Полный текст (762 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التِّرْمِذِيّ: عَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ / قَالَ: " قلت لأبي يَا أَبَت لقد صليت خلف (رَسُول الله [ ﷺ ] و) أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي بن أبي طَالب ﵃ هَا هُنَا بِالْكُوفَةِ نَحوا من خمس سِنِين أكانوا يقنتون؟ قَالَ: أَي بني مُحدث "، حَدِيث حسن صَحِيح.
فقد أخبر عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين أَنهم كَانُوا لَا يقنتون، وَأَن الْقُنُوت مُحدث، وَهَذَا دَلِيل على (أَن) الحَدِيث الَّذِي ذكره الدَّارَقُطْنِيّ عَن أنس ﵁ أَنه قَالَ: " مَا زَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] يقنت فِي صَلَاة الْغَدَاة حَتَّى فَارق الدُّنْيَا " ضَعِيف، وَإِن
стр. 142
ظهر لَهُ وَجه صِحَة قُلْنَا: مَعْنَاهُ مَا زَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] يُطِيل (الْقيام) فِي صَلَاة الْغَدَاة حَتَّى فَارق الدُّنْيَا، فَإِن طول الْقيام يُسمى قنوتا، وَهَذَا مَذْهَب ابْن عمر أَيْضا، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن الْمُبَارك.
وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: لَا يقنت فِي الصُّبْح إِلَّا إِذا نزلت (بِالْمُسْلِمين) نازلة.
(بَاب إِذا أوتر ثمَّ نَام ثمَّ قَامَ لَا ينْتَقض وتره)
التِّرْمِذِيّ: عَن قيس بن طلق بن عَليّ عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " لَا وتران فِي لَيْلَة ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: " هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَبِه يَقُول مَالك بن أنس وَابْن الْمُبَارك وَأحمد ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: " وَهَذَا أصح - يَعْنِي أَن الْوتر لَا ينْتَقض - لِأَنَّهُ قد رُوِيَ من غير وَجه أَن النَّبِي [ ﷺ ] قد صلى بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ ".
стр. 143
(بَاب يسْتَحبّ الْإِسْفَار بِالْفَجْرِ)
التِّرْمِذِيّ: عَن رَافع بن خديج قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " أسفروا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أعظم لِلْأجرِ ". وَفِي لفظ أبي دَاوُد: " أَصْبحُوا بالصبح فَإِنَّهُ أعظم لأجوركم، أَو أعظم لِلْأجرِ ". قَالَ التِّرْمِذِيّ: " هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ".
فَإِن قيل: قَالَ الْبَغَوِيّ: وَهَذَا حَدِيث حسن، لكنه يُعَارضهُ حَدِيث زيد بن ثَابت قَالَ: " تسحرنا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] ثمَّ قمنا إِلَى الصَّلَاة - قَالَ الرَّاوِي عَن زيد - قلت: كم كَانَ قدر ذَلِك؟ قَالَ: قدر خمسين آيَة ".
قيل لَهُ: لَو كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] لَا يفعل إِلَّا الْأَفْضَل لجَاز أَن يكون مُعَارضا، وَلَكِن النَّبِي [ ﷺ ] قد يتْرك الْأَفْضَل أَحْيَانًا (إِمَّا) بَيَانا للْجُوَاز، أَو لسَبَب يعرض / لَهُ، فَيجوز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] عجل الصَّلَاة ذَلِك الْيَوْم لسَبَب عرض لَهُ، ثمَّ إِنَّه يحْتَمل
стр. 144
أَن يكون بعيد فراغهم من (السّحُور) بلحظة يسيرَة طلع (الْفجْر، ثمَّ) مَكَثُوا بعد ذَلِك قدر قِرَاءَة خمسين آيَة مرتلة، ثمَّ دخل بعد ذَلِك فِي الصَّلَاة، وَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يُطِيل الْقِرَاءَة فِيهَا مَا لَا يُطِيل فِي غَيرهَا، فَإِذا (ذهب) بعد طُلُوع الْفجْر مِقْدَار (قِرَاءَة خمسين آيَة مرتلة وَمِقْدَار) مكثه فِي الصَّلَاة أَسْفر جدا.
فَإِن قيل: صَحَّ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " إِن كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] ليُصَلِّي الصُّبْح فَيَنْصَرِف النِّسَاء متلفعات بمروطهن مَا يعرفن من الْغَلَس ".
قيل لَهُ: روى الطَّحَاوِيّ: عَن القعْنبِي، عَن عِيسَى بن يُونُس، (عَن الْأَعْمَش) ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: " مَا اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] على شَيْء مَا اجْتَمعُوا على التَّنْوِير ". وَهَذَا لَا يكون إِلَّا بعد ثُبُوت (نسخ) التغليس عِنْدهم. وَعنهُ: عَن شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: " صلى (بِنَا) أَبُو بكر صَلَاة الصُّبْح فَقَرَأَ بِسُورَة آل عمرَان، فَقَالُوا: كَادَت الشَّمْس تطلع، فَقَالَ: لَو طلعت لم تجدنا غافلين ".
فَهَذَا أَبُو بكر ﵁ قد دخل فِيهَا فِي غير وَقت الإصفار، ثمَّ مد الْقِرَاءَة حَتَّى خيف عَلَيْهِ طُلُوع الشَّمْس بِحَضْرَة الصَّحَابَة ﵃، وَقرب عَهدهم برَسُول الله [ ﷺ ] ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ مُنكر، فَدلَّ على متابعتهم لَهُ.
стр. 145
وَعنهُ: عَن السايب بن يزِيد قَالَ: " صليت خلف عمر بن الْخطاب ﵁ الصُّبْح فَقَرَأَ فِيهَا بالبقرة فَلَمَّا انصرفوا (استشرفوا) ، الشَّمْس، فَقَالُوا: (مَا طلعت) ، فَقَالَ: لَو طلعت لم تجدنا غافلين ". فَكَانَ عمر ﵁ يدْخل فِيهَا بِغَلَس، وَيخرج مِنْهَا بتنوير، وَكَذَلِكَ كتب إِلَى عماله. وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ (عَن) ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الْوَقْت الأول رضوَان الله وَالْوَقْت الآخر عَفْو الله ".
قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث يرويهِ يَعْقُوب بن الْوَلِيد عَن الْعمريّ وهما ضعيفان، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: / " لَا أعرف شَيْئا يثبت فِي أَوْقَات الصَّلَاة، أَولهَا (أَو أوسطها
стр. 146
أَو آخرهَا) ، يَعْنِي الرضْوَان وَالْعَفو ". وَإِن صَحَّ فَنَقُول: الْعَفو هُوَ الْفضل قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو﴾ .
(ذكر مَا فِي حَدِيث التغليس من الْغَرِيب)
:
متلفعات: أَي مشتملات، والمروط هِيَ الأردية الواسعة، أَي أكسيتهن، الْوَاحِد مرط بِكَسْر الْمِيم، والغلس: ظلمَة آخر اللَّيْل، كالغبش، وَقيل: الغبش قبل الْغَلَس.
(بَاب يسْتَحبّ الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ فِي الصَّيف وتقديمها فِي الشتَاء)
البُخَارِيّ: عَن أبي سعيد ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " أبردوا بِالظّهْرِ فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم ".
التِّرْمِذِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا اشْتَدَّ الْحر فأبردوا عَن الصَّلَاة فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم ".
стр. 147
قَالَ أَبُو عِيسَى: " هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد اخْتَار بعض أهل الْعلم تَأْخِير صَلَاة الظّهْر فِي شدَّة الْحر، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق ".
وَقَالَ أَبُو عِيسَى: " معنى من ذهب إِلَى تَأْخِير الصَّلَاة فِي شدَّة الْحر أولى وأشبه بالاتباع، وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي من أَن الرُّخْصَة لمن ينتاب من الْبعد للْمَشَقَّة على النَّاس، فَإِن فِي حَدِيث أبي ذَر مَا يدل على خلاف مَا قَالَ الشَّافِعِي ".
التِّرْمِذِيّ: عَن أبي ذَر ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ فِي سفر وَمَعَهُ بِلَال، فَأَرَادَ أَن يُقيم، فَقَالَ: أبرد، ثمَّ أَرَادَ أَن يُقيم فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : أبرد فِي الظّهْر، حَتَّى رَأينَا فَيْء التلول، ثمَّ أَقَامَ فصلى، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : إِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم فأبردوا عَن الصَّلَاة ". حَدِيث حسن (صَحِيح) .
فَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي لم يكن للإبراد (فِي ذَلِك الْوَقْت) معنى لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السّفر وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ (أَن) ينتابوا من الْبعد.
فَإِن قيل: لَعَلَّ مَنَازِلهمْ كَانَت فِي السّفر مُتَفَرِّقَة بعيدَة بَعْضهَا من بعض على عَادَة (الْمُسَافِرين) فِي النُّزُول، والمسافة الْيَسِيرَة فِي الْبَريَّة فِيمَا يرجع إِلَى مشقة الْحر أعظم مشقة من الْمنَازل الْبَعِيدَة فِي الْحَضَر.
стр. 148
قيل لَهُ: قد ذكر التِّرْمِذِيّ / أَنهم كَانُوا مُجْتَمعين. وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ: " وَقد كَانُوا مُجْتَمعين وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ أَمر بالإبراد ". (وَكَلَام) هذَيْن الْإِمَامَيْنِ صَحِيح، لِأَن بِلَالًا أَرَادَ أَن يُقيم الصَّلَاة مرَّتَيْنِ وَرَسُول الله [ ﷺ ] يَأْمُرهُ بالإبراد، وَالْإِقَامَة إِنَّمَا هِيَ لإعلام الْحَاضِرين، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا أَنه قَالَ: " حَتَّى رَأينَا فَيْء التلول "، وَلم يقل حَتَّى مشينا فِيهِ.
(بَاب يسْتَحبّ تَأْخِير الْعَصْر مَا لم يتَغَيَّر قرص الشَّمْس)
البُخَارِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر، ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم، فيسألهم رَبهم (وَهُوَ أعلم بهم) ، (كَيفَ) تركْتُم عبَادي؟ فَيَقُولُونَ تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ ". وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه يسْتَحبّ فعلهمَا فِي آخر الْوَقْت (حِين) تعرج الْمَلَائِكَة. أَبُو دَاوُد: عَن عَليّ بن شَيبَان ﵁ قَالَ: " قدمنَا على رَسُول الله [ ﷺ ] الْمَدِينَة فَكَانَ يُؤَخر الْعَصْر مَا دَامَت الشَّمْس بَيْضَاء نقية ".
стр. 149
التِّرْمِذِيّ: عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] أَشد تعجيلا لِلظهْرِ مِنْكُم، وَأَنْتُم أَشد تعجيلا للعصر مِنْهُ ".
فَإِن قيل: فقد روى مُسلم: عَن أنس ﵁ (قَالَ) : " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس مُرْتَفعَة حَيَّة، فَيذْهب الذَّاهِب إِلَى العوالي (فيأتيهم) وَالشَّمْس مُرْتَفعَة ".
قيل لَهُ: (قيل) إِن العوالي أدناها من الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَمْيَال، وأبعدها ثَمَانِيَة أَمْيَال، وَلم يذكر فِي (الحَدِيث) إِلَّا إتْيَان العوالي، وَإِذا وصل الْإِنْسَان إِلَى (أول) أدناها صدق عَلَيْهِ أَنه أَتَى العوالي، وَهَذَا مِقْدَار يُمكن سيره إِذا صلى الْعَصْر فِي وسط وَقتهَا.
الطَّحَاوِيّ: عَن الحكم بن أبان، عَن عِكْرِمَة قَالَ: " كُنَّا مَعَ أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي جَنَازَة فَلم يصل الْعَصْر، (وَسكت حَتَّى راجعناه مرَارًا، فَلم يصل الْعَصْر) حَتَّى رَأينَا الشَّمْس على (رَأس) أطول جبل بِالْمَدِينَةِ ".
стр. 150
(بَاب يسْتَحبّ تَعْجِيل الْمغرب)
أَبُو دَاوُد: عَن مرْثَد بن عبد الله قَالَ: " قدم علينا أَبُو أَيُّوب غازيا، وَعقبَة بن عَامر يَوْمئِذٍ / على مصر، (فَأخر الْمغرب) فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوب ﵁ فَقَالَ: مَا هَذِه الصَّلَاة يَا عقبَة؟ فَقَالَ لَهُ: شغلنا، فَقَالَ: أما سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: لَا تزَال أمتِي بِخَير أَو قَالَ على الْفطْرَة مَا لم يؤخروا الْمغرب إِلَى أَن تشتبك النُّجُوم ".
(بَاب يسْتَحبّ تَأْخِير الْعشَاء إِلَى مَا قبل ثلث اللَّيْل)
البُخَارِيّ: قَالَ: " سُئِلَ أنس ﵁ هَل اصْطنع رَسُول الله [ ﷺ ] خَاتمًا؟ (قَالَ) : نعم، أخر الصَّلَاة ذَات لَيْلَة إِلَى شطر اللَّيْل صَلَاة الْعشَاء (الْآخِرَة) ، فَلَمَّا صلى أقبل بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِن النَّاس قد صلوا ورقدوا، وَإِنَّكُمْ
стр. 151
(لن) تزالوا فِي صَلَاة مَا انتظرتم الصَّلَاة، وَكَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص خَاتمه ".
التِّرْمِذِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم أَن يؤخروا الْعشَاء إِلَى ثلث اللَّيْل أَو نصفه ". حَدِيث حسن صَحِيح.
وَمن طَرِيق أبي دَاوُد: " وَلَوْلَا ضعف الضَّعِيف وسقم السقيم لأخرت هَذِه الصَّلَاة إِلَى شطر اللَّيْل ".
فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ: عَن أم فَرْوَة - وَكَانَت بَايَعت النَّبِي [ ﷺ ]- (قَالَت: سُئِلَ النَّبِي [ ﷺ ] ) أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: " الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا ". قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث (يرويهِ) الْقَاسِم بن غَنَّام، وَهُوَ سيئ الْحِفْظ، ضَعِيف النَّقْل، وَلم يدْرك أم فَرْوَة، وَفِي سَنَده اضْطِرَاب، وَالصَّحِيح أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله
стр. 152
عَنهُ سَأَلَ النَّبِي [ ﷺ ] : " أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله؟ قَالَ: الصَّلَاة على وَقتهَا ".
وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: " على مواقيتها ". واستحباب تَأْخِير الْعشَاء اخْتِيَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ، فطوبى لمن وافقهم وَاتبع مَا ثَبت عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَإِنَّهَا أَحَادِيث لَا تقبل تَأْوِيلا وَلَا نجد على نسخهَا دَلِيلا.
(ذكر مَا فِي حَدِيث البُخَارِيّ (من الْغَرِيب) :)
وبيص خَاتمه: بباء مُعْجمَة بِوَاحِدَة مَكْسُورَة وياء سَاكِنة وصاد مُهْملَة، بريق خَاتمه، يُقَال مِنْهُ بص الشَّيْء يبص بصيصا، ووبص يبص وبيصا.
(بَاب لَا تجوز الصَّلَاة فِي ثَلَاثَة أَوْقَات)
مُسلم: عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: " ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] / (ينهانا) أَن نصلي فِيهِنَّ، أَو نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، حِين تطلع
стр. 153
الشَّمْس بازغة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل الشَّمْس، وَحين تضيف للغروب حَتَّى تغرب ".
(ذكر مَا فِيهِ من الْغَرِيب:)
(الظهيرة) : الهاجرة وَهُوَ نصف النَّهَار، نقبر: ندفن، يُقَال قَبره إِذا دَفنه، وأقبره إِذا جعل لَهُ قبرا يوارى فِيهِ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره﴾ ، هَذَا هُوَ الأَصْل، وَقد حمل أَصْحَابنَا قبر الْأَمْوَات على الصَّلَاة عَلَيْهِم. وَإِلَى (هَذَا) الْحمل ذهب ابْن الْمُبَارك ﵀.
(بَاب يكره التَّنَفُّل بعد الْفجْر وَبعد الْعَصْر)
البُخَارِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " شهد عِنْدِي رجال مرضيون، وأرضاهم عِنْدِي عمر، أَن النَّبِي [ ﷺ ] نهى عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تشرق الشَّمْس، وَبعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس ".
стр. 154
فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ وَغَيره، عَن جَابر بن يزِيد بن الْأسود، عَن أَبِيه ﵁ قَالَ: " شهِدت مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] حجَّته، فَصليت مَعَه صَلَاة الْفجْر فِي مَسْجِد الْخيف وَأَنا غُلَام شَاب، فَلَمَّا قضى صلَاته (إِذا) هُوَ برجلَيْن فِي (آخر) الْقَوْم لم يصليا مَعَه، فَقَالَ (رَسُول الله [ ﷺ ] ) : عَليّ بهما، (فَأتي) بهما ترْعد فرائصهما فَقَالَ: مَا منعكما أَن تصليا مَعنا (قَالَا) : يَا رَسُول الله قد صلينَا فِي رحالنا، قَالَ: (لَا) تفعلا إِذا صليتما فِي رحالكما ثمَّ أتيتما مَسْجِد جمَاعَة فَصَليَا مَعَهم فَإِنَّهَا لَكمَا نَافِلَة ". قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
وروى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ]
стр. 155
يَقُول: " لَا يصلين أحد بعد الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَلَا بعد الْعَصْر إِلَى أَن تغرب (الشَّمْس) إِلَّا بِمَكَّة ".
قيل لَهُ: أما الحَدِيث الأول: فَهُوَ أَمر، وَمَا روينَاهُ من الحَدِيث (فَهُوَ) نهي، وَالنَّهْي مقدم على الْأَمر لِأَنَّهُ أحوط.
وَيحْتَمل النّسخ أَيْضا لما روى الطَّحَاوِيّ: عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄: قَالَ: " إِن صليت فِي أهلك ثمَّ أدْركْت الصَّلَاة فصلها إِلَّا الصُّبْح وَالْمغْرب، فَإِنَّهُمَا لَا يعادان فِي يَوْم ".
فَهَذَا ابْن عمر ﵁ أخبر أَن الصُّبْح لَا يُعَاد، فلولا علمه بنسخ حَدِيث الرجلَيْن، (أَو أَن) النَّهْي مقدم على الْأَمر، وَإِلَّا لما قَالَ ذَلِك. وَحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ لَا يَصح.
فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن مُجَاهِد، عَن أبي الْخَلِيل، عَن أبي قَتَادَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " أَنه كره / الصَّلَاة نصف النَّهَار إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ: إِن جَهَنَّم تسجر إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة ".
قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث مُنْقَطع، لِأَن أَبَا الْخَلِيل لم يسمع من أبي قَتَادَة، فَلَا يُعَارض الْمسند الْمُتَّصِل.
стр. 156
فَإِن قيل: فقد روى البُخَارِيّ: عَن هِشَام قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: قَالَت عَائِشَة ﵂: (ابْن أُخْتِي) مَا ترك نَبِي الله [ ﷺ ] السَّجْدَتَيْنِ بعد الْعَصْر عِنْدِي قطّ ".
وَعنهُ: عَنْهَا قَالَت: " رَكْعَتَانِ لم يكن رَسُول الله [ ﷺ ] يدعهما سرا (وَلَا عَلَانيَة) رَكْعَتَانِ قبل (صَلَاة) الصُّبْح، وركعتان بعد الْعَصْر ".
قيل: فقد روى البُخَارِيّ: عَن أبي التياح قَالَ: سَمِعت حمْرَان بن أبان يحدث عَن مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ: " إِنَّكُم (لتصلون) صَلَاة لقد صَحِبنَا رَسُول الله [ ﷺ ] فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصليهَا، وَلَقَد نهى عَنْهَا، يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر ". فقد تعَارض فعله وَنَهْيه عَاما وخاصا، فَيحْتَمل أَنه ﵇ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ، كَمَا أَنه كَانَ يواصل وَنهى عَن الْوِصَال شَفَقَة على أمته.
يُؤَيّد ذَلِك مَا روى البُخَارِيّ عَنْهَا قَالَت: " وَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] (يُصَلِّيهمَا، وَلَا يُصَلِّيهمَا) فِي الْمَسْجِد مَخَافَة أَن يثقل على أمته، وَكَانَ يحب أَن يُخَفف عَنْهُم ".
وَيُؤَيّد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " إِنَّمَا صلى النَّبِي [ ﷺ ] الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر، لِأَنَّهُ أَتَاهُ مَال فَشَغلهُ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الظّهْر (فصلاهما) بعد الْعَصْر، (ثمَّ لم يعد لَهما) ".
стр. 157
وَالَّذِي اجْتمع عَلَيْهِ أَكثر أهل الْعلم كَرَاهِيَة الصَّلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَبعد الصُّبْح حَتَّى تطلع (الشَّمْس) .
وروى الطَّحَاوِيّ: " أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يضْرب الرجل إِذا رَآهُ يُصَلِّي بعد الْعَصْر حَتَّى ينْصَرف من صلَاته ".
(ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب:)
ترْعد: ترجف. فرائص: جمع فريصة وَهِي (اللحمة) بَين الْجنب والكتف الَّتِي لَا تزَال ترْعد من الدَّابَّة.
(بَاب إِذا صلى رَكْعَة من الصُّبْح ثمَّ طلعت الشَّمْس أمسك عَن الصَّلَاة حَتَّى ترْتَفع ثمَّ يُتمهَا وَتَكون نَافِلَة)
مُسلم: عَن (عبد الله بن عَمْرو) ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " وَقت صَلَاة الصُّبْح من طُلُوع الْفجْر مَا لم تطلع الشَّمْس، فَإِذا طلعت (الشَّمْس) فَأمْسك عَن الصَّلَاة فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني شَيْطَان " /.
فَإِن قيل: هَذَا يُعَارضهُ مَا روى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁،
стр. 158
قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا أدْرك أحدكُم (سَجْدَة) من صَلَاة الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فليتم صلَاته، وَإِذا أدْرك سَجْدَة (من صَلَاة) الصُّبْح قبل أَن تطلع الشَّمْس فليتم صلَاته ".
قيل لَهُ: الْحَال لَا يَخْلُو من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن نجعلهما متعارضين فَيسْقط الِاحْتِجَاج بهما، وَيسلم حَدِيث عقبَة بن عَامر عَن الْمعَارض، أَو يعْمل بهما بِحَسب الْإِمْكَان.
وَلَا شكّ أَن الثَّانِي أولى، وَوجه الْعَمَل بهما أَن يمسك عَن الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس، ثمَّ يُتمهَا نَافِلَة، وَيكون التَّقْدِير: من أدْرك سَجْدَة من صَلَاة الصُّبْح قبل أَن تطلع الشَّمْس ثمَّ طلعت فَلَا يقطع صلَاته، بل يمسك عَنْهَا، فَإِذا ارْتَفَعت الشَّمْس فليتم صلَاته وَتَكون لَهُ نَافِلَة.
أَلا ترى أَن من صلى فِي بَيته ثمَّ أدْرك الْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يدْخل مَعَ الْجَمَاعَة فِي تِلْكَ الصَّلَاة بنية تِلْكَ الصَّلَاة، وَتَكون لَهُ نَافِلَة. فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ (وَغَيره) عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من أدْرك من الصُّبْح رَكْعَة قبل أَن تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح، وَمن أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فقد أدْرك الْعَصْر ".
وَأَنت (قد) عملت بِهَذَا الحَدِيث فِي الْعَصْر فَوَجَبَ أَن تعْمل بِهِ فِي الصُّبْح.
стр. 159
قيل لَهُ: أما فِي صَلَاة الْعَصْر فعملنا بِهِ لِأَنَّهُ لم يُعَارضهُ غَيره، فَإِنَّهُ لم يرد عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " فَإِذا غربت الشَّمْس فَأمْسك عَن الصَّلَاة ". وَفِي صَلَاة الصُّبْح عَارضه غَيره وَهُوَ مَا روينَاهُ آنِفا، أَو نقُول يحْتَمل أَن يكون المُرَاد: " من أدْرك وَقت رَكْعَة من صَلَاة الْعَصْر (فقد أدْرك وَقت الْعَصْر) ، وَمن أدْرك وَقت رَكْعَة من صَلَاة الصُّبْح فقد أدْرك (وَقت) الصُّبْح ". فَيكون الحَدِيث واردا فِيمَن أسلم أَو بلغ أَو طهر وَقد بَقِي من الْوَقْت قدر مَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَة فَإِنَّهُ يلْزمه الْقَضَاء، وَهَذَا أولى مَا حمل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث.
(ذكر مَا مر من الْغَرِيب .)
(بَاب يكره أَن يتَنَفَّل بعد طُلُوع الْفجْر بِأَكْثَرَ من رَكْعَتي الْفجْر)
مُسلم: عَن حَفْصَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا طلع الْفجْر لَا يُصَلِّي / إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خفيفتين ".
стр. 160
(بَاب وَلَا يتَنَفَّل قبل صَلَاة الْمغرب لما فِيهِ من تَأْخِير الْمغرب)
فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ: وَغَيره، عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: " كَانَ الْمُؤَذّن إِذا أذن قَامَ نَاس من أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ] يبتدرون السَّوَارِي، حَتَّى يخرج النَّبِي [ ﷺ ] وهم كَذَلِك يصلونَ رَكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب، وَلم يكن بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة شَيْء ".
قيل لَهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: " وَقد اخْتلف أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الصَّلَاة قبل الْمغرب، فَلم ير بَعضهم الصَّلَاة قبل الْمغرب ".
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ: " وَلم يَفْعَله أحد بعدهمْ وأظن (الَّذِي) منع مِنْهُ، الْمُبَادرَة إِلَى صَلَاة الْمغرب ".
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: إِنَّهَا بِدعَة، وَقَالَ غَيره: صَلَاة الرَّكْعَتَيْنِ بعد غرُوب الشَّمْس كَانَ فِي أول الْإِسْلَام ليعرف بِهِ خُرُوج الْوَقْت الْمنْهِي عَنهُ، ثمَّ أمروا بعد ذَلِك بتعجيل الْمغرب.
وروى أَبُو دَاوُد: عَن طَاوس قَالَ: سُئِلَ ابْن عمر ﵁ عَن الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب فَقَالَ: " مَا رَأَيْت أحدا على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] يُصَلِّيهمَا ".
стр. 161
(بَاب من فَاتَتْهُ صَلَاة الْفجْر حَتَّى طلعت الشَّمْس، لَا يُصليهَا حَتَّى ترْتَفع)
مُسلم: عَن أبي قَتَادَة ﵁ فِي حَدِيث لَيْلَة التَّعْرِيس قَالَ: " فَمَال رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الطَّرِيق فَوضع رَأسه ثمَّ قَالَ: احْفَظُوا علينا صَلَاتنَا، فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَالشَّمْس فِي ظَهره، قَالَ: فقمنا فزعين، ثمَّ قَالَ: اركبوا، فَرَكبْنَا فسرنا حَتَّى ارْتَفَعت الشَّمْس، ثمَّ دَعَا بميضأة كَانَت معي فِيهَا شَيْء من مَاء، فَتَوَضَّأ مِنْهَا دون وضوئِهِ، قَالَ: وَبَقِي فِيهَا شَيْء من مَاء، ثمَّ قَالَ لأبي قَتَادَة: " احفظ علينا ميضأتك فسيكون لَهَا نبأ، ثمَّ أذن بِلَال ﵁ فصلى رَسُول الله [ ﷺ ] رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صلى الْغَدَاة ".
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن من فَاتَتْهُ صَلَاة الصُّبْح مَعَ سنتها قَضَاهَا مَعهَا.
(ذكر مَا فِي هَذَا الحَدِيث من الْغَرِيب:)
الميضأة: بميم مَكْسُورَة وياء سَاكِنة وضاد مُعْجمَة بعْدهَا ألف وهاء، مفعلة من الْوضُوء وَهِي المطهرة يتَوَضَّأ بهَا. والتعريس: / نزُول آخر اللَّيْل للاستراحة، والموضع معرس.
(بَاب يجب التَّرْتِيب فِي قَضَاء الْفَوَائِت)
التِّرْمِذِيّ: عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ عبد الله: " إِن
стр. 162
الْمُشْركين شغلوا رَسُول الله [ ﷺ ] عَن أَربع صلوَات يَوْم الخَنْدَق، حَتَّى ذهب من اللَّيْل مَا شَاءَ الله، فَأمر بِلَالًا فَأذن ثمَّ (أَقَامَ) فصلى الظّهْر، ثمَّ (أَقَامَ) فصلى الْعَصْر، ثمَّ أَقَامَ فصلى الْمغرب، ثمَّ أَقَامَ فصلى الْعشَاء ".
وَعنهُ: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ (قَالَ) يَوْم الخَنْدَق وَجعل يسب كفار قُرَيْش قَالَ: " يَا رَسُول الله مَا كدت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (إِن صليتها) قَالَ: فنزلنا بطحان، فَتَوَضَّأ رَسُول الله [ ﷺ ] فتوضأنا، فصلى رَسُول الله [ ﷺ ] بَعْدَمَا غربت الشَّمْس، ثمَّ صلى بعْدهَا الْمغرب ". (أخرجه مُسلم) .
وَقد صَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ " (أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه) .
стр. 163
وَهَذَا دَلِيل على أَن المُرَاد قَضَاء الْفَائِتَة عِنْد الذّكر، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْتِيب فِي الْفَوَائِت، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَأْمُورا بِفعل الْفَائِتَة عِنْد الذّكر، وَذَلِكَ قد يكون فِي وَقت صَلَاة، فَهُوَ مَنْهِيّ لَا محَالة عَن فعل صَلَاة الْوَقْت فِي تِلْكَ الْحَال، فَأوجب ذَلِك فَسَاد صَلَاة الْوَقْت إِن قدمهَا على الْفَائِتَة، لِأَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد حَتَّى تقوم الدّلَالَة على غَيره، وَلِأَنَّهُ لما صلى النَّبِي [ ﷺ ] مُرَتبا وَجب التَّرْتِيب لقَوْله [ ﷺ ] : " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، وَلِأَن فرض الصَّلَاة مُجمل فِي الْكتاب وَالتَّرْتِيب وصف من أَوْصَاف الصَّلَاة، وَفعله [ ﷺ ] إِذا ورد على وَجه الْبَيَان فَهُوَ على الْوُجُوب.
وروى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن (عبيد الله) الْعمريّ عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من نسي صَلَاة فَذكرهَا وَهُوَ مَعَ الإِمَام فَإِذا فرغ مِنْهَا قضى الَّتِي فَاتَتْهُ ثمَّ أعَاد الَّتِي مَعَ الإِمَام ".
стр. 164
فَإِن قيل: أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه فَهُوَ حَدِيث مُنْقَطع وَحَدِيث / ابْن عمر ﵁ الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف ثمَّ إِنَّه معَارض بِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا نسي أحدكُم صَلَاة فَذكرهَا وَهُوَ فِي صَلَاة (مَكْتُوبَة) فليبدأ بِالَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذا فرغ مِنْهَا صلى الَّتِي نسى ".
قيل لَهُ: أما حَدِيث أبي عُبَيْدَة فرواته ثِقَات: فَلَا يضرّهُ الِانْقِطَاع، وَقد عضده الحَدِيث الَّذِي بعده، وَأما حَدِيث ابْن عمر فَإِن صَحَّ أَنه من قَول النَّبِي [ ﷺ ] فَهُوَ الْمَطْلُوب، وَإِن كَانَ من قَول ابْن عمر فَهُوَ أَحَق أَن يتبع، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ مَقْطُوع ضَعِيف يرويهِ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، عَن عمر بن أبي عمر، عَن مَكْحُول.
стр. 165
(بَاب صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر)
التِّرْمِذِيّ: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر ". هَذَا حَدِيث حسن.
وَعنهُ: عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر ". قَالَ أَبُو عِيسَى: " هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] ".
فَإِن قيل: فقد جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة ﵂: " حَافظُوا على الصَّلَوَات وَصَلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر " (فَدلَّ) على أَنَّهَا غَيرهَا.
قيل لَهُ: يجوز أَن تكون مُسَمَّاة بالوسطى وَالْعصر فَذكرهَا هَهُنَا باسميها.
стр. 166
(بَاب لَا يسن الترجيع فِي الْأَذَان)
أَبُو دَاوُد: عَن معَاذ بن جبل ﵁ فِي قصَّة الْأَذَان، قَالَ: فجَاء عبد الله بن زيد من الْأَنْصَار وَقَالَ فِيهِ: " واستقبل الْقبْلَة فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله. ثمَّ أمْهل (هنيَّة) ثمَّ قَامَ فَقَالَ مثلهَا، إِلَّا أَنه زَاد بَعْدَمَا قَالَ حَيّ على الْفَلاح: قد قَامَت الصَّلَاة، قد قَامَت الصَّلَاة ".
فَإِن قيل: / فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن (ابْن محيريز) ، عَن أبي مَحْذُورَة ﵁ قَالَ: " ألْقى عَليّ رَسُول الله [ ﷺ ] التأذين هُوَ بِنَفسِهِ فَقَالَ: قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، مرَّتَيْنِ (مرَّتَيْنِ) "، ثمَّ قَالَ: ارْجع فَمد (من) صَوْتك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، اشْهَدْ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله.
قيل لَهُ: لما علم رَسُول الله [ ﷺ ] أَبَا مَحْذُورَة الْأَذَان كَانَ كَافِرًا، أَو كَانَ عقيب إِسْلَامه، بِدَلِيل مَا ذكر مُسلم فِي حَدِيثه ثمَّ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] قُم فَأذن
стр. 167
بِالصَّلَاةِ، فَقُمْت وَلَا شَيْء أكره إِلَيّ من رَسُول الله [ ﷺ ] وَلَا مِمَّا يَأْمُرنِي بِهِ ".
" فَلَمَّا لقنه الْأَذَان أعَاد عَلَيْهِ كلمة الشَّهَادَة، وكررها حَتَّى تثبت ويحفظها ويكررها على أَصْحَابه الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا ينفرون مِنْهَا خلاف نفورهم من غَيرهَا، فظنها أَبُو مَحْذُورَة من الْأَذَان "، وَلِأَن حَال التَّلْقِين يردد الْإِنْسَان على من يلقنه حَتَّى يَأْتِي بِهِ على وَجهه.
وَإِلَى هَذَا ذهب أَحْمد بن حَنْبَل، وَحكى الْخطابِيّ قَالَ: " وَقد قيل لِأَحْمَد بن حَنْبَل - وَكَانَ يَأْخُذ بِأَذَان بِلَال -: (أَلَيْسَ) أَذَان أبي مَحْذُورَة بعد أَذَان بِلَال، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بالأحدث فالأحدث من أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ: أَلَيْسَ لما عَاد إِلَى الْمَدِينَة أقرّ بِلَالًا على أَذَانه ".
(بَاب الْإِقَامَة مثل الْأَذَان، إِلَّا أَنه يزِيد فِيهَا بعد الْفَلاح: قد قَامَت الصَّلَاة مرَّتَيْنِ)
أَبُو دَاوُد: عَن ابْن محيريز أَن أَبَا مَحْذُورَة حَدثهُ: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] علمه
стр. 168
الْأَذَان تسع عشرَة كلمة، وَالْإِقَامَة (سبع) عشرَة كلمة، الْأَذَان: الله أكبر الله أكبر (الله أكبر الله أكبر) ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، (أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله،) ، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله. وَالْإِقَامَة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، / أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، حَيّ على الْفَلاح، قد قَامَت الصَّلَاة، قد قَامَت الصَّلَاة، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله ".
وَيدل على مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ أَيْضا مَا تقدم من حَدِيث (عبد الله بن زيد) (فَإِنَّهُ) قَالَ: " ثمَّ أمْهل (هنيَّة) ثمَّ قَالَ مثلهَا، إِلَّا أَنه زَاد (بعد) مَا قَالَ حَيّ على الْفَلاح، قد قَامَت الصَّلَاة قد قَامَت الصَّلَاة ".
وروى التِّرْمِذِيّ: عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، عَن عبد الله بن زيد قَالَ: " كَانَ أَذَان رَسُول الله [ ﷺ ] شفعا شفعا فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة ".
стр. 169
فَإِن قيل: فقد روى البُخَارِيّ وَغَيره عَن أنس ﵁، قَالَ: " أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان وَأَن يُوتر الْإِقَامَة ". (وَحَدِيث التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، عَن عبد الله بن زيد وَلم يلقه فَكَانَ مُرْسلا وَلَا حجَّة فِي الْمَرَاسِيل، وَقد روى ابْن عمر ﵁: " أَن الْأَذَان على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَة مرّة مرّة، وَإِذا انْتهى الْمُؤَذّن إِلَى قَوْله قد قَامَت الصَّلَاة قَالَهَا مرَّتَيْنِ ".
وروى ابْن عمر ﵁ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من أذن ثِنْتَيْ عشر سنة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَكتب لَهُ بِكُل أَذَان سِتُّونَ حَسَنَة وَبِكُل إِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنَة ". وَهَذَا يدل على أَن الْإِقَامَة على الشّطْر من الْأَذَان (وَكَانَ الْأَذَان) بِمَكَّة وَالْمَدينَة فِي أَوْلَاد أبي مَحْذُورَة وهم على إِفْرَاد الْإِقَامَة حَتَّى استولى المصريون على الْحجاز فِي سنة
стр. 170
اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فغيروا الْإِقَامَة. فَكيف وَقد صَار إِلَى مَذْهَبنَا أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وجماهير الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ، وَمن الْأَئِمَّة مَالك وَإِسْحَاق الْحَنْظَلِي وَأحمد بن حَنْبَل وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة وعلماء الْأَمْصَار كلهم، وَلَيْسَ مَعكُمْ فِي مذهبكم إِلَّا سُفْيَان وَابْن الْمُبَارك، وَقد أمرنَا بِاتِّبَاع الْأَعْظَم فِي قَوْله ﵇: " عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم ". سِيمَا فِيهَا هُوَ من شَعَائِر الْإِسْلَام.
قيل لَهُ: أما حَدِيث البُخَارِيّ فَلَيْسَ) فِيهِ ذكر النَّبِي [ ﷺ ] ، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة لاحْتِمَال أَن يكون الْأَمر من غَيره.
فَإِن قيل: قَالَ الْخطابِيّ: " وَقد زعم بعض أهل الْعلم أَن الْآمِر بذلك إِنَّمَا هُوَ (أَبُو بكر وَعمر) ، قَالَ: وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد لِأَن بِلَالًا لحق بِالشَّام بعد موت رَسُول الله [ ﷺ ] (واستخلف) سعد الْقرظ على الْأَذَان فِي مَسْجِد رَسُول الله [ ﷺ ] ".
قيل لَهُ:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
إِنَّمَا يفْسد هَذَا التَّأْوِيل إِذا ثَبت أَن بِلَالًا لحق بِالشَّام عقيب وَفَاة رَسُول الله [ ﷺ ] ، قبل أَن يسْتَخْلف أَبُو بكر ﵁، وَأَنه لما عَاد إِلَى الْمَدِينَة لم يكن بهَا أحد من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَحِينَئِذٍ يفْسد التَّأْوِيل وَإِلَّا فَيحْتَمل أَنه أَمر بذلك بعد أَن اسْتخْلف
стр. 171
أَبُو بكر ﵁، ثمَّ لحق بِالشَّام بعد ذَلِك، أَو أمره بذلك بعض الْخُلَفَاء بعد أَن رَجَعَ من الشَّام وَقدم الْمَدِينَة.
فَإِن ثَبت أَن الْآمِر بذلك كَانَ هُوَ النَّبِي [ ﷺ ] فَيحْتَمل قَوْله أَن يشفع الْأَذَان بالصوت، فَيَأْتِي بصوتين صَوْتَيْنِ، ويفرد الْإِقَامَة فَيَأْتِي بِصَوْت صَوت.
وروى أَبُو دَاوُد: عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ لِبلَال: " إِذا أَذِنت فترسل وَإِذا أَقمت فأحدر ". والترسل: (الترتيل) ، والحدر، الْإِسْرَاع. فالمفهوم من حَدِيث بِلَال وَحَدِيث جَابر هَذَا أَن الْأَذَان يَنْبَغِي أَن يكون أمد وَأَرْفَع صَوتا من الْإِقَامَة، وَأَن الْأَذَان / يفصل بَين كَلِمَاته دون الْإِقَامَة، وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ ﵁.
(ذكر الْغَرِيب:)
حَيّ على الصَّلَاة: مَعْنَاهُ هَلُمَّ وَأَقْبل، وَفتحت الْيَاء لسكونها (وَسُكُون) مَا قبلهَا (كَمَا فِي) لَيْت وَلَعَلَّ. والفلاح: الْفَوْز والبقاء والنجاة والسحور أَيْضا. وَفِي الحَدِيث: " حَتَّى خفنا أَن يفوتنا الْفَلاح "، يَعْنِي السّحُور. فَمَعْنَى حَيّ (على) الْفَلاح: أقبل على النجَاة.
стр. 172
(بَاب يكره أَذَان الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَا يعرف الْوَقْت بِنَفسِهِ)
فَإِن قيل: (فقد) كَانَ ابْن أم مَكْتُوم ﵁ مُؤذن رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَلَو كَانَ مَكْرُوها لما تَركه النَّبِي [ ﷺ ] .
قيل لَهُ: إِنَّمَا كَانَ يُؤذن بعد أَذَان بِلَال، فَكَانَ يعرف الْوَقْت بِأَذَان بِلَال ﵁.
(بَاب يكره الْأَذَان على غير وضوء فِي رِوَايَة)
التِّرْمِذِيّ: عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا تؤذن إِلَّا متوضئا ". لَكِن هَذَا حَدِيث لم يرفعهُ ابْن وهب، لِأَن التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ عَن عبد الله بن وهب، عَن يُونُس، عَن ابْن شهَاب قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: " لَا يُنَادي بِالصَّلَاةِ إِلَّا متوضئ ". وَالزهْرِيّ لم يسمع من أبي هُرَيْرَة فَصَارَ الحَدِيث (مَوْقُوفا) مُرْسلا. وَوجه الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَن قِرَاءَة الْقُرْآن على غير وضوء غير
стр. 173
مَكْرُوهَة، فالأذان أولى أَن لَا يكره. وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان وَابْن الْمُبَارك (وَأحمد) ﵏.
(بَاب لَا يُؤذن لصَلَاة قبل دُخُول وَقتهَا)
أَبُو دَاوُد: عَن شَدَّاد مولى عِيَاض بن عَامر، عَن بِلَال ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: (لَهُ) : " لَا تؤذن حَتَّى يستبين لَك الْفجْر هَكَذَا "، وَمد يَده عرضا.
وروى أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عمر ﵄: " أَن بِلَالًا أذن قبل طُلُوع الْفجْر فَأمره رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يرجع فينادي أَلا إِن العَبْد نَام (أَلا إِن العَبْد نَام) ، زَاد مُوسَى فِي حَدِيثه: فَرجع فَنَادَى أَلا إِن العَبْد نَام ".
فَإِن قيل: قَالَ أَبُو عِيسَى: " هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ، وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: " وَلَو كَانَ هَذَا الحَدِيث صَحِيحا لم يكن لقَوْله: إِن بِلَالًا يُؤذن
стр. 174
بلَيْل. معنى، / لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمرهم فِيمَا يسْتَقْبل، وَلَو أَنه أمره بِإِعَادَة الآذان حِين أذن قبل طُلُوع الْفجْر لم يقل: إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب غير مَحْفُوظ وَأَخْطَأ فِيهِ حَمَّاد بن سَلمَة ". قيل لَهُ: لما كَانَ هَذَا الحَدِيث مُخَالفا لما يذهبان إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيل يحملانه عَلَيْهِ، أدّى بهما فرط التعصب إِلَى أَن خبطا فِي دَفعه خبط عشواء، وَحكما بِأَنَّهُ غير مَحْفُوظ، وخطا (رَاوِيه) من غير دَلِيل، وَالطَّرِيق فِي التَّوْفِيق بَين الْأَخْبَار أَن نقُول إِن بِلَالًا كَانَ يُؤذن بلَيْل ثمَّ نَهَاهُ رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الْأَذَان قبل طُلُوع الْفجْر، على مَا شهد بِهِ حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي روينَاهُ فِي أول هَذَا الْبَاب، ثمَّ أذن قبل الْفجْر بَعْدَمَا نَهَاهُ، فَأمره أَن يُعِيد الْأَذَان. وَهَذَا أولى من أَن نحكم على عدل ثِقَة بالْخَطَأ (أَو نجْعَل) الْأَحَادِيث يدْفع بَعْضهَا بَعْضًا.
(بَاب يُؤذن للفائتة وَيُقِيم)
أَبُو دَاوُد: عَن عمرَان بن الْحصين ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ فِي مسير لَهُ، فَنَامُوا عَن صَلَاة الْفجْر فاستيقظوا بَحر الشَّمْس، فَارْتَفعُوا قَلِيلا حَتَّى
стр. 175
اسْتَقَلت الشَّمْس، ثمَّ أَمر مُؤذنًا فَأذن، فصلى رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر (ثمَّ أَقَامَ ثمَّ صلى الْفجْر) ".
وَقد روى هَذِه الْقِصَّة جمَاعَة على هَذَا الْوَجْه وَبَعْضهمْ لم يذكر الْأَذَان، لَكِن الْأَخْذ بِالزِّيَادَةِ أولى.
(بَاب لَا بَأْس أَن يُؤذن وَاحِد وَيُقِيم آخر وَفِي رِوَايَة يكره)
وَجه الرِّوَايَة الأولى: مَا روى أَبُو دَاوُد: عَن عبد الله بن زيد ﵁، قَالَ: " أَرَادَ النَّبِي [ ﷺ ] فِي الْأَذَان أَشْيَاء لم يصنع مِنْهَا شَيْئا، وأري عبد الله بن زيد الْأَذَان فِي الْمَنَام، فَأتى النَّبِي [ ﷺ ] فَأخْبرهُ فَقَالَ: ألقه على بِلَال، قَالَ: فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأذن بِلَال، فَقَالَ: عبد الله أَنا رَأَيْته وَأَنا كنت أريده، قَالَ: فأقم أَنْت ".
وَجه الرِّوَايَة الثَّانِيَة: مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي
стр. 176
رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: " أَمرنِي رَسُول الله [ ﷺ ] أَن (أذن) فِي صَلَاة الْفجْر فَأَذنت، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : / إِن أَخا صداء قد أذن، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: " حَدِيث زِيَاد لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث الأفريقي، والأفريقي ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث، ضعفه يحيى بن سعيد وَغَيره، وَقَالَ أَحْمد: لَا أكتب حَدِيث الأفريقي، قَالَ: وَرَأَيْت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يُقَوي أمره وَيَقُول هُوَ مقارب الحَدِيث ".
(بَاب)
قَالَ أَصْحَابنَا ﵀: إِذا كَانَ مَسْجِد لَهُ أهل معروفون فصلوا فِيهِ أَو بَعضهم بِأَذَان وَإِقَامَة، كره لغَيرهم أَن يُعِيدُوا الْأَذَان وَالْإِقَامَة. قَالُوا: لِأَن الْإِطْلَاق هَكَذَا سَبَب لتقليل الْجَمَاعَة معنى، لِأَن الْجَمَاعَة إِذا كَانَت لَا تفوتهم لَا يَجْتَمعُونَ، وَلِأَن الْمَسْجِد إِذا كَانَ لَهُ إِمَام (ثَابت) ، فَفِي صَلَاة غَيره بِالْجَمَاعَة إِسْقَاط الخصيصة.
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه إِنَّمَا يكره إِذا كَانَ على سَبِيل الِاجْتِمَاع والتداعي، وَقَامَ مقَام (الإِمَام) الأول، أما إِذا أَقَامَ الصَّلَاة بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ فِي نَاحيَة الْمَسْجِد
стр. 177
لَا يكره، وَرُبمَا اسْتدلَّ لَهُ بِمَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي سعيد ﵁، قَالَ: " جَاءَ رجل وَقد صلى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ: أَيّكُم يتجر على هَذَا، فَقَامَ رجل فصلى مَعَه ".
وروى أَبُو دَاوُد: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أبْصر رجلا يُصَلِّي وَحده، فَقَالَ: أَلا رجل يتَصَدَّق على هَذَا فَيصَلي مَعَه ".
لَكِن الْجَواب عَن هَذَا أننا نَحن راعينا حق إِمَام الْمَسْجِد، وَالْحق كَانَ للنَّبِي [ ﷺ ] فأسقطه.
فَإِن نَظرنَا إِلَى أَن الْمَعْنى إِسْقَاط الخصيصة، فللإمام الْمُخْتَص بِالْمَسْجِدِ (أَن) يَأْذَن لغيره بِالصَّلَاةِ.
وَإِن نَظرنَا إِلَى أَن الْمَعْنى فِيهِ تقليل الْجَمَاعَة، فَيجوز أَن (يَأْذَن) للْوَاحِد والاثنين وَلَا يَأْذَن للْجَمَاعَة الْكَثِيرَة، وَيحْتَمل أَنه لَو صلى فِيهِ جمَاعَة بِغَيْر أَذَان أَنه لَا يكره لِأَنَّهُ قَالَ: كره لغَيرهم أَن يُعِيدُوا الْأَذَان وَالْإِقَامَة.
(بَاب الْفَخْذ عَورَة)
أَبُو دَاوُد: عَن عَليّ ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تبرز فخذك
стр. 178
وَلَا تنظرن إِلَى فَخذ حَيّ / وَلَا ميت ".
فَإِن قيل: حَدِيث أنس ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] يَوْم خَيْبَر حسر الْإِزَار عَن فَخذه حَتَّى أَنِّي أنظر إِلَى بَيَاض فَخذ النَّبِي [ ﷺ ] ".
قيل لَهُ: فقد روى أَحْمد بن حَنْبَل عَن جرهد: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] رَآهُ قد كشف عَن فَخذه، فَقَالَ: غط فخذك، فَإِن الْفَخْذ من الْعَوْرَة ".
فَإِن قيل: قَالَ البُخَارِيّ: " إِن حَدِيث أنس أسْند من حَدِيث جرهد ".
قيل لَهُ: وَقد قَالَ: وَحَدِيث جرهد أحوط حَتَّى يخرج من اخْتلَافهمْ ".
(ذكر غَرِيبَة:)
جرهد: بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْهَاء ودال مُهْملَة، ذكره فِي الِاسْتِيعَاب وَقَالَ: " قيل إِنَّه ابْن خويلد، وَقيل ابْن رزام ابْن عدي الْأَسْلَمِيّ، وَهُوَ من أسلم، وكنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن، يعد من أهل الصّفة، ثمَّ ذكر أَنه روى هَذَا الحَدِيث ثمَّ قَالَ: " وَلَا يكَاد يثبت لَهُ صُحْبَة ".
стр. 179
(بَاب الرّكْبَة من الْعَوْرَة)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عقبَة بن عَلْقَمَة قَالَ: سَمِعت عليا ﵁ يَقُول: " الرّكْبَة من الْعَوْرَة ".
وَقَالَ البُخَارِيّ: " وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غطى النَّبِي [ ﷺ ] رُكْبَتَيْهِ حِين دخل عُثْمَان ﵁ ". .
(بَاب قدم الْمَرْأَة عَورَة فِي رِوَايَة)
أَبُو دَاوُد: عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي
стр. 180
الْمَرْأَة فِي درع وخمار لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَار، قَالَ: نعم إِذا كَانَ سابغا يُغطي ظُهُور قدميها ".
فَإِن قيل: روى مَوْقُوفا على أم سَلمَة.
قيل لَهُ: الرَّاوِي قد يسند الحَدِيث وَقد يُفْتِي بِهِ.
(بَاب إِذا اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة فاجتهد فصلى ثمَّ علم أَنه أَخطَأ، فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ)
التِّرْمِذِيّ: عَن عَامر بن ربيعَة ﵁ قَالَ: " كُنَّا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] (فِي سفر) فِي لَيْلَة مظْلمَة فَلم ندر أَيْن الْقبْلَة فصلى كل (رجل) منا على حياله فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذكرنَا (ذَلِك) للنَّبِي [ ﷺ ] فَنزلت: ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ . قَالَ
следующие страницы →