← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(كتاب الْقَضَاء) (بَاب لَا يكره الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد للْقَضَاء) لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ يفصل (بَين الْخُصُوم) فِي مُعْتَكفه، وَالْخُلَفَاء الراشدون كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِد لفصل الْقَضَاء، والمشرك الذِّمِّيّ لَيْسَ بممنوع من دُخُول الْمَسْجِد. فَإِن قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ ، فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يجوز (دُخُوله) الْمَسْجِد. قيل لَهُ: معنى الْآيَة على أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون النَّهْي خَاصّا فِي الْمُشْركين الَّذين كَانُوا ممنوعين عَن دُخُول مَكَّة وَسَائِر الْمَسَاجِد، لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم ذمَّة وَكَانَ لَا يقبل مِنْهُم إِلَّا الْإِسْلَام أَو السَّيْف، وهم مشركو الْعَرَب.

стр. 527

أَو أَن يكون المُرَاد (مَنعهم) من دُخُول مَكَّة لِلْحَجِّ. وَلذَلِك أَمر النَّبِي [ ﷺ ] بالنداء يَوْم النَّحْر بمنى فِي السّنة الَّتِي حج فِيهَا أَبُو بكر أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك، وَأنزل الله تَعَالَى فِي الْعَام الَّذِي نبذ فِيهِ أَبُو بكر (إِلَى) الْمُشْركين: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ ، وَحَدِيث عَليّ كرم الله وَجهه حِين أمره النَّبِي [ ﷺ ] بِأَن يبلغ عَنهُ، دَلِيل على أَن المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ لِلْحَجِّ. وَيدل عَلَيْهِ نسق التِّلَاوَة: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله﴾ ، إِنَّمَا (كَانَ) خوف الْعيلَة لانْقِطَاع المواسم بمنعهم من الْحَج، لأَنهم كَانُوا ينعمون بالتجارات الَّتِي كَانَت فِي مواسم الْحَج. فَدلَّ ذَلِك على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ الْحَج دون قرب الْمَسْجِد الْحَرَام لغير الْحَج، إِلَّا أَنه إِذا حمل على ذَلِك كَانَ عُمُوما فِي سَائِر / الْمُشْركين. وَإِذا حمل على دُخُول الْمَسْجِد كَانَ خَاصّا فِي ذَلِك دون قرب الْمَسْجِد، وَالَّذِي فِي الْآيَة النَّهْي عَن قرب الْمَسْجِد. فَغير جَائِز تَخْصِيص الْمَسْجِد (بِهِ) بعد ذكر مَا يقرب مِنْهُ. وَحَدِيث وَفد ثَقِيف يدل عَلَيْهِ، وَالْحرم كُله يعبر عَنهُ بِالْمَسْجِدِ (إِذْ كَانَت) حرمته مُتَعَلقَة بِالْمَسْجِدِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والباد﴾ ، (كُله مُرَاد بِهِ) . وَكَذَلِكَ: ﴿ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق﴾ ، لِأَنَّهُ فِي أَي الْحرم نحر الْبدن أَجزَأَهُ، فَجَائِز على هَذَا أَن يكون المُرَاد بقوله: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ كُله لِلْحَجِّ، إِذْ كَانَ أَكثر أَفعَال الْمَنَاسِك تعلقا بِالْحرم. وَالْحرم كُله فِي معنى الْمَسْجِد لما وَصفنَا، فَعبر عَن الْحرم بِالْمَسْجِدِ وَعبر عَن الْحَج بِالْحرم. وَيدل على أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هَهُنَا الْحرم قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ ، وَمَعْلُوم أَن ذَلِك كَانَ بِالْحُدَيْبِية وَهِي على شَفير الْحرم. وَذكر الْمسور بن

стр. 528

مخرمَة ومروان بن الحكم أَن بَعْضهَا من الْحل وَبَعضهَا من الْحرم، فَأطلق الله تَعَالَى عَلَيْهَا أَنَّهَا عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْد الْحرم، وَأطلق اسْم (النَّجس) على الْمُشْركين. (بَاب للْحَاكِم أَن يحكم بَين أهل الذِّمَّة وَإِن لم يحكموه) لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله إِلَيْك﴾ . وروى مُسلم: عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ: " مر النَّبِي [ ﷺ ] بِيَهُودِيٍّ محمما مجلودا، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ (حد الزَّانِي) فِي كتابكُمْ؟ قَالُوا: نعم، فَدَعَا رجلا من عُلَمَائهمْ فَقَالَ: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى، هَكَذَا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّك (نشدتني) بِهَذَا لم أخْبرك، (نجده الرَّجْم) وَلكنه كثر فِي أشرافنا، فَكُنَّا إِذا أَخذنَا الشريف تَرَكْنَاهُ، وَإِذا أَخذنَا الضَّعِيف أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد. قُلْنَا تَعَالَوْا فلنجتمع على شَيْء نقيمه على الشريف (والوضيع) ، فَجعلنَا التحميم وَالْجَلد مَكَان الرَّجْم. فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : اللَّهُمَّ إِنِّي أول من أَحْيَا أَمرك إِذْ أماتوه، فَأمر بِهِ فرجم، فَأنْزل الله تَعَالَى: (يَا أَيهَا

стр. 529

الرَّسُول لَا يحزنك / الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر ... إِلَى قَوْله تَعَالَى: إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ , وروى مَالك: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵁ أَنه قَالَ: " إِن الْيَهُود جَاءَت إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَذكرُوا أَن رجلا مِنْهُم وَامْرَأَة زَنَيَا، فَقَالَ (لَهُم) رَسُول الله [ ﷺ ] : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن الرَّجْم؟ فَقَالُوا: نفضحهم ويجلدون، فَقَالَ عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ، إِن فِيهَا الرَّجْم فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فنشروها فَوضع أحدهم يَده على آيَة الرَّجْم، ثمَّ قَرَأَ مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام: ارْفَعْ يدك، فَرفع يَده، فَإِذا فِيهَا آيَة الرَّجْم، فَقَالُوا: صدق يَا مُحَمَّد فِيهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله [ ﷺ ] فَرُجِمَا، قَالَ عبد الله بن عمر ﵁: فَرَأَيْت الرجل يحني على الْمَرْأَة يَقِيهَا الْحِجَارَة ". أخرجه مُسلم. فَإِن قيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم﴾ ، دَلِيل على أَنه مُخَيّر (فِي الحكم بَينهم) إِذا حكموه. قيل لَهُ: (قد) روى الطَّحَاوِيّ: عَن السّديّ عَن عِكْرِمَة: (فَإِن جاؤوك

стр. 530

فاحكم بَينهم) ﴿نسختها﴾ (وَأَن احكم بَينهم) بِمَا أنزل الله﴾ . فَثَبت أَن الحكم عَلَيْهِم على إِمَام الْمُسلمين، وَلم يكن لَهُ تَركه، لِأَن فِي حكمه النجَاة فِي قَوْلهم جَمِيعًا. لِأَن من يَقُول عَلَيْهِ أَن يحكم، يَقُول: قد فعل مَا عَلَيْهِ أَن يَفْعَله. وَمن يَقُول هُوَ مُخَيّر، يَقُول: قد فعل مَا لَهُ أَن يَفْعَله. وَإِذا ترك الحكم يَقُول الأول: ترك الْوَاجِب، فَفعل مَا فِيهِ النجَاة على كل تَقْدِير أولى. وَلَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ عَن مَالك دَلِيلا لمن خَالَفنَا، لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ إِنَّمَا رجمهما لِأَنَّهُمَا تحاكما إِلَيّ. فَإِن قيل: فَأنْتم لَا ترجمون الْيَهُود إِذا زنوا. قيل لَهُ: كَانَ حكم الزِّنَى فِي عهد (مُوسَى) رَسُول الله [ ﷺ ] هُوَ الرَّجْم على الْمُحصن وَغَيره، وَكَذَا كَانَ جَوَاب (الْيَهُودِيّ الَّذِي) سَأَلَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] عَن حد الزِّنَا فِي كِتَابهمْ، فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ [ ﷺ ] اتِّبَاع ذَلِك، لِأَن على كل نَبِي اتِّبَاع شَرِيعَة النَّبِي الَّذِي كَانَ قبله - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ - حَتَّى يحدث لَهُ شَرِيعَة تنسخ شَرِيعَته، ثمَّ أحدث الله لنَبيه شَرِيعَة نسخت هَذِه

стр. 531

الشَّرِيعَة، وَفرق فِيهَا بَين حكم الْمُحصن وَغَيره. واليهودي وَالنَّصْرَانِيّ ليسَا بمحصنين. (بَاب لَا يقبل فِي حق من الْحُقُوق إِلَّا شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ) / التِّرْمِذِيّ: عَن عَلْقَمَة بن وَائِل، عَن أَبِيه قَالَ: " جَاءَ رجل من حَضرمَوْت وَرجل من كِنْدَة إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ: يَا رَسُول الله إِن هَذَا غلبني على أَرض لي، فَقَالَ الْكِنْدِيّ: هِيَ أرضي وَفِي يَدي لَيْسَ لَهُ فِيهَا حق، فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] (للحضرمي) : أَلَك بَيِّنَة؟ قَالَ: لَا، قَالَ فلك يَمِينه، قَالَ: يَا رَسُول الله إِن الرجل فَاجر لَا يُبَالِي على مَا حلف عَلَيْهِ وَلَيْسَ يتورع من شَيْء، قَالَ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَّا ذَلِك. قَالَ: فَانْطَلق الرجل ليحلف لَهُ فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] لما أدبر: لَئِن حلف على (مَالك) ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَهَذَا دَلِيل على أَنه لَا يسْتَحق شَيْء إِلَّا بِبَيِّنَة. فَإِن قيل: قد قضى رَسُول الله [ ﷺ ] بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد. قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث دخله الضعْف من وُجُوه. أما حَدِيث ربيعَة عَن سُهَيْل، فقد سَأَلَ الدَّرَاورْدِي سهيلا عَنهُ فَلم يعرفهُ،

стр. 532

وَلَو كَانَ ذَلِك من السّنَن الْمَشْهُورَة والأمور الْمَعْرُوفَة إِذا لما ذهل عَنهُ. وَأما حَدِيث عُثْمَان بن الحكم، عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد، عَن سُهَيْل، عَن أبي صَالح، عَن زيد بن ثَابت. فمنكر أَيْضا لِأَن أَبَا صَالح لَا تعرف لَهُ رِوَايَة عَن (زيد) ، وَلَو كَانَ عِنْد سُهَيْل من هَذَا شَيْء مَا أنكر على الدَّرَاورْدِي مَا ذكره لَهُ عَن ربيعَة وَيَقُول لَهُ (لم) يحدثني أبي عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن حَدثنِي بِهِ عَن زيد بن ثَابت، مَعَ أَن عُثْمَان لَيْسَ بِالَّذِي يثبت هَذَا بروايته. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فمنكر، لِأَن قيس بن سعد لَا نعلمهُ يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار بِشَيْء. فَكيف يحْتَج (بِهِ فِي) مثل هَذَا. وَأما حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد، (عَن أَبِيه) ، عَن جَابر، فَإِن عبد الْوَهَّاب رَوَاهُ كَمَا ذكرْتُمْ، وَأما الْحفاظ مثل مَالك وسُفْيَان وأمثالهما فَرَوَوْه عَن جَعْفَر، عَن أَبِيه،

стр. 533

عَن النَّبِي [ ﷺ ] ، وَلم يذكرُوا فِيهِ عَن جَابر، وَأَنْتُم لَا تحتجون بِعَبْد الْوَهَّاب فِيمَا يُخَالف فِيهِ الثَّوْريّ ومالكا. ثمَّ لَو لم يتنازع فِي طرق هَذَا الحَدِيث، وسلمت على هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي قد رويت عَلَيْهَا، لكَانَتْ مُحْتَملَة للتأويل الَّذِي لَا يقوم لكم حجَّة مَعَه. وَذَلِكَ أَنكُمْ إِنَّمَا رويتم أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد، وَلم يبين فِي الحَدِيث كَيفَ كَانَ (ذَلِك) السَّبَب، وَلَا المستحلف من هُوَ، فقد يجوز أَن يكون ذَلِك على مَا ذكرتكم، وَيجوز أَن يكون (أُرِيد) يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا ادّعى الْمُدَّعِي وَلم يقم على دَعْوَاهُ إِلَّا شَاهدا وَاحِدًا فاستحلف لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] الْمُدعى عَلَيْهِ (فَنقل النَّاس ذَلِك ليعلم النَّاس أَن الْمُدَّعِي تجب لَهُ الْيَمين / على الْمُدعى عَلَيْهِ) ، وَلَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة أَنه قد كَانَ بَينه وَبَين الْمُدعى عَلَيْهِ خلْطَة (وَلبس، وينفي) قَول من ذهب إِلَى ذَلِك وَيثبت الْيَمين مَعَ الدَّعْوَى، وَإِن لم يكن مَعَ الْمُدَّعِي غَيرهَا. وَقد يجوز أَن يكون أَرَادَ بذلك يَمِين الْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد، لِأَن شَهَادَة الْوَاحِد كَانَ مِمَّن يحكم بِشَهَادَتِهِ وَحده وَهُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت، فَإِن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ قد عدل شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ وَادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ الخروح من ذَلِك الْحق إِلَى الْمُدَّعِي فاستحلفه النَّبِي [ ﷺ ] على ذَلِك، وَأُرِيد بِنَقْل هَذَا الحَدِيث ليعلم أَن الْمُدَّعِي إِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ، وَادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ الْخُرُوج من ذَلِك الْحق إِلَيْهِ أَن عَلَيْهِ الْيَمين مَعَ بَينته، فَهَذَا وَجه يحْتَملهُ. فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَأْتِي إِلَى خبر قد احْتمل هَذِه التأويلات فيعطفه على أَحدهَا بِلَا دَلِيل من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع، وَيَزْعُم أَن من خَالف ذَلِك مُخَالف لرَسُول الله [ ﷺ ] ، وَكَيف يكون مُخَالفا وَقد تَأَول ذَلِك على معنى يحْتَمل مَا قَالَ، بل مَا خَالف إِلَّا تَأْوِيل مخالفه وَلم يُخَالف شَيْئا من حَدِيث رَسُول الله.

стр. 534

الطَّحَاوِيّ: عَن (أبي) عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " إِذا بَلغَكُمْ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] حَدِيث فظنوا بِهِ الَّذِي هُوَ أهنى، وَالَّذِي هُوَ أهْدى، وَالَّذِي هُوَ أبقى، وَالَّذِي هُوَ خير " وَهَكَذَا يَنْبَغِي للنَّاس أَن يَفْعَلُوا وَأَن يحسنوا تَحْقِيق ظنونهم، وَلَا يَقُولُوا على رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَّا بِمَا (قد) علمُوا، فَإِنَّهُم مسؤولون عَن ذَلِك معاقبون عَلَيْهِ. وَكَيف يجوز لأحد أَن يحمل حَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] على مَا حمله عَلَيْهِ مخالفنا. وَقد وجدنَا كتاب الله تَعَالَى يَدْفَعهُ وَالسّنة الْمجمع عَلَيْهَا. أما كتاب الله تَعَالَى فَقَوله تَعَالَى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ ، وَقد كَانَ قبل نزُول هَاتين الْآيَتَيْنِ لَا يَنْبَغِي لَهُم أَن يقضوا بِشَهَادَة ألف رجل، وَلَا أَكثر مِنْهُم، وَلَا أقل، لِأَنَّهُ لَا يُوصل بِشَهَادَتِهِم إِلَى حَقِيقَة صدقهم. فَلَمَّا أنزل الله مَا ذكرنَا قطع بذلك الْعذر وَحكم على مَا أَمر بِهِ (على) مَا تعبد بِهِ خلقه وَلم يحكم بِمَا هُوَ / أقل من ذَلِك لِأَنَّهُ لم يدْخل فِيمَا تعبدوا بِهِ. وَأما السّنة الْمُتَّفق عَلَيْهَا فَهُوَ أَنه لَا يحكم بِشَهَادَة جَار إِلَى نَفسه مغنما وَلَا دَافع عَنْهَا مغرما. وَالْحكم بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد - على مَا حمل عَلَيْهِ هَذَا الْمُخَالف (لنا) حَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ]- فِيهِ حكم للْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ، فَذَلِك حكم جَار إِلَى نَفسه مغنما بِيَمِينِهِ، فَهَذِهِ سنة مُتَّفق عَلَيْهَا تدفع الحكم بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، فَأولى

стр. 535

الْأَشْيَاء بِنَا أَن نصرف حَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى مَا يُوَافق كتاب الله تَعَالَى، وَالسّنة الْمُتَّفق عَلَيْهَا، لَا إِلَى مَا يخالفهما أَو يُخَالف أَحدهمَا. وَقَالَ ﵇: " لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ ". فَدلَّ ذَلِك أَن الْيَمين لَا تكون أبدا إِلَّا على الْمُدعى عَلَيْهِ. الطَّحَاوِيّ: عَن الزُّهْرِيّ: " أَن مُعَاوِيَة ﵁ أول من قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد ". فَكَانَ الْأَمر على ذَلِك. وَقد حُكيَ عَن القعْنبِي وَالنَّخَعِيّ أَنه لَا يجوز الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، وَبِه قَالَ ابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى ﵏. (بَاب لَا ترد الْيَمين على الْمُدَّعِي لقَوْله ﵇: " لَو يعْطى النَّاس بدعواهم ... الحَدِيث ") وَأما مَا رُوِيَ أَنه [ ﷺ ] قَالَ فِي الْقسَامَة للْأَنْصَار: " أتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا؟ فَقَالُوا: كَيفَ نقبل أَيْمَان قوم كفار، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : أتحلفون

стр. 536

وتستحقون "، لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على جَوَاز رد الْيَمين، لِأَنَّهُ لم يكن من الْيَهُود رد الْيَمين على الْأَنْصَار فيردها النَّبِي [ ﷺ ] . إِنَّمَا قَالَ: " أتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا؟ فَقَالَت الْأَنْصَار: كَيفَ نقبل أَيْمَان قوم كفار، فَقَالَ أتحلفون وتستحقون "، على النكير مِنْهُ عَلَيْهِم، أَو يجوز أَن يكون كَذَلِك حكم الْقسَامَة. فَلَمَّا احْتمل الحَدِيث هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَجب حمله على مَا روينَا لظُهُور مَعْنَاهُ. فَإِن قيل: هَب أَن هَذِه الْيَمين جربها الْمُدَّعِي إِلَى نَفسه مغنما، لَكِن الْمُدعى عَلَيْهِ قد رَضِي بذلك. قيل لَهُ: رضى الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يُوجب زَوَال الحكم من جِهَته، أَلا ترى لَو أَن رجلا قَالَ: مَا ادّعى عَليّ فلَان من شَيْء فَأَنَّهُ مُصدق، فَادّعى عَلَيْهِ درهما فَمَا فَوْقه هَل يقبل ذَلِك مِنْهُ؟ . أَو قَالَ: قد رضيت بِمَا (يشْهد بِهِ) زيد لرجل فَاسق أَو لرجل جَار / إِلَى نَفسه بِتِلْكَ الشَّهَادَة مغنما، فَشهد زيد عَلَيْهِ بِشَيْء، هَل يحكم بذلك عَلَيْهِ؟ . فَلَمَّا كَانُوا قد اتَّفقُوا أَنه لَا يحكم عَلَيْهِ بِشَيْء من ذَلِك رَضِي أَو لم يرض، ثَبت أَن يَمِين الْمُدَّعِي لَا يجب لَهُ بهَا حق على الْمُدعى (عَلَيْهِ) ، وَإِن رَضِي بِهِ فَلَا يسْتَحْلف. (بَاب الْمَحْدُود فِي الْقَذْف لَا تقبل شَهَادَته إِذا تَابَ) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ .

стр. 537

فَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ خبر وَالِاسْتِثْنَاء دَاخل عَلَيْهِ، لِأَن الْوَاو للاستئناف، إِذْ غير جَائِز أَن تكون للْجمع، لِأَنَّهُ غير جَائِز أَن يَنْتَظِم لفظ وَاحِد الْأَمر وَالْخَبَر. أَلا ترى أَنه لَا يَصح جَمعهمَا فِي كِتَابَة وَلَا فِي لفظ وَاحِد، وَيدل عَلَيْهِ أَنه لم يرجع إِلَى الْحَد إِذْ كَانَ أمرا. (وَنَظِيره قَول الْقَائِل: أعْط زيدا درهما، وَلَا يدْخل فلَان الدَّار، وَفُلَان خَارج إِن شَاءَ الله. فمفهوم هَذَا الْكَلَام الرُّجُوع إِلَى الْخُرُوج، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي آيَة الحراب لِأَن قَوْله: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ ، وَإِن كَانَ أمرا) فِي الْحَقِيقَة فَإِن صورته صُورَة الْخَبَر (فَلَمَّا كَانَ الْجَمِيع فِي صُورَة الْخَبَر) جَازَ رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجَمِيع، وَمَعَ ذَلِك فَإنَّا نقُول: مَتى اخْتلفت صِيغَة الْمَعْطُوف (بعضه) على بعض لم يرجع إِلَّا إِلَى مَا يَلِيهِ، وَلَا يرجع إِلَى مَا تقدم مِمَّا لَيْسَ فِي (مثل) صيغته إِلَّا بِدلَالَة. فَإِن قَامَت الدّلَالَة جَازَ، وَقد قَامَت الدّلَالَة فِي الْمُحَاربين

стр. 538

وَلم تقم فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ، وَالْوَاو إِنَّمَا تكون للْجمع فِيمَا لَا يخْتَلف مَعْنَاهُ وينتظمه جملَة وَاحِدَة فَيصير الْكل كالمذكور مَعًا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾ كَأَنَّهُ قَالَ: فَاغْسِلُوا هَذِه الْأَعْضَاء. وَآيَة الْقَذْف ابْتِدَاؤُهَا أَمر وَآخِرهَا خبر، وَلَا يجوز أَن ينتظمها جملَة وَاحِدَة، فَكَانَت الْوَاو للاستئناف، إِذْ غير جَائِز دُخُول معنى الْخَبَر فِي لفظ الْأَمر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم﴾ ، لَا يجوز أَن يكون عَائِدًا إِلَى قَوْله: ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ لِأَن التَّوْبَة تزيل عَذَاب الْآخِرَة قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِم وَبعدهَا. فَعلمنَا أَن هَذِه التَّوْبَة مَشْرُوطَة للحد دون غَيره، وَالتَّوْبَة الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْآيَة إِنَّمَا هِيَ التَّوْبَة من الْقَذْف وإكذاب نَفسه فِيهِ، لِأَنَّهُ بِهِ اسْتحق سمة الْفسق / وَقد كَانَ جَائِزا أَن تبقى سمة الْفسق عَلَيْهِ إِذا تَابَ من سَائِر الذُّنُوب وَلم يكذب نَفسه، فَأخْبر الله تَعَالَى بِزَوَال اسْم (الْفسق) عَنهُ إِذا كذب نَفسه. وَوَجهه أَن سمة الْفسق إِنَّمَا لَزِمته بِوُقُوع الْجلد بِهِ، وَلم يمْتَنع عِنْد إِظْهَار التَّوْبَة أَن لَا تكون مَقْبُولَة فِي ظَاهر الْحَال وَإِن كَانَت مَقْبُولَة عِنْد الله تَعَالَى، لأَنا لم نقف على حَقِيقَة تَوْبَته، فَكَانَ جَائِزا أَن يتعبدنا بِأَنا لَا نصدقه على تَوْبَته، وَأَن نتركه على الْجُمْلَة، وَلَا نتولاه على حسب مَا نتولى سَائِر أهل التَّوْبَة. فَلَمَّا كَانَ ذَلِك جَائِزا ووردت الْعِبَادَة (بِهِ) أفادتنا الْآيَة قبُول تَوْبَته، وجوب موالاته وتصديقه على مَا أظهر من تَوْبَته. وَإِلَى هَذَا ذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵁.

стр. 539

(بَاب من كَانَ عِنْده شَهَادَة لإِنْسَان وَجب عَلَيْهِ أَن يخبر بهَا وَإِن لم يسْأَل، وَيجب على الْحَاكِم قبُولهَا) مُسلم: عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵁ أَن رَسُول الله قَالَ: " أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء، الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا ". قَالَ مَالك: " الَّذِي يخبر بِشَهَادَتِهِ وَلَا يعلم بهَا الَّذِي هِيَ لَهُ أَو يَأْتِي بهَا الإِمَام ". قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَقد فعل أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] ذَلِك، فَأتوا الإِمَام فَشَهِدُوا بذلك ابْتِدَاء، مِنْهُم أَبُو بكرَة وَمن كَانَ مَعَه حِين شهدُوا على الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَرَأَوا ذَلِك لأَنْفُسِهِمْ لَازِما، وَلم يمنعهُم عمر على ابتدائهم إِيَّاه بذلك، بل سمع شَهَادَتهم وَلم يُنكر عَلَيْهِم ". فَإِن قيل: (فقد) صَحَّ عَن عمرَان بن الْحصين أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " خير النَّاس قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، قَالَ عمرَان: فَلَا أَدْرِي قَالَ بعد قرنه مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، ثمَّ يكون بعدهمْ قوم يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون، ويحلفون وَلَا يستحلفون ".

стр. 540

قيل لَهُ: (المُرَاد بِهَذَا شَهَادَة الزُّور، وَكَذَلِكَ يحلفُونَ وَلَا يستحلفون) أَرَادَ أَن يحلف على شَيْء هُوَ فِيهِ آثم، وَلِهَذَا جَاءَ فِي بعض الطّرق: " ثمَّ يفشوا الْكَذِب ". (بَاب تقبل شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض) قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وحَدثني ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ أَنه سمع رجلا من أهل الْعلم من مزينة يحدث عَن سعيد / بن الْمسيب أَن أَبَا هُرَيْرَة حَدثهمْ: أَن أَحْبَار الْيَهُود اجْتَمعُوا فِي بَيت (الْمِدْرَاس حِين) قدم رَسُول الله [ ﷺ ] الْمَدِينَة، وَقد زنى رجل مِنْهُم بعد إحْصَانه بِامْرَأَة من يهود قد أحصنت، فَقَالُوا: ابْعَثُوا بِهَذَا الرجل وَهَذِه الْمَرْأَة إِلَى مُحَمَّد فسلوه كَيفَ الحكم فيهمَا، وولوه الحكم عَلَيْهِمَا، فَإِن عمل فيهمَا بعلمكم من التجبية - وَالتَّجْبِيَة: الْجلد بِحَبل من لِيف مطلى بقار، ثمَّ يسود وُجُوههمَا، ثمَّ يحْملَانِ على حِمَارَيْنِ وَيجْعَل وُجُوههمَا قبل أدبار الحمارين - فَاتَّبعُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ ملك وَصَدقُوهُ. وَإِن هُوَ حكم فيهمَا بِالرَّجمِ فَإِنَّهُ نَبِي فَاحْذَرُوهُ على مَا فِي أَيْدِيكُم أَن يسلبكموه. فَأتوهُ فَقَالُوا يَا مُحَمَّد: هَذَا رجل قد زنى بعد إحْصَانه بِامْرَأَة قد أحصنت فاحكم فيهمَا فقد وليناك الحكم فيهمَا. فَمشى رَسُول الله [ ﷺ ] حَتَّى أَتَى أَحْبَارهم فِي بَيت الْمِدْرَاس فَقَالَ: يَا معشر يهود أخرجُوا إِلَيّ علماءكم، فأخرجوا عبد الله بن صوريا. قَالَ

стр. 541

ابْن إِسْحَاق: و (قد) حَدثنِي بعض بني قُرَيْظَة أَنهم أخرجُوا إِلَيْهِ مَعَ ابْن صوريا أَبَا يَاسر بن أَخطب، ووهب بن يهودا، فَقَالُوا هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُنَا، فَسَأَلَهُمْ رَسُول الله [ ﷺ ] ، ثمَّ تحصل أَمرهم إِلَى أَن قَالُوا: لعبد الله بن صوريا هَذَا أعلم من بَقِي بِالتَّوْرَاةِ. فَخَلا بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ]- وَكَانَ غُلَاما شَابًّا من أحدثهم سنا - فألط بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] الْمَسْأَلَة، يَقُول لَهُ: يَا ابْن صوريا أنْشدك الله، وأذكرك بأيامه عِنْد بني إِسْرَائِيل، هَل تعلم أَن الله حكم فِيمَن زنى بعد إحْصَانه بِالرَّجمِ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نعم أم وَالله يَا أَبَا الْقَاسِم إِنَّهُم ليعرفون أَنَّك لنَبِيّ مُرْسل، وَلَكنهُمْ يحسدونك. قَالَ: فَخرج رَسُول الله [ ﷺ ] فَأمر بهما فَرُجِمَا عِنْد بَاب مَسْجده فِي بني غنم بن النجار، ثمَّ كفر بعد ذَلِك ابْن صوريا وَجحد نبوة رَسُول الله [ ﷺ ] . (بَاب قَضَاء القَاضِي فِي الْعُقُود والفسوخ ينفذ ظَاهرا وَبَاطنا) وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن النَّبِي [ ﷺ ] فرق بَين المتلاعنين. وَقد علمنَا أَنه (لَو) علم صدق الْمَرْأَة لحد الزَّوْج لَهَا بقذفه إِيَّاهَا، وَلَو علم أَن الزَّوْج صَادِق لحد الْمَرْأَة للزِّنَا وَلم يفرق بَينهمَا. فَلَمَّا خَفِي عَلَيْهِ الصَّادِق مِنْهُمَا وَجب حكم آخر / وَهُوَ حُرْمَة الْفرج فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن. وَكَذَلِكَ حكم رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الْمُتَبَايعين إِذا اخْتلفَا والسلعة قَائِمَة أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ ويترادان، وتعود الْجَارِيَة إِلَى البَائِع وَيحل لَهُ فرجهَا، وَتحرم على المُشْتَرِي، وَلَو علم الْكَاذِب مِنْهُمَا إِذا لقضى بِمَا قَالَ الصَّادِق مِنْهُمَا وَلم يقْض بِفَسْخ بيع وَلَا بِوُجُوب حُرْمَة فرج الْجَارِيَة الْمَبِيعَة على المُشْتَرِي. فَلَمَّا ثَبت هَذَا فِي المتلاعنين والمتبايعين ثَبت أَن يكون كل قَضَاء بِمَا لَيْسَ فِيهِ تمْلِيك أَمْوَال كَذَلِك. وَأما قَوْله ﵇: " إِنَّمَا أَنا بشر وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ

стр. 542

بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ (على) نَحْو مَا أسمع (مِنْهُ) ، فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من (حق) أَخِيه (فَلَا يأخذنه) فَإِنَّمَا اقتطع لَهُ قِطْعَة من النَّار "، فَهُوَ مَحْمُول على الْأَمْوَال، وَهُوَ ظَاهر فِيهَا جمعا بَينه وَبَين مَا ذكرنَا من الْأَحْكَام المروية عَن رَسُول الله [ ﷺ ] . (ذكر الْغَرِيب:) أَلحن بحجته: أَي أفطن لَهَا، واللحن بِفَتْح الْحَاء: الفطنة، يُقَال مِنْهُ (لحنت الشَّيْء) بِكَسْر الْحَاء أَلحن لحنا، وَرجل لحن: أَي فطن، واللحن بِسُكُون الْحَاء: الْخَطَأ. ذكره فِي الْغَرِيب. (بَاب لَا يجوز الحكم بالقافة) الطَّحَاوِيّ: عَن عُرْوَة بن الزبير: " أَن عَائِشَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] أخْبرته أَن النِّكَاح كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة على أَرْبَعَة أنحاء: فَمِنْهُ أَن يجْتَمع الرِّجَال الْعدَد على الْمَرْأَة

стр. 543

لَا تمْتَنع مِمَّن جاءها، وَهن البغايا، وَكن ينصبن على أبوابهن الرَّايَات، فيطأها كل من دخل عَلَيْهَا، فَإِذا حملت وَوضعت حملهَا جمع لَهَا الْقَافة فَأَيهمْ ألحقوه بِهِ صَار أَبَاهُ ودعي ابْنه لَا يمْتَنع من ذَلِك. فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ هدم نِكَاح الْجَاهِلِيَّة وَأقر نِكَاح أهل الْإِسْلَام ". فَفِي هَذَا الحَدِيث (دَلِيل) أَن الحكم بِالنّسَبِ بقول الْقَافة كَانَ حكم الْجَاهِلِيَّة، فهدمه النَّبِي [ ﷺ ] وَأقر حكم الْإِسْلَام. وَأما مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " دخل مجزز المدلجي على رَسُول الله [ ﷺ ] فَرَأى أُسَامَة وزيدا عَلَيْهِمَا قطيفة قد غطيا رؤوسهما فَقَالَ: / إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض، فَدخل رَسُول الله [ ﷺ ] مَسْرُورا ". فسرور رَسُول الله [ ﷺ ] بقول مجزز المدلجي (لَيْسَ) فِيهِ دَلِيل على (وجوب الحكم) بقول الْقَافة لِأَن أُسَامَة كَانَ نسبه ثَابتا من زيد قبل ذَلِك، وَلم يحْتَج النَّبِي [ ﷺ ] فِي ذَلِك إِلَى قَول أحد، وَلَوْلَا ذَلِك لما دعِي أُسَامَة فِيمَا تقدم إِلَى زيد. وَإِنَّمَا تعجب النَّبِي [ ﷺ ]

стр. 544

من (إِصَابَة مجزز) كَمَا يتعجب من ظن الرجل الَّذِي يُصِيب ظَنّه حَقِيقَة الشَّيْء الَّذِي ظَنّه، وَلَا يجب الحكم بذلك. وَترك رَسُول الله [ ﷺ ] الْإِنْكَار عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يتعاط بذلك إِثْبَات مَا لم يكن ثَابتا. قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " وَقد رُوِيَ عَن عمر ﵁ من وُجُوه صِحَاح مَا يدل على مَا ذكرنَا. من ذَلِك مَا رُوِيَ عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عمر: أَن رجلَيْنِ اشْتَركَا فِي ظهر امْرَأَة، فَولدت (لَهما) ولدا، فَدَعَا عمر ﵁ الْقَافة (فَقَالُوا) : أخذا الشّبَه مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَجعله بَينهمَا. وَعَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب: أَن رجلَيْنِ اشْتَركَا فِي ظهر امْرَأَة فَولدت لَهما ولدا، فارتفعا إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁، فَدَعَا (لَهُ) ثَلَاثَة نفر من الْقَافة فَدَعَا بِتُرَاب فوطئ فِيهِ الرّجلَانِ والغلام، ثمَّ قَالَ لأَحَدهم: انْظُر، فَنظر واستقبل واستدبر ثمَّ قَالَ: أسر أم أعلن؟ قَالَ عمر: بل أسر، قَالَ: (لقد) أَخذ الشّبَه مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَمَا أَدْرِي لأيهما هُوَ فأجلسه ثمَّ قَالَ لآخر: انْظُر، فَنظر واستقبل واستدبر ثمَّ قَالَ: أسر أم أعلن؟ قَالَ عمر: (بل) أسر، قَالَ: لقد أَخذ الشّبَه مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَمَا أَدْرِي لأيهما هُوَ. ثمَّ أَمر الثَّالِث فَنظر فَاسْتقْبل واستعرض واستدبر ثمَّ قَالَ: أسر أم أعلن؟ قَالَ: أعلن، قَالَ: لقد أَخذ الشّبَه مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَمَا أَدْرِي لأيهما هُوَ، فَجعله لَهما يرثهما ويرثانه. فَقَالَ لي سعيد بن الْمسيب: أَتَدْرِي من عصبته؟ قلت: لَا، قَالَ: الْبَاقِي مِنْهُمَا ". فَجعله عمر لَهما مَعَ قَول الْقَافة لَا نَدْرِي لأيهما هُوَ.

стр. 545

وَهَذَا دَلِيل على أَنه لم يعْمل بقَوْلهمْ، وَمن يَقُول بقول الْقَافة لَا يحكم بِكَوْنِهِ من اثْنَيْنِ، وَإِنَّمَا دَعَا عمر الْقَافة لِأَنَّهُ وَقع بِقَلْبِه أَن حملا لَا يكون من رجلَيْنِ، فَدَعَاهُمْ ليعلم مِنْهُم هَل يكون ولد من نُطْفَة رجلَيْنِ؟ وَقد بَين هَذَا / مَا رُوِيَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَن الْقَافة لما قَالُوا هَذَا من هذَيْن، فَقَالَ عمر: " يَا عجبا لما يَقُول هَؤُلَاءِ، قد كنت أعلم أَن الكلبة تنْتج الْكلاب ذَات الْعدَد، وَلم أكن أشعر أَن النِّسَاء يفعلن ذَلِك (قبل) هَذَا. أرى مَا ترَوْنَ (اذْهَبْ) فهما أَبَوَاك ". الطَّحَاوِيّ: عَن سماك (عَن) مولى لبني مَخْزُوم (قَالَ) : وَقع رجلَانِ على جَارِيَة فِي طهر وَاحِد فعلقت، فَلم يدر من أَيهمَا هُوَ، فَأتيَا عمر بن الْخطاب ﵁ يختصمان فِي الْوَلَد، فَقَالَ عمر: مَا أَدْرِي كَيفَ أَقْْضِي فِي هَذَا، فَأتيَا عليا فَقَالَ: هُوَ بَيْنكُمَا يرثكما وترثانه وَهُوَ للْبَاقِي مِنْكُمَا ". فَهَذَا عَليّ ﵇ قد حكم بِالْوَلَدِ لمدعييه جَمِيعًا وَلم يحْتَج إِلَى قَول الْقَافة. قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " فَبِهَذَا نَأْخُذ ". وَالله أعلم. (بَاب مَا كسب الْوَلَد من شَيْء فَهُوَ لَهُ دون أَبِيه) الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁: " أَن

стр. 546

رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ لرجل: أمرت بِيَوْم الْأَضْحَى عيدا جعله الله لهَذِهِ الْأمة، فَقَالَ الرجل: أَفَرَأَيْت إِن لم أجد إِلَّا منيحة ابْني أفأضحي بهَا قَالَ: لَا ". وَقَوله ﵇: " أَنْت وَمَالك لأَبِيك "، مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي للِابْن أَن يُخَالف الْأَب فِي شَيْء من ذَلِك، وَأَن يَجْعَل أمره فِيهِ نَافِذا كأمره فِيمَا يملك. أَلا ترَاهُ يَقُول: " أَنْت وَمَالك لأَبِيك ". فَلم يكن الابْن مَمْلُوكا للْأَب بِإِضَافَة النَّبِي [ ﷺ ] ، فَكَذَلِك لَا يكون مَالِكًا لمَاله بِهَذِهِ الْإِضَافَة. وَقد أجمع الْمُسلمُونَ أَن الابْن إِذا ملك جَارِيَة حل لَهُ وَطْؤُهَا، فَلَو كَانَ مَاله لِأَبِيهِ لحرم عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لحُرْمَة وَطْء جَارِيَة أَبِيه. (بَاب من ابْتَاعَ سلْعَة فقبضها ثمَّ مَاتَ أَو أفلس فثمنها عَلَيْهِ، وبائع السّلْعَة وَسَائِر الْغُرَمَاء سَوَاء، لِأَن ملكه قد زَالَ (عَنْهَا) وَخرجت من ضَمَانه، وَصَارَ غريما من غُرَمَاء الْمَطْلُوب، يُطَالِبهُ بدين فِي ذمَّته، وَلَا وَثِيقَة (فِي يَده بِهِ) ، فهم وَهُوَ فِي جَمِيع مَاله سَوَاء) فَإِن قيل: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " أَيّمَا رجل أفلس فَأدْرك رجل مَاله بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِهِ من غَيره ".

стр. 547

(وَعَن ابْن خلدَة الزرقي قَالَ: " جِئْنَا أَبَا هُرَيْرَة فِي صَاحب لنا قد أفلس، قَالَ: هَذَا الَّذِي قضى فِيهِ رَسُول الله [ ﷺ ] : أَيّمَا رجل مَاتَ أَو أفلس فَصَاحب الْمَتَاع أَحَق بمتاعه إِذا وجده بِعَيْنِه ") . قيل لَهُ: لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل على خلاف مَا ذكرنَا لِأَن فِيهِ قَوْله: " مَا لَهُ بِعَيْنِه "، وَالْمَبِيع لَيْسَ هُوَ عين مَاله (لِخُرُوجِهِ عَن ملكه) ، وَإِنَّمَا هُوَ عين مَال قد كَانَ لَهُ، وَإِنَّمَا مَاله بِعَيْنِه يَقع على الْمَغْصُوب، والعواري، والودائع، وَمَا أشبه ذَلِك، فَذَلِك أَحَق بِهِ / من سَائِر الْغُرَمَاء. وَقد روى الطَّحَاوِيّ: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من سرق لَهُ مَتَاع أَو ضَاعَ لَهُ مَتَاع فَوَجَدَهُ فِي يَد رجل بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِعَيْنِه، وَيرجع المُشْتَرِي على البَائِع بِالثّمن ". وَهَذَا كَلَام صَحِيح، وَفِيه فَائِدَة وَذَلِكَ أَنه ﵇ أعلمهم أَن الرجل إِذا أفلس وَجب أَن يقسم جَمِيع مَا فِي يَده بَين غُرَمَائه فَثَبت ملك رجل لبَعض مَا فِي يَده أَنه أولى بذلك وَإِذا كَانَ ذَلِك الَّذِي فِي يَده قد ملكه (وغر فِيهِ فَلَا يجب لَهُ فِيهِ حكم إِذا

стр. 548

كَانَ مغرورا) . فعلمهم بِهَذَا الحَدِيث مَا علمهمْ بِحَدِيث سَمُرَة وَنفى أَن يكون الْمَغْرُور الَّذِي يشكل حكمه عِنْد الْعَامَّة يسْتَحق بذلك الْغرُور شَيْئا. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " أَيّمَا رجل بَاعَ سلْعَة فَأدْرك سلْعَته (بِعَينهَا) عِنْد رجل قد أفلس وَلم يكن قبض من ثمنهَا شَيْئا فَهِيَ لَهُ، وَإِن كَانَ قبض مِنْهَا شَيْئا فَمَا بَقِي فَهُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء، (وَأَيّمَا امْرِئ هلك وَعِنْده مَال امْرِئ بِعَيْنِه - اقْتضى مِنْهُ شَيْئا أَو لم يقتض - فَهُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء) . قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ أَنه مُضْطَرب الحَدِيث، وَلَا يثبت هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ مُسْندًا وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسل. (وَيَقْتَضِي أَن السّلْعَة لَو انْتَقَلت إِلَى عشرَة أنفس فَوجدَ صَاحبهَا عِنْد الْعَاشِر وَهُوَ مُفلس أَن يَأْخُذهَا من الْعَاشِر الْمُفلس، وَهَذَا خلاف الْإِجْمَاع، فَالْحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بِالْإِجْمَاع) . ثمَّ نقُول هَذَا الحَدِيث (قد فرق فِيهِ بَين حكم التَّفْلِيس وَالْمَوْت، فَهُوَ غير الحَدِيث الأول، فَيكون الحَدِيث الأول) مُسْتَعْملا من حَيْثُ تأولنا، وَيكون هَذَا الحَدِيث (حَدِيثا) شاذا مُنْقَطِعًا لَا تقوم بِهِ حجَّة فَيجب ترك اسْتِعْمَاله. وَقد ذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر أَن قَتَادَة روى عَن خلاس بن عَمْرو، عَن عَليّ قَالَ: " هُوَ فِيهَا أُسْوَة الْغُرَمَاء إِذا وجدهَا بِعَينهَا ".

стр. 549

وروى الثَّوْريّ عَن مُغيرَة، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: هُوَ والغرماء فِيهِ شرع سَوَاء، وَالله أعلم. (بَاب فِي الْقدر الَّذِي يصير بِهِ الْمَرْء بَالغا) إِذا بلغ الْغُلَام ثَمَانِيَة عشر سنة حكم بِبُلُوغِهِ، لِأَن الْعَادة فِي الْبلُوغ خَمْسَة عشر سنة وكل مَا كَانَ طَرِيقه الْعَادَات يجوز فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. وَقد وجدنَا من بلغ فِي اثْنَي عشر (سنة) . وَقد بَينا أَن الزِّيَادَة على الْمُعْتَاد من الْخَمْسَة عشر جَائِزَة كالنقصان. فَجعل أَبُو حنيفَة ﵁ الزِّيَادَة على الْمُعْتَاد كالنقصان مِنْهُ وَهِي ثَلَاث سِنِين، كَمَا أَنه ﵇ (لما) جعل الْمُعْتَاد من حيض النِّسَاء سِتا أَو سبعا اقْتضى أَن يكون الْمُعْتَاد / سِتا وَنصفا، لِأَنَّهُ جعل السَّابِع مشكوكا فِيهِ بقوله: " أَو سبعا "، ثمَّ قد ثَبت عندنَا أَن النُّقْصَان من الْمُعْتَاد ثَلَاث وَنصف، فَكَانَت الزِّيَادَة على الْمُعْتَاد بأَدَاء النُّقْصَان مِنْهُ، وَجب أَن يكون كَذَلِك (اعْتِبَارا بِالزِّيَادَةِ) على الْمُعْتَاد. وَهَذَا لِأَن طَرِيق إِثْبَات الْبلُوغ إِنَّمَا هُوَ الِاجْتِهَاد، لِأَنَّهُ حد بَين الصَّغِير وَالْكَبِير اللَّذين قد عرفنَا طريقهما، وَهُوَ وَاسِطَة بَينهمَا، فَكَانَ طَرِيقه الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ يتَوَجَّه على الْقَائِل بِمَا وَصفنَا سُؤال كالمجتهد فِي تَقْوِيم الْمُتْلفَات، وأروش الْجِنَايَات الَّتِي لَا تَوْقِيف فِي مقاديرها. ومهور النِّسَاء وَنَحْو ذَلِك. فَإِن قيل: رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵁ أَنه قَالَ: " عرضت على رَسُول الله [ ﷺ ] يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة فردني وَلم يرني بلغت، وَعرضت عَلَيْهِ

стр. 550

يَوْم الخَنْدَق وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة فأجازني ". قيل لَهُ: لَا دلَالَة فِي هَذَا، لِأَنَّهُ ﵇ (لم يسْأَله عَن الِاحْتِلَام وَلَا عَن) السن، وَإِنَّمَا اعْتبر وَالله أعلم قوته وَضَعفه. (ثمَّ) ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ يَنْفِي أَن يكون مُدَّة الْبلُوغ خمس عشرَة سنة. وَأما حَدِيث الإنبات فَهُوَ مُخْتَلف الْأَلْفَاظ. فِي بَعْضهَا أَنه أَمر بقتل من جرت عَلَيْهِ المواسي، وَفِي بَعْضهَا من اخضر إزَاره، وَمَعْلُوم أَنه لَا يبلغ هَذَا (الْحَال) إِلَّا وَقد تقدم بُلُوغه، وَلَا يكون قد جرت عَلَيْهِ المواسي إِلَّا وَهُوَ رجل كَبِير. فَجعل الإنبات وجري المواسي كِنَايَة عَن بُلُوغ الْقدر الَّذِي ذكرنَا فِي السن. وَفِي هَذَا الحَدِيث رجل مَجْهُول لَا يعرف إِلَّا من هَذَا الْخَبَر، لَا سِيمَا مَعَ اعتراضه على الْآيَة فِي نفي الْبلُوغ (إِلَّا) بالاحتلام، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يبلغ أشده﴾ ﴿إسرافا وبدارا أَن يكبروا﴾ ﴿حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح﴾ وَذكر مَعَه إيناس الرشد. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: ﴿إِذا بلغ أشده﴾ : ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة، ﴿واستوى﴾ : أَرْبَعُونَ أَو لم نُعَمِّركُمْ الْعُمر الَّذِي أعْمرهُ الله ابْن آدم سِتُّونَ سنة، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذا بلغ أشده وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة﴾ . وَجَائِز أَن يُرَاد (بِهِ) قبل الْأَرْبَعين وَقبل الاسْتوَاء.

стр. 551

وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالأشد لَيْسَ لَهُ مِقْدَار مَعْلُوم فِي الْعَادة لَا يزِيد عَلَيْهِ وَلَا ينقص، وَقد تخْتَلف أَحْوَال النَّاس فِيهِ، فَيبلغ بَعضهم الأشد فِي مُدَّة لَا يبلغ فِيهَا غَيره، لِأَنَّهُ إِن كَانَ هُوَ اجْتِمَاع الرَّأْي واللب / بعد الِاحْتِلَام، أَو اجْتِمَاع الْقُوَّة وَكَمَال الْجِسْم، فَهُوَ مُخْتَلف أَيْضا. وكل مَا كَانَ مَبْنِيا على الْعَادَات لم يقطع (بِهِ) على وَقت معِين إِلَّا بتوقيف أَو إِجْمَاع. (بَاب الْحجر على الْحر الْعَاقِل بَاطِل) لِأَنَّهُ، مُكَلّف فَلَا يحْجر عَلَيْهِ كَمَا لَا يحْجر على الرشيد، وَلِأَن الْحجر لدفع الضَّرَر عَنهُ وأضر الْأَشْيَاء سلب ولَايَته وإلحاقه بالبهائم، وَلِأَنَّهُ يقدر على إِتْلَاف مَاله كُله يتزويج النِّسَاء وطلاقهن قبل الدُّخُول فَلَا فَائِدَة (فِيهِ) . فَإِن قيل: روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن كَعْب بن مَالك، عَن (أَبِيه: " أَن) رَسُول الله [ ﷺ ] (حجر على معَاذ مَاله) فِي دين كَانَ عَلَيْهِ ". وَعَن عبد الله بن كَعْب قَالَ: " كَانَ معَاذًا شَابًّا سخيا، وَكَانَ لَا يمسك شَيْئا، فَلم يزل يدان حَتَّى أغرق مَاله كُله فِي الدّين، فَأتى رَسُول الله [ ﷺ ] ليكلم غرماءه، فَلَو تركُوا (لأحد) تركُوا لِمعَاذ من أجل رَسُول الله ﷺ فَبَاعَ مَاله حَتَّى قَامَ معَاذ بِغَيْر شَيْء ". قيل لَهُ: هَذِه حِكَايَة حَال لَا تمنع من تطرق الِاحْتِمَال، فَلَعَلَّهُ بَاعَ مَاله بأَمْره أَو بِرِضَاهُ.

стр. 552

فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن أنس ﵁: " أَن رجلا كَانَ فِي عقدته ضعف، وَكَانَ يُبَايع، وَأَن أَهله أَتَوا رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالُوا يَا رَسُول الله: احجر عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نَبِي الله [ ﷺ ] فَنَهَاهُ عَن البيع، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لَا أَصْبِر عَن البيع، فَقَالَ: إِذا بَايَعت فَقل لَا خلابة ". قَالُوا: وَهَذَا يدل على جَوَاز الْحجر لِأَنَّهُ لم ينههم لما سَأَلُوا الْحجر عَلَيْهِ. قيل لَهُ: إِن لم ينههم صَرِيحًا فقد نَهَاهُم دلَالَة، حَيْثُ أعرض عَن سُؤَالهمْ وَلم يجبهم إِلَيْهِ، بل نَهَاهُ عَن البيع، فَلَمَّا قَالَ لَا أَصْبِر علمه مَا يتَخَلَّص بِهِ من الْغبن. فَلَيْسَ فِي هَذِه الْأَحَادِيث مَا يدل على جَوَاز الْحجر عَلَيْهِ. (بَاب الْكفَالَة بِمَال عَن الْمَيِّت جَائِزَة (غير لَازِمَة) البُخَارِيّ: عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ: " كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] فَأتي بِجنَازَة، فَقَالَ: هَل ترك من دين؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: (فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ أُتِي بِأُخْرَى، فَقَالَ: هَل ترك من دين؟ قَالُوا: لَا، قَالَ) : هَل ترك من شَيْء؟ قَالُوا: نعم، ثَلَاثَة دَنَانِير، قَالَ: بأصابعه ثَلَاث كيات، ثمَّ أُتِي بالثالثة فَقَالَ: هَل ترك من دين؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: هَل ترك من شَيْء؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: صلوا على صَاحبكُم، فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار: عَليّ دينه يَا رَسُول الله، قَالَ: فصلى عَلَيْهِ ".

стр. 553

وَمن طَرِيق آخر: " فتحملهما أَبُو قَتَادَة - يَعْنِي لدينارين كَانَا عَلَيْهِ - ثمَّ صلى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ بعد: مَا فعل الديناران؟ قَالَ: أديتهما، قَالَ: الْآن بردت جلدته من النَّار ". وَأما أَنَّهَا غير لَازِمَة، فَلِأَن الْكفَالَة لُغَة: الضَّم، وَفِي الشَّرْع: عبارَة عَن ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة. وَذمَّة الْمَيِّت قد فَاتَت بِمَوْتِهِ، فَإِنَّهُ (بنى) على أَهْلِيَّة الْعَهْد والميثاق وَتحمل الْأَمَانَة، وَذَلِكَ مَشْرُوط بِالْحَيَاةِ. وَيدل عَلَيْهِ سُقُوط الدّين عَن الْحَرْبِيّ إِذا اسْترق لضعف ذمَّته، فالميت أولى.

стр. 554

(كتاب الْإِيمَان وَالنُّذُور) (بَاب) من حرم على نَفسه شَيْئا مِمَّا يملكهُ لم يصر محرما عَلَيْهِ، وَعَلِيهِ (إِن) استباحه كَفَّارَة يَمِين. فَإِذا قَالَ: حرمت على نَفسِي هَذَا الرَّغِيف، فَأكل مِنْهُ شَيْئا يَسِيرا حنث وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة. وَلَو قَالَ: وَالله لَا آكل هَذَا الرَّغِيف، فَأكل نصفه لم يَحْنَث. لِأَن أَصْحَابنَا شبهوا تَحْرِيم الرَّغِيف على نَفسه بِمَنْزِلَة قَوْله: وَالله لَا أكلت من هَذَا الرَّغِيف شَيْئا، تَشْبِيها لَهُ بِسَائِر مَا حرم الله. وَالْمُعْتَمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نقلا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك وَالله غَفُور رَحِيم قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ . (بَاب) اللَّغْو مَا يكون خَالِيا عَن فَائِدَة الْيَمين (شرعا ووضعا، لِأَن فَائِدَة الْيَمين)

стр. 555

إِظْهَار الصدْق من الْخَبَر، فَإِذا أضيف إِلَى خبر لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الصدْق كَانَ خَالِيا عَن فَائِدَة الْيَمين. وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيما﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون﴾ . وَمَعْلُوم أَن مُرَاد الْمُشْركين التصنت، أَي (إِن) لم تقدروا على المغالبة بِالْحجَّةِ. فاشتغلوا بِمَا هُوَ خَال عَن الْفَائِدَة من الْكَلَام، ليحصل مقصودكم بطرِيق المغالبة دون المحاجة، وَلم يكن قصدهم التَّكَلُّم بِغَيْر قصد. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما﴾ أَي: صَبَرُوا عَن الْجَواب. وَذَلِكَ فِي الْكَلَام الْخَالِي عَن الْفَائِدَة، دون مَا يجْرِي من غير قصد. وَهَذَا قَول / حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، ﵀. (بَاب اللُّؤْلُؤ وَحده لَيْسَ بحلي) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله﴾ وَهَذَا فِي الذَّهَب دون اللُّؤْلُؤ إِذْ لَا يُوقد عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿حلية تلبسونها﴾ إِنَّمَا سَمَّاهُ حلية فِي حَال اللّبْس، وَهُوَ لَا يلبس وَحده فِي الْعَادة، وَإِنَّمَا يلبس مَعَ الذَّهَب. وَمَعَ هَذَا فَإِن (إِطْلَاق) الْحِلْية عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن لَا يُوجب حمل الْيَمين عَلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله

стр. 556

تَعَالَى: ﴿وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طريا﴾ . (بَاب الْعِنَب وَالرّطب وَالرُّمَّان لَيْسُوا بفاكهة) " قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِيهَا فَاكِهَة وَالنَّخْل ذَات الأكمام﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ ؛ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حبا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ ، وَمُقْتَضى الْعَطف الْمُغَايرَة. فَإِن قيل: لَو دلّ الْعَطف على أَن الْعِنَب وَالرّطب وَالرُّمَّان لَيْسُوا من الْفَوَاكِه. لدل قَوْله تَعَالَى: ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ (على أَن جِبْرِيل وميكال) ليسَا من الْمَلَائِكَة. قيل لَهُ: مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الأَصْل فِي الْعَطف، وَخُرُوج هَذَا عَن الأَصْل لَا يُوجب خُرُوج غَيره. (ذكر الْغَرِيب:) القضب: الرّطبَة، والغلب: الملتفة، وَالْأَب: المرعى، وَالله أعلم.

стр. 557

(بَاب من حلف لَا يكلم فلَانا شهرا) وَكَانَ الْحلف مَعَ رُؤْيَة الْهلَال فَهُوَ على ذَلِك الشَّهْر كَامِلا كَانَ أَو نَاقِصا. وَإِن كَانَ حلف على بعض الشَّهْر فيمينه على ثَلَاثِينَ يَوْمًا، تمسكا بقوله ﷺ : " فَإِذا رَأَيْتُمُوهُ فصوموا وَإِذا غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ يَوْمًا ". وروى الطَّحَاوِيّ: عَن أبي بشر الرقي عَن معَاذ بن معَاذ، عَن الْأَشْعَث، عَن الْحسن فِي رجل نذر أَن يَصُوم شهرا قَالَ: " إِن ابْتَدَأَ بِرُؤْيَة الْهلَال صَامَ بِرُؤْيَتِهِ، وَإِن ابْتَدَأَ فِي بعض الشَّهْر صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ". (بَاب إِذا اسْتثْنى الْإِنْسَان فِي يَمِينه ثمَّ فعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لم يَحْنَث) التِّرْمِذِيّ: عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من حلف / على يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله فَلَا حنث عَلَيْهِ ". قَالَ أَبُو عِيسَى: " رَوَاهُ عبيد الله (بن عمر عَن نَافِع عَن) ابْن عمر مَوْقُوفا،

стр. 558

وَرَوَاهُ سَالم عَن ابْن عمر مَوْقُوفا، وَمَا نعلم (أَن) أحدا رَفعه غير أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم أَن الِاسْتِثْنَاء إِذا كَانَ مَوْصُولا فَلَا حنث عَلَيْهِ ". وَلَا فرق بَين الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى أَو الطَّلَاق أَو الْعتاق عِنْد أَكثر أهل الْعلم. وروى أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من حلف فاستثنى فَإِن شَاءَ رَجَعَ وَإِن شَاءَ ترك غير حنث ". وَعنهُ: عَن ابْن عمر يبلغ بِهِ النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من حلف على يَمِين فَقَالَ إِن شَاءَ الله فقد اسْتثْنى ". (بَاب من نذر أَن يذبح وَلَده وَجب عَلَيْهِ ذبح شَاة) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ ، قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ ﵀: " وعَلى أَي وَجه ينْصَرف تَأْوِيل الْآيَة فقد تضمن الْأَمر بِذبح الْوَلَد إِيجَاب شَاة فِي الْعَاقِبَة "، فَلَمَّا صَار مُوجب هَذَا اللَّفْظ إِيجَاب شَاة فِي المتعقب فِي شَرِيعَة إِبْرَاهِيم ﵇، وَقد أَمر الله باتباعه بقوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ ، (فبهداهم اقتده﴾ دلّ على أَن من نذر ذبح وَلَده فدَاه بِذبح شَاة. وَلَا

стр. 559

يجب على من نذر ذبح عَبده شَيْء، لِأَن (هَذَا) اللَّفْظ ظَاهره مَعْصِيّة، وَلم تثبت (فِي الشَّرْع) عبارَة عَن ذبح شَاة فَكَانَ مَعْصِيّة. وروى أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن يزِيد بن هَارُون، عَن يحيى بن سعيد، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: " كنت عِنْد ابْن عَبَّاس ﵄ فَجَاءَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت: (إِنِّي) نذرت أَن أنحر وَلَدي، فَقَالَ: لَا تنحري ابْنك، وكفري (عَن) يَمِينك، فَقَالَ رجل عِنْد ابْن عَبَّاس: لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَه، قَالَ الله تَعَالَى فِي الظِّهَار مَا سَمِعت وَأوجب فِيهِ مَا ذكره ". (بَاب الْحِيلَة فِي دفع الْحِنْث) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ ، وَهَذَا فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الْحِيلَة فِي التَّوَصُّل إِلَى مَا يجوز فعله وَدفع الْمَكْرُوه بهَا عَن نَفسه، لِأَن الله تَعَالَى أمره بضربها بالضغث ليخرج بِهِ من الْيَمين، وَلَا يصل إِلَيْهَا ضَرَر. / (ذكر الْغَرِيب:) الضغث: قَبْضَة حشيش: مختلطة الرطب باليابس. (بَاب) إِذا قَالَ هُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ إِن فعل كَذَا وَكَذَا فَفعل ذَلِك الشَّيْء، قَالَ بعض أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] : فِي ذَلِك كَفَّارَة يَمِين. وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق ﵏.

стр. 560

(بَاب لَا تُجزئ الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث) أَبُو دَاوُد: عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ لي النَّبِي [ ﷺ ] : " يَا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، إِذا حَلَفت على يَمِين فَرَأَيْت غَيرهَا خيرا مِنْهَا فَآت الَّذِي هُوَ خير وَكفر عَن يَمِينك ". وَعَن أبي بردة عَن أَبِيه أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إِنِّي وَالله إِن شَاءَ الله لَا أَحْلف على يَمِين فَأرى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا كفرت عَن يَمِيني وأتيت الَّذِي هُوَ خير ". أَو قَالَ: " إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وكفرت عَن يَمِيني ". (بَاب الْمِقْدَار الَّذِي يعْطى كل مِسْكين من الطَّعَام فِي الْكَفَّارَات نصف صَاع من بر) لحَدِيث كَعْب بن عجْرَة ﵁، وَهُوَ مجمع على صِحَّته وَالْعَمَل بِهِ فِي

стр. 561

كَفَّارَة حلق الرَّأْس فِي الْإِحْرَام. الطَّحَاوِيّ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي كَفَّارَة الْيَمين قَالَ: " نصف صَاع من حِنْطَة ". وَهَكَذَا نقُول (فِي كل طَعَام) فِي كَفَّارَة وَغَيرهَا هَذَا مِقْدَاره. فَإِن قيل: فَمَا تَقول فِي حَدِيث المواقع فِي رَمَضَان: " فَأتي النَّبِي [ ﷺ ] بمكتل فِيهِ قدر خَمْسَة عشر صَاعا فَقَالَ تصدق بِهِ ". قيل لَهُ: يجوز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] لما علم حَاجته أعطَاهُ من التَّمْر مَا يَسْتَعِين بِهِ فِيمَا وَجب عَلَيْهِ، لَا على أَنه جَمِيع مَا وَجب عَلَيْهِ، كَالرّجلِ يشكو ضعف حَاله وَمَا عَلَيْهِ من الدّين فَتَقول: خُذ هَذِه الْعشْرَة دَرَاهِم فَاقْض بهَا دينك. لَيْسَ على أَنَّهَا تكون قَضَاء عَن جَمِيع دينه، وَلَكِن على أَنَّهَا تكون على قَضَاء مقدارها من دينه. (بَاب من نذر أَن يُصَلِّي فِي مَكَان جَازَ لَهُ أَن يُصَلِّي فِي غَيره) الطَّحَاوِيّ: عَن جَابر ﵁: " أَن رجلا قَالَ يَوْم فتح مَكَّة: يَا رَسُول الله إِنِّي نذرت إِن فتح الله عَلَيْك مَكَّة أَن أُصَلِّي فِي بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ

стр. 562

النَّبِي [ ﷺ ] : صل هَهُنَا، فَأَعَادَهَا (على النَّبِي [ ﷺ ] ) مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : شَأْنك إِذا ". وَمن طَرِيق أبي دَاوُد: / فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَو صليت هَهُنَا لأجزأ عَنْك صَلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس ". فَإِن قيل: إِنَّمَا أجَاز النَّبِي [ ﷺ ] الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَنَّهُ أفضل من (مَسْجِد) بَيت الْمُقَدّس، (وَنحن نجوز ذَلِك) لقَوْله ﵇: " صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ". قيل لَهُ: معنى ذَلِك نماؤها على الصَّلَوَات المكتوبات لَا على النَّوَافِل، أَلا ترى إِلَى قَوْله فِي حَدِيث عبد الله بن سعد: لِأَن أُصَلِّي (فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي) فِي الْمَسْجِد ". وَقَوله فِي حَدِيث زيد بن ثَابت: " خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الْمَكْتُوبَة ". وَذَلِكَ حِين أَرَادوا أَن يقوم بهم فِي شهر رَمَضَان فَثَبت بِمَا ذكرنَا صِحَة قَوْلنَا.

стр. 563

(بَاب فِيمَن نذر أَن يحجّ مَاشِيا) (من نذر أَن يحجّ مَاشِيا) لَهُ أَن يركب إِن أحب، وَيهْدِي هَديا لترك الْمَشْي، وَيكفر عَن يَمِينه لحنثه. التِّرْمِذِيّ: عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله إِن أُخْتِي نذرت أَن تمشي إِلَى الْبَيْت حافية غير مختمرة. فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] " إِن الله (لَا يصنع بشقاء) أختك شَيْئا، فلتركب، ولتختمر، ولتصم ثَلَاثَة أَيَّام ". وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: " ولتهد بَدَنَة "، وَفِي رِوَايَة: " ولتهد هَديا ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد (بعض) أهل الْعلم وَهُوَ قَول أَحْمد (وَإِسْحَاق) ﵃، وَالله أعلم. (بَاب الرجل ينذر نذرا وَهُوَ مُشْرك (ثمَّ يسلم)) صَحَّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه، وَمن نذر أَن يَعْصِي الله فَلَا يَعْصِهِ ".

стр. 564

قَالَ الطَّحَاوِيّ: ﵀: " فَلَمَّا كَانَ النّذر إِنَّمَا يجب إِذا كَانَ مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَا يجب إِذا كَانَ مَعْصِيّة. وَكَانَ الْكَافِر إِذا قَالَ: لله عَليّ صِيَام أَو اعْتِكَاف، وَهُوَ لَو فعل ذَلِك لم يكن متقربا إِلَى الله تَعَالَى. وَهُوَ فِي وَقت مَا أوجبه إِنَّمَا قصد بِهِ (إِلَى ربه) الَّذِي كَانَ يعبده من دون الله ، وَذَلِكَ مَعْصِيّة فَدخل فِي (قَوْله ﵇: " لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى ". و) قَوْله ﵇ لعمر بن الْخطاب ﵁: " أوف بِنَذْرِك " (لَيْسَ) من طَرِيق أَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ، وَلكنه قد كَانَ سمح فِي حَال مَا نَذره أَن يَفْعَله وَهُوَ مَعْصِيّة، فَأمره النَّبِي [ ﷺ ] / أَن يَفْعَله الْآن على أَنه طَاعَة، فَكَانَ مَا أمره بِهِ خلاف مَا أوجبه على نَفسه ".

стр. 565

فارغة
следующие страницы →