Полный текст (2 094 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك إِذا خلى الْمُرْتَهن بَين الرَّاهِن وَبَين الرَّهْن يكريه أَو يسكنهُ أَو يعيره لم يكن رهنا وَإِذا أجره الْمُرْتَهن بِإِذن الرَّاهِن لم يخرج من الرَّهْن وَكَذَلِكَ إِذا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهن بِإِذن الرَّاهِن فَهُوَ رهن على حَاله وَإِذا أجره الْمُرْتَهن بِإِذن الرَّاهِن فالأجر لرب المَال وَلَا يكون الْكِرَاء رهنا بِحقِّهِ إِلَّا أَن يَشْتَرِطه الْمُرْتَهن فَإِن اشْترط فِي البيع أَن يرتهن وَيَأْخُذ حَقه من الْكِرَاء فَإِن مَالِكًا كره ذَلِك وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي البيع وَإِن تبرع بِهِ الرَّاهِن بعد البيع فَلَا بَأْس بذلك وَإِن كَانَ البيع وَقع بِهَذَا الشَّرْط إِلَى أجل مَعْلُوم وَاشْترط فِيهِ البَائِع بِبيعِهِ الرَّهْن ليأخذها من حَقه فَإِن ذَلِك جَائِز عِنْد مَالك فِي الدّور وَالْأَرضين وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَان
وَقَالَ الْمعَافى كره الثَّوْريّ أَن ينْتَفع من الرَّهْن بِشَيْء وَلَا يقْرَأ فِي الْمُصحف الْمَرْهُون
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ غلَّة الرَّهْن لصَاحبه ينْفق عَلَيْهِ مِنْهَا وَالْفضل لَهُ فَإِن لم تكن لَهُ غلَّة وَكَانَ يستخدمه فطعامه بخدمته وَإِن لم يكن يستخدمه فنفقته على صَاحبه
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ لَا يستغل الرَّهْن وَلَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا أَن يكون دَارا يخَاف خرابها فيسكنها الْمُرْتَهن لَا يُرِيد الِانْتِفَاع بهَا وَإِنَّمَا يُرِيد إصلاحها
وَقَالَ ابْن أبي ليلى إِذا لبس الْمُرْتَهن الْخَاتم للتجمل بِهِ ضمن وَإِن لبسه ليحرزه فَلَا شَيْء
قَالَ اللَّيْث لَا بَأْس بِأَن يسْتَعْمل العَبْد الرَّهْن بطعامه إِذا كَانَت النَّفَقَة بِقدر الْعَمَل فَإِن كَانَ الْعَمَل أَكثر أَخذ فضل ذَلِك من الْمُرْتَهن
стр. 1682
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي فِيمَا روى عَن النَّبِي ﷺ الرَّهْن محلوب ومركوب إِن من رهن ذَات ظهر ودر لم يمْنَع الرَّاهِن فِي ظهرهَا ودرها وللراهن أَن يستخدم العَبْد ويركب الدَّابَّة ويحلب الدّرّ ويجز الصُّوف وتأوي بِاللَّيْلِ إِلَى الْمُرْتَهن أَو إِلَى يَدي الْمَوْضُوعَة على يَدَيْهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى يزِيد بن هَارُون أخبرنَا ابْن أبي زَائِدَة عَن الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الظّهْر يركب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا وَلبن الدّرّ يشرب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن النَّفَقَة تجب لركوب ظَهره وَشرب لبنه وَمَعْلُوم أَن الرَّاهِن إِنَّمَا تلْزمهُ نَفَقَته لملكه لَا لِمَعْنى سواهُ أَلا ترى أَنه لَو لم يكن لَهُ در وَلَا ظهر يركب لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَته فَهَذَا يدل على أَنه جعل اللَّبن وَالظّهْر للْمُرْتَهن بِالنَّفَقَةِ الَّتِي ينفقها وَقد بَين ذَلِك حَدِيث آخر وَهُوَ مَا رَوَاهُ هشيم عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا كَانَ الدَّابَّة مَرْهُونَة فعلى الْمُرْتَهن عَلفهَا وَلبن الدّرّ يشرب وعَلى الَّذِي يشرب نَفَقَتهَا ويركب
стр. 1683
وَالشَّافِعِيّ يَقُول إِن نَفَقَته على الرَّاهِن لَا على الْمُرْتَهن وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ لَا لَهُ
وَقد روى الْحسن بن حَيّ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ قَالَ لَا ينْتَفع من الرَّهْن بِشَيْء
فقد ترك الشّعبِيّ ذَلِك وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة فَدلَّ ذَلِك على أَنه قد علم نسخه وَإِنَّمَا صَار مَنْسُوخا عندنَا لتَحْرِيم الرِّبَا لما ردَّتْ الْأَشْيَاء إِلَى مقاديرها لِأَنَّهُ جعل عِلّة النَّفَقَة بَدَلا من اللَّبن قل أَو كثر لما لم يَصح الرَّهْن بدءا وَهُوَ فِي يَد الرَّهْن كَذَلِك إِذا اسْتحق الرَّهْن الْمُرْتَهن بالركوب والحلب يُوجب ذَلِك بطلَان الرَّهْن فَدلَّ على أَنه لَا يسْتَحقّهُ وَقد اتَّفقُوا أَيْضا أَن الرَّاهِن لَا يطَأ الْأمة الْمَرْهُونَة لِأَن الْمُرْتَهن يسْتَحق ثُبُوت يَده عَلَيْهَا كَذَلِك الِاسْتِخْدَام
٢٠١٥ - فِي الرَّاهِن يعْتق العَبْد الرَّهْن
قَالَ ابو حنيفه وَأَصْحَابه عتق الرَّاهِن للْعَبد الرَّهْن جَائِز مُوسِرًا كَانَ أَو مُعسرا أَلا أَنه إِن كَانَ مُوسِرًا ضمن قيمَة وَلَا سَبِيل على العَبْد وَإِن كَانَ مُعسرا سعى العَبْد فِي قِيمَته إِن كَانَ أقل من الدّين وَيرجع بِهِ على الرَّهْن وَإِن دبره جَازَ تَدْبيره وَضمن القيمه إِن كَانَ مُوسِرًا وَإِن كَانَ مُعسرا سعى الْمُدبر فِي جَمِيع الدّين وَهُوَ قَول الثَّوْريّ
стр. 1684
وَقَالَ عُثْمَان البتي لَا يجوز عتق الرَّاهِن فِيهِ
وَقَالَ ابْن شبْرمَة إِذا كَانَت أمة فَأعْتقهَا أَو اسْتَوْلدهَا فَعَلَيهِ مَا ذهبت بِهِ وَلَا تسْتَرق فَإِن أَدَّاهُ كُله خلى سَبِيلهَا وَإِن مَاتَ قبل أَن يُؤَدِّيه سعت فِيمَا بقى للْمُرْتَهن
وَقَالَ مَالك إِن أعْتقهُ وَهُوَ مُوسر جَازَ عتقه وَأدّى المَال فَإِن كَانَ المَال مُؤَجّلا عتقت وَحل عَلَيْهِ وَإِن دبره كَانَ رهنا بِحَالهِ لِأَن رهن الْمُدبر جَائِز عِنْد مَالك وَإِن أعْتقهُ وَهُوَ مُعسر فَالْعَبْد رهن بِحَالهِ وَالْمَال إِلَى أَجله فَإِن ورث مَالا أَخذ مِنْهُ الدّين وَيصير العَبْد حرا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِذا رهن جَارِيَة ثمَّ أعْتقهَا جَازَ عتقه وَيتبع بِحقِّهِ عَلَيْهَا
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ إِذا رهن عبدا ثمَّ أعْتقهُ الْمولى فَعَلَيهِ الْقيمَة رهنا مَكَانَهُ
وَقَالَ عبيد الله بن الْحسن يسْعَى الْمَمْلُوك للْمُرْتَهن
وَقَالَ الشَّافِعِي يبطل عتقه إِذا كَانَ مُعسرا
قَالَ أَبُو جَعْفَر حق الْمُرْتَهن لَا يمْنَع عتق الرَّاهِن وَبطلَان الرَّهْن بِهِ كَمَا أَن الزَّوْج لَا يمْنَع عتق الْأمة وَإِيجَاب الْخِيَار لَهَا فِي إبِْطَال النِّكَاح قَالَ وَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف حكم الْمُوسر والمعسر وَإِلَّا تجب عَلَيْهِ السّعَايَة فِي
стр. 1685
الْحَالين وَأما الْكِتَابَة فللمرتهن إِبْطَالهَا لِأَنَّهَا يلْحقهَا الْفَسْخ أَلا ترى أَن عبدا بَين رجلَيْنِ لَو كَاتبه أَحدهمَا كَانَ للْآخر أَن يُبْطِلهَا وَلَو أعْتقهُ لم يكن للشَّرِيك إِبْطَاله وَالتَّدْبِير كَالْعِتْقِ على قَول من يُجِيز بيع الْمُدبر
٢٠١٦ - فِي الرَّاهِن يَدعِي ولد الْأمة الْمَرْهُونَة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن ادّعى وَلَدهَا قبل أَن تَلد ضمن قيمتهَا وَإِن كَانَ مُعسرا سعت فِي الدّين وَلَا يسْعَى الْوَلَد فِي شَيْء وَلَو ادّعى بعد الْولادَة فَإِن كَانَ مُوسِرًا فَلَا سِعَايَة عَلَيْهَا وَيضمن هُوَ الدّين وَإِن كَانَ مُعسرا قسم الدّين على قيمتهَا وَقِيمَة الْوَلَد فَمَا أصَاب الْوَلَد سعى فِي الْأَقَل من قِيمَته وَمِمَّا أَصَابَهُ بِالْحِصَّةِ وسعت الْأُم فِي جَمِيع الْحصَّة
وَقَالَ مَالك إِذا وطئ الْأمة الرَّهْن بِإِذن الْمُرْتَهن فَهِيَ أم ولد للرَّاهِن وَلَا رهن للْمُرْتَهن فِيهَا وَإِن وَطئهَا بِغَيْر إِذْنه فَإِن كَانَ لَهُ مَال أَخذ مِنْهُ المَال فَدفع إِلَى الْمُرْتَهن وَكَانَت الْجَارِيَة أم ولد للرَّاهِن وَإِن لم يكن لَهُ مَال بِيعَتْ الْجَارِيَة بعد أَن تضع وَلم يبع وَلَدهَا وَلَا شَيْء على الْوَلَد
وَقَالَ الثَّوْريّ إِذا وَطئهَا الرَّاهِن فحمت فَإِن شَاءَ الْمُرْتَهن استسعاها فِي جَمِيع الدّين وَإِن شَاءَ اتبع الرَّاهِن
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ على الرَّاهِن قيمتهَا وَقِيمَة وَلَدهَا وَقد خرجت من الرَّهْن هِيَ وَوَلدهَا
وَقَالَ اللَّيْث تبَاع حِين تحمل وَيكون الْوَلَد للرَّاهِن لِأَنَّهُ لَا يسترق ولد الْحر من جَارِيَته وَلكنهَا تبَاع فَإِذا وضعت مَا فِي بَطنهَا ألحق نسبه بِأَبِيهِ وَإِن وَطئهَا بِإِذن الْمُرْتَهن فقد خرجت من الرَّهْن وَكَانَ فِيهِ أُسْوَة الْغُرَمَاء إِن لم
стр. 1686
تحمل وَإِن حملت لم يكن فِيهَا شَيْء وَكَانَ أُسْوَة الْغُرَمَاء فِيمَا بَقِي من مَاله وَلَا تبَاع وَهِي حَامِل مِنْهُ حَتَّى تضع
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا اسْتَوْلدهَا وَلم يكن لَهُ مَال غَيرهَا لم تبع مَا كَانَت حَامِلا فَإِذا ولدت بِيعَتْ دون وَلَدهَا
٢٠١٧ - فِي بيع الرَّهْن
قَالَ مُحَمَّد وَلم يحك خلافًا إِذا بَاعَ الرَّاهِن لم يجز إِلَّا أَن يُجِيزهُ الْمُرْتَهن فَإِن أجَازه كَانَ الثّمن رهنا
وروى بشر عَن أبي يُوسُف أَن الثّمن لَا يكون رهنا إِذا أجَاز إِلَّا أَن يكون أمره بِالْبيعِ على أَن يكون الثّمن رهنا فَيكون رهنا كَمَا يكون رهنا إِذا شَرط فِي أصل الرَّهْن أَن يَبِيع وَيكون الثّمن رهنا وَقَالَ مَالك لَا يجوز بيع الرَّاهِن للرَّهْن إِلَّا أَن يُجِيزهُ الْمُرْتَهن فَإِن أجَازه جَازَ ووقف الثّمن وَلَا يعجل الْمُرْتَهن حَقه إِذا كَانَ الدّين إِلَى أجل حَتَّى يَأْتِي الرَّاهِن بِبَقِيَّة من حَقه مَأْمُونا فَيدْفَع الثّمن إِلَى الرَّاهِن البَائِع وَيجْعَل ذَلِك الرَّهْن مَكَان العَبْد الرَّهْن وَلَيْسَ للرَّاهِن إِذا بَاعَ الرَّهْن بِغَيْر إِذن المترهن أَن يَقُول أَنا أُعْطِيك رهنا مَكَانَهُ وَلَا أعجل لَك حَقك وَلَكِن يعجل الثّمن للْمُرْتَهن إِذا أجَاز البيع
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي إِذا كَانَ الدّين إِلَى أجل فَأذن الْمُرْتَهن للرَّاهِن فِي بيع الرَّهْن فَبَاعَهُ جَازَ وَلَا يَأْخُذ الْمُرْتَهن من ثمنه شَيْئا وَلَا مَكَانَهُ رهنا وَلَو أذن لَهُ أَن يَبِيعهُ على أَن يُعْطِيهِ ثمنه لم يكن لَهُ بَيْعه لِأَنَّهُ لم يَأْذَن لَهُ إِلَّا على أَن يعجل لَهُ حَقه قبل مَحَله وَالْبيع مَنْسُوخ
стр. 1687
قَالَ الْمُزنِيّ أشبه بقول الشَّافِعِي هَذَا أَن لَا يفسح الشَّرْط للْبيع أَلا ترى أَن من قَوْله إِنِّي لَو أمرت رجلا بِبيع ثوبي على أَن لَهُ عشر ثمنه فَبَاعَهُ أَن البيع جَائِز لَا يفسخه فَسَاد الشَّرْط فِي الثّمن
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَا يَخْتَلِفُونَ أَنه إِذا بَاعه بِإِذن الْمُرْتَهن وَالدّين حَال أَنه جَائِز وَأَن الثّمن يكون للْمُرْتَهن قَضَاء من دينه إِلَّا أَن يكون فِيهِ فضل عَن دينه فَيكون ذَلِك الْفضل للرَّاهِن فَدلَّ على أَن بيع الرَّاهِن الرَّهْن إِنَّمَا هُوَ للْمُرْتَهن لَا لنَفسِهِ فَوَجَبَ أَن يكون فِي الدّين الْمُؤَجل مثله فَيكون الثّمن رهنا مَكَانَهُ
٢٠١٨ - فِي تَزْوِيج الْأمة الرَّهْن
روى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف فِي الْإِمْلَاء أَن الرَّاهِن إِذا زوج الْأمة الرَّهْن بِغَيْر رضَا الْمُرْتَهن جَازَ وللمرتهن أَن يمْنَع الزَّوْج من وَطئهَا فَإِن فعل فغشيها فالمهر يكون رهنا مَعهَا وَإِن لم يغشها لم يكن الْمهْر رهنا مَعهَا وَلم يحك خلافًا بَينه وَبَين أبي حنيفَة وَحكى ابْن أبي عمرَان أَن لأبي يُوسُف فِي الْإِمْلَاء قولا آخر أَن للمترهن أَن يفْسخ تَزْوِيج الرَّاهِن الْأمة الرَّهْن
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز للرَّاهِن أَن يُزَوّج الْأمة لِأَنَّهُ عيب يلْحقهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَر الْقيَاس أَن لَا يجوز التَّزْوِيج لِأَنَّهُ عيب وَلما قَالَ من يُجِيز أَن الْمهْر لَا يسْتَحقّهُ الْمُرْتَهن بِالْعقدِ دلّ على أَنه لَا يجوز التَّزْوِيج لِأَن التَّزْوِيج للرَّاهِن لَا للْمُرْتَهن
وَأما قَول أبي يُوسُف فِي أَنه إِذا دخل بهَا فالمهر رهن وَإِن لم يدْخل
стр. 1688
بهَا فَلَيْسَ برهن فمحال لِأَن الْمهْر مُسْتَحقّ بِالْعقدِ لَا بِالدُّخُولِ وَإِن لم يصر رهنا بِالْعقدِ وَكَانَ للرَّاهِن لم يتَحَوَّل وُجُوبه إِلَى الْمُرْتَهن
٢٠١٩ - فِي رهن الْغَرِيم بعض غُرَمَائه دون بعض
قَالَ أَصْحَابنَا إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين فرهن بعض الْغُرَمَاء فِي الصِّحَّة فَهُوَ جَائِز وَهُوَ أولى بِالرَّهْنِ من سَائِر الْغُرَمَاء
قَالَ ابْن الْقَاسِم هُوَ جَائِز مَا لم يفلس وَالْمُرْتَهن أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء كَمَا لَو قَضَاهُ جَازَ مَا لم يفلس
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَقد كَانَ يروي مرّة عَن مَالك أَنهم يدْخلُونَ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء
وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز رَهنه وَالْمُرْتَهن أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء
٢٠٢٠ - فِيمَن شَرط الرَّهْن للْمُرْتَهن عِنْد حُلُول الْأَجَل
قَالَ أَصْحَابنَا إِذا قَالَ إِن جئْتُك بِالْمَالِ إِلَى شهر وَإِلَّا فَهُوَ بيع فالرهن جَائِز وَالشّرط بَاطِل
وَقَالَ مَالك الرَّهْن فَاسد وَينْقص فَإِن لم ينقص حَتَّى حل الْأَجَل فَإِنَّهُ لَا يكون للْمُرْتَهن بذلك الشَّرْط وللمرتهن أَن يحْبسهُ بِحقِّهِ وَهُوَ أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء فَإِن تغير فِي يَده لم يرد وَلَزِمتهُ الْقيمَة فِي ذَلِك يَوْم حل الْأَجَل وَهَذَا فِي السّلع وَالْحَيَوَان فَأَما فِي الدّور وَالْأَرضين فَإِنَّهُ يردهَا إِلَى الرَّاهِن وَإِن تطاول إِلَّا أَن تنهدم الدَّار أَو يَبْنِي فِيهَا أَو يغْرس فِي الأَرْض فَهَذَا فَوت وَيغرم ٤ القيمه مثل البيع الْفَاسِد
стр. 1689
وَقَالَ الْمعَافي عَن الثَّوْريّ فِي الرجل يرْهن صَاحبه الْمَتَاع وَيَقُول إِن لم آتِك فَهُوَ لَك قَالَ لَا يغلق ذَلِك الرَّهْن
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ لَيْسَ هَذَا بِشَيْء
وَقَالَ الرّبيع عَن الشَّافِعِي لَو رَهنه وَشرط لَهُ إِن لم يَأْته بِالْحَقِّ إِلَى كَذَا فالرهن بيع فالرهن فَاسد وَهُوَ للَّذي رَهنه
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر لم يَخْتَلِفُوا أَنه لَا يملكهُ الْمُرْتَهن بِهَذَا الشَّرْط وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي جَوَاز الرَّهْن وفساده وَالرَّهْن مشبه للهبة من حَيْثُ كَانَ من شَرط صِحَة كل وَاحِد مِنْهُمَا الْقَبْض فَلَمَّا لم يفْسد النَّبِي ﷺ الْعمريّ بِالشّرطِ وأجازها وأبطل الشَّرْط كَذَلِك الرَّهْن إِذْ من شَرط صِحَّته الْقَبْض
٢٠٢١ - فِي إِقْرَار متعاقدي الرَّهْن بِالْقَبْضِ
قَالَ أَصْحَابنَا إِذا قَامَت الْبَيِّنَة على إِقْرَار الرَّاهِن بِالْقَبْضِ وَالْمُرْتَهن يَدعِيهِ جَازَت الشَّهَادَة وَحكم بِصِحَّة الرَّهْن وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقَالَ مَالك فِي الشَّهَادَة على إِقْرَار الْمُصدق بِالْقَبْضِ أَنه لَا يجوز حَتَّى يشْهدُوا على مُعَاينَة بِالْقَبْضِ فَقِيَاس قَوْله فِي الرَّهْن أَن يكون كَذَلِك
قَالَ أَبُو جَعْفَر كَمَا جَازَ الْإِقْرَار بِالْبيعِ وَنَحْوه من الْعُقُود جَازَ بِقَبض الرَّاهِن
стр. 1690
٢٠٢٢ - فِي اخْتِلَافهمَا فِي مِقْدَار الدّين
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا هلك الرَّهْن وَاخْتلف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن فِي مِقْدَار الدّين فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن فِي الدّين مَعَ يَمِينه
وَقَالَ ابْن وهب عَن مَالك إِذا اخْتلفَا فِي الدّين وَالرَّهْن قَائِم فَإِن كَانَ الرَّهْن قدر حق الْمُرْتَهن أَخذه الْمُرْتَهن بِحقِّهِ وَهُوَ أولى بِهِ وَيحلف إِلَّا أَن يَشَاء رب الرَّهْن أَن يُعْطِيهِ حَقه الَّذِي حلف عَلَيْهِ وَيَأْخُذ رَهنه
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك القَوْل قَول الْمُرْتَهن فِيمَا بَينه وَبَين قيمَة الرَّهْن وَلَا يصدق على أَكثر من ذَلِك
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ وَالشَّافِعِيّ مثل قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه
قَالَ أَبُو جَعْفَر الْمُرْتَهن مدعي والراهن مدعى عَلَيْهِ فَالْقَوْل قَوْله وَالْبَيِّنَة على الْمُرْتَهن
٢٠٢٣ - فِي النَّفَقَة على الرَّهْن
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد نَفَقَة الرَّهْن على الرَّاهِن وَكَذَلِكَ سقِِي النّخل وَالشَّجر فَإِن أنْفق عَلَيْهِ الْمُرْتَهن فَهُوَ مُتَطَوّع إِلَّا أَن يكون بِأَمْر القَاضِي
وَقَالَ زفر مثل ذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ إِذا أنْفق بِأَمْر القَاضِي كَانَ الرَّهْن مَحْبُوسًا بِالنَّفَقَةِ فَإِن ضَاعَ الرَّهْن بطلت النَّفَقَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف النَّفَقَة دين على الرَّاهِن ضَاعَ الرَّهْن أَو لم يضع وَلَا يحبس الرَّهْن بِالنَّفَقَةِ
стр. 1691
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك نَفَقَة الرَّهْن على الرَّاهِن وَهُوَ قَول الشَّافِعِي إِلَّا أَن مَالِكًا قَالَ إِن أنْفق الْمُرْتَهن كَانَ دينا على الرَّاهِن
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ نَفَقَة الرَّهْن وعلفه وَكسوته على الْمُرْتَهن
قَالَ أَبُو جَعْفَر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الظّهْر يركب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا وَلبن الدّرّ يشرب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا فَفِي هَذَا الحَدِيث جعل النَّفَقَة على الْمُرْتَهن بَدَلا من مَنَافِعه الَّتِي ينْتَفع بهَا وَقد بَينا أَن ذَلِك مَنْسُوخ فِيمَا تقدم وَالْحسن بن صَالح لَا يخالفهم فِي أَن الْمُرْتَهن لَا يجوز لَهُ الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ فَلَمَّا زَالَ الِانْتِفَاع وَجب أَن تَزُول النَّفَقَة عَن الْمُرْتَهن إِذْ كَانَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا جعل النَّفَقَة بَدَلا من الْمَنَافِع
قَالَ أَبُو جَعْفَر أما مَا جعل مَالك مَا أنْفق الْمُرْتَهن دينا على الرَّاهِن فَإِنَّهُ بناه على أَصله فِي أَن من قضى دين غَيره بِغَيْر أمره أَنه غير مُتَطَوّع وَيرجع بِهِ وَهَذَا تبطله سنة النَّبِي ﷺ فِي إبرائه الْمَيِّت بِقَضَاء هَذَا المتطوع الَّذِي كَانَ قد أَبى الصَّلَاة عَلَيْهِ ثمَّ لما أدّى قَالَ لَهُ الْآن بردت عَلَيْهِ جلدته فَلَو كَانَ لَهُ أَن يرجع كَانَ قَائِما مقَام الأول وَكَانَ حَاله بعد أَدَائِهِ كَهُوَ قبله
وَيدل عَلَيْهِ قَول النَّبِي ﷺ للْمَرْأَة الَّتِي استأذنته فِي الْحَج عَن أَبِيهَا أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيتيه أَكَانَ يقبل قد أَفَادَ هَذَا وُقُوع الْبَرَاءَة بِأَدَائِهِ لَوْلَا ذَلِك لَكَانَ بعد الْأَدَاء كَهُوَ قبله أَلا ترى أَنه قد أَفَادَ سُقُوط الْحَج عَن
стр. 1692
أَبِيهَا بِفِعْلِهَا كَذَلِك لما شبهه بِالدّينِ دلّ على سُقُوط الدّين وَبَرَاءَة الْمُؤَدى عَنهُ
وَأما قَول زفر إِنَّه إِذا أنْفق بِأَمْر القَاضِي يصير دينا وَيكون الرَّهْن مَحْبُوسًا فَإِنَّهُ خلاف مَا يُوجِبهُ الْقيَاس لِأَن الرَّهْن عقد لَا يَصح إِلَّا بِالتَّرَاضِي وَلم يكن مِنْهُمَا ترَاض بذلك وكما لَا يكون العَبْد رهنا بِالدّينِ الَّذِي يثبت فِي ذمَّته بِإِذن الْمولى
٢٠٢٤ - فِي ضَمَان الرَّهْن
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَابْن أبي ليلى وَالثَّوْري وَالْحسن بن حَيّ الرَّهْن مَضْمُون بِأَقَلّ من قِيمَته وَمن الدّين
وَقَالَ الثَّقَفِيّ عَن عُثْمَان البتي مَا كَانَ من رهن ذَهَبا أَو فضَّة أَو ثيابًا فَهُوَ مَضْمُون يترادان الْفضل وَإِن كَانَ عقده أَو حَيَوَانا فَهَلَك فَهُوَ من مَال الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن على حَقه إِلَّا أَن يكون الرَّاهِن اشْترط الضَّمَان فَهُوَ على شَرطه
وَقَالَ مَالك إِن علم هَلَاكه فَهُوَ من مَال الرَّاهِن وَلَا ينقص من حق الْمُرْتَهن شَيْئا وَإِن لم يعلم هَلَاكه فَهُوَ من مَال الْمُرْتَهن وَهُوَ ضَامِن لقيمته يُقَال لَهُ صفة فَإِذا وَصفه حلف على صفته وَتَسْمِيَة مَاله ثمَّ يقومه أهل الْبَصَر بذلك فَإِن كَانَ فِيهِ فضل عَمَّا سمى فِيهِ أَخذه الرَّاهِن وَإِن كَانَ أقل مِمَّا سمى الرَّاهِن حلف على مَا سمى وَبَطل عَنهُ الْفضل فَإِن أَبى الرَّاهِن أَن يحلف أعْطى الْمُرْتَهن مَا فضل بعد قيمَة الرَّهْن هَذِه رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك
стр. 1693
وروى ابْن الْقَاسِم عَنهُ مثل ذَلِك وَقَالَ فِيهِ إِن اشْترط أَن الْمُرْتَهن مُصدق فِي ضيَاعه وَأَن لَا ضَمَان عَلَيْهِ فشرطه بَاطِل وَهُوَ ضَامِن
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِذا مَاتَ العَبْد فدينه بَاقٍ فَإِن الرَّهْن لَا يغلق
قَالَ وَمعنى قَوْله لَا يغلق الرَّهْن أَنه لَا يكون بِمَا فِيهِ إِذا علم وَلَكِن يترادان الْفضل إِذا لم يعلم هَلَاكه
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي قَوْله لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه فَأَما غنمه فَإِن كَانَ فِيهِ فضل رد إِلَيْهِ وَأما غرمه فَإِن كَانَ فِيهِ نُقْصَان وفاه إِيَّاه
وَقَالَ اللَّيْث الرَّهْن بِمَا فِيهِ إِذا هلك وَلم تقم بَيِّنَة على مَا فِيهِ إِذا اخْتلفَا فِي ثمنه فَإِن قَامَت بَيِّنَة على مَا فِيهِ ترادا الْفضل
قَالَ اللَّيْث وَبَلغنِي ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁
وَقَالَ اللَّيْث إِذا ادّعى الْمُرْتَهن إباق العَبْد أَو انفلات الدَّابَّة فَإِن أعلمهُ صَاحبه عِنْدَمَا أبق أَو انفلتت الدَّابَّة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَيحلف بِاللَّه تَعَالَى أَنه لصَادِق فِيمَا قَالَ فَإِن حلف فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الرَّاهِن غَائِبا فَإِنَّهُ يعلم ذَلِك السُّلْطَان أَو يشْهد عَلَيْهِ فَيكون ذَلِك بَرَاءَة لَهُ وَإِن ادعِي موتا من العَبْد أَو الدَّابَّة لم تقم الْبَيِّنَة فَهُوَ ضَامِن لِأَن الْمَوْت يكون ظَاهرا مَعْلُوما
وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ أَمَانَة لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِيهِ بِحَال إِذا هلك سَوَاء كَانَ هَلَاكه ظَاهرا أَو خفِيا وَاحْتج بِحَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يغلق الرَّهْن من صَاحبه الَّذِي رَهنه لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه
стр. 1694
قَالَ الشَّافِعِي وَوَصله ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ مثله أَو مثل مَعْنَاهُ من حَدِيث ابْن أبي أنيسَة
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَمن أعجب الْعجب ذكره لِابْنِ أبي أنيسَة وَهُوَ يحيى لَا زيد لِأَن يحيى لَيْسَ مِمَّن يلْتَفت إِلَى حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِمثلِهِ
وَمن مذْهبه أَنه لَا يقبل زِيَادَة غير حَافظ على حَافظ فقد قيل زِيَادَة يحيى بن أبي أنيسَة على جمَاعَة حفاظ مِنْهُم مَالك بن أنس وَغَيره من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ الَّذين تقوم بهم الْحجَّة عِنْده ثمَّ أضَاف جَمِيع مَا ذكره فِي هَذَا الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا هُوَ لَا يغلق الرَّهْن دون مَا سواهُ مِمَّا فِيهِ وبقيته من كَلَام سعيد بن الْمسيب بِغَيْر حِكَايَة مِنْهُ إِيَّاه عَن رَسُول الله ﷺ
كَمَا حَدثنَا يُونُس قَالَ حَدثنَا ابْن وهب أَنه سمع مَالِكًا وَيُونُس وَابْن أبي مليكَة وَابْن أبي ذِئْب يحدثُونَ عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يغلق الرَّهْن وَقَالَ يُونُس بن يزِيد
قَالَ ابْن شهَاب وَكَانَ ابْن الْمسيب يَقُول الرَّهْن مِمَّن رَهنه لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه وَقد روى عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه عَن سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن
стр. 1695
زيد وَعبيد الله بن عبد الله وَغَيرهم أَنهم قَالُوا الرَّهْن بِمَا فِيهِ إِذا هلك وعميت قِيمَته وَيرْفَع ذَلِك مِنْهُم الثِّقَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَهَذَا الْمَذْهَب عَن ابْن الْمسيب خلاف مَا تَأَوَّلَه الشَّافِعِي فِي هَذَا الحَدِيث وَدلّ على أَن قَوْله لَا يغلق الرَّهْن هُوَ خلاف ضيَاعه
وَقد روى أَيْضا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ قَالُوا قَالَ سعيد بن الْمسيب قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يغلق الرَّهْن فبذلك يمْنَع صَاحب الرَّهْن أَن يبتاعه من الَّذِي رَهنه عِنْده حَتَّى يُبَاع من غَيره وَقَوله فبذلك يمْنَع صَاحب الرَّهْن أَن يبتاعه من الَّذِي رَهنه إِنَّمَا هُوَ من كَلَام سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وتأوله على أَنه لَيْسَ هُوَ فِي حَال ضيَاعه وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَال سَلَامَته
وَمن مَذْهَب الشَّافِعِي أَن من روى حَدِيثا فَهُوَ أعلم بتأويله فَجعل قَول عَمْرو بن دِينَار دِينَار فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين أَنه فِي الْأَمْوَال حجَّة فِي أَن لَا يقْضِي بِهِ فِي غير الْأَمْوَال فَلَزِمَهُ مثله فِيمَا وصفناه
وَقد روى عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَطَاوُس أَنهم كَانُوا يرهنون وَيَقُولُونَ إِن جئْتُك بِالْمَالِ إِلَى وَقت كَذَا وَإِلَّا فَهُوَ لَك
فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا يغلق الرَّهْن وتأوله على ذَلِك أَيْضا مَالك وسُفْيَان
وَقَالَ أَبُو عبيد لَا يجوز فِي كَلَام الْعَرَب أَن يُقَال الرَّهْن إِذا ضَاعَ قد غلق إِنَّمَا يُقَال غلق إِذا اسْتَحَقَّه الْمُرْتَهن فَذهب بِهِ وَكَانَ هَذَا من فعل
стр. 1696
الْجَاهِلِيَّة فأبطله النَّبِي ﷺ بقوله لَا يغلق الرَّهْن
قَالَ أَبُو جَعْفَر رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب أَنه جعله مَضْمُونا بِأَقَلّ من قِيمَته وَمن الدّين
وروى عبد الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيّ عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَن عليا ﵁ قَالَ إِذا رهن رهنا فَقَالَ الْمُعْطِي لَا أقبله إِلَّا بِأَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيك فَضَاعَ رد عَلَيْهِ الْفضل وَإِن رَهنه وَهُوَ أَكثر مِمَّا أعطَاهُ بِطيب نفس من الرَّاهِن فَضَاعَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ
وروى قَتَادَة عَن خلاس عَن عَليّ قَالَ إِذا كَانَ فِي الرَّهْن فضل فأصابته جَائِحَة فَهُوَ بِمَا فِيهِ وَإِن لم تصبه جَائِحَة واتهم فَإِنَّهُ يرد الْفضل
قَالَ أَبُو جَعْفَر فَهَذَا يدل على أَن الغلق الَّذِي نَفَاهُ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ على الضّيَاع
وَأَيْضًا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن أَمن بَعْضكُم بَعْضًا فليؤد الَّذِي اؤتمن أَمَانَته﴾ بعد قَوْله ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر وَلم تَجدوا كَاتبا فرهان مَقْبُوضَة﴾ فَدلَّ على أَن الرَّهْن لَيْسَ بأمانة لِأَنَّهُ لَو كَانَ أَمَانَة لما كَانَ لَهُ منع الرَّهْن مِنْهُ بقوله ﴿فليؤد الَّذِي اؤتمن أَمَانَته﴾ وَإِذا ثَبت أَنه مَضْمُون لم يجز أَن يضمن بِالدّينِ إِذا كَانَ الرَّهْن أقل مِنْهُ كالغصب لما كَانَ مَضْمُونا مَعَ التَّعَدِّي لم يضمن بِأَكْثَرَ من الْقيمَة فالرهن بذلك أولى
стр. 1697
٢٠٢٥ - فِي جِنَايَة العَبْد الرَّهْن
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا قتل العَبْد الرَّهْن رجلا خطأ وَقِيمَة العَبْد أَلفَانِ وَالَّذِي خُوطِبَ الْمولى وَالْمُرْتَهن جَمِيعًا فِيهِ بِالدفع أَو الْفِدَاء رد ألف فَإِن دفعا بَطل الدّين وَإِن فديا فالفداء عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَهُوَ رهن على حَاله وَإِن كَانَت قيمَة الرَّهْن مثل الدّين فالفداء على الْمُرْتَهن خَاصَّة فَإِن قَالَ لَا أفدي فدَاه الرَّاهِن وَبَطل الدّين
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك الْفِدَاء على الرَّاهِن فَإِن أبي أَن يفْدِيه فدَاه الْمُرْتَهن وَرجع على الرَّاهِن بِمَا فدَاه بِهِ وَلم يَأْخُذ الرَّهْن حَتَّى يدْفع إِلَيْهِ الْفِدَاء وَالدّين جَمِيعًا فَإِن أَبى سَيّده أَن يَأْخُذهُ بيع فبدىء بِمَا افتداه بِهِ الْمُرْتَهن من الْجِنَايَة وَلَا يُبَاع حَتَّى يحل أجل الدّين فَإِن اجْتمعَا على دفع العَبْد بِالْجِنَايَةِ كَانَ دين الْمُرْتَهن بَاقِيا بِحَالهِ
قَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي يُقَال للْمولى إِن فديته بِالْجِنَايَةِ فَأَنت مُتَطَوّع وَهُوَ رهن فَإِن لم يفعل بيع فِي جِنَايَته وَإِن تطوع بهَا الْمُرْتَهن لم يرجع بهَا على الْمولى وَإِن فدَاه بأَمْره على أَن يكون رهنا مَعَ الْحق الأول فَجَائِز
قَالَ أَبُو جَعْفَر قد بَينا أَن الرَّهْن مَضْمُون فَيلْزم الْمُرْتَهن بِمِقْدَار الْمَضْمُون مِنْهُ وَيلْزم الرَّاهِن بِحِصَّة الْأَمَانَة
стр. 1698
٢٠٢٦ - فِي رهن الْعَارِية
قَالَ أَصْحَابنَا إِذا اسْتعَار عبدا ليرهنه فِي دينه فرهنه ضمن بِمِقْدَار مَا سقط من دينه عِنْد الْهَلَاك وَهُوَ بِمَنْزِلَة من قضى دين غَيره بأَمْره فَيرجع بِهِ عَلَيْهِ
قَالَ وَإِن شَرط أَن يرهنه بِشَيْء فرهنه بِأَقَلّ أَو بِأَكْثَرَ أَو بِغَيْر جنس مَا سمى ضمن قِيمَته كلهَا لِأَنَّهُ مُخَالف
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك إِذا هلك الرَّهْن ضمن فِي الْموضع الَّذِي يسْقط بِهِ الدّين وَلَا يضمن للْمُعِير شَيْئا إِذا لم يسْقط شَيْئا من دينه بِأَن يكون هَلَاكه ظَاهرا وَإِن رَهنه بِغَيْر مَا سمى ضمن
وَقَول الثَّوْريّ مثل قَوْلنَا أَيْضا
وَقَالَ الشَّافِعِي فِيمَا ذكر عَنهُ الرّبيع قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا أَن الْمُسْتَعِير يضمن للْمُعِير كَمَا يضمن الْعَارِية
وَالْآخر أَنه لَا يضمن لِأَن خدمته لسَيِّده وَالرَّهْن فِي عُنُقه كضمان سَيّده عَن الرَّاهِن
٢٠٢٧ - فِي عَارِية الرَّهْن
قَالَ أَبُو حنيفَة إِذا أعَار الْمُرْتَهن الرَّاهِن العَبْد فَقَبضهُ الرَّاهِن واستخدمه فَلهُ أَن يردهُ إِلَى يَده
стр. 1699
وَقَالَ مَالك فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْقَاسِم إِذا أَعَارَهُ الرَّاهِن خرج من الرَّهْن وَلم يكن لَهُ أَن يردهُ إِلَى يَده بعد ذَلِك وَهُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء فِيهِ
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي وَلَو أكرى الرَّهْن من صَاحبه أَو أَعَارَهُ لم يَنْفَسِخ الرَّهْن
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَا نعلم خلافًا أَنه لَو أودعهُ الرَّاهِن كَانَ لَهُ أَن يردهُ إِلَى يَده كَذَلِك الْعَارِية لِأَن ذَلِك لَا يثبت لَهُ حَقًا فِيهِ وَأما الْإِجَارَة فَفِيهَا إِثْبَات حق للْمُسْتَأْجر لَا يُمكن المؤاجر وإبطاله فَيبْطل الرَّهْن بِالْإِجَارَة بأذن الرَّاهِن
٢٠٢٨ - فِيمَن عَلَيْهِ دينان فَقضى أَحدهمَا
قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن عَلَيْهِ دينان من جنس وَاحِد وبأحدهما رهن وَلَيْسَ بِالْآخرِ رهن أَو بِكُل وَاحِد رهن أَو كَفَالَة فَقضى بعض المَال وَهُوَ من هَذَا فَالْقَوْل قَوْله فِيمَا قضى وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك يكون مِنْهُمَا جَمِيعًا
قَالَ أَبُو جَعْفَر لما كَانَ لنا أَن نقضي أَيهمَا شِئْنَا رَجَعَ إِلَى قَوْله دون قَول الْمقْضِي وَلَا يخْتَلف فِي ذَلِك حَال الْقَضَاء وَبعده
٢٠٢٩ - فِي الْعدْل هَل يَبِيع دون السُّلْطَان
قَالَ أَصْحَابنَا إِذا رهن الرجل رهنا وَوَضعه على يَدي عدل فَهُوَ جَائِز وَإِن سلطه على بَيْعه فبيعه جَائِز وَعَلِيهِ الْعهْدَة وَإِن أبي أَن يَبِيع وَقد شَرط ذَلِك فِي أصل الرَّهْن أجْبرهُ القَاضِي على البيع
стр. 1700
وَقَالَ مَالك إِذا شَرط عَلَيْهِ البيع لم يَبِعْهُ دون السُّلْطَان سَوَاء كَانَ على يَد الْعدْل أَو الْمُرْتَهن
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَبَلغنِي عَن مَالك أَنه قَالَ وَإِن بيع نفذ البيع وَلم يرد
قَالَ مَالك وَإِن لم يشْتَرط أَنه يَبِيعهُ إِذا حل الْأَجَل فَإِنَّهُ إِذا حل الْأَجَل رَفعه إِلَى السُّلْطَان فَإِن وفاه حَقه وَإِلَّا بَاعَ لَهُ الرَّهْن فأوفاه حَقه
وَقَالَ اللَّيْث إِذا شَرط بيع الْعدْل عَلَيْهِ جَازَ بَيْعه دون السُّلْطَان وَإِن كَانَ الرَّهْن على يَدي الْمُرْتَهن لَا أرى لَهُ بَيْعه دون السُّلْطَان حَتَّى يكون السُّلْطَان الَّذِي يَبِيعهُ فِي حَقه
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ يُعجبنِي أَن يكون الَّذِي يَبِيع الرَّهْن غير الْمُرْتَهن فَإِن عجل الْمُرْتَهن فَبَاعَ جَازَ
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي لَو شَرط للْمُرْتَهن إِذا حل الْحق أَن يَبِيع لم يجز أَن يَبِيعهُ لنَفسِهِ إِلَّا بِأَن يحضرهُ رب الْحق فَإِن امْتنع أَمر الْحَاكِم بِبيعِهِ وَلَو كَانَ الشَّرْط للعدل جَازَ بَيْعه مَا لم يفسخا أَو أَحدهمَا وكَالَته
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر لَا معنى لاعْتِبَار السُّلْطَان كَسَائِر الوكالات بِالْبيعِ وكالوصايا
٢٠٣٠ - فِي ضيَاع الثّمن من يَد الْعدْل
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا بَاعَ الْعدْل الرَّهْن وَقبض الثّمن وَقَالَ قد ضَاعَ فقد بَطل الدّين
стр. 1701
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك إِذا دفع الْمُرْتَهن الرَّهْن إِلَى السُّلْطَان أَقَامَ السُّلْطَان رجلا يَبِيع ذَلِك الرَّهْن فَبَاعَهُ وَضاع الثّمن فِي يَده فَلَا ضَمَان على الْمَأْمُور
وَقد قَالَ مَالك فِي الْمُفلس إِذا بَاعَ السُّلْطَان مَاله للْغُرَمَاء فَضَاعَ الثّمن أَن الضّيَاع من الْغُرَمَاء فَكَذَلِك هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا ضَاعَ الثّمن فَهُوَ من الْمُرْتَهن إِن ضَاعَ قبل أَن يقبضهُ
وَقَالَ أَشهب الضّيَاع من مَال الْغَرِيم
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي ضيَاع الثّمن من الرَّاهِن دون الْمُرْتَهن
قَالَ أَبُو جَعْفَر الثّمن بِمَنْزِلَة الرَّهْن فضياعه على الْمُرْتَهن كضياع الرَّهْن نَفسه فِي يَد الْعدْل
٢٠٣١ - فِي قَول الْعدْل دفعت الثّمن إِلَى الْمُرْتَهن
قَالَ أَصْحَابنَا إِذا قَالَ الْعدْل قد دفعت الثّمن إِلَى الْمُرْتَهن فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
قَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِيمَن أمره السُّلْطَان بِبيع الرَّهْن وَأَن يدْفع إِلَى الْمُرْتَهن حَقه فَقَالَ قد دفعت إِلَى الْمُرْتَهن حَقه فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن
وَقَالَ الرّبيع عَن الشَّافِعِي إِذا قَالَ الْعدْل دفعت الثّمن إِلَى الْمُرْتَهن لم يصدق إِلَّا بِبَيِّنَة
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا مَبْنِيّ على أصلهم فِي كَونه مَضْمُونا أَو أَمَانَة فَيكون بِمَنْزِلَة ضيَاعه فِي يَده
стр. 1702
٢٠٣٢ - فِي اخْتلَافهمْ فِي الثّمن
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا تصادقوا على البيع فَقَالَ الْعدْل بِعْت بِمِائَة وأعطيتك وَهُوَ مائَة وَالدّين مائَة
وَقَالَ الْمُرْتَهن بِعته بِخَمْسِينَ وأعطيتنيها فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن مَعَ يَمِينه وَكَذَلِكَ لَو توى الثّمن على المُشْتَرِي
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك القَوْل قَول الْمُرْتَهن أَنه قبض خمسين وَالْعدْل ضَامِن بِخَمْسِينَ كَرجل دفع إِلَى رجل مائَة دِرْهَم ليدفعها إِلَى رجل من حق لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ دفعتها إِلَيْهِ وَقَالَ الَّذِي أَمر بِأَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ لم تدفع إِلَّا خمسين أَنه ضَامِن للخمسين وَهُوَ قَول مَالك
قَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّاهِن يَدعِي قَضَاء الدّين فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن فِيمَا اقْتَضَاهُ
أخر الرَّهْن
стр. 1703
= كتاب الْقِسْمَة =
٢٠٣٣ - فِي القَاضِي هَل يقسم بِظُهُور الْيَد دون ثُبُوت الْملك عِنْده
قَالَ أَبُو حنيفَة فِي أَرض أَو عقار فِي يَدي رجلَيْنِ أَرَادَا من القَاضِي قسمتهَا بَينهمَا لم يقسمها حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَة أَنَّهَا لَهما وكل شَيْء كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا سوى الْعقار إِذا ادّعَيَا أَنه لَهما فأرادا قسمته وَذكر ذَلِك فِي الْجَامِع الصَّغِير وَلم يذكر خلافًا
قَالَ أَبُو جَعْفَر هَذَا هُوَ قَول أبي حنيفَة خَاصَّة وَإِنَّمَا يَقُول ذَلِك فِي الْمِيرَاث فَأَما إِذا ادّعَيَا ملك ذَلِك من غير جِهَة الْمِيرَاث فَإِنَّهُ يقسمهُ بَينهمَا وَإِن لم يُقِيمَا بَيِّنَة على الْملك قد بَينه فِي كتاب الْقِسْمَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يقسم ذَلِك كُله بَينهمَا الْمِيرَاث وَغَيره بقولهمَا دون الْبَيِّنَة وَقَول زفر فِي ذَلِك كَقَوْل أبي حنيفَة
стр. 1704
وَقَالَ مَالك فِي الشِّرَاء وَالْمِيرَاث يقسم ذَلِك كُله بَينهم ويعزل نصيب غَائِب إِن كَانَ فيهم
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يقسم شَيْء مِمَّا يقسم بقولهمَا إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَن ذَلِك حكم مِنْهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَر يَنْبَغِي أَن لَا يخْتَلف حكم الْمِيرَاث وَغير الْمِيرَاث وَأَن يقسم جَمِيع ذَلِك بَينهم بإقرارهم فَيكون قَضَاء على الْحَاضِرين دون غَيرهم
٢٠٣٤ - فِي أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا طلب الْقِسْمَة وأبى الآخر
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا كَانَ بَيت صَغِير بَين رجلَيْنِ لَو قسم انْتفع أَحدهمَا بِنَصِيبِهِ وَلم ينْتَفع الآخر وَطلب صَاحب النَّصِيب الْكثير الْقِسْمَة قسمته وَكَذَلِكَ إِن طلبَهَا الآخر وَإِن كَانَ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَا ينْتَفع بِنَصِيبِهِ لم أقسمه حَتَّى يجتمعا وَمَا كَانَ فِي قسمته ضَرَر نَحْو الثَّوْب وَالْحمام والحائط لم أقسمه حَتَّى يجتمعا فَإِذا اجْتمعَا قسمته وَإِن اقْتَسمَا ثوبا فشقاه نفذه
وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَالْحسن بن حَيّ إِذا كَانَ أَحدهمَا لَا ينْتَفع بِنَصِيبِهِ لم أقسمه وَإِن كَانَ الآخر ينْتَفع بِهِ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه فِيمَا لَا يَنْقَسِم لَا يجْبر وَاحِد مِنْهُمَا على البيع
стр. 1705
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الْعَرَصَة وَالْقلب المزرع يقسم إِذا طلب أحدهم الْقِسْمَة وَإِن لم ينْتَفع بِهِ وَاحِد مِنْهُم
وَقَالَ فِيمَا لَا يَنْقَسِم من الدَّوَابّ وَالرَّقِيق فَإِنَّهُ إِذا طلب أَحدهمَا البيع بيع عَلَيْهِم إِن أَحبُّوا أَو كَرهُوا إِلَّا أَن يُرِيد الَّذين كَرهُوا البيع أَن يَأْخُذُوا ذَلِك بِمَا يُعْطون بِهِ فَيكون لَهُم ذَلِك
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَكَذَلِكَ فِيمَا لَا يَنْقَسِم من الْمنَازل والدور والحمامات وَغير ذَلِك مِمَّا يكون فِي قسمته ضَرَر وَلَا ينْتَفع بِمَا يقسم مِنْهُ فَإِنَّهُ يُبَاع وَيقسم ثمنه قَالَ وَقَالَ مَالك فِي الْحمام بَين الشُّرَكَاء أَنه يقسم
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَأرى الْحَائِط يقسم قَالَ وَقَالَ مَالك لَا يقسم الْحَائِط وَالطَّرِيق إِلَّا إِن يتراضى الْوَرَثَة على قسمته وَأما الْحمام فَهُوَ عَرصَة كالبيت الصَّغِير
وَقَالَ اللَّيْث مَا كَانَ يَنْقَسِم فَإِنَّهُ يَنْقَسِم ولايباع وَمَا كَانَ من دَار لَا يقسم وَالْحمام والحانوت فانه يُبَاع فَيقسم الثّمن إِلَّا إِن يَشْتَرِيهِ بعض الشُّرَكَاء بأغلى مَا يُوجد من الثّمن فَيكون أولى
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا كَانَ وَاحِد مِنْهُم وَاحِد مِنْهُم ينْتَفع بِنَصِيبِهِ قسمته وَإِن لم ينْتَفع الْبَاقُونَ بِمَا يصير لَهُم إِلَّا أَن يَكُونُوا إِن اجْتمع الْبَاقُونَ انتفعوا الْجَمِيع فيجتمع
стр. 1706
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَا يَخْتَلِفُونَ أَن الثَّوْب لَا يقسم حَتَّى يجتمعوا جَمِيعًا على قسمته وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا نصيب ينْتَفع بقسمته إِذا كَانَ فِيهِ ضَرَر على الآخر كَذَلِك الْقيَاس فِي كل شَيْء فِي قسمته ضَرَر على أحدهم يَنْبَغِي أَن لَا يقسم إِلَّا بِالتَّرَاضِي وَأما قَول مَالك فِي البيع عَلَيْهِم ففاسد لقَوْل الله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾
٢٠٣٥ - فِي قسْمَة الدّور بَعْضهَا فِي بعض
قَالَ أَبُو حنيفَة وَزفر يقسم كل دَار وضيعة على حِدة وَلَا يقسم بَعْضهَا فِي بعض وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِيمَا رَوَاهُ الرّبيع عَنهُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن كَانَ الْأَفْضَل قسْمَة كل شَيْء على حِدة فعل وَإِن رأى أَن يجمع نصيب كل وَاحِد فعل
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الدّور والقرى المتباعدة أَنه يقسم كل شَيْء على حِدة وَإِن كَانَت قرى مُتَقَارِبَة جمعت الدّور أَو الْقرى فَيقسم بَعْضهَا فِي بعض
مَالك يجمع الْعَالِيَة والسافلة والبعل مَعَ الْعُيُون إِذا تسامت وَلَا يجمع البعل مَعَ النَّضْح إِذا كَانَت الْقرى مُتَقَارِبَة وَفِي رَغْبَة النَّاس سَوَاء جمعت وَإِن كَانَ بَينهمَا الْيَوْم واليومان لم أجمع وَإِن كَانَت الرَّغْبَة وَاحِدَة
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَا يَخْتَلِفُونَ أَن الثِّيَاب لَا تقسم مَعَ الدّور كَذَلِك الدّور لَا تقسم بَعْضهَا فِي بعض وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَن دَارا بَين رجلَيْنِ لَو طلب أَحدهمَا قسْمَة نَاحيَة مِنْهَا دون الْبَقِيَّة من الدَّار أَنَّهَا لَا تقسم فَدلَّ أَن كل واحده من
стр. 1707
الدّور مُعْتَبرَة بِنَفسِهَا دون غَيرهَا أَلا ترى أَن كل وَاحِدَة مِنْهَا قد يتَعَلَّق بهَا حق الشُّفْعَة دون الْأُخْرَى
٢٠٣٦ - فِي قسْمَة الْأَنْصِبَاء الْمُخْتَلفَة
قَالَ مُحَمَّد إِذا ورث ابْنَانِ وابنتان دَارا وَأَرَادُوا الْقِسْمَة فَإِن جعلهَا الْقَاسِم سِتَّة أَجزَاء اثْنَيْنِ لكل جُزْء فَإِذا خرج سهم أحدهم أَخذه من مقدم الدَّار ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ إِلَى جَانِبه ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ إِلَى جَانب الآخر حَتَّى تخرج السِّهَام وَإِن لم يَجْعَلهَا سِتَّة أجراء وَلكنه يذرعها ويقومها فَإِذا خرج سهم رجل ذرع لَهُ من مقدم الدَّار حَتَّى يَسْتَوْفِي نصِيبه ثمَّ إِذا خرج سهم آخر ذرع لَهُ مِمَّا يَلِيهِ بِقدر مَا نصِيبه من الذرع وَالْقيمَة حَتَّى يَسْتَوْفِي ثمَّ كَذَلِك من بعده جَازَ ذَلِك أَيْضا قَالَ وأفضلهما عِنْدِي أَن يفردوا كل سهم
وَقَالَ بشر عَن أبي يُوسُف قَالَ تصور الدَّار فِي صُورَة وَيعرف مَا حولهَا وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الطَّرِيق أَو إِلَى دَار أَو شرب أَو مسيل وَيقوم السهْم الأول فِي مَوضِع كَذَا ثمَّ ينظر إِلَى أَكثر السِّهَام إِن وَقع هُنَالك كَيفَ يكون مَوْضِعه وَمَا على صَاحبه وكس حَتَّى يفضل ذَلِك من الدَّار وَينظر إِلَى أقل السِّهَام إِن وَقعت فِيهِ هَل لصَاحبه فِيهِ مسكن أَو هَل ينْتَفع بِهِ فَإِن استقام
стр. 1708
أَقرع وَإِن رأى خللا لَا يَسْتَقِيم مَعَ الْقِسْمَة أدارها على وَجه آخر حَتَّى يَسْتَقِيم وَلَا يَجْعَل لبَعْضهِم على بعض طَرِيق وَلَا سَبِيل إِن قلدنا
وَسمعت أَبَا خازم قَالَ قَالَ هِلَال بن يحيى سَأَلت أَبَا يُوسُف عَن أَرض بَين رجلَيْنِ تكون عشرَة أجربة مِنْهَا لأَحَدهمَا تِسْعَة أجربة وَللْآخر جريب وَاحِد فَكَانَت إِن قسم كل جريب مِنْهَا على حياله كَانَت قيمَة كل جريب مِنْهَا عشر قيمَة الأَرْض فَإِذا ضم شَيْء من الأجربة إِلَى شَيْء زَادَت قِيمَته بِالضَّمِّ فَيصير لصَاحب التِّسْعَة الأجربة حِينَئِذٍ أَكثر من تِسْعَة أعشار قيمَة الضَّيْعَة كَيفَ تقسم قَالَ لَا يقسمها كَذَلِك وَلَكِن يقسم لصَاحب الجريب بِحقِّهِ قِطْعَة من هَذِه الأَرْض قيمتهَا تسع قيمَة التِّسْعَة الأعشار الْبَاقِيَة مِنْهَا
قَالَ أَبُو خازم وَهَذَا قَول صَحِيح
وَقَالَ مَالك فِيمَا ذكره عَنهُ ابْن الْقَاسِم تقسم الدَّار على سهم أقلهم نَصِيبا
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي تقسم على أقلهم نَصِيبا ويقرع على السِّهَام فَيقسم لمن خرج سَهْمه أَولا السهْم الأول ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث
قَالَ أَبُو جَعْفَر أولى ذَلِك مَا ذكره هِلَال عَن أبي يُوسُف ليستوفي كل وَاحِد نصِيبه بِلَا نقص وَلَا زِيَادَة
стр. 1709
٢٠٣٧ - فِي أُجْرَة الْقَاسِم
روى الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة وَزفر أَن أحد الشُّرَكَاء إِذا طلب الْقِسْمَة وأبى الْآخرُونَ أَن القَاضِي يَأْمُرهُ بِالْقِسْمَةِ وَتَكون أُجْرَة الْقَاسِم على الَّذِي طلبَهَا دون من لم يطْلبهَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف عَلَيْهِم جَمِيعًا من أرادها وَمن لم يردهَا على عدد رؤوسهم وَهُوَ قَول الْحسن وَمَالك وَالشَّافِعِيّ
قَالَ أَبُو جَعْفَر لما أجبروا عَلَيْهَا كَانَت الْقِسْمَة وَاقعَة لَهُم جَمِيعًا لحقوق بعض على بعض فَتكون الْأُجْرَة عَلَيْهِم جَمِيعًا
٢٠٣٨ - فِي قسْمَة السّفل والعلو
قَالَ أَبُو حنيفَة يحْسب فِي الْقِسْمَة السّفل ذِرَاع بذراعين من الْعُلُوّ
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يحْسب الْعُلُوّ بِالنِّصْفِ من السّفل بِالنِّصْفِ فَينْظر كم جملَة ذرع كل وَاحِد مِنْهُمَا فيطرح من ذَلِك النّصْف
وَقَالَ مُحَمَّد تقسم الْقيمَة على حسب الْمَوَاضِع
стр. 1710
وَقَالَ مَالك يجوز أَن يقتسموا على أَن يَأْخُذ أَحدهمَا السّفل وَيَأْخُذ الآخر الْعُلُوّ
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي لَا يجوز أَن يَجْعَل فِي الْقِسْمَة لأَحَدهمَا سفلا وَللْآخر علوه إِلَّا أَن يكون علوه وسفله لوَاحِد
وَحكى عَنهُ الْمُزنِيّ أَيْضا لَو اشْترى علو بَيت على أَن يَبْنِي على جدرانه ويسكن على سطحه أجزت ذَلِك إِذا سمى مُنْتَهى الْبُنيان لِأَنَّهُ لَيْسَ كالأرض فِي احْتِمَاله مَا يَبْنِي عَلَيْهِ
قَالَ الْمُزنِيّ وَهَذَا غير مَا ذكره فِي الْقِسْمَة
قَالَ أَبُو جَعْفَر قد يكون بَينهمَا سفل بِلَا علو وعلو بِلَا سفل فَتجب الْقِسْمَة إِذا لم يكن فِيهِ ضَرَر وَكَذَلِكَ السّفل الَّذِي لَهُ علو تجوز الْقِسْمَة عَلَيْهِ على أَن يكون السّفل لأَحَدهمَا والعلو للْآخر بِالْقيمَةِ
٢٠٣٩ - فِي الرَّد فِي الْقيمَة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك تجوز الْقِسْمَة فِي دَار أَو أَرض بَينهم على أَن يَأْخُذ أَحدهمَا طَائِفَة بِعَينهَا وَيرد فضل دَرَاهِم أَو عرُوض على مَا يجوز عَلَيْهِ الْبياعَات
وروى عَن أبي يُوسُف أَنه كره رد الدَّرَاهِم وَلِأَنَّهُ يجوز أَن يَمُوت قبل
стр. 1711
إِن يُؤَدِّي الدَّرَاهِم فَيصير غريما من الْغُرَمَاء فَإِن كَانُوا كبارًا أَو رَضوا بذلك جَازَ وَلَا يقبض الَّذِي رد الدَّرَاهِم نصِيبه حَتَّى يبعد
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي وَإِذا كَانَ فِي الْقِسْمَة رد لم يجز حَتَّى يعلم كل وَاحِد مِنْهُم مَوضِع سَهْمه وَمَا يلْزمه وَيسْقط عَنهُ فَإِذا علمه كَمَا يعلم الْبيُوع الَّتِي تجوز أجزته لَا بِالْقُرْعَةِ
قَالَ أَبُو جَعْفَر يجوز الرَّد فِي الْقِسْمَة على السَّبِيل الَّتِي يجوز فِيهَا البيع إِذا جمعت الصَّفْقَة أَشْيَاء مُخْتَلفَة أَلا ترى أَنه لَو اشْترى شِقْصا من دَار وعبدا بِأَلف دِرْهَم جَازَ وَأخذ الشَّفِيع الشّقص بِحِصَّتِهِ دون العَبْد وكما يتَزَوَّج الْمَرْأَة على دِرْهَم وعَلى أَن ترد عَلَيْهِ عبدا فَيكون العَبْد مَبِيعًا كَذَلِك الْقِسْمَة إِذا وَقع فِيهَا الرَّد
٢٠٤٠ - فِي بيع أحد الشَّرِيكَيْنِ لموْضِع مَعْلُوم
قَالَ مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة إِذا كَانَت الدَّار بَين رجلَيْنِ فَبَاعَ أَحدهمَا نصف بَيت مِنْهَا مَعْلُوم لم يجز بَيْعه لِأَن فِي هَذَا ضَرَرا على صَاحبه وَلم يذكر خلافًا بَينهم
وَقَالَ بشر عَن أبي يُوسُف البيع جَائِز لَا تنقض الْقِسْمَة وَقد يكون وَقد لَا يكون وَإِذا أَو صى الشَّرِيك بِبَيْت مِنْهَا بِعَيْنِه لرجل ثمَّ مَاتَ قسمت الدَّار فَإِن وَقع الْبَيْت فِي نصيب الْمُوصى كَانَ لصَاحب الْوَصِيَّة وَإِن وَقع فِي نصيب الآخر كَانَ لصَاحب الْوَصِيَّة مثل ذرع الْبَيْت كُله فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
стр. 1712
وَقَالَ مُحَمَّد لَهُ نصف الْبَيْت إِن وَقع فِي نصيب الْمُوصي وَإِن وَقع فِي نصيب الآخر كَانَ لَهُ مثل نصف ذرعه وَلَو أقرّ أَحدهمَا بِبَيْت مِنْهَا بِعَيْنِه لرجل إِذا قسمت الدَّار فَإِن وَقع الْبَيْت فِي نصيب الْمقر سلمه إِلَيْهِ وَإِن وَقع فِي نصيب الآخر ضرب فِي نصيب الْمقر بِمثل ذرع الْبَيْت وَضرب للْمقر بِنصْف مَا بَقِي من الدَّار بعد الْبَيْت وَلَا يجوز إِقْرَاره على شَرِيكه وَهُوَ قَول مُحَمَّد أَيْضا وَلم يذكر خلافًا وَكَذَلِكَ روى الْحسن عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة إِلَّا أَنه قَالَ فِي الْإِقْرَار إِذا لم يَقع الْبَيْت فِي حِصَّة الْمقر يضْرب للْمقر لَهُ بِنصْف قيمَة الْبَيْت قَالَ وَلَو كَانَ عدل نظر بَين رجلَيْنِ فَأقر أَحدهمَا بِثَوْب مِنْهُ لرجل جَازَ وَلَا يشبه هَذَا الدَّار الْوَاحِدَة لِأَنَّهُ لَا ضَرَر فِيهِ على الْمُنكر وَكَذَلِكَ الرَّقِيق وَالْحَيَوَان
وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد عَن أبي يُوسُف يَنْبَغِي فِي قَوْله أَن تكون الدَّار وَالْحَيَوَان وَالْعرُوض سَوَاء أَلا ترى أَنه لَو بَاعَ نصف كل شَاة على حِدة لم يسْتَطع شَرِيكه أَن يجمع لَهُ نصِيبه فِي جَمِيع الْغنم فَهَذَا فِي الْغنم أَكثر ضَرَرا على الشَّرِيك من الدَّار فَكيف يَخْتَلِفَانِ
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي دَار بَين رجلَيْنِ بَاعَ أَحدهمَا نصفا مِنْهَا بِعَيْنِه أَن شَرِيكه إِن أحب أَن يَأْخُذ مَا بَاعَ وَيدْفَع إِلَى المُشْتَرِي نصف الثّمن الَّذِي
стр. 1713
اشْترى بِهِ المُشْتَرِي فَذَلِك لَهُ وَهَذَا النّصْف الثّمن الَّذِي يدْفع إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ من حِصَّة شريكة لِأَن البيع إِنَّمَا يجوز فِي حِصَّة شَرِيكه وَلَا يجوز فِي حِصَّته إِلَّا أَن يُجِيزهُ فَإِن لم يجزه فِي نصِيبه رَجَعَ المُشْتَرِي على البَائِع بِنصْف الثّمن
وَقَالَ اللَّيْث فِي بعض الشُّرَكَاء إِذا أعتق رَقِيقا بَينهم أَنه يقسم الرَّقِيق فَمَا صَار لَهُ عتق عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَر فِي جَوَاز بيع نصِيبه من بَيت من الدَّار ضَرَر على شَرِيكه لِأَنَّهُ يتفرق نصِيبه عِنْد الْقِسْمَة لِأَنَّهُ يحْتَاج أَن يقاسم المُشْتَرِي الْبَيْت على حِدة ويقاسم الشَّرِيك على بَقِيَّة الدَّار
وَلَو أَرَادَ أحد الشَّرِيكَيْنِ قبل البيع الْقِسْمَة على هَذَا الْوَجْه لم يكن لَهُ ذَلِك وَمن أجل ذَلِك لم يجز إِقْرَاره ووصيته فِي نصِيبه من بَيت من الدَّار وَالْقِيَاس فِي الثِّيَاب أَن يكون مثله لِأَنَّهُ قد اسْتحق الْقِسْمَة فَلَو جَازَ بيع نصِيبه من ثوب لجَاز أَن يَبِيع نصِيبه من كل ثوب من إِنْسَان على حِدة فَيبْطل حق الشَّرِيك وأساء وَقد اتَّفقُوا أَن للشَّفِيع أَن يبطل بيع المُشْتَرِي لأجل حَقه كَذَلِك يبطل بيع الشَّرِيك لموْضِع بِعَيْنِه لأجل حَقه فِي الْقِسْمَة فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز بَيْعه لنصيبه من ثوب بِعَيْنِه وَأَبُو حنيفَة لَا يرى قسْمَة الرَّقِيق على الِانْفِرَاد وَإِن كَانَ مَعَهم غَيرهم قسموا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يقسمون وَإِن انفردوا فَأَما عتق الشَّرِيك للعبيد الَّذين بَينهم فنافذ فِي نصِيبه لِأَن الْعتْق قد يَقع من أحد الشَّرِيكَيْنِ لما فِيهِ
стр. 1714
من الضَّرَر وَقد حكم النَّبِي ﷺ بِعِتْق الشَّرِيك وألزمه ضَمَان نصيب شَرِيكه إِذا كَانَ مُوسِرًا فَعلمنَا أَن الْعتْق مُخَالف للْبيع لَا يلْحقهُ الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَالْبيع يفْسخ
٢٠٤١ - فِي الْمُهَايَأَة
قَالَ مُحَمَّد فِي الْإِمْلَاء قَالَ أَبُو حنيفَة إِذا كَانَت دَار بَين رجلَيْنِ فَلم يريدا قسمتهَا وأرادا الْمُهَايَأَة على أَن يسكن كل وَاحِد مِنْهُمَا منزلا ويؤاجر كل حِصَّة منزلَة جَازَ ذَلِك وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يهائى بَينهمَا فَإِن أبي ذَلِك أَحدهمَا وَطَلَبه الآخر أجبر الَّذِي أبي على الْمُهَايَأَة وَمَتى أَرَادَ الْقِسْمَة قسمت بَينهمَا وانتقضت الْمُهَايَأَة وَلَو تهايئا على أَن يسْتَعْمل جَمِيعهَا هَذَا شهرا وَهَذَا شهرا لم تجز الْمُهَايَأَة وَهَذَا قَوْلهم جَمِيعًا
قَالَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة تجوز الْمُهَايَأَة فِي خدمَة عَبْدَيْنِ على أَن يخْدم هَذَا شهرا ويستخدم الآخر العَبْد الآخر ذَلِك الشَّهْر وَلَو تهايئا على استعمالهما
стр. 1715
على هَذَا الْوَجْه لم يجز فِي قَول أبي حنيفَة وَجَاز فِي قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَلَا تجوز الْمُهَايَأَة فِي استغلال العبيد بِحَال وَعِنْدَهُمَا تجوز كالدور
قَالَ وَلَو تهايأ فِي دَابَّة على الرّكُوب شهرا أَو فِي دابتين لم يجز ذَلِك عِنْد أبي حنيفَة ثمَّ شكّ أَبُو يُوسُف فِي هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ جَائِز عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد
وَلَا تجوز الْمُهَايَأَة عِنْدهم جَمِيعًا فِي غلَّة النّخل وَالشَّجر وَلَا فِي ألبان الْغنم وَالْبَقر وَالْإِبِل وَإِنَّمَا تجوز فِي السُّكْنَى وزراعة الأَرْض وَمَا لَا قيمَة لَهُ
وَلَو تهايئا فِي جاريتين على أَن ترْضع كل وَاحِدَة ابْن أَحدهمَا شهرا أَو سنة جَازَ لِأَن ألبان بني آدم لَا قيمَة لَهَا بِمَنْزِلَة الْمَنَافِع وألبان الْغنم وَسَائِر الْحَيَوَانَات المأكولة لَهَا قيمَة
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم فِي قِيَاس قَول مَالك إِن الْمُهَايَأَة جَائِزَة فِي الدّور وَالْأَرضين على أَن يسكن كل وَاحِد طَائِفَة شهرا وَلَيْسَ لأَحَدهمَا فَسخهَا قبل مُضِيّ الْأَجَل وَكَذَلِكَ زراعة الأَرْض
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَلم نجد للشَّافِعِيّ قولا فِي الْمُهَايَأَة وَأَصْحَابه يَقُولُونَ إِن مَعَانِيه تدل على أَن لَا معنى لَهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد وَذكر قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي وهبت نَفسِي لَك فَلَمَّا خطبهَا الرجل وَقَالَ أعطيها نصف إزَارِي فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا تصنع
стр. 1716
بإزارك إِن لبست لم يكن عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْء وَإِن لبسته لم يكن عَلَيْك مِنْهُ شَيْء فَكَانَ فِي ذَلِك إجَازَة الْمُهَايَأَة فِيهِ وَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَحق لبسه فِي حَال دون صَاحبه
وَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن كل وَاحِد مِنْهَا مُسْتَحقّ ذَلِك بِحَق ملكه وَذَلِكَ هُوَ الْمُهَايَأَة الَّتِي ذكرنَا ثمَّ نَظرنَا فِي جَوَاز فَسخهَا لأَحَدهمَا إِذا أَرَادَ الْقِسْمَة فَكَانَ قَول أَصْحَابنَا أصح لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِإِجَارَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ أجارة لما أجبر عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة قسة الْمَنَافِع
آخر الْقِسْمَة
стр. 1717
= كتاب اللّقطَة والإباق =
٢٠٤٢ - فِي لقطَة مَا سوى الْحَيَوَان
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه فِي اللّقطَة يعرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا إِن شَاءَ فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا كَانَ مُخَيّر ابين الْأجر وَالضَّمان وَلَا يَأْكُل مِنْهَا إِلَّا أَن يكون فَقِيرا وَحكى هِشَام عَن مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة فِي اللّقطَة مَا كَانَ يُسَاوِي عشرَة دَرَاهِم عرفهَا حولا وَإِن كَانَ يُسَاوِي أقل من ذَلِك عرفهَا على قدر مَا يرى ثمَّ تصدق بهَا وَإِن شَاءَ أكلهَا إِن كَانَ فَقِيرا
قَالَ مَالك يعرفهَا حولا ثمَّ يأكلها أَو يتَصَدَّق بهَا إِلَّا أَن تكون تافها يَسِيرا فَيجوز لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا قبل السّنة وَمَتى جَاءَ صَاحبهَا كَانَ مُخَيّرا بَين الْأجر وَالضَّمان إِذا أكلهَا أَو تصدق بهَا
وَقَالَ الْمعَافي عَن الثَّوْريّ ينشد الضآلة فَإِن وجد صَاحبهَا وَإِلَّا يصدق بهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا خير
стр. 1718
وَقَالَ أَبُو نعيم عَن الثَّوْريّ فِي الرجل يجد الدِّرْهَم يعرفهُ أَرْبعا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي اللّقطَة يعرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا خير بَين الْأجر وَالضَّمان فَإِن كَانَ مَالا عَظِيما جعله فِي بَيت مَال الْمُسلمين
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ يعرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا فَإِن كَانَ فَقير أكلهَا فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا خير بَين الْأجر وَالضَّمان
قَالَ الْحسن وَالْعشرَة يعرفهَا سنة وَمَا دونهَا يعرفهَا ثَلَاثَة أَيَّام
وَقَالَ اللَّيْث يعرف اللّقطَة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سنة ويكتم الَّذِي أَخذهَا صفتهَا لِئَلَّا يجيىء أهل الْكَذِب فيدعونها فَإِن مرت سنة وَلم يجد لَهَا بَاغِيا كَانَ أولى بهَا قَالَ وَإِن كَانَ مَا الْتقط شَيْئا كثيرا فَأحب إِلَيّ أَن يستنفقها ويتجر فِيهَا بعد أَن يعرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا أَدَّاهَا إِلَيْهِ وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا فليتصدق بِهِ فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَهُوَ مُخَيّر بَين الْأجر وَالضَّمان
وَقَالَ الشَّافِعِي وَيَأْكُل اللّقطَة الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَلَا أحب لأحد ترك لقطَة وجدهَا إِذا كَانَ أَمينا عَلَيْهَا فيعرفها سنة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد والأسواق ومواضع الْعَامَّة وَيشْهد عَلَيْهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بعد سنة على أَنه مَتى جَاءَ صَاحبهَا فِي حَيَاته أَو بعد وَفَاته فَهُوَ غَرِيم وقليلها وكثيرها سَوَاء فَإِن كَانَت
стр. 1719
طَعَاما لَا يبْقى فَلهُ أَن يَأْكُلهُ ويغرمه لرَبه قَالَ الْمُزنِيّ وَمِمَّا وجد بِخَطِّهِ أحب إِلَيّ أَن يَبِيعهُ وَيُقِيم على تَعْرِيفه
قَالَ الْمُزنِيّ وَهَذَا أولى لِأَن النَّبِي ﷺ لم يقل للملتقط فشأنك بهَا إِلَّا بعد سنة
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن سُوَيْد بن غَفلَة عَن أبي بن كَعْب أَنه وجد صرة فِيهَا مائَة دِينَار قَالَ فَأَخذهَا وَذكرهَا لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ عرفهَا حولا فَإِن وجدت من يعرفهَا فادفعها إِلَيْهِ وَإِلَّا فاستنفع بهَا
وروى مُحَمَّد بن جحادة عَن سَلمَة بن كهيل بِإِسْنَادِهِ نَحوه وَقَالَ فِيهِ عرفهَا سنة ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ عرفهَا سنة ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ عرفهَا سنة فَقَالَ عرفهَا ثَلَاث سِنِين ثمَّ قَالَ اعْلَم عَددهَا ووكاءها ثمَّ استمتع بهَا
وروى شُعْبَة عَن سَلمَة بِإِسْنَادِهِ مثله وَذكر فِيهِ التَّعْرِيف ثَلَاثَة أَحْوَال قَالَ شُعْبَة ثمَّ إِن سَلمَة شكّ لَا يدْرِي أثلاثة أَعْوَام أَو عَاما وَاحِدًا
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَمر النَّبِي ﷺ أَبَيَا بِالِانْتِفَاعِ بهَا بعد التَّعْرِيف وَاحْتج الشَّافِعِي بذلك وَزعم أَن أَبَيَا كَانَ من أيسر أهل الْمَدِينَة
وَقد روى أَبُو يُوسُف عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن سَلمَة بن كهيل
стр. 1720
أَن أَبَيَا وجد مائَة دِينَار فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ عرفهَا حولا أَو سنة فَإِن وجدت صَاحبهَا وَإِلَّا فَاعْلَم مَا وعاؤها وَمَا وكاؤها وَمَا عدتهَا ثمَّ كلهَا فَإنَّك إِلَيْهَا ذُو حَاجَة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأعطها إِيَّاه وَإِلَّا فَهِيَ لَك
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَيَا كَانَ من أهل الْحَاجة
فَإِن قيل إِن هَذَا حَدِيث مَقْطُوع
قيل لَهُ هُوَ مَرْدُود إِلَى سَلمَة بن كهيل وَقد وَصله شُعْبَة وَالثَّوْري وَمُحَمّد نن جحادة وَيلْزم على أصل الشَّافِعِي أَن يقبل هَذِه الزِّيَادَة كَمَا قبل قَول عَمْرو بن دِينَار فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين انه فِي الْأَمْوَال
وَقد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدثنِي أبي عَن ثُمَامَة قَالَ قَالَ أنس كَانَ لأبي طَلْحَة أَرض فَجَعلهَا لله تَعَالَى فَأتي النَّبِي ﷺ فَقَالَ اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاء قرابتك فَجَعلهَا لحسان وَأبي قَالَ أنس وَكَانَا أقرب إِلَيْهِ مني
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَيَا كَانَ من الْفُقَرَاء
قَالَ وَاحْتج الشَّافِعِي أَيْضا بِحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب فِي الدِّينَار الَّذِي التقطه فَأمره النَّبِي ﷺ بِأَكْلِهِ وَلم تكن الصَّدَقَة تحل لَهُ لِأَنَّهُ من بني هَاشم
قَالَ أَبُو جَعْفَر حَدِيث عَليّ مُنْقَطع يرويهِ إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عَن عَطاء بن يسَار قَالَ وجد عَليّ بن أبي طَالب دِينَارا فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وجدت هَذَا فَقَالَ عرفه فَذهب فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ قَالَ عَرفته فَلم أجد أحدا يعرفهُ قَالَ فشأنك بِهِ قَالَ فَذهب فرهنه فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي طَعَام وودك فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذا جَاءَ
следующие страницы →