانَت فِي حد فَإِن رَجَعَ قبل الحكم حد وَإِن رَجَعَ بعده حد أَيْضا فَإِن كَانَ الْحَد رجما فَاخْتلف هَل تُؤْخَذ مِنْهُ الدِّيَة أَو يقتل وَإِن كَانَت فِي عتق لزمَه قيمَة العَبْد لسَيِّده وَإِن كَانَت فِي طَلَاق قبل الدُّخُول لزم الشَّاهِدين نصف الصَدَاق بِخِلَاف بعد الدُّخُول فَلَا يلْزمهُمَا شَيْء وَقَالَ أَبُو حنيفَة صدَاق الْمثل وَإِذا ادّعى الشَّاهِد الْغَلَط فَاخْتلف هَل يلْزمه مَا لزم الْمُتَعَمد للكذب أم لَا وَالصَّحِيح أَنه يلْزمه فِي الْأَمْوَال لِأَنَّهَا تضمن فِي الْخَطَأ فرع إِذا حكم حَاكم بِشَهَادَة شَاهِدين ثمَّ قَامَت بعد الحكم بَيِّنَة بفسقهما لم يضمن مَا أتلف بِشَهَادَتِهِمَا وَلَو قَامَت بَيِّنَة بكفرهما أَو رقهما ضمن

стр. 203

= الْكتاب السَّادِس فِي الْأَبْوَاب المشاكلة للأقضية لتعلقها بِالْأَحْكَامِ وَفِيه سِتَّة عشر بَابا = الْبَاب الأول فِي الْإِقْرَار وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول (الْفَصْل الأول) فِي الْمقر وكل مقرّ يقبل إِقْرَاره إِلَّا سِتَّة وهم الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا يقبل إقرارهما مُطلقًا وَالثَّالِث العَبْد يقبل إِقْرَاره فِيمَا يرجع إِلَى بدنه كالحدود دون مَا يرجع إِلَى المَال وَالرَّابِع السَّفِيه فَيقبل إِقْرَاره فِي الْجِنَايَات وَالْحُدُود دون الْأَمْوَال وَالْخَامِس الْمُفلس وَسَيَأْتِي حكمه وَالسَّادِس الْمَرِيض فَلَا يقبل إِقْرَاره لمن يتهم بمودته من قريب أَو صديق ملاطف سَوَاء كَانَ وَارِثا أَو غير وَارِث إِلَّا أَن يُجِيزهُ الْوَرَثَة وَيقبل فِيمَا سوى ذَلِك فرع إِذا أَبْرَأ الْمَرِيض أحد ورثته من شَيْء فَإِن كَانَ ابراؤه من شَيْء لَو ادّعى الْوَارِث الْبَرَاءَة مِنْهُ كلف الْبَيِّنَة على ذَلِك لم تَنْفَعهُ تبرئة الْمَرِيض وَعَلِيهِ أَن يُقيم الْبَيِّنَة على صِحَة ذَلِك وَإِلَّا غرم وَإِن كَانَ ابراؤه مِمَّا لَو ادّعى الْبَرَاءَة مِنْهُ صدق بِغَيْر بَيِّنَة نفعته التبرئة وَمن أقرّ على نَفسه وعَلى غَيره لزمَه الْإِقْرَار على نَفسه وَلم يلْزمه إِقْرَار على غَيره وَلكنه يكون شَاهدا فِيهِ وَلذَلِك لَا يقبل قَرَار الْوَصِيّ على مَحْجُوره وَلَا الْأَب على وَلَده الصَّغِير أَو الْكَبِير ويكونان شَاهِدين وَمن أقرّ بِمَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ قبل إِقْرَاره فِيمَا عَلَيْهِ دون مَاله (الْفَصْل الثَّانِي) فِي الْمقر بِهِ إِذا كَانَ اللَّفْظ بَينا لزمَه مَا أقرّ بِهِ من مَال أَو حد أَو قصاص فَإِن كَانَ لفظا مُحْتملا حمل على أظهر مَعَانِيه وَفِي هَذَا الْفَصْل فروع كَثِيرَة اخْتلف الْفُقَهَاء فِيهَا لاخْتِلَاف مَعَانِيهَا فَمن قَالَ لفُلَان عَليّ شَيْء قبل تَفْسِيره بِأَقَلّ مَا يتمول وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ مَال قبل مَا يُفَسر بِهِ وَلَو حَبَّة أَو قيراطاويحلف وَقيل لَا يقبل فِي أقل من نِصَاب الزَّكَاة وَقيل فِي ربع دِينَار وَلَو قَالَ مَال عَظِيم أَو كثير فَقيل هُوَ كَقَوْلِه مَال وَقيل هُوَ ألف دِينَار قدر الدِّيَة فَلَو قَالَ كَذَا فَهُوَ كالشيء يقبل مَا يفسره بِهِ وَلَو قَالَ كَذَا وَكَذَا بالْعَطْف لزمَه أحد وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ أقل الْأَعْدَاد المعطوفات فَلَو قَالَ كَذَا درهما لزمَه عشرُون وَلَو قَالَ كَذَا وَكَذَا درهما بِغَيْر وَاو لزمَه أحد عشر لِأَنَّهُ أقل عدد مركب وَلَو قَالَ عشرَة دَرَاهِم

стр. 204

ونيف فَالْقَوْل قَوْله فِي النيف وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف فَسرهَا بِمَا شَاءَ من دَنَانِير أَو دَرَاهِم أَو غير ذَلِك وَإِن قَالَ لَهُ عَليّ بضعَة عشر كَانَ ثَلَاثَة عشر لِأَن الْبضْعَة من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ أَكثر مائَة أَو جلّ مائَة أَو نَحْو مائَة أَو مائَة إِلَّا قَلِيلا فَعَلَيهِ الثُّلُثَانِ وَقيل النّصْف وَزِيَادَة وَهُوَ أحد وَخَمْسُونَ وَلَو قَالَ دَنَانِير أَو دَرَاهِم أَو جمع من أَي من الْأَصْنَاف كَانَ لزمَه ثَلَاثَة وَكَذَلِكَ إِن صغر فَقَالَ دريهمات وَلَو قَالَ دَرَاهِم كَثِيرَة فَقيل يلْزمه أَرْبَعَة وَقيل تِسْعَة وَقيل مِائَتَان وَلَو قَالَ مَا بَين وَاحِد إِلَى عشرَة لَزِمته تِسْعَة وَقيل عشرَة وَلَو قَالَ عشرَة فِي عشرَة لَزِمته مائَة إِلَّا أَن فَسرهَا بِأَنَّهُ تعيّنت لَهُ عِنْده عشرَة فِي عشرَة بَاعهَا مِنْهُ وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ زَيْت أَو عسل فِي زق أَو فِي جرة لزمَه الْمقر بِهِ والوعاء وَلَو قَالَ دِرْهَم دِرْهَم لزمَه دِرْهَم وَاحِد وللطالب أَن يحلفهُ أَنه مَا أَرَادَ دِرْهَمَيْنِ وَلَو قَالَ دِرْهَم وَدِرْهَم أَو دِرْهَم ثمَّ دِرْهَم أَو دِرْهَم مَعَ دِرْهَم أَو فَوق دِرْهَم أَو تَحت دِرْهَم أَو قبل دِرْهَم أَو بعد دِرْهَم لزمَه دِرْهَمَانِ وَلَو قَالَ دِرْهَم بل دِينَار لزمَه الدِّينَار وَسقط الدِّرْهَم وَلَو قَالَ لفُلَان فِي هَذِه الدَّار نصيب أَو حق قبل تَفْسِيره بِمَا قل أَو كثر إِلَّا أَن يدعى الْمقر لَهُ أَكثر فيحلفه على نفي الزِّيَادَة وَلَو قَالَ يَوْم السبت لَهُ عَليّ ألف وَقَالَ كَذَلِك يَوْم الْأَحَد لم يلْزمه إِلَّا ألف وَاحِد إِلَى أَن يضيف إِلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين وَلَو اخْتلف الْإِقْرَار فَأقر لَهُ فِي موطن بِمِائَة وَفِي موطن آخر بمائتين لزمَه ثَلَاثمِائَة وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف من خمر أَو خِنْزِير لم يلْزم شَيْء وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف إِن حلف فَحلف الْمقر لَهُ فَلَا شَيْء لَهُ لِأَن الْمقر يَقُول مَا ظَنَنْت أَنه يحلف وَإِن أقرّ بِمِائَة دِينَار دينا لَزِمته دينا أَو وَدِيعَة لَزِمته وَدِيعَة فَإِن قَالَ دينا أَو وَدِيعَة كَانَت دينا مَسْأَلَة فِي الِاسْتِثْنَاء إِذا اسْتثْنى مَا لَا يسْتَغْرق صَحَّ كَقَوْلِه عَليّ عشرَة إِلَّا تِسْعَة فَيلْزمهُ وَاحِد فَإِن اسْتثْنى فَقَالَ عشرَة إِلَّا تِسْعَة إِلَّا ثَمَانِيَة إِلَّا سَبْعَة إِلَّا سِتَّة إِلَّا خَمْسَة إِلَّا أَرْبَعَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا إثنان إِلَّا وَاحِد لَزِمته خَمْسَة فَإِن اسْتثْنى من غير الْجِنْس كَقَوْلِه ألف دِرْهَم إِلَّا ثوبا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء على الْمَشْهُور وَذكر قيمَة الثَّوْب فأخرجت من الْألف وَقيل اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِل (الْفَصْل الثَّالِث) فِي الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار فَإِن أقرّ بِحَق لمخلوق لم ينفع الرُّجُوع وَإِن أقرّ بِحَق الله تَعَالَى كالزنى وَشرب الْخمر فَإِن رَجَعَ إِلَى شُبْهَة قبل مِنْهُ وَإِن رَجَعَ إِلَى غير شُبْهَة فَفِيهِ قَولَانِ قيل يقبل مِنْهُ وفَاقا لَهما وَقيل لَا يقبل مِنْهُ وفَاقا لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ الْبَاب الثَّانِي فِي الحكم على الْمديَان وَهُوَ الْغَرِيم وَيُقَال أَيْضا غَرِيم لصَاحب الْحق وَفِي الْبَاب ثَلَاثَة فُصُول (الْفَصْل الأول) فِي أَنْوَاع الْغُرَمَاء وهم ثَلَاثَة أَنْوَاع (الأول) غَرِيم ملي فَهَذَا

стр. 205

يجب الْأَدَاء وَلَا يحل لَهُ المطل (الثَّانِي) غَرِيم مُعسر غير عديم فَيُسْتَحَب تَأْخِيره وَهُوَ الَّذِي يجحف بِهِ الْأَدَاء وَيضْرب بِهِ (الثَّالِث) غَرِيم مُعسر عديم فَيجب تَأْخِيره إِلَى أَن يوسر وَقَالَ أَبُو حنيفَة لغرمائه أَن يلازموه ويدوروا مَعَه حَيْثُمَا دَار وَقَالَ عمر بن عبد العزيز وَابْن حَنْبَل لَهُم أَن يؤاجروه وَكَانَ الحكم فِي أول الْإِسْلَام أَن يُبَاع فِي دينه فنسخ لقَوْل الله تَعَالَى ((وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة)) (الْفَصْل الأول) فِي الحكم على المذيان فَإِذا عدا صَاحب الْحق غَرِيمه إِلَى القَاضِي بعد ثوبت الْحق وحلوله فَلَا يَخْلُو من وَجْهَيْن (الأول) أَن يَدعِي الْعَدَم (الثَّانِي) أَن لَا يَدعِي الْعَدَم فَأَما إِن ادّعى الْعَدَم فَلَا يقبل مِنْهُ لِأَن النَّاس محمولون على الملاء حَتَّى يثبت عدمهم فَأَما أَن يُعْطي رهنا أَو ضَامِنا بِوَجْهِهِ وَإِلَّا سجن اتِّفَاقًا حَتَّى يتَبَيَّن عَدمه ويتبين عَدمه إِن ثَبت بالشهود الْعُدُول وَيحلف بعد ذَلِك أَنه مَا لَهُ مَال وَلَا ظَاهر وَلَا بَاطِن لِأَن شَهَادَة الشُّهُود بِالْعدمِ هِيَ على نفي الْعلم وَيحلف هُوَ على الْبَتّ فَإِذا خلف بعد الثُّبُوت سرح وَسقط عَنهُ الطّلب حَتَّى يَسْتَفِيد مَالا وَيُؤَدِّي مِنْهُ فَإِن ادّعى صَاحب الْحق بعد ذَلِك أَنه قد اسْتَفَادَ مَالا لم يكا لَهُ أَن يحلفهُ وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ إِذا لم يدع الْغَرِيم الْعَدَم فَإِنَّهُ يُؤمر بِالْأَدَاءِ فَإِن قَالَ أمهلوني بَيْنَمَا يَتَيَسَّر لي أعطي رهنا أَو ضَامِنا بِالْمَالِ لم يسجن ويؤخره القَاضِي مُدَّة على حسب قلَّة الدّين وكثرته وَذَلِكَ يرجع إِلَى اجْتِهَاد القَاضِي وَهَذَا إِذا لم يكن من أهل الناض فَإِن كَانَ من أهل الناض لم يُؤَخر وَأمر بِالْأَدَاءِ معجلا فَإِن امْتنع مِنْهُ سجن فَإِن ادّعى صَاحب الْحق أَن عِنْد الْغَرِيم ناضا وَأنكر الْغَرِيم حلف الْغَرِيم أَنه لَيْسَ عِنْده ناض فَإِن نكل عَن الْيَمين حلف صَاحب الْحق وأجبر الْغَرِيم على الْأَدَاء وَلم يُؤَخر فَإِن طلب صَاحب الْحق أَن يفتش دَار الْغَرِيم فَاخْتلف هَل يُمكن من ذَلِك أم لَا (الْفَصْل الثَّالِث) فِي سجن الْغَرِيم وَهُوَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع ((الأول)) سجن من ادّعى الْعَدَم وجهلت حَالَته فيسجن حَتَّى يثبت عَدمه أَو يُعْطي ضَامِنا بِوَجْهِهِ ((الثَّانِي)) سجن من اتهمَ أَنه أخْفى مَالا وغيبه فَإِنَّهُ يسجن حَتَّى يُؤَدِّي أَو يثبت عَدمه إِلَى أَن يُعْطي ضَامِنا بِالْمَالِ ((الثَّالِث)) يسجن من أَخذ أَمْوَال النَّاس وتقعد عَلَيْهَا وَادّعى الْعَدَم فَتبين كذبه فَإِنَّهُ يحبس أبدا حَتَّى يُؤَدِّي أَمْوَال النَّاس أَو يَمُوت فِي السجْن وَقَالَ سَحْنُون يضْرب الْمرة بعد الْمرة حَتَّى يُؤَدِّي أَمْوَال النَّاس وَلَا ينجيه من ذَلِك إِلَّا ضَامِن بِالْمَالِ الْبَاب الثَّانِي فِي التَّفْلِيس الْفلس هُوَ عدم المَال والتفليس هُوَ خلع الرجل عَن مَاله للْغُرَمَاء فَإِذا أحَاط الدّين بِمَال أحد وَلم يكن فِي مَاله وَفَاء بديونه وَقَامَ الْغُرَمَاء عِنْد القَاضِي فَإِنَّهُ

стр. 206

يجْرِي فِي ذَلِك على الْمديَان أَحْكَام التَّفْلِيس وَهِي خَمْسَة (الأول) أَنِّي سجن اسْتِبْرَاء لأَمره (الثَّانِي) أَن تحل عَلَيْهِ الدُّيُون المؤجلة والمعجلة فِي الْمَذْهَب بعد سجنه أَو استتاره كَمَا تحل على الْإِنْسَان إِذا مَاتَ اتِّفَاقًا (الثَّالِث) أَن لَا يقبل إِقْرَاره بدين وَشبهه وَإِن كَانَ إِقْرَاره بعد الدُّيُون وَقبل التَّفْلِيس قبل فِيمَن لَا يتهم عَلَيْهِ وَلَا يقبل فِيمَن يتهم بالميل إِلَيْهِ من قريب أَو صديق فَإِن كَانَ إِقْرَاره بعد التَّفْلِيس لم يقبل أصلا وَلَكِن يجب فِي ذمَّته مَتى اسْتَفَادَ مَالا وَاخْتلف فِي إِقْرَاره بِمَال معِين كَالْوَدِيعَةِ بَيِّنَة والقراض فَقيل يقبل وَقيل لَا يقبل وَقيل يقبل إِن كَانَ على أصل الْقَرَاض والوديعة بَينه (الرَّابِع) أَن يحْجر عَلَيْهِ فَلَا ينفذ تصرفه فِي مَاله فَإِن تصرف فِيهِ بعد الدُّيُون وَقبل التَّفْلِيس نفذ مَا كَانَ تصرفه بعوض كَالْبيع وَلم ينفذ مَا كَانَ بِغَيْر عوض كالهية وَالْعِتْق وَاخْتلف فِي جَوَاز رَهنه وقضائه بعض غُرَمَائه دون بعض وَأما بعد التَّفْلِيس فَلَا ينفذ شَيْء من أَفعاله سَوَاء كَانَ بعوض أَو بِغَيْر عوض ((الْخَامِس)) قسم مَاله على الْغُرَمَاء بعد أَن يتْرك لَهُ مِنْهُ كسوته وَمَا يَأْكُلهُ أَيَّامًا هُوَ وَأَهله وَفِي الْوَاضِحَة الشَّهْر وَنَحْوه وَاخْتلف هَل تتْرك كسْوَة زَوجته وَهل تبَاع عَلَيْهِ كتب الْعلم ثمَّ يجْتَمع كل مَا وجد لَهُ من أصُول وعروض وَغير ذَلِك وتباع الْأُصُول وَالْعرُوض وَيقسم الْمَجْمُوع على الْغُرَمَاء فَإِن وفيى بِدِينِهِ سرح من السجْن وبريء من الدُّيُون وَإِن كَانَ مَاله لَا يقوم بالديون قسم قسْمَة المحاصة وَالْعَمَل فِي المحاصة أَن ينظر نِسْبَة مَاله من جَمِيع الدُّيُون وَيُعْطى كل وَاحِد من الْغُرَمَاء بِتِلْكَ النِّسْبَة دينه مِثَال ذَلِك إِذا كَانَ مالخ عشرَة دَنَانِير والديون عشرُون دِينَار فَيعْطى كل وَاحِد مِنْهُم نصف دينه وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مَاله عشرَة والديون ثَلَاثُونَ أعطي كل وَاحِد مِنْهُم ثلث دينه وَيحلف الْمُفلس أَنه لَيْسَ لَهُ مَال ظَاهر وَلَا بَاطِن يُؤَدِّي مِنْهُ بَقِيَّة دينه وَحِينَئِذٍ يسرح من السجْن وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَيْسَ للْحَاكِم أَن يحجز على الْمُفلس وَلَا يَبِيع مَاله بل يحْبسهُ حَتَّى يُؤَدِّي أَو يَمُوت فِي السجْن مَسْأَلَة من بَاعَ سلْعَة ثمَّ أفلس المُشْتَرِي أَو مَاتَ قبل أَدَاء الثّمن فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال (الأولى) يكون البَائِع أَحَق بسلعته فِي فلس المُشْتَرِي وَوجه ذَلِك إِذا كَانَت السّلْعَة بَاقِيَة بيد البَائِع وَكَذَلِكَ الصناع إِذا أفلس رب الْمَتَاع أَو مَاتَ وَالْمَتَاع بيد الصناع وَكَذَلِكَ الأَرْض أَحَق بالزرع فِي الْكِرَاء (الثَّانِيَة) يكون البَائِع أحل بالسلعة فِي فلس المُشْتَرِي دون مَوته وَهُوَ إِذا كَانَت السّلْعَة بَاقِيَة بيدالمشتري وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ أَحَق بهَا فِي الْمَوْت والفلس وَعكس أَبُو حنيفَة (الثَّالِثَة) يكون البَائِع فِيهَا سَوَاء مَعَ سَائِر الْغُرَمَاء فِي الْمَوْت والفلس وَهَذَا إِذا كَانَت السّلْعَة قد فَاتَت أَو ذهبت فرع قَالَ ابْن حَارِث اتَّفقُوا على أَن البَائِع إِذا وجد عين مَاله بيد المُشْتَرِي وَقد زَاد أَو نقص كَانَ لَهُ أَخذه على مَا يُوجب الحكم فِي الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَقَالَ ابْن مُحرز إِن تَغَيَّرت تغيرا يَسِيرا فَالْحكم فِيهَا أَن صَاحبهَا أَحَق بهَا وَإِن تَغَيَّرت تغيرا كثيرا بَطل حق البَائِع فِيهَا وَإِن ترَتّب الدّين على الْمَيِّت أَو الْمُفلس من كِرَاء أَو إِجَارَة أَو شَيْء غير البيع فالغرماء كلهم سَوَاء

стр. 207

الْبَاب الرَّابِع فِي الْحجر المحجورون سَبْعَة وهم الصَّغِير وَالْمَجْنُون وَالسَّفِيه وَالْعَبْد وَالْمَرِيض وَالْمَرْأَة والمفلس فَأَما لصغير فَهُوَ غير الْبَالِغ فَلَا يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِي مَاله فَإِن تصرف بعوض كَالْبيع وَالشِّرَاء فَذَلِك إِلَى نظر وليه فَإِن شَاءَ رد وَإِن شَاءَ أجَاز وَلَا كَلَام فِي ذَلِك لمن عَامله وَإِذا رد مَا بَاعه الصَّبِي من مَاله فَلَا شَيْء للْمُشْتَرِي مِمَّا دفع الثّمن للصَّبِيّ إِلَّا أَن يكون الصَّبِي أنْفق ذَلِك فِي مَصَالِحه الَّتِي لَا بُد لَهُ مِنْهَا فَيلْزم الْوَلِيّ رده وَإِن تصرف بِغَيْر عوض كَالْهِبَةِ وَالْعِتْق فَهُوَ مَرْدُود وكل مَا يعْقد الْوَالِد على وَلَده الصَّغِير فَحكمه فِيهِ نَافِذ لولايته عَلَيْهِ وَنَظره لَهُ إِلَّا مَا وهب من مَاله أَو تصدق بِهِ فَهُوَ غير بَائِن وَينفذ عتقه لرقيق وَلَده وَتلْزَمهُ الْقيمَة وكل مَا أقرّ بهالوالد على وَلَده الصَّغِير فِيمَا ينظر لَهُ فِيهِ فَإِقْرَاره جَائِز وَمَا أقرّ بِهِ عَلَيْهِ من الْغَصْب وَالْجِنَايَة لم يجز إِقْرَاره عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِيهِ شَاهد وَيجوز للْأَب أَن يَشْتَرِي من نَفسه لِابْنِهِ الصَّغِير وَإِن يَشْتَرِي لنَفسِهِ من مَاله إِذا كَانَ ذَلِك نظر للْوَلَد بَيَان فَإِذا بلغ فَلَا يَخْلُو أَن يكون ذكرا أَو أُنْثَى فَإِن كَانَ ذكرا فَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام (أَحدهَا) أَن يكون أَبوهُ حَيا فَإِنَّهُ ينْطَلق من الْحجر بِبُلُوغِهِ مَا لم يظْهر مِنْهُ سفه أَو يحجره أَبوهُ (الثَّانِي) أَن يكون أَبوهُ قد مَاتَ وَعَلِيهِ وَصِيّ فَلَا ينْطَلق من الْحجر إِلَّا بالترشيد فَإِن كَانَ وَصِيّه بِتَقْدِيم الْأَب فَلهُ أَن يرشده من غير إِذن القَاضِي وَإِن كَانَ الْوَصِيّ مقدما من قَاض لم يكن لَهُ ترشيد إِلَّا بِإِذن القَاضِي وللقاضي ترشيد الْمَحْجُور إِذا ثَبت عِنْده رشده سَوَاء كَانَ يُوصي أَو بِغَيْر وَصِيّ (الثَّالِث) أَن يبلغ وَلَا يكون أَب وَلَا وَصِيّ وَهُوَ المهمل فَهُوَ مَحْمُول على الرشد إِلَّا أَن يتَبَيَّن سفهه وَإِن كَانَت أُنْثَى فَهِيَ تَنْقَسِم إِلَى تِلْكَ الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فَأَما ذَات الْأَب إِذا بلغت فَتبقى فِي حجره حَتَّى تتَزَوَّج وَيدخل بهَا زَوجهَا وَتبقى مُدَّة بعد الدُّخُول وَاخْتلف فِي تَحْدِيد تِلْكَ الْمدَّة من عَام إِلَى سَبْعَة أَعْوَام وَقيل لَا تَنْطَلِق حَتَّى يرشدها أَبوهَا أَو يشْهد لَهَا بِالرشد وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة إِذا بلغت ملكت أمرهَا وَأما ذَات الْوَصِيّ فَلَا تَنْطَلِق من الْحجر إِلَّا بالترشيد حَسْبَمَا ذكرنَا وَأما الْمُهْملَة فَقيل أَنَّهَا تملك أَمر نَفسهَا إِذا بلغت وَقيل حَتَّى يدْخل بهَا زَوجهَا أَو تعنس وَأما السَّفِيه فَهُوَ المبذر لمَاله إِمَّا لإنفاقه باتباعه لشهوته وَإِمَّا لعدم مَعْرفَته بمصالحه وَإِن كَانَ صَالحا فِي دينه والرشيد هُوَ الضَّابِط لمَاله وَلَا يشْتَرط صَلَاحه فِي دينه خلافًا للشَّافِعِيّ وَابْن الْمَاجشون فَإِذا ثَبت سفهه حجره القَاضِي وَإِن كَانَ كَبِيرا وَقَالَ أَبُو حنيفَة من بلغ خمْسا وَعشْرين سنة انْطلق من الْحجر وَلم يجز الْحجر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ سَفِيها وأفعال السَّفِيه نَافِذَة مَا لم يحْجر عَلَيْهِ وَابْن الماشجون إِنَّمَا تجوز أَفعاله إِذا كَانَ رشيدا ثمَّ سفه بِخِلَاف من بلغ سَفِيها وَطَلَاق السَّفِيه نَافِذ وعتقه لأم وَلَده وَلَا يُزَوّج بَنَاته إِلَّا بِإِذن وليه وأفعال المهمل نَافِذَة

стр. 208

عِنْد غير ابْن الْقَاسِم حَتَّى يحْجر عَلَيْهِ تَكْمِيل فِي أَحْكَام الْوَصِيّ فَلَا يجوز أَن يكون الْوَصِيّ إِلَّا عدلا وَإِذا قبل الْوَصِيَّة فِي حَيَاة الْمُوصي فَلهُ أَن يرجع فِي طول حَيَاته وَلَا يرجع بعد مماته وكل مَا يُجِيز الْوَصِيّ من فعل الْمَحْجُور فَهُوَ جَائِز وكل مَا يَفْعَله الْوَصِيّ على وَجه النّظر فَهُوَ جَائِز بِخِلَاف مَا فعله على وَجه الْمُحَابَاة وَسُوء النّظر وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَشْتَرِي من مَال الْمَيِّت شَيْئا لما يلْحقهُ من التُّهْمَة إِلَّا أَن يكون بيع ذَلِك قَاض بِالسَّوَادِ على مَلأ من النَّاس وَلَا يَبِيع الْوَصِيّ عقار الْمَحْجُور إِلَّا لحَاجَة أَو مصلحَة وَلَا تجوز شَهَادَة الْوَصِيّ لمحجوره وَإِذا دفع الْوَصِيّ دين الْمَيِّت بِغَيْر بَيِّنَة ضمن وَإِذا كَانَ وصيان اثْنَان لم يفعل شَيْئا إِلَّا بِإِذن الآخر وَيكون المَال عِنْد أعدلهما وَلَا يقسم بَينهمَا وَإِذا اخْتلفَا نظر السُّلْطَان بَينهمَا وَإِذا أنْفق الْوَصِيّ على الْمَحْجُور فَإِن كَانَ فِي حضانته صدق فِيمَا يشبه دون بَيِّنَة وَإِن لم يكن فِي حضانته فَعَلَيهِ الْبَيِّنَة أَنه أنْفق عَلَيْهِم أَو دفع إِلَيْهِم وَيَأْكُل الْوَصِيّ الْفَقِير من مَال مَحْجُوره خلافًا لأبي حنيفَة ووصي الْوَصِيّ كالوصي فِي كل مَا ذكر وَأما الْمَجْنُون فيحجر عَلَيْهِ حَتَّى يبرأ وَأما العَبْد فَلَا يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِي مَاله إِلَّا بِإِذن سَيّده وَقد تقدم فِي مُعَاملَة العبيد وَأما الْمَرِيض فَهُوَ نَوْعَانِ مَرِيض لَا يخَاف عَلَيْهِ الْمَوْت غَالِبا كالأبرص والمجذوم والأرمد وَغير ذَلِك فَلَا حجر عَلَيْهِ أصلا ومريض يخَاف عَلَيْهِ فِي الْعَادة كالحمى والسل وَذَات الْجنب وَشبه ذَلِك فَهَذَا هُوَ الَّذِي يحْجر عَلَيْهِ فَيمْنَع مِمَّا زَاد على قدر الْحَاجة من الْأكل وَالشرب وَالْكِسْوَة والتداوي وَمِمَّا يخرج من مَاله بِغَيْر عوض كَالْهِبَةِ وَالْعِتْق وَلَا يمْنَع من الْمُعَارضَة إِلَّا أَن كَانَ فِيهَا مُحَابَاة فَإِن مَاتَ كَانَ مَا فعل مِمَّا يمْنَع مِنْهُ فِي ثلثه وَإِن عَاشَ كَانَ فِي رَأس مَاله وَإِنَّمَا الْحجر عَلَيْهِ لحق ورثته وَيلْحق بِهِ من يخَاف عَلَيْهِ الْمَوْت كالمقاتل فِي الصَّفّ والمحبوس للْقَتْل وَالْحَامِل إِذا بلغت سِتَّة أشهر وَاخْتلف فِي رَاكب الْبَحْر وَقت الهول وَأما الْمَرْأَة فَإِنَّمَا يحْجر عَلَيْهَا إِذا كَانَت ذَات زوج أَن تتصرف بِغَيْر عوض كَالْهِبَةِ وَالْعِتْق فِيمَا زَاد على ثلث مَالهَا خلافًا لَهما وَإِذا تصرفت فِي أَكثر من الثُّلُث فَقيل تبطل الزِّيَادَة على الثُّلُث خَاصَّة وَقيل يبطل الْجَمِيع وَلها التَّصَرُّف بعوض فِي جَمِيع مَاله وَبِغير عوض فِي فَمَا دون إِلَّا أَن تكون قد أمتعت زَوجهَا فِي مَالهَا فَلَيْسَ لَهَا التَّصَرُّف فِي شَيْء مِمَّا أمتعته لَا بعوض وَلَا بِغَيْر عوض إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقد تقدم حكم الْمُفلس الْبَاب الْخَامِس فِي الرهون وَفِيه عشر مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأول) فِي الْمَرْهُون وَيجوز رهن كل شَيْء يَصح تملكه من الْعرُوض وَالْحَيَوَان وَالْعَقار وَيجوز رهن الْمشَاع خلافًا لأبي حنيفَة وَيجوز رهن الدَّنَانِير إِذا طبع عَلَيْهَا وَيجوز رهن الدّين خلافًا للشَّافِعِيّ وَرهن التَّمْر قبل بَدْء صَلَاحه

стр. 209

وَيجوز الرَّهْن قبل حُلُول الْحق خلافًا للشَّافِعِيّ وَبعد حُلُوله اتِّفَاقًا وَالرَّهْن محتبس بِالْحَقِّ مَا بَقِي مِنْهُ دِرْهَم وَلَا ينْحل بعضه بأَدَاء بعض الْحق (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي الْمَرْهُون فِيهِ وَهُوَ جَمِيع الْحُقُوق من بيع أَو سلف أَو غير ذَلِك إِلَّا الصّرْف وَرَأس مَال السّلم وَقَالَ الظَّاهِرِيَّة لَا يجوز أَخذ الرَّهْن إِلَّا فِي السّلم يَعْنِي الْمُسلم فِيهِ واشترطوا أَن يكون أَيْضا فِي السّفر وَإِن لَا يُوجد كَاتب (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي الْقَبْض وَهُوَ الْحَوْز فَهُوَ شَرط تَمام فِي العقد وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة شَرط صِحَة وعَلى الْمَذْهَب فَإِذا عقد الرَّهْن بالْقَوْل لزم وأجبر الرَّاهِن على أقباضه للْمُرْتَهن فِي الْمُطَالبَة بِهِ فَإِن ترَاخى الْمُرْتَهن فِي الْمُطَالبَة بِهِ أَو رَضِي بِتَرْكِهِ فِي يَد الرَّاهِن بَطل الرَّهْن وَلَا يَكْفِي فِي الْقَبْض الْإِقْرَار بِهِ وَلَا بُد فِيهِ من مُعَاينَة الْبَيِّنَة إِذا قبض الرَّهْن ثمَّ أفلس الرَّاهِن أَو مَاتَ فالمرتهن أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء وَيصِح أَن يقبض الرَّهْن الْمُرْتَهن أَو أَمِين يتفقان عَلَيْهِ (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) يشْتَرط دوَام الْقَبْض خلافًا للشَّافِعِيّ فَإِذا قبض الرَّهْن ثمَّ رده إِلَى الرَّاهِن بعارية أَو وَدِيعَة أَو كِرَاء أَو اسْتِخْدَام العَبْد أَو ركُوب الدَّابَّة بَطل الرَّهْن وَمهما احْتِيجَ إِلَى اسْتِعْمَال الرَّهْن أَو إِجَارَته فليتول ذَلِك الْمُرْتَهن بِإِذن الرَّاهِن (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) فِي الْمَنْفَعَة فِي الرَّهْن وَهِي المراهين فَإِذا اشترطها الْمُرْتَهن جَازَ إِن كَانَ الدّين من بيع أَو شبهه وَلم يجز إِن كَانَ سلفا لِأَنَّهُ سلف جر مَنْفَعَة فَإِن لم يشترطها الْمُرْتَهن ثمَّ تطوع لَهُ الرَّاهِن بهَا لم يجز لِأَنَّهَا هَدِيَّة مديان وَقَالَ ابْن حَنْبَل ينْتَفع الْمُرْتَهن بِالْحَيَوَانِ بِنَفَقَتِهِ (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) فِي بيع الرَّهْن وَلَا يجوز للرَّاهِن بَيْعه وَيجوز أَن يَبِيعهُ الْمُرْتَهن وينصف نَفسه من ثمنه إِن كَانَ الرَّاهِن قد جعل لَهُ بَيْعه وَإِلَّا بَاعه الرَّهْن (الْمَسْأَلَة السَّابِعَة) فِيمَا يتبع الرَّهْن فَأَما مَا لَا يتَمَيَّز مِنْهُ كسمن الْحَيَوَان فَهُوَ تَابع لَهُ إِجْمَاعًا وَإِن كَانَ متناسلا عَنهُ كالولادة والنتاج فَيكون تَابعا لَهُ خلافًا للشَّافِعِيّ بِخِلَاف غير ذَلِك كصوف الْغنم ولبنها أَو ثمار الْأَشْجَار وَسَائِر الغلات فَلَا تتبعها فِي الرَّهْن خلافًا لأبي حنيفَة (الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة) فِي ضَمَان الرَّهْن إِذا تلف إِذا كَانَ مِمَّا لَا يُغَاب عَلَيْهِ فضمانه من الرَّهْن كالعقار وَالْحَيَوَان وَإِن كَانَ مِمَّا يُغَاب عَلَيْهِ كَسَائِر الْأَشْيَاء فضمانه من الْقَبْض من الْمُرْتَهن إِلَّا أَن تقوم بهلاكه بَيِّنَة وَإِن كَانَ على يَد أَمِين فضمانه من الرَّاهِن وَقَالَ الشَّافِعِي ضَمَانه من الرَّاهِن ومصيبته عَلَيْهِ مُطلقًا وَعكس أَبُو حنيفَة (الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة) لَا يجوز غلق الرَّهْن وَهُوَ أَن يشْتَرط الْمُرْتَهن أَن الرَّهْن لَهُ بِحقِّهِ إِن لم ينصفه الرَّاهِن عِنْد حُلُول الْأَجَل (الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة) إِذا اخْتلفَا فِي مِقْدَار الْحق الَّذِي رهن فِيهِ فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن عِنْدهَا وَقَالَ مَالك القَوْل قَول الْمُرْتَهن إِلَّا فِيمَا زَاد على قيمَة الرَّهْن فَالْقَوْل قَول الرَّهْن الْبَاب السَّادِس فِي الْحمالَة وَهِي الْكفَالَة والزعامة وَالضَّمان وَيُقَال للضامن حميل وكفيل وزعيم وَفِيه أَربع مسَائِل

стр. 210

(الْمَسْأَلَة الأولى) فِي الْمَضْمُون وَهُوَ كل حق تصح النِّيَابَة فِيهِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال وَمَا يَئُول إِلَيْهَا فَلَا يَصح الضَّمَان فِي الْحُدُود وَلَا فِي الْقصاص لِأَنَّهَا لَا تصح النِّيَابَة فِيهَا وَإِنَّمَا الحكم فِيهَا بالسجن حَتَّى يثبت ويستوفي وَأَجَازَ قوم الضَّمَان فِيهَا بِالْوَجْهِ وَيجوز صمان المَال الْمَعْلُوم اتِّفَاقًا والمجهول خلافًا للشَّافِعِيّ وَيجوز الضَّمَان بعد وجوب الْحق اتِّفَاقًا وَقبل وُجُوبه خلافًا لشريحة القَاضِي وَسَحْنُون وَالشَّافِعِيّ وَيلْزم الضَّامِن الْحق بِإِقْرَار الْمَطْلُوب حَتَّى يُثبتهُ فِي الْمَشْهُور وَقيل يلْزمه باعترافه كاعتراف الْمَأْذُون لَهُ (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي الْمَضْمُون عَنهُ وَهُوَ كل مَطْلُوب بِمَال وَيجوز الضَّمَان عَن الْحَيّ وَالْمَيِّت وَمنع أَبُو حنيفَة الضَّمَان عَن الْمَيِّت إِذا لم يتْرك وَفَاء بِدِينِهِ وَعَن الْغَائِب وَيجوز عَن الْمُوسر والمعدم وَيجوز الضَّمَان بِإِذن الْمَضْمُون وَبِغير إِذْنه (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي الضَّامِن وَهُوَ كل من يجوز تصرفه فِي مَاله فَلَا يجوز ضَمَان السَّفِيه وَلَا الصَّغِير وَلَا العَبْد إِلَّا بِإِذن سَيّده سَوَاء كَانَ مَأْذُونا أَو غير مَأْذُون لَهُ وَلَا الْمَرْأَة فِيمَا زَاد على ثلث مَالهَا إِلَّا بِإِذن زَوجهَا (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) فِي أَنْوَاع الضَّمَان وَهُوَ نَوْعَانِ ضَمَان مَال وَضَمان وَجه فَأَما ضَمَان المَال فَيغرم فِيهِ الضَّامِن وَيرجع فِيهِ الْمَضْمُون عَنهُ إِن ضمنه بِإِذْنِهِ اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ إِن ضمنه بِغَيْر إِذْنه خلافًا لأبي حنيفَة وينقسم ضَمَان المَال قسمَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون على حكم ضَمَان الْخِيَار فَيَأْخُذ من شَاءَ من الضَّامِن أَو الْغَرِيم على الْمَشْهُور وَقَالَ ابْن كنَانَة وَأَشْهَب لَا يغرم الضَّامِن إِلَّا مَعَ عدم الْغَرِيم وَالْآخر أَن لَا يكون كَذَلِك فَاخْتلف فِيهِ فَقيل يَأْخُذ أَيهمَا شَاءَ كضمان الْخَيْر وفَاقا لَهُم وَقَالَ ابْن الْقَاسِم إِنَّمَا يَأْخُذ من الْغَرِيم إِلَّا أَن أفلس أَو غَابَ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذ من الضَّامِن فروع ثَلَاثَة (الْفَرْع الأول) إِذا أَخذ ضامنين بِحقِّهِ فَلَيْسَ على أَحدهمَا إِلَّا نصف الْحق إِلَّا أَن يكون أَحدهمَا فِي موطنين فَكل وَاحِد مِنْهُمَا ضَامِن لجملة الْحق وَكَذَلِكَ إِذا ضمنا بِحكم ضَمَان الْخِيَار أَو ضمن كل وَاحِد الآخر (الْفَرْع الثَّانِي) إِذا أخر الطَّالِب الْمَطْلُوب فَهُوَ تَأْخِير للْكَفِيل وَقيل إِسْقَاط للكفالة وَإِذا أخر الطَّالِب الْكَفِيل فَهُوَ تَأْخِير للمديان إِلَّا أَن يحلف أَنه لم يرد تَأْخِيره (الْفَرْع الثَّالِث) من تحمل عَن أحد صَدَاقا أَو ثمنا فِي نفس العقد على وَجه الْحمل لَا على وَجه الْحمالَة فَهُوَ لَازم لَهُ فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته فَإِن تحمله بعد العقد لزمَه فِي الْحَيَاة دون الْوَفَاة وَقَالَ ابْن الماشجون يلْزمه فيهمَا وَأما ضَمَان الْوَجْه فَهُوَ جَائِز خلافًا للشَّافِعِيّ وللظاهرية هُوَ على قسمَيْنِ (أَحدهمَا) أَن يضمن إِحْضَاره وَيشْتَرط إِن لم يحضرهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فينفع شَرطه وَلَا غرم عَلَيْهِ إِن لم يحضرهُ وَالْقَوْل قَوْله فِي أَنه لم يجده إِلَّا أَن ثَبت أَنه قكان قَادِرًا على الْإِتْيَان بِهِ ففرط وَإِن مَاتَ الضَّامِن فَلَا شَيْء على ورثته (الثَّانِي) أَن يضمن إِحْضَاره وَلَا يشْتَرط ذَلِك فَإِن أحضرهُ بَرِيء وَإِن لم يحضرهُ غرم المَال وَإِن مَاتَ غرمه ورثته من تركته إِلَّا أَن يحضروا الْمَضْمُون وَقَالَ أَبُو حنيفَة يحبس حَتَّى يَأْتِي بِهِ والإحضار وَهُوَ أَن يجمعه مَعَ مطالبه فِي مَوَاضِع الحكم

стр. 211

الْبَاب السَّابِع فِي الْحِوَالَة وَهِي على نَوْعَيْنِ إِحَالَة قطع وإحالة إِذن فَأَما إِحَالَة الْقطع فَلَا تجوز فيالمذهب إِلَّا بِثَلَاثَة شُرُوط (الشَّرْط الأول) أَن يكون الدّين الْمحَال بِهِ قد حل سَوَاء كَانَ الْمحَال فِيهِ قد حل أَو لم يحل وَلَا تجوز بِمَا لم يحل سَوَاء كَانَ الْمحَال فِيهِ قد حل أم لَا لِأَنَّهُ بيع دين بدين (الشَّرْط الثَّانِي) أَن يكون الدّين الْمحَال بِهِ مُسَاوِيا للمحال فِيهِ فِي الصّفة والمقدار فَلَا يجوز أَن يكون أَحدهمَا أقل أَو أَكثر أَو أدنى أَو أَعلَى لِأَنَّهُ يخرج عَن الإحالة إِلَى البيع فيدخله الدّين بِالدّينِ (الشَّرْط الثَّالِث) أَن لَا يكون الدينان أَو أَحدهمَا طَعَاما من سلم لِأَنَّهُ بيع الطَّعَام قبل قَبضه فَإِذا وَقعت الإحالة بَرِئت بهَا ذمَّة الْمُحِيل من الدّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ للمحال وانتقل إِلَى طلب الْمحَال عَلَيْهِ وَلَا رُجُوع للمحال على الْمُحِيل إِن أفلس الْمحَال عَلَيْهِ أَو أنكر إِلَّا أَن يكون الْمُحِيل قد غر الْمحَال لكَونه يعلم فلس الْمحَال عَلَيْهِ أَو بطلَان حَقه قبله وَلم يعلم الْمحَال بذلك وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يرجع على الْمُحِيل غره أَو لم يغره وَأما الْإِذْن فَهُوَ كالتوكيل على الْقَبْض والاقتطاع فَيجوز بِمَا حل وَبِمَا لم يحل وَلَا تَبرأ بِهِ ذمَّة الْمُحِيل حَتَّى يقبض الْمحَال من الْمحَال عَلَيْهِ مَاله وَيجوز للْمُحِيل أَن يعْزل الْمحَال فِي الْإِذْن على الْقَبْض وَلَا يجوز لَهُ عَزله فِي إِحَالَة الْقطع وَيشْتَرط فِي الإحالة وَالْإِذْن رضى الْمُحِيل والمحال وَلَا يشْتَرط رضى الْمحَال عَلَيْهِ خلافًا لداود وَلَا يلْزم الْمحَال قبُول الإحالة خلافًا لداود الْبَاب الثَّامِن فِي الْوكَالَة وَفِيه سِتّ مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي الْمُوكل وَالْوَكِيل وَتجوز وكَالَة الْغَائِب وَالْمَرْأَة وَالْمَرِيض اتِّفَاقًا ووكالة الْحَاضِر الصَّحِيح خلافًا لأبي حنيفَة وَأما الْوَكِيل فَكل من جَازَ لَهُ التَّصَرُّف لنَفسِهِ فِي شء جَازَ لَهُ أَن يَنُوب فِيهِ عَن غَيره إِلَّا أَنه لَا يجوز تَوْكِيل الْعَدو على عدوه وَلَا يجوز تَوْكِيل الْكَافِر على بيع أَو شِرَاء أَو سلم لِئَلَّا يفعل الْحَرَام وَلَا تَوْكِيله على قبض من الْمُسلمين لِئَلَّا يستعلي عَلَيْهِم (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِيمَا تصح الوكاة فِيهِ وَمَا لَا تصح وَتجوز الوكاة فِي كل مَا تصح النِّيَابَة فِيهِ من الْأُمُور الْمَالِيَّة وَغَيرهَا والعبادات والقربات إِلَّا الْعِبَادَة الْمُتَعَلّقَة بالأبدان كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام فَلَا تصح النِّيَابَة فِيهَا وَتَصِح فِي الْعِبَادَة الْمُتَعَلّقَة بالأموال كَالزَّكَاةِ وَاخْتلف فِي صِحَّتهَا فِي الْحَج (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي أَنْوَاع الْوكَالَة وَهِي نَوْعَانِ (الأول) تَفْوِيض عَام فَيدْخل تَحْتَهُ جَمِيع مَا تصح فِي النِّيَابَة من الْأُمُور الْمَالِيَّة وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَغير ذَلِك إِلَّا مَا يستثنيه الْمُفَوض من الْأَشْيَاء وَقَالَ الشَّافِعِي

стр. 212

لَا يَصح التَّفْوِيض الْعَام (الثَّانِي) تَوْكِيل خَاص فَيخْتَص بِمَا جعل الْمُوكل للْوَكِيل من قبض أَو بيع أَو خصام أَو غير ذَلِك فَإِذا وَكله على البيع وَعين لَهُ ثمنا لم يجز لَهُ أَن يَبِيع بِأَقَلّ مِنْهُ وَإِن وَكله على البيع مُطلقًا لم يجز لَهُ أَن يَبِيع بِعرْض وَلَا نَسِيئَة وَلَا بِمَا دون ثمن الْمثل خلافًا لأبي حنيفَة وَإِن أذن لَهُ أَن يَبِيع بِمَا يرى وكيفما يرى جَازَ لَهُ ذَلِك كُله وَيجوز للْوَكِيل وَالْوَصِيّ أَن يشتريا لأنفسهما من مَال الْمُوكل واليتيم إِذا لم يحابيا أَنفسهمَا وَمنعه الشَّافِعِي وَقَالَ هُوَ مَرْدُود وَإِن وَكله على الْخِصَام لم يكن لَهُ أَن يقر عَنهُ إِلَّا أَن جعل لَهُ ذَلِك فِي التَّوْكِيل وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز الْإِقْرَار عَلَيْهِ وَإِن جعله لَهُ وَقَالَ أَبُو حنيفَة يجوز وَإِن لم يَجْعَل لَهُ وَلَا يجوز للْوَكِيل أَن يُوكل غَيره إِلَّا أَن جعل لَهُ الْمُوكل ذَلِك أَو يكون تَوْكِيله عَاما (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) فِيمَا يبطل الْوكَالَة وَهُوَ شَيْئَانِ موت الْمُوكل بِخِلَاف فِي الْمَذْهَب وعزل الْوَكِيل وَاخْتلف هَل تبطل الْوكَالَة بِنَفس الْعَزْل أَو الْمَوْت قبل أَن يعلم الْوَكِيل بذلك أَو لَا تبطل حَتَّى يعلم الْوَكِيل بذلك وَإِذا ابْتَدَأَ الْوَكِيل الْخِصَام فِي مجْلِس أَو مجلسين لم يكن لمُوكلِه أنيعزله إِلَّا بِإِذن خَصمه وَتبطل الْوكَالَة إِذا طَالَتْ مدَّتهَا نَحْو سِتَّة أشهر إِلَّا أَن يَجْعَلهَا على الدوما أَو تكون على أَمر معِين فَلَا تبطل حَتَّى يَنْقَضِي (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) تجوز الوكاة بِأُجْرَة وَبِغير أُجْرَة فَإِن كَانَت بِأُجْرَة فَحكمهَا حكم الْإِجَارَات وَإِن كَانَت بِغَيْر أُجْرَة فَهُوَ مَعْرُوف من الْوَكِيل وَله أَن يعْزل نَفسه إِلَّا حَيْثُ يمْنَع مُوكله من عَزله (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) فِي اخْتِلَاف الْمُوكل وَالْوَكِيل فَإِذا قَالَ الْوَكِيل قد دفعت إِلَيْك وَأنكر ذَلِك الْمُوكل فَالْقَوْل قَول الْوَكِيل مَعَ يَمِينه وَإِن طَال الزَّمَان فَلَا يَمِين عَلَيْهِ وَإِذا قبض الْوَكِيل شَيْئا فَادّعى تلفه بعد قَبضه لم يبرأ الدَّافِع إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَة على الدّفع وَإِذا اخْتلفَا هَل وَكله أم لَا فَقَالَ وكلتني وَقَالَ الآخر مَا وَكلتك فَالْقَوْل قَول الْمُوكل الْبَاب التَّاسِع فِي الْغَصْب وَفِيه ثَمَان مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي حد الْغَصْب وَهُوَ أَخذ رَقَبَة الْملك أَو منفعَته بِغَيْر إِذن الْمَالِك على وَجه الْغَلَبَة والقهر دون حرابة وَذَلِكَ أنأخذ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ على عشرَة أوجه كلهَا حرَام وَالْحكم فِيهَا مُخْتَلف الأول الْحِرَابَة وَالثَّانِي الْغَصْب وَالثَّالِث السّرقَة وَالرَّابِع الاختلاس وَالْخَامِس الْخِيَانَة وَالسَّادِس الإذلال وَالسَّابِع الْفُجُور فِي الْخِصَام بإنكار الْحق أَو دَعْوَى الْبَاطِل وَالثَّامِن الْقمَار كالشطرنج والنرد وَالتَّاسِع الرِّشْوَة فَلَا يحل أَخذهَا وَلَا إعطاؤها والعاشر الْغِشّ والخلابة فِي الْبيُوع (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِيمَا يجب على الْغَاصِب وَذَلِكَ حقان (أَحدهمَا) حق الله تَعَالَى وَهُوَ أَن يضْرب ويسجن زجرا لَهُ ولأمثاله على حسب اجْتِهَاد الْحَاكِم (الثَّانِي) حق الْمَغْصُوب مِنْهُ وَهُوَ أَن يرد إِلَيْهِ مَا غصبه فَإِن كَانَ الْمَغْصُوب قَائِما رده بِعَيْنِه إِلَيْهِ وَإِن كَانَ قد فَاتَ رد إِلَيْهِ مثله أَو قِيمَته فَيرد الْمثل فِيمَا لَهُ مثل

стр. 213

وَذَلِكَ فِي كل مَكِيل وموزون ومعدود من الطَّعَام وَالدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَغير ذَلِك وَيرد الْقيمَة فِيمَا لَا مثل لَهُ كالعروض وَالْحَيَوَان وَالْعَقار وَتعْتَبر الْقيمَة فِي ذَلِك يَوْم الْغَصْب لَا يَوْم الرَّد وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة إِنَّمَا يرد الْمثل وَلَا يرد الْقيمَة والفوات الَّذِي يرد إِلَى الْمثل أَو الْقيمَة هُوَ هَلَاك الْمَغْصُوب أَو نقصانه أَو حُدُوث عيب مُفسد فِيهِ أوصنع شَيْء مِنْهُ حَتَّى يُسمى باسم آخر كالفضة تصاغ حليا والنحاس يصنع مِنْهُ قدر وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يضمن الْغَاصِب عقارا إِن تلف بسيل أَو حريق أَو شبه ذَلِك خلافًا للإمامين وَأَجْمعُوا على الضَّمَان إِذا كَانَ تلفه بِجِنَايَة من الغاسب (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي دَعْوَى الْغَصْب وَذَلِكَ أَنه إِن ثَبت على الْمُدعى عَلَيْهِ باعتراف أَو بَيِّنَة بعد الْأَعْذَار إِلَيْهِ قضي عَلَيْهِ بِمَا ذكرنَا وَإِن لم يثبت عَلَيْهِ فَيقسم أَرْبَعَة أَقسَام (الأول) أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مَعْرُوفا بالصلاح فَلَا يَمِين عَلَيْهِ ويؤدب الْمُدَّعِي (الثَّانِي) أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مَسْتُور الْحَال من أَوسط النَّاس فَلَا يَمِين عَلَيْهِ وَلَا يُؤَدب الْمُدَّعِي (الثَّالِث) أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مِمَّن يتهم بذلك فَعَلَيهِ الْيَمين فَإِن نكل حلف الْمُدَّعِي وَاسْتحق (الرَّابِع) أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مَعْرُوفا بِالْغَصْبِ فَيضْرب ويهدد ويسجن حَتَّى يعْتَرف (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) فِي غلَّة الشَّيْء الْمَغْصُوب أما إِن كَانَت الْغلَّة ولادَة كنتاج الْبَهَائِم وَولد الْأمة فيردها الْغَاصِب مَعَ الْأُم بِاتِّفَاق وَإِن وطىء الْجَارِيَة فَعَلَيهِ الْحَد وَولده مِنْهَا رَقِيق للْمَغْصُوب مِنْهُ وَأما إِن كَانَت غير ذَلِك فَفِيهَا خَمْسَة أَقْوَال قيل يردهَا مُطلقًا لتعديه وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل لَا يردهَا مُطلقًا لِأَنَّهَا فِي مُقَابلَة الضَّمَان الَّذِي عَلَيْهِ وَقيل يردهَا فِي الْأُصُول وَالْعَقار لِأَنَّهُ مَأْمُون وَلَا يتَحَقَّق الضَّمَان فِيهِ دون الْحَيَوَان وَشبهه مِمَّا يتَحَقَّق فِيهِ الضَّمَان وَقيل يردهَا إِن انْتفع بهَا وَلَا يردهَا إِن عطلها وفَاقا لأبي حنيفَة وقِي يردهَا إِن غصب الْمَنَافِع خَاصَّة وَلَا يردهَا إِن غصب الْمَنَافِع والرقاب (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) من غصب أَرضًا فَبنى فِيهَا فربها بِالْخِيَارِ بينهدم الْبُنيان وإزالته وَيَأْخُذ الْغَاصِب أنقاضه وَبَين تَركه على أَن يُعْطي الْغَاصِب قيمَة أنقاض الْبُنيان من خشب وقرميد وَأجر وَغير ذَلِك تقوم منقوضة بعد طرح أُجْرَة الْقلع وَلَا يُعْطِيهِ قيمَة التجصيص والتزويق وَشبه ذَلِك مِمَّا لَا قيمَة لَهُ وَمن غصب سَارِيَة أَو خَشَبَة فَبنى عَلَيْهَا فلربها أَخذهَا وَإِن هدم الْبُنيان وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِنَّمَا لَهُ قيمتهَا (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) من غصب أَرضًا فغرس فِيهَا أشجارا لَا يُؤمر بقلعها وللمغصوب مِنْهُ أَن يُعْطِيهِ قيمتهَا بعد طرح أُجْرَة الْقلع كالبنيان فَإِن غصب أشجارا فغرسها فِي أرضه أَمر بقلعها خلافًا لأبي حنيفَة فإنزرع فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة زرعا فَإِن أَخذهَا صَاحبهَا فِي أبان الزِّرَاعَة فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يقْلع الزَّرْع أَو يتْركهُ للزارع وَيَأْخُذ الْكِرَاء وَإِن أَخذهَا بعد أبان الزِّرَاعَة فَقيل هُوَ مُخَيّر كَمَا ذكرنَا وَقيل لَيْسَ لَهُ قلعه وَله الْكِرَاء وَيكون الزَّرْع لزارعه (الْمَسْأَلَة السَّابِعَة) إِذا نقص الْمَغْصُوب عِنْد الْغَاصِب فصاحبة مُخَيّر بَين أَن يَأْخُذ قِيمَته يَوْم الْغَصْب ويتركه للْغَاصِب وَبَين أَن يَأْخُذهُ وَيَأْخُذ قيمَة النَّقْص إِن كَانَ من فعل الْغَاصِب وَإِن كَانَ من فعل الله لم يَأْخُذ قيمَة النَّقْص (الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة) إِن

стр. 214

اخْتلف الْغَاصِب وَالْمَغْصُوب مِنْهُ فِي جنس الْمَغْصُوب أَو صفته أَو قدره وَلم يكن لأَحَدهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول الْغَاصِب مَعَ يَمِينه وَالْغَاصِب ضَامِن لما غصبه سَوَاء تلف بِأَمْر الله أَو من مَخْلُوق الْبَاب الْعَاشِر فِي التَّعَدِّي وَهُوَ أَعم من الْغَصْب لِأَن التَّعَدِّي يكون فِي الْأَمْوَال والفروج والنفوس والأبدان فَأَما التَّعَدِّي فِي النُّفُوس والأبدان فنذكره فِي بَاب الدِّمَاء وَالْقصاص وَنَذْكُر هُنَا فصلين فِي الْأَمْوَال والفروج (الْفَصْل الأول) فِي التَّعَدِّي فِي الْأَمْوَال وَهُوَ على أَرْبَعَة أَنْوَاع (الأول) أَخذ الرَّقَبَة وَهُوَ الْغَصْب الَّذِي تقدّمت أَحْكَامه فِي الْبَاب قبل هَذَا (الثَّانِي) أَخذ الْمَنْفَعَة دون الرَّقَبَة وَهُوَ ضرب من الْغَصْب وَيجب فِيهِ الْكِرَاء مُطلقًا (الثَّالِث) الإستهلاك بِإِتْلَاف الشَّيْء كَقَتل الْحَيَوَان أَو تحريق الثَّوْب كُله أَو تخريقه وَقطع الشّجر وَكسر الفخار وَإِتْلَاف الطَّعَام وَالدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَشبه ذَلِك وَيجْرِي مجْرَاه التسبيب فِي التّلف كمن فتح حانوتا لرجل فَتَركه مَفْتُوحًا فَسرق أَو فتح قفص طَائِر فطار أَو حل دَابَّة فهربت أَو حل عبدا موثقًا فأبق أَو أوقد نَارا فِي يَوْم ريح فأحرقت شَيْئا أَو حفر بِئْرا بِحَيْثُ يكون حفره تَعَديا فَسقط فِيهِ إِنْسَان أَو بَهِيمَة أَو قطع وَثِيقَة فَضَاعَ مَا فِيهَا من الْحُقُوق فَمن فعل شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ ضَامِن لما اسْتَهْلكهُ أَو أتْلفه أَو تسبب فِي إِتْلَافه سَوَاء فعل ذَلِك كُله عمدا أَو خطأ إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ لَا يضمن الطَّائِر من فتح قفصه فطار وَعَلِيهِ غرم الْمثل فِي الْمكيل والمعدود وَالْمَوْزُون وَغرم الْقيمَة يَوْم الْإِتْلَاف فِيمَا سوى ذَلِك فرعان (الْفَرْع الأول) إِذا خيف على الْمركب الْغَرق جَازَ طرح مَا فِيهِ من الْمَتَاع أذن أربابه أَو لم يأذنوا إِذا رجا بذلك نجاته وَكَانَ الْمَطْرُوح بَينهم على قدر أَمْوَالهم وَلَا غرم على من طَرحه (الْفَرْع الثَّانِي) إِذا اصطدم مركبان فِي جريهما فانكسر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا ضَمَان فِي ذَلِك (الرَّابِع) الْإِفْسَاد هُوَ على نَوْعَيْنِ (أَحدهمَا) أَن يذهب الْمَنْفَعَة الْمَقْصُودَة من الشَّيْء كمن قطع يَد عبد أَو رجل دَابَّة فَيُخَير صَاحبه بَين أَن يَأْخُذ قيمَة مَا نَقصه ذَلِك الْفساد أَو يُسلمهُ للمفسد وَيَأْخُذ قِيمَته مِنْهُ كَامِلَة وَالْآخر أَن يكون يَسِيرا فَيُصْلِحهُ من أفْسدهُ وَيَأْخُذ صَاحبه قيمَة مَا نقص كثقب الثَّوْب وَقطع ذَنْب الدَّابَّة إِلَّا أَن تكون لركوب ذَوي الهيئات فَقطع ذنبها كتعطيل مَنْفَعَتهَا بَيَان وَهَذَا كُله إِذا تعمد إِنْسَان مُكَلّف فَإِن كَانَ غير بَالغ فَيحكم عَلَيْهِ فِي التَّعَدِّي فِي الْأُمُور بِحكم الْبَالِغ إِذا كَانَ يعقل فَيغرم مَا أتْلفه إِن كَانَ لَهُ مَال فَإِن لم يكن لَهُ مَال أتبع بِهِ وَأما الصَّبِي الَّذِي لَا يعقل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِيمَا أتْلفه من نفس أَو مَال كالعجماء وَقيل المَال هدر والدماء على الْعَاقِلَة كَالْمَجْنُونِ وَقيل المَال فِي

стр. 215

مَاله وَالدَّم على عَاقِلَته إِن بلغ الثُّلُث وَأما مَا أفسدت الدَّوَابّ فَإِن كَانَ لَهَا رَاكب أَو سائق أَو قَائِد فَهُوَ ضَامِن لما تفسده فِي النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَأما مَا أفسدت الْمَوَاشِي من الزَّرْع وَالشَّجر فَإِن كَانَ بِاللَّيْلِ على أَرْبَاب الْمَوَاشِي وَإِن كَانَ بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم إِلَّا إِن فرطوا فِي حفظهَا وَلم يمنعوها من الزَّرْع وَالضَّمان فِي ذَلِك على الرَّاعِي لَا على صَاحب الْمَاشِيَة وَمَا أتلفت الْمَوَاشِي سوى الزَّرْع وَالثِّمَار من النُّفُوس وَالْأَمْوَال فَلَا شَيْء فِيهِ (الْفَصْل الثَّانِي) فِي التَّعَدِّي فِي الْفروج فَمن اغتصب امْرَأَة وزنى بهَا فَعَلَيهِ حد الزِّنَى وَإِن كَانَت حرَّة فَعَلَيهِ صدَاق مثلهَا وَإِن كَانَت أمة فَعَلَيهِ مَا نقص من ثمنهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَلَا يلْحق بِهِ الْوَلَد وَيكون الْوَلَد من الْأمة الَّتِي اغتصبها أَو زنى بهَا عبدا لسَيِّد الْأمة وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا صدَاق على المستكره فِي الزِّنَى وَهَذَا كُله إِذا ثَبت عَلَيْهِ ذَلِك باعترافه أَو بمعاينة أَرْبَعَة شُهُود أَو ادَّعَت ذَلِك مَعَ قيام الْبَيِّنَة على غيبته عَلَيْهَا فَإِن ادَّعَت عَلَيْهِ أَنه استكرهها فَغَاب عَلَيْهَا وَوَطئهَا وَأنكر هُوَ وَلم يكن لَهَا بَيِّنَة فَلَا يجب عَلَيْهِ حد الزِّنَى وَإِنَّمَا النّظر هَل يجب عَلَيْهِ يَمِين على نفي دَعْوَاهَا أَو هَل لَهَا عَلَيْهِ صدَاق وَهل تحد هِيَ حد الْقَذْف أَو حد الزِّنَى فَفِي ذَلِك تَفْصِيل وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو أَن تَدعِي ذَلِك على رجل صَالح أَو طالح يتهم بذلك أَو مَجْهُول الْحَال فَإِن ادَّعَت ذَلِك على رجل صَالح لم يجب عَلَيْهِ يَمِين وَلَا صدَاق وَوَجَب عَلَيْهَا حد الْقَذْف وَأما حد الزِّنَى لاعترافها على نَفسهَا فَإِن كَانَت قد جَاءَت مستغيثة متمسكة بِهِ قد فضحت نَفسهَا وَهِي تدمي إِن كَانَت بكرا سقط عَنْهَا حد الزِّنَى وَإِن كَانَت قد جَاءَت على غير ذَلِك حدت حد الزِّنَى وَأما إِن ادَّعَت ذَلِك على رجل يتهم بذلك فَلَيْسَ عَلَيْهَا حد قذف وَلَا زنى وَيجب على الرجلَيْن الْيَمين فَإِن حلف بَرِيء وَإِن نكل عَن الْيَمين حَلَفت الْمَرْأَة واستحقت صَدَاقهَا عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعد أَن يسجن ليكشف عَن أمره وَأما إِن ادَّعَت ذَلِك على من كَانَ مَجْهُول الْحَال اسْتحْلف فَإِن نكل عَن الْيَمين حَلَفت هِيَ وَأخذت صَدَاقهَا الْبَاب الْحَادِي عشر فِي الإستحقاق وَهُوَ أَن يكون شَيْء بيد شخص ثمَّ يظْهر أَنه حق شخص آخر مِمَّا تثبت بِهِ الْحُقُوق شرعا من اعْتِرَاف أَو شَاهِدين أَو شَاهد وَيَمِين أَو غير ذَلِك فَيَقْضِي لَهُ بِهِ وَلَا يَخْلُو أَن يكون الْمُسْتَحق من يَده قد صَار لَهُ ذَلِك الشَّيْء الْمُسْتَحق بِغَصب أَو شُبْهَة ملك كالشراء وَالْإِرْث وَغير ذَلِك فَإِن صَار لَهُ بِغَصب فقد تقدم حكم ذَلِك فِي بَاب الْغَضَب وَإِن صَار لَهُ بِشُبْهَة ملك فالمستحق بِالْخِيَارِ بَين أَن يَأْخُذهُ بِعَيْنِه أَو يُجِيز البيع وَيتْرك السّلْعَة فِي يَد المُشْتَرِي فَيتبع البَائِع بِالثّمن وَلَيْسَ حكمه حكم الْغَصْب بل يُخَالِفهُ فِي مسَائِل فَمِنْهَا أَن أَن يسْتَحق مِنْهُ لَا يرد الْغلَّة الَّتِي
следующие страницы →