Полный текст (762 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
التِّرْمِذِيّ: " عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: " إِن من آخر مَا عهد إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن اتخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا ". وَهَذَا حَدِيث حسن.
وَأما قَوْله ﵇ فِي حَدِيث الرّقية: " خذوها واضربوا لي بِسَهْم ". وَقَوله: " إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله " فَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه:
أَحدهَا: أَن الْقَوْم كَانُوا كفَّارًا فَجَاز أَخذ أَمْوَالهم.
وَالثَّانِي: أَن حق الضَّيْف لَازم وَلم يضيفوهم.
وَالثَّالِث: أَن الرّقية لَيست بقربة مَحْضَة، فَجَاز أَخذ الْأجر عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ (على العلاجات كلهَا.
وَإِن كُنَّا نعلم أَن الْمُسْتَأْجر على الرقي يدْخل فِيمَا يرقى فِيهِ بعض الْقُرْآن، لِأَنَّهُ لَيْسَ على النَّاس أَن يرقوا بَعضهم بَعْضًا، فَإِذا استؤجروا (على) أَن (يعلمُوا) مَا لَيْسَ عَلَيْهِم أَن (يعلموه) جَازَ ذَلِك. وَتَعْلِيم الْقُرْآن وَاجِب أَن يعلم بَعضهم بَعْضًا، لِأَن فِي ذَلِك التَّبْلِيغ عَن الله، إِلَّا أَن من علم ذَلِك مِنْهُم فقد أَجْزَأَ ذَلِك عَن بَقِيَّتهمْ، فَإِذا اسْتَأْجر بَعضهم بَعْضًا على تَعْلِيم ذَلِك كَانَت إِجَارَته تِلْكَ واستئجاره إِيَّاه بَاطِلا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَأْجرهُ على أَن يُؤَدِّي فرضا هُوَ عَلَيْهِ لله تَعَالَى وَفِيمَا يَفْعَله لنَفسِهِ لِأَنَّهُ
стр. 492
إِنَّمَا سقط عَنهُ الْفَرْض بِفِعْلِهِ إِيَّاه، والإجارات على (خلاف) ذَلِك. وَقَوله ﵇: " إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله "، يَعْنِي إِذا رقيتم بِهِ.
الطَّحَاوِيّ: عَن يحيى الْبكاء: " أَن رجلا (قد) قَالَ لِابْنِ عمر: إِنِّي أحبك فِي الله، فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: لكني أبغضك فِي الله، لِأَنَّك تبغي فِي أذانك أجرا، وَتَأْخُذ على الْأَذَان أجرا ". فَثَبت كَرَاهِيَة الْأَذَان بِالْأَجْرِ، فَكَذَلِك تَعْلِيم الْقُرْآن، وَقد أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] بالتبليغ عَن الله وَعَن رَسُوله وَلَو آيَة من كتاب الله وَقد / أوجب (الله) التَّبْلِيغ على رَسُوله وَقَالَ: " بلغُوا عني وَلَو آيَة من كتاب الله، وَحَدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل، وَلَا حرج عَلَيْكُم فِي أَن تحدثُوا عَنْهُم فِي ذَلِك ". وَقد ذهب الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق إِلَى أَنه لَا يجوز أَخذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَذهب ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالشعْبِيّ (إِلَى) أَنه لَا بَأْس بِأخذ المَال على ذَلِك مَا لم يشْتَرط، وَهُوَ وفَاق مَذْهَبنَا أَيْضا.
(بَاب لَا ضَمَان على الْأَجِير الْمُشْتَرك)
لِأَن الْعين فِي يَده أَمَانَة، وَإِذا كَانَت أَمَانَة فَلَا يضمن، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: لَا ضَمَان على مؤتمن ".
стр. 493
فارغة
стр. 494
(كتاب الْعَارِية)
(بَاب الْعَارِية أَمَانَة إِن هَلَكت من غير تعد لم تضمن، وَكَذَا الْوَدِيعَة. ووافقنا مَالك ﵀ فِي الْأَمْوَال الظَّاهِرَة، مثل (الْحَيَوَان والرباع))
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَيْسَ على الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان، وَلَا على الْمُسْتَوْدع غير الْمغل (ضَمَان) . فقد سوى رَسُول الله فِي هَذَا الحَدِيث بَين الْمُسْتَعِير والمستودع.
فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث يرويهِ (عَمْرو بن عبد الْجَبَّار) وَعبيدَة بن حسان وهما ضعيفان، وَقد رُوِيَ عَن شُرَيْح القَاضِي غير مَرْفُوع.
стр. 495
قيل لَهُ: الْجرْح لَا يقبل مَا لم يبين سَببه، وَرِوَايَة من وَقفه لَا يقْدَح فِي رِوَايَة من رَفعه.
فَإِن قيل: قَوْله ﵇ لِصَفْوَان بن أُميَّة حِين اسْتعَار درعه وَقَالَ لَهُ: " أغصباء يَا مُحَمَّد؟ فَقَالَ: لَا بل عَارِية مَضْمُونَة ". مؤاده يدل على (أَن) الْعَارِية مَضْمُونَة (لِأَنَّهُ) لَا يَسْتَقِيم حمله على شَرط الضَّمَان، إِذْ الصِّيغَة لوصف الْعَارِية وَبَيَان حكمهَا، لَا للاشتراط كَمَا فِي قَوْله " مُؤَدَّاة ".
قيل لَهُ: الْجَواب عَن هَذَا الحَدِيث من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لَا دلَالَة فِيهِ على مَحل الْخلاف، بل هُوَ صفة للعارية الَّتِي استعارها النَّبِي [ ﷺ ] وَبَيَان حكمهَا، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُوم لِأَن الْجَواب يتَقَيَّد بِمَا فِي السُّؤَال. فَقَوله: " أغصبا يَا مُحَمَّد "، لَيْسَ بسؤال عَن حكم العواري، بل سُؤال عَمَّا أَخذه مِنْهُ أَو طلبه مِنْهُ، فَجَوَابه ﵇ ينْصَرف إِلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنه مَحْمُول على اشْتِرَاط الضَّمَان، وَهُوَ مُسْتَقِيم، / وَأما قَوْله: " مُؤَدَّاة " (إِنَّمَا) منعنَا من حمله على الِاشْتِرَاط مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي أُمَامَة رَضِي الله، عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول فِي الْخطْبَة فِي حجَّة الْوَدَاع: " الْعَارِية مُؤَدَّاة، (والمنحة مَرْدُودَة) ، والزعيم غَارِم، وَالدّين مقضي ". هَذَا حَدِيث (صَحِيح) .
стр. 496
فوصف رَسُول الله [ ﷺ ] جَمِيع العواري بِكَوْنِهَا مُؤَدَّاة، وَلم يتَعَرَّض للضَّمَان ومذهبنا مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄، وَهُوَ قَول شُرَيْح، (وَالْحسن) ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَالثَّوْري.
(ذكر الْغَرِيب:)
المنحة: بميم مَكْسُورَة وَنون سَاكِنة وحاء مُهْملَة وهاء، مَا يمنح الرجل صَاحبه من أَرض يَزْرَعهَا، أَو شَاة يشرب لَبنهَا، أَو شَجَرَة يَأْكُل ثَمَرهَا، ثمَّ يردهَا. فَتكون مَنْفَعَتهَا لَهُ وَأَصلهَا فِي حكم الْعَارِية. والزعيم: الْكَفِيل، وكل من يكفل دينا فَعَلَيهِ الْغرم.
стр. 497
فارغة
стр. 498
(كتاب الْهِبَة)
(بَاب يكره للْوَاهِب أَن يرجع فِي هِبته وَإِن رَجَعَ جَازَ إِلَّا فِي هبة ذِي الرَّحِم الْمحرم أَو الزَّوْجَيْنِ)
أما الْكَرَاهَة فَلَمَّا صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه ".
وَأما الْجَوَاز فَلَمَّا روى الطَّحَاوِيّ: عَن الْأسود، عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: " من وهب (هبة) لذِي رحم جَازَت، وَمن وهب (هبة) لغير ذِي رحم فَهُوَ
стр. 499
أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا ". وَزَاد من طَرِيق آخر: " أَو يستهلكها (مستهلك) أَو يمت أَحدهمَا ".
وَعنهُ: (عَن ابْن أَبْزَى) عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " الْوَاهِب أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا ".
وَعنهُ: عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ: " الْوَاهِب ثَلَاثَة: رجل وهب من غير أَن يستوهب فَهُوَ بسبيل الصَّدَقَة لَيْسَ (لَهُ) أَن يرجع فِي صدقته، وَرجل استوهب فوهب فَلهُ الثَّوَاب، فَإِن قبل على موهبته ثَوابًا فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِك، وَله أَن يرجع فِي هِبته مَا لم يثب، وَرجل وهب وَاشْترط الثَّوَاب فَهُوَ دين على (صَاحبه) فِي حَيَاته وَبعد مَوته ".
فَهَذَا أَبُو الدَّرْدَاء قد جعل مَا كَانَ من الهبات مخرجه مخرج الصَّدقَات (فِي حكم الصَّدقَات) ، وَمنع الْوَاهِب من الرُّجُوع فِي (ذَلِك كَمَا يمْنَع الْمُتَصَدّق من الرُّجُوع فِي) صدقته وَجعل مَا كَانَ مِنْهَا بِغَيْر هَذَا الْوَجْه مِمَّا لم يشْتَرط / فِيهِ ثَوابًا مِمَّا يرجع فِيهِ مَا لم يثب الْوَاهِب (عَلَيْهِ) . وَجعل مَا اشْترط فِيهِ فِيهِ الْعِوَض فِي حكم البيع. فَهَذَا حكم الهبات عندنَا.
стр. 500
وَعنهُ: عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد: " أَن امْرَأَة وهبت لزَوجهَا هبة، ثمَّ رجعت فِيهَا، فاختصما إِلَى شُرَيْح فَقَالَ للزَّوْج: شَاهِدَاك أَنَّهَا هبت لَك من غير كره وَلَا هوان، وَإِلَّا فيمينها لقد وهبت لَك عَن كره وهوان ".
فَهَذَا شُرَيْح قد سَأَلَ الزَّوْج الْبَيِّنَة أَنَّهَا وهبت لَهُ لَا عَن كره بعد ارتجاعها فِي الْهِبَة. فَدلَّ ذَلِك (على) أَن الْبَيِّنَة لَو ثبتَتْ عِنْده على ذَلِك لرد الْهِبَة إِلَيْهِ وَلم يجوز لَهَا الرُّجُوع فِيهَا، وَكَانَ من رَأْيه أَن للْوَاهِب الرُّجُوع فِي الْهِبَة إِلَّا من ذِي الرَّحِم الْمحرم، فقد جعل الْمَرْأَة فِي هَذَا كذي الرَّحِم الْمحرم.
وَعنهُ: عَن مَنْصُور قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم: " إِذا وهبت الْمَرْأَة لزَوجهَا أَو الزَّوْج لامْرَأَته فالهبة جَائِزَة، وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يرجع فِي هِبته ".
فَإِن قيل: فقد شبه رَسُول الله [ ﷺ ] الْعَائِد فِي الْهِبَة بالعائد فِي الْقَيْء، وَالْعود فِي الْقَيْء حرَام.
قيل لَهُ: يجوز أَن يكون أَرَادَ بالعائد (فِي قيئه) الْكَلْب كَمَا ذكره فِي الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ فِي أول الْبَاب، وعود الْكَلْب فِي قيئه لَا يُوصف بِحل وَلَا حُرْمَة وَلكنه مستقذر، فَلَا يثبت بذلك منع الْوَاهِب من الرُّجُوع فِي الْهِبَة، وَلَكِن أَرَادَ تَنْزِيه أمته عَن أَمْثَال الْكلاب لَا أَنه أبطل أَن يكون لَهُم الرُّجُوع فِي هباتهم.
(يُؤَيّد هَذَا مَا) روى مَالك: عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه أَنه قَالَ: سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ وَهُوَ يَقُول: " حملت على فرس عَتيق فِي
стр. 501
سَبِيل الله، وَكَانَ الرجل الَّذِي هُوَ عِنْده قد أضاعه، فَأَرَدْت أَن أشتريه مِنْهُ، وظننت أَنه بَائِعه برخص، فَسَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: لَا تشتره وَإِن أعطاكه بدرهم وَاحِد، فَإِن الْعَائِد فِي صدقته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه ".
فَلم يكن ذَلِك لحُرْمَة ابتياع الصَّدَقَة وَلَكِن لِأَن ترك ذَلِك أفضل.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا يحل للْوَاهِب أَن يرجع فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد فِيمَا وهب لوَلَده " (وَأَنْتُم تَقولُونَ يحل للْوَاهِب أَن يرجع فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد فِيمَا وهب لوَلَده) . فقد قُلْتُمْ بضد / مَا قَالَه رَسُول الله [ ﷺ ] .
قيل لَهُ: مَا أقبح سؤالك وأشنع أقوالك، فَلَو كَانَ عنْدك معرفَة بِأَحَادِيث رَسُول الله [ ﷺ ] لما قلت ذَلِك فَإِن هَذَا اللَّفْظ قد ورد فِي السّنة وَلم يرد بِهِ التَّحْرِيم كَقَوْلِه [ ﷺ ] : " لَا تحل الصَّدَقَة (لَغَنِيّ وَلَا) لذِي مرّة سوي " وَلم يكن مَعْنَاهُ أَنَّهَا تحرم عَلَيْهِ كَمَا تحرم على الْأَغْنِيَاء. فَإِن الزمانة لَا تشْتَرط مَعَ الْفقر، وَلكنهَا لَا تحل لَهُ من حَيْثُ تحل لغيره من ذَوي الْحَاجة والزمانة. وَهَذَا الحَدِيث وصف النَّبِي [ ﷺ ] فِيهِ ذَلِك الرُّجُوع بِأَنَّهُ لَا يحل تَغْلِيظًا للكراهة، كَيْلا يكون أحد من أمته لَهُ (مثل السوء، يَعْنِي لَا يحل لَهُ كَمَا تحل لَهُ) الْأَشْيَاء الَّتِي قد أحلهَا الله لِعِبَادِهِ، وَلم يَجْعَل لمن فعلهَا مثلا كَمثل السوء، ثمَّ اسْتثْنى من ذَلِك مَا وهب الْوَالِد لوَلَده، فَذَلِك عندنَا وَالله أعلم على
стр. 502
إِبَاحَته للوالد أَن يَأْخُذ مَا وهب لِابْنِهِ فِي وَقت حَاجته إِلَى ذَلِك وَفَقره إِلَيْهِ، لِأَن مَا يجب للوالد من ذَلِك لَيْسَ بِفعل يَفْعَله فَيكون ذَلِك رُجُوعا مِنْهُ يكون (مثله فِيهِ كَمثل) الْكَلْب الرَّاجِع فِي قيئه، وَلكنه شَيْء أوجبه الله تَعَالَى لفقره. فقد رُوِيَ أَن رجلا أَتَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي أَعْطَيْت أُمِّي حديقة وَإِنَّهَا مَاتَت وَلم تتْرك وَارِثا، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " وَجَبت صدقتك وَرجعت إِلَيْك حديقتك ".
أَفلا ترى أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قد أَبَاحَ للمصدق صدقته لما رجعت إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ، وَمنع عمر بن الْخطاب من ابتياع صدقته، فَثَبت بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين إِبَاحَة الصَّدَقَة الراجعة إِلَى الْمُصدق بِفعل الله تَعَالَى، وكراهية الصَّدَقَة الراجعة إِلَيْهِ بِفعل نَفسه. وَكَذَلِكَ وجوب النَّفَقَة للْأَب (فِي مَال الابْن) لِحَاجَتِهِ وَفَقره وَجَبت لَهُ بِإِيجَاب الله تَعَالَى إِيَّاهَا، فأباح النَّبِي [ ﷺ ] (لَهُ) ارتجاع هِبته وإنفاقها على نَفسه، كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ لَا كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بالابتياع، والوالدة حكمهَا حكم الْوَالِد.
(بَاب إِذا وهب شِقْصا مشَاعا وأقبض الْكل يتَوَقَّف الْملك على الْقِسْمَة وإقباض المفرز، وَمَا لَا يحْتَمل الْقِسْمَة يحصل الْملك / فِيهِ بإقباض الْكل)
الطَّحَاوِيّ: عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] أَنَّهَا قَالَت: إِن
стр. 503
أَبَا بكر الصّديق ﵁ نحلهَا (جاد عشْرين) وسْقا من مَاله (بِالْغَابَةِ) فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ: وَالله يَا بنية مَا من أحد من النَّاس أحب إِلَيّ (غنى) بعدِي مِنْك، وَلَا أعز عَليّ فقرا بعدِي مِنْك، وَإِنِّي كنت نحلتك (جاد عشْرين) وسْقا، وَلَو كنت جذذتيه (واحتزتيه) كَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال وَارِث، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك (وَأُخْتَاك) فاقتسموا على كتاب الله ".
(بَاب العَبْد لَا يملك وَإِن ملك)
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء﴾ ، مَمْلُوكا: نكرَة شَائِع فِي جنس العبيد كَقَوْلِه: لَا تكلم عبدا (قطّ، واعط) هَذَا عبدا، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَتِيما ذَا مقربة أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة﴾ . فَكل من لحقه هَذَا الِاسْم فقد انتظمه هَذَا الحكم (إِذا كَانَ) لفظا منكورا، ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون المُرَاد نفي الْقُدْرَة،
стр. 504
أَو نفي الْملك، أَو نفيهما. وَمَعْلُوم أَنه لم يرد بِهِ نفي الْقُدْرَة إِذْ كَانَ الْحر وَالْعَبْد لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْقُدْرَة من حَيْثُ اخْتلفَا فِي الْحُرِّيَّة وَالرّق، لِأَن العَبْد قد يكون أقدر من الْحر، فَثَبت أَنه أَرَادَ نفي الْملك.
وَوجه آخر وَهُوَ أَنه جعله مثلا للأصنام تَشْبِيها بالعبيد المملوكين فِي نفي الْملك، وَمَعْلُوم أَن الْأَصْنَام لَا تملك شَيْئا، فَوَجَبَ أَن يكون من ضرب الْمثل بِهِ لَا يملك شَيْئا وَإِلَّا لزالت فَائِدَة ضرب الْمثل، وَكَانَ حِينَئِذٍ ضرب الْمثل بِالْحرِّ وَالْعَبْد سَوَاء.
وَأَيْضًا لَو أَرَادَ عبدا بِعَيْنِه لَا يملك شَيْئا، وَجَاز أَن يكون من العبيد من يملك شَيْئا، لقَالَ: ضرب الله مثلا رجلا لَا يقدر على شَيْء فَلَمَّا خص العَبْد بذلك دلّ على (أَن) وَجه تَخْصِيصه أَنه لَيْسَ مِمَّن يملك، وَلَو أَرَادَ عبدا بِعَيْنِه لعرفه بِالْألف وَاللَّام وَلم يذكرهُ بِلَفْظ منكور.
وَأَيْضًا مَعْلُوم أَن الْخطاب فِي ذكر عَبدة الْأَوْثَان والاحتجاج عَلَيْهِم، أَلا ترى إِلَى قَوْله: ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يملك لَهُم رزقا من السَّمَاوَات وَالْأَرْض شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾ . / ثمَّ قَالَ: ﴿ضرب الله مثلا﴾ فَأخْبر أَن مثل مَا يعْبدُونَ مثل العبيد والمماليك الَّذين لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) أَن يملكُوا، وَلَو كَانَ المُرَاد عبدا بِعَيْنِه، وَكَانَ العَبْد مِمَّن يملك، مَا كَانَ بَينه وَبَين الْحر فرق، وَكَانَ تَخْصِيص العَبْد بِالذكر لَغوا، فَثَبت أَن الْمَعْنى نفي الْملك للْعَبد رَأْسا.
وَقَوله: ﴿أبكم﴾ أَرَادَ بِهِ عبدا (أبكم) ، أَلا ترى إِلَى قَوْله: ﴿وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ﴾ فَدلَّ على أَن المُرَاد (العَبْد) ، كَأَنَّهُ ذكر أَولا عبدا غير أبكم، وَجعله مثلا
стр. 505
للصنم فِي نفي الْملك، (ثمَّ) زَاده نقصا بقوله: " أبكم " مُبَالغَة فِي وصف الْأَصْنَام بِالنَّقْصِ وَقلة الْخَيْر، وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ " ابْن الْعم " لِأَن نَفَقَته لَا تلْزم، وَلَيْسَ لَهُ تَوْجِيهه فِي أُمُوره، وَلَا معنى لذكر ابْن الْعم هَهُنَا، لِأَن (الْأَب) وَالْأَخ وَالْعم أقرب إِلَيْهِ من ابْن الْعم (فَحَمله على ابْن الْعم (يزِيل فَائِدَته) ، وَأَيْضًا فَإِن الْمولى إِذا أطلق يَقْتَضِي مولى الرّقّ، أَو مولى النِّعْمَة، وَلَا ينْصَرف إِلَى ابْن الْعم) إِلَّا بِدلَالَة، وَقد سمى الله الْأَصْنَام عبادا بقوله: ﴿إِن الَّذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ وَلَو ملك العَبْد شَيْئا لما جَازَ للْمولى أَخذه مِنْهُ لأجل ملكه (لَهُ) ، كَمَا لَا يملك طَلَاق امْرَأَته وَوَطْء زَوجته وَهِي أمة الْمولى.
стр. 506
(بَاب يَنْبَغِي للرجل أَن يُسَوِّي بَين وَلَده فِي الْعَطِيَّة ليستووا فِي (الْبر لَهُ) ، وَلَا يفضل بَعضهم على بعض فَتَقَع بذلك الوحشة فِي قُلُوبهم، فَإِن نحل بَعضهم شَيْئا دون بعض وَقَبله المنحول لنَفسِهِ إِن كَانَ كَبِيرا، أَو قَبضه لَهُ أَبوهُ إِن كَانَ صَغِيرا بإعلامه وَالْإِشْهَاد بِهِ فَهُوَ جَائِز)
البُخَارِيّ وَمُسلم والطَّحَاوِي وَاللَّفْظ لَهُ: عَن (دَاوُد بن) أبي هِنْد عَن عَامر الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ: " انْطلق بِي (أبي) إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ونحلني نخلا (ليشهده) على ذَلِك، فَقَالَ: أكل ولدك نحلته مثل هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَيَسُرُّك أَن يَكُونُوا إِلَيْك فِي الْبر كلهم سَوَاء؟ قَالَ: بلَى، قَالَ: فَأشْهد على هَذَا غَيْرِي ".
فَهَذَا القَوْل لَا يدل على فَسَاد العقد الَّذِي (كَانَ) عقده النُّعْمَان، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] قد يتوقى الشَّهَادَة على مَا لَهُ أَن يشْهد (عَلَيْهِ) وعَلى الْأُمُور الَّتِي قد كَانَت
стр. 507
فَكَذَلِك لمن بعده، لِأَن الشَّهَادَة إِنَّمَا هِيَ أَمر يتضمنه الشَّاهِد للْمَشْهُود لَهُ، فَلهُ أَن لَا يتَضَمَّن / ذَلِك.
وَقد يحْتَمل غير هَذَا أَيْضا، فَيكون قَوْله: " أشهد على هَذَا غَيْرِي " (أَي) أَنا الإِمَام وَالْإِمَام لَيْسَ من شَأْنه أَن يشْهد إِنَّمَا من شَأْنه أَن يحكم. وَفِي قَوْله: " أشهد على هَذَا غَيْرِي " دَلِيل على صِحَة العقد.
(بَاب الْعُمْرَى جَائِزَة للمعمر لَهُ حَال حَيَاته ولورثته بعد مماته)
مُسلم: عَن أبي الزبير عَن جَابر ﵁ (قَالَ) قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم لَا تعمروها وَلَا تفسدوها، فَإِنَّهُ من عمرى فَهِيَ للَّذي أعمرها حَيا وَمَيتًا ولعقبه ". وَهَذَا قَول سُفْيَان وَأحمد وَإِسْحَاق.
(بَاب لَا بُد فِي لُزُوم الْوَقْف من حكم الْحَاكِم)
الطَّحَاوِيّ: عَن عَطاء بن السَّائِب قَالَ: " سَأَلت شريحا عَن رجل جعل دَاره
стр. 508
حبسا على الآخر فالآخر من وَلَده، فَقَالَ: إِنَّمَا أَقْْضِي وَلست أُفْتِي، قَالَ: فناشدته، فَقَالَ: لَا حبس عَن فَرَائض الله. وَهَذَا لَا يسع الْقُضَاة جَهله، وَلَا يسع الْأَئِمَّة تَقْلِيد من يجهل مثله، ثمَّ لَا يُنكر عَلَيْهِ مُنكر من أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] وَلَا من تابعيهم. وَعنهُ: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ]- بَعْدَمَا أنزلت سُورَة النِّسَاء وَأنزل فِيهَا الْفَرَائِض - نهى عَن الْحَبْس ".
فَإِن قيل: فقد روى مُسلم: عَن ابْن عمر، عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: " أصبت أَرضًا من أَرض خَيْبَر، فَأتيت رَسُول الله [ ﷺ ] فَقلت: إِنِّي أصبت (أَرضًا) لم أصب مَالا أحب إِلَيّ وَلَا أنفس عِنْدِي مِنْهَا، فَقَالَ: إِن شِئْت تَصَدَّقت بهَا، فَتصدق بهَا عمر على أَن لَا تبَاع وَلَا توهب فِي الْفُقَرَاء، وَذَوي الْقُرْبَى، والرقاب والضيف، وَابْن السَّبِيل، لَا جنَاح على من وَليهَا أَن يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ غير مُتَمَوّل "، وَفِي رِوَايَة: " إِن شِئْت حبس أَصْلهَا لَا تبَاع وَلَا توهب ".
قيل لَهُ: لما شاور النَّبِي [ ﷺ ] وَقَالَ (لَهُ) : " حبس أَصْلهَا وسبل الثَّمَرَة ". يحْتَمل أَن يكون مَا أمره (بِهِ) من ذَلِك يخرج بِهِ من ملكه. وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لَا يُخرجهَا عَن ملكه وَلكنهَا تكون جَارِيَة على مَا أجراها (عَلَيْهِ من ذَلِك مَا تَركهَا) ، وَيكون لَهُ فسخ ذَلِك مَتى شَاءَ، كَرجل جعل لله أَن يتَصَدَّق بثمرة نخله مَا عَاشَ، فَلَا يجْبر عَلَيْهِ وَلكنه مُخَيّر فِي ذَلِك إِن شَاءَ أنفذه وَإِن شَاءَ تَركه. وَلَيْسَ فِي بَقَاء حبس
стр. 509
النَّبِي [ ﷺ ] وَمن أشرتم إِلَيْهِ من (زمن) أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف / وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس والمسور بن مخرمَة، وَجبير بن مطعم، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، والأرقم بن أبي الأرقم، وَأنس بن مَالك، وَفَاطِمَة، وَعَائِشَة، وَحَفْصَة ﵃ إِلَى عامنا هَذَا، دَلِيل على أَنه لم يكن لأحد (من أهلهم) نقضه، وَإِنَّمَا الَّذِي يدل على أَنه لَيْسَ لَهُم نقضه أَن لَو كَانُوا خاصموا فِيهِ بعد مَوته وَمنعُوا من ذَلِك. فَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لَكَانَ فِيهِ لعمري مَا يدل على أَن الْأَوْقَاف لَا تبَاع. وَلَكِن إِنَّمَا (جَاءَنَا) تَركهم لوقف من (وقف) على مَا وَقفه فِي حَال حَيَاته وَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم أَنه رَجَعَ فِيمَا وقف وَلَا نازعه فِيمَا وقف ورثته.
قَالَ الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن شهَاب أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: " لَوْلَا أَنِّي ذكرت صدقتي لرَسُول الله [ ﷺ ] لرددتها "، أَو نَحْو هَذَا. فَلَمَّا قَالَ عمر هَذَا دلّ (على) أَن نفس الإيقاف للْأَرْض لم يكن يمنعهُ الرُّجُوع فِيهَا، وَإِنَّمَا مَنعه من الرُّجُوع فِيهَا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أمره فِيهَا بِشَيْء وفارقه على الْوَفَاء، فكره أَن يرجع فِي ذَلِك (كَمَا كره) عبد الله بن عمر أَن يرجع بعد موت رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الصَّوْم الَّذِي فَارقه عَلَيْهِ أَن يَفْعَله، وَقد كَانَ لَهُ أَن لَا يَصُوم.
فَإِن قيل: هَذَا حَدِيث مُنْقَطع، وَإِن صَحَّ فَلَعَلَّ المُرَاد (تغير مصارفها) ، بعد بَقَاء أصل الْوَقْف وَذَلِكَ جَائِز لَو شَرط فِي الِابْتِدَاء.
قيل لَهُ: هَذَا أثر رِجَاله كلهم ثِقَات، فانقطاعه لَا يُوجب ضعفا، إِذْ الْعدْل
стр. 510
لَا يُرْسل إِلَّا عَن عدل. وَلَفظ الرَّد ظَاهر فِي الرَّد أصلا وَصفا، وَقد أيد الظَّاهِر مَا رُوِيَ: " أَن عبد الله بن زيد بن عبد ربه وقف حَائِطا، فجَاء أَبَوَاهُ فَقَالَا لَهُ: إِنَّه قوام عيشنا، فَرده النَّبِي [ ﷺ ] ".
فَإِن قيل: يرويهِ أَبُو بكر بن عبد الله عَن عَمْرو بن حزم عَنهُ وَلم يلقه فَكَانَ مُرْسلا.
قيل لَهُ: الْمُرْسل حجَّة.
стр. 511
فارغة
стр. 512
(كتاب الْغَصْب)
(بَاب من سكن دَار غَيره بِغَيْر إِذْنه وَأخرج صَاحبهَا عَنْهَا أَو زرع (أرضه) بِغَيْر إِذْنه فقد أَثم وَوَجَب عَلَيْهِ رد الدَّار وتفريغ الأَرْض)
البُخَارِيّ وَغَيره: عَن سَالم، عَن أَبِيه ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : / " من أَخذ من الأَرْض شَيْئا بِغَيْر حَقه خسف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى سبع أَرضين ".
وَعَن سعيد بن زيد قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " من ظلم من الأَرْض (شبْرًا) طوقه من سبع أَرضين ".
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عُرْوَة: " أَن رجلَيْنِ من الْأَنْصَار اخْتَصمَا فِي أَرض غرس
стр. 513
أَحدهمَا فِيهَا نخلا وَالْأَرْض للْآخر، فَقضى رَسُول الله [ ﷺ ] بِالْأَرْضِ لصَاحِبهَا وَأمر صَاحب النّخل (أَن) يخرج نخله وَقَالَ: لَيْسَ لعرق ظَالِم حق ". وَقد أَخْبرنِي الَّذِي حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث أَنه رأى النّخل تقلع أُصُولهَا بالفؤوس. وَهَذَا الحَدِيث مُرْسل وَفِي سَنَده ابْن إِسْحَاق.
فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن رَافع بن خديج أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من زرع فِي أَرض قوم بِغَيْر إذْنهمْ فَلَيْسَ لَهُ من الزَّرْع شَيْء وَله نَفَقَته ". وَهَذَا حَدِيث غَرِيب. وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَإِسْحَاق.
قيل لَهُ: روى (الطَّحَاوِيّ) : عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: " اشْترك أَرْبَعَة نفر على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ أحدهم: عَليّ الْبذر، وَقَالَ الآخر: عَليّ الْعَمَل، وَقَالَ الآخر: عَليّ الأَرْض، وَقَالَ الآخر: عَليّ الفدان، فزرعوا ثمَّ حصدوا ثمَّ أَتَوا النَّبِي [ ﷺ ] ، فَجعل رَسُول الله [ ﷺ ] الزَّرْع لصَاحب الْبذر، وَجعل لصَاحب الْعَمَل أجرا مَعْلُوما، وَجعل لصَاحب الفدان فِي كل يَوْم دِرْهَم، وألغى الأَرْض ".
стр. 514
فقد أفسد رَسُول الله [ ﷺ ] الْمُزَارعَة وَلم يَجْعَل الزَّرْع لصَاحب الأَرْض، بل جعل ذَلِك لصَاحب الْبذر.
وَعنهُ: عَن عَمْرو بن شُعَيْب: " أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ فِي رجل بنى فِي دَار بِنَاء، ثمَّ جَاءَ أَهلهَا فاستحقوها، فَقَالَ: إِن كَانَ بنى بأمرهم فَلهُ نَفَقَته، وَإِن كَانَ إِنَّمَا بنى بِغَيْر أَمرهم فَلهُ نقض ذَلِك ". وَعَن عبد الله بن مَسْعُود وَشُرَيْح مثله. فقد جعلُوا النَّقْض لصَاحب الْبناء وَلم يجْعَلُوا ذَلِك لصَاحب الأَرْض.
وَمعنى حَدِيث التِّرْمِذِيّ: أَن الزَّارِع لَا شَيْء لَهُ فِي الزَّرْع يَأْخُذهُ لنَفسِهِ فَيملكهُ كَمَا يملك الزَّارِع (الزَّرْع) الَّذِي زرع فِي أَرض نَفسه، أَو فِي أَرض غَيره مِمَّن قد أَبَاحَ الزَّرْع فِيهَا، وَلكنه يَأْخُذ نَفَقَته وبذره وَيتَصَدَّق بِمَا بَقِي.
الطَّحَاوِيّ: عَن رَافع بن خديج: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] مر بزرع فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ: هُوَ زرعي، وَالْأَرْض / لآل فلَان، وَالْبذْر من قبلي بِنصْف مَا يخرج، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] : لقد أربيت خُذ نَفَقَتك، فَلم يكن ذَلِك على معنى خُذ نَفَقَتك من رب الأَرْض، لِأَن رب الأَرْض لم يَأْمُرهُ بِالْإِنْفَاقِ لنَفسِهِ، وَلَكِن معنى ذَلِك خُذ نَفَقَتك مِمَّا قد خرج من هَذَا الزَّرْع وَتصدق بِمَا بَقِي، وَالله أعلم ".
стр. 515
(بَاب إِذا تَغَيَّرت الْعين الْمَغْصُوبَة بِفعل الْغَاصِب حَتَّى زَالَ اسْمهَا وَعظم مَنَافِعهَا زَالَ ملك الْمَغْصُوب عَنْهَا وملكها الْغَاصِب وضمنها وَلم يجز لَهُ الِانْتِفَاع بهَا حَتَّى يُؤَدِّي بدلهَا)
أَبُو دَاوُد: عَن عَاصِم بن كُلَيْب، عَن أَبِيه، عَن رجل من الْأَنْصَار ﵁ قَالَ: " خرجنَا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي جَنَازَة، فَرَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] على الْقَبْر يُوصي (الْحَافِر) أوسع من قبل رجلَيْهِ، أوسع من قبل رَأسه. فَلَمَّا رَجَعَ استقبله دَاعِي امْرَأَة، فجَاء وَجِيء بِالطَّعَامِ، فَوضع يَده ثمَّ وضع الْقَوْم، فَأَكَلُوا، فَنظر آبَاؤُنَا إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] يلوك لقمته فِي فَمه ثمَّ قَالَ: (أجد) هَذَا لحم شَاة أخذت بِغَيْر إِذن أَهلهَا، فَأرْسلت الْمَرْأَة: (يَا رَسُول) الله، إِنِّي أرْسلت إِلَى البقيع يشترى لي شَاة فَلم أجد، فَأرْسلت إِلَى جَار لي قد اشْترى شَاة أَن أرسل إِلَيّ بهَا بِثمنِهَا، فَلم يُوجد، فَأرْسلت إِلَى امْرَأَته فَأرْسلت إِلَيّ بهَا، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : أطعميه الْأُسَارَى ".
وَمن طَرِيق الطَّحَاوِيّ: عَن رجل - قَالَ حسبته من الْأَنْصَار - أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَلَقِيَهُ رَسُول امْرَأَة من قُرَيْش تَدعُوهُ إِلَى طَعَام؛ فَجَلَسْنَا مجْلِس الغلمان من آبَائِهِم، فَنظر آبَاؤُنَا إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] وَفِي يَده أَكلَة فَقَالَ: (إِن) هَذَا لحم (شَاة) تُخبرنِي أَنَّهَا أخذت بِغَيْر حلهَا، فَقَامَتْ الْمَرْأَة فَقَالَت: يَا رَسُول الله، لم يزل يُعجبنِي أَن تَأْكُل فِي بَيْتِي، وَإِنِّي أرْسلت إِلَى البقيع فَلم يُوجد فِيهِ شَاة، وَكَانَ أخي اشْترى شَاة بالْأَمْس فَأرْسلت إِلَى أَهله بِالثّمن، فَقَالَ: أطعموه الْأُسَارَى ".
стр. 516
(كتاب اللّقطَة)
(بَاب لَا بَأْس بالتقاط الْبَقَرَة وَالْبَعِير)
الطَّحَاوِيّ: عَن سُلَيْمَان بن يسَار: " أَن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ قد كَانَ وجد بَعِيرًا، فَقَالَ (لَهُ) عمر: عرفه، فَعرف (ذَلِك) / ثَلَاث مَرَّات ثمَّ جَاءَ إِلَى عمر فَقَالَ: (قد) شغلني عَن صنعتي، فَقَالَ لَهُ عمر: انْزعْ خطامه ثمَّ أرْسلهُ حَيْثُ وجدته ".
وَعنهُ: عَن أنس بن سِيرِين: " أَن رجلا قد سَأَلَ عبد الله بن عمر فَقَالَ: إِنِّي (قد) أصبت نَاقَة، فَقَالَ: عرفهَا، فَقَالَ: عرفتها فَلم تعرف، فَقَالَ: ادفعها إِلَى الْوَالِي ".
стр. 517
مَالك: أَنه سمع ابْن شهَاب يَقُول: " كَانَت ضوال الْإِبِل فِي زمَان عمر بن الْخطاب ﵁ إبِلا مؤبلة تناكح لَا يَمَسهَا أحد، حَتَّى إِذا كَانَ زمن عُثْمَان ﵁ أَمر بتعريفها، ثمَّ تبَاع فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا أعطي ثمنهَا ".
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] سُئِلَ عَن ضَالَّة الْغنم فَقَالَ: هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب، وَسُئِلَ عَن ضَالَّة الْإِبِل فَقَالَ: مَا لَك وَلها، مَعهَا سقاؤها وحذاؤها دعها حَتَّى يجدهَا رَبهَا ".
(قيل لَهُ: وَهَذَا الحَدِيث فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه يجوز أَخذ النَّاقة وَالْبَعِير إِذا خيف عَلَيْهَا، وَإِن أَخذهَا لصَاحِبهَا وحفظها عَلَيْهِ أولى من تَركهَا) .
(ذكر الْغَرِيب:)
الْحذاء: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وذال مُعْجمَة وَألف ممدودة، أَرَادَ بِهِ أخفافها الَّتِي تقوى (بهَا) على السّير وتقطع الْبِلَاد الشاسعة، وسقاؤها: أَرَادَ (بِهِ إِذا ورد) ت المَاء شربت مِنْهُ مَا يكون ريها من ظمئها، وَالله أعلم.
стр. 518
(بَاب من الْتقط لقطَة وَكَانَ غَنِيا لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاع بهَا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وأمضى الصَّدَقَة وَإِلَّا فَلهُ أَن يضمنهُ إِيَّاهَا، وَإِن كَانَ فَقِيرا فَلهُ أَن ينفقها عَلَيْهِ)
الطَّحَاوِيّ: عَن أبي وَائِل أَنه قَالَ: " اشْترى عبد الله خَادِمًا بتسعمائة دِرْهَم، فَطلب صَاحبهَا فَلم يجده، فعرفها حولا فَلم يجده، فَجمع الْمَسَاكِين وَجعل (يعطيهم و) يَقُول: اللَّهُمَّ عَن صَاحبهَا فَإِن أَبى ذَلِك فمني، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا يفعل بالضال " وَمَا لَيْسَ لَهُ نفس يُسمى ضَالَّة كَمَا قَالَ ﵇ فِي حَدِيث الْإِفْك: " إِن أمكُم قد أضلت قلادتها ".
فَإِن قيل: لَو كَانَت اللّقطَة لَا تحل إِلَّا لمن تحل لَهُ الصَّدَقَة، لم تحل لعَلي بن أبي طَالب (لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أصَاب دِينَارا على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَعرفهُ فَلم يجد من يعرفهُ، فَأمره النَّبِي [ ﷺ ] أَن يَأْكُلهُ. وَكَانَ عَليّ ﵇ / لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة. قيل لَهُ: عَليّ ﵇ إِنَّمَا تحرم (عَلَيْهِ) الصَّدَقَة (الْمَفْرُوضَة دون النَّافِلَة، وَنحن لم نمْنَع مِنْهَا إِلَّا مَا حرمت عَلَيْهِ الصَّدَقَة) لغناه، لَا لشرفه.
مَالك: عَن نَافِع: (أَن رجلا وجد لقطَة، فجَاء إِلَى عبد الله بن عمر
стр. 519
رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ: إِنِّي وجدت لقطَة فَمَاذَا ترى فِيهَا؟ فَقَالَ (عبد الله بن عمر) : عرفهَا، قَالَ: قد فعلت، قَالَ: زد، قَالَ: قد فعلت، فَقَالَ عبد الله بن عمر: لَا آمُرك أَن تأكلها وَلَو شِئْت لم تأخذها ". وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَهُوَ قَول عَطاء، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَابْن الْمُبَارك.
(ذكر الْغَرِيب:)
اللّقطَة: اسْم لِلْمَالِ الضائع يلتقط. وَحكي عَن الْخَلِيل أَنه قَالَ: اللّقطَة بتحريك الْقَاف: الَّذِي يلتقط الشَّيْء، وبسكون الْقَاف: مَا يلتقط، قَالَ (الْأَزْهَرِي) : هَذَا الَّذِي قَالَه قِيَاس، لِأَن فعلة جَاءَ فِي أَكثر كَلَامهم فَاعِلا، وفعلة جَاءَ مَفْعُولا، غير أَن كَلَام الْعَرَب جَاءَ فِي اللّقطَة على غير قِيَاس. وَأجْمع أهل اللُّغَة ورواة الْأَخْبَار على (أَن) اللّقطَة هِيَ الشَّيْء الْمُلْتَقط وَكَذَلِكَ قَالَ الْفراء، وَابْن الْأَعرَابِي والأصمعي. والالتقاط: وجود الشَّيْء على غير طلب، وَالله أعلم.
(بَاب لقطَة الْحل وَالْحرم سَوَاء)
الطَّحَاوِيّ: عَن معَاذَة العدوية أَن امْرَأَة قد سَأَلت عَائِشَة ﵂ فَقَالَت: " إِنِّي قد أصبت ضَالَّة فِي الْحرم، وَإِنِّي قد عرفتها فَلم أجد أحدا يعرفهَا، فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: استنفعي بهَا ". وَالله أعلم.
стр. 520
(كتاب إحْيَاء الْموَات)
(بَاب لَا تكون الأَرْض للَّذي يُحْيِيهَا إِلَّا بِإِذن الإِمَام)
الطَّحَاوِيّ: عَن الصعب بن جثامة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " لَا حمى إِلَّا لله وَرَسُوله ". وَهَذَا حَدِيث صَحِيح. والحمى: مَا حمي من الأَرْض، فَدلَّ ذَلِك أَن حكم الأَرْض إِلَى الْأَئِمَّة لَا إِلَى غَيرهم.
فَإِن قيل: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ ".
قيل لَهُ: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: من أَحْيَاهَا على شَرَائِط الْإِحْيَاء فَهِيَ لَهُ، وَمن شرائطها تحظيرها وَإِذن الإِمَام لَهُ فِي ذَلِك وتمليكه إِيَّاهَا.
стр. 521
يُؤَيّد هَذَا مَا روى أَحْمد بن حَنْبَل: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ قَالَ: قَالَ / رَسُول الله [ ﷺ ] : " من أحَاط حَائِطا على أَرض فَهِيَ لَهُ ".
الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن عبيد الله قَالَ: " خرج رجل من أهل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ: أَبُو عبد الله إِلَى عمر (فَقَالَ) : إِن بِأَرْض الْبَصْرَة أَرضًا لَا تضر بِأحد من الْمُسلمين، وَلَيْسَت أَرض خراج، فَإِن شِئْت أَن تقطعنيها أتخذها قضبا وَزَيْتُونًا، قَالَ: فَكتب عمر إِلَى أبي مُوسَى: إِن كَانَت حمى فأقطعها إِيَّاه ". أَفلا ترى عمر لم يَجْعَل لَهُ أَخذهَا، وَلَا جعل لَهُ ملكهَا إِلَّا بإقطاع خَلِيفَته ذَلِك الرجل إِيَّاهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يَقُول لَهُ: وَمَا حَاجَتك إِلَى إقطاعي إياك لِأَنَّك تحميها وتعمرها فتملكها. فَدلَّ ذَلِك أَن الْإِحْيَاء عِنْد عمر ﵁ هُوَ (مَا) أذن الإِمَام فِيهِ للَّذي يَتَوَلَّاهُ ويملكه إِيَّاه. " الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد قَالَ: قَالَ عمر: " لنا رِقَاب الأَرْض ". فَدلَّ ذَلِك على أَن رِقَاب الأَرْض كلهَا إِلَى أَئِمَّة الْمُسلمين وَأَنَّهَا لَا تخرج من أَيْديهم إِلَّا بإخراجهم إِيَّاهَا إِلَى من رَأَوْا ذَلِك، على حسن النّظر مِنْهُم للْمُسلمين فِي عمَارَة بِلَادهمْ وصلاحها.
(بَاب)
ابْن مَاجَه: عَن عبد الله بن مُغفل أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من حفر بِئْرا فَلهُ
стр. 522
أَرْبَعُونَ ذِرَاعا عطنا لماشيته ".
(وَعنهُ: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " حَرِيم الْبِئْر مد رشائها ") .
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " حَرِيم الْبِئْر الْبَدِيِّ خَمْسَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا "، وحريم الْبِئْر العادية خَمْسُونَ ذِرَاعا "، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّحِيح من هَذَا أَنه مُرْسل.
стр. 523
فارغة
стр. 524
(كتاب الْمُزَارعَة)
الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع بَاطِلَة عِنْد أبي حنيفَة ﵁، مُعْتَمدًا فِي ذَلِك على مَا روى مَالك: عَن رَافع بن خديج: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن كِرَاء الْمزَارِع ". قَالَ حَنْظَلَة: فَسَأَلت رَافع بن خديج بِالذَّهَب وَالْوَرق؟ قَالَ: أما بِالذَّهَب وَالْوَرق فَلَا بَأْس (بِهِ) .
وَعنهُ: عَن سعيد بن الْمسيب: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن الْمُزَابَنَة والمحاقلة "، والمزابنة: اشْتِرَاء الثَّمر بِالتَّمْرِ، والمحاقلة: اشْتِرَاء الزَّرْع بِالْحِنْطَةِ، واستكراء الأَرْض بِالْحِنْطَةِ.
وَعنهُ: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن
стр. 525
الْمُزَابَنَة والمحاقلة "، والمزابنة اشْتِرَاء الثَّمر بِالتَّمْرِ فِي رُؤُوس النّخل، والمحاقلة كِرَاء الأَرْض بِالْحِنْطَةِ.
وَعَن رَافع بن خديج أَنه قَالَ: " إِنَّهُم منعُوا من المحاقلة وَهُوَ أَن يكْرِي أَرضًا على بعض مَا فِيهَا ".
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن رحمهمَا الله: الْمُزَارعَة جَائِزَة، معتمدين فِي ذَلِك على ماروى الطَّحَاوِيّ: عَن زيد بن ثَابت ﵁ أَنه قَالَ: " يغْفر الله لرافع / بن خديج، أَنا وَالله أعلم بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، إِنَّمَا جَاءَ رجلَانِ من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] قد اقتتلا فَقَالَ: إِن كَانَ هَذَا شَأْنكُمْ فَلَا تكروا الْمزَارِع ". فَهَذَا زيد بن ثَابت يخبر أَن قَول رَسُول الله [ ﷺ ] لم يكن مِنْهُ على وَجه التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا كَانَ (لكراهية) وُقُوع الشَّرّ بَينهم، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ آثَار كَثِيرَة فِي دفع خَيْبَر بِالنِّصْفِ من ثَمَرهَا وزرعها. وَقد زارع أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] من بعده مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَحُذَيْفَة وَأقر معَاذ أهل الْيمن عَلَيْهَا. رَضِي الله عَن الْجَمِيع.
стр. 526
(كتاب الْقَضَاء)
(بَاب لَا يكره الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد للْقَضَاء)
لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ يفصل (بَين الْخُصُوم) فِي مُعْتَكفه، وَالْخُلَفَاء الراشدون كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِد لفصل الْقَضَاء، والمشرك الذِّمِّيّ لَيْسَ بممنوع من دُخُول الْمَسْجِد.
فَإِن قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ ، فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يجوز (دُخُوله) الْمَسْجِد.
قيل لَهُ: معنى الْآيَة على أحد وَجْهَيْن:
إِمَّا أَن يكون النَّهْي خَاصّا فِي الْمُشْركين الَّذين كَانُوا ممنوعين عَن دُخُول مَكَّة وَسَائِر الْمَسَاجِد، لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم ذمَّة وَكَانَ لَا يقبل مِنْهُم إِلَّا الْإِسْلَام أَو السَّيْف، وهم مشركو الْعَرَب.
стр. 527
أَو أَن يكون المُرَاد (مَنعهم) من دُخُول مَكَّة لِلْحَجِّ. وَلذَلِك أَمر النَّبِي [ ﷺ ] بالنداء يَوْم النَّحْر بمنى فِي السّنة الَّتِي حج فِيهَا أَبُو بكر أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك، وَأنزل الله تَعَالَى فِي الْعَام الَّذِي نبذ فِيهِ أَبُو بكر (إِلَى) الْمُشْركين: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ ، وَحَدِيث عَليّ كرم الله وَجهه حِين أمره النَّبِي [ ﷺ ] بِأَن يبلغ عَنهُ، دَلِيل على أَن المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ لِلْحَجِّ. وَيدل عَلَيْهِ نسق التِّلَاوَة: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله﴾ ، إِنَّمَا (كَانَ) خوف الْعيلَة لانْقِطَاع المواسم بمنعهم من الْحَج، لأَنهم كَانُوا ينعمون بالتجارات الَّتِي كَانَت فِي مواسم الْحَج. فَدلَّ ذَلِك على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ الْحَج دون قرب الْمَسْجِد الْحَرَام لغير الْحَج، إِلَّا أَنه إِذا حمل على ذَلِك كَانَ عُمُوما فِي سَائِر / الْمُشْركين. وَإِذا حمل على دُخُول الْمَسْجِد كَانَ خَاصّا فِي ذَلِك دون قرب الْمَسْجِد، وَالَّذِي فِي الْآيَة النَّهْي عَن قرب الْمَسْجِد. فَغير جَائِز تَخْصِيص الْمَسْجِد (بِهِ) بعد ذكر مَا يقرب مِنْهُ. وَحَدِيث وَفد ثَقِيف يدل عَلَيْهِ، وَالْحرم كُله يعبر عَنهُ بِالْمَسْجِدِ (إِذْ كَانَت) حرمته مُتَعَلقَة بِالْمَسْجِدِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والباد﴾ ، (كُله مُرَاد بِهِ) . وَكَذَلِكَ: ﴿ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق﴾ ، لِأَنَّهُ فِي أَي الْحرم نحر الْبدن أَجزَأَهُ، فَجَائِز على هَذَا أَن يكون المُرَاد بقوله: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ كُله لِلْحَجِّ، إِذْ كَانَ أَكثر أَفعَال الْمَنَاسِك تعلقا بِالْحرم. وَالْحرم كُله فِي معنى الْمَسْجِد لما وَصفنَا، فَعبر عَن الْحرم بِالْمَسْجِدِ وَعبر عَن الْحَج بِالْحرم. وَيدل على أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هَهُنَا الْحرم قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ ، وَمَعْلُوم أَن ذَلِك كَانَ بِالْحُدَيْبِية وَهِي على شَفير الْحرم. وَذكر الْمسور بن
стр. 528
مخرمَة ومروان بن الحكم أَن بَعْضهَا من الْحل وَبَعضهَا من الْحرم، فَأطلق الله تَعَالَى عَلَيْهَا أَنَّهَا عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْد الْحرم، وَأطلق اسْم (النَّجس) على الْمُشْركين.
(بَاب للْحَاكِم أَن يحكم بَين أهل الذِّمَّة وَإِن لم يحكموه)
لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله إِلَيْك﴾ .
وروى مُسلم: عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ: " مر النَّبِي [ ﷺ ] بِيَهُودِيٍّ محمما مجلودا، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ (حد الزَّانِي) فِي كتابكُمْ؟ قَالُوا: نعم، فَدَعَا رجلا من عُلَمَائهمْ فَقَالَ: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى، هَكَذَا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّك (نشدتني) بِهَذَا لم أخْبرك، (نجده الرَّجْم) وَلكنه كثر فِي أشرافنا، فَكُنَّا إِذا أَخذنَا الشريف تَرَكْنَاهُ، وَإِذا أَخذنَا الضَّعِيف أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد. قُلْنَا تَعَالَوْا فلنجتمع على شَيْء نقيمه على الشريف (والوضيع) ، فَجعلنَا التحميم وَالْجَلد مَكَان الرَّجْم. فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : اللَّهُمَّ إِنِّي أول من أَحْيَا أَمرك إِذْ أماتوه، فَأمر بِهِ فرجم، فَأنْزل الله تَعَالَى: (يَا أَيهَا
стр. 529
الرَّسُول لَا يحزنك / الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر ... إِلَى قَوْله تَعَالَى: إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ ,
وروى مَالك: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵁ أَنه قَالَ: " إِن الْيَهُود جَاءَت إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَذكرُوا أَن رجلا مِنْهُم وَامْرَأَة زَنَيَا، فَقَالَ (لَهُم) رَسُول الله [ ﷺ ] : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن الرَّجْم؟ فَقَالُوا: نفضحهم ويجلدون، فَقَالَ عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ، إِن فِيهَا الرَّجْم فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فنشروها فَوضع أحدهم يَده على آيَة الرَّجْم، ثمَّ قَرَأَ مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام: ارْفَعْ يدك، فَرفع يَده، فَإِذا فِيهَا آيَة الرَّجْم، فَقَالُوا: صدق يَا مُحَمَّد فِيهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله [ ﷺ ] فَرُجِمَا، قَالَ عبد الله بن عمر ﵁: فَرَأَيْت الرجل يحني على الْمَرْأَة يَقِيهَا الْحِجَارَة ". أخرجه مُسلم.
فَإِن قيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم﴾ ، دَلِيل على أَنه مُخَيّر (فِي الحكم بَينهم) إِذا حكموه.
قيل لَهُ: (قد) روى الطَّحَاوِيّ: عَن السّديّ عَن عِكْرِمَة: (فَإِن جاؤوك
стр. 530
فاحكم بَينهم) ﴿نسختها﴾ (وَأَن احكم بَينهم) بِمَا أنزل الله﴾ . فَثَبت أَن الحكم عَلَيْهِم على إِمَام الْمُسلمين، وَلم يكن لَهُ تَركه، لِأَن فِي حكمه النجَاة فِي قَوْلهم جَمِيعًا. لِأَن من يَقُول عَلَيْهِ أَن يحكم، يَقُول: قد فعل مَا عَلَيْهِ أَن يَفْعَله. وَمن يَقُول هُوَ مُخَيّر، يَقُول: قد فعل مَا لَهُ أَن يَفْعَله. وَإِذا ترك الحكم يَقُول الأول: ترك الْوَاجِب، فَفعل مَا فِيهِ النجَاة على كل تَقْدِير أولى. وَلَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ عَن مَالك دَلِيلا لمن خَالَفنَا، لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ إِنَّمَا رجمهما لِأَنَّهُمَا تحاكما إِلَيّ.
فَإِن قيل: فَأنْتم لَا ترجمون الْيَهُود إِذا زنوا.
قيل لَهُ: كَانَ حكم الزِّنَى فِي عهد (مُوسَى) رَسُول الله [ ﷺ ] هُوَ الرَّجْم على الْمُحصن وَغَيره، وَكَذَا كَانَ جَوَاب (الْيَهُودِيّ الَّذِي) سَأَلَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] عَن حد الزِّنَا فِي كِتَابهمْ، فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ [ ﷺ ] اتِّبَاع ذَلِك، لِأَن على كل نَبِي اتِّبَاع شَرِيعَة النَّبِي الَّذِي كَانَ قبله - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ - حَتَّى يحدث لَهُ شَرِيعَة تنسخ شَرِيعَته، ثمَّ أحدث الله لنَبيه شَرِيعَة نسخت هَذِه
следующие страницы →