Полный текст (2 094 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
بإزارك إِن لبست لم يكن عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْء وَإِن لبسته لم يكن عَلَيْك مِنْهُ شَيْء فَكَانَ فِي ذَلِك إجَازَة الْمُهَايَأَة فِيهِ وَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَحق لبسه فِي حَال دون صَاحبه
وَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن كل وَاحِد مِنْهَا مُسْتَحقّ ذَلِك بِحَق ملكه وَذَلِكَ هُوَ الْمُهَايَأَة الَّتِي ذكرنَا ثمَّ نَظرنَا فِي جَوَاز فَسخهَا لأَحَدهمَا إِذا أَرَادَ الْقِسْمَة فَكَانَ قَول أَصْحَابنَا أصح لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِإِجَارَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ أجارة لما أجبر عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة قسة الْمَنَافِع
آخر الْقِسْمَة
стр. 1717
= كتاب اللّقطَة والإباق =
٢٠٤٢ - فِي لقطَة مَا سوى الْحَيَوَان
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه فِي اللّقطَة يعرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا إِن شَاءَ فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا كَانَ مُخَيّر ابين الْأجر وَالضَّمان وَلَا يَأْكُل مِنْهَا إِلَّا أَن يكون فَقِيرا وَحكى هِشَام عَن مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة فِي اللّقطَة مَا كَانَ يُسَاوِي عشرَة دَرَاهِم عرفهَا حولا وَإِن كَانَ يُسَاوِي أقل من ذَلِك عرفهَا على قدر مَا يرى ثمَّ تصدق بهَا وَإِن شَاءَ أكلهَا إِن كَانَ فَقِيرا
قَالَ مَالك يعرفهَا حولا ثمَّ يأكلها أَو يتَصَدَّق بهَا إِلَّا أَن تكون تافها يَسِيرا فَيجوز لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا قبل السّنة وَمَتى جَاءَ صَاحبهَا كَانَ مُخَيّرا بَين الْأجر وَالضَّمان إِذا أكلهَا أَو تصدق بهَا
وَقَالَ الْمعَافي عَن الثَّوْريّ ينشد الضآلة فَإِن وجد صَاحبهَا وَإِلَّا يصدق بهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا خير
стр. 1718
وَقَالَ أَبُو نعيم عَن الثَّوْريّ فِي الرجل يجد الدِّرْهَم يعرفهُ أَرْبعا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي اللّقطَة يعرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا خير بَين الْأجر وَالضَّمان فَإِن كَانَ مَالا عَظِيما جعله فِي بَيت مَال الْمُسلمين
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ يعرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا فَإِن كَانَ فَقير أكلهَا فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا خير بَين الْأجر وَالضَّمان
قَالَ الْحسن وَالْعشرَة يعرفهَا سنة وَمَا دونهَا يعرفهَا ثَلَاثَة أَيَّام
وَقَالَ اللَّيْث يعرف اللّقطَة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سنة ويكتم الَّذِي أَخذهَا صفتهَا لِئَلَّا يجيىء أهل الْكَذِب فيدعونها فَإِن مرت سنة وَلم يجد لَهَا بَاغِيا كَانَ أولى بهَا قَالَ وَإِن كَانَ مَا الْتقط شَيْئا كثيرا فَأحب إِلَيّ أَن يستنفقها ويتجر فِيهَا بعد أَن يعرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا أَدَّاهَا إِلَيْهِ وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا فليتصدق بِهِ فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَهُوَ مُخَيّر بَين الْأجر وَالضَّمان
وَقَالَ الشَّافِعِي وَيَأْكُل اللّقطَة الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَلَا أحب لأحد ترك لقطَة وجدهَا إِذا كَانَ أَمينا عَلَيْهَا فيعرفها سنة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد والأسواق ومواضع الْعَامَّة وَيشْهد عَلَيْهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بعد سنة على أَنه مَتى جَاءَ صَاحبهَا فِي حَيَاته أَو بعد وَفَاته فَهُوَ غَرِيم وقليلها وكثيرها سَوَاء فَإِن كَانَت
стр. 1719
طَعَاما لَا يبْقى فَلهُ أَن يَأْكُلهُ ويغرمه لرَبه قَالَ الْمُزنِيّ وَمِمَّا وجد بِخَطِّهِ أحب إِلَيّ أَن يَبِيعهُ وَيُقِيم على تَعْرِيفه
قَالَ الْمُزنِيّ وَهَذَا أولى لِأَن النَّبِي ﷺ لم يقل للملتقط فشأنك بهَا إِلَّا بعد سنة
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن سُوَيْد بن غَفلَة عَن أبي بن كَعْب أَنه وجد صرة فِيهَا مائَة دِينَار قَالَ فَأَخذهَا وَذكرهَا لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ عرفهَا حولا فَإِن وجدت من يعرفهَا فادفعها إِلَيْهِ وَإِلَّا فاستنفع بهَا
وروى مُحَمَّد بن جحادة عَن سَلمَة بن كهيل بِإِسْنَادِهِ نَحوه وَقَالَ فِيهِ عرفهَا سنة ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ عرفهَا سنة ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ عرفهَا سنة فَقَالَ عرفهَا ثَلَاث سِنِين ثمَّ قَالَ اعْلَم عَددهَا ووكاءها ثمَّ استمتع بهَا
وروى شُعْبَة عَن سَلمَة بِإِسْنَادِهِ مثله وَذكر فِيهِ التَّعْرِيف ثَلَاثَة أَحْوَال قَالَ شُعْبَة ثمَّ إِن سَلمَة شكّ لَا يدْرِي أثلاثة أَعْوَام أَو عَاما وَاحِدًا
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَمر النَّبِي ﷺ أَبَيَا بِالِانْتِفَاعِ بهَا بعد التَّعْرِيف وَاحْتج الشَّافِعِي بذلك وَزعم أَن أَبَيَا كَانَ من أيسر أهل الْمَدِينَة
وَقد روى أَبُو يُوسُف عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن سَلمَة بن كهيل
стр. 1720
أَن أَبَيَا وجد مائَة دِينَار فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ عرفهَا حولا أَو سنة فَإِن وجدت صَاحبهَا وَإِلَّا فَاعْلَم مَا وعاؤها وَمَا وكاؤها وَمَا عدتهَا ثمَّ كلهَا فَإنَّك إِلَيْهَا ذُو حَاجَة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأعطها إِيَّاه وَإِلَّا فَهِيَ لَك
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَيَا كَانَ من أهل الْحَاجة
فَإِن قيل إِن هَذَا حَدِيث مَقْطُوع
قيل لَهُ هُوَ مَرْدُود إِلَى سَلمَة بن كهيل وَقد وَصله شُعْبَة وَالثَّوْري وَمُحَمّد نن جحادة وَيلْزم على أصل الشَّافِعِي أَن يقبل هَذِه الزِّيَادَة كَمَا قبل قَول عَمْرو بن دِينَار فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين انه فِي الْأَمْوَال
وَقد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدثنِي أبي عَن ثُمَامَة قَالَ قَالَ أنس كَانَ لأبي طَلْحَة أَرض فَجَعلهَا لله تَعَالَى فَأتي النَّبِي ﷺ فَقَالَ اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاء قرابتك فَجَعلهَا لحسان وَأبي قَالَ أنس وَكَانَا أقرب إِلَيْهِ مني
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَيَا كَانَ من الْفُقَرَاء
قَالَ وَاحْتج الشَّافِعِي أَيْضا بِحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب فِي الدِّينَار الَّذِي التقطه فَأمره النَّبِي ﷺ بِأَكْلِهِ وَلم تكن الصَّدَقَة تحل لَهُ لِأَنَّهُ من بني هَاشم
قَالَ أَبُو جَعْفَر حَدِيث عَليّ مُنْقَطع يرويهِ إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عَن عَطاء بن يسَار قَالَ وجد عَليّ بن أبي طَالب دِينَارا فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وجدت هَذَا فَقَالَ عرفه فَذهب فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ قَالَ عَرفته فَلم أجد أحدا يعرفهُ قَالَ فشأنك بِهِ قَالَ فَذهب فرهنه فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي طَعَام وودك فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذا جَاءَ
стр. 1721
صَاحبه فَعرفهُ فجَاء عَليّ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ هَذَا صَاحب الدِّينَار فَقَالَ اده بَعْدَمَا أكلُوا مِنْهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَر هَذَا هُوَ أصل الحَدِيث لَا نعلمهُ روى من وَجه سوى هَذَا الْوَجْه وَهُوَ لَا يحْتَج بِهِ لَا نقطاع سَنَده وَضعف شريك بن عبد الله بن أبي نمر
وَيدل على فَسَاده مَا روى شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ أَنه قَالَ فِي اللّقطَة يتَصَدَّق بهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا كَانَ مُخَيّرا بَين الْأجر وَالضَّمان
وروى الثَّوْريّ وَمَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن يزِيد مولى المنبعث عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَنه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأَنا مَعَه فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة فَقَالَ أعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فشأنك بهَا قَالَ فضَالة الْغنم قَالَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب قَالَ فضَالة الْإِبِل قَالَ مَعهَا حذاؤها وسقاؤها ترد المَاء وتأكل الشّجر حَتَّى يلقاها رَبهَا وَرَوَاهُ القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة بِإِسْنَاد مثله وَقَالَ فِيهِ عرفهَا سنة فَإِن لم تعرف فاستنفع بهَا ولتكن وَدِيعَة عنْدك فَإِن جَاءَ صَاحبهَا يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ
وَرَوَاهُ أَيْضا القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة عَن يزِيد مولى
стр. 1722
المنبعث عَن زيد بن خَالِد عَن النَّبِي ﷺ مثله سَوَاء وَرَوَاهُ أَبُو عَامر الْعَقدي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة عَن يزِيد مولى المنبعث عَن زيد بن خَالِد عَن النَّبِي ﷺ مثله غير أَنه لم يقل فَلْيَكُن وَدِيعَة عنْدك
قَالَ أَبُو جَعْفَر قَوْله فشأنك بهَا يحْتَمل أَن يُرِيد بشأنك بهَا حَتَّى ينفذ أَحْكَام اللّقطَة فِيهَا من الصَّدَقَة بهَا أَو من حفظهَا أَو من أكلهَا إِن كنت ذَا حَاجَة إِلَيْهَا
وروى عَمْرو بن شُعَيْب عَن عَمْرو وَعَاصِم ابْني سُفْيَان بن عبد الله بن ربيعَة أَن سُفْيَان بن عبد الله وجد عَيْبَة فَأتى بهَا عمر فَقَالَ عرفهَا سنة فَإِن عرفت فَذَاك وَإِلَّا فَهِيَ لَك قَالَ فعرفها سنة فَلم يعرفهَا أحد فَأخْبر عمر بذلك فَقَالَ هِيَ لَك وَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ أمرنَا بذلك
فَأبى سُفْيَان أَن يَأْخُذهَا فَأَخذهَا مِنْهُ عمر فَجَعلهَا فِي بَيت مَال الْمُسلمين
قَالَ وَيحْتَمل قَول عمر لِسُفْيَان هِيَ لَك على أَن أمرهَا إِلَيْك تفعل فِيهَا مَا يجب أَن تفعل فِي اللّقطَة وأضافها بذلك إِلَيْهِ لَا على أَنه كَانَ يملكهَا
стр. 1723
ليَكُون مُوَافقا على مَا فِي حَدِيث زيد بن خَالِد عَن النَّبِي ﷺ من قَوْله ولتكن وَدِيعَة عنْدك فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ
وَيدل على ذَلِك أَيْضا مَا روى سُوَيْد بن غَفلَة عَن عمر قَالَ فِي اللّقطَة يعرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا ثمَّ يكون صَاحبهَا مُخَيّرا بَين الْأجر وَالضَّمان
وروى الْأسود بن شَيبَان عَن أبي نَوْفَل العريجي عَن أَبِيه عَن عمر مثله
وروى أَبُو وَائِل عَن ابْن مَسْعُود فِي اللّقطَة مثل ذَلِك
وروى ابْن أبي ذِئْب عَن الْمُنْذر بن أبي الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس مثله وَعَن ابْن عمر مثله وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا مثله
فَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قد رَأَوْا فِي اللّقطَة مَا وَصفنَا فَلَا يجوز خلافهم إِذْ لم يرو عَن أحد مِنْهُم أَن للغني أكلهَا
فَإِن قيل فقد روى عَن ابْن عمر أَنه أَبَاحَ للملتقط أكلهَا حِين سَأَلَهُ قيل لَهُ يحْتَمل أَن يكون كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهَا
وَأما تَعْرِيف اللّقطَة الْيَسِيرَة أقل من حول فَإِن ذَلِك تَقْلِيد مِمَّن قَالَه
стр. 1724
لحَدِيث روى فِيهِ وَإِن كَانَ أَصْحَاب الْإِسْنَاد لَا يعتنون بِمثلِهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن عمر بن عبد الله بن يعلى عَن جدته حكيمة عَن أَبِيهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من الْتقط لقطَة يسيرَة درهما أَو حبلا أَو شبه ذَلِك فليعرفه ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن إِن فَوق ذَلِك فليعرفه سِتَّة أَيَّام
وَقد روى شريك عَن أبي يَعْفُور الْعَبْدي عَن أبي شيخ الْعَبْدي عَن زيد بن صوحان قَالَ وجدت قلادة فِي طَرِيق مَكَّة فَأتيت بهَا عمر فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ عرفهَا أَرْبَعَة أشهر فَإِن وجدت صَاحبهَا وَإِلَّا فضعها فِي بَيت مَال الْمُسلمين
قَالَ أَبُو جَعْفَر قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام لَا يحل أَخذ الضوال وَلَا أكلهَا لملتقطها وَلَا لغيره وَيَقُول هِيَ خلاف اللّقطَة لِأَن الضوال مَا ضل بِنَفسِهِ واللقطة مَا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك ويحتج فِي الضوال بِمَا روى يزِيد بن عبد الله بن الشخير عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار وروى الْحسن عَن مطرف بن الشخير عَن
стр. 1725
أَبِيه قَالَ قدمنَا على رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أحملكم قُلْنَا نَحن نجد فِي الطَّرِيق هوامي الْإِبِل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ضَالَّة الْمُؤمن حرق النَّار
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَلَا فرق بَينهمَا لِأَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ فِي حَدِيث زيد بن خَالِد عَن ضآلة الْغنم مستخبرا عَنْهَا فِي الِالْتِقَاط فَأَجَابَهُ بِمَا أجَاب بِهِ فِيهَا ثمَّ قَالَ فضَالة الْإِبِل فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ وعنى بِهِ أَنَّهَا مستغنية عَنْك لَا تحْتَاج إِلَى حفظك لَهَا حَتَّى يَأْتِيهَا صَاحبهَا
وَأما قَوْله ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار فلأنهم أرادوها للرُّكُوب وَالِانْتِفَاع لَا للْحِفْظ على صَاحبهَا فَنهى عَن ذَلِك فِيهَا
قَالَ وَأما قَول أبي عبيد من أَن الضال مَا ضل بِنَفسِهِ فغلط لِأَنَّهُ قد روى فِي حَدِيث الْإِفْك عَن النَّبِي ﷺ قَوْله فِي الْمُسلمين إِن أمكُم ضلت قلادتها فَأطلق ذَلِك على القلادة
٢٠٤٣ - فِي اللّقطَة هَل يسْتَحق بالعلامة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ مدعي اللّقطَة لَا يسْتَحق بالعلامة حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة وَلَا يجْبر الْمُلْتَقط على دَفعهَا إِلَيْهِ بالعلامة ويسعه أَن يَدْفَعهَا وَإِن لم يجْبر عَلَيْهِ فِي الْقَضَاء
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم فِي قِيَاس قَول مَالك يَسْتَحِقهَا بالعلامة وَيجْبر على
стр. 1726
دَفعهَا إِلَيْهِ فَإِن جَاءَ مُسْتَحقّ فاستحقه بِبَيِّنَتِهِ لم يضمن للملتقط شَيْئا
قَالَ مَالك وَكَذَلِكَ اللُّصُوص إِذا وجد أَمْتعَة فجَاء قوم فادعوها وَلَيْسَت لَهُم بَيِّنَة إِن للسُّلْطَان أَن يتلوم فِي ذَلِك فَإِن جَاءَ غَيرهم وَإِلَّا دَفعهَا إِلَيْهِم وَكَذَلِكَ الْآبِق
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ يَدْفَعهَا إِلَيْهِ بعلامة
قَالَ أَبُو جَعْفَر فِي أَمر النَّبِي ﷺ بِمَعْرِِفَة العفاص والوكاء يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ لِئَلَّا يخْتَلط بِمَالِه ولتعلم أَنَّهَا لقطَة وَقد يكون ليستدل بِهِ على صدق الْمُدَّعِي فيسعه دَفعه إِلَيْهِ وَإِن لم يلْزم فِي الحكم
٢٠٤٤ - فِي ضَمَان اللّقطَة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَزفر إِن أشهد حِين أَخذهَا أَنه يَأْخُذهَا ليردها لم يضمنهَا إِن هَلَكت فِي يَده وَإِن لم يشْهد ضمنهَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَابْن شبْرمَة وَالشَّافِعِيّ لَا يضمنهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى يزِيد بن الشخير عَن مطرف بن الشخير عَن عِيَاض بن حمَار الْمُجَاشِعِي عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من الْتقط لقطَة فليشهد عَلَيْهَا ذَوي عدل وَلَا يكتم وَلَا يغيب فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَهُوَ أَحَق بهَا وَإِلَّا فَمَال الله يؤتيه من يَشَاء
стр. 1727
فَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده فِي الشَّهَادَة ظُهُور الْأَمَانَة من الْمُلْتَقط وارتفاع الظنة عَنهُ كَمَا روى عَن الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ أَنه أُرِيد بِهِ ظُهُور أَمَانَة الْوُلَاة على الْأَيْتَام
وَلما لم يضمنهَا إِذا أشهد وَجب مثله إِذا لم يشْهد أَلا ترى أَن مَا كَانَ مَضْمُونا من الغصوب وَنَحْوهَا لَا يُبرئهُ الْإِشْهَاد من ضَمَانه وكما أَنه لَو كتم بعد الْإِشْهَاد من غير جحود لم يضمن كَذَلِك إِذا ترك الْإِشْهَاد لم يضمنهُ
٢٠٤٥ - فِي اللّقطَة من الْإِبِل
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه يجوز أَن يَأْخُذ بَعِيرًا ضَالًّا ليَرُدهُ إِلَى صَاحبه فَإِن أنْفق عَلَيْهِ بِغَيْر أَمر قَاض فَهُوَ مُتَطَوّع وَإِن أنْفق عَلَيْهِ بِأَمْر قَاض ثمَّ هلك الْبَعِير بِالنَّفَقَةِ صَاحبه عِنْد أبي يُوسُف
وَقَالَ زفر لَا يرجع
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِذا وجد لقطَة فَأَخذه ليَرُدهُ إِلَى صَاحبه ثمَّ رده إِلَى مَوْضِعه الَّذِي وجده فِيهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن أَخذه وَهُوَ لَا يُرِيد رده ثمَّ بداله فَرده إِلَى مَوْضِعه ثمَّ سرق من ذَلِك الْموضع فَالْأول ضَامِن وَقَالَ زفر لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَقَالَ مَالك فِي ضَالَّة الْغنم مَا قرب من الْقرى فَلَا يأكلها ويضمنها إِلَى أقرب الْقرى إِلَيْهَا يعرفهَا فِيهَا وَمَا كَانَ فِي الفلوات والمهامه فَإِنَّهُ يأكلها وَلَا يعرفهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ من ثمنهَا شَيْء لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ
стр. 1728
هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب قَالَ وَالْبَقر بِمَنْزِلَة الْغنم إِذا خيف عَلَيْهَا وَإِذا لم يخف عَلَيْهَا السبَاع فبمنزلة الْإِبِل
وَقَالَ فِي الْإِبِل إِذا وجدهَا فِي فلاة فَلَا يعرض لَهَا فَإِن أَخذهَا فعرفها فَلم يجد صَاحبهَا خَلاهَا فِي الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير لَا تُؤْكَل فليعرفها ثمَّ يتَصَدَّق بهَا
وَقَالَ مَالك لَا تبَاع ضوال الْإِبِل وَلَكِن ترد إِلَى موَاضعهَا الَّتِي أُصِيبَت فِيهَا وَكَذَلِكَ فعل عمر بن الْخطاب ﵁
وروى عَن عُثْمَان أَنَّهَا تبَاع وَيحبس الإِمَام أثمانها لأربابها
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الشَّاة إِن أكلهَا وَأَخذهَا ضمنهَا لصَاحِبهَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يَأْخُذ الشَّاة ويعرفها فَإِن لم يجد صَاحبهَا أكلهَا ثمَّ ضمنهَا إِن جَاءَ صَاحبهَا وَقَالَ لَا تعرض لِلْإِبِلِ وَالْبَقر فَإِن أَخذ الْإِبِل وَالْبَقر ثمَّ أرسلها ضمن
قَالَ أَبُو جَعْفَر لما أجَاب النَّبِي ﷺ فِي الْغنم حِين سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب للتخوف عَلَيْهَا كَانَت الْإِبِل بمنزلتها إِذا خيف عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْيَاء
وَقَوله فِي الْإِبِل مَعهَا سقاؤها وحذاؤها إِخْبَار عَن حَال فِي الْمَوَاضِع الْمَأْمُون عَلَيْهَا فِيهَا التّلف وأباح تَركهَا وندبه إِلَى أَخذه الْغنم يحفظها على صَاحبهَا لخوف التّلف عَلَيْهَا
стр. 1729
وَأما قَول مَالك إِن لَهُ أَن يَأْكُل الشَّاة وَلَا يضمنهَا
واحتجاجه فِي ذَلِك بقوله ﷺ هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب فَلَا معنى لَهُ لِأَن قَوْله ﵊ هِيَ لَك لَيْسَ هُوَ عَليّ معنى التَّمْلِيك
لقَوْله أَو للذئب وَلم يرد بِهِ التَّمْلِيك لِأَن الذِّئْب يأكلها على ملك صَاحبهَا كَذَلِك الْوَاجِد إِن أكلهَا أكلهَا على ملك صَاحبهَا فيضمنها وَقَول النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة وَيحيى بن سعيد فاستنفع بهَا ولتكن وَدِيعَة عنْدك دلَالَة على وجوب ضَمَانهَا إِذا أتلفهَا وَأَخذهَا
وَأما رد اللّقطَة بعد أَخذهَا إِلَى الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ فقد روى يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن ثَابت بن الضَّحَّاك وجد بَعِيرًا فَقَالَ لَهُ عمر عرفه فَعرفهُ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ جَاءَ إِلَى عمر فَقَالَ قد شغلني عَن ضيعتي فَقَالَ لَهُ عمر انْزعْ خطامه ثمَّ أرْسلهُ حَيْثُ وجدته
قَالَ أَبُو جَعْفَر فَهَذَا فِي الْبَعِير إِذْ هُوَ غير مخوف عَلَيْهِ التّلف فَجعل لَهُ عمر رده إِلَى مَوْضِعه كَمَا كَانَ مُخَيّرا بدءا بَين أَخذه وَتَركه وَالْقِيَاس فِيمَا يخَاف عَلَيْهِ أَن لَا يردهُ إِلَى مَوْضِعه فيضيعه
٢٠٤٦ - فِي الْأَفْضَل من أَخذ اللّقطَة أَو تَركهَا
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه الْأَفْضَل فِي الْبَعِير الضال وَغَيره أَخذه ورده إِلَى صَاحبه وَكَذَلِكَ العَبْد الْآبِق وَإِن تَركه فَهُوَ فِي سَعَة مِنْهُ
стр. 1730
وَقَالَ مَالك فِيمَن وجد آبقا إِن كَانَ لِجَار أَو لأخ رَأَيْت لَهُ أَن يَأْخُذهُ وَإِن كَانَ لمن لَا يعرف فَلَا يَأْخُذهُ وَهُوَ فِي سَعَة من ترك مَا لجاره أَو لِأَخِيهِ
وَقَالَ اللَّيْث فِي اللّقطَة إِن كَانَت فِي شَيْء لَهُ بَال فالأحب إِلَيّ أَن يَأْخُذهُ ويعرفه وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا فَإِن شَاءَ تَركه وَقَالَ فِي ضآلة الْإِبِل فِي الْقرى من وجدهَا يعرفهَا وَإِن وجدهَا فِي الصَّحَارِي فَلَا يقربهَا ولآ يَأْخُذهَا وَأما ضَالَّة الْغنم فَلَا أحب أَن يقربهَا إِلَّا أَن يحوزها لصَاحِبهَا
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي لَا أحب لأحد ترك لقطَة وجدهَا إِذا كَانَ أَمينا عَلَيْهَا فيعرفها وَسَوَاء قَلِيل اللّقطَة وكثيرها
قَالَ أَبُو جَعْفَر فِي حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي ضَالَّة الْغنم هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب يدل على إِبَاحَته لأخذها وَأَن الْأَفْضَل حوطها على صَاحبهَا
فَإِن قيل روى أَبُو حَيَّان عَن الضَّحَّاك بن الْمُنْذر عَن الْمُنْذر قَالَ كنت بالبوازيج فراحت الْبَقر فَرَأى فِيهَا جرير بقرة أنكرها فَقَالَ لِلرَّاعِي مَا هَذِه الْبَقَرَة فَقَالَ هَذِه بقرة لحقت الْبَقر لَا أَدْرِي لمن هِيَ فَأمر بهَا جرير فَطُرِدَتْ حَتَّى تَوَارَتْ ثمَّ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول لَا يأوي الضَّالة إِلَّا ضال
стр. 1731
قيل لَهُ هَذَا مَحْمُول على أَن يَأْوِيهَا لنَفسِهِ لَا لصَاحِبهَا لما روى يحيى بن أَيُّوب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكر بن سوَادَة عَن أبي سَالم الجيشاني عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من آوى ضَالَّة فَهُوَ ضال مَا لم يعرفهَا وعَلى هَذَا يحمل معنى حَدِيث جرير بن عبد الله
٢٠٤٧ - فِي الْإِنْفَاق على اللّقطَة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا أنْفق على اللّقطَة والآبق بِغَيْر أَمر القَاضِي فَهُوَ مُتَطَوّع وَإِن أنْفق بِأَمْر القَاضِي فَذَلِك دين على صَاحبهَا إِذا جَاءَ وَله أَن يحبسها بِالنَّفَقَةِ إِذا حضر صَاحبهَا
وَقَالَ ابْن شبْرمَة إِذا أنْفق على العَبْد الْآبِق رَجَعَ على صَاحبه إِلَّا أَن يكون انْتفع بِهِ وخدمه فَتكون النَّفَقَة بمنفعته
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك إِن أنْفق الْمُلْتَقط على الدَّوَابّ وَالْإِبِل وَغَيرهَا فَلهُ أَن يرجع على صَاحبهَا بِالنَّفَقَةِ وَإِن أنفقها بِغَيْر أَمر السُّلْطَان فَلهُ أَن يحبس ذَلِك بِالنَّفَقَةِ فَإِن سلمه المَال فَلَا شَيْء لَهُ وَيرجع أَيْضا عَلَيْهِ بكرَاء حمل اللّقطَة
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ لَا يرجع من نَفَقَته بِشَيْء فِي الحكم ويعجبني فِي الْوَرع والأخلاق أَن ترد عَلَيْهِ نَفَقَته
وَقَالَ الشَّافِعِي فِيمَا رَوَاهُ الرّبيع عَنهُ إِذا أنْفق على الضوال من من أَخذهَا
стр. 1732
فَهُوَ مُتَطَوّع فَإِن أَرَادَ أَن يرجع على صَاحبهَا فليذهب إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يفْرض لَهَا النَّفَقَة ووكل غَيره بِأَن يقبض تِلْكَ النَّفَقَة مِنْهُ وَينْفق عَلَيْهَا وَلَا يكوهن للسُّلْطَان أَن يَأْذَن لَهُ أَن ينْفق عَلَيْهَا إِلَّا الْيَوْم واليومين فَإِذا جَاوز ذَلِك أَمر بِبَيْعِهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَو أَن رجلا أطْعم جائعا يخَاف الْمَوْت أَو سقَاهُ كَانَ مُتَطَوعا فِي ذَلِك كُله كَذَلِك مَا أنْفق على اللّقطَة فِي الْقيَاس
٢٠٤٨ - فِي النَّفَقَة على اللَّقِيط
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه مَا أنْفق الْمُلْتَقط على اللَّقِيط فَهُوَ مُتَطَوّع بِهِ إِلَّا أَن تكون بِأَمْر الْحَاكِم وَكَذَلِكَ من وجد ضآلة من إبل أَو بقر ويأمره القَاضِي بِالنَّفَقَةِ على الدَّوَابّ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَإِن لم يَجِيء صَاحبهَا أمره بِبَيْعِهَا وَكَانَ مَا أنْفق دينا فِي ثمنهَا والغلام وَالدَّابَّة وَمَا كَانَ لَهُ غلَّة يؤاجرهما وَينْفق عَلَيْهِمَا من غلتهما
وَقَالَ مَالك إِن أنْفق الْمُلْتَقط على اللَّقِيط ثمَّ أَقَامَ رجل الْبَيِّنَة أَنه ابْنه فَإِن الْمُلْتَقط يرجع على الْأَب إِن كَانَ طَرحه مُتَعَمدا أَو كَانَ مُوسِرًا وَإِن لم يكن طَرحه أَو ضل مِنْهُ فَلَا شَيْء على الْأَب والملتقط مُتَطَوّع بِالنَّفَقَةِ
وَقَالَ ابْن شبْرمَة إِن أنْفق الْمُلْتَقط على اللَّقِيط احتسابا لم يرجع عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لغير ذَلِك أَعْطيته نَفَقَته إِلَّا أَن يكون استخدم الْغُلَام فَتكون نَفَقَته بمنفعته
وَقَالَ ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ إِن أنْفق بِأَمْر الْأَمِير كَانَت دينا عَلَيْهِ
стр. 1733
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي أَخَوَيْنِ أنْفق الْكَبِير على الصفير فَلَا شَيْء لَهُ إِن كَانَ أَخُوهُ معدما وَإِن كَانَ مُوسِرًا أَخذ من مَاله مَا أنْفق عَلَيْهِ وَيكون ذَلِك دينا فِي مَاله إِذا كَانَ مَا أنْفق عَلَيْهِ غير وَاجِب عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَا أنفقهُ الْمُلْتَقط يكون دينا عَلَيْهِ إِن كَانَ ذَلِك غير وَاجِب عَلَيْهِ
وَقَالَ اللَّيْث إِذا أنْفق الْمُلْتَقط على اللَّقِيط ثمَّ ادَّعَاهُ رجل رَجَعَ الْمُلْتَقط بِنَفَقَتِهِ على أَبِيه
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي إِذا أمره الْحَاكِم بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ كَانَ دينا وَمَا ادّعى قبل مِنْهُ إِذا كَانَ مثله قصدا
وَقَالَ الْمُزنِيّ لَا تقبل دَعْوَاهُ وَلَيْسَ كالأمين يَقُول فَيبرأ
قد قَالَ فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا لَا يُوكله الْحَاكِم بِالنَّفَقَةِ وَإِنَّمَا يُقيم من يقبض مِنْهُ فينفق
٢٠٤٩ - فِي جعل الْآبِق
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا يجب الْجعل فِي شَيْء إِلَّا فِي العَبْد الْآبِق وَالْأمة وَالْقِيَاس أَن لَا جعل فيهمَا وَلكنه ترك الْقيَاس للأثر فَإِن جَاءَ بِهِ من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ درهما وَإِن جَاءَ بِهِ من أقل من مسيرَة ثَلَاث رضخ لَهُ بِشَيْء وَلم يبلغ أَرْبَعِينَ درهما فَإِن جَاءَ بِهِ من مسيرَة ثَلَاثَة وَهُوَ لَا يُسَاوِي أَرْبَعِينَ درهما نقص من قِيمَته درهما فِي قَول أبي حنيفَة
стр. 1734
وَقَالَ أَبُو يُوسُف عَلَيْهِ جعل أَرْبَعِينَ درهما
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك إِن كَانَ الَّذِي جَاءَ بالآبق من شَأْنه وَعَمله طلب الْإِبَاق وردهم فَإِنِّي أرى أَن يَجْعَل لَهُ شَيْئا على حسب بعد الْموضع وقربه وَلم يقدر للجعل شَيْئا وَإِن لم يكن ذَلِك شَأْنه وَعَمله فَلَا جعل لَهُ وَيُعْطِي مَا أنْفق عَلَيْهِ
قَالَ ابْن الْقَاسِم فِي قِيَاس قَول مَالك إِن كَانَ رجل يطْلب الدَّوَابّ والضوال ليردها أَو كَانَ ذَلِك شَأْنه كَانَ لَهُ جعل
وَقَالَ الْحسن بن حَيّ لَا جعل لمن جَاءَ بالآبق وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود فِي الْآبِق إِذا وجد فِي الْمصر عشرَة دَرَاهِم وَإِذا وجد خَارج الْمصر فأربعون درهما وَلم يرو عَن أحد من الصَّحَابَة خِلَافه وَمثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا طَرِيقه التَّوْقِيف وَالْقِيَاس أَن لَا شَيْء لَهُ
٢٠٥٠ - فِي الْآبِق كم يحْبسهُ الإِمَام
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا وجد عبدا آبقا فَلم يقدر على صَاحبه يرفعهُ إِلَى القَاضِي فَإِن القَاضِي يقبضهُ مِنْهُ ويتلوم ويحبسه فَإِن جَاءَ وَإِلَّا بَاعه وَإِذا جَاءَ صَاحبه دفع الثّمن إِلَيْهِ
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك يحبس السُّلْطَان الْآبِق سنة فَإِن لم يَجِيء
стр. 1735
صَاحبه بَاعه وَكَانَ لَهُ الثّمن إِذا جَاءَ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة الْإِبِل أَنَّهَا تسْتَعْمل والآبق إِن خلى عَنهُ أبق ثَانِيَة
وَقَالَ قِيَاس قَول الشَّافِعِي أَن لَا تَوْقِيت فِيهِ ويبيعه القَاضِي ويحفظ ثمنه على مَوْلَاهُ
٢٠٥١ - فِي بيع الْآبِق إِذا جَاءَ مَوْلَاهُ وَادّعى عتقا
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَقِيَاس قَول الشَّافِعِي إِن الْحَاكِم إِذا بَاعَ الآبقة ثمَّ جَاءَ صَاحبهَا فَقَالَ قد كنت أعتقتها أَو هِيَ أم وَلَدي أَنه لَا يصدق إِلَّا بِبَيِّنَة
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم قِيَاس قَول مَالك لَا يصدق فِي الْعتْق إِلَّا بِبَيِّنَة وَيصدق فِي دَعْوَى الِاسْتِيلَاء إِذا كَانَ مِمَّن لَا يتهم عَلَيْهَا وَترد إِلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ مَالك فِيمَن بَاعَ أمة وَوَلدهَا ثمَّ ادّعى الْوَلَد رد إِلَيْهِ الْأمة وَالْولد إِذا كَانَ مِمَّن لَا يتهم على مثلهَا
وَقَالَ فِي الْعتْق لَا يصدق وَإِن لم يكن لَهَا ولد وَادّعى أَنَّهَا أم وَلَده ردَّتْ إِلَيْهِ إِذا كَانَ لَا يتهم على مثلهَا
آخر اللّقطَة والإباق
стр. 1736
= كتاب الطَّعَام وَالشرَاب واللباس =
٢٠٥٢ - فِي الْقدر يَقع فِيهَا الطير فَيَمُوت فِيهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَر سَمِعت أَبَا خازم القَاضِي يحدث عَن سُوَيْد بن سعيد عَن عَليّ بن مسْهر قَالَ كنت عِنْد أبي حنيفَة فَأَتَاهُ ابْن الْمُبَارك بهيئة خراساني فَسَأَلَهُ عَن رجل جعل قدرا لَهُ فِيهَا لحم على النَّار فَمر طير فَوَقع فِيهَا فَمَاتَ فَقَالَ أَبُو حنيفَة لأَصْحَابه مَاذَا ترَوْنَ فِيهَا فَذكرُوا لَهُ عَن ابْن عَبَّاس أَن اللَّحْم يُؤْكَل بعد مَا يغسل ويهراق المرق فَقَالَ أَبُو حنيفَة بِهَذَا نقُول وَلكنه عندنَا على شريطة إِن كَانَ وَقع فِيهَا من حَال سكونها فَكَمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة وَإِن كَانَ وَقع فِيهَا فِي حَال غليانها لم يُؤْكَل اللَّحْم وَلَا المرق فَقَالَ ابْن الْمُبَارك وَلم ذَلِك فَقَالَ لِأَنَّهُ إِذا سقط فِيهَا فِي حَال غليانها فَمَاتَ فقد داخلت الْميتَة اللَّحْم وَإِذا وَقع فِيهَا من حَال سكونها فَمَاتَ فَإِنَّمَا وسخت الْميتَة اللَّحْم فَقَالَ ابْن الْمُبَارك وَعقد بِيَدِهِ ثَلَاثِينَ هَذَا زرين بِالْفَارِسِيَّةِ يَعْنِي الْمَذْهَب
قَالَ وَلَا يعلم عَن أحد من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك وَقَالَ ابْن وهب عَن
стр. 1737
مَالك فِي الدَّجَاجَة تقع فِي قدر اللَّحْم وَهِي تطبخ فتموت فِيهَا قَالَ لَا أرى إِن تُؤْكَل تِلْكَ الْقدر لِأَن الْميتَة قد اخْتلطت بِمَا مَا كَانَ فِي الْقدر
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ يغسل اللَّحْم ويؤكل وَكَذَلِكَ الزَّيْتُون المنقع إِذا مَاتَت فِيهِ فَأْرَة غسل وَأكل
قَالَ اللَّيْث لَا يُؤْكَل ذَلِك اللَّحْم حَتَّى يغسل مرَارًا ويغلى على النَّار حَتَّى يذهب كل مَا كَانَ فِيهَا وَكَذَلِكَ الزَّيْتُون إِذا وَقعت فِيهِ فَأْرَة فَمَاتَتْ
قَالَ الشَّافِعِي إِذا كَانَ الْكَلْب قد أكل من شَيْء رطب يُمكن أَن يجرى بعضه فِي بعض نجسه وَلَا يجوز أَن يَقُول بِغَيْر هَذَا القَوْل حَتَّى يكون أكلا والحياة فِيهِ وَالدَّم بِالروحِ تَدور
فَأَما إِذا أكل بعد الْمَوْت فَلَا تَدور فِيهِ دم وَإِنَّمَا ينجس حِينَئِذٍ مَوضِع أكله مِنْهُ وَمَا قاربه رَوَاهُ عَنهُ الرّبيع
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى عبد الله بن الْمُبَارك عَن عُثْمَان بن عبد الله الْبَاهِلِيّ قَالَ حَدثنِي عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي طير وَقع فِي قدر فَمَاتَ قَالَ يهراق المرق ويؤكل اللَّحْم وَلم يذكر فِيهِ حَال الغليان
وَقد روى مُحَمَّد بن ثَوْبَان عَن السَّائِب بن خباب أَنه كَانَ لَهُ قدر على النَّار فَسَقَطت فِيهَا دجَاجَة ونضجت مَعَ اللَّحْم فاستفتيت عبد الله بن عَبَّاس فَقَالَ اطرَح الْميتَة إهرق المرق وكل اللَّحْم فَإِن كرهته فَأرْسل إِلَيّ مِنْهُ بعضو أَو عضوين
فَفِي هَذَا الحَدِيث إِبَاحَة أكلهَا بعد الغليان
стр. 1738
وَقد روى ابْن الْمُبَارك عَن عباد بن رَاشد عَن الْحسن مثل جَوَاب أبي حنيفَة فِي الْمَعْنى
وَالْقِيَاس مَا قَالَ أَبُو حنيفَة لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذكرهَا وَلكنه لَا يعلم لِابْنِ عَبَّاس مُخَالف من الصَّحَابَة
٢٠٥٣ - فِي إنفحة الْميتَة
قَالَ أَبُو حنيفَة لبن الْميتَة وأنفحتها طاهران لَا يلحقهما حكم الْمَوْت
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالثَّوْري يكره اللَّبن لِأَنَّهُ فِي وعَاء نجس وَكَذَلِكَ الإنفحة إِذا كَانَت مائعة فَإِن كَانَت جامدة فَلَا بَأْس وَقَالُوا جَمِيعًا فِي الْبَيْضَة إِذا كَانَت من دجَاجَة ميتَة فَلَا بَأْس بهَا
وَقَالَ مَالك لَا يحل اللَّبن فِي ضروع الْميتَة
وَقَالَ الثَّوْريّ اللَّبن لَا يَمُوت وَيكرهُ لأجل أَن وعائه ميتَة
وَقَالَ اللَّيْث لَا تُؤْكَل الْبَيْضَة الَّتِي تخرج من دجَاجَة ميتَة
وَقَالَ عبد الله بن الْحسن اللَّبن الَّذِي يكون فِي ضرع الشَّاة الْميتَة حرَام
стр. 1739
وَأما بَيْضَة الدَّجَاجَة الْميتَة فَإِنِّي أكره أَن أرخص فِيهَا
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي لَو رضع صبي من امْرَأَة بعد مَوتهَا لم يحرم لِأَنَّهُ لَا يحل لبن الْميتَة
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا يدل على أَنه قد حلّه حكم الْمَوْت عِنْده وَخرج بِهِ من جنس الألبان وَأَنه لم يحرمه لنجاسته لِأَن لَبَنًا لَو وَقعت فِيهِ نَجَاسَة ثمَّ أرضع بِهِ صبي كَانَ رضَاعًا
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَيْسَ اللَّبن مِمَّا يحيا بحياة الشَّاة وَلَا يَمُوت بموتها إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن يكون نجسا لمجاورته بضرع نجس وَقد روى أَبُو الصبهاء الْبكْرِيّ قَالَ قَامَ ابْن الْكواء إِلَى عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ على الْمِنْبَر فَقَالَ إِنِّي وطِئت على دجَاجَة ميتَة فَخرجت مِنْهَا ببيضة آكلها فَقَالَ عَليّ لَا قَالَ فَإِن استحضنتها تَحت دجَاجَة فَخرج مِنْهَا فرخ أكله قَالَ نعم قَالَ فَكيف قَالَ لِأَنَّهُ حَيّ خرج من ميت
وروى عَن عَطاء بن السَّائِب عَن كثير بن جمْهَان عَن ابْن عمر فِي دجَاجَة ميتَة خرجت مِنْهَا بَيْضَة أَنه لَا يأكلها وَلَا يعلم عَن غَيرهمَا من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك وَالْقِيَاس أَن يُؤْكَل
٢٠٥٤ - فِي مِقْدَار مَا يَأْكُل الْمُضْطَر من الْميتَة
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ فِيمَا رَوَاهُ الْمُزنِيّ عَنهُ لَا يَأْكُل المضطرب من الْميتَة إِلَّا مِقْدَار مَا يمسك النَّفس
стр. 1740
وروى ابْن وهب عَن مَالك يَأْكُل مِنْهَا حَتَّى يشْبع ويزود مِنْهَا فَإِن وجد عَنْهَا طرحها
وَقَالَ عبيد الله بن الْحسن المضطرب يَأْكُل من الْميتَة مَا يسد بِهِ جوعه
قَالَ أَبُو جَعْفَر لَيْسَ لأحد أَن يَأْكُل من الْميتَة فِي حَال الشِّبَع وَلَا مَا يُقَارِبه حَتَّى يخَاف فَإِذا أكل مِنْهَا مَا يزِيل الْخَوْف فقد زَالَت الضَّرُورَة وَلَا يحل الْأكل
٢٠٥٥ - فِي تَخْلِيل الْخمر
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه فِي كتاب الْأَشْرِبَة لَا بَأْس بتخليل الْخمر وَلَا بَأْس بِأَن يطْرَح فِيهَا السّمك وَالْملح فَيصير مربى إِذا تحولت عَن حَال الْخمر فَصَارَت خلا أَو مربى
وروى أَصْحَاب الْإِمْلَاء عَن أبي يُوسُف فِي نوادره لَو أَن رجلا اتخذ مربى من خمر وسمك وملح فَإِن أَبَا حنيفَة قَالَ إِذا صَار مربى فَلَا بَأْس للأثر الَّذِي جَاءَ عَن أبي الدَّرْدَاء
وَقَالَ أَبُو يُوسُف مثل ذَلِك إِلَّا فِي خصْلَة إِذا كَانَ السّمك هُوَ الْغَالِب للخمر فَلَا يُؤْكَل هَذَا كالعجين الَّذِي عجن بِالْخمرِ وَإِن كَانَت الْخمر الْغَالِبَة للسمك فتحولت عَن طباعها إِلَى المربى فَلَا بَأْس بذلك
وَقد رُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي أَمَالِيهِ مثل قَول أبي يُوسُف هَذَا قَالَ مُحَمَّد وَلَو
стр. 1741
أَن خمرًا صب فِي مربى جعل من الْخمر أَو من غير الْخمر فغلب المربى عَلَيْهَا لم تُؤْكَل وَلَو صب خمر فِي خل أَي خل كَانَ لم يكن بِهِ بَأْس إِذا غلب عَلَيْهَا الْخلّ حَتَّى لَا يُوجد لَهَا طعم وَلَا رَائِحَة وَلَا يشبه اختلاطها بالخل اختلاطها بالمربى لِأَن الْخمر قد يتَحَوَّل خلا بِغَيْر حدث يحدث فِيهَا وَلَا يصير مربى إِلَّا بِعَمَل يعْمل فِيهَا
وَقَالَ ابْن وهب وَابْن الْقَاسِم عَن مَالك لَا يحل للْمُسلمِ أَن يخلل الْخمر وَلَكِن يهريقها فَإِن صَارَت خلا بِغَيْر علاج فَهُوَ حَلَال لَا بَأْس بِهِ
وَقَالَ ابْن وهب عَن مَالك فِي الرجل يلقِي الْعصير على الدردبي ليصير خلا فَلَا بَأْس بِهِ إِذا كَانَ إِنَّمَا يُريدهُ للخل
وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه إِن خللها جَازَ أكله وَبيعه وَبئسَ مَا صنع كَانَ يَنْبَغِي أَن يهريقها
وروى أَشهب عَن مَالك إِذا خلل النَّصْرَانِي خمرًا لَهُ فَلَا بَأْس بِأَكْلِهِ وَكَذَلِكَ إِن خللها مُسلم واستغفر الله تَعَالَى
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْخمر يخلل أَو يَجْعَل مربى لَا بَأْس بِأَكْلِهِ إِذا علم أَنَّهَا قد انقلبت
وَالثَّوْري لَا يرى بَأْسا بتخليل الْخمر وَكَذَلِكَ قَول اللَّيْث وكرهها عبيد الله بن الْحسن
وَقِيَاس قَول الشَّافِعِي أَنَّهَا إِذا صَارَت خلا بِفعل آدَمِيّ لم تُؤْكَل وَإِن كَانَت بِغَيْر فعل آدَمِيّ أكل
стр. 1742
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن السّديّ عَن أبي هُبَيْرَة عَن أنس قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ وَفِي حجره يتم وَكَانَ عِنْده خمر حِين حرمت الْخمر فَقَالَ يَا رَسُول الله نصنعها خلا قَالَ لَا فَصَبَّهُ حَتَّى سَالَ فِي الْوَادي
وروى مجَالد عَن أبي الوداك عَن أبي سعيد قَالَ كَانَ عِنْدِي خمر لأيتام فَلَمَّا نزلت تَحْرِيم الْخمر أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نهريقها
قَالَ أَبُو جَعْفَر احْتمل نهي النَّبِي ﷺ عَن أَن يَجْعَل خلا وَأمره بالإراقة مَعْنيانِ أَحدهمَا أَن يكون مَنْهِيّا عَن التَّمَلُّك وَلَا دلَالَة فِيهِ بعد ذَلِك على حظر الْخلّ لمجعول مِنْهَا فَاحْتمل أَن يكون مُرَاده تَحْرِيم ذَلِك الْخلّ وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرِيد قطع الْعَادة لقرب عَهدهم بِشرب الْخمر على وَجه التَّغْلِيظ وَإِن من كَانَ مَأْمُونا مِنْهُ ذَلِك فَغير مَنْهِيّ عَنهُ كَمَا روى ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يَغْدُو فَينْظر إِلَى الْأَسْوَاق فَإِذا رأى اللَّبن أمرنَا بالأسقية ففتحت فَإِن وجد فِيهَا شَيْئا مغشوشا قد جعل فِيهِ وغش بِهِ أهراقها وَمَعْلُوم أَنه لم يكن محرما الْأكل وَلَكِن لقطع الْعَادة والتغليظ على فَاعله
وَقد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن أسلم مولى عمر بن الْخطاب عَن عمر قَالَ لَا تَأْكُل من خمر أفسدت خلا حَتَّى يكون الله تَعَالَى بَدَأَ إفسادها
стр. 1743
قَالَ أَبُو جَعْفَر هَذَا حَدِيث قد أَخطَأ أَبُو عَاصِم فِي اختصاره وَجعل هَذَا الْكَلَام من قَول عمر وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن شهَاب
روى ابْن وهب عَن ابْن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن أسلم أَن عمر أَمر بالطلاء حِين نزل بالجابية وَهُوَ يَوْمئِذٍ يطْبخ كعقيد الرب فَقَالَ إِن هَذَا لشراب مَا انْتهى إِلَيْهِ وَفِيه وَلَا يشرب رجل من خمر أفسدت حَتَّى يبْدَأ الله بفسادها فَعِنْدَ ذَلِك يطيب
وَالَّذِي فِي هَذَا الحَدِيث من كَلَام عمر هُوَ وصف الطلاء
وَقد رَوَاهُ يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن أسلم أَن عمر أُتِي بالطلاء فَقَالَ إِن فِي هَذَا الشَّرَاب مَا انْتهى إِلَيْهِ
فَهَذَا هُوَ أصل الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي فِيهِ من كَلَام عمر وَقد كَانَ ابْن شهَاب كثير مَا يروي الحَدِيث فيدرج قَوْله فِيهِ فيظن بعض السامعين أَنه من الحَدِيث
وَقد روى الْحسن عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أَن تَاجِرًا اشْترى خمرًا فَأمره أَن يصبهَا فِي دجلة فَقَالُوا أَلا تَأمره أَن يَجْعَلهَا خلا فَنَهَاهُ عَن ذَلِك
وَهَذَا يحْتَمل مَا ذَكرْنَاهُ من وَجه التَّغْلِيظ وَقطع الْعَادة فِي إِِمْسَاكهَا
وَقد روى أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ أَن أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يَأْكُل المربى الَّذِي جعل فِيهِ الْخمر وَيَقُول ذكته الشَّمْس وَالْملح
стр. 1744
وكما لَا يخْتَلف حكم جلد الْميتَة فِي دبغه بعلاج آدَمِيّ أَو غَيره كَذَلِك اسْتِحَالَة الْخمر خلا
٢٠٥٦ - فِيمَن اضْطر إِلَى شرب الْخمر
قَالَ أَبُو حنيفَة يشرب مِنْهَا مِقْدَار مَا يمسك رمقه إِذا كَانَ يرد عطشه
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يفعل لِأَنَّهَا لَا تزيده إِلَّا عطشا وجوعا
وَقَالَ الشَّافِعِي وَلِأَنَّهَا تذْهب بِالْعقلِ
قَالَ أَبُو جَعْفَر إِذا كَانَت تمسك الرمق فالضرورة إِلَيْهَا دافعة كالميتة وَإِذا لم ترْتَفع بهَا الضَّرُورَة وَلَا ينْتَفع بشربها فِي إمْسَاك الرمق فَلَيْسَ إِذا بمضطر إِلَيْهَا وَلَا إِبَاحَة فِيهَا فيستحيل حِينَئِذٍ جَوَاب من أجَاب حِين يسْأَل عَمَّن اضْطر إِلَى شرب الْخمر فَإِنَّهَا لَا تحل وَإِنَّمَا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَن يُجيب بِأَن يَقُول لَا يضْطَر إِلَيْهَا فيحيل مَسْأَلَة السَّائِل وَأما مَا ذكره الشَّافِعِي من ذهَاب الْعقل بشربها فَلَيْسَ هُوَ مِمَّا نَحن فِيهِ من شَيْء لِأَنَّهُ يسْأَل عَن الْمِقْدَار الَّذِي لَا يذهب الْعقل إِذا اضْطر إِلَيْهِ
٢٠٥٧ - فِي الشّرْب فِي الْقدح المفضض
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا بَأْس بِأَن يشرب الرجل فِي الْقدح المفضض إِذا لم يَجْعَل فَاه على الْفضة كالشرب بِيَدِهِ وفيهَا الْخَاتم
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك لَا أحب أَن يدهن فِي مدهن الْوَرق وَلَا يستجمر فِي مجامر الْوَرق
стр. 1745
وَسُئِلَ مَالك عَن ثلمة الْقدح وَمَا يَلِي الْأذن فَقَالَ مَالك قد سَمِعت سَمَاعا كَأَنَّهُ يُضعفهُ وَمَا علمت فِيهِ بنهي
وَقَالَ ابْن وهب سَمِعت اللَّيْث يكره أَن يشرب أَو يُؤْكَل فِي الْقدح والصحفة الَّتِي فِيهَا تضبيب بالورق مثل قَول مَالك بن أنس
فَفِي هَذِه الرِّوَايَة عَن مَالك كَرَاهَته
وَقَالَ الشَّافِعِي وأكره المضبب بِالْفِضَّةِ لِئَلَّا يكون شاربا على الْفضة
قَالَ أَبُو جَعْفَر رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه لم يشرب فِي الْقدح المفضض لما سمع من رَسُول الله ﷺ من نَهْيه عَن الشّرْب فِي آنِية الْفضة وَالذَّهَب رَوَاهُ مُوسَى بن أعين عَن خصيف عَن نَافِع عَن ابْن عمر
فَاحْتمل ذَلِك أَن يكون مِنْهُ على التورع لَا على النَّهْي كَمَا روى عِيسَى بن يُونُس عَن الْمُغيرَة بن زِيَاد عَن أبي عَمْرو مولى أَسمَاء قَالَ رَأَيْت ابْن عمر اشْترى جُبَّة فِيهَا خيط أَحْمَر فَردهَا فَأتيت أَسمَاء فَذكرت ذَلِك لَهَا فَقَالَت بؤسا لِابْنِ عمر يَا جَارِيَة ناوليني جُبَّة رَسُول الله ﷺ فأخرجت إِلَيْنَا جُبَّة مَكْفُوفَة الجيب والكمين والفرج بالديباج وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ لَا على وَجه التَّحْرِيم وَإِنَّمَا على وَجه الْمُبَالغَة فِي ترك الْحَرِير المنهى عَنهُ كنضحه المَاء فِي عَيْنَيْهِ لفسل الْجَنَابَة لَا لوُجُوب ذَلِك عَلَيْهِ
стр. 1746
وَقد روى ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن بنت أبي عَمْرو مولى عَائِشَة قَالَت أَبَت عَائِشَة أَن ترخص لنا فِي تفضيض الْآنِية
وروى أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا شريك عَن حميد قَالَ رَأَيْت عِنْد أنس قدح النَّبِي ﷺ فِيهِ فضَّة أَو قد شدّ بِفِضَّة
قَالَ أَبُو جَعْفَر فَلَا يَخْلُو من أَن ذَلِك قد كَانَ فِي زمَان النَّبِي ﷺ أَو أحدثه فِيهِ أنس بعده وَأي ذَلِك كَانَ فقد ثَبت عَن أنس إِبَاحَته لِأَنَّهُ كَانَ يسْقِي النَّاس فِيهِ تبركا برَسُول الله ﷺ
وَقد رُوِيَ عَن قَتَادَة قَالَ كَانَ عمرَان بن حُصَيْن وَأنس بن مَالك يشربان فِي الْإِنَاء المفضض
وَعَن طَاوس وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم وَحَمَّاد وَالْحسن عَن أبي الْعَالِيَة أَنهم كَانُوا يشربون فِي الْإِنَاء المفضض
٢٠٥٨ - فِي حكم عصير الْعِنَب بعد الطَّبْخ
قَالَ أَبُو يُوسُف فِي الْعصير إِذا غلنى فَهُوَ خمرة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا بَأْس بِهِ مَا لم يقذف بالزبد فَإِن طبخ حَتَّى يذهب ثُلُثَاهُ
стр. 1747
وَيبقى الثُّلُث ثمَّ غلنى بعد ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ وَهَذَا قد خرج عَن حَال الْمَكْرُوه الْحَرَام إِلَى حَال الْحَلَال فَلَا بَأْس بِهِ غلن أَو لم يغل
وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك لَا يعْتَبر الغليان أحده إِذا أسكر وَلَا أحده إِذا لم يسكر وَلَا ألتفت إِلَى الغليان وَلَا إِلَى ذهَاب الثُّلثَيْنِ بالطبخ
وَقَالَ الثَّوْريّ أشْرب الْعصير مَا لم يغل وغليانه أَن يقذف بالزبد فَإِذا غلنى فَهُوَ خمر
وَقَالَ اللَّيْث لَا بَأْس بِشرب الْعصير إِذا طبخ حَتَّى يذهب ثُلُثَاهُ وَيبقى ثلثه وَقَالَ لَا بَأْس بِشرب الْعصير حَتَّى يغلي
وَقَالَ الشَّافِعِي كل شراب أسكر كَثِيره فقليله حرَام وَفِيه الْحَد قِيَاسا على الْخمر وَلَا يحد إِلَّا بِأَن يَقُول شربت الْخمر أَو يشْهد عَلَيْهِ بِهِ أَو يَقُول شربت مَا يسكر أَو يشرب من إِنَاء هُوَ وَنَفر فيسكر بَعضهم فَيدل على أَن الشَّرَاب مُسكر
وَاحْتج بِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لَا أُوتى بِأحد شرب خمرًا أَو نبيذا مُسكرا إِلَّا جلدته الْحَد
قَالَ أَبُو جَعْفَر روى الشّعبِيّ عَن حَيَّان بن حُصَيْن الْأَسدي أَن عمارا أرَاهُ كتاب عمر بن الْخطاب إِلَيْهِ بِأَن يَأْمر الْمُسلمين بِشرب الْعصير الَّذِي قد طبخ حَتَّى يذهب ثُلُثَاهُ وَيبقى ثلثه وَأَن عمارا شربه وَأمر بِهِ النَّاس قَالَ هَذَا شراب لم نَكُنْ نشربه حَتَّى أمرنَا بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁ وَقَالَ
стр. 1748
دَاوُد بن أبي هِنْد قلت لسَعِيد بن الْمسيب الطلاء الَّذِي أحله عمر للنَّاس مَا هُوَ قَالَ مَا ذهب ثُلُثَاهُ وَبَقِي ثلثه
فَإِن قيل إِنَّمَا أَبَاحَ ذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ بعض أهل الأَرْض إِنَّه لَا يسكر
قيل لَهُ قد أَمر النَّاس بشربه وَلم يسْتَثْن لَهُم مَا لَا يسكر مِمَّا يسكر وَتَابعه عَلَيْهِ الصَّحَابَة من غير نَكِير
٢٠٥٩ - فِي الانتباذ فِي الْأَوَانِي
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا بَأْس بالانتباذ فِي جَمِيع الْأَوَانِي
وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه كره الانتباذ فِي الدُّبَّاء والمزفت وَلَا يكره غير ذَلِك
وَكره الثَّوْريّ الانتباذ فِي الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمزفت
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا أكره من الأنبذة إِذا لم يكن الشَّرَاب يسكر شَيْئا إِلَّا شَيْئا مُسَمّى بِعَيْنِه بَعْدَمَا سمى فِي الْآثَار من الحنتم والنقير والدباء والمزفت
قَالَ أَبُو جَعْفَر رُوِيَ عَن عَليّ ﵇ أَنه نهى عَن الدُّبَّاء والمزفت
وروى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ نهى وَفد عبد الْقَيْس عَن الدُّبَّاء والحنتم والمزفت
стр. 1749
وروى ابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ حرم نَبِيذ الْجَرّ
قَالَ ابْن عَبَّاس والجر كل شَيْء من الْمدر
وَقَالَت عَائِشَة نهى رَسُول الله ﷺ أَن ينتبذ فِي الدُّبَّاء والحنتم والمزفت
فَهَذِهِ آثَار قد رويت فِي النَّهْي عَن الأوعية
وروى سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر قَالَ لما نهى رَسُول الله ﷺ عَن الأعية قَالَت الْأَنْصَار إِنَّا لَا بُد لنا مِنْهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ فَلَا إِذا
وَقد روى شريك عَن زِيَاد بن فياض عَن أبي عِيَاض عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الأوعية فَقَالَ لَا تنبذوا فِي الدُّبَّاء والحنتم والنقير فَقَالَ أَعْرَابِي لَا ظروف لنا فَقَالَ النَّبِي ﷺ اشربوا مَا حل لكم وَاجْتَنبُوا كل مُسكر
وروى يَعْقُوب بن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن جَابر بن عبد الله عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ أَن تنبذوا فِي الدُّبَّاء والحنتم والمزفت فانتبذوا وَلَا أحل مُسكرا
وروى وَاسع بن حبَان عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ مثله
стр. 1750
وروى سماك بن حَرْب عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه عَن أبي بردة بن نيار قَالَ قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الشّرْب فِي الأوعية فَاشْرَبُوا فِيمَا بدا لكم وَلَا تسكروا وروى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن أبي بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ مثله
وروى أَبُو الْعَالِيَة وَغَيره عَن عبد الله بن الْمُغَفَّل قَالَ شهِدت رَسُول الله ﷺ حِين نهى عَن نَبِيذ الْجَرّ وشهدته حِين أَمر بشربه فَقَالَ اجتنبوا الْمُسكر
وروى خَالِد الْحذاء عَن شهر بن حَوْشَب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ لما وَفد عبد الْقَيْس قَالَ النَّبِي ﷺ كل امرىء حسيب نَفسه لينتبذ كل قوم فِيمَا بدا لَهُم
فَهَذِهِ الْآثَار ناسخة للأولى وَقد ورى أنس أَنه كَانَ ينتبذ لَهُ فِي جرة خضراء وَهُوَ أحد من روى النَّهْي عَن نَبِيذ الْجَرّ
٢٠٦٠ - فِي الخليطين من الْأَشْرِبَة
قَالَ أَبُو حنيفَة لَا بَأْس بِشرب الخليطين من الْبُسْر وَالتَّمْر أَو الزَّبِيب وَالتَّمْر كَمَا لَو طبخ على الِانْفِرَاد حل كَذَلِك إِذا طبخ مَعَ غَيره
стр. 1751
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَإِبْرَاهِيم وَهُوَ قَول أبي يُوسُف الآخر
وَقَالَ مُحَمَّد أكره الْمُعْتق من التَّمْر وَالزَّبِيب
وَقَالَ ابْن وهب عَن مَالك لَا يجمع بَين شرابين وَإِن لم يسكر وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم عَنهُ
وَلما رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى أَن ينْبذ الْبُسْر وَالتَّمْر جَمِيعًا وَأَن ينْبذ الزهور وَالرّطب أَيْضا جَمِيعًا
وروى الْمعَافى عَن الثَّوْريّ أَنه كره من النَّبِيذ الخليطين والسلافة وَالْمُعتق
وَقَالَ اللَّيْث لَا أرى بَأْسا بِأَن يخلط نَبِيذ التَّمْر ونبيذ الزَّبِيب ثمَّ يشربان جَمِيعًا وَإِنَّمَا جَاءَ الحَدِيث فِي الْكَرَاهِيَة أَن ينبذا جَمِيعًا ثمَّ يشربان لِأَن أَحدهمَا يشْتَد بِهِ صَاحبه
وَقَالَ الشَّافِعِي نهى النَّبِي ﷺ عَن الخليطين ثمَّ لم يذكر مُخَالفَة مِنْهُ لذَلِك
وروى ابْن عَبَّاس وَأَبُو قَتَادَة وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو سعيد وَأنس أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن ينْبذ التَّمْر وَالزَّبِيب والزهور وَالرّطب
وروى معبد بن كَعْب عَن أمه وَكَانَت قد صلت الْقبْلَتَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الخليطين
стр. 1752
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَاحْتمل أَن يكون النَّهْي على وَجه التَّحْرِيم وَاحْتمل أَن يكون لضيف الْعَيْش كَرَاهَة السَّرف كَمَا روى عَن جبلة بن سحيم قَالَ أصابتنا سنة فرآنا ابْن عمر وَنحن نَأْكُل التَّمْر فَقَالَ لنا لَا تقارنوا فَإِن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْقرَان قَالَ ابْن عمر إِلَّا أَن يسْتَأْذن الرجل مِنْكُم أَخَاهُ
وَالنَّهْي عَن الخليطين هَذَا مَعْنَاهُ لِأَن كل وَاحِد على حياله يجوز شربه كَمَا يجوز أكل كل تَمْرَة على حيالها
٢٠٦١ - فِي شرب النَّبِيذ الشَّديد
قَالَ بشر عَن أبي يُوسُف قَالَ أَبُو حنيفَة الْخمر حرَام قليلها وكثيرها وَالسكر حرَام وَلَيْسَ كتحريم الْخمر ونقيع الزَّبِيب إِذا غلن حرَام وَلَيْسَ كتحريم الْخمر والنبيذ الْمُعْتق الْمَطْبُوخ لَا بَأْس بِهِ من أَي شَيْء كَانَ وَإِنَّمَا يحرم مِنْهُ الْقدح الَّذِي يسكر
وَقَالَ أَبُو يُوسُف من قعد يطْلب السكر فَالْأول عَلَيْهِ حرَام والمقعد عَلَيْهِ حرَام وَالْمَشْي إِلَى المقعد عَلَيْهِ حرَام كَمَا أَن الزِّنَا عَلَيْهِ حرَام وَكَذَلِكَ الْمَشْي فِي طلبه وَإِن قعد وَهُوَ لَا يُرِيد السكر فَلَا بَأْس
قَالَ أَبُو يُوسُف وَلَا بَأْس بالنقيع من كل شَيْء وَإِن غلن مَا خلا الزَّبِيب وَالتَّمْر وَهُوَ قَول أبي حنيفَة فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّد من غير خلاف
стр. 1753
وروى هِشَام عَن مُحَمَّد مَا أسكر كَثِيره فالأحب إِلَيّ أَن لَا يشربه وَلَا أحرمهُ
وروى ابْن وهب عَن مَالك قَالَ السّنة عندنَا أَن من شرب شرابًا يسكر فَسَكِرَ أَو لم يسكر فَعَلَيهِ الْحَد
قَالَ الْمعَافى وَقَالَ الثَّوْريّ أكره نَقِيع التَّمْر ونقيع الزَّبِيب إِذا غلى وَهُوَ السكر
قَالَ الْمعَافى وَسُئِلَ الثَّوْريّ عَن نَقِيع الْعَسَل فَقَالَ لَا بَأْس بِهِ
وروى أَحْمد بن يُونُس عَن الْمعَافى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ أشْرب من النَّبِيذ كَمَا تشرب من المَاء
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ كل مُسكر وكل مخدر فَهُوَ حرَام
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام
قَالَ أَبُو جَعْفَر الْخمر مُحرمَة بِنَصّ الْكتاب قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع﴾ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم﴾ فَحصل من مَجْمُوع الْآيَتَيْنِ تَحْرِيم الْخمْرَة وَالْخمر هِيَ الَّتِي تعتصر من الْعِنَب لقَوْله تَعَالَى حاكيا عَن صَاحب يُوسُف ﴿إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا﴾ فَدلَّ على أَن الْخمر معتصرة وَأَنَّهَا خلاف الْأَشْيَاء الَّتِي ينتبذ فِي الأوعية
стр. 1754
ثمَّ رُوِيَ عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عمر عَن عمر أَنه قَالَ إِن الْخمر حرمت وَهِي من خَمْسَة أَشْيَاء من الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير وَالْخمر مَا خامر الْعقل
وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ نزل تَحْرِيم الْخمر وَهِي الفضيخ فَأخْبر فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْخمر هُوَ الفضيخ
وروى مَالك بن مغول عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ لقد حرمت الْخمر وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء
فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن الفضيخ وَمَا يخرج من النّخل لَيْسَ بِخَمْر لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَة من ذَلِك فَهَذَا خلاف مَا رُوِيَ عَن عمر أَن الْخمر من خَمْسَة أَشْيَاء
وروى حميد الطَّوِيل عَن أنس قَالَ كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة وَأبي بن كَعْب وَسُهيْل بن بَيْضَاء فِي نفر فِي بَيت أبي طَلْحَة فَمر بِنَا رجل فَقَالَ إِن الْخمر قد حرمت فوَاللَّه مَا قَالُوا حَتَّى نتبين حَتَّى قَالُوا أهرق مَا فِي إنائك يَا أنس ثمَّ مَا عَادوا فِيهَا حَتَّى لقوا الله تَعَالَى وَأَنه من الْبُسْر وَالتَّمْر وَهُوَ خمرنا يَوْمئِذٍ
فَأخْبر أنس أَن الْخمر يَوْمئِذٍ التَّمْر والبسر فَانْتفى بذلك أَن يكون غَيرهمَا خمرًا عِنْده
وروى قَتَادَة عَن أنس هَذَا الحَدِيث وَقَالَ إِنَّمَا نعدها يَوْمئِذٍ خمرًا
стр. 1755
وروى ثَابت عَن أنس قَالَ حرمت علينا الْخمر يَوْم حرمت وَمَا اتخذ خمور الأعناب إِلَّا الْقَلِيل وَعَامة خمورنا الْبُسْر وَالتَّمْر
وروى الْمُخْتَار بن فلفل قَالَ سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْأَشْرِبَة فَقَالَ حرمت الْخمر وَهِي من الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير والذرة وَمَا حرمت من ذَلِك فَهُوَ خمر
فَهَذَا مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِي الْخمر
وَرُوِيَ يحيى بن أبي كثير عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْخمر من هَاتين الشجرتين النَّخْلَة والعنبة فَأخْبر أَن الْخمر مِنْهُمَا وَفِي ذَلِك نفى أَن يكون من سواهُمَا فاتفقت الْأمة أَن عصير الْعِنَب الَّذِي اشْتَدَّ وغلى وَقذف بالزبد فَهُوَ خمر وَإِن مستحله كَافِر فَهَذَا يدل على أَن حَدِيث ابْن أبي كثير أَن الْخمر من هَاتين الشجرتين غير مَعْمُول بِهِ عِنْدهم لأَنهم لَو قبلوه لأكفروا مستحل نَقِيع التَّمْر فَثَبت أَنه لم يدْخل فِي الْخمر الْمُحرمَة غير عصير الْعِنَب النيء المشتد الَّذِي قد بلغ أَن يسكر ثمَّ لَا يَخْلُو الْخمر من أَن يكون التَّحْرِيم مُتَعَلقا بهَا غير مقيس عَلَيْهَا غَيرهَا أَو يجب الْقيَاس عَلَيْهَا فوجدناهم جَمِيعًا قد قاسوا عَلَيْهَا نَقِيع التَّمْر إِذا غلى وأسكر كَثِيره وَكَذَلِكَ نَقِيع الزَّبِيب فَوَجَبَ قِيَاسا على ذَلِك أَن يحرم كل مَا أسكر كَثِيره
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كل مُسكر حرَام وَاسْتغْنى عَن ذكر
следующие страницы →