Полный текст (2 094 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن المكسور الْقرن إِذا برأَ مِنْهُ يُجزئ
وَقد روى سُفْيَان وَشريك عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجية بن عدي أَنه كَانَ عِنْد عَليّ فَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ لَا يَضرك
وَهُوَ الَّذِي روى الحَدِيث الأول
فَثَبت أَن الْقرن لَا عِبْرَة بِهِ وَأَيْضًا الْجَمَّاء لاخلاف فِي جَوَازهَا فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن تكون الْمَكْسُورَة الْقرن لِأَن من أَخذ علينا فِيهَا لَا يخْتَلف حكمهَا فِي عدمهَا من جِهَة الْخلقَة أَو تلفهَا بعد وجودهَا
وَقد روى سُفْيَان عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجية بن عدي عَن عَليّ قَالَ أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن
فَإِن قيل روى زُهَيْر بن مُعَاوِيَة حَدثنَا أَبُو اسحاق عَن شُرَيْح بن النُّعْمَان وَقَالَ أَبُو اسحاق كَانَ رجل صدق عَن عَليّ قَالَ أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَليّ وَسلم أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن وَأَن لَا نضحي بعوراء وَلَا مُقَابلَة وَلَا مدابرة وَلَا شرقاء وَلَا خرقاء
فَقَالَ زُهَيْر قلت لأبي إِسْحَاق أَو ذكر عضباء قَالَ لَا
قلت مَا الْمُقَابلَة قَالَ يقطع الْأذن
قلت المدابرة قَالَ يقطع من مؤخرة الْأذن
стр. 457
قلت الشرقاء قَالَ تشق الْأذن
قلت الخرقاء قَالَ تخرق أذنها للسمة
فَفِي هَذَا الحَدِيث النَّهْي عَن الْأُضْحِية بِمَا قد قطع الْقَلِيل من أُذُنه فَقيل لَهُ لما ثَبت فِي حَدِيث جري بن كُلَيْب النَّهْي عَن الْأذن فِي العضب قَالَ سعيد بن الْمسيب هُوَ النّصْف فَمَا فَوْقه وَجب حمل الْحَدِيثين على الْمُوَافقَة وَتَكون الخرقاء وَمَا مَعْنَاهَا على ذهَاب النّصْف وَيكون تَأْوِيل سعيد أولى من تَأْوِيل أبي إِسْحَاق ليتفق معنى الْحَدِيثين
وَقد روى شُعْبَة أَخْبرنِي سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن سَمِعت عبيد بن فَيْرُوز قَالَ سَأَلت الْبَراء قلت أَخْبرنِي مَا كره رَسُول اله ﷺ أَو نهى عَنهُ من الْأَضَاحِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع لَا يُجزئ العوراء الْبَين عورها والعرجاء الْبَين ظلعها والمريضة الْبَين مَرضهَا والكسيرة الَّتِي لَا تنقى
قلت للبراء إِنِّي أكره فِي الْأذن نقص وَفِي الْقرن نقصا وَفِي السن نقصا
قَالَ مَا كرهت فَدَعْهُ وَلَا تحرمه على أحد
فَكَانَ فِي ذكره لهَذِهِ الْأَرْبَع وتخصيصه إِيَّاهَا بِالذكر دَلِيل على أَن ماعداها يُجزئ إِلَّا أَنه لما ثَبت بِحَدِيث عَليّ فِي الْأذن مَا ثَبت ألحقناه بِهِ وجعلناه
стр. 458
نَاسِخا لِاتِّفَاق الْمُسلمين على مَعْنَاهُ
وَفِي قَول الْبَراء لَا تحرمه على أحد دَلِيل عَليّ أَن النَّقْص الْقَلِيل فِي الْأذن لَا يمْنَع الْجَوَاز إِذا أوجب أضْحِية أَو هَديا صَحِيحا ثمَّ أَصَابَهُ عور لم يجزه وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ
وَقَالَ مَالك يُجزئ فِي الْهَدْي وَلَا يُجزئ فِي الْأُضْحِية
وَقَالَ الثَّوْريّ يُجزئ فيهمَا جَمِيعًا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجزىء
قَالَ أَبُو جَعْفَر الْحجَّة أَنه لم يخرج عَن ملكه فَاعْتبر حَال الذّبْح أَلا ترى أَنه لَو عطب قبل الْمحل لم يجز
وَلَو فَقَأَ رجل عين الْهَدْي أَخذ النُّقْصَان ويبيعه ليَشْتَرِي الثّمن وَالْأَرْش هَديا صَحِيحا
وَقَالَ مَالك يَشْتَرِي بِالْأَرْشِ هَديا صَحِيحا أَجْزَأَ وَيتَصَدَّق بِهِ إِن لم يبلغ هَديا
وَقَالَ الشَّافِعِي يتَصَدَّق بِالْأَرْشِ
٥٦٩ - فِيمَن حج عَن الْمَيِّت أَو الْعَاجِز
قَالَ أَصْحَابنَا فِي الصَّحِيح يحجّ غَيره عَن نَفسه يُجزئهُ وَيكون تَطَوّعا لَهُ وَإِن كَانَ مَرِيضا فَمَاتَ مِنْهُ أَجزَأَهُ من حجَّة الْإِسْلَام فَإِن أوصى رجل أَن يحجّ عَنهُ أحج عَنهُ من الثُّلُث وَإِن تطوع رجل عَن وَالِديهِ بِالْحَجِّ عَنْهُمَا أَجزَأَهُ وَقَول ابْن أبي ليلى إِن الْحَج عَن المي يُجزئ وَكَذَلِكَ قَول سُفْيَان مثل قَول أَصْحَابنَا
стр. 459
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ يحجّ عَن الْمَيِّت وَإِن لم يوص وَيجزئهُ
وَقَالَ الْحسن بن صَالح بن حَيّ لَا يحجّ أحد عَن اُحْدُ إِلَّا عَن ميت لم يحجّ فَقَط وَعَلِيهِ حجَّة الْإِسْلَام أَو من لزمَه الْحَج وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَيِّت لَا يطْمع لَهُ فِي الْوُصُول إِلَى مَكَّة أبدا
وَقَالَ اللَّيْث يجوز الْحَج عَن الْمَيِّت
وَقَالَ الشَّافِعِي يحجّ عَن الْمَيِّت وَالْعَاجِز
قَالَ مَالك لَا يحجّ أحد عَن الْحَيّ بتة قَالَ وَإِن مَاتَ صرورة فَأَرَادَ ورثته أَن يحجوا عَنهُ فَإِنَّهُم يتطوعون عَنهُ بِالصَّدَقَةِ أَو بِالْعِتْقِ أَو بِالْهَدْي أحب إِلَيّ
قَالَ مَالك وَإِن أوصى أَن يحجّ عَنهُ أنفذت وَصيته وأحج عَنهُ من قد أحج
روى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن عَيَّاش بن أبي ربيعَة عَن زيد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ قَالَ اسْتقْبلت رَسُول الله ﷺ جَارِيَة شَابة من خثعم فَقَالَت إِن أبي شيخ كَبِير وَقد أَدْرَكته فَرِيضَة الله فِي الْحَج أفيجزئ أَن أحج عَنهُ قَالَ حجي عَن أَبِيك ولوى عنق الْفضل فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس لويت عنق ابْن عمك فَقَالَ رَأَيْت شَابًّا وشابة فَلم آمن عَلَيْهِمَا الشَّيْطَان
وَقد روى مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عبد الله بن
стр. 460
الْعَبَّاس أَنه كَانَ الْفضل بن الْعَبَّاس رَدِيف رَسُول اله ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَة من خثعم فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن فَرِيضَة الله على عباده فِي الْحَج أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يثبت على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ قَالَ نعم وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع
وروى شُعْبَة عَن النُّعْمَان بن سَالم عَن عَمْرو بن أَوْس عَن أبي رزين قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن أبي شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع الْحَج وَالْعمْرَة وَلَا الظعن قَالَ حج عَن أَبِيك وَاعْتمر
وروى مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن يُوسُف بن الزبير عَن عبد الله بن الزبير قَالَ جَاءَ رجل من خثعم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن أبي أدْركهُ الْإِسْلَام وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع ركُوب الرحل وَالْحج مَكْتُوب عَلَيْهِ أفأحج عَنهُ
قَالَ أَنْت أكبر وَلَده قَالَ نعم قَالَ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته عَنهُ أَكَانَ ذَلِك يُجزئ عَنهُ قَالَ نعم قَالَ فاحجج عَنهُ
فَهَذِهِ آثَار متواترة عَن النَّبِي ﷺ فِي جَوَاز الْحَج عَن الْعَاجِز
وَقد روى عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن أبي مَاتَ وَلم يحجّ أفأحج عَنهُ فَقَالَ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيه قَالَ نعم
стр. 461
قَالَ فدين الله أَحَق فحج عَنهُ
وروى أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَت امْرَأَة من جُهَيْنَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي نذرت أَن تحج وَإِنَّهَا مَاتَت قبل أَن تحج قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضيته قَالَت نعم قَالَ فحجي عَن أمك أقضوا الله الدّين الَّذِي لَهُ عَلَيْكُم فَإِن الله أَحَق بِالْوَفَاءِ
فَثَبت فِي هذَيْن الْحَدِيثين إجَازَة الْحَج عَن الْمَيِّت وَلم يسْأَله هَل كَانَ أوصى أم لَا فَدلَّ على اسْتِوَاء الْحَدِيثين عِنْده
٥٧٠ - فِيمَن يحجّ عَن غَيره قبل أَدَاء فَرْضه
قَالَ أَصْحَابنَا حج الصرورة يُجزئ عَن غَيره وَمن قد حج أفضل وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ
وَقَالَ الْحسن بن صَالح لَا يحجّ عَن الْغَيْر إِلَّا من قد حج حجَّة الْإِسْلَام وَيكرهُ أَن تحج الْمَرْأَة عَن الرجل وَلَا يكره أَن يحجّ الرجل عَن الْمَرْأَة لِأَن الْمَرْأَة تلبس وَالرجل لَا يلبس فِي الْإِحْرَام
стр. 462
قَالَ الشَّافِعِي لَا يحجّ عَن أحد إِلَّا من أدّى الْفَرْض مرّة فَإِن لم يكن حج فَهُوَ عَنهُ وَلَا أجر لَهُ
وروى سعيد عَن قَتَادَة عَن عزْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين سمع رجلا يَقُول لبيْك عَن شبْرمَة قَالَ من شبْرمَة قَالَ أَخ أَو قريب لي فَقَالَ فَهَل حججْت قطّ قَالَ لَا قَالَ اجْعَل هَذِه عَنْك ثمَّ احجج عَن شبْرمَة
فاحتج الشَّافِعِي بذلك خَالفه لِأَنَّهُ يزْعم أَن الْحَج عَنهُ وَلَا يحْتَاج أَن يَجْعَلهَا عَن نَفسه
وَقد روى ابْن وهب أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث أَن قَتَادَة بن دعامة حَدثهُ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه مر بِهِ رجل يهل فَقَالَ لبيْك بِحجَّة عَن شبْرمَة قَالَ وماشبرمة قَالَ رجل أوصى أَن يحجّ عَنهُ قَالَ حججْت أَنْت قَالَ لَا قَالَ فابدأ أَنْت فحج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة
ففسد الحَدِيث الأول بذلك لِأَنَّهُ ذكره فِي هَذَا الحَدِيث من قَول ابْن عَبَّاس وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوب وخَالِد الْخُزَاعِيّ عَن أبي قلَابَة عَن ابْن عَبَّاس من كَلَامه لَا من كَلَام النَّبِي ﷺ وذكرا فِيهِ قصَّة شبْرمَة
стр. 463
فَإِن قيل روى ابْن أبي ليلى عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يُلَبِّي عَن شبْرمَة قَالَ وَمَا شبْرمَة فَذكر قرَابَة قَالَ أفحججت عَن نَفسك قَالَ لَا قَالَ فاحجج عَن نَفسك ثمَّ احجج عَن شبْرمَة
قيل لَهُ أَيْضا هذاحديث فَاسد لفساد حفظ ابْن أبي ليلى
وَقد كَانَ شُعْبَة يَقُول مَا رَأَيْت قطّ أحدا أَضْعَف حفظا من ابْن أبي ليلى لما كَانَ يَأْتِي بِهِ فِي مثل هَذَا
وَفِي الْأَحَادِيث الَّتِي فِي الْبَاب الَّتِي قبل هَذَا مايدل على صِحَة قَوْلنَا لِأَن النَّبِي ﷺ لم يسْأَله هَل حججْت عَن نَفسك أم لَا بل جعله كَالدّين وَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فَقضى دين غَيره من مَاله أَجزَأَهُ فَكَذَلِك الْحَج عَن غَيره يُجزئ وَإِن كَانَ عَلَيْهِ حجَّة الْإِسْلَام
٥٧١ - فِيمَن اشْترط لنَفسِهِ فِي إِحْرَام الْحَج وَالْعمْرَة
أَصْحَابنَا يذهبون إِلَى أَن اشْتِرَاطه فِي الْإِحْرَام كلا اشْتِرَاط يَعْنِي محلي حَيْثُ حبستني وَهُوَ قَول مَالك وسُفْيَان وَاللَّيْث وروى نَحوه عَن إِبْرَاهِيم
وَقَالَ الشَّافِعِي لَو حَدِيث ضباعة لم أعده وكا يكون مَحَله حَيْثُ حَبسه الله تَعَالَى بِلَا هدي
وروى ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن طَاوُوس عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَت جَاءَت ضباعة بنت الزبير بنت عبد الْمطلب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة ثَقيلَة وَإِنِّي أُرِيد الْحَج وَإِنِّي شاكية فَقَالَ
стр. 464
حجي واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني
وروى عبد الله بن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت دخل رَسُول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير يعودها فَقَالَ لَعَلَّك أردْت الْحَج قَالَت إِنِّي وجعة قَالَ فحجي واشترطي اللَّهُمَّ محلي حَيْثُ حبستني
وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَب عَن عُثْمَان وَعَائِشَة
فقد ثَبت ذَلِك بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح وَقَول من ذكرنَا من لصحابة فَلَا معدل عَنهُ
فَإِن قيل فقد روى يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سَالم كَانَ ابْن عمر يُنكر الِاشْتِرَاط فِي الْحَج وَيَقُول حسبكم سنة رَسُول الله ﷺ إِن حبس أحد عَن الْحَج طَاف بِالْبَيْتِ والصفا والمروة ثمَّ حل من كل شَيْء حَتَّى يحجّ من قَابل
قيل لَهُ قد روينَا عَمَّن ذكرنَا من الصَّحَابَة خِلَافه وَمَعَهُمْ سنة رَسُول الله ﷺ فَهُوَ أولى من قَول ابْن عمر على أَن ابْن عمر لم يعرف حَدِيث النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك
стр. 465
قَالَ نَافِع كَانَ ابْن عمر إِذا سُئِلَ عَن الِاسْتِثْنَاء فِي الْحَج وَالْعمْرَة يَقُول مَا أعرفهُ
فَإِن قيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله فَإِن أحصرتم﴾ الْآيَة الْبَقَرَة ١٩٦ فقد بَين حكم الْمحصر فَغير جَائِز ترك هَذَا الحكم بِخَبَر الْوَاحِد
قيل لَهُ هَذَا فِيمَن لم يشْتَرط فِي إِحْرَامه فَأَما من اشْترط فَحكمه مَا وَصفنَا فَلَا يدْفع أَحدهمَا بِصَاحِبِهِ
قَالَ وَأما وقُوف الشَّافِعِي فِي الحَدِيث فَلِأَنَّهُ رَوَاهُ عَن سُفْيَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ مر بضباعة بنت الزبير الحَدِيث فَلم يَقع إِلَيْهِ إِلَّا بِالْإِسْنَادِ الْمُنْقَطع وَلَو وقف على مَا روينَاهُ لقَالَ بِهِ
وَأما مَا روى مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ الِاشْتِرَاط فَلَا معنى لَهُ لأَنهم قد كَانُوا يشترطون أَنهم إِن حبسوا كَانُوا معتمرين أَو خَارِجين من الْإِحْرَام إِلَى غير إِحْرَام
٥٧٢ - هَل الْعمرَة وَاجِبَة
قَالَ أَصْحَابنَا وَمَالك الْعمرَة غير وَاجِبَة
قَالَ سُفْيَان إِنَّهَا وَاجِبَة
стр. 466
سُئِلَ الْأَوْزَاعِيّ فَقَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول هِيَ وَاجِبَة كوجوب الْحَج
قَالَ الشَّافِعِي هِيَ وَاجِبَة
روى عَفَّان بن مُسلم قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة قَالَ حَدثنَا ثَابت عَن أنس كُنَّا قد نهينَا فِي الْقُرْآن أَن نسْأَل رَسُول الله ﷺ عنشيء فَكَانَ يعجبنا أَن يَجِيء الرجل الْعَاقِل من أهل الْبَادِيَة فَيسْأَل رَسُول الله ﷺ وَكَانَ أجرأ على ذَلِك منا فجَاء رجل فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَتَانَا رَسُولك فَزعم أَن الله تَعَالَى أرسلك قَالَ صدق قَالَ وَزعم أَن علينا خمس صلوَات فِي يَوْمنَا وليلتنا وَذكر الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا قَالَ صدق قَالَ فبالذي أرسلك الله أَمرك بِهَذَا قَالَ نعم قَالَ فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لَا أَزِيد عَلَيْهِنَّ شَيْئا وَلَا أنقص مِنْهُنَّ شَيْئا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَئِن صدق ليدخلن الْجنَّة
فَفِي هَذَا الحَدِيث نفي وجوب الْعمرَة
وَقد روى ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت وجوب الْعمرَة
على أَنه قد روى عبيد الله بن مُوسَى أخبرنَا حَنْظَلَة قَالَ سَمِعت
стр. 467
عِكْرِمَة بن خَالِد يحدث طَاوس قَالَ جَاءَ رجل إِلَى ابْن عمر فَقَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن أَلا تغزو فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام لصَلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان
فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر لم ير الْعمرَة وَاجِبَة
فَإِن احْتَجُّوا من جِهَة النّظر بِأَنَّهُ لَا يتَطَوَّع إِلَّا بِمَا لَهُ أصل من الْفَرْض وَالْعمْرَة يتَطَوَّع بهَا فَيدل على أَنَّهَا فرض فِي الأَصْل
انْتقض ذَلِك بالاعتكاف وَإِنَّمَا هَذَا قلب الحَدِيث أَن يُقَال لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يُقَال قد يتَطَوَّع بِمَا لَهُ أصل فِي الشَّرْع فَجَائِز أَن يتَطَوَّع لِأَن كل مَا يتَطَوَّع بِهِ فَلهُ أصل فِي الْفَرْض وَأَيْضًا وجدنَا سَائِر الْفُرُوض الْمُوجبَة فِي أعيانها محصورة فِي أَوْقَات كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج فَلَو كَانَت الْعمرَة فرضا لكَانَتْ محصورة بِوَقْت
٥٧٣ - فِي الْعمرَة فِي أَيَّام السّنة كلهَا
قَالَ أَصْحَابنَا الْعمرَة جَائِزَة فِي كل السّنة غير يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق فَإِنَّهَا محظورة فِيهِنَّ
وروى ذَلِك عَن عَائِشَة وَهُوَ قَول عَطاء
وروى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف أَنه لم يكره الْعمرَة فِي يَوْم عَرَفَة وَقَالَ مَالك يكره للْحَاج الْعمرَة فِي أَرْبَعَة أَيَّام يَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق وَلَا يكره ذَلِك لغير الْحَاج
стр. 468
وَقَالَ الثَّوْريّ يعْتَمر فِي أَي وَقت شَاءَ من السّنة وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقَالَ الْحسن بن صَالح لَا يعْتَمر فِي أَيَّام التَّشْرِيق
وَقد روى الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن عَائِشَة كَرَاهَته الْعمرَة فِي خَمْسَة أَيَّام مثل قَول أبي حنيفَة
وروى يزِيد الرشك عَن معَاذَة عَن عَائِشَة تمت الْعمرَة فِي السّنة كلهَا إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر ويومين من أَيَّام التَّشْرِيق
وروى قَتَادَة عَن معَاذَة عَن عَائِشَة قَالَت تمت الْعمرَة فِي السّنة كلهَا إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام يَوْم النَّحْر ويومين من أَيَّام التَّشْرِيق
وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم أَنه لَا يعْتَمر إِلَّا أَن ينْقض ذُو الْحجَّة
٥٧٤ - فِي إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج
قَالَ أَصْحَابنَا يضيف الْحَج إِلَى الْعمرَة وَلَا يضيف الْعمرَة إِلَى الْحَج فَإِن فعل فقد أَسَاءَ وَهُوَ قَارن وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ
قَالَ إِن أضَاف الْعمرَة إِلَى الْحَج لم تلْزمهُ الْعمرَة وَلَا قضاءعليه وَلَا دم بتركهما
стр. 469
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا بَأْس بِأَن يضم الْعمرَة إِلَى الْحَج بَعْدَمَا أهل بِالْحَجِّ
وروى سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم أَو مَالك بن الْحَارِث عَن أبي نصر قَالَ أَهلَلْت بِالْحَجِّ فأدركت عليا ﵁ فَقلت إِنِّي أَهلَلْت بِالْحَجِّ أفماأستطيع أَن أضم إِلَيْهِ عمْرَة قَالَ لَا لَو كنت أَهلَلْت بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أردْت أَن تضم إِلَيْهِ الْحَج ضممت
وَلَيْسَ عَن اُحْدُ من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك وَمثل ذَلِك لَا يُقَال رَأيا فَثَبت أَنه تَوْقِيف
٥٧٥ - من هم حاضروا الْمَسْجِد الْحَرَام
قَالَ أَصْحَابنَا حاضروا الْمَسْجِد الْحَرَام هم أهل الْمَوَاقِيت وَمن دونهَا إِلَى مَكَّة مِمَّن لَهُ أَن يدخلهَا بِغَيْر إِحْرَام
قَالَ مَالك الَّذين لَا دم عَلَيْهِم إِن تمَتَّعُوا أَو قرنوا فِي أشهر الْحَج إِنَّمَا هم أهل مَكَّة وَذَوي طوى وَأما أهل منى فليسوا بِمَنْزِلَة أهل مَكَّة وَإِن تمَتَّعُوا فَعَلَيْهِم ماعلى سَائِر أهل الْبلدَانِ وَكَذَلِكَ من وَرَاء الْمِيقَات إِلَى مَكَّة
قَالَ الثَّوْريّ هم أهل مَكَّة
قَالَ الشَّافِعِي من كَانَ أَهله دون لَيْلَتَيْنِ وَهُوَ حِينَئِذٍ أقرب الْمَوَاقِيت وَمن سَافر إِلَيْهِ صلى صَلَاة حضر
قَالَ من كَانَ وَرَاء الْمَوَاقِيت إِلَى الْآفَاق لَهُ مُجَاوزَة الْمَوَاقِيت الَّتِي دون الْحرم بِغَيْر إِحْرَام وَإِذا أَرَادَ الْإِحْرَام لم يكن لَهُ مُجَاوزَة الْمَوَاقِيت إِلَّا محرما فَلم يكن الْإِحْرَام مُسْتَحقّا عَلَيْهِ لأجل غر الْمِيقَات وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحقّ عَلَيْهِ فِي
стр. 470
الْمِيقَات إِذا أَرَادَ الْإِحْرَام بمجاوزته الْوَقْت ثمَّ وجدنَا مُسْتَحقّا عَلَيْهِ أَنه لايدخل الْحرم إِلَّا محرما سَوَاء أَرَادَهُ أَو لم يردهُ فَعلمنَا أَن الْحرم اسْتحق ذَلِك لنَفسِهِ وَأَنه لَيْسَ كالميقات فَوَجَبَ أَن يكون الْحرم هُوَ الْغرَّة دون الْمِيقَات فِي الْمَنْع من التَّمَتُّع
٥٧٦ - فِي الْأَفْضَل من النّسك
قَالَ أَبُو جنيفة وَزفر الْقرَان أفضل من التَّمَتُّع والإفراد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف التَّمَتُّع بِمَنْزِلَة الْقرَان وَهُوَ قَول الْحسن بن صَالح وسُفْيَان وَكره أَن يُقَال بَعْضهَا أقل من بعض
وَقَالَ مَالك الْحَج أحب إِلَيّ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون وعبيد الله بن الْحسن الْإِفْرَاد أفضل
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ أحب إِلَيّ أَن يفرد وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ التَّمَتُّع أحب إِلَيّ
قَالَ اتّفق الْجَمِيع على إِبَاحَة الْقرَان والتمتع فَدلَّ أَنَّهُمَا غير ناقصين وَكَيف يكون نَاقِصا وَقد أَبَاحَهُ الله تَعَالَى
ثمَّ وجدنَا تَعْجِيل الْحَج أفضل من تَأْخِيره فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون تَعْجِيل الْعمرَة أفضل من تَأْخِيرهَا
٥٧٧ - فِي رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ
قَالَ أَصْحَابنَا يرف صَوته بِالتَّلْبِيَةِ وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ
стр. 471
وَقَالَ مَالك يسمع نَفسه وَمن يَلِيهِ إِلَّا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد منى فَإِنَّهُ يرفع صَوته فيهمَا
وروى سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَن خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ أَتَانِي جِبْرِيل فَأمرنِي أَن آمُر أَصْحَابِي أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال
رَوَاهُ مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام عَن خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ
وَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة عَن الْمطلب بن عبد الله عَن السَّائِب بن خَلاد أَن جِبْرِيل قَالَ يَا مُحَمَّد كن عجاجا ثجاجا
فَثَبت بذلك أَن رفع الصَّوْت بهما أفضل
٥٧٨ - فِي الإهلال بِالتَّسْمِيَةِ والتلبية وَالنِّيَّة
قَالَ أَصْحَابنَا إِن شَاءَ قَالَ لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة وَإِن شَاءَ اكْتفى بِالنِّيَّةِ والتلبية وَهُوَ قَول مَالك إِلَّا أَن عِنْد مَالك يجوز الْإِحْرَام بِغَيْر تَلْبِيَة
وَقَول الثَّوْريّ مثل قَوْلنَا وَكَذَلِكَ قَول الْحسن بن صَالح
стр. 472
وَعند الشَّافِعِي إِن شَاءَ سمى وَإِن شَاءَ لم يسم
يزِيد بن هَارُون عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه لبّى بِعُمْرَة وَحجَّة
وَاتفقَ الْمُسلمُونَ على أَنه إِن لم يسم أَجزَأَهُ
٥٧٩ - فِي لبس السَّرَاوِيل والخفين
قَالَ أَصْحَابنَا فِي الْمحرم لَا يلبس سَرَاوِيل فَإِن لم يجد إزارا فتق السَّرَاوِيل وَإِذا لم يجد نَعْلَيْنِ قطع خفيه أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث فِي الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إِذا وجد نَعْلَيْنِ فَلبس خُفَّيْنِ مقطوعين افتدى
وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْخُفَّيْنِ وَقَالَ إِن لم يجد إزارا لبس السَّرَاوِيل وَهُوَ قَول سُفْيَان
روى مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ مَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب قَالَ لَا تلبسوا الْقَمِيص وَلَا العمائم وَلَا السراويلات وَلَا البرانس والخفاف إِلَّا أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ فَلبس خُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ
وَيزِيد بن هَارُون أخبرنَا يحيى بن سعيد عَن عمر بن نَافِع عَن
стр. 473
أَبِيه عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ مثله
فَلَمَّا منع النَّبِي ﷺ لبس الْخُفَّيْنِ عِنْد الضَّرُورَة حَتَّى يَجْعَل بِمَنْزِلَة النَّعْلَيْنِ بِالْقطعِ ثَبت أَن الضَّرُورَة لَا يُبِيح لبس السَّرَاوِيل على حَال كَمَا لم يبح لبس الْخُف عِنْد لضَرُورَة على مَا هُوَ عَلَيْهِ
فَإِن قيل روى سُفْيَان وهشيم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن جريج وَشعْبَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول بِعَرَفَة من لم يجد إزارا لبس سَرَاوِيل وَمن لم يجد نَعْلَيْنِ لبس خُفَّيْنِ
وروى أَبُو غَسَّان مَالك بن اسماعيل حَدثنَا زُهَيْر قَالَ حَدثنَا أَبُو الزبير عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وَمن لم يجد إزارا فليلبس سَرَاوِيل
قيل لَهُ اتَّفقُوا على أَن لبس الْخُفَّيْنِ مَحْمُول على مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس
стр. 474
فِي الْإِبَاحَة إِلَى مَا فِي حَدِيث ابْن عمر مُطلقًا ومباحا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الضَّرُورَة أَن يكون مَحْمُولا على الْوَجْه الَّذِي يجوز لبسه وَهُوَ أَن يفتقه
وَلذَلِك شَوَاهِد من الْأُصُول أَلا ترى أَن الْمحرم مَنْهِيّ عَن الْحلق وَإِن حلق لضرور افتدى فَثَبت أَن الضَّرُورَة لَا ترفع كَفَّارَة الْحَج وَإِنَّمَا ترفع المأثم
وَأما قَول مَالك وَاللَّيْث فِي إِيجَاب الْفِدْيَة على من لبس خُفَّيْنِ مقطوعين من أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ إِذا كَانَ واجدا للخفين ففاسد من قبل أَنهم اتَّفقُوا على سُقُوط الْكَفَّارَة فِيهِ إِذا لم يجد نَعْلَيْنِ فَعلم أَن الْكَفَّارَة سَقَطت لِأَنَّهُمَا ليسَا بخفين لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا خُفَّيْنِ لكَانَتْ الضَّرُورَة لَا تسْقط الْكَفَّارَة فَثَبت بذلك جَوَاز لبسهما سَوَاء عدم النَّعْل أَو وجدهَا
٥٨٠ - فِي إِدْخَال مَنْكِبَيْه فِي القباء
قَالَ لَا بَأْس للْمحرمِ بِأَن يدْخل مَنْكِبَيْه فِي القباء من غير أَن يدْخل يَده فِيهِ
وَقَالَ زفر أَلا يدْخل مَنْكِبَيْه فِيهِ وَإِن فعل فَعَلَيهِ الْفِدْيَة
وَقَالَ مَالك أكره أَن يدْخل مَنْكِبَيْه فِي القباء وَإِن لم يردالطيلسان على نَفسه فَإِن جلله وَطَالَ ذَلِك حَتَّى ينْتَفع بِهِ فَعَلَيهِ الْفِدْيَة وَإِن نَزعه مَكَانَهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَكره اللَّيْث وسُفْيَان إِدْخَال مَنْكِبَيْه فِي القباء لِأَنَّهُ دُخُول فِي خياطته فَهُوَ كالدخول فِي خياطَة الْقَمِيص وَذَلِكَ مَحْظُور بِاتِّفَاق فَكَذَلِك القباء أَلا ترى أَن لَهُ
стр. 475
أَن يرتدي بالقميص من غير دُخُول فِي خياطَة وَكَذَلِكَ ماوصفنا من دُخُول مَنْكِبَيْه لما كَانَ دُخُولا فِي خياطته
٥٨١ - فِي حمل الْمحرم على رَأسه شَيْئا
لم نجد فِي حمل الْمحرم على رَأسه شَيْئا مَنْصُوصا عَنْهُم إِلَّا أَنه قَالَ إِذا دخل تَحت السّتْر فَإِن كَانَ يُصِيب رَأسه وَوَجهه كرهته فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون الْحمل مَكْرُوها لملاصقته رَأسه
وَقَالَ مَالك لابأس بِأَن يحمل على الْمحرم رَأسه شَيْء من الْمَتَاع لمَنْفَعَة نَفسه يكره أَن يَفْعَله لغيره
وَحكى الشَّافِعِي قَول عَطاء مثل ذَلِك وَلم يُخَالِفهُ فَدلَّ على وفاقه إِيَّاه
قَالَ لما كَانَ مَمْنُوعًا من تَغْطِيَة رَأسه لم يخْتَلف فِي تغطيته بِالْحملِ أَو غَيره كَمَا لما كَانَ مَمْنُوعًا من الْحلق لم يخْتَلف حكمه على أَي وَجه حلق متعارفا كَانَ ذَلِك الْوَجْه أَو غير مُتَعَارَف
٥٨٢ - فِي عقد الْمحرم الْإِزَار وَشد المنطقة وَعصب الرَّأْس
كره أَصْحَابنَا أَن يعْقد الْمحرم إزَاره على عُنُقه أَو يخلله بخلال فَإِن فعل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَا بَأْس بالهميان والمنطقة يشدهما على وَسطه
стр. 476
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف كَرَاهِيَة لبس المنطقة إذاشدها بالإبزيم
وَقَالَ مَالك إِذا عقد ثَوْبه عَلَيْهِ وخلله فَعَلَيهِ الْفِدْيَة وَلَا بَأْس بشد المنطقة على وَسطه إِذا كَانَ فِيهَا نَفَقَته وَيكرهُ إِذا كَانَ فِيهَا نَفَقَة غَيره وَيكرهُ شدّ المنطقة فَوق الْإِزَار
وَكره الثَّوْريّ الْعِصَابَة فَإِن كَانَ بِهِ صداع عصب وَكفر وَلَا بَأْس بالهميان
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا بَأْس بِالْعِصَابَةِ إِذا اشْتَكَى وَلَا بعقدها وَاللَّيْث لَا يرى بَأْسا بالهميان والمنطقة
وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي وَقَالَ يعْقد الْمحرم إزَاره وَلَا يعصب رَأسه من عِلّة وَلَا غيرهلا فَإِن فعل افتدى
قَالَ كَرَاهَة شدّ المنطقة فَوق الإزالر لَا معنى لَهُ لأَنهم متفقون على جَوَازه تَحت الْإِزَار
وَحكى أَبُو الْقَاسِم كَرَاهَة المعضدة وَفرق بَينهمَا وَبَين المنطقة لِأَن مَوضِع المنطقة مَوضِع شدّ الْإِزَار ولماجاز شدّ الْإِزَار فِي ذَلِك الْموضع جَازَ شدّ المنطقة وَهَذَا لَا معنى لَهُ لِأَنَّهُ جَائِز لَهُ ستر الْعَضُد فَكَذَلِك يجوز أَن يشد
стр. 477
عَلَيْهِ إِلَّا ترى أَنه لما لم يجز ستر رَأسه لم يجز الشد عَلَيْهِ وَلما جَازَ شدّ وَسطه جَازَ شدّ الْإِزَار عَلَيْهِ فَكَانَ الشد فِي معنى التغطية
وَقَالَ مَالك يجوز شدّ المنطقة بالسيور
فَنَظَرْنَا بَينه وَبَين أبي يُوسُف فِي كراهيته ذَلِك
فَإِذا هُوَ قد جعله بِمَنْزِلَة الْخياطَة وَلَيْسَ كَذَلِك الشد لِأَن الشد بالسير لَيْسَ بإحداث صَنْعَة فِيهَا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَال مَصْنُوع قبل ذَلِك فَأشبه شدّ الْإِزَار إِذا لم يحدث فِيهِ صَنْعَة مستأنفة وَأما الْخياطَة فَإِنَّهَا إِحْدَاث صَنْعَة مستأنفة فَلذَلِك فَارق الشد الْخياطَة إِلَّا أَنا وجدناهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الطيلسان المزرور أَنه مَكْرُوه وَأَنه كلبس الْقَمِيص فَكَذَلِك المنطقة ذَات السيور والإبزيم كَالطَّيْلَسَانِ المزرور سَوَاء
٥٨٣ - فِي استظلال الْمحرم
قَالَ أَصْحَابنَا لَا بَأْس أَن يستظل الْمحرم إِذا جافى ذَلِك عَن رَأسه وَهُوَ قَول سُفْيَان وَالشَّافِعِيّ
وَكره مَالك أَن يستظل من الشَّمْس بِظِل من عَصا اَوْ ثوب وَلَا بَأْس بالفسطاط وَالْبَيْت وَقَالَ لَا بَأْس بالظلال للْمحرمِ إِذا كَانَ زميله امْرَأَة مُحرمَة
وروى عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه مر بِرَجُل قد استتر بِعُود وَهُوَ محرم فَقَالَ ضح لمن أَحرمت لَهُ
стр. 478
وَيحْتَمل أَن يكون قد مَاس رَأسه
وَأَيْضًا لم يَخْتَلِفُوا أَن الْقَاعِد لَا يكره لَهُ الاستظلال فَكَذَلِك الرَّاكِب
٥٨٤ - فِي قتل الْمحرم القملة وإلقاؤها
قَالَ أَصْحَابنَا لَا يقتل الْمحرم القملة وَإِن فعل أطْعم شَيْئا وَهُوَ قَول مَالك
وروى عَن سُفْيَان مَا يدل على كَرَاهَته لقتلها
قَالَ الشَّافِعِي إِذا قَتلهَا وَهِي على جسده فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِن أخرجهَا من رَأسه أطْعم شَيْئا كَأَنَّهُ قطع ظفرة أوشعرة
قَالَ لَيست القملة كالشعر لأَنهم متفقون على أَن الشّعْر الَّذِي يباين مَوْضِعه من غير فعله لَا يكره لَهُ طَرحه فَيَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك القملة أَو كَانَت مباينة لجسده فَلَمَّا كره الْجَمِيع إِلْقَاء القملة من رَأسه علم أَنَّهَا لَيست بِمَنْزِلَة الشّعْر
٥٨٥ - فِي غسل الْمحرم ثِيَابه
قَالَ أَصْحَابنَا لَا بَأْس بِأَن يغسل الْمحرم ثِيَابه وَإِن قتل القملة كَمَا لَا بَأْس بِأَن يسْتَبْدل بهَا وَإِن كَانَ فِيهِ قتل القملة بطرحه وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ
وَقَالَ مَالك لَا بَأْس بِأَن يغسل ثوب نَفسه وَيكرهُ لَهُ غسل ثوب غَيره حَكَاهُ ابْن وهب
وَحكى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أكره للْمحرمِ أَن يغسل ثَوْبه إِلَّا أَن يُصِيبهُ جَنَابَة بِالْمَاءِ وَحده ولايغسله الحرض لِأَنَّهُ يقتل الدَّوَابّ
стр. 479
وَلَا يكره أَن يُبدل ثِيَابه الَّتِي أحرم فِيهَا ويلقيها
٥٨٦ - فِي اغتسال الْمحرم
قَالَ أَصْحَابنَا للْمحرمِ أَن يغْتَسل وَيدخل الْحمام وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ مَالك أكرهه لقتل الدَّوَابّ وَإِزَالَة التفث والوسخ
وَقد روى مَالك وسُفْيَان عَن زيد بن أسلم عَن ابراهيم بن علد الله بن حنين عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ للْمحرمِ أَن يغْتَسل وَخَالفهُ الْمسور فأرسلوني إِلَى أبي أَيُّوب فَقَالَ النَّبِي ﷺ كَانَ يغسل رَأسه وَهُوَ محرم هَكَذَا أقبل على رَأسه وَأدبر
وَمَالك عَن سمي عَن أبي بكر عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَنه رأى النَّبِي ﷺ يصب على رَأسه بالعرج وَهُوَ محرم صَائِم من حر أَو عَطش
وَإِذا جَازَ غسل سَائِر الْبدن
وَقد روى نَحْو ذَلِك عَن عمر من غير نَكِير وَاحِد من الصَّحَابَة فَدلَّ على متابعتهم إِيَّاه
стр. 480
٥٨٧ - فِي الْمحرم يقرد بعيره
قَالَ أَصْحَابنَا للْمحرمِ أَن يقرد بعيره وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ مَالك رَأَيْت أهل الْعلم يستحبون قَول ابْن عمر فِي نَهْيه أَن ينْزع قرادا عَن بعيره وَقَالَ مَالك إِن طرح ذَلِك عَن نَفسه فَلَا شَيْء فِيهِ وَإِن طَرحه عَن بعيره فَعَلَيهِ أَن يطعم
روى مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن ربيعَة بن عبد الله بن الهدير أَنه رأى عمر بن الْخطاب يقرد بَعِيرًا فِي طين بالسقيا وَهُوَ محرم
قَالَ مَالك لَيْسَ على هَذَا الْعَمَل وروى مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكره أَن ينْزع الْمحرم قردا عَن بعيره
١١٣ - قَالَ مَالك وَذَلِكَ أحب مَا سَمِعت إِلَيّ فِي هَذَا
وروى جَوَاز ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس
فَقَوله وَقَول عمر فِي ذَلِك سَوَاء وَهُوَ أولى عِنْدِي فِي النّظر لِأَن القراد لَيْسَ من الصَّيْد وَلَا فِيهِ إِزَالَة التفث عَن نَفسه فَهُوَ كالذباب يجوز للْمحرمِ قَتله
стр. 481
٥٨٨ - فِي مس الطّيب وَشمه
قَالَ أَصْحَابنَا يكره للْمحرمِ مس الطّيب وَشمه وشم الريحان وَإِن فعل فَلم يلزق بِهِ مِنْهُ شَيْء فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلكنه يكره لَهُ وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَمَالك وَقَالَ مَالك يُقَام العطارون من بَين الصَّفَا والمروة وَأَيَّام الْحَج وَقَالَ إِن مس طيبا كثيرا افتدى
وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ لم يريَا بَأْسا بشم الطّيب
قَالَ لما تطيب النَّبِي ﷺ وَبقيت رَائِحَته بعد الْإِحْرَام دلّ على أَنه لَا يكره شم الطّيب
٥٨٩ - فِي تزوج الْمحرم
قَالَ أَصْحَابنَا وَالثَّوْري للْمحرمِ أَن يتَزَوَّج
وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ لَا يتَزَوَّج
وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث يفرق بَينهمَا وَهِي تَطْلِيقَة
وروى عَن مَالك أَنه فسخ لَيْسَ بِطَلَاق
روى مَالك وَابْن أبي ذِئْب عَن نبيه بن وهب أخي بني عبد الدَّار عَن أبان بن عُثْمَان قَالَ سَمِعت أبي عُثْمَان بن عَفَّان يَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 482
لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح أويخطب
قَالَ احْتمل أَن يكون للخوف عَلَيْهِ من إصابتهن لَا لِأَن العقد فَاسد وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ تزوج مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وَهُوَ محرم
وروى مُعلى بن أَسد حَدثنَا وهيب بن خَالِد عَن عبد الله بن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله ﷺ مثله
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَحدثنَا فَهد وَمُحَمّد بن خُزَيْمَة قَالَا حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن مُغيرَة عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت تزوج رَسُول الله صلى الله عَليّ وَسلم بعض نِسَائِهِ وَهُوَ محرم
فَهَذَا يدل على أَن مَنعه غَيره لأجل الْخَوْف عَلَيْهِ وَلم يخْش ذَلِك من نَفسه فَفعل كَمَا كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم قَالَت عَائِشَة وَأَيكُمْ يملك إربه كَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يملكهُ
فَإِن قيل روى حَمَّاد بن زيد عَن مطر عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن أبي رَافع أَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة حَلَالا
قيل لَهُ هَذَا الحَدِيث لم يرفعهُ غير مطر الْوراق وَإِنَّمَا أَصله عَن سُلَيْمَان بن يسَار حِكَايَة عَنهُ لما ذكر فِيهِ غير مَذْكُور فِيهِ أَخذه عَن أبي رَافع
стр. 483
وَلَا يُمكن أَن يكون لِسُلَيْمَان بن يسَار سَماع من أبي رَافع لإنه مَاتَ فِي صدر خلَافَة عَليّ أَو قبل ذَلِك واستخلف عليا على بَيته وَقد ذكرنَا فِي الزَّكَاة أَن عليا لما دفع إِلَيْهِم أَمْوَالهم وجدوها نَاقِصَة فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِك فَقَالَ أتروني يكون عِنْدِي مَال يحول عَلَيْهِ الْحول لَا أزكيه فَذَلِك يُوجب تقدم مَوته وينفي لِقَاء سُلَيْمَان إِيَّاه
فَإِن قيل روى مَالك عَن ربيعَة عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن رَسُول الله ﷺ بعث أَبَا رَافع مَوْلَاهُ ورجلان من الْأَنْصَار فزوجاه مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وَهُوَ فِي الْمَدِينَة قبل أَن يخرج
روى حَمَّاد بن سلمه عَن حبيب بن الشَّهِيد عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث قَالَت تزَوجنِي رَسُول الله ﷺ بسرف حَلَالا
وَقَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان بعد أَن رَجَعَ من مَكَّة
وَلم يذكر مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي حَدِيثه غير حجاج بن منهال
عَن حَمَّاد قيل إِنَّمَا أصل هَذَا عَن يزِيد الْأَصَم عَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة غير محرم
كَذَلِك رَوَاهُ من هُوَ أعلم النَّاس بحَديثه وأرواهم عَنهُ وَهُوَ جَعْفَر بن برْقَان عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ كنت عِنْد عَطاء فجَاء رجل فال هَل يتَزَوَّج الْمحرم فَقَالَ عَطاء مَا حرم الله النِّكَاح مُنْذُ أحله
стр. 484
قَالَ مَيْمُون فَقلت لَهُ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَيّ أَن أسأَل يزِيد بن الْأَصَم أَكَانَ رَسُول الله ﷺ حِين تزوج مَيْمُونَة حَلَالا أَو حَرَامًا فَقَالَ يزِيد تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال
فَقَالَ عَطاء مَا كَانَ يَأْخُذ هَذَا إِلَّا عَن مَيْمُونَة كُنَّا نسْمع أَن رَسُول الله ﷺ تزَوجهَا وَهُوَ محرم
فَأخْبر جَعْفَر بِالسَّبَبِ الَّذِي رفع إِلَيْهِ هَذَا الحَدِيث عَن يزِيد بن الْأَصَم وَأَن الَّذِي كَانَ عِنْده مِنْهُ حَتَّى حَاج بِهِ عَطاء ذكره إِيَّاه عَن يزِيد بن الْأَصَم مَوْقُوفا عَلَيْهِ غير مَرْوِيّ عَن مَيْمُونَة
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَن يزِيد بن الْأَصَم من هُوَ أجل من جَعْفَر وحاج بِهِ عَمْرو بن دِينَار روى سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم
قَالَ عَمْرو فَحَدثني ابْن شهَاب عَن يزِيد بن الْأَصَم أَن النَّبِي ﷺ نكح مَيْمُونَة وَهِي خَالَته وَهُوَ حَلَال
قَالَ عَمْرو فَقلت لِلزهْرِيِّ وَمَا يدْرِي يزِيد بن الْأَصَم أَعْرَابِي بوال اتجعله إِلَى ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ يجب أَن يحْتَج بِحَدِيث ابْن الشَّهِيد على الزُّهْرِيّ لضبط الزُّهْرِيّ وتقدمه غير أَن عَمْرو بن دِينَار قد خَاطب الزُّهْرِيّ ذَلِك عَلَيْهِ وَلَا دَفعه عَنهُ وَكَيف تجوز مُقَابلَة رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة بِيَزِيد بن الْأَصَم وَقد كَانَا مَعَ النَّبِي ﷺ وَيزِيد لم يُولد بعد
وَمن جِهَة أُخْرَى ان النّظر أَن الْإِحْرَام لَا يمْنَع العقد وَأَن منع الْوَطْء كَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَاف
стр. 485
٥٩٠ - فِي احتجام الْمحرم
قَالَ أَصْحَابنَا يجوز للْمحرمِ أَن يحتجم وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ مَالك لَا يحتجم إِلَّا عَن ضَرُورَة
روى أَبُو عوَانَة عَن مُغيرَة عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت احْتجم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسللم وَهُوَ محرم
وَلَو لم يصلح إِلَّا للضَّرُورَة سنّ النَّبِي ﷺ سنته حَتَّى لَا يَقْتَدِي بِهِ إِلَى غير ذَلِك السَّبَب وَلَو جَازَ للضَّرُورَة لجَاز بفدية كحلق الرَّأْس من أَذَى
٥٩١ - فِي اكتحال الْمحرم والمحرمة
قَالَ أَصْحَابنَا لَا بَأْس بالكحل للْمحرمِ والمحرمة مَا لم يكن فِيهِ طيب فَإِن كَانَ فِيهِ طيب تصدق إِلَّا أَن يكون مرَارًا كَثِيرَة فَعَلَيهِ دم
وَإِن كَانَ من ضَرُورَة فَعَلَيهِ أَي الْكَفَّارَات شَاءَ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
قَالَ مرّة لَا تكتحل الْمَرْأَة الْمُحرمَة لِأَنَّهُ زِينَة وَهُوَ قَول اللَّيْث
وقولهما فِي الرجل مثل قَوْلنَا
قَالَ الثَّوْريّ مثل قَوْلهمَا
стр. 486
قَالَ اللَّيْث لِأَن الْكحل زِينَة للْمَرْأَة وشين للرجل
قَول من منعهما الْكحل للزِّينَة لَا معنى لَهُ لِأَن لَهَا أَن تتزين بِمَا شَاءَت من الثِّيَاب
٥٩٢ - فِي نظر الْمحرم فِي الْمرْآة
قَالَ أَصْحَابنَا لَا بَأْس أَن ينظر الْمحرم فِي الْمرْآة
قَالَ مَالك أكرهه وَلَا شَيْء عَلَيْهِ قَالَ لِأَنِّي لم آمن أَن يرى فِي وَجهه أَو رَأسه شعثا فيزيله
وَجَدْنَاهُ غير مَمْنُوع من تقليب ثِيَابه الَّتِي يجوز لَهُ لبسهَا فِي الْإِحْرَام وَفِي النّظر إِلَيْهَا مَا يَدعُوهُ إِلَى لبسهَا وَلم يمْنَع من اجل ذَلِك فَكَذَلِك النّظر إِلَى وَجهه
٥٩٣ - فِي إِدْخَال الْحَلَال الصَّيْد إِلَى الْحرم
فال أَصْحَابنَا مَا أدخلهُ الْحَلَال الْحرم من الصَّيْد فَإِنَّهُ يُرْسِلهُ وعَلى هَذَا يدل قَول سُفْيَان
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ والأوازعي مَا أدخلهُ من الْحل فَلهُ أَن يذبحه وَلَيْسَ عَلَيْهِ إرْسَاله
قَالَ مَالك فِي الأوز يذبحه الْمحرم
وروى نَحْو قَوْلنَا عَن عَطاء
وروى نَحْو قَول هَؤُلَاءِ عَن مُجَاهِد
стр. 487
وَحكى عَن الشَّافِعِي فِي الْحَلَال يحرم وَفِي يَده صيد لَيْسَ عَلَيْهِ إرْسَاله
الْقيَاس أَن الدواجن من الصَّيْد والوحش سَوَاء كَمَا ان الْأَنْعَام بالتوحش لَا يخرج عَن حكمهَا وَيجوز للْمحرمِ وَمن فِي الْحرم ذَبحهَا فَكَذَلِك مَا وَصفنَا
وَقد روى أَن الصعب بن جثامة أهْدى لرَسُول الله ﷺ حمَار وَحش فَرده وَقَالَ إِنَّا حرم
وَلم يكْشف هَل صادفه فِي إِحْرَامه أوقبله
٥٩٤ - فِيمَن أحرم وَفِي بَيته أَو قفصه صيد
قَالَ أَصْحَابنَا من أحرم وَفِي بَيته أَو فِي قفصه صيد فَلَيْسَ عَلَيْهِ إرْسَاله
وَقَالَ مَالك إِن كَانَ فِي بَيته لم يُرْسِلهُ وَإِن كَانَ فِي قفص مَعَه أَو يَده أرْسلهُ
وَقَالَ ابْن أبي ليلى على سَبِيل مَا فِي منزله أَيْضا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْمحرم يكون مَعَه حمَار وَحش يُرْسِلهُ إِذا أحرم
وَقَالَ الْحسن بن صَالح إِذا رَجَعَ من الْحَج وَعِنْده الْحمام فِي أمله أَنه يرسلها وَإِن رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْء من الإلف لم يقبله
وَقَالَ اللَّيْث إِذا أحرم وَمَعَهُ صيد أرْسلهُ
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا أحرم فذبح أَهله صيدا قد خَلفه فيهم فَعَلَيهِ الْجَزَاء
стр. 488
وَكَذَلِكَ إِن مَاتَ وَإِن أسلم حَتَّى يحل فَلَا بَأْس بذَبْحه
وَقد روى عَنهُ أَنه لَا يُرْسِلهُ
فَإِن كَانَ يمسِكهُ إِذا أحرم وَهُوَ فِي بَيته فَهُوَ غير فَاعل فِي الصَّيْد شَيْئا فَلَا يُرْسِلهُ أَلا ترى أَنه لَو جرحه وَهُوَ حَلَال فَمَاتَ مِنْهَا بعد الْإِحْرَام لم يلْزمه شَيْء لِأَنَّهُ لم يفعل بعد الْإِحْرَام فِيهِ فعلا فَأَما إِذا كَانَ ممسكه فَهُوَ فَاعل فِي كل حَال فِيهِ فَهُوَ كاصطياد ثَان إِذا أحرم وَفِي يَده صيد فَأرْسلهُ ثمَّ حل فَوَجَدَهُ فَإِذا كَانَ صَاده بدءا وَهُوَ حرَام ثمَّ أرْسلهُ فَهُوَ للثَّانِي وَإِن كَانَ صَاده قبل الْإِحْرَام فَهُوَ أَحَق بِهِ من الثَّانِي
وَقَالَ مَالك إِذا أحرم وَهُوَ فِي يَده فقد زَالَ ملكه عَنهُ فَهُوَ للثَّانِي وَقَالَ مَالك لَو أَن رجلا حَلَالا اصطاد صيدا ثمَّ انفلت من يَده فاصطاده آخر أَنه إِن كَانَ ذَلِك بحدثان ذَلِك رده على الأول وَإِن كَانَ قد لحق بالوحش فَهُوَ للثَّانِي
قَالَ وَقَول الشَّافِعِي يدل على أَن الثَّانِي لَا يملكهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَر الْعدة على الْمَرْأَة تَحت زوج لَا يزِيل نِكَاح الأول وَإِن وَجب عَلَيْهِ اجتنابها
٥٩٥ - فِيمَا يُبَاح للْمحرمِ قَتله من الْحَيَوَانَات
قَالَ أَصْحَابنَا لَا يقتل الْمحرم شَيْئا من السبَاع إِلَّا الْكَلْب وَالذِّئْب ابتدأه أَو ابتدأهما فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي قَتلهمَا وَكَذَلِكَ الْفَأْرَة والغراب وَالْعَقْرَب
стр. 489
والحدأة وَإِن ابتدأه السَّبع وَقَتله فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَحكى ابْن أبي عمرَان عَن زفر أَنه يقتل الذِّئْب خَاصَّة بِغَيْر فديَة وَإِن قتل غَيره مِمَّا ابتدأه فدَاه وَذهب إِلَى أَن الضَّرُورَة لَا تسْقط الْفِدْيَة كحلق الرَّأْس من أَذَى
وَقَالَ الْحسن بن صَالح مثل قَول أبي حنيفَة وَكَذَلِكَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ
وَقَالَ مَالك لَا يقتل الْمحرم شَيْئا من السبَاع وَلَا يَبْتَدِئ الْإِنْسَان مثل الْأسد والنمر وَالذِّئْب والفهد قَالَ وَكَذَلِكَ الْكَلْب الْعَقُور وَأما الثَّعْلَب والهر وَمَا أشبههما فَلَا يقتلهما الْمحرم فَإِن فعل فدَاه
قَالَ الشَّافِعِي كل مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه فللمحرم قله
قَالَ أَبُو جَعْفَر اسْم الصَّيْد يجمع الْمَأْكُول والمنتفع بِهِ من غير جِهَة الْأكل فَلَمَّا خص النَّبِي ﷺ الْخمس وَجب أَن تكون الْآيَة عَامَّة فِي الْبَاقِي روى ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ خمس من الدَّوَابّ يقتلهُمْ الْمحرم الْغُرَاب والحدأة والفأرة وَالْعَقْرَب وَالْكَلب الْعَقُور
وَمَالك عَن نَافِع وَعبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ مثله
وَهِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خمس فواسق تقتلن فِي الْحل وَالْحرم الْكَلْب الْعَقُور والفأرة والحدأة وَالْعَقْرَب والغراب
стр. 490
فَلَمَّا خص الْمُبَاح بِعَدَد لم يجز مجاوزته وَإِسْقَاط فَائِدَته
فَإِن قيل روى زُهَيْر عَن زيد بن أسلم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة أَن الْكَلْب الْعَقُور الْأسد
قيل لَهُ رَوَاهُ زُهَيْر كَمَا ذكرت وروى حَفْص بن ميسرَة عَن زيد بن أسلم عَن ابْن سيلان عَن أبي هُرَيْرَة أَن الْكَلْب الْعَقُور الْأسد فخالفه فِي اسناده وَإِذا رَجَعَ الحَدِيث إِلَى ابْن سيلان لم يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ
فَإِن قيل لَيْسَ هَذَا أَبُو صَالح السمان وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو صَالح بن سيلان قيل لَهُ فَهُوَ أولى أَن لَا يثبت بِهِ حجَّة
وَالْكَلب الْمَذْكُور هَا هُنَا هَذَا الْكَلْب الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿فَمثله كَمثل الْكَلْب﴾ الْأَعْرَاف ١٧٦ وَقَوله ﴿وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ الْكَهْف ١٨ وَإِذا ولغَ الْكَلْب
قَالَ وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يدْخل الذِّئْب فِي الْإِبَاحَة كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة
فَإِن قيل قد سمى الذِّئْب كَلْبا
قيل لَهُ سَمَّاهُ الله الْعَزِيز بِغَيْر اسْم الْكَلْب فِي قصَّة يُوسُف ﵇ وَأما مَالك فَقَالَ إِنِّي لَا أُبِيح من الطير أَلا مَا أَبَاحَهُ النَّبِي ﷺ فَيلْزمهُ أَن لَا يُبِيح من السبَاع إِلَّا مَا أَبَاحَهُ
وَيدل على فَسَاد قَول من جعل الْكَلْب الْأسد إِنَّهُم مجمعون على أَن الْكَلْب الْمَعْرُوف دَاخل فِيهِ فَانْتفى الْأسد
стр. 491
وَقد روى جرير بن حَازِم حَدثنَا عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر عَن ابْن أبي عمار عَن جَابر عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الضبع فَقَالَ هِيَ من الصَّيْد وَجعل فِيهَا إِذا أَصَابَهَا الْمحرم كَبْشًا
والضبع يخيف الْإِنْسَان ويبتدئه بالأذى وَقد أوجب النَّبِي ﷺ فِيهِ الْجَزَاء فَبَطل بذلك اعْتِبَار مَالك
فَإِن قيل ذَلِك لِأَنَّهُ أَبَاحَ أكلهَا كَمَا روى ابْن جريح عَن عبيد الله ابْن عُمَيْر أَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار أخبرهُ قَالَ سَأَلت جَابر بن عبد الله عَن الضبع فَقلت أكلتها قَالَ نعم قلت أصيد هِيَ قَالَ نعم
قيل لَهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من قَول جَابر لِأَنَّهُ لم يكن بلغه نَهْيه عَن كل ذى نَاب من السبَاع
قَالَ فَإِن قيل يُبِيح قتل الوزغ فِي الْإِحْرَام
قيل لَهُ لَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْعَقْرَب وَخص الْعَقْرَب بِإِبَاحَة الْقَتْل دونه
فَإِن قيل لَهُ مَا تَقول فِي الْحَيَّة
قيل لَهُ هِيَ مثل الوزغة فِي الْقيَاس وَهُوَ قَول الحكم بن عتيبة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان رَوَاهُ عَنْهُمَا شُعْبَة
فَإِن قيل فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر بقتل الْحَيَّة وَهُوَ يمنى رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أمرنَا
стр. 492
رَسُول الله ﷺ بقتل الْحَيَّة وَهُوَ بمنى
قيل لَهُ يحْتَمل بعد الْإِحْلَال وَالْحلق
٥٩٦ - فِي الصَّيْد يذبحه الْحَلَال
قَالَ أَصْحَابنَا لَا بَأْس أَن يَأْكُلهُ الْمحرم وَمَا ذبحه الْمحرم لم يَأْكُلهُ أحد وَهُوَ قَول اللَّيْث
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا لم يصد الْمحرم
وَقَالَ مَالك لَا يَأْكُلهُ الْمحرم فَإِن ذبحه الْحَلَال سَوَاء أَمر بذَبْحه أَو لم يَأْمُرهُ إِذا ذبح من أَجله
وَكره سُفْيَان أكل لحم الصَّيْد للْمحرمِ وَإِن ذبحه الْحَلَال
وَحكى عَنهُ أَن الصَّيْد إِذا ذبحه الْمحرم فللحلال أكله
وَقَالَ اللأوزاعي إِذا صيد من أجل الْمحرم لم يُؤْكَل
وَالْحسن بن صَالح لَا يَأْكُل الْمحرم لحم صيد صَاده حَلَال بِوَجْه قَالَ قَوْله ﴿وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر﴾ الْمَائِدَة ٩٦ يحْتَمل عين الصَّيْد وَيحْتَمل الِاصْطِيَاد فَلَمَّا قَالَ ﴿ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد تناله أَيْدِيكُم ورماحكم﴾ الْمَائِدَة ٩٤ وَكَانَت هَذِه محكمَة وَتلك متشابهة وَجب أَن لَا يكون مَعْنَاهُ مَحْمُولا على معنى هَذِه
وروى أَبُو عَاصِم النَّبِيل عَن ابْن جريج عَن الْحسن بن مُسلم عَن طَاوُوس قَالَ لما قدم زيد بن الأرقم أَتَاهُ ابْن عَبَّاس فَقَالَ أهْدى رجل إِلَى
стр. 493
رَسُول الله ﷺ لحم اصيد فَرده وَقَالَ إِنِّي حرَام فَكَانَ فِي هَذَا الحَدِيث مايوجب التَّحْرِيم
روى سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن الصعب بن جثامة قَالَ مر بِي النَّبِي ﷺ وَأَنا بالأبواء فأهديت لَهُ حمَار وَحش فَرده عَليّ فَلَمَّا رأى الْكَرَاهَة فِي وَجْهي قَالَ مَا رد عَلَيْك وَلَكنَّا حرم
وروى مَالك وَابْن أبي ذِئْب وَاللَّيْث عَن شهَاب بِإِسْنَادِهِ مثله
وَقَالَ أهدي حمارا وحشيا وَذكر الحَدِيث
فقد خالفوا هَؤُلَاءِ سُفْيَان فِي ذَلِك
فَإِن قيل كَانَ الْحمار مذبوحا لِأَن شُعْبَة روى عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن الصعب أهْدى لرَسُول الله ﷺ حمارا وحشيا فَرده وَكَانَ مذبوحا فَعَاد معنى حَدِيث الصعب إِلَى معنى حَدِيث ٣ زيد بن الأرقم فِي تَحْرِيم الصَّيْد على الْمحرم إِلَّا أَن ابْن جريج روى عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن معَاذ بن عبد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان قَالَ كُنَّا مَعَ طَلْحَة بن عبيد الله وَنحن حرم فأهدى لَهُ طير وَطَلْحَة رَاقِد فمنا من أكل وَمنا من تورع فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَة وَقدم بَين يَدَيْهِ أكله فِيمَن أكله وَقَالَ أكلت مَعَ رَسُول الله ﷺ
وروى مَالك عَن أبي النَّضر عَن نَافِع مولى أبي قَتَادَة بن ربعي أَنه
стр. 494
كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض طَرِيق مَكَّة تخلف مَعَ أَصْحَاب لَهُ محرمين وَهُوَ غير محرم فَرَأى حمارا وحشيا فَاسْتَوَى على فرسه ثمَّ سَأَلَ أَصْحَابه أَن يناولوه سَوْطه فَأَبَوا فَسَأَلَهُمْ رمحه فَأَبَوا فَأَخذه ثمَّ شدّ على الْحمار فَقتله فَأكل مِنْهُ بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وأبى بَعضهم فَلَمَّا أدركوا رَسُول الله ﷺ سَأَلُوهُ عَن ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها الله
وَمَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي قَتَادَة مثله وَزَاد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ هَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء
وروى يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن عِيسَى بن طَلْحَة عَن عُمَيْر بن سَلمَة عَن رجل من بهز أَن رَسُول الله ﷺ مر بِالرَّوْحَاءِ فَإِذا هُوَ بِحِمَار وَحش عقير فِيهِ سهم قد مَاتَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دَعوه حَتَّى يَجِيء صَاحبه فجَاء رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله هِيَ رميتي فكلوه فَأمر أَبَا بكر أَن يقسمهُ بَين الرفاق وهم محرومون
قَالَ وَقَالَ الشَّافِعِي يَصح الْحَدِيثين فَيجْعَل الْمنْهِي عَمَّن صيد لَهُ وَالْإِبَاحَة لمن لم يصد لَهُ
كَمَا روى ابْن وهب أَخْبرنِي يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَيحيى بن عبد الله بن سَالم عَن عَمْرو مولى الْمطلب عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لحم الصَّيْد حَلَال لكم وَأَنْتُم حرم مَا لم تصيدوه أَو يصاد لكم
стр. 495
فَقيل لَهُ هَذَا حَدِيث مُضْطَرب الاسناد لِأَن إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد رَوَاهُ عَن عَمْرو عَن الْمطلب عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ فَذكر مثل حَدِيث جَابر
وَرَوَاهُ الدَّرَاورْدِي عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن رجل من الْأَنْصَار عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ مثله
فَلَمَّا اضْطربَ إِسْنَاده سقط الِاحْتِجَاج بِهِ على أَنه لَو صَحَّ الحَدِيث لَكَانَ معنى قَوْله أَو يصاد لكم بأمركم وَهَذَا أولى لِأَن الشَّيْء لَا يحرم على إِنْسَان بنية غَيره أَن يصيد لَهُ
وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة أَنه أفتى بِإِبَاحَة أكله ثمَّ سَأَلَ عمر فَقَالَ لَو أَفْتيت بِغَيْرِهِ لأوجعتك وَهُوَ قَول ابْن عمر وَكَعب وَعَائِشَة
وروى عَن عُثْمَان إِبَاحَته إِذا لم يصد من أَجله
وروى عَن عَليّ كَرَاهَته
وَيُؤْخَذ من جِهَة النّظر قَوْلنَا لأَنهم لَا يَخْتَلِفُونَ أَن لحم الصَّيْد إِذا ذكى فِي الْحل ثمَّ أَدخل الْحرم جَازَ أكله فَكَذَلِك إِذا أحرم
٥٩٧ - فِيمَن يضْطَر إِلَى ميتَة وصيد
قَالَ أَبُو حنيفَة يَأْكُل الْميتَة وَلَا يَأْكُل الصَّيْد وَهُوَ قَول مُحَمَّد
وروى مثله عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَهُوَ قَول زفر وَمَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يذبح الصَّيْد ويأكله وَعَلِيهِ جَزَاؤُهُ
следующие страницы →