← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(بَاب إِذا فرغ من التَّشَهُّد الأول لَا يَأْتِي بِشَيْء من الذّكر بعده) أَبُو دَاوُد: عَن أبي عُبَيْدَة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " أَنه كَانَ (يقْعد) فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين كَأَنَّهُ على الرضف. قَالَ: قُلْنَا حَتَّى يقوم؟ قَالَ: حَتَّى يقوم ". الرضف: الْحِجَارَة المحماة. (بَاب تسْتَحب الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَلَا تجب) قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يرَوْنَ التَّشَهُّد كَافِيا من الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] ، وَلَو كَانَت وَاجِبَة لعلمها للأعرابي حِين علمه الصَّلَاة، ولعلمهما لِابْنِ مَسْعُود حِين علمه التَّشَهُّد. فَإِن قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ أَمر

стр. 212

(بهَا) ، وَالْأَمر ظَاهر فِي الْوُجُوب، فَلَا بُد من حمله على وَجه تكون الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاجِبَة، وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا فِي الصَّلَاة وَإِلَّا فَفِي غَيرهَا يكون ندبا. قيل لَهُ: هَذَا أَمر وَالْأَمر لَا يَقْتَضِي التّكْرَار، وَقد ذهب بعض أَصْحَابنَا (إِلَى) أَن الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] تجب خَارج الصَّلَاة فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة، (وَالْمُخْتَار) أَنَّهَا تجب كلما ذكر [ ﷺ ] . كَذَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ. (بَاب (إِذا فرغ) من التَّشَهُّد (الآخر) سلم عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله) التِّرْمِذِيّ: عَن أبي الْأَحْوَص، عَن عبد الله ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " (أَنه كَانَ يسلم) عَن يَمِينه وَعَن (يسَاره) ، السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله ". هَذَا حَدِيث (حسن) صَحِيح.

стр. 213

(بَاب لَا تجب الْقِرَاءَة على الْمَأْمُوم لَا فِي صَلَاة سر وَلَا جهر) مُسلم: / عَن عَطاء بن يسَار أَنه أخبرهُ أَنه سَأَلَ زيد بن ثَابت عَن الْقِرَاءَة مَعَ الإِمَام فَقَالَ: " لَا قِرَاءَة مَعَ الإِمَام فِي شَيْء ". وَكفى بزيد بن ثَابت قدوة. وروى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي نعيم وهب بن كيسَان أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: " من صلى رَكْعَة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن فَلم يصل إِلَّا أَن يكون وَرَاء الإِمَام " قَالَ ابْن عبد الْبر: رَوَاهُ يحيى بن سَلام صَاحب التَّفْسِير عَن مَالك، عَن أبي نعيم وهب بن كيسَان، عَن جَابر ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] . وَحكى الْخطابِيّ: " أَن عبد الله بن شَدَّاد روى مُرْسلا عَن النَّبِي [ ﷺ ] : من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة ". والمرسل عندنَا حجَّة. فَإِن قيل: روى فِي حَدِيث سَمُرَة: " كَانَ لرَسُول الله [ ﷺ ] سكتتان، سكتة بعد الدُّخُول فِي الصَّلَاة، وسكتة بعد الْقِرَاءَة ". وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك إِلَّا ليقْرَأ الْمُؤْتَم.

стр. 214

قيل لَهُ: يجوز أَن يكون سكت لِئَلَّا تتصل الْقِرَاءَة بِالتَّكْبِيرِ، فيختلط الْقُرْآن بِغَيْرِهِ. وروى الطَّحَاوِيّ، عَن يُونُس، عَن ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ، عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ إِذا سُئِلَ هَل يقْرَأ (أحد) خلف الإِمَام فَيَقُول: " إِذا صلى أحدكُم خلف الإِمَام فحسبه قِرَاءَة الإِمَام ". (وَفِي مُسلم قَالَ: " وَفِي حَدِيث) جرير، عَن سُلَيْمَان بن (الْمثنى) التَّيْمِيّ، عَن قَتَادَة، من الزِّيَادَة: وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا. قَالَ أَبُو بكر ابْن أُخْت أبي النَّضر فِي هَذَا الحَدِيث - أَي (طعن) - فَقَالَ مُسلم: (تُرِيدُ) أحفظ من سُلَيْمَان؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: فَحَدِيث أبي هُرَيْرَة؟ (فَقَالَ: هُوَ صَحِيح) يَعْنِي: - وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا -. تَمام الحَدِيث الَّذِي فِيهِ: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ. فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيح. فَقَالَ: لم لم تضعه هَهُنَا. فَقَالَ: لَيْسَ كل شَيْء عِنْدِي صَحِيح وَضعته هَهُنَا، وَإِنَّمَا وضعت هَهُنَا مَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ ".

стр. 215

(بَاب يكره إِمَامَة الْأَعْمَى) (لِأَنَّهُ لَا يَتَّقِي النَّجَاسَة) ، (قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ . فَمن سوى بَينهمَا فقد خَالف نَص الْكتاب، وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ ، وأجمعنا أَنه إِذا اجْتمع الْعَالم وَالْجَاهِل قدم الْعَالم، فَكَذَا إِذا اجْتمع / الْأَعْمَى والبصير قدم الْبَصِير. فَإِن قَالَ الْقَائِل: أَنا أَقُول بِأَن الْأَعْمَى أولى، لِأَنَّهُ لَا يرى مَا يلهيه، وَلست بمخالف للْكتاب لِأَنِّي لم أسو بَينهمَا. قيل لَهُ: إِن كنت لم تخَالفه لفظا فقد خالفته معنى، فَإِن الْآيَة مَا سيقت إِلَّا لبَيَان أَن الْأَعْمَى أحط رُتْبَة من الْبَصِير، وَأَنت قد رفعت رتبته على الْبَصِير فقد خَالَفت الْكتاب، ثمَّ أَقُول بِأَن الْبَصِير أولى لِأَنَّهُ يتَجَنَّب النَّجَاسَة الَّتِي تفْسد الصَّلَاة، وَالْأَعْمَى يتْرك النّظر إِلَى مَا يلهيه وَذَلِكَ لَا يفْسد الصَّلَاة، وَهَذَا اخْتِيَار الشَّيْخ أبي إِسْحَاق صَاحب الْمُهَذّب من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵀، و (هَذَا الْكَلَام) ألحقته بِهَذَا الْكتاب (بعد أَن سمعته مرّة وَاحِدَة) . فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم يؤم النَّاس وَهُوَ أعمى. وَلَيْسَ من الْجَائِز أَن يُقَال: إِنَّمَا فعل النَّبِي [ ﷺ ]

стр. 216

ذَلِك بَيَانا للْجُوَاز، فَإِن الْجَوَاز كَانَ يُسْتَفَاد من الصَّلَاة خَلفه مرّة وَاحِدَة أَو مرَّتَيْنِ. وَقد حكى النمري أَنه ﵇ اسْتَخْلَفَهُ على الْمَدِينَة ثَلَاث عشرَة مرّة، واستخلفه عمر بن الْخطاب أَيْضا فِي حجَّة الْوَدَاع، فَلَو كَانَت الصَّلَاة خَلفه مَكْرُوهَة لما فعله النَّبِي [ ﷺ ] . قيل لَهُ: من (الْمُحْتَمل) أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَ لَهُ من يُرَاعِي حَاله ويحرسه من أَن تصيبه النَّجَاسَة. (بَاب صَلَاة الْجَمَاعَة سنة مُؤَكدَة) أما أَنَّهَا سنة: فَلَمَّا روى البُخَارِيّ وَمُسلم، عَن عبد الله بن عمر ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة ". وَأما أَنَّهَا مُؤَكدَة: فَلَمَّا روينَا (عَنْهُمَا) ، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد هَمَمْت أَن آمُر بحطب فيحتطب، ثمَّ آمُر بِالصَّلَاةِ فَيُؤذن (لَهَا) ، ثمَّ آمُر رجَالًا يؤم النَّاس، ثمَّ أُخَالِف إِلَى رجال لَا يشْهدُونَ

стр. 217

الْجَمَاعَة فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو يعلم أحدهم أَنه يجد عظما سمينا أَو مرماتين حسنتين لشهد الْعشَاء " /. وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين: أَنه أثبت (لصَلَاة الْوَاحِد) فضلا، وهم بالتحريق وَلم يحرق، وَإِنَّمَا أخرجه مخرج الْوَعيد لِلْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يتخلفون عَن الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة. (ذكر مَا فِي الْحَدِيثين من الْغَرِيب:) الْفَذ: الْفَرد. قَالَه الْجَوْهَرِي. مرماتين: بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَرَاء سَاكِنة وَمِيم ثَانِيَة وَألف وتاء مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق مَفْتُوحَة وياء مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من تَحت سَاكِنة وَنون. " والمرماة مَا بَين ظلفي الشَّاة، وَقيل: المرماتان هَهُنَا سَهْمَان يَرْمِي بهما الرجل (فيحوز) سبقه، يَقُول: يسابق أحدهم إِلَى سبق الدُّنْيَا ويدع سبق الْآخِرَة ". (بَاب يكره للنِّسَاء أَن يصلين وحدهن جمَاعَة) أَبُو دَاوُد: عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ:

стр. 218

" صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيتهَا أفضل من صلَاتهَا فِي حُجْرَتهَا، وصلاتها فِي مخدعها أفضل من صلَاتهَا فِي بَيتهَا ". فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن أم (ورقة) بنت نَوْفَل ﵂: " أَنَّهَا اسْتَأْذَنت النَّبِي [ ﷺ ] أَن تتَّخذ فِي دارها مُؤذنًا فَأذن لَهَا، وَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يزورها (فِي بَيتهَا) ، وَجعل لَهَا مُؤذنًا يُؤذن لَهَا، وأمرها أَن تؤم أهل دارها ". قيل لَهُ: فِي إِسْنَاده عبد الله بن جَمِيع الزُّهْرِيّ، وَإِن كَانَ مُسلم قد أخرج عَنهُ فَفِيهِ مقَال، فَإِن (صَحَّ) حمل على ابْتِدَاء الْإِسْلَام، حِين كَانَ للنِّسَاء أَن يخْرجن إِلَى الْمَسَاجِد ويصلين مَعَ الرِّجَال فِي جَمِيع الصَّلَوَات. (فَتبين) بِهَذَا أَن صلَاتهَا فِي بَيتهَا أستر أحوالها، وَفِي حُضُورهَا الْجَمَاعَة اشتهارها، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ . (وَفِي) خُرُوجهَا إِلَى الْجَمَاعَة ترك الْقَرار.

стр. 219

(بَاب يكره للشواب من النِّسَاء حُضُور الْجَمَاعَة لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا) أَبُو دَاوُد: عَن عَائِشَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] قَالَت: " لَو أدْرك رَسُول الله [ ﷺ ] مَا أحدث النِّسَاء لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا (مَنعه) نسَاء بني إِسْرَائِيل ". قَالَ يحيى بن سعيد: فَقلت لعمرة (أمْنَعهُ) نسَاء بني إِسْرَائِيل؟ قَالَت: نعم. (بَاب إِذا أم بِاثْنَيْنِ تقدم عَلَيْهِمَا) مُسلم: عَن أنس بن مَالك ﵁: " أَن جدته مليكَة دعت رَسُول الله [ ﷺ ] لطعام صَنعته / فَأكل مِنْهُ ثمَّ قَالَ: قومُوا (فلأصلي) لكم، قَالَ أنس: فَقُمْت إِلَى حَصِير لنا قد اسود من طول مَا لبس، فنضحته بِمَاء، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] وصففت أَنا واليتيم وَرَاءه والعجوز من وَرَائِنَا، فصلى لنا رَسُول الله [ ﷺ ] رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف ".

стр. 220

فَإِن قيل: " رُوِيَ أَن ابْن مَسْعُود ﵁ صلى بعلقمة وَالْأسود فَوقف بَينهمَا ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] فعل ". قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي سَنَده هَارُون بن عنترة، وَقد تكلم فِيهِ بَعضهم، وَقَالَ أَبُو عمر النمري: الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف على ابْن مَسْعُود ﵁. وَقَالَ بَعضهم: مَنْسُوخ، لِأَن هَذِه الصَّلَاة (تعلمهَا) بِمَكَّة وفيهَا التطبيق وَهُوَ مَنْسُوخ وَالله أعلم. (بَاب إِذا قَامَت الْمَرْأَة إِلَى جَانب رجل وهما مشتركان فِي صَلَاة وَاحِدَة أفسدت صلَاته) مُسلم وَأَبُو دَاوُد: وَاللَّفْظ لَهُ: عَن مُوسَى بن أنس (عَن أنس) ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أمه وَامْرَأَة مِنْهُم، فَجعله عَن يَمِينه وَالْمَرْأَة خلف ذَلِك ". فقد صلى النَّبِي [ ﷺ ] بِوَاحِد وأقامها خَلفه، وبأنس واليتيم وأقامها خلفهمَا، وَلم يرد عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِيمَا علمنَا أَنه أَقَامَهَا محاذية للرجل أبدا، فَثَبت أَن مقَامهَا دون مقَامه، وَالنَّبِيّ [ ﷺ ] إِذا فعل فعلا ودام عَلَيْهِ، وَلم يقم دَلِيل على عدم وُجُوبه علينا من قَول أَو فعل، وَاسْتقر الْأَمر عَلَيْهِ فِي زَمَانه (وزمن) من بعده، فَهُوَ وَاجِب، سِيمَا فِي

стр. 221

الصَّلَاة وَمَا يتَعَلَّق بهَا، وَقد قَالَ [ ﷺ ] : " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَإِذا ثَبت وُجُوبه بِفِعْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة خطابه " افعلوا كَذَا " فَلَمَّا أَقَامَ الرجل عَن يَمِينه وَالْمَرْأَة خَلفه وَأقَام أنسا واليتيم وَرَاءه والعجوز وراءهما، صَار كَأَنَّهُ قَالَ للرجل تقدم على الْمَرْأَة وأخرها عَنْك، ثمَّ رَأينَا الرجل إِذا صلى مَعَ (إِنْسَان) قَامَ عَن يَمِينه، وَإِذا صلى مَعَه آخر قاما متحاذيين (خَلفه) ، / ورأينا الصَّبِي إِذا صلى مَعَ إِنْسَان قَامَ أَيْضا محاذيا للرجل، وَإِذا صلى مَعَ صبي غَيره فِي جمَاعَة صلى خَلفهم، ورأينا الْمَرْأَة لَيست كَذَلِك. وأجمعنا أَن الرجل لَو اقْتدى بهَا فَسدتْ صلَاته دون صلَاتهَا، لِأَنَّهُ مَأْمُور بالتقدم عَلَيْهَا، فَإِذا حاذته وَجب أَن تفْسد صلَاته دون صلَاتهَا، وَكَذَا الْمَأْمُوم إِذا تقدم على إِمَامه فَسدتْ صلَاته دون صَلَاة الإِمَام لتَركه فرض الْمقَام كَذَا هَذَا. (بَاب يُصَلِّي الْقَائِم خلف الْقَاعِد) مُسلم: عَن الْأسود، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " لما ثقل رَسُول الله [ ﷺ ] جَاءَ بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ، فَقلت لحفصة: قولي لَهُ إِن أَبَا بكر رجل أسيف، وَأَنه مَتى يقم مقامك لَا يسمع النَّاس، فَلَو أمرت عمر، فَقَالَ: مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ، فَقلت لحفصة: قولي لَهُ أَن أَبَا بكر رجل أسيف وَأَنه مَتى يقم مقامك لَا يسمع النَّاس، فَلَو أمرت (عمر) ، فَقَالَت لَهُ: فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : إنكن لأنتن صَوَاحِب يُوسُف، مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ، فَأمروا أَبَا بكر فصلى، قَالَت: فَلَمَّا دخل فِي الصَّلَاة وجد رَسُول الله [ ﷺ ] فِي

стр. 222

نَفسه خفَّة، فَقَامَ يهادي بَين رجلَيْنِ وَرجلَاهُ تخطان فِي الأَرْض، قَالَت: فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد سمع أَبُو بكر حسه، ذهب يتَأَخَّر فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] (أَن قُم) مَكَانك، فجَاء رَسُول الله [ ﷺ ] حَتَّى جلس عَن يسَار أبي بكر، فَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسا وَأَبُو بكر قَائِما، يَقْتَدِي (أَبُو بكر) بِصَلَاة النَّبِي [ ﷺ ] ويقتدي النَّاس بِصَلَاة أبي بكر ". وَفِي لفظ لأبي دَاوُد: " فَقعدَ رَسُول الله [ ﷺ ] فَكبر بِالنَّاسِ وَجعل أَبُو بكر يكبر بتكبيره وَجعل النَّاس يكبرُونَ بتكبير أبي بكر ". فَفِي إِقَامَة رَسُول الله [ ﷺ ] (أَبَا بكر) عَن يَمِينه، وَهُوَ مقَام الْمَأْمُوم، وَفِي تكبيره بِالنَّاسِ وتكبير أبي بكر بتكبيره (بَيَان) وَاضح أَن الإِمَام فِي هَذِه الصَّلَاة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَقد صلى بِالنَّاسِ قَاعِدا وَالنَّاس خَلفه قيام، وَهِي آخر صَلَاة صلاهَا بِالنَّاسِ. / فَدلَّ على أَن مَا رُوِيَ خلاف هَذَا مَنْسُوخ. فَإِن قيل: قَالَ الْخطابِيّ: " فِي هَذَا الحَدِيث فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهمَا: (أَنه يدل على أَنه) تجوز الصَّلَاة بإمامين أَحدهمَا بعد الآخر من غير حدث يحدث بِالْإِمَامِ الأول. وَالثَّانيَِة: أَنه (يدل) على (جَوَاز) تَقْدِيم بعض صَلَاة الْمَأْمُوم على صَلَاة الإِمَام ". قيل لَهُ: لَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّه يدل على جَوَاز اسْتِخْلَاف من عجز عَن الْمُضِيّ فِي صلَاته وَأَن من اسْتخْلف يعود مَأْمُوما بعد أَن كَانَ إِمَامًا، لِأَنَّهُ رُوِيَ من طَرِيق أبي دَاوُد وَغَيره أَن رَسُول الله [ ﷺ ] ذهب إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف ليصلح بَينهم،

стр. 223

وحانت الصَّلَاة، فجَاء الْمُؤَذّن إِلَى أبي بكر فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فأقيم؟ قَالَ: نعم، فصلى أَبُو بكر، فجَاء رَسُول الله [ ﷺ ] وَالنَّاس فِي الصَّلَاة، فتخلص حَتَّى وقف فِي الصَّفّ، فَصَفَّقَ النَّاس، وَكَانَ أَبُو بكر لَا يلْتَفت فِي الصَّلَاة، فَلَمَّا أَكثر النَّاس التصفيق الْتفت فَرَأى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] أَن امْكُث مَكَانك، فَرفع أَبُو بكر يَدَيْهِ فَحَمدَ الله على مَا أمره بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] من ذَلِك، ثمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بكر حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفّ وَتقدم رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: يَا أَبَا بكر مَا مَنعك أَن تثبت إِذْ أَمرتك؟ فَقَالَ أَبُو بكر: مَا كَانَ لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يُصَلِّي بَين يَدي رَسُول الله [ ﷺ ] . فقد اعْتقد أَبُو بكر ﵁ أَنه لَا يسوغ لَهُ الصَّلَاة بَين يَدي رَسُول الله [ ﷺ ] ، فاستخلف النَّبِي [ ﷺ ] وَأقرهُ النَّبِي [ ﷺ ] على ذَلِك، (فَصَارَ) هَذَانِ الحديثان أصلا فِيمَا ذَكرْنَاهُ. (ذكر مَا فِيهِ من الْغَرِيب) : أسيف: بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة وياء وَفَاء، هُوَ المحزون، وَيُقَال: هُوَ السَّرِيع الْبكاء، وَقَوْلها: يهادي، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: معنى ذَلِك أَنه كَانَ يعْتَمد عَلَيْهِمَا من ضعفه وتمايله، يُقَال مِنْهُ تهادت الْمَرْأَة فِي مشيتهَا إِذا تمايلت.

стр. 224

(بَاب لَا يُصَلِّي المفترض خلف المتنفل) / لقَوْله [ ﷺ ] : " إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ ". فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن جَابر بن عبد الله: " أَن معَاذ بن جبل ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] الْعشَاء ثمَّ يَأْتِي قومه فَيصَلي بهم تِلْكَ الصَّلَاة ". قيل لَهُ: أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد: وَاللَّفْظ لَهُ، عَن عَمْرو بن دِينَار سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: " إِن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] ثمَّ يرجع فيؤم قومه ". وَلَيْسَ فِي قَوْله: " فَيصَلي بهم تِلْكَ الصَّلَاة "، دَلِيل على أَنه كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] الْفَرْض وَيُصلي بقَوْمه النَّفْل وَلَا فِي هَذَا الحَدِيث كَيْفيَّة نِيَّة معَاذ. فَإِن قيل: فقد روى الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث وَزَاد فِيهِ: " هِيَ لَهُ تطوع وَلَهُم فَرِيضَة ".

стр. 225

قيل لَهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: يجوز أَن يكون هَذَا من قَول ابْن جريج، وَيجوز أَن يكون من قَول عَمْرو بن دِينَار، وَيجوز أَن يكون من قَول جَابر، فَمن أَي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانَ هَذَا القَوْل، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على حَقِيقَة مَا كَانَ يفعل معَاذ، وَلَو ثَبت أَنه عَن معَاذ لم يكن فِيهِ دَلِيل أَنه كَانَ بِأَمْر رَسُول الله [ ﷺ ] ". وروى الطَّحَاوِيّ عَن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن، عَن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني، عَن معَاذ بن رِفَاعَة الزرقي: " أَن رجلا من بني سَلمَة يُقَال لَهُ سليم أَتَى رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: إِنَّا (نظل) فِي أَعمالنَا فنأتي حِين نمسي فنصلي، فَيَأْتِي معَاذ فينادي بِالصَّلَاةِ، فنأتيه فَيطول علينا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : يَا معَاذ لَا تكن فتانا، إِمَّا أَن تصلي معي وَإِمَّا أَن تخفف عَن قَوْمك ". " فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ عِنْد رَسُول الله [ ﷺ ] يفعل أحد الْأَمريْنِ إِمَّا الصَّلَاة مَعَه أَو بقَوْمه، وَلم يكن يجمعهما، لِأَنَّهُ قَالَ إِمَّا أَن تصلي معي، أَي وَلَا تصلي بقومك، وَإِمَّا أَن تخفف بقومك وَلَا تصلي معي ". فَإِن قيل: إِن معَاذًا كَانَ أعلم من أَن يفوت (فَرْضه) مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] لأجل إِمَامَة غَيره. قيل لَهُ: وَسَائِر أَئِمَّة مَسَاجِد الْمَدِينَة أَلَيْسَ كَانَ يفوتهُمْ الْفَرْض مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] وَالنَّفْل، فَكَانَ حَظّ معَاذ أكبر، ولمعاذ فِي الصَّلَاة بالقوم والتنفل مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] / فضل على غَيره، ثمَّ نقُول هَذَا الحَدِيث حِكَايَة حَال وَلم تعلم كيفيتها فَلَا عمل عَلَيْهَا، ثمَّ إِنَّه معَارض بِمَا روينَاهُ فِي أول الْبَاب من قَوْله ﵇: " إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ ". أَي ليقتدى بِهِ، فَإِذا صلى هَذَا الظّهْر وَهِي فرض وَالْإِمَام يُصليهَا نفلا فاي اقْتِدَاء

стр. 226

هُنَا، وَالنِّيَّة ركن وَهِي الأَصْل، أَلا ترى أَنه لَا تحل مُخَالفَته فَلَا يرْكَع قبله وَلَا يسْجد قبله، وَلَيْسَ الزَّمَان من أَوْصَاف الصَّلَاة وَلَا (هُوَ) من مقتضياتها؟ فالنية الَّتِي هِيَ ركن الْعِبَادَة أولى، فَتَصِير مُخَالفَته فِي النِّيَّة نَظِير مُخَالفَته فِي الْفِعْل الَّذِي هُوَ ركن فَيقوم مَعَ الْقَاعِد وَيسْجد مَعَ الرَّاكِع وَهَذَا لَا يجوز. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: - أَظن -: وَهَذَا نَفِيس جدا ". وروى الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن مَرْزُوق، عَن سعيد بن عَامر، قَالَ: " سَمِعت يونسا (يَقُول) : جَاءَ عباد إِلَى الْمَسْجِد فِي يَوْم مطير، فَوَجَدَهُمْ يصلونَ الْعَصْر، فصلى (مَعَهم) وَهُوَ يظنّ أَنَّهَا الظّهْر، (وَلم يكن صلى الظّهْر) ، فَلَمَّا صلوا فَإِذا هِيَ الْعَصْر، فَأتى الْحسن فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَأمره أَن يُصَلِّيهمَا جَمِيعًا ". وَهَكَذَا عَن ابْن عمر، وَابْن سِيرِين. وَإِلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ ذهب الزُّهْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَمَالك ﵏. (بَاب من اقْتدى بِإِمَام ثمَّ علم أَنه مُحدث أعَاد الصَّلَاة) التِّرْمِذِيّ: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين ". روى هَذَا الحَدِيث نَافِع بن سُلَيْمَان، عَن مُحَمَّد بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂، عَن النَّبِي [ ﷺ ] .

стр. 227

قَالَ أَبُو عِيسَى: " سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول: حَدِيث أبي صَالح (عَن أبي هُرَيْرَة أصح من حَدِيث أبي صَالح عَن عَائِشَة. قَالَ وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول: حَدِيث أبي صَالح، عَن عَائِشَة أصح (من حَدِيث أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة) . فَإِن قيل: قَالَ التِّرْمِذِيّ: " وَذكر عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَنه لم يثبت حَدِيث أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة وَلَا حَدِيث أبي صَالح، عَن عَائِشَة ". قيل لَهُ " إِن صَحَّ هَذَا القَوْل عَن ابْن الْمَدِينِيّ: فَأَبُو زرْعَة وَالْبُخَارِيّ قد اتفقَا على صِحَة كل (وَاحِد) مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا اخْتلفَا فِي أَيهمَا / أصح مَعَ أَن هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَال فَإِنَّهُ (قَالَ) : لم يُثبتهُ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ لم يَكْتُبهُ، وَلَا يلْزم من عدم كِتَابَته لَهُ أَنه لم يَصح عِنْده، وَلَا يلْزم أَيْضا (أَنه) إِذا لم يثبت الحَدِيث عِنْده أَن لَا يثبت عِنْد غَيره (وَمعنى الضَّمَان هَهُنَا أَن تقدر صَلَاة الْمَأْمُوم فِي ضمن صَلَاة الإِمَام، فَيكون مُلْتَزما للمحافظة على صِحَة صَلَاة نَفسه وَصَلَاة الْقَوْم، حَتَّى لَو فَسدتْ بعمده كَانَ معاقبا بهما جَمِيعًا، وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِير لم يتَّجه للضَّمَان معنى، وَيدل عَلَيْهِ أَنه إِذا أدْرك الإِمَام بعد الإعتدال وَدخل مَعَه تَابعه فِي الْأَفْعَال الْبَاقِيَة من الرَّكْعَة، وَإِن كَانَت لَا تحسب لَهُ، وَكَذَلِكَ لَو سَهَا الإِمَام يلْزمه السُّجُود مَعَ الإِمَام مَعَ أَنه لم يخل بِصَلَاتِهِ، غير أَن الْخلَل الْوَاقِع فِي صَلَاة الإِمَام تعدى إِلَى صَلَاة الْمَأْمُوم، فَلِأَن يتَعَدَّى (إِلَيْهِمَا) فَسَادهَا كَانَ أولى.

стр. 228

فَإِن قيل: معنى الحَدِيث أَن الإِمَام ضَامِن كَمَال صَلَاة (الْمَأْمُوم) بفضيلة الْجَمَاعَة، بِدَلِيل أَن الْمُقْتَدِي لَو سَهَا لم يلْزمه سُجُود السَّهْو، لِأَن الإِمَام ضَامِن لكَمَال صلَاته، فَلم يعْتَبر مِنْهُ سَبَب الْخلَل، فَكَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَلَو كَانَ ضَامِنا صِحَة صلَاته لَكَانَ ارتكابه الْمُفْسد عديم الْأَثر. قيل لَهُ: لَو كَانَ معنى الحَدِيث كَمَا ذكرت لم يكن لتخصيص الإِمَام بِكَوْنِهِ ضَامِنا معنى، فَإِن الْمَأْمُوم لَا تحصل فَضِيلَة الْجَمَاعَة لَهُ إِلَّا بِوُجُود الإِمَام، وَلَا للْإِمَام إِلَّا بِوُجُود الْمَأْمُوم، فهما مشتركان فِي هَذَا الْمَعْنى، وَإِنَّمَا لم يجب على الْمَأْمُوم بسهوه سُجُود لِأَنَّهُ إِن سجد وَحده خَالف إِمَامه، وَإِن سجد الإِمَام مَعَه صَار الأَصْل تبعا والتبع أصلا، وَهَذَا لَا يجوز، وَإِنَّمَا لم يكن ارتكابه الْمُفْسد عديم الْأَثر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُخَاطب بصيانة صلَاته عَن الْمُفْسد، فَإِذا بَاشرهُ فَسدتْ صلَاته، غير أَن صَلَاة الْمَأْمُوم لَهَا تعلق بِصَلَاة الإِمَام، وَلِهَذَا إِذا أَرَادَ الِاقْتِدَاء لزمَه نِيَّة الائتمام، فَإِذا بطلت صَلَاة الإِمَام بَطل مَا تعلق بهَا، وَصَلَاة الإِمَام لَيست بمتعلقة بِصَلَاة الْمَأْمُوم، وَلِهَذَا لَا يلْزمه نِيَّة الْإِمَامَة، فَإِذا بطلت صَلَاة الْمَأْمُوم لم تبطل صَلَاة الإِمَام، لعدم تعلقهَا بهَا. فَإِن قيل: فقد روى أنس ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَامَ وَكبر فكبرنا فَانْصَرف فَقَالَ كَمَا أَنْتُم، وَدخل الْحُجْرَة، وَلم نزل قيَاما كَذَلِك حَتَّى خرج وَرَأسه يقطر مَاء ". وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: " وَصلى بهم ثمَّ انْصَرف وَقَالَ: كنت جنبا ونسيت أَن أَغْتَسِل ". قيل لَهُ هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك بن أنس فِي موطئِهِ مُنْقَطِعًا، فَإِن صَحَّ إِسْنَاده، فَمن الْجَائِز أَنهم استأنفوا التَّحْرِيمَة بعد أَن استأنفها النَّبِي [ ﷺ ] ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَنْفِي ذَلِك. فَمَا لم يثبت أَنهم بقوا على التَّحْرِيمَة الأولى لم يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَلَيْسَ فِي قَوْله: " كَمَا أَنْتُم "، وَلَا فِي قَوْله: " امكثوا " دَلِيل على ذَلِك، لاحْتِمَال أَنه أَرَادَ: لَا تتفرقوا) .

стр. 229

فَإِن قيل: " إِن عمر ﵁ صلى بِالنَّاسِ جنبا وَأعَاد وَلم يَأْمر الْقَوْم بِالْإِعَادَةِ ". قيل لَهُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يستيقن أَن الْجَنَابَة مِنْهُ كَانَت قبل الدُّخُول فِي الصَّلَاة، فَأخذ لنَفسِهِ بِالِاحْتِيَاطِ. وَيدل على هَذَا مَا روى مَالك فِي موطئِهِ: عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن زبيد بن الصَّلْت أَنه قَالَ: " خرجت مَعَ عمر بن الْخطاب إِلَى الجرف، فَنظر فَإِذا هُوَ قد احْتَلَمَ وَصلى وَلم يغْتَسل، فَقَالَ وَالله مَا أَرَانِي إِلَّا قد احْتَلَمت وَمَا شَعرت، وَصليت وَمَا اغْتَسَلت، قَالَ: فاغتسل وَغسل مَا رأى فِي ثَوْبه ونضح مَا لم يره، وَأذن وَأقَام، ثمَّ صلى بعد ارْتِفَاع الضُّحَى مُتَمَكنًا ". وروى الطَّحَاوِيّ: عَن إِبْرَاهِيم، عَن همام بن الْحَارِث: " أَن عمر نسي الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْمغرب، فَأَعَادَ بهم الصَّلَاة لترك الْقِرَاءَة ". وَفِي فَسَاد الصَّلَاة بترك الْقِرَاءَة اخْتِلَاف، فَإِذا صلى جنبا أَحْرَى أَن يُعِيد. وَعنهُ: عَن هشيم، عَن جَابر الْجعْفِيّ، عَن طَاوس وَمُجاهد فِي إِمَام صلى بِقوم وَهُوَ على غير وضوء، قَالَا: " يعيدون جَمِيعًا ". وَالصَّحِيح فِي الْأَثر وَالنَّظَر ارتباط صَلَاة الْمَأْمُوم بِصَلَاة الإِمَام، فَإِن الإِمَام إِنَّمَا جعل ليؤتم بِهِ ويقتدى بأفعاله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾ ، أَي يأتمون بك، هَذَا حَقِيقَة الإِمَام لُغَة وَشرعا، فَمن خَالف إِمَامه لم يكن مُتبعا لَهُ، ثمَّ إِن النَّبِي [ ﷺ ] بَين ذَلِك فَقَالَ: " إِذا كبر فكبروا ".

стр. 230

فَأتى بِالْفَاءِ الَّتِي توجب التعقيب، وَهُوَ الْمُبين عَن الله (مُرَاده) ، ثمَّ أوعد من رفع رَأسه أَو ركع قبل الإِمَام وَعدا شَدِيدا فَقَالَ: " أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس (حمَار) أَو صورته صُورَة حمَار ". وروى مُسلم عَن أبي مَسْعُود ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يمسح مناكبنا فِي الصَّلَاة وَيَقُول: اسْتَووا وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ، وليليني مِنْكُم أولُوا الأحلام والنهى، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، (ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، / قَالَ أَبُو مَسْعُود) : فَأنْتم الْيَوْم أَشد اخْتِلَافا. (بَاب إِذا سلم عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة فَلَا يرد بِلِسَانِهِ لِأَنَّهُ كَلَام، وَلَا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ فِي معنى الْكَلَام) فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن جَابر بن عبد الله ﵁، قَالَ: " أَرْسلنِي نَبِي الله [ ﷺ ] إِلَى بني المصطلق (فَأَتَيْته) وَهُوَ يُصَلِّي على بعيره، فكلمته فَقَالَ لي بِيَدِهِ هَكَذَا، ثمَّ كَلمته فَقَالَ لي بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَنا أسمعهُ يقْرَأ ويومئ بِرَأْسِهِ، (قَالَ) : فَلَمَّا فرغ قَالَ: مَا فعلت فِي الَّذِي أرسلتك؟ فَإِنَّهُ لم يَمْنعنِي أَن أُكَلِّمك إِلَّا أَنِّي كنت أُصَلِّي ".

стр. 231

وَعنهُ: عَن عبد الله بن عمر ﵁ قَالَ: " خرج رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى قبَاء يُصَلِّي فِيهِ، قَالَ فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَار فَسَلمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، قَالَ: فَقلت لِبلَال كَيفَ رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يرد عَلَيْهِم حِين كَانُوا يسلمُونَ (عَلَيْهِ) وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُول هَكَذَا (وَبسط كَفه) - وَبسط جَعْفَر بن عون كَفه - وَجعل بَطْنه أَسْفَل و (جعل) ظَهره إِلَى فَوق ". قيل لَهُ: هَذَا معَارض بِمَا روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " كُنَّا نسلم على رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَيرد علينا، فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ سلمنَا عَلَيْهِ فَلم يرد علينا وَقَالَ: إِن فِي الصَّلَاة شغلا ". وَعَن أبي وَائِل (عَنهُ) قَالَ: " كُنَّا نسلم فِي الصَّلَاة ونأمر بحاجتنا، فَقدمت على رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ يُصَلِّي فَسلمت عَلَيْهِ، فَلم يرد عَليّ السَّلَام، فأخذني مَا قدم وَمَا حدث، فَلَمَّا قضى رَسُول الله [ ﷺ ] (الصَّلَاة) ، قَالَ: إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء، وَإِن الله قد أحدث لي أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة، فَرد (عَليّ) السَّلَام ".

стр. 232

وروى أَبُو دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] ، قَالَ: " لَا غرار فِي صَلَاة وَلَا تَسْلِيم ". قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵁: " فِيمَا أرى أَن لَا تسلم وَلَا يسلم عَلَيْك، ويغرر الرجل فِي صلَاته فَيَنْصَرِف وَهُوَ شَاك ". فَلَو كَانَ رد السَّلَام بِالْإِشَارَةِ جَائِزا لرد على ابْن مَسْعُود بِالْإِشَارَةِ، وَمَا حَكَاهُ الرَّاوِي يحْتَمل أَن يكون نهيا لَهُم عَن السَّلَام فَظَنهُ ردا، وَمَا رُوِيَ أَن صهيبا قَالَ: " مَرَرْت على رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ يُصَلِّي فَسلمت / عَلَيْهِ فَرد عَليّ إِشَارَة بِأُصْبُعِهِ ". يحْتَمل أَنه كَانَ فِي حَال التَّشَهُّد وَهُوَ يُشِير بِأُصْبُعِهِ فَظَنهُ ردا. (بَاب إِذا تكلم فِي الصَّلَاة عَامِدًا أَو (سَاهِيا) بطلت صلَاته) أَبُو دَاوُد: عَن (زيد بن أَرقم) ﵁ قَالَ: " كَانَ أَحَدنَا يكلم الرجل إِلَى جنبه فِي الصَّلَاة فَنزلت: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ ، فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا

стр. 233

عَن الْكَلَام ". وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي مَسْأَلَة (رد) السَّلَام. (وروى) مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ عَن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ ﵁ قَالَ: " صليت مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] ، فعطس رجل من الْقَوْم، فَقلت: يَرْحَمك الله، فَرَمَانِي الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ، فَقلت واثكل أُمَّاهُ مَا شَأْنكُمْ تنْظرُون إِلَيّ؟ قَالَ: فَجعلُوا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم على أَفْخَاذهم، (فَعلمت) أَنهم يُصمتُونِي، (قَالَ عُثْمَان) : فَلَمَّا رَأَيْتهمْ يسكتوني لكني سكت (قَالَ) : فَلَمَّا صلى رَسُول الله [ ﷺ ] بِأبي وَأمي مَا ضَرَبَنِي وَلَا كَهَرَنِي وَلَا سبني، ثمَّ قَالَ: إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يحل فِيهَا شَيْء من كَلَام (النَّاس) هَذَا، إِنَّمَا (هُوَ) التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن. أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (وَأثر النسْيَان فِي رفع الْإِثْم) . فَإِن قيل: فَمَا اعتذارك عَن حَدِيث ذِي ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 234

الْيَدَيْنِ. قيل لَهُ: ذَاك حَدِيث مَنْسُوخ. يدل على هَذَا مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن عُثْمَان بن الْأسود قَالَ: سَمِعت عَطاء يَقُول: " صلى عمر بن الْخطاب ﵁ بِأَصْحَابِهِ فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي (جهزت) عيرًا من الْعرَاق بأحمالها وأحقابها حَتَّى (دلجت) الْمَدِينَة، قَالَ فصلى بهم أَربع رَكْعَات ". وَقد كَانَ عمر فعل هَذَا بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] الَّذين (قد) حضر بَعضهم فعل رَسُول الله [ ﷺ ] يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، فَلم ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ، وَالَّذِي يدل على أَنه مَنْسُوخ وَأَن الْعَمَل على خِلَافه، إِجْمَاعهم على أَن رجلا لَو ترك إِمَامه من صلَاته شَيْئا أَنه يسبح (بِهِ) ليعلم إِمَامه مَا قد ترك فَيَأْتِي بِهِ، وَذُو الْيَدَيْنِ فَلم يسبح برَسُول الله [ ﷺ ] (وَلم يُنكر رَسُول الله [ ﷺ ] ) كَلَامه إِيَّاه فَدلَّ أَن مَا علم رَسُول الله [ ﷺ ] النَّاس من التَّسْبِيح فِي الصَّلَاة لنائبة تنوبهم فِي صلَاتهم كَانَ مُتَأَخِّرًا عَن ذَلِك، ثمَّ إِن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: " سلم

стр. 235

رَسُول الله [ ﷺ ] فِي رَكْعَتَيْنِ / ثمَّ انْصَرف إِلَى خَشَبَة فِي الْمَسْجِد "، وَقَالَ عمرَان فِي فِي حَدِيثه: " ثمَّ مضى إِلَى حجرته "، فَدلَّ (ذَلِك) أَنه قد كَانَ صرف وَجهه عَن الْقبْلَة، وَعمل عملا فِي الصَّلَاة لَيْسَ فِيهَا من الْمَشْي وَغَيره، أفيجوز لأحد (الْيَوْم) أَن يُصِيبهُ ذَلِك وَقد بقيت عَلَيْهِ من صلَاته بَقِيَّة فَلَا يُخرجهُ ذَلِك من الصَّلَاة؟ . فَإِن قيل: نعم لَا يُخرجهُ ذَلِك عَن الصَّلَاة لِأَنَّهُ فعل ذَلِك وَهُوَ لَا يرى أَنه فِي الصَّلَاة. قيل لَهُ: فيلزمك أَنه لَو طعم وَشرب وَهَذِه حَالَته لم يُخرجهُ ذَلِك من الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ أَو اشْترى أَو جَامع أَهله، فَكفى بقول فَسَادًا أَن يلْزم مِنْهُ هَذَا، ثمَّ إِن ذَا الْيَدَيْنِ تكلم وَتكلم النَّاس مَعَه بعد علمهمْ أَنهم فِي الصَّلَاة، وَلم يُنكر النَّبِي [ ﷺ ] عَلَيْهِم، وَلم يَأْمُرهُم بِالْإِعَادَةِ. وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه كَانَ (قبل) نسخ الْكَلَام. فَإِن قيل: قد حكى الْخطابِيّ: عَن قوم وَلم يسمهم أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ وَأَنه كَانَ قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة. قَالَ الْخطابِيّ: " وَدَعوى النّسخ لَا وَجه لَهَا لِأَن تَحْرِيم الْكَلَام كَانَ بِمَكَّة وَهَذِه الْوَاقِعَة كَانَت بِالْمَدِينَةِ، والراوي أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ مُتَأَخّر الْإِسْلَام، وَقد رَوَاهُ عمرَان بن حُصَيْن وهجرته مُتَأَخِّرَة ". قيل لَهُ: أما قَول الْخطابِيّ بِأَن دَعْوَى النّسخ لَا وَجه لَهَا، فَلَيْسَ بِشَيْء، لأَنا قد ذكرنَا فِيمَا تقدم وُجُوهًا دَالَّة على ثُبُوت النّسخ، ثمَّ نقُول: وَمن أَيْن لَك أَن تَحْرِيم

стр. 236

الْكَلَام كَانَ بِمَكَّة؟ وَمن روى لَك ذَلِك وَقد روينَا فِي أول (هَذَا الْبَاب) من طَرِيق أبي دَاوُد: عَن زيد بن أَرقم أَنه قَالَ: " كَانَ أَحَدنَا يكلم الرجل إِلَى جنبه فِي الصَّلَاة فَنزلت: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ ، فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام ". وَهَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَسورَة الْبَقَرَة مَدَنِيَّة بِالْإِجْمَاع، وصحبة زيد بن أَرقم لرَسُول الله [ ﷺ ] إِنَّمَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ، فقد ثَبت بحَديثه أَن نسخ الْكَلَام بِالْمَدِينَةِ بعد قدوم رَسُول الله [ ﷺ ] من مَكَّة، وَأما إِسْلَام أبي هُرَيْرَة ﵁، (وَكَونه) مُتَأَخِّرًا، وهجرة عمرَان بن حُصَيْن، (وَكَونهَا مُتَأَخِّرَة) فَلَا يقْدَح فِي القَوْل بالنسخ، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ صحب رَسُول الله [ ﷺ ] أَربع سِنِين، وَلَيْسَ بممتنع أَن تكون الْآيَة الْمُحرمَة للْكَلَام فِي الصَّلَاة نزلت بعد إِسْلَام أبي هُرَيْرَة، وهجرة عمرَان بن حُصَيْن، وَحَدِيث / ذِي الْيَدَيْنِ، فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على أَنه كَانَ بعد نسخ الْكَلَام. (ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي فِي أول هَذَا الْبَاب من الْغَرِيب:) الثكل: فقدان الْمَرْأَة وَلَدهَا مَا كَهَرَنِي: مَا أغْلظ (عَليّ) فِي القَوْل. (بَاب الْعَمَل الْكثير يبطل الصَّلَاة) عمدا كَانَ أَو سَهوا، لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَيْهِ، وَلَا يعْذر بِالنِّسْيَانِ لِأَن حَالَة الصَّلَاة

стр. 237

مذكرة، وَتمسك من لم يبطل الصَّلَاة بِالْعَمَلِ الْكثير حَالَة النسْيَان بِحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ لَا يَصح لأَنا قد بَينا فِيمَا تقدم أَنه مَنْسُوخ. فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن أبي قَتَادَة ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِل أُمَامَة بنت زَيْنَب ابْنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَإِذا سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ حملهَا ". قيل لَهُ: قَالَ بعض النَّاس: هَذَا (الحَدِيث) مَنْسُوخ، وَقَالَ بَعضهم، هَذَا مَخْصُوص بِالنَّبِيِّ [ ﷺ ] ، إِذْ لَا يُؤمن على الطِّفْل الْبَوْل وَغير ذَلِك على حامله، وَقد يعْصم النَّبِي [ ﷺ ] عَن ذَلِك مُدَّة إِمْسَاكه. وَقَالَ الْخطابِيّ: " يشبه أَن يكون هَذَا الصَّنِيع من النَّبِي [ ﷺ ] لَا عَن قصد وتعمد فِي الصَّلَاة، وَلَعَلَّ الصبية من (طول) مَا ألفته واعتادته مِمَّا أنسته فِي غير الصَّلَاة (كَانَت) تتَعَلَّق بِهِ حَتَّى تلابسه وَهُوَ فِي الصَّلَاة، فَلَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه وَلَا يبعدها، وَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد وَهِي على عَاتِقه وَضعهَا بِأَن يحطهَا أَو يرسلها إِلَى الأَرْض حَتَّى يفرغ من سُجُوده، فَإِذا أَرَادَ الْقيام وَقد عَادَتْ الصبية إِلَى مثل الْحَال الأول لم يدافعها وَلم يمْنَعهَا، حَتَّى إِذا (قَامَ) بقيت مَحْمُولَة مَعَه، هَذَا وَجه هَذَا الحَدِيث وَلَا يكَاد يتَوَهَّم عَلَيْهِ [ ﷺ ] أَنه كَانَ يتَعَمَّد حملهَا ووضعها وإمساكها فِي الصَّلَاة

стр. 238

تَارَة بعد أُخْرَى، لِأَن الْعَمَل فِي ذَلِك قد يكثر ويتكرر، وَالْمُصَلي (يشْتَغل) بذلك عَن صلَاته، ثمَّ لَيْسَ فِيهِ شَيْء أَكثر من قَضَائهَا وطراً من لعب وَلَا طائل لَهُ وَلَا فَائِدَة فِيهِ، وَإِذا كَانَ علم الخميصة يشْغلهُ عَن صلَاته حَتَّى يسْتَبْدل (بهَا الأنبجانية) ، فَكيف (لَا) يشْتَغل عَنْهَا بِمَا هَذِه صفته من الْأَمر ". / قلت: إِلَّا أَن هَذَا التَّأْوِيل يَدْفَعهُ قَول أبي قَتَادَة: " بَيْنَمَا نَحن فِي الْمَسْجِد جُلُوس خرج علينا رَسُول الله [ ﷺ ] وأمامة بنت أبي الْعَاصِ يحملهَا على عَاتِقه، فصلى رَسُول الله [ ﷺ ] وَهِي (على) عَاتِقه يَضَعهَا إِذا ركع وَيُعِيدهَا إِذا قَامَ ". وَقيل إِن هَذَا كَانَ للضَّرُورَة، إِذْ لم يجد من يكفها، وَقيل حملهَا لِأَنَّهُ لَو تَركهَا بَكت وشغلت سره فِي صلَاته أَكثر من شغله بحملها، وَأحسن مَا يحمل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث أَن يكون شرعا فِي جَوَاز الصَّلَاة مَعَ (الْفِعْل) الْكثير إِذا تكَرر مرَارًا وَكَانَ بَين كل مرّة فُرْجَة وَلم يكن متواليا.

стр. 239

(بَاب إِذا سبقه الْحَدث انْصَرف وَتَوَضَّأ وَبنى على صلَاته مَا لم يتَكَلَّم) لما روينَاهُ عَن عَائِشَة ﵂ فِي بَاب " الْوضُوء من الْخَارِج النَّجس من غير السَّبِيلَيْنِ ". فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن عَليّ بن طلق ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا فسا أحدكُم فِي الصَّلَاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعد صلَاته ". قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. قيل لَهُ: الْوَاجِب هُنَا أَن نعمل بِكُل وَاحِد من الْحَدِيثين، وَلَا نَتْرُك وَاحِدًا مِنْهُمَا، فنحمل حَدِيث عَائِشَة ﵂ على حَالَة سبق الْحَدث، وَحَدِيث عَليّ بن طلق على حَالَة تعمد الْحَدث، فَإِن الْبلوى فِيمَا يسْبق لَا فِيمَا يتَعَمَّد.

стр. 240

(بَاب إِذا أُقِيمَت صَلَاة الْفجْر وَلم يصل رَكْعَتي الْفجْر صلاهَا فِي نَاحيَة الْمَسْجِد) الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن أبي مُوسَى، عَن أَبِيه (وَمن) دعاهم سعيد بن الْعَاصِ، دَعَا أَبَا مُوسَى، وَحُذَيْفَة، وَعبد الله بن مَسْعُود ﵃، قبل أَن يُصَلِّي الْغَدَاة، ثمَّ خَرجُوا من عِنْده وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة، فَجَلَسَ عبد الله إِلَى أسطوانة من الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دخل فِي الصَّلَاة. فَهَذَا عبد الله قد فعل هَذَا وَمَعَهُ حُذَيْفَة وَأَبُو مُوسَى لَا ينكران عَلَيْهِ، فَدلَّ على موافقتهما لَهُ. وَعنهُ: عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: " خرج عبد الله بن عمر ﵁، من بَيته فأقيمت صَلَاة الصُّبْح فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يدْخل الْمَسْجِد وَهُوَ فِي الطَّرِيق ثمَّ دخل الْمَسْجِد فصلى الصُّبْح مَعَ النَّاس ". (فَهَذَا) وَإِن كَانَ لم يصلها فِي الْمَسْجِد فقد صلاهَا / بعد علمه بِإِقَامَة الصَّلَاة. وَعنهُ: عَن أبي (عبيد الله) عَن أبي الدَّرْدَاء: " أَنه كَانَ يدْخل الْمَسْجِد وَالنَّاس صُفُوف فِي صَلَاة الْفجْر، فَيصَلي الرَّكْعَتَيْنِ فِي نَاحيَة الْمَسْجِد، ثمَّ يدْخل مَعَ الْقَوْم فِي الصَّلَاة ".

стр. 241

وَعنهُ: عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ: " كُنَّا نأتي عمر بن الْخطاب ﵁ قبل أَن نصلي الرَّكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْح وَهُوَ فِي الصَّلَاة، فنصلي الرَّكْعَتَيْنِ فِي آخر الْمَسْجِد ثمَّ ندخل مَعَ الْقَوْم فِي الصَّلَاة ". وَقد روى كَذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن ومسروق وَالشعْبِيّ ﵃. فَإِن قيل: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة ". قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث هُوَ عَن أبي هُرَيْرَة نَفسه لَا عَن النَّبِي [ ﷺ ] ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: " هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ عَن عَمْرو بن دِينَار "، وَقد خَالفه من قد ذَكرْنَاهُ. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن (عبد الله بن) مَالك بن بُحَيْنَة أَنه قَالَ: " أُقِيمَت صَلَاة الْفجْر فَأتى رَسُول الله [ ﷺ ] على رجل يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر، فَقَامَ عَلَيْهِ ولاث بِهِ النَّاس، فَقَالَ أتصليها أَرْبعا ثَلَاث مَرَّات ".

стр. 242

قيل لَهُ: روى الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] مر بِعَبْد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة وَهُوَ منتصب يُصَلِّي بَين يَدي صَلَاة الصُّبْح. فَقَالَ: لَا تجْعَلُوا هَذِه الصَّلَاة كَصَلَاة قبل الظّهْر وَبعدهَا، وَاجْعَلُوا بَينهمَا فصلا ". فَبين هَذَا الحَدِيث أَن الَّذِي كرهه فِي الحَدِيث الأول وَصله إِيَّاهَا بالفريضة فِي مَكَان وَاحِد، وَقد وَافَقنَا مَالك ﵀ فِي ذَلِك غير أَنه قَالَ: " إِذا أُقِيمَت صَلَاة الصُّبْح وَلم يصل رَكْعَتي الْفجْر، (فَإِن) كَانَ الْوَقْت وَاسِعًا خرج من الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتي الْفجْر ثمَّ صلى الصُّبْح ". (بَاب الْأَفْضَل أَن يُصَلِّي النَّوَافِل أَرْبعا أَرْبعا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار اعْتِبَارا بالفرائض) فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى ".

стр. 243

(قيل لَهُ: قَالَ النَّسَائِيّ: " هَذَا الحَدِيث عِنْدِي خطأ "، قَالَ التِّرْمِذِيّ: " اخْتلف أَصْحَاب شُعْبَة فِي حَدِيث ابْن عمر، فرفعه بَعضهم وَوَقفه بَعضهم، وَالصَّحِيح مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي [ ﷺ ] (أَنه قَالَ) : صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) . وروى (الثِّقَات) عَن عبد الله بن عمر هَذَا الحَدِيث وَلم يذكرُوا فِيهِ صَلَاة النَّهَار ". / قلت: وَمعنى مثنى مثنى شفعا شفعا، يُؤَيّدهُ مَا روى أَبُو دَاوُد: عَن الْمطلب بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " الصَّلَاة مثنى مثنى، أَن تشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ وَأَن تبأس وتمسكن، وتقنع بيديك وَتقول اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ، فَمن لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج ". (ذكر مَا فِي هَذَا الحَدِيث من الْغَرِيب:) تبأس: تظهر الْبُؤْس (والفاقة) ، وتمسكن: من السّكُون وَالْوَقار. وإقناع الْيَد: رَفعهَا فِي الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة. والخداج هُنَا: النَّقْص فِي الْأجر والفضيلة.

стр. 244

(بَاب طول الْقيام أفضل من كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ ، قيل (بِأَن) الْقُنُوت طول الْقيام. وروى مُسلم: عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: " سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] أَي الصَّلَاة أفضل؟ قَالَ: طول الْقُنُوت ". وروى أَبُو دَاوُد: عَن (عبد الله) بن حبشِي الْخَثْعَمِي: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ طول الْقيام ". فَإِن قيل: فقد روى عَن الْمخَارِق قَالَ: " خرجنَا حجاجا فمررنا بالربذة فَوَجَدنَا أَبَا ذَر (قَائِما) يُصَلِّي، فرأيته لَا يُطِيل الْقيام وَيكثر الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَقلت لَهُ فِي ذَلِك (فَقَالَ) : مَا ألوت أَن أحسن، إِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: من ركع رَكْعَة وَسجد سَجْدَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة ". قيل لَهُ: لَيْسَ فِي هَذَا خلاف عندنَا للْأولِ، لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون قَوْله [ ﷺ ] : " من ركع رَكْعَة وَسجد سَجْدَة " على مَا قد أطيل قبله من الْقيام، وَيجوز أَن يكون كَمَا

стр. 245

قَالَ وَأَن (من) " زَاد مَعَ ذَلِك طول الْقيام كَانَ أفضل، وَكَانَ مَا يُعْطِيهِ الله من الثَّوَاب أَكثر، فَهَذَا أولى مَا حمل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا قَامَ العَبْد يُصَلِّي أُتِي بذنوبه فَجعلت على رَأسه وعاتقه فَكلما ركع وَسجد تساقط عَنهُ ". قيل لَهُ: لَيْسَ فِي هَذَا إِلَّا مَا يعْطى الْمُصَلِّي على الرُّكُوع وَالسُّجُود من حط الذُّنُوب، وَلَعَلَّه يعْطى بطول الْقيام أفضل من ذَلِك. (ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب: أَلا الرجل يألو: أَي قصر، وَيُقَال أَيْضا ألى يؤلى تألية: إِذا قصر وَأَبْطَأ . (/ بَاب من شرع فِي صَلَاة نفل أَو صِيَام نفل (وَجب عَلَيْهِ إِتْمَامه)) لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ وروى التِّرْمِذِيّ: عَن أنس ﵁ قَالَ: " دخل رَسُول الله [ ﷺ ] على أم سليم، فَأَتَتْهُ بِتَمْر وَسمن، فَقَالَ: أعيدوا

стр. 246

سمنكم فِي سقائه وتمركم فِي وعائه فَإِنِّي صَائِم ". وَأخرجه البُخَارِيّ. وَإِذا أفْسدهُ وَجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. مَالك: " عَن ابْن شهَاب أَن عَائِشَة وَحَفْصَة زَوجي النَّبِي [ ﷺ ] أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدي لَهما طَعَام فأفطرتا عَلَيْهِ، فَدخل عَلَيْهِمَا رَسُول الله [ ﷺ ] ، قَالَ: قَالَت عَائِشَة: فَقَالَت حَفْصَة - وبدرتني بالْكلَام وَكَانَت بنت أَبِيهَا - يَا رَسُول الله: إِنِّي أَصبَحت أَنا وَعَائِشَة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طَعَام فأفطرنا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (اقضيا) مَكَانَهُ يَوْمًا آخر ". أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " أهدي لي ولحفصة طَعَام وَكُنَّا صائمتين، فأفطرنا، ثمَّ دخل رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا أهديت لنا هَدِيَّة فاشتهيناها فأفطرنا، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا عَلَيْكُمَا، صوما مَكَانَهُ يَوْمًا (آخر) ". فَإِن قيل: فِي سَنَد هَذَا الحَدِيث زميل، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يعرف لزميل سَماع من عُرْوَة وَلَا ليزِيد سَماع من زميل، وَلَا تقوم بِهِ الْحجَّة ". وَقَالَ الْخطابِيّ: " إِسْنَاده ضَعِيف، وزميل مَجْهُول ". قيل لَهُ: لم يذكر البُخَارِيّ للْحَدِيث عِلّة سوى عدم معرفَة (سَماع بعض) الروَاة من الْبَعْض، وَهَذَا لَا يُوجب ضعفا فِي الحَدِيث، لجَوَاز أَن يكون روى عَنهُ

стр. 247

إجَازَة، أَو مناولة، أَو سَمعه يزِيد مِمَّن سمع من زميل وسَمعه زميل مِمَّن سمع من عُرْوَة، وَترك كل وَاحِد مِنْهُمَا من سمع مِنْهُ (وَذكر) من فَوْقه يُوهم بذلك علو إِسْنَاده، وكل ذَلِك لَيْسَ بعلة يسْقط الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ لأَجلهَا، أما الْإِجَازَة والمناولة فَلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث فِي جَوَاز الْإِخْبَار بِنَاء عَلَيْهِمَا، وَصِحَّة الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ الَّذِي يرْوى بهما، وَأما إِذا لم يذكر الرَّاوِي من لقِيه وَسمع مِنْهُ وَذكر من فَوْقه، موهما بذلك علو إِسْنَاده فَهَذَا نوع / من التَّدْلِيس، منع من قبُول رِوَايَة من يتعاطاه أهل الحَدِيث، وحجتهم فِي ذَلِك مَا يذكر من الْحجَّة على رد الْمَرَاسِيل، وَرُبمَا أكدوه هُنَا بِأَنَّهُ بِهَذَا الْفِعْل يُوهم مَا لَيْسَ بِثَابِت، فيزيد حَاله على حَال الْمُرْسل، وَنحن نستدل على جَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ بِمَا استدللنا بِهِ على صِحَة الِاحْتِجَاج بالمراسيل، وَرُبمَا يَتَأَتَّى نوع تَرْجِيح من حَيْثُ إِن هُنَاكَ يقبل مَعَ حذف اسْم كل الروَاة، وَهنا لَيْسَ إِلَّا حذف اسْم راو وَاحِد أَو اثْنَيْنِ، فترجح حَاله على ذَلِك، مَا ذَكرُوهُ من الْإِيهَام لَا يَنْفِي الْعَدَالَة، وَالْمَانِع من الْقبُول مَا ينفيها، وزميل هُوَ مولى عُرْوَة بن الزبير، فَانْتفى أَن يكون مَجْهُولا. فَإِن قيل: رُوِيَ فِي حَدِيث عَن أم هَانِئ ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " دخل عَليّ رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَنا صَائِمَة، فناولني فضل شرابه فَشَرِبت ثمَّ قلت: يَا رَسُول الله إِنِّي كنت صَائِمَة، وَإِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك، فَقَالَ: إِن كَانَ من قَضَاء رَمَضَان فصومي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه ". قيل لَهُ: قد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: عَن أم هَانِئ ﵂ قَالَت: " لما كَانَ عَام الْفَتْح - فتح مَكَّة - جَاءَت فَاطِمَة ﵂ فَجَلَست عَن يسَار رَسُول الله [ ﷺ ] وَأم هَانِئ عَن يَمِينه، قَالَت: فَجَاءَت الوليدة بِإِنَاء فِيهِ شراب فناولته فَشرب مِنْهُ، ثمَّ نَاوَلَهُ أم هَانِئ فَشَرِبت (مِنْهُ، فَقَالَت) : يَا رَسُول الله أفطرت

стр. 248

وَكنت صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أَكنت) تقضين شَيْئا؟ قَالَت: لَا، قَالَ: فَلَا (يَضرك) إِن كَانَ تَطَوّعا. وَفِي لفظ الطَّحَاوِيّ: " فَقَالَ لَهَا: تقضي (عَنْك) شَيْئا؟ قَالَت: لَا، قَالَ: فَلَا يَضرك ". وَمن طَرِيق آخر عَنْهَا: فَقلت: يَا رَسُول الله مَا أَرَانِي إِلَّا قد أثمت وأتيت حنثا عرضت عَليّ وَأَنا صَائِمَة فَكرِهت أَن أرد عَلَيْك، فَقَالَ: هَل كنت تقضين يَوْمًا من رَمَضَان؟ فَقَالَت: (لَا) فَقَالَ: لَا بَأْس. وَهَذَا يَقْتَضِي رفع الْإِثْم، وَلَا يَنْفِي وجوب الْقَضَاء، مَعَ أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ: فِي إِسْنَاده مقَال "، وَقَالَ النَّسَائِيّ: " وَأما حَدِيث أم هَانِئ فقد اخْتلف على سماك بن حَرْب فِيهِ، وَسماك لَيْسَ مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ كَانَ يقبل التَّلْقِين ". وروى الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يريان الْقَضَاء وَاجِبا من إِفْسَاد صَوْم / التَّطَوُّع.

стр. 249

" وَيدل على مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ أخبر تَعَالَى عَمَّا ابتدعوه من الْقرب والرهبانية ثمَّ ذمهم على ترك رعايتها بقوله: ﴿فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ ، والابتداع قد يكون بالْقَوْل وَهُوَ مَا ينذره ويوجبه على نَفسه، وَقد يكون بِالْفِعْلِ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وعمومه يتَضَمَّن الْأَمريْنِ، فَاقْتضى ذَلِك أَن كل من ابتدع قربَة قولا أَو فعلا (فَعَلَيهِ) رعايتها وإتمامها، فَوَجَبَ أَن كل من دخل فِي صَلَاة، أَو صَوْم، أَو حج، أَو غير ذَلِك من الْقرب فَعَلَيهِ إِتْمَامهَا، وَلَا يلْزمه إِتْمَامهَا إِلَّا وَهِي وَاجِبَة عَلَيْهِ، فَيجب قَضَاؤُهَا إِذا أفسدها. وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: " كَانَ نَاس من بني إِسْرَائِيل ابتدعوا بدعا لم يَكْتُبهَا الله عَلَيْهِم ابْتَغوا بهَا رضوَان الله فَلم يرعوها حق رعايتها (فعاقبهم) الله بِتَرْكِهَا فَقَالَ مَا قَالَ. (بَاب عدد صَلَاة التَّرَاوِيح عشرُون رَكْعَة) مَالك: عَن يزِيد بن رُومَان أَنه قَالَ: " كَانَ النَّاس يقومُونَ فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي رَمَضَان بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة ". (وَالثَّلَاث) الزَّائِدَة على الْعشْرين (كَانَت) صَلَاة الْوتر، وَالله أعلم.

стр. 250

(بَاب يسْجد للسَّهْو فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بعد السَّلَام) أَبُو دَاوُد: عَن عبد الله بن جَعْفَر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من شكّ فِي صلَاته فليسجد سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يسلم ". " وَعنهُ: عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير، عَن أَبِيه، عَن ثَوْبَان ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يسلم ". فَإِن قيل: فِي سَنَد الحَدِيث الأول مُصعب وَهُوَ مُنكر الحَدِيث، وَعتبَة بن مُحَمَّد وَهُوَ لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَفِي الحَدِيث الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش. قيل لَهُ: مُصعب بن شيبَة احْتج بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه، وَقَالَ يحيى بن معِين مُصعب بن شيبَة ثِقَة، وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَثَّقَهُ يحيى بن معِين. (بَاب إِذا صلى الظّهْر خمْسا وَلم يقْعد فِي الرَّابِعَة بَطل فَرْضه) لِأَنَّهُ (استحكم) شُرُوعه فِي النَّافِلَة قبل (إِكْمَال أَرْكَان) الْمَكْتُوبَة، وَمن
следующие страницы →