Полный текст (762 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
(بَاب من شرب الْخمر وَكَانَ حرا فحده ثَمَانُون (جلدَة))
الطَّحَاوِيّ: عَن أنس بن مَالك ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] أُتِي بِرَجُل شرب الْخمر فَضرب بجريدتين نَحوا من أَرْبَعِينَ، ثمَّ صنع أَبُو بكر مثل ذَلِك، فَلَمَّا كَانَ عمر اسْتَشَارَ النَّاس، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أخف الْحُدُود ثَمَانُون فَفعل ذَلِك ".
وَعنهُ: عَن عَطاء بن أبي مَرْوَان، عَن أَبِيه قَالَ: " أُتِي عَليّ ﵁ بنجاشي قد شرب الْخمر فِي رَمَضَان، فَضَربهُ ثَمَانِينَ، ثمَّ أَمر بِهِ إِلَى السجْن، ثمَّ أخرجه من الْغَد فَضَربهُ عشْرين ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا جلدتك هَذِه الْعشْرين لإفطارك فِي رَمَضَان وجرأتك على الله تَعَالَى ".
(بَاب من شرب الْخمر أَربع مَرَّات مَاذَا عَلَيْهِ)
الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَنه بلغه أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ فِي شَارِب الْخمر: " فاجلدوه ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة: فَاقْتُلُوهُ. فَأتي ثَلَاث مَرَّات بِرَجُل قد شرب الْخمر فجلده، ثمَّ أُتِي بِهِ فِي الرَّابِعَة فجلده، وَوضع الْقَتْل عَن النَّاس ". فَثَبت بِهَذَا أَن الْقَتْل (بِشرب) الْخمر فِي الرَّابِعَة مَنْسُوخ.
стр. 702
(بَاب / لَا يقطع السَّارِق فِي أقل من عشرَة دَرَاهِم)
أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " قطع رَسُول الله [ ﷺ ] يَد رجل فِي مجن قِيمَته دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم ".
النَّسَائِيّ: عَن مُجَاهِد، عَن أَيمن قَالَ: " لم تكن تقطع الْيَد على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن، وَقِيمَته (يَوْمئِذٍ) دِينَارا ".
الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " كَانَ قيمَة الْمِجَن الَّذِي قطع فِيهِ رَسُول الله [ ﷺ ] عشرَة دَرَاهِم ".
ابْن مَاجَه: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، أَن رجلا من مزينة
стр. 703
سَأَلَ النَّبِي [ ﷺ ] عَن الثِّمَار فَقَالَ: " مَا أَخذ فِي كمامه فَاحْتمل (فثمنه) وَمثله مَعَه.
وَمَا كَانَ من الجران فَفِيهِ الْقطع إِذا بلغ ذَلِك ثمن الْمِجَن. وَإِن أكل وَلم يَأْخُذ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء ".
أَبُو دَاوُد: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده (عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ) ، عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه سُئِلَ عَن الثَّمر الْمُعَلق فَقَالَ: " من أصَاب بِفِيهِ من ذِي حَاجَة غير متخذ خبنة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَمن خرج بِشَيْء مِنْهُ فَعَلَيهِ غَرَامَة (مثلَيْهِ) والعقوبة، وَمن سرق مِنْهُ شَيْئا بعد أَن يؤويه الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَعَلَيهِ الْقطع ".
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ يقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
стр. 704
وَعَن ابْن عمر: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قطع (سَارِقا) فِي مجن قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم ".
قيل لَهُ: يحْتَمل أَنَّهُمَا قوما مَا قطع فِيهِ رَسُول الله [ ﷺ ] فَكَانَت قِيمَته عِنْدهمَا ربع دِينَار.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " تقطع (يَد) السَّارِق فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
قيل لَهُ: الرِّوَايَة الأولى عَنْهَا رَوَاهَا ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، هَذِه يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، (وَيُونُس) لَا يُقَارب ابْن عُيَيْنَة.
فَإِن قيل: فقد روى مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه مثل مَا روى يُونُس عَنْهَا.
قيل لَهُ: فَأَنت تزْعم أَن مخرمَة لم يسمع من أَبِيه حرفا، وَأَن مَا رُوِيَ عَنهُ مُرْسل، وَأَنت لَا تحتج بِهِ.
فَإِن قيل: فقد روى هَذَا الحَدِيث عَن عمْرَة، كَمَا رَوَاهُ يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ عَنْهَا، يحيى بن سعيد.
стр. 705
قيل لَهُ: أَنْت رويته عَن أبان بن يزِيد، عَن يحيى بن سعيد. وَقد رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد من هُوَ أثبت من أبان فَوَقفهُ على عَائِشَة.
الطَّحَاوِيّ: عَن يُونُس، عَن ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ عَن / يحيى بن سعيد، عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " مَا طَال عَليّ وَلَا نسيت، الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
وَعنهُ: عَن يُونُس، عَن أنس بن عِيَاض، عَن يحيى بن سعيد قَالَ: أَخْبَرتنِي عمْرَة أَنَّهَا سَمِعت عَائِشَة تَقول: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ". وَلَيْسَ فِي قَوْلهَا: " مَا طَال عَليّ وَلَا نسيت " مَا يدل على رَفعهَا إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: مَا طَال عَليّ وَلَا نسيت مَا قطع فِيهِ رَسُول الله [ ﷺ ] فِيمَا كَانَت قِيمَته عِنْدهَا ربع دِينَار وَقِيمَته عِنْد غَيرهَا أَكثر من ذَلِك. فَيَعُود معنى حَدِيثهَا إِلَى مَا روته عَنهُ ﵇ فِي الْقطع.
فَإِن قيل: فقد رَوَاهُ أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم مثل مَا رَوَاهُ أبان بن يزِيد.
قيل لَهُ: صَدقْتُمْ، وَلَكِن هَذَا لَا يُعَارض مَا روى الزُّهْرِيّ، وَلَا مَا روى يحيى بن سعيد، لِأَن أَبَا بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم لَيْسَ لَهُ من الإتقان وَالْحِفْظ مَا لوَاحِد من هَؤُلَاءِ، وَلَا لمن روى هَذَا الحَدِيث عَنهُ - وَهُوَ ابْن الْهَاد، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق - من الإتقان وَالرِّوَايَة وَالْحِفْظ مَا لمن روى حَدِيث الزُّهْرِيّ وَيحيى بن سعيد، وَقد خَالفه ابْنه فِيمَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن يُونُس، عَن ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ عَن عبد الله بن أبي بكر، عَن عمْرَة (قَالَت: قَالَت عَائِشَة ﵂: " الْقطع فِي ربع دِينَار ".
стр. 706
فَإِن قيل: فقد رَوَاهُ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن عمْرَة) مِثْلَمَا رَوَاهُ عَنْهَا أَبُو بكر.
قيل لَهُ: أما أَبُو سَلمَة فَلَا نعلم لجَعْفَر بن ربيعَة مِنْهُ سَمَاعا، وَلَا نعلم (أَنه) لقِيه أصلا.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ أَنه ﵇ قَالَ: " السَّارِق إِذا سرق ربع دِينَار قطع. وتقطع الْيَد فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
قيل لَهُ: رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ وَلَفظه: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ". فَلَمَّا اضْطربَ حَدِيث الزُّهْرِيّ على مَا ذكرنَا، وَاخْتلف عَن غَيره، عَن عمْرَة على مَا وَصفنَا، ارْتَفع ذَلِك كُله، فَلم تجب الْحجَّة بِشَيْء مِنْهُ، إِذْ كَانَ بعضه يَنْفِي بَعْضًا.
رَجعْنَا إِلَى أَن الله قَالَ فِي كِتَابه: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ ، وَأَجْمعُوا أَن الله لم يعن بذلك كل سَارِق، وَإِنَّمَا عَنى خَاصّا من السراق بِمِقْدَار من المَال مَعْلُوم، فَلَا يدْخل / فِيمَا قد أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَّا مَا قد أَجمعُوا عَلَيْهِ، وَقد أَجمعُوا على أَن الله تَعَالَى عَنى سَارِق الْعشْرَة، وَاخْتلفُوا فِي سَارِق مَا دونهَا. فَلم يجز لنا أَن نشْهد على الله أَنه عَنى مَا لم يجمعوا أَنه عناه. وَجَاز لنا أَن نشْهد فِيمَا أَجمعُوا. فَجعلنَا سَارِق الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا دَاخِلا فِي الْآيَة.
وروى الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: (لَا تقطع الْيَد) إِلَّا فِي الدِّينَار أَو عشرَة دَرَاهِم.
стр. 707
(قَالَ التِّرْمِذِيّ: " وَقد رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ) لَا قطع إِلَّا فِي دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم) وَهُوَ حَدِيث مُرْسل رَوَاهُ الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن، عَن ابْن مَسْعُود، وَالقَاسِم لم يسمع من ابْن مَسْعُود ".
وروى الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن جريج قَالَ: " كَانَ قَول عَطاء على قَول عَمْرو بن شُعَيْب لَا تقطع الْيَد فِي أقل من عشرَة دَرَاهِم ". وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ.
(ذكر الْغَرِيب:)
الْمِجَن بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم وَنون مُشَدّدَة، هُوَ الترس، وَإِنَّمَا سمي مجنا لِأَنَّهُ يسْتَتر بِهِ. خبنت الطَّعَام: إِذا غيبته وادخرته للشدة.
(بَاب السَّارِق لَا يُؤْتى على أَطْرَافه الْأَرْبَع)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " إِذا سرق السَّارِق قطعت يَده الْيُمْنَى، فَإِن عَاد قطعت رجله الْيُسْرَى، فَإِن عَاد ضمن السجْن حَتَّى يحدث خيرا. إِنِّي أستحي أَن أَدَعهُ (يَعْنِي) بِلَا رجل وَلَا يَد ".
وَمَا رُوِيَ أَنه ﵇ قتل بعد تكْرَار السّرقَة فَفِيهِ أَحَادِيث ضِعَاف فِيهَا الْوَاقِدِيّ. قيل وَقد كذب. وَمُحَمّد بن يزِيد بن سِنَان وَهُوَ ضَعِيف. وَبِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ، وَالنَّخَعِيّ، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَأحمد ﵏.
стр. 708
(بَاب إِذا أقرّ السَّارِق مرّة وَاحِدَة قطع)
الطَّحَاوِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " أُتِي بسارق إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن هَذَا سرق، فَقَالَ: مَا إخَاله سرق، فَقَالَ السَّارِق: بلَى يَا رَسُول الله، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاقطعوه، ثمَّ احسموه، ثمَّ إيتوني بِهِ، قَالَ: فَذهب فَقطع ثمَّ حسم حَتَّى أُتِي بِهِ، فَقَالَ: تب إِلَى الله، قَالَ: تبت إِلَى الله. قَالَ: تَابَ الله عَلَيْك ".
(بَاب لَا قطع على المختلس والمنتهب)
التِّرْمِذِيّ: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَيْسَ على خائن، وَلَا منتهب، (وَلَا مختلس) قطع ". حَدِيث حسن صَحِيح. /
стр. 709
فَإِن قيل: " رُوِيَ أَن امْرَأَة كَانَت تستعير الْمَتَاع وتجحده، فَأمر النَّبِي [ ﷺ ] بِقطع يَدهَا ".
قيل لَهُ: روى الطَّحَاوِيّ: عَن عَائِشَة ﵂: " أَن امْرَأَة سرقت فِي عهد رَسُول الله [ ﷺ ] فِي زمن الْفَتْح، فَأمر بهَا رَسُول الله [ ﷺ ] أَن تقطع، فَكَلمهُ فِيهَا أُسَامَة بن زيد، فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: أَتَشفع فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى؟ فَقَالَ أُسَامَة: اسْتغْفر الله لي يَا رَسُول الله، فَلَمَّا كَانَ الْعشَاء قَامَ رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله، ثمَّ قَالَ: أما بعد فَإِنَّمَا (أهلك) النَّاس قبلكُمْ أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ، وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَد. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا. ثمَّ أَمر بِتِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي سرقت فَقطع يَدهَا ". فَثَبت بِهَذَا أَن الْقطع فِي ذَلِك الحَدِيث كَانَ بِخِلَاف الْجُحُود. وَالله أعلم.
стр. 710
(بَاب لَا قطع فِي الْفَوَاكِه الرّطبَة وَإِن كَانَت محرزة)
أَبُو دَاوُد: عَن رَافع بن خديج قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر ".
(ذكر الْغَرِيب:)
كثر: (بِفَتْح الْكَاف) وَفتح الثَّاء الْمُعْجَمَة بِثَلَاث، وَرَاء، هُوَ الْجمار. قَالَه مَالك. وَقَالَ صَاحب الجمهرة: " بِإِسْكَان الثَّاء. (قَالَ) : وَقَالُوا بِفَتْحِهَا ". ذكره فِي الْمطَالع. وَالله أعلم.
стр. 711
فارغة
стр. 712
(كتاب الْأَشْرِبَة الْمُحرمَة)
(بَاب الْخمر الْمُحرمَة فِي كتاب الله تَعَالَى هِيَ عصير الْعِنَب إِذا (نش) وَألقى الزّبد)
الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " حرمت الْخمر لعينها وَالسكر من كل شراب ". فَأخْبر ابْن عَبَّاس أَن الْحُرْمَة وَقعت على الْخمر بِعَينهَا، وعَلى السكر من كل شراب.
وروى مُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] :
стр. 713
" الْخمر من هَاتين الشجرتين: النَّخْلَة والعنبة ". وَفِي رِوَايَة؛ " الكرمة والنخلة ".
وَجه التَّمَسُّك بِهَذَا الحَدِيث: أَن الْخمر اسْم جنس لدُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، فاستوعب بِهِ جَمِيع مَا يُسمى بِهَذَا الِاسْم. فَلم يبْق من الْأَشْرِبَة شَيْء إِلَّا وَقد استغرقه. ثمَّ اتفقنا على أَن كل مَا يخرج مِنْهُمَا لَيْسَ بِخَمْر، فَعلمنَا أَن المُرَاد بعض الْخَارِج من هَاتين الشجرتين. وَذَلِكَ الْبَعْض غير مَذْكُور فِي الْخَبَر، فاحتجنا إِلَى الِاسْتِدْلَال / على مُرَاده من غَيره فَنَقُول: يحْتَمل أَنه أَرَادَ الْخَارِج (مِنْهُمَا، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ الْخَارِج) من أَحدهمَا (فعمهما بِالْخِطَابِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ " وَإِنَّمَا يخرج من أَحدهمَا) . وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ وَالرسل من الْإِنْس لَا من الْجِنّ، وكما قَالَ فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت إِذْ أَخذ على أَصْحَابه فِي الْبيعَة كَمَا أَخذ على النِّسَاء: " لَا تُشْرِكُوا (بِاللَّه) وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا ". ثمَّ قَالَ: " من أصَاب من ذَلِك شَيْئا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ ". وَقد علمنَا أَن من أشرك فَعُوقِبَ بشركه فَلَيْسَ ذَلِك بكفارة لَهُ، فَدلَّ بِمَا ذكرنَا إِنَّمَا أَرَادَ مَا سوى الشّرك، فعلى هَذَا احْتمل أَن يكون الْمَقْصُود من ذَلِك من العنبة لَا من النَّخْلَة. فَإِن كَانَ المُرَاد هُنَا جَمِيعًا فَإِن ظَاهر اللَّفْظ يدل على أَن الْمُسَمّى بِهَذَا الِاسْم هُوَ أول شراب يصنع مِنْهَا من الْأَشْرِبَة. لِأَن " من " (يعتورها) معَان فِي اللُّغَة. مِنْهَا
стр. 714
التَّبْعِيض، وَمِنْهَا ابْتِدَاء الْغَايَة. فَيكون معنى " من " (فِي) هَذَا الْموضع على ابْتِدَاء مَا يخرج مِنْهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَنَاوَل الْعصير المشتد، والدبس السَّائِل من النّخل (إِذا اشْتَدَّ) . وَلذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن حلف لَا يَأْكُل من هَذِه النَّخْلَة شَيْئا أَنه على رطبها وتمرها ودبسها، لأَنهم حملُوا " من " على مَا ذكرنَا من الِابْتِدَاء. وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد (مَا خمر من نيئهما، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: " الْخمر من هَاتين الشجرتين " أَن يكون أَرَادَ) الْخمر مِنْهُمَا، وَإِن كَانَت مُخْتَلفَة. على أَنَّهَا من الْعِنَب (مَا عَقَلْنَاهُ) خمرًا، و (على أَنَّهَا) من التَّمْر (مَا يسكر) فَيكون خمر الْعِنَب هِيَ: الْعصير إِذا اشْتَدَّ. وخمر التَّمْر: هُوَ الْمِقْدَار من نَبِيذ التَّمْر الَّذِي يسكر. فَلَيْسَ أحد هَذِه الْوُجُوه بِأولى من الآخر.
وَقَول عمر: " إِنَّه (نزل تَحْرِيم) الْخمر وَإِنَّهَا يَوْمئِذٍ من خَمْسَة: التَّمْر، وَالْعِنَب، وَالْعَسَل، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير. وَالْخمر مَا خامر الْعقل ". وَقَوله ﵇: " إِن من الْعِنَب خمرًا وأنهاكم عَن كل مُسكر ". يحْتَمل جَمِيع الْمعَانِي الَّتِي يحتملها (الحَدِيث الأول) . غير معنى وَاحِد، وَهُوَ مَا احتمله الحَدِيث الأول مِمَّا حملناه عَلَيْهِ من كَرَاهِيَة نَقِيع التَّمْر وَالزَّبِيب، فَإِنَّهُ لَا يحْتَملهُ. فَإِنَّهُ قرن مَعَ (ذَلِك) خمر الْحِنْطَة وخمر الْعَسَل وخمر الشّعير وَنحن لَا نرى بهَا بَأْسا.
فَإِن قيل: فقد روى / مَالك: عَن أنس ﵁ (أَنه) قَالَ: " كنت
стр. 715
أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح، وَأَبا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ، وَأبي بن كَعْب شرابًا من فضيخ وتمر، قَالَ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِن الْخمر قد حرمت. قَالَ أَبُو طَلْحَة: يَا أنس قُم إِلَى هَذِه الجرار فاكسرها. قَالَ أنس: فَقُمْت إِلَى مهراس لنا فضربتها بأسفله حَتَّى تَكَسَّرَتْ.
قيل لَهُ: يجوز أَن يكون ذَلِك الشَّرَاب مخمرا من نَقِيع التَّمْر، وَنحن نقُول بحرمته، وَلَا يلْزم مِنْهُ حُرْمَة طبيخه. وَيجوز أَن يكون فعلوا ذَلِك لعلمهم أَنهم إِذا أَكْثرُوا مِنْهُ أسكر، وَلم يأمنوا على أنفسهم الْوُقُوع فِيهِ لقرب عَهدهم بِهِ. فكسروا لذَلِك.
وَأما قَول أنس من طَرِيق آخر: " وَإِنَّهَا لخمرهم يَوْمئِذٍ ". فَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ مَا كُنَّا نخمر.
بدل (على) ذَلِك مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن أبي ليلى عَن عِيسَى: " أَن أَبَاهُ بَعثه إِلَى أنس فِي حَاجَة فأبصر عِنْده طلاء شَدِيدا ". والطلاء: مَا أسكر كَثِيره. فَلم يكن ذَلِك عِنْده خمرًا وَإِن كَانَ كَثِيره يسكر. فَثَبت بِمَا وَصفنَا أَن الْخمر عِنْد أنس لم يكن من (كل) شراب يسكر، وَلكنهَا من خَاص من الْأَشْرِبَة.
وَالَّذِي يدل على مَا ذكرنَا أَيْضا مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: " حرمت الْخمر يَوْم حرمت وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء ". وَابْن عمر من أهل اللُّغَة، وَمَعْلُوم أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ السكر وَسَائِر الأنبذة المتخذة من التَّمْر، لِأَن ذَلِك (كَانَ) أشربتهم فَلَمَّا نفى ابْن عمر اسْم الْخمر عَن سَائِر الْأَشْرِبَة الَّتِي كَانَت بِالْمَدِينَةِ دلّ ذَلِك (على أَن الْخمر
стр. 716
عِنْده) كَانَت من شراب الْعِنَب النيء (إِذا) اشْتَدَّ، وَأَن مَا سواهَا غير مُسَمّى بِهَذَا الِاسْم وَيدل على ذَلِك أَن مستحل الْخمر كَافِر، وَأَن مستحل غَيره من الْأَشْرِبَة لَا تلْحقهُ سمة الْفسق. فَكيف يكون كَافِرًا. فَدلَّ على أَنَّهَا لَيست بِخَمْر فِي الْحَقِيقَة. وَيدل عَلَيْهِ أَن خل هَذِه الْأَشْرِبَة لَا يُسمى خل خمر، وَأَن خل الْخمر هُوَ (الْخلّ) المستحيل من مَاء الْعِنَب (النيء) .
وَإِذا ثَبت بِمَا ذكرنَا انْتِفَاء اسْم الْخمر عَن هَذِه الْأَشْرِبَة، ثَبت أَنه لَيْسَ باسم لَهَا فِي الْحَقِيقَة. وَأَنه إِن ثَبت لَهَا اسْم الْخمر فِي حَال فَهُوَ على جِهَة التَّشْبِيه بهَا عِنْد وجود السكر مِنْهَا، فَلم يجز أَن يَتَنَاوَلهَا اسْم الْخمر، لِأَن أَسمَاء الْمجَاز لَا يجوز دُخُولهَا تَحت إِطْلَاق أَسمَاء الْحَقَائِق. أَلا ترى (أَنه) ﵇ سمى فرسا لأبي طَلْحَة رَكبه لفزع كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: " وَجَدْنَاهُ بحرا " فَسمى الْفرس بحرا إِذْ كَانَ جوادا وَاسع الخطوة، وَلَا يعقل بِإِطْلَاق اسْم الْبَحْر الْجواد.
وَقَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي: وَهُوَ / رجل من أهل اللُّغَة حجَّة فِيمَا قَالَ مِنْهَا:
(دع الْخمر يشْربهَا الغواة فإنني ... رَأَيْت أخاها مغنيا لمكانها)
(فَإِن لَا تكنه أَو يكنها فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غذته أمه بلبانها)
فَجعل غَيرهَا من الْأَشْرِبَة (أَخا لَهَا) .
مُسلم: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] ينْبذ لَهُ
стр. 717
أول اللَّيْل، فيشربه إِذا أصبح يَوْمه ذَلِك، وَاللَّيْلَة الَّتِي تَجِيء، والغد، وَاللَّيْلَة الْأُخْرَى، والغد إِلَى الْعَصْر، فَإِن بَقِي شَيْء سقَاهُ الْخَادِم أَو أَمر بِهِ فصب ". وَمعنى هَذَا أَن المَاء بالحجاز فِيهِ (ملوحة) فَكَانَ النَّبِي [ ﷺ ] (يَأْمُرهُم) أَن يلْقوا فِي المَاء تُمَيْرَات ليحلو المَاء من طعمها.
قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " فَفِي هَذَا إِبَاحَة الْقَلِيل من الشَّرَاب الشَّديد. فَيحمل قَوْله ﵇: " كل مُسكر حرَام " على الْقدر الَّذِي يسكر ".
يدل على هَذَا مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن عَلْقَمَة قَالَ: " سَأَلت ابْن مَسْعُود ﵁ عَن قَول رَسُول الله [ ﷺ ] فِي السكر فَقَالَ: الشربة الْأَخِيرَة ".
وروى مُسلم: عَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله [ ﷺ ] وَمعَاذًا إِلَى الْيمن فَقَالَ: " ادعوا (النَّاس) وبشروا (وَلَا تنفرُوا، ويسروا) وَلَا تُعَسِّرُوا. قَالَ: فَقلت: يَا رَسُول الله أَفْتِنَا فِي شرابين كُنَّا نصنعهما بِالْيمن: البتع: وَهُوَ من الْعَسَل ينتبذ حَتَّى يشْتَد، والمزر: وَهُوَ (من الذّرة وَالشعِير ينتبذ حَتَّى يشْتَد. قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] ) قد أعطي جَوَامِع الْكَلم (فَقَالَ) : أنهى عَن كل مُسكر أسكر عَن الصَّلَاة ". وَفِي رِوَايَة: " كل مَا أسكر عَن الصَّلَاة فَهُوَ حرَام ". وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن من شرب المزر أَو الْقَمَر أَو (البتع و) سَائِر الأنبذة المتخذة من الْحُبُوب فَسَكِرَ أَنه يجب عَلَيْهِ الْحَد. وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
стр. 718
(كتاب السّير)
(بَاب من بلغته الدعْوَة كَانَ للْإِمَام أَن يُغير عَلَيْهِم قبل أَن يَدعُوهُم)
الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن عون قَالَ: " كتبت إِلَى نَافِع) أسأله عَن الدُّعَاء قبل الْقِتَال فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام. أغار رَسُول الله [ ﷺ ] على بني المصطلق وهم غَارونَ، وأنعامهم على المَاء، فَقتل مُقَاتلَتهمْ وسبى ذَرَارِيهمْ (ثمَّ أصَاب) يَوْمئِذٍ جوَيْرِية بنت الْحَارِث ".
(بَاب)
إِذا زَاد عدد الْكفَّار على اثْنَيْنِ فَحِينَئِذٍ للْوَاحِد التحيز إِلَى فِئَة / من الْمُسلمين فِيهَا نصْرَة. فَأَما إِذا أَرَادَ الْفِرَار ليلحق بِقوم من الْمُسلمين لَا نصْرَة مَعَهم، فَهُوَ من
стр. 719
الْوَعيد الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره﴾ الْآيَة. وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " أَنا فِئَة كل مُسلم " وَقَالَ عمر بن الْخطاب لما بلغه أَن أَبَا عبيد بن مَسْعُود اسْتقْبل يَوْم الْحَشْر حَتَّى قتل وَلم ينهزم: " رحم الله أَبَا عبيد لَو انحاز إِلَيّ لَكُنْت لَهُ فِئَة. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ أَصْحَاب أبي عبيد قَالَ: أَنا فِئَة لكم وَلم يعنفهم ".
وَهَذَا الحكم (عندنَا) ثَابت مَا لم يبلغ (عدد) الْجَيْش اثْنَي عشر ألفا (فَإِذا بلغُوا اثْنَي عشر ألفا) لَا يجوز لَهُم أَن ينهزموا عَن مثليهم إِلَّا متحرفين لقِتَال. وَهُوَ أَن يصيروا من مَوضِع إِلَى غَيره مكايدين لعدوهم، من نَحْو خُرُوج من مضيق إِلَى فسحة، أَو من سَعَة إِلَى مضيق، أَو يكمنوا لعدوهم، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يكون فِيهِ انصراف عَن الْحَرْب. أَو متحيزين إِلَى فِئَة من الْمُسلمين يُقَاتلُون مَعَهم.
فَإِذا بلغُوا اثْنَي عشر ألفا فَإِن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ: " إِن الْجَيْش إِذا بلغ ذَلِك فَلَيْسَ لَهُم أَن يَفروا من عدوهم وَإِن كثر عَددهمْ. وَلم يذكر خلافًا بَين أَصْحَابنَا " وَاحْتج بِحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " خير الْأَصْحَاب أَرْبَعَة وَخير السَّرَايَا أَربع مائَة وَخير الجيوش أَرْبَعَة آلَاف وَلنْ تُؤْتى اثْنَا عشر ألفا عَن قلَّة وَلنْ تغلب ". وَفِي بَعْضهَا: " مَا غلب قوم يبلغون اثْنَي عشر ألفا إِذا اجْتمعت كلمتهم ".
وَذكر الطَّحَاوِيّ أَن مَالِكًا سُئِلَ فَقيل لَهُ: " أيسعنا التَّخَلُّف عَن قتال من خرج
стр. 720
عَن أَحْكَام الله تَعَالَى وَحكم بغَيْرهَا؟ فَقَالَ لَهُ مَالك: إِن كَانَ مَعَك اثْنَا عشر ألفا مثلك لم يسعك التَّخَلُّف، وَإِلَّا فَأَنت فِي (سَعَة) من التَّخَلُّف ". وَكَانَ السَّائِل عبد الله بن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁. وَهَذَا الْمَذْهَب مُوَافق لما رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن الْحسن رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
(بَاب لَا يصير الْكَافِر مُسلما مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ لَهُ وَعَلِيهِ حَتَّى يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ويجحد كل دين سوى الْإِسْلَام ويتخلى عَنهُ)
الطَّحَاوِيّ: عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَإِذا شهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وصلوا صَلَاتنَا، واستقبلوا قبلتنا، / وأكلوا ذبيحتنا فَحرمت علينا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، لَهُم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا عَلَيْهِم ".
وَعنهُ: عَن أبي مَالك سعد بن طَارق بن أَشْيَم، عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، ويتركوا مَا يعبدن من دون الله، فَإِذا فعلوا ذَلِك حرمت عَليّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا (بِحَقِّهَا) وحسابهم على الله ".
стр. 721
وَعنهُ: عَن بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله مَا آيَة الْإِسْلَام؟ قَالَ: أَن تَقول: أسلمت وَجْهي (لله) وتخليت، وتقيم الصَّلَاة، وَتُؤَدِّي الزَّكَاة، وتفارق الْمُشْركين إِلَى الْمُسلمين ".
(بَاب إِن استتيب الْمُرْتَد فَهُوَ أحسن فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل)
الطَّحَاوِيّ: عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: " لما فتحنا تستر بَعَثَنِي أَبُو مُوسَى إِلَى عمر، فَلَمَّا قدمت عَلَيْهِ قَالَ: مَا فعل جُحَيْفَة وَأَصْحَابه؟ ، وَكَانُوا ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَلَحِقُوا بالمشركين فَقَتلهُمْ الْمُسلمُونَ، فَأخذت مَعَه فِي حَدِيث آخر، فَقَالَ: مَا فعل النَّفر البكريون؟ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام، وَلَحِقُوا بالمشركين، فَقتلُوا. فَقَالَ عمر: لِأَن تكون أخذتهم سلما أحب إِلَيّ من كَذَا وَكَذَا. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كَانَ سبيلهم لَو أخذتهم سلما إِلَّا الْقَتْل، قوم ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَلَحِقُوا بالمشركين، فَقَالَ: لَو أخذتهم سلما لعرضت عَلَيْهِم الْبَاب الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ، وَإِلَّا استودعتهم السجْن ".
وَعنهُ: عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: " لما فتح سعد وَأَبُو مُوسَى تستر، أرسل أَبُو مُوسَى رَسُولا إِلَى عمر، فَذكر حَدِيثا طَويلا، قَالَ: ثمَّ أقبل عمر على الرَّسُول فَقَالَ: هَل كَانَت عنْدكُمْ (من مغربة خبر) قَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَخذنَا رجلا من الْعَرَب كفر بعد إِسْلَامه، قَالَ عمر: فَمَا صَنَعْتُم
стр. 722
بِهِ؟ قَالَ: قدمْنَاهُ فضربنا عُنُقه، قَالَ عمر: أَفلا أدخلتموه بَيْتا ثمَّ ضيقتم عَلَيْهِ: ثمَّ رميتم إِلَيْهِ برغيف ثَلَاثَة أَيَّام لَعَلَّه أَن يَتُوب، أَو يُرَاجع أَمر الله تَعَالَى. اللَّهُمَّ إِنِّي لم آمُر وَلم أشهد وَلم أَرض إِذْ بَلغنِي ". وَالله أعلم.
(بَاب من أظهر سبّ النَّبِي [ ﷺ ] من أهل الذِّمَّة عزّر، وَلَا ينْتَقض عَهده وَلَا يقتل)
لما رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " إِن رهطا من الْيَهُود دخلُوا على النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالُوا: السام عَلَيْك، فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : عَلَيْكُم. فَقَالَت عَائِشَة: فَقلت: لَا بل عَلَيْكُم السام واللعنة، فَقَالَ النَّبِي / [ ﷺ ] : (يَا عَائِشَة) إِن الله يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله، فَقَالَت: ألم تسمع مَا قَالُوا، قَالَ: (قد) قلت: عَلَيْكُم ". وَمَعْلُوم أَنه لَو كَانَ من مُسلم لصار بِهِ مُرْتَدا. وَلم يقتلهُمْ النَّبِي [ ﷺ ] بذلك.
وقصة الْيَهُودِيَّة وَالشَّاة المسمومة. وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن من قصد النَّبِي [ ﷺ ] (بذلك) وَهُوَ مِمَّن ينتحل الْإِسْلَام أَنه مُرْتَد مُسْتَحقّ للْقَتْل، وَلم يَجْعَل النَّبِي [ ﷺ ] (ذَلِك) مبيحا لدمها بِمَا فعلت، فَكَذَلِك إِظْهَار سبّ النَّبِي [ ﷺ ] مُخَالف لإِظْهَار (سبّ) الْمُسلم.
فَإِن قيل: فقد روى أَبُو يُوسُف عَن حُصَيْن بن عبد الله، عَن ابْن عمر (أَن رجلا) قَالَ لَهُ: " إِنِّي سَمِعت رَاهِبًا سبّ النَّبِي [ ﷺ ] ، فَقَالَ: لَو سمعته لقتلته إِنَّا لم نعطهم الْعَهْد على هَذَا ".
стр. 723
قيل لَهُ: (هُوَ) إِسْنَاد ضَعِيف، وَجَائِز أَن يكون قد (كَانَ) شَرط عَلَيْهِم أَن لَا يظهروا شتم النَّبِي [ ﷺ ] .
(بَاب سلب الْقَتِيل من الْغَنِيمَة إِلَّا أَن يَقُول الإِمَام: " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه ")
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه﴾ يَقْتَضِي وجوب الْغَنِيمَة لجَماعَة الْمُسلمين. فَغير جَائِز لأحد مِنْهُم الِاخْتِصَاص بِشَيْء (مِنْهَا) دون غَيره وَالسَّلب غنيمَة، لِأَن الْغَنِيمَة هِيَ الَّتِي حازوها بجماعتهم وتآزرهم على الْقِتَال. فَلَمَّا كَانَ قَتله لهَذَا الْقَتِيل وَأخذ سلبه (بتضافر الْجَمَاعَة وَجب أَن يكون غنيمَة.
وَيدل عَلَيْهِ (أَنه) لَو أَخذ سلبه) من غير قتل كَانَ غنيمَة إِذْ لم يصل إِلَى أَخذه إِلَّا بقوتهم. وَكَذَلِكَ من لم يُقَاتل وَكَانَ فِي الصَّفّ ردْءًا لَهُم يصير غانما، لِأَن بمظاهرته ومعاضدته حصلت، فَوَجَبَ أَن يكون السَّلب غنيمَة كَسَائِر الْغَنَائِم. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم﴾ وَالسَّلب مِمَّا غنمه الْجَمَاعَة.
стр. 724
البُخَارِيّ: عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ: " بَينا أَنا وَاقِف فِي الصَّفّ يَوْم بدر نظرت عَن يَمِيني وَعَن شمَالي فَإِذا أَنا بغلامين من الْأَنْصَار، حَدِيثَة أسنانهما، تمنيت أَن أكون (بَين) أضلع مِنْهُمَا. فغمزني أَحدهمَا فَقَالَ: يَا عَم هَل تعرف أَبَا جهل؟ فَقلت: نعم، مَا حَاجَتك إِلَيْهِ يَا ابْن أخي؟ قَالَ: أخْبرت أَنه يسب رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن رَأَيْته لَا يُفَارق سوَادِي سوَاده حَتَّى يَمُوت الأعجل منا. فعجبت لذَلِك. فغمزني الآخر فَقَالَ لي مثلهَا. فَلم أنشب أَن نظرت إِلَى أبي جهل يجول فِي النَّاس، فَقلت: أَلا تريان، هَذَا صاحبكما الَّذِي / سألتماني عَنهُ. فابتدراه بسيفيهما فضرباه حَتَّى قتلاه. ثمَّ انصرفا إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: أيكما قَتله؟ فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا: أَنا قتلته، فَقَالَ: هَل مسحتما سيفيكما؟ قَالَا: لَا، فَنظر فِي السيفين فَقَالَ: كِلَاهُمَا قَتله. وَأعْطى سلبه لِمعَاذ بن عَمْرو بن الجموح. وَكَانَا معَاذ بن عفراء (ومعاذ) بن عَمْرو بن الجموح ". أَفلا ترى أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قد قَالَ لَهما: إنَّكُمَا قتلتماه. ثمَّ قضى بسلبه لأَحَدهمَا دون الآخر.
فَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن السَّلب لَو كَانَ وَاجِبا للْقَاتِل بقتْله إِيَّاه لَكَانَ وَجب سلبه لَهما، وَلم يكن للنَّبِي [ ﷺ ] أَن يَنْزعهُ من أَحدهمَا فيدفعه إِلَى الآخر. أَلا ترى أَن الإِمَام لَو قَالَ: " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه "، فَقتل رجلَانِ (قَتِيلا) أَن سلبه لَهما نِصْفَانِ، وَأَنه لَيْسَ للْإِمَام أَن يحرمه أَحدهمَا ويدفعه إِلَى الآخر. لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ فِيهِ حق مثل (حق) صَاحبه وهما أولى بِهِ من الإِمَام. فَلَمَّا كَانَ للنَّبِي [ ﷺ ] فِي سلب أبي جهل أَن يَجعله لأحد قاتليه دون الآخر، دلّ ذَلِك أَنه كَانَ أولى بِهِ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لم يكن قَالَ يَوْمئِذٍ: " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه ".
стр. 725
الطَّحَاوِيّ: عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁، قَالَ: " خرج رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى بدر، فلقي الْعَدو، فَلَمَّا هَزَمَهُمْ الله اتبعهم طَائِفَة من الْمُسلمين يَقْتُلُونَهُمْ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَة برَسُول الله [ ﷺ ] ، واستولت طَائِفَة بالعسكر والنهب، فَلَمَّا نفى الله الْعَدو وَرجع الَّذين طلبوهم، قَالُوا: لنا النَّفْل، نَحن طلبنا الْعَدو وبنا نفاهم الله تَعَالَى وَهَزَمَهُمْ. وَقَالَ الَّذين أَحدقُوا برَسُول الله [ ﷺ ] : مَا أَنْتُم بِأَحَق منا، هُوَ لنا، نَحن أَحدقنَا برَسُول الله [ ﷺ ] لَا ينَال الْعَدو مِنْهُ غرَّة. وَقَالَ الَّذين استولوا على الْعَسْكَر والنهب: وَالله مَا أَنْتُم بِأَحَق منا، نَحن حويناه واستوليناه. فَأنْزل الله : ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول﴾ . إِلَى قَوْله: ﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ . فقسم رَسُول الله [ ﷺ ] بَينهم على سَوَاء ".
أَفلا ترى أَن رَسُول الله [ ﷺ ] لم يفضل فِي ذَلِك الَّذين توَلّوا الْقَتْل على الآخرين، فَثَبت بذلك أَن سلب الْمَقْتُول لَا يجب للْقَاتِل بقتْله لصَاحبه إِلَّا بِجعْل الإِمَام إِيَّاه لَهُ، على مَا فِيهِ من صَلَاح الْمُسلمين من التحريض على قتال / عدوهم.
فَإِن قيل: إِن الَّذِي ذكرتموه من سلب أبي جهل، وَمَا ذكرتموه فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي يَوْم بدر قبل أَن تجْعَل الأسلاب للقاتلين. ثمَّ جعل رَسُول الله [ ﷺ ] يَوْم خَيْبَر الأسلاب للقاتلين فَقَالَ: " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه " فنسخ ذَلِك مَا تقدم.
قيل لَهُ: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون أَرَادَ بِهِ من قتل قَتِيلا فِي تِلْكَ الْحَرْب
стр. 726
لَا غير. كَمَا قَالَ يَوْم فتح مَكَّة: " من ألْقى سلاحه فَهُوَ آمن ". فَلم يكن ذَلِك على كل من ألْقى السِّلَاح فِي غير تِلْكَ الْحَرْب. وَلما ثَبت أَن الحكم كَانَ قبل يَوْم حنين أَن الأسلاب لَا تجب للقاتلين ثمَّ حدث يَوْم خَيْبَر هَذَا القَوْل من رَسُول الله [ ﷺ ] احْتمل أَن يكون نَاسِخا لما تقدم، وَاحْتمل أَن لَا يكون نَاسِخا، لم نجعله نَاسِخا حَتَّى نعلم ذَلِك يَقِينا.
وَيُؤَيّد ذَلِك مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن أنس بن مَالك: " أَن الْبَراء بن مَالك أَخا أنس بن مَالك بارز (مرزبان الدارة) فطعنه طعنة فَكسر القربوس وخلصت إِلَيْهِ فَقتلته، فقوم سلبه بِثَلَاثِينَ ألفا. فَلَمَّا صلينَا الصُّبْح غَدا علينا عمر فَقَالَ لأبي طَلْحَة: إِنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ الأسلاب، وَإِن سلب الْبَراء قد بلغ مَالا وَلَا أرانا إِلَّا خامسيه. فقومناه بِثَلَاثِينَ ألفا. فدفعنا إِلَى عمر سِتَّة آلَاف ".
فَهَذَا عمر ﵁ يَقُول هَذَا. وَفِيه دَلِيل على أَنهم (كَانُوا) لَا يخمسون الأسلاب وَلَهُم أَن يخمسوا. وَأَن الأسلاب لَا تجب للقاتلين دون أهل الْعَسْكَر. وَقد حضر عمر مَا كَانَ من قَول رَسُول الله [ ﷺ ] يَوْم خَيْبَر: " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه " فَدلَّ أَن ذَلِك عِنْده (على كل) من قتل قَتِيلا فِي تِلْكَ الْحَرْب خَاصَّة. وَقد كَانَ أَبُو طَلْحَة (أَيْضا) حضر ذَلِك بِخَيْبَر، وَقضى لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] (بأسلاب الْقَتْلَى الَّذين) قَتلهمْ فَلم يكن ذَلِك مُوجبا بِخِلَاف مَا أَرَادَ عمر فِي سلب الْمَرْزُبَان. وَقد كَانَ
стр. 727
أنس بن مَالك حَاضرا ذَلِك أَيْضا من رَسُول الله [ ﷺ ] بِخَيْبَر، وَمن عمر (فِي) يَوْم الْبَراء. فَكَانَ ذَلِك عِنْده على مَا أَرَادَ عمر لَا على خلاف ذَلِك. فَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] (لم) يجْعَلُوا قَول رَسُول الله [ ﷺ ] على النّسخ لما تقدم. (ثمَّ) إِن السَّلب عِنْد الشَّافِعِي ﵀ لَا يسْتَحق فِي الإدبار، وَإِنَّمَا يسْتَحق فِي الإقبال. والأثر الْوَارِد فِي السَّلب لم يفرق بَين حَال الإقبال والإدبار. فَإِن احْتج بالْخبر فقد خَالفه، وَإِن احْتج بِالنّظرِ فالنظر يُوجب أَن يكون غنيمَة للْجَمِيع، لاتفاقهم على أَنه لَو قَتله فِي حَال / الإدبار لم يسْتَحقّهُ، وَلَو كَانَ مُسْتَحقّا بِنَفس الْقَتْل لما اخْتلف حكم الإقبال والإدبار.
الطَّحَاوِيّ: عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " كنت جَالِسا عِنْده، فَأقبل رجل من أهل الْعرَاق فَسَأَلَهُ عَن السَّلب (فَقَالَ: السَّلب) من النَّفْل وَفِي النَّفْل الْخمس ". وَإِلَى مَا قُلْنَا ذهب مَالك وَالثَّوْري رحمهمَا الله تَعَالَى.
(بَاب يقسم الْخمس على ثَلَاثَة أسْهم)
سهم لِلْيَتَامَى، وَسَهْم للْمَسَاكِين، وَسَهْم لأبناء السَّبِيل، وَيدخل فُقَرَاء ذَوي الْقُرْبَى (فيهم) ويقدمون.
البُخَارِيّ: عَن جُبَير بن مطعم قَالَ: " مشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان إِلَى
стр. 728
رَسُول الله [ ﷺ ] فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله [ ﷺ ] أَعْطَيْت بني عبد الْمطلب وَتَرَكتنَا، وَنحن وهم مِنْك بِمَنْزِلَة وَاحِدَة. فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد ". وَقَالَ اللَّيْث: وحَدثني يُونُس وَزَاد: " قَالَ: قسم) خَيْبَر وَلم يقسم لبني عبد شمس وَلَا لبني نَوْفَل ". قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَعبد شمس وهَاشِم وَالْمطلب أخوة لأم، وأمهم عَاتِكَة بنت مرّة، وَكَانَ نَوْفَل أَخَاهُم لأبيهم ".
وَمن طَرِيق الطَّحَاوِيّ: " فَقُلْنَا يَا رَسُول الله [ ﷺ ] بَنو هَاشم فَضلهمْ الله بك، فَمَا بالنا وبال بني الْمطلب؟ (وَإِنَّمَا نَحن وهم فِي النّسَب شَيْء وَاحِد. فَقَالَ: إِن بني الْمطلب) لم يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام ".
فَلَمَّا أعْطى رَسُول الله [ ﷺ ] ذَلِك السهْم بعض الْقَرَابَة، وَحرمه من قرَابَته مِنْهُ كقرابتهم، ثَبت بذلك أَن الله لم يرد بِمَا جعل لذِي الْقُرْبَى كل قرَابَة رَسُول الله [ ﷺ ] . وَإِنَّمَا أَرَادَ خَاصّا مِنْهُم، وَجعل الرَّأْي فِي ذَلِك إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] يَضَعهُ فِيمَن شَاءَ (مِنْهُم) . فَإِذا مَاتَ وَانْقطع رَأْيه انْقَطع مَا جعل (لَهُم) من ذَلِك. كَمَا جعل لرَسُول الله [ ﷺ ] أَن يصطفى من الْمغنم لنَفسِهِ سهم الصفي. فَكَانَ لَهُ ذَلِك مَا كَانَ حَيا (ولنفسه من الْمغنم مَا شَاءَ) . فَلَمَّا مَاتَ رَسُول الله [ ﷺ ] انْقَطع ذَلِك.
ثمَّ إِن مَا فِي حَدِيث الطَّحَاوِيّ يدل على أَن المُرَاد بالقربى قربى الْقَرَابَة بِسَبَب النُّصْرَة، لَا قربى الْقَرَابَة بِسَبَب الرَّحِم. وارتفع ذَلِك لانْتِفَاء إِمْكَان نصرته بعد أَن قَبضه الله تَعَالَى. وَلَا يَجْعَل سهم رَسُول الله [ ﷺ ] للخليفة بعده، (وَلَا سهم ذَوي الْقُرْبَى لقرابة الْخَلِيفَة بعده) كَمَا أَن صَفيه لَيْسَ لأحد (بعده) بِالْإِجْمَاع. فَثَبت أَن
стр. 729
حكمه فِي (خمس) الْخمس خلاف حكم الإِمَام / بعده (وَإِذا ثَبت أَن حكمه فِيمَا وَصفنَا خلاف حكم النَّاس من بعده) ثَبت أَن حكم قرَابَته خلاف حكم قرَابَة الإِمَام من بعده.
(بَاب لَيْسَ للْإِمَام أَن ينفل بعد إِحْرَاز الْغَنِيمَة إِلَّا من الْخمس)
وَأما من غير الْخمس فَلَا، لِأَن ذَلِك قد ملكته الْمُقَاتلَة.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نفل فِي بَدأته الرّبع وَفِي رجعته الثُّلُث ".
قيل لَهُ: يحْتَمل أَن يكو ن مَا كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] ينفلهُ فِي الرّجْعَة هُوَ ثلث الْخمس، بعد الرّبع الَّذِي ينفلهُ فِي الْبدَاءَة فَلَا يخرج مِمَّا قُلْنَاهُ.
فَإِن قيل: إِن الحَدِيث إِنَّمَا جَاءَ فِي أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ ينفل فِي الْبدَاءَة (الرّبع، وَفِي الرّجْعَة الثُّلُث، فَلَمَّا كَانَ الرّبع الَّذِي ينفلهُ فِي الْبدَاءَة) إِنَّمَا هُوَ الرّبع قبل الْخمس، فَكَذَلِك الثُّلُث الَّذِي كَانَ ينفلهُ فِي الرّجْعَة هُوَ الثُّلُث أَيْضا (قبل الْخمس) وَإِلَّا لم يكن لذكر الثُّلُث معنى
стр. 730
قيل لَهُ: بل لَهُ معنى صَحِيح، وَذَلِكَ أَن الْمَذْكُور من نفله (هُوَ) الرّبع مِمَّا يجوز لَهُ النَّفْل (مِنْهُ) (فَكَذَلِك نفله فِي الرّجْعَة هُوَ الثُّلُث مِمَّا يجوز لَهُ النَّفْل مِنْهُ) وَهُوَ الْخمس.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] بعث سَرِيَّة فِيهَا ابْن عمر فغنموا غَنَائِم كَثِيرَة، فَكَانَت غنائمهم لكل إِنْسَان اثْنَا عشر بَعِيرًا، وَنفل كل إِنْسَان مِنْهُم بَعِيرًا بَعِيرًا ".
قيل لَهُ: مَالك فِي الحَدِيث حجَّة، وَهُوَ إِلَى الْحجَّة عَلَيْك أقرب، لِأَن فِيهِ: فبلغت سِهَامهمْ اثْنَا عشر بَعِيرًا (ونفلوا بَعِيرًا بَعِيرًا) .
فَفِي ذَلِك دَلِيل أَن مَا نفلوا مِنْهُ من ذَلِك (كَانَ) من غير مَا كَانَت فِيهِ سِهَامهمْ وَهُوَ الْخمس.
وروى الطَّحَاوِيّ: عَن معن بن يزِيد السّلمِيّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " لَا نفل إِلَّا بعد الْخمس ". وَمعنى قَوْله: (بعد الْخمس) - وَالله أعلم - حَتَّى يقسم الْخمس، فَإِذا قسم الْخمس انْفَرد حق الْمُقَاتلَة وَهُوَ أَرْبَعَة أَخْمَاس (فَكَانَ النَّفْل الَّذِي ينفلهُ الإِمَام - (بعد أَن آثر أَن يفعل) ذَلِك - من الْخمس لَا من الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس) الَّتِي هِيَ حق الْمُقَاتلَة.
стр. 731
وَقد دلّ على ذَلِك مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن سِيرِين: " أَن أنس بن مَالك ﵁ كَانَ مَعَ (عبد الله بن أبي بكر) فِي غزَاة غَزَاهَا وَأَصَابُوا سبيا فَأَرَادَ عبد الله (أَن يُعْطي) (أنسا) من السَّبي قبل أَن يقسم، (فَقَالَ أنس: لَا وَلَكِن اقْسمْ ثمَّ أعْط من الْخمس، قَالَ: فَقَالَ عبد الله: لَا، إِلَّا من جَمِيع الْمَغَانِم) ، فَأبى أنس أَن يقبله، وَأبي عبد الله أَن يُعْطِيهِ شَيْئا من الْخمس ".
(فَإِن قيل: إِن قَتِيلا قتل يَوْم الْقَادِسِيَّة فنفله سعد بن أبي وَقاص (فَأعْطَاهُ) سلبه) .
قيل لَهُ: يجوز أَن يكون (قبل) / ارْتِفَاع الْقِتَال أَو بعده، أَو يكون من الْخمس أَو من غَيره فَلَا حجَّة فِيهِ لأحد.
فَإِن قيل: فقد أعْطى النَّبِي [ ﷺ ] من غَنَائِم حنين صَنَادِيد الْعَرَب عطايا، نَحْو الْأَقْرَع بن حَابِس، وعيينة بن حصن، والزبرقان بن بدر، وَأبي سُفْيَان بن حَرْب، وَصَفوَان بن أُميَّة، وَمَعْلُوم أَنه لم يعطهم ذَلِك من سَهْمه من الْغَنِيمَة وسهمه من الْخمس إِذْ لم يَتَّسِع لهَذِهِ العطايا، لِأَنَّهُ أعْطى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ وَغَيرهم مائَة من الْإِبِل وَلم يكن ليعطيهم من بَقِيَّة سِهَام الْخمس سوى سَهْمه، لِأَن ذَلِك سهم الْفُقَرَاء
стр. 732
وَلم يَكُونُوا هَؤُلَاءِ فُقَرَاء. فَثَبت أَنه أَعْطَاهُم من جملَة الْغَنِيمَة وَلم يستأذنهم فِيهِ. فَدلَّ أَنه أَعْطَاهُم على وَجه النَّفْل، وَأَنه قد كَانَ لَهُ أَن ينفل.
قيل لَهُ: إِن هَؤُلَاءِ كَانُوا من الْمُؤَلّفَة، وَقد جعل الله لَهُم سَهْما من الصَّدقَات، وسبيل الْخمس الصَّدَقَة، لِأَنَّهُ مَصْرُوف إِلَى الْفُقَرَاء كالصدقات المصروفة إِلَيْهِم، فَجَائِز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] أَعْطَاهُم من جملَة الْخمس كَمَا أَعْطَاهُم من الصَّدقَات.
(بَاب يُسهم لكل من حضر الْوَقْعَة، وَلمن كَانَ غَائِبا عَنْهَا فِي شَيْء من أَسبَابهَا)
فَمن ذَلِك من خرج يريدها فَلم يلْحق الإِمَام حَتَّى ذهب الْقِتَال غير أَنه لحق بِهِ فِي دَار الْحَرْب قبل خُرُوجه.
أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَامَ - يَعْنِي يَوْم بدر - فَقَالَ: " إِن عُثْمَان انْطلق فِي حَاجَة الله وحاجة رَسُوله، وَإِنِّي أبايع لَهُ فَضرب لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] بِسَهْم وَلم يُسهم لأحد غَابَ غَيره ".
فَجعله رَسُول الله [ ﷺ ] كمن حضرها، فَكَذَلِك كل من غَابَ عَن وقْعَة الْمُسلمين (بِأَهْل الْحَرْب) لشغل وشغله الإِمَام (بِهِ) من أُمُور الْمُسلمين. وَلِأَن غَنَائِم بدر لَو كَانَت وَجَبت لمن حضرها دون من غَابَ عَنْهَا إِذا لما ضرب النَّبِي [ ﷺ ] لغَيرهم فِيهَا بِسَهْم، وَلكنهَا وَجَبت لمن حضرها وَلمن غَابَ عَنْهَا مِمَّن بذل نَفسه لَهَا فَصَرفهُ الإِمَام عَنْهَا شغله بغَيْرهَا من أُمُور الْمُسلمين.
стр. 733
وَقَول أبي هُرَيْرَة ﵁: " بعث النَّبِي [ ﷺ ] أبان بن سعيد على سَرِيَّة من الْمَدِينَة قبل نجد، فَقدم أبان وَأَصْحَابه على النَّبِي [ ﷺ ] بِخَيْبَر بعد فتحهَا فَلم يقسم لَهُم شَيْئا ". فَذَلِك عندنَا وَالله أعلم (على) أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَجه أبان إِلَى نجد قبل أَن يتهيأ خَ إِلَى خَيْبَر. فَتوجه أبان ثمَّ خرج النَّبِي [ ﷺ ] . فَلم يكن شغله عَن حُضُورهَا بعد إِرَادَته حُضُورهَا فَيكون كمن حضرها. فَكل شَيْء تشاغل بِهِ من شغل نَفسه أَو شغل الْمُسلمين مِمَّا كَانَ دُخُوله فِيهِ مُتَقَدما على خُرُوج الإِمَام ثمَّ خرج فَلَا حق لَهُ فِيهَا.
فَإِن قيل: إِن أهل الْبَصْرَة غزوا نهاوند، وأمدهم أهل الْكُوفَة، فظفروا، فَأَرَادَ أهل الْبَصْرَة أَن لَا يقسموا لأهل الْكُوفَة، وَكَانَ عمار على أهل الْكُوفَة. فَقَالَ رجل من بني عُطَارِد: أَيهَا الأجدع تُرِيدُ أَن تشاركنا فِي غنائمنا. قَالَ: وَكتب فِي ذَلِك إِلَى عمر، فَكتب عمر: " إِن الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة ".
قيل لَهُ: يجوز أَن تكون نهاوند فتحت وَصَارَت دَار الْإِسْلَام، وأحرزت الْغَنَائِم وَقسمت قبل وُرُود أهل الْكُوفَة، فَإِن كَانَ ذَلِك فَإنَّا نَحن نقُول أَيْضا: إِن الْغَنِيمَة فِي ذَلِك لمن شهد الْوَقْعَة. فَإِن كَانَ جَوَاب عمر الَّذِي فِي هَذَا الحَدِيث لما كتب بِهِ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ لهَذَا السُّؤَال، فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ. وَإِن كَانَ على (أَن) أهل الْكُوفَة لَحِقُوا بهم قبل خُرُوجهمْ من دَار الشّرك، بعد ارْتِفَاع الْقِتَال، فَكتب عمر أَن الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة، فَإِن فِي ذَلِك الحَدِيث مَا يدل على أَن أهل الْكُوفَة كَانُوا طلبُوا أَن يقسم لَهُم، وَفِيهِمْ عمار بن يَاسر وَمن كَانَ فيهم غَيره من أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ]
стр. 734
مِمَّن تكافأ قَوْله بقول عمر. فَلَا يكون أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأولى من الآخر إِلَّا بِدَلِيل من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو نظر صَحِيح.
(بَاب مَكَّة شرفها الله تَعَالَى فتحت عنْوَة)
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ رُوِيَ أَنه أَرَادَ فتح مَكَّة، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: " مَعْنَاهُ قضينا لَك قَضَاء مُبينًا "، وَالْأَظْهَر أَنه فتحهَا بالقهر وَالْغَلَبَة، لِأَن الْقَضَاء (لَا) يتَنَاوَلهُ الْإِطْلَاق، وَإِذا كَانَ المُرَاد فتح مَكَّة فَإِنَّهُ يدل على أَنه فتحهَا عنْوَة، إِذْ كَانَ الصُّلْح لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْفَتْح وَإِن كَانَ قد يعبر عَنهُ مُقَيّدا لِأَن من قَالَ فتح (بلد) كَذَا عقل مِنْهُ الْغَلَبَة والقهر دون الصُّلْح. وَيدل عَلَيْهِ فِي نسق التِّلَاوَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وينصرك الله نصرا عَزِيزًا﴾ ، وَفِيه الدّلَالَة على أَن المُرَاد فتح مَكَّة، وَأَنه دَخلهَا عنْوَة. وَيدل عَلَيْهِ / قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ ، لم يَخْتَلِفُوا أَنه أَرَادَ فتح مَكَّة. وَقَوله: ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة﴾ وَذكره ذَلِك فِي سِيَاق الْقِصَّة يدل على ذَلِك، لِأَن الْمَعْنى سُكُون النَّفس إِلَى الْإِيمَان بالبصائر الَّتِي (بهَا) قَاتلُوا عَن دين الله حَتَّى فتحُوا مَكَّة. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تهنوا﴾ أَي لَا تضعفوا عَن الْقِتَال، ﴿وَتَدعُوا إِلَى السّلم﴾ أَي الصُّلْح.
стр. 735
(وَهَذَا يدل على أَنه فتحهَا) عنْوَة، لِأَنَّهُ قد نَهَاهُ عَن الصُّلْح فِي هَذِه الْآيَة وَأخْبر الْمُسلمين أَنهم هم الأعلون الغالبون.
وَمَتى دَخلهَا صلحا برضاهم فهم مساوون (لَهُم) ، إِذْ كَانَ حكم مَا يَقع بتراضي الْفَرِيقَيْنِ فهما متساويان فِيهِ لَيْسَ أحدهم بِأولى أَن يكون غَالِبا.
(بَاب إِذا فتح الإِمَام بَلْدَة عنْوَة فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قسمهَا بَين الْغَانِمين وَإِن شَاءَ أقرّ أَهلهَا عَلَيْهَا وَوضع عَلَيْهِم الْخراج)
الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن الْمُبَارك، عَن أبي حنيفَة وسُفْيَان رحمهمَا الله (بذلك) وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى.
أَبُو دَاوُد: عَن مَالك، عَن ابْن شهَاب: " أَن خَيْبَر كَانَ بَعْضهَا عنْوَة وَبَعضهَا صلحا، والكتيبة أَكْثَرهَا عنْوَة وفيهَا صلح. قلت لمَالِك - يَعْنِي ابْن هَب -: مَا الكتيبة قَالَ: أَرض بِخَيْبَر وَهِي أَرْبَعُونَ ألف عذق ".
وَعَن ابْن شهَاب قَالَ: " بَلغنِي أَن رَسُول الله [ ﷺ ] افْتتح خَيْبَر عنْوَة بعد الْقِتَال، وَترك من ترك من أَهلهَا على الْجلاء بعد الْقِتَال ".
البُخَارِيّ: عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ عمر ﵁: " لَوْلَا
стр. 736
آخر الْمُسلمين مَا فتحت قَرْيَة إِلَّا قسمتهَا بَين أَهلهَا كَمَا قسمت خَيْبَر ". وَمن طَرِيق أبي دَاوُد: " إِلَّا قسمتهَا كَمَا قسم رَسُول الله [ ﷺ ] خَيْبَر ".
الطَّحَاوِيّ: عَن أبي الزبير، عَن جَابر ﵁ قَالَ: أَفَاء الله على رَسُوله (خَيْبَر) فأقرهم (رَسُول الله [ ﷺ ] ) كَمَا كَانُوا وَجعلهَا بَينه وَبينهمْ، فَبعث عبد الله بن رَوَاحَة فخرصها عَلَيْهِم ".
فَثَبت بِهَذَا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] لم يكن قسم خَيْبَر بكمالها وَلكنه قسم طَائِفَة مِنْهَا.
وَعنهُ: عَن سهل بن أبي حثْمَة قَالَ: " قسم رَسُول الله [ ﷺ ] خَيْبَر نِصْفَيْنِ، نصفا لنوائبه وَحَاجته، وَنصفا بَين الْمُسلمين، قسمهَا بَينهم على ثَمَانِيَة عشر سَهْما ". وَأخرجه أَبُو دَاوُد. فَبين بِهَذَا الحَدِيث كَيفَ كَانَت قسْمَة النَّبِي [ ﷺ ] . وَالَّذِي كَانَ / أوقفهُ مِنْهَا هُوَ الَّذِي دَفعه إِلَى الْيَهُود على مَا مر فِي حَدِيث جَابر ﵁. وَهُوَ الَّذِي تولى عمر قسمته فِي خِلَافَته بَين الْمُسلمين لما أجلى الْيَهُود عَن خَيْبَر. و (قد) فعل عمر ﵁ مثل ذَلِك فِي أَرض السوَاد تَركهَا للْمُسلمين أَرض خراج ينْتَفع بهَا من يَجِيء بعده مِنْهُم، كَمَا ينْتَفع بهَا من كَانَ فِي عصره.
فَإِن قيل: يجوز أَن يكون عمر ﵁ (إِنَّمَا فعل) ذَلِك لِأَن الْمُسلمين جَمِيعًا رَضوا بذلك.
قيل لَهُ: إِنَّمَا نعلم أَن أَرض السوَاد لَو كَانَت كَمَا ذكرْتُمْ، لَكَانَ قد وَجب فِيهَا خمس لله بَين أَهله الَّذين جعلهم مستحقين لَهُ، وَقد علمنَا أَنه لَا يجوز للْإِمَام أَن يَجْعَل
стр. 737
الْخمس وَلَا شَيْئا مِنْهُ لأهل الذِّمَّة. وَقد كَانَ أهل السوَاد الَّذين أقرهم عمر (قد) صَارُوا ذمَّة، وَكَانَ السوَاد بأسره فِي أَيْديهم. فَثَبت بذلك أَن مَا فعله عمر من ذَلِك كَانَ من جِهَة غير الْجِهَة الَّتِي ذكرْتُمْ، وَهُوَ أَنه لم يكن وَجب فِيهَا خمس، وَكَذَلِكَ مَا فعله فِي رقابهم فَمن عَلَيْهِم بِأَن أقرهم فِي أَرضهم وَنفى الرّقّ عَنْهُم، وَأوجب الْخراج عَلَيْهِم فِي رقابهم وأراضيهم (فملكوا بذلك أراضيهم وانتفى الرّقّ عَن رقابهم) .
فَثَبت بذلك أَن للْإِمَام أَن يفعل هَذَا بِمَا افْتتح عنْوَة، فينفي عَن أَهلهَا رق الْمُسلمين، وَعَن أراضيهم ملك الْمُسلمين، وَيُوجب ذَلِك لأَهْلهَا وَيَضَع عَلَيْهِم مَا يجب وَضعه من الْخراج، كَمَا فعل عمر ﵁ بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] . وَاحْتج عمر لذَلِك بقول الله " ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ . ثمَّ قَالَ: ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين﴾ فأدخلهم مَعَهم. قَالَ: ﴿وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم﴾ يُرِيد بذلك الْأَنْصَار فأدخلهم مَعَهم ثمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ﴾ فللإمام أَن يفعل ذَلِك ويضعه حَيْثُ وَضعه مِمَّا سمى الله فِي هَذِه الْآيَة.
فَإِن قيل: رُوِيَ عَن قيس بن (أبي) حَازِم قَالَ: " (لما وَفد جرير بن عبد الله وعمار بن يَاسر وأناس من الْمُسلمين (إِلَى عمر، قَالَ عمر لجرير: (يَا جرير) وَالله لَوْلَا أَنِّي قَاسم مسؤول لكنتم على مَا قسمت لكم، وَلَكِنِّي أرى أَن
стр. 738
أرده على الْمُسلمين) ، فَرده فَكَانَ ربع السوَاد لبجيلة، فَأَخذه مِنْهُم وَأَعْطَاهُمْ ثَمَانِينَ دِينَارا ".
قيل لَهُ: (مَا) دلّ هَذَا الحَدِيث على مَا ذكرت / وَلَكِن يجوز أَن يكون عمر (فعل ذَلِك) فِي طَائِفَة من السوَاد فَجَعلهَا لبجيلة، ثمَّ أَخذ ذَلِك مِنْهُم للْمُسلمين وعوضهم مِنْهَا عوضا من مَال الْمُسلمين. فَكَانَت تِلْكَ الطَّائِفَة الَّتِي جرى فِيهَا هَذَا الْفِعْل للْمُسلمين بِمَا عوض عمر أَهلهَا مَا عوضهم مِنْهَا من ذَلِك، وَمَا بَقِي بعد ذَلِك من السوَاد فعلى الحكم الَّذِي قدمنَا. وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ أَرض السوَاد أَرض عشر.
فَإِن قيل: رُوِيَ أَيْضا عَن قيس بن (أبي) حَازِم قَالَ: " جَاءَت امْرَأَة من بجيلة إِلَى عمر فَقَالَت: إِن قومِي رَضوا مِنْك من السوَاد بِمَا لم أَرض، وَلست أرْضى حَتَّى تملأ كفي ذَهَبا، وجملي طَعَاما، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ، فَفعل ذَلِك بهَا عمر ".
قيل لَهُ: هَذَا (أَيْضا) عندنَا - وَالله أعلم - على الْحَرْف الَّذِي كَانَ سلمه عمر لبجيلة فملكوه ثمَّ أَرَادَ انْتِزَاعه مِنْهُم بِطيب أنفسهم، وَلم يخرج تِلْكَ الْمَرْأَة إِلَّا بِمَا طابت بِهِ نَفسهَا فَأَعْطَاهَا عمر مَا طلبت حَتَّى رضيت فَسلمت مَا كَانَ لَهَا من ذَلِك كَمَا سلم سَائِر قَومهَا حُقُوقهم.
فَإِن قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وأورثكم أَرضهم وديارهم﴾ فِيهِ دلَالَة على أَن الأَرْض المغنومة الَّتِي ظهر عَلَيْهَا الإِمَام لَا يجوز أَن يقر أَهلهَا عَلَيْهَا.
قيل لَهُ: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وأورثكم﴾ (لَا) يخْتَص بِإِيجَاب الْملك بالظهور وَالْغَلَبَة، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا﴾ وَلم يرد بذلك الْملك. وَلَو صَحَّ أَن المُرَاد الْملك فَالْمُرَاد بِهِ أَرض
стр. 739
بني قُرَيْظَة، ﴿وأرضا لم تطؤوها﴾ يَقْتَضِي أَرضًا وَاحِدَة لَا جَمِيع الأَرْض. فَإِن كَانَ المُرَاد خَيْبَر فقد ملكهَا الْمُسلمُونَ، وَإِن كَانَ المُرَاد أَرض فَارس (فقد ملك الْمُسلمُونَ أَرض فَارس) وَالروم، (فقد) وجد مُقْتَضى الْآيَة فَلَا دلَالَة فِيهِ على مَا قَالَ.
الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ: " لما فتح عَمْرو بن الْعَاصِ أَرض مصر جمع من كَانَ مَعَه من أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] ، واستشارهم فِي قسْمَة أرْضهَا بَين من شَهِدَهَا، كَمَا قسم بَينهم غنائمهم، وكما قسم رَسُول الله [ ﷺ ] خَيْبَر بَين من شَهِدَهَا، أَو يوقفها حَتَّى يُرَاجع فِي ذَلِك أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ نفر مِنْهُم فيهم الزبير بن الْعَوام: وَالله مَاذَا إِلَيْك وَلَا إِلَى عمر، إِنَّمَا هِيَ أَرض فتحهَا الله علينا وأوجفنا عَلَيْهَا خَيْلنَا ورجالنا وحوينا مَا / فِيهَا فاقسمها بِأَحَق من قسم أموالها.
وَقَالَ نفر مِنْهُم: لَا تقسمها حَتَّى تراجع أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا. فاتفق رَأْيهمْ على أَن يكتبوا إِلَى عمر فِي ذَلِك ويخبروه فِي كِتَابهمْ إِلَيْهِ بمقالتهم.
فَكتب (إِلَيْهِم) عمر: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أما بعد: فقد وصل إِلَيّ مَا كَانَ من إجماعكم على أَن تغتصبوا عَطاء الْمُسلمين، ومؤن من يغزوا (أهل) الْعَدو من أهل الْكفْر، و (إِنِّي) إِن قسمتهَا بَيْنكُم لم يكن لمن بعدكم من الْمُسلمين مَادَّة (يقوون بهَا) على عَدوكُمْ، وَلَوْلَا مَا أحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله وَأَرْفَع عَن الْمُسلمين من
стр. 740
مؤنهم وَأجْرِي (على) ضعفائهم وَأهل الدِّيوَان مِنْهُم لقسمتها بَيْنكُم، فأوقفوها فَيْئا على من بَقِي من الْمُسلمين حَتَّى تنقرض آخر عِصَابَة تغزو من الْمُسلمين وَالسَّلَام عَلَيْكُم ".
((ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب:)
العذق بِالْفَتْح: النَّخْلَة (بحملها) ، والعذق بِالْكَسْرِ: الكباسة) .
(بَاب لَا بَأْس بِأخذ الثِّيَاب واستعمالها لحَاجَة الْمُسلمين (إِلَى ذَلِك))
فَإِن قيل: رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ عَام خَيْبَر: " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يَأْخُذ دَابَّة من الْمَغَانِم يركبهَا حَتَّى إِذا أنقصها ردهَا فِي الْمَغَانِم. وَمن كَانَ يَأْمَن بِاللَّه وَالْيَوْم (الآخر) فَلَا يلبس ثوبا من الْمَغَانِم حَتَّى إِذا أخلقه رده فِي الْمَغَانِم ".
قيل لَهُ: قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: لحَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] وُجُوه وَتَفْسِير لَا يفهمهُ وَلَا يبصره إِلَّا من أَعَانَهُ الله عَلَيْهِ. فَهَذَا عندنَا - وَالله أعلم - على من يفعل ذَلِك وَهُوَ عَنهُ غَنِي، يَتَّقِي بذلك عَن ثَوْبه وَعَن دَابَّته. أَو يَأْخُذ ذَلِك يُرِيد بِهِ الْخِيَانَة. فَأَما رجل مُسلم فِي دَار الْحَرْب لَيْسَ مَعَه دَابَّة، وَلَيْسَ مَعَ الْمُسلمين فضل يحملونه إِلَّا دَوَاب الْغَنِيمَة، وَلَا يَسْتَطِيع أَن يمشي، فَإِن هَذَا لَا يحل للْمُسلمين تَركه، وَلَا بَأْس بِأَن يركب (هَذَا) شاؤوا أَو أَبَوا. وَكَذَلِكَ هَذَا الْحَال فِي الثِّيَاب وَالسِّلَاح وَحَال السِّلَاح أبين وأوضح. أَلا ترى أَن قوما (من الْمُسلمين لَو) تَكَسَّرَتْ سيوفهم أَو ذهبت، وَلَهُم شَيْء
следующие страницы →