Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
جَالس بَين أَصْحَابه، فَقَالَ: جَزَاك الله خيرا، وَبَارك عَلَيْك، فقد أوفيت، وأطبت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أُولَئِكَ خِيَار عباد الله يَوْم الْقِيَامَة، الموفون الطيبون ".
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل ﵀: " هَذَا الحَدِيث يجمع فنوناً من الْأَحْكَام، وعيوناً من آدَاب الْإِسْلَام: مِنْهَا جَوَاز ابتياع الشريف من المشروف / والمتبوع من التَّابِع، وَمِنْهَا حسن التِّجَارَة ، وارتفاع قدرهَا، وعلو أمرهَا. وَمِنْهَا أَن الإِمَام يَلِي البيع وَالشِّرَاء بِنَفسِهِ، وَلَا يكون ذَلِك وَاضِعا من قدره، وَمِنْهَا صِحَة ابتياع الْحَيَوَان بالمصوق من التَّمْر غير الْمُؤَجل، وَهَذَا أصل فِي جَوَاز السّلم الْحَال خلافًا على الْعِرَاقِيّ حِين أَبَاهُ محتجاً بقول النَّبِي ﷺ َ -: من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم، وَأجل مَعْلُوم.
وَالْحَدِيثَانِ متفقان، وعَلى مَذْهَب التَّأْلِيف متسقان، وَلَكِن الحَدِيث الَّذِي رَوَوْهُ، الْغَرَض مِنْهُ أَن يكون الْأَجَل مَعْلُوما؛ إِذْ النَّبِي ﷺ َ - ورد الْمَدِينَة وهم يسلفون إِلَى آجال مُتَفَاوِتَة، وأوقات غير مَعْلُومَة؛ فنهاهم النَّبِي ﷺ َ - عَن ذَلِك، وعرفهم أَن الْأَجَل الَّذِي يَصح بِهِ هَذَا العقد على حكم الدّين والشريعة، وَهُوَ الْأَجَل الْمَعْلُوم دون أَن يقْصد قصد إبِْطَال مَا هُوَ أعرف من الْأَجَل الْمَعْلُوم الْمُقْتَضى حَقه فِي فَور العقد مَعَ امْتنَاع التَّأْخِير والبعد.
وَالْأَصْل فِي البيع كُله الْحُلُول والنقد، وَالْأَجَل ترخيص وترفيه، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن لَا بيع يمْتَنع عَن جَوَازه لكَونه نَقْدا، وبيوع كَثِيرَة تمْتَنع عَن الصِّحَّة للأجل.
стр. 1262
وَمِمَّا يقرب الْأَمر فِيهِ قَوْله ﷺ َ -: " فِي كيل مَعْلُوم " قصدا مِنْهُ إِلَى أَن يكون الْمِقْدَار، والمخبر عَن الكمية مَعْلُوما، لَا على وَجه إِفْرَاد الْكَيْل بِالْجَوَازِ دون الْوَزْن، وكل مَكِيل بِالْوَزْنِ جَائِز اتِّفَاقًا، وإجماعاً؛ لِأَن الْوَزْن أحْصر، وبالكمية أخبر، فَلهَذَا أجَاز جَوَازه، كَذَلِك الْحُلُول.
فَإِن قيل: مَا أمكن فِيهِ الْأَجَل، فشرطه التَّأْجِيل، قلت: وَمَا أمكن فِيهِ الْكَيْل، فشرطه الْكَيْل، فَإِن قَالَ: الْوَزْن يحل مَحَله، وَيفْعل فعله، وَيزِيد عَلَيْهِ فِي الْحصْر، والإنباء عَن الْقدر، قلت: كَذَلِك الْحَال يحل مَحل الْأَجَل، ويربي عَلَيْهِ؛ إِذْ غَايَته مفضي إِلَيْهِ.
فَإِن قيل: فالكتابة، قلت لَهُ: أَنْت تجوزها حَالَة، وَأما نَحن فَإنَّا خصصنا الْبيُوع الْمُمْتَنع كثير مِنْهَا عَن الْأَجَل؛ لجوازه حَالا مَا جَازَ مِنْهُ مُؤَجّلا، فَأَما الْكِتَابَة فالغرض فِيهِ الْعتْق، وَالْعَمَل فِيهِ على الرِّفْق المخلص من الرّقّ؛ إِذْ هُوَ يُعَامل مَاله بِمَالِه، وَيَأْخُذ عَن عَبده كسب يَده. وَلَوْلَا مَا أحذره من الإملال الْجَارِي بالإقلال لملأت الأطباق فِي هَذَا الْمَعْنى بِتَوْفِيق الله، وَمِنْه.
وَمِنْهَا جَوَاز تَسْمِيَة الطَّعَام بإسمين: أَحدهمَا أشهر من الآخر، وَإِذا خَافَ الْحَكِيم ذهَاب الْمخبر عَن مقْصده بالإسم الْغَرِيب عرفه بالإسم الْمَشْهُور، وَذَلِكَ قَول عَائِشَة ﵂: " تمر الذَّخِيرَة وَهِي الْعَجْوَة ".
وَمِنْهَا حسن ابتياع الشَّيْء بالواقع فِي الذِّمَّة على حسن الظَّن
стр. 1263
بالموجود عِنْده؛ ليقضى مِنْهُ مَا فِي ذمَّته، وَهَذَا رَسُول الله رب الْعَالمين يبْتَاع بِتَمْر الذَّخِيرَة، وَيَأْتِي الْأَعرَابِي إِلَى منزله؛ ليوفيه.
(وَمِنْهَا اسْتِصْحَاب الْغَرِيم لقَضَاء الدّين وَالْغُرْم كاستصحاب النَّبِي ﷺ َ - الْأَعرَابِي إِلَى منزله للوفاء.
وَمِنْهَا) الرئيس الْكَرِيم الْكَبِير، والجليل الخطير يلْتَمس فِي منزله مَا خَلفه فِيهِ، فَإِن لم يجده، لم يعقبه بعتب، أَلا ترى إِلَى عَائِشَة ﵂ تَقول: " فالتمس التَّمْر، فَلم يجده ".
وَمِنْهَا أَن لَا عتب على الْإِنْسَان فِي إخلاف الظَّن، ووجودج الْأَمر بِغَيْر التَّقْدِير الَّذِي فِي نَفسه.
وَمِنْهَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - يعْصم فِي أَمر الدّين، والإخبار عَن الله ، فَأَما فِي أَمر الدُّنْيَا فَإِنَّهُ بشر، كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " (" إِنَّمَا أَنا بشر أغضب كَمَا تغضبون ") وكما قَالَ ﷺ َ - لما نَهَاهُم عَن التابير، فشاصت النخيل، فشكوا إِلَيْهِ ﷺ َ - فَقَالَ: " مَا كَانَ من أَمر دينكُمْ فَإلَى، وَمَا كَانَ من أَمر دنياكم فإليكم "، أَو كَمَا قَالَه. وَمِنْهَا أَنه ﷺ َ - لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى بدر أَرَادَ أَن ينزل
стр. 1264
منزلا، فَقَالُوا لَهُ: " يَا رَسُول الله، إِن كَانَ هَذَا عَن وَحي فالسمع، وَالطَّاعَة، / وَلَا اخْتِيَار على أَمر الله، وَإِن كَانَ هَذَا عَن رَأْي فَمَا هَذَا منزل مكيدة، فطوى ﷺ َ - ".
وَمِنْهَا أَن الْمُبْتَاع يعرض لبَائِعه بالاستقالة وَالْإِقَالَة إِذا لم يجد قَضَاء، وَهُوَ قَوْله ﷺ َ -: " يَا عبد الله أَنا ابتعنا مِنْك جزوراً بوسق من تمر الذَّخِيرَة، وَنحن نرى أَنه عندنَا، فالتمسناه، فَلم نجده ".
وَمِنْهَا جَوَاز تَسْمِيَة من لم يعرف اسْمه، وكنيته بِعَبْد الله؛ إِذْ الْخلق عبيد الله، وَبِهَذَا يعلم صِحَة المعاقدة، وَتحمل الشَّهَادَة على الْأَعْيَان للمشاهدة مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَن الْأَنْسَاب، والكنى، والألقاب خلاف هاجس الهوس الشايع فِي هَذَا الزَّمَان العجيب أمره من طلب أثر بعد عين.
وَمِنْهَا استغاثة الملهوف، وندبة المضعوف وَهُوَ قَول الْأَعرَابِي: " واغدراه " حِين تصور الْأَمر بِغَيْر صورته، وَقدر غدراً وَاقعا بِهِ، ومكراً جَامعا لَهُ.
стр. 1265
وَمِنْهَا أَن اتِّبَاع الرئيس، وَأَصْحَاب الإِمَام إِذا رَأَوْا مُنْكرا غاضاً عَن مَحَله بَادرُوا الغاض بالفض، والغض، وَهُوَ قَول أم الْمُؤمنِينَ ﵂: " فزجره النَّاس ".
وَمِنْهَا لطف الإِمَام فِي كف أَتْبَاعه عَن المتألم، ورد أنصاره عَن رد المتظلم حَتَّى يَتَّضِح سَبيله، وَلَا يقر بالظلم قبله، وَقَالَ: " دَعوه ". ثمَّ قَوْله ﷺ َ -: " فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا "، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ﷺ َ -: " (لصَاحب الْحق يَد) ، ولسان "، فيده تنَاول مَاله مِمَّن يحتجبه، وَأخذ مثله مَعَ فَوت عينه. وَلَا يذهب بك عَن الصَّوَاب قَول من يَقُول: " رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: أد إِلَى من ائتمنك، وَلَا تخن من خانك "، إِذْ معنى هَذَا القَوْل أَلا يُقَابل الْأَخْذ بِمثلِهِ بعد وُصُوله إِلَى حَقه، وَتَنَاول مَاله من تَحت يَده، فيده فِي الْعَدْوى عَلَيْهِ، والتزامه لِلْخُرُوجِ من حَقه إِذْ الْيَد يعبر بهَا عَن الْقُدْرَة، وَالْقُوَّة، والبسط، والجارحة ، وَالنعْمَة، وَالصّفة الْمَخْصُوصَة، وَهَذَا أَمر النَّبِي ﷺ َ - للأعرابي على تَقْدِيره فِيهِ حِين وضع الْأَمر أَنه يمْنَع مَاله عَن بَيْعه.
стр. 1266
ثمَّ قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ -: " لتفقه، يَا عبد الله "، هَذَا يدل على حسن التّكْرَار، وصواب التَّقْدِير، وَمحل التَّحْرِير بترديد الْكَلَام، وإعادة النظام لتَفَاوت النَّاس فِي الأفهام، فَمن بَين يدْرك اللحظة من اللَّفْظَة من بَين قوم لَا يعْرفُونَ (لَا) إِلَّا ب (لَا) .
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن عبد الله - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي مجَالِس نظرة يَوْم الْخَمِيس، وَقد ألح عَلَيْهِ ملح، فَقَالَ: إِن هَهُنَا أَقْوَامًا لَا يعْرفُونَ " لَا " إِلَّا ب " لَا "، فَهَذَا رَسُول رب الْعِزَّة يُكَرر على الْأَعرَابِي القَوْل؛ ليفقه الْعلم؛ إِذْ لَيْسَ كل من يسمع يفقه، وَهَذَا رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " نضر الله أمرا سمع منا مقَالا، فوعاه، فأداه كَمَا سَمعه، فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ "، فَقَالَ الْأَعرَابِي ثَانِيًا: " واغدراه " فزجره النَّاس "، وَهَذَا يدل على أَن الاستكفاف على الْحَالة لَا توجب كفا على التَّأْبِيد، وَأَن الْمُسِيء إِذا عَاد إِلَى سوء القَوْل قوبل بِالرَّدِّ من الْفِعْل، أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ لَهُم: " دَعوه " فَلَمَّا عَاد إِلَى قَوْله، عَادوا إِلَى زَجره، وَلم يكن النَّهْي الأول ناهياً عَن هَذِه الْحَالة، لِأَنَّهُ لَو نَهَاهُم عَنْهَا لكانوا عصاة بارتكاب النَّهْي، وحاشاهم أَن يَكُونُوا بِهَذِهِ الصّفة، وَلَو كَانُوا للحقتهم الموعظة، والمزجرة ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ - رَحمَه الله -: " وروينا حَدِيث طَارق بن عبد الله فِي ابتياع النَّبِي ﷺ َ - جملا بِكَذَا وَكَذَا، صَاعا من تمر خَارج
стр. 1267
الْمَدِينَة وَأَخذه الْجمل، ورجوعه إِلَى الْمَدِينَة، ثمَّ إِنْفَاذه بِالتَّمْرِ. وَهُوَ مَذْهَب عَطاء بن أبي رَبَاح الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ آخرا فِي جَوَاز السّلم فِي الْحَال ".
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄: " قدم رَسُول الله ﷺ َ - (الْمَدِينَة، وهم يسلفون السنتين، وَالثَّلَاث، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -) /: من سلف فِي تمر، فليسلف فِي كيل مَعْلُوم، وَوزن مَعْلُوم، إِلَى أجل مَعْلُوم ".
(وَقَوله: " إِلَى أجل مَعْلُوم "، أَي: إِذا (كَانَ مُؤَجّلا يجب أَن) يكون الْأَجَل مَعْلُوما غير مَجْهُول، وَلَيْسَ فِيهِ نفي الْحَال، يُوضحهُ الْجمع بَين الْكَيْل، وَالْوَزْن فِي هَذَا الحَدِيث، وبالإجماع لَا يلْزم اجْتِمَاعهمَا، إِنَّمَا يلْزم أَحدهمَا. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٤) :
وَالسّلم فِي الْحَيَوَان جَائِز. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّه لَا يجوز ".
стр. 1268
وَدَلِيلنَا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، ﵄، وَقد سبق ذكرنَا لَهُ فِي مَسْأَلَة بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، وَذكرنَا أَيْضا حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس ﵄ وَغَيرهم لَهُم، وأجبنا (عَنهُ) بِمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْكتاب.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " نهى رَسُول الله ﷺ َ - أَن تباشر الْمَرْأَة الْمَرْأَة فِي ثوب وَاحِد؛ لأجل أَن تصفها لزَوجهَا حَتَّى كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا، وَنهى إِذا كُنَّا ثَلَاثَة أَن يَتَنَاجَى اثْنَان دون وَاحِد أجل أَن يحزنهُ حَتَّى يخْتَلط بِالنَّاسِ ".
وَفِيه دَلِيل على أَن الْحَيَوَان يضْبط بِالصّفةِ خلاف مَا زعم أَبُو حنيفَة ﵀ من أَنه لَا يضْبط بِالصّفةِ.
وَرُوِيَ عَن أبي الحسان الْأَعْرَج، قَالَ: " سَأَلت ابْن عمر، وَابْن
стр. 1269
عَبَّاس ﵃ عَن السّلم فِي الْحَيَوَان، فَقَالَ: إِذا سمي الْأَسْنَان، والآجال، فَلَا بَأْس ".
وَعَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: " أسلم عبد الله ﵁ فِي وصف "، قَالَ: " وَكَانَ الشّعبِيّ لَا يرى بَأْسا بالسلم فِي الْحَيَوَان ".
وَعَن يُونُس عَن الْحسن: " أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا فِي السّلف فِي الْحَيَوَان إِذا كَانَ شَيْئا مَعْلُوما إِلَى أجل مَعْلُوم "، وَقد مضى سَائِر الْآثَار فِيهَا فِي أول كتاب الْبيُوع.
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن عمار الذَّهَبِيّ، قَالَ: " رَأَيْت سعيد بن جُبَير بِمَكَّة ينْهَى عَن السّلم فِي الْحَيَوَان، فَقلت: أَلَيْسَ كنت
стр. 1270
بِأَذربِيجَان سنتَيْن؟ يعْملُونَ بذلك، لَا تنه عَنهُ، فَقَالَ: نهى عَنهُ حُذَيْفَة ". (سعيد لم يدْرك حُذَيْفَة بن سعيد.
وروى عَنهُ، وَعَن إِبْرَاهِيم، عَن ابْن مَسْعُود ﵄: " أَنه كره السّلف) فِي الْحَيَوَان ". وَسَعِيد، وَإِبْرَاهِيم لم يدركا ابْن مَسْعُود.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَيَزْعُم الشّعبِيّ الَّذِي هُوَ أكبر سنا من الَّذِي روى عَنهُ - يَعْنِي عَن ابْن مَسْعُود - الْكَرَاهَة؛ أَنه إِنَّمَا أسلف لَهُ فِي لقاح إبل بِعَيْنِه، وَهَذَا مكروة عندنَا، وَعند كل أحد، هَذَا بيع الملاقيح، والمضامين، أَو هما ". قَالَ الشَّافِعِي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ، فِي الْقَدِيم -: وَقد يكون ابْن مَسْعُود كرهه تنزهاً عَن التِّجَارَة فِيهِ، لَا على تَحْرِيمه "، ثمَّ قد روينَا عَن الْقَاسِم، قَالَ: أسلم عبد الله فِي وصفاء ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه
стр. 1271
ذكر فِي أَبْوَاب الرِّبَا: " أَن يسلم فِي سنّ "، رُوِيَ ذَلِك عَن المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن عمر، وَهَذَا إِسْنَاد مُنْقَطع. وَالله أعلم.
стр. 1272
ذكر مَا اخْتلف فِيهِ الشَّافِعِي، وَأَبُو حنيفَة ﵄ من كتاب الرَّهْن، والتفليس، وَالْحجر، وَالصُّلْح، وَالْحوالَة، وَالضَّمان، وَالشَّرِكَة، وَالْوكَالَة، وَالْإِقْرَار، وَالْعَارِية، وَالْغَصْب، وَالْمُسَاقَاة، وإحياء الْموَات، وَالْوَقْف، وَالْهِبَة، واللقطة مِمَّا ورد فِيهِ خبر، أَو أثر
مَسْأَلَة (١١٥) :
تَخْلِيل الْخمر لَا يجوز، وَلَا يحل تنَاوله، فَإِن صَار بِنَفسِهِ خلا، حِينَئِذٍ حل تنَاوله فِي ظَاهر الْمَذْهَب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " تَخْلِيل الْخمر جَائِز، والخل الْمُتَّخذ مِنْهُ حَلَال تنَاوله ".
دليلنا من طَرِيق الْخَبَر مَا فِي صَحِيح مُسلم عَن أنس ﵁ قَالَ: " سُئِلَ رَسُول الله ﷺ َ - عَن الْخمر تتَّخذ خلا، قَالَ: لَا ".
стр. 1273
رُوِيَ عَن أسلم مولى عمر ﵁: " أَن عمر أَتَى بالطلاء، وَهُوَ بالجابية، وَهُوَ يَوْمئِذٍ يطْبخ، وَهُوَ كعقيد الرب، فَقَالَ: إِن فِي هَذَا لشراباً مَا انتهينا إِلَيْهِ، وَلَا تشرب خل خمر أفسدت حَتَّى يُبْدِي الله فَسَادهَا، فَعِنْدَ ذَلِك يطيب الْخلّ، وَلَا باس على امْرِئ إِن ابْتَاعَ خلا وَحده مَعَ أهل الْكتاب مَا لم يعلم أَنهم تعمدوا إفسادها بعد مَا عَادَتْ خمرًا ".
قَوْله: " أفسدت " يَعْنِي، عولجت، وَلَا نعلم أحدا من الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - خَالفه.
استدلوا بِمَا روى الْفرج بن فضَالة عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن أم سَلمَة ﵂: _ " أَنَّهَا كَانَت لَهَا شَاة تحلبها، ففقدها النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: مَا فعلت شاتكم؟ فَقلت: مَاتَت، قَالَ: أَفلا انتفعتم بإهابها؟ قلت: إِنَّهَا ميتَة، قَالَ: فَإِن دباغها يحل كَمَا يحل الْخلّ الْخمر "، / قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: " تفرد بِهِ الْفرج بن فضَالة عَن يحيى، والفرج مِمَّن لَا يحْتَج بحَديثه، وَلم يَصح تَحْلِيل خل الْخمر من وَجه ".
وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن بكار عَن الْفرج بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ
стр. 1274
فرج: " يَعْنِي أَن الْخمر إِذا تَغَيَّرت، فَصَارَت خلا حلت "، فعلى هَذَا التَّفْسِير الَّذِي فسره - وَهُوَ رَاوِي الحَدِيث - يرْتَفع الْخلاف، ونقول بِهِ.
قَالَ عَمْرو بن عَليّ: " كَانَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي لَا يحدث عَن فرج بن فضَالة، وَيَقُول: حدث عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ أَحَادِيث مُنكرَة مَقْلُوبَة؛ فَقَالَ البُخَارِيّ: الْفرج بن فضَالة، أَبُو فضَالة مُنكر الحَدِيث ".
وَرُوِيَ عَن الْمُغيرَة بن زِيَاد عَن أبي الزبير عَن جَابر ﵁ قَالَ " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - مَا أفقر بَيت من أَدَم فِيهِ خل، وَخير خلكم خل خمركم ".
стр. 1275
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: " هَذَا حَدِيث واه شَاذ، لَا أعلم أَنا كتبناه إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد، والمغيرة بن زِيَاد الْموصِلِي يُقَال لَهُ: أَبُو هِشَام المكفوف صَاحب الْمَنَاكِير، وَيُقَال إِنَّه حدث عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَأبي الزبير بجملة من الْمَنَاكِير، وَقد حدث عَن عبَادَة بن نسي بِحَدِيث مَوْضُوع، فَكيف يُعَارض بِمثل هَذِه الرِّوَايَة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المحفوظة عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي النَّهْي عَن تَخْلِيل الْخمر؟ وَلم يزل أهل حرم رَسُول الله ﷺ َ - يُنكرُونَ ذكر خل الْخمر، سَمِعت أَبَا الْحسن على بن عِيسَى الْحِيرِي يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق: أخبرنَا الْعَبَّاس يَقُول: سَمِعت قُتَيْبَة بن سعيد يَقُول: قدمت الْمَدِينَة أَيَّام مَالك، فتقدمت (الى فامي) ، فَقلت:
عنْدك خل خمر؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله فِي حرم رَسُول الله، ﷺ َ - قَالَ: ثمَّ قدمت بعد موت مَالك، فَذكرت لَهُم، فَلم يُنكر عَليّ ".
وَرُوِيَ عَن أم حِرَاش قَالَت: " أتيت عليا ﵁ يصطبغ فِي خل خمر "، هَذَا وَإِن ثَبت فهم يسمون الْخلّ الْمُتَّخذ من الْعِنَب خل خمر، وَذَلِكَ شَائِع بَينهم.
وَرُوِيَ عَن مسربل الْعَبْدي عَن أمه عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " لَا بَأْس بخل الْخمر "، وَإِسْنَاده مَجْهُول مظلم. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٦) :
وزيادات الرَّهْن الْمُنْفَصِلَة الْحَادِثَة بعد عقد الرَّهْن تخلص
стр. 1276
للرَّاهِن. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّهَا دَاخِلَة فِي عقد الرَّهْن ".
(عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَا يغلق الرَّهْن لَهُ غنمه، وَعَلِيهِ غرمه "، قَالَ عَليّ بن عمر: " هَذَا إِسْنَاد حسن مُتَّصِل " وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: " هَذَا حَدِيث صَحِيح ") .
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: الرَّهْن يركب ويحلب بعلفه "، أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح.
وَأخرج أَيْضا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لبن الدّرّ يحلب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا، وَالظّهْر يركب إِذا كَانَ مَرْهُونا، وعَلى الَّذِي يركب ويحلب النَّفَقَة، كَذَلِك رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك، وَيحيى الْقطَّان عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن الشّعبِيّ عَنهُ.
وَرَوَاهُ هشيم، وسُفْيَان (بن حبيب) عَن زَكَرِيَّا، وَزَاد فِي مَتنه " الْمُرْتَهن "، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ لوجوه.
стр. 1277
أَحدهَا: أَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي رَوَاهُ عَن هشيم، وَلَفظ الحَدِيث: " إِذا كَانَت الدَّابَّة مَرْهُونَة فعلى الَّذِي رهن عَلفهَا، وَلبن الدّرّ يشرب، وعَلى الَّذِي يشرب نَفَقَته، ويركب "، وَلم يذكر الْمُرْتَهن فِيهِ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْحفاظ كَابْن الْمُبَارك، وَأبي نعيم، وَيحيى الْقطَّان لم يذكرُوا هَذِه اللَّفْظَة، فتصويبهم أولى.
الثَّالِث: أَن الشّعبِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَقد أفتى بِخِلَاف مذهبكم، حَيْثُ قَالَ: " لَا ينْتَفع من الرَّهْن بِشَيْء "، فِيمَا يرويهِ الثَّوْريّ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَنهُ، وَفِيمَا يرويهِ الثَّوْريّ أَيْضا عَن زَكَرِيَّا عَنهُ أَنه قَالَ فِي رجل ارْتهن جَارِيَة، فأرضعت لَهُ، قَالَ: " يغرم لصَاحب الْجَارِيَة قيمَة (الرَّضَاع للبن) ".
стр. 1278
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الرَّهْن مركوب ومحلوب "، قَالَ أَبُو عبد الله _ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، كَذَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة، / وَأَبُو عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، ﵁. وَرَوَاهُ وَكِيع عَنهُ، فَوَقفهُ على أبي هُرَيْرَة، ﵁.
احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: " كَانَ معَاذ بن جبل ﵁ يَقُول فِي النّخل إِذا رَهنه، فَتخرج فِيهِ ثَمَرَة، فَهُوَ من الرَّهْن "، وَهَذَا مُنْقَطع بَين عَمْرو، ومعاذ، ثمَّ قد رُوِيَ عَن معمر عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه أَن معَاذ بن جبل ﵁ قضى فِيمَن ارْتهن نخلا مثمراً، فليحتسب الْمُرْتَهن ثَمَرَتهَا من رَأس المَال "، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مطرف بن مَازِن عَن معمر. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٧) :
وَالرَّهْن أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن إِذا تلف لم يكن عَلَيْهِ ضَمَان , وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّه مَضْمُون بِالدّينِ بِقدر قِيمَته ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: لَا يغلق الرَّهْن من صَاحبه الَّذِي رَهنه، لَهُ غنمه، وَعَلِيهِ غرمه "، قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " غنمه: زِيَادَته، وغرمه: هَلَاكه ونقصانه ".
стр. 1279
رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن شَبابَة، وَعبد الحميد بن سُلَيْمَان أخي فليح، وَأبي قَتَادَة عبد الله بن وَافد الْحَرَّانِي، وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن ابْن أبي ذيب يذكر أَبَا هُرَيْرَة، ﵁.
وروى الشَّافِعِي عَن الثِّقَة عَن يحيى بن أبي أنيسَة - عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ ٠ عَن النَّبِي ﷺ َ - مثله، أَو مثل مَعْنَاهُ. وَقد روينَا من حَدِيث زِيَاد بن سعد عَن الزُّهْرِيّ مُتَّصِلا، وَهَذَا حَدِيث حسن، وَرُوِيَ عَن مَالك مَرْفُوعا مُتَّصِلا، وَالْمَحْفُوظ عَنهُ مَا فِي الْمُوَطَّأ .
стр. 1280
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: " قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: الرَّهْن بِمَا فِيهِ "، قَالَ أَبُو حَازِم الْحَافِظ: " تفرد بِهِ حسان بن إِبْرَاهِيم الْكرْمَانِي "، قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " وَهُوَ مُنْقَطع بَين عَمْرو بن دِينَار، وَأبي هُرَيْرَة ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَن حميد عَن أنس ﵁ مَرْفُوعا (بِمثلِهِ) ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى -: " لَا يثبت هَذَا عَن حميد، وكل من بَينه وَبَين شَيخنَا ضعفاء، وهم أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب عَن عبد الْكَرِيم بن روح عَن هِشَام بن زِيَاد.
وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر واه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أُميَّة عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن أنس، ﵁. قَالَ عَليّ ابْن عمر: " إِسْمَاعِيل بن أبي أُميَّة هَذَا يصنع الحَدِيث، وَهَذَا بَاطِل عَن قَتَادَة عَن حَمَّاد. وَالله أعلم.
وأصل هَذِه الْمَسْأَلَة لَهُم حَدِيث مُرْسل، وَفِيه من الوهن مَا فِيهِ، رُوِيَ عَن مُصعب بن ثَابت قَالَ: " سَمِعت عَطاء يحدث أَن رجلا
стр. 1281
رهن فرسا، فنفق فِي يَده، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - للْمُرْتَهن: ذهب حَقك "، هَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَنهُ مرّة، وَقيل عَنهُ عَن عَطاء عَن الْحسن عَن النَّبِي -.
(ومرسلات الْحسن ضَعِيفَة، وصحيح عَن عَطاء) أَنه قَالَ فِيمَا ظهر هَلَاكه أَمَانَة، وَهُوَ لَا يُخَالف النَّبِي ﷺ َ - فِيمَا يكون مثبتاً عِنْده، وَقيل عَن عَطاء: " يترادان الْفضل "، وكل ذَلِك يُخَالف مَا رُوِيَ عَنهُ فِي حَدِيث الْفرس (وَقد يكون الْفرس أقل قيمَة من الْحق، وَأكْثر مِنْهُ، وَمثله، وَلم يرو أَنه سَأَلَ عَن قيمَة الْفرس) . وَرُوِيَ فِي هَذِه الْقِصَّة أَنه قَالَ: " الرَّهْن بِمَا فِيهِ "، وهم يخالفون إِذا كَانَ فضل فِي الدّين على مَال الرَّهْن، فَلَا يجعلونه سَاقِطا.
وَرُوِيَ عَن أبي الْعَوام (عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن عبيد بن
стр. 1282
عُمَيْر أَن عمر بن الْخطاب ﵁) قَالَ فِي الرجل يرتهن الرَّهْن فيضيع، قَالَ: " إِن كَانَ أقل مِمَّا فِيهِ رد عَلَيْهِ تَمام حَقه، وَإِن كَانَ أَكثر فَهُوَ أَمِين "، وَأَبُو الْعَوام هُوَ عمرَان بن دَاوُد، وَهُوَ مُنْفَرد بِهِ، وَأكْثر أَصْحَاب الحَدِيث لَا يحتجون بِهِ، لسوء حفظه.
وَرُوِيَ عَن الثَّوْريّ عَن لَيْث، أَو مَنْصُور عَن الحكم عَن عَليّ أَنه قَالَ فِي الرَّهْن: " يترادان الْفضل "، وَهَذَا مُرْسل مَوْقُوف، وَرُوِيَ ذَلِك عَنهُ من وُجُوه أخر، وَرُوِيَ عَنهُ: " إِذا كَانَ فِي الرَّهْن فضل فَإِن أَصَابَته جَائِحَة، فالرهن بِمَا فِيهِ، وَإِن لم تصبه جَائِحَة، فَإِنَّهُ يرد الْفضل ". وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٨) :
وَإِذا أفلس المُشْتَرِي بِالثّمن، وَوجد البَائِع / عين مَاله فِي يَده، كَانَ أَحَق بِهِ من سَائِر غُرَمَائه، وَله أَن يرتجعه، وينقض البيع فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " البَائِع أُسْوَة الْغُرَمَاء، لَيْسَ لَهُ نقض البيع، وَلَا ارتجاع الْمَبِيع ".
وَدَلِيلنَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ -: " من أدْرك مَاله بِعَيْنِه عِنْد رجل قد أفلس، أَو
стр. 1283
إِنْسَان قد أفلس، فَهُوَ أَحَق بِهِ من غَيره " اتفقَا على صِحَّته.
وَفِي رِوَايَة عِنْد مُسلم عَنهُ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا أفلس الرجل، فَوجدَ غَرِيمه مَتَاعه بِعَيْنِه، فَهُوَ أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء ".
وَفِي أُخْرَى عِنْده أَيْضا عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي الرجل الَّذِي يعْدم إِذا وجد عِنْده الْمَتَاع، وَلم يفرقه: " أَنه لصَاحبه الَّذِي بَايعه ".
وَفِي أُخْرَى عِنْده أَيْضا عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أفلس الرجل، فَوجدَ الرجل عِنْده سلْعَته بِعَينهَا، فَهُوَ أَحَق بهَا ".
وَرُوِيَ عَن أبي الْمُعْتَمِر عَن عَمْرو بن خلدَة الزرقي. وَكَانَ قَاضِي الْمَدِينَة حينا - قَالَ: " جِئْنَا أَبَا هُرَيْرَة ﵁ فِي صَاحب لنا قد أفلس فَقَالَ: هَذَا الَّذِي قضى فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ -: " أَيّمَا رجل مَاتَ، أَو أفلس فَصَاحب الْمَتَاع أَحَق بمتاعه إِذا وجده بِعَيْنِه "، قَالَ أَبُو عبد الله: " هَذَا حَدِيث صَحِيح "، وروى سعيد بن الْمسيب عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَنه قضى بذلك.
стр. 1284
وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ ﵁ أَيْضا، قَالَ: " لَا نعلم أحدا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - خَالف عُثْمَان، وعلياً ﵄ فِي ذَلِك ".
وروى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن ابْن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " أَيّمَا رجل بَاعَ سلْعَة، فَأدْرك سلْعَته بِعَينهَا عِنْد رجل قد أفلس، وَلم يقبض من ثمنهَا شَيْئا، فَهِيَ لَهُ، فَإِن كَانَ قَضَاهُ من ثمنهَا شَيْئا، فَمَا بقى فَهُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء "، تفرد بوصله إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، قَالَ عَليّ بن عمر: " إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش مُضْطَرب الحَدِيث، وَلَا يثبت هَذَا عَن الزُّهْرِيّ مُسْندًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسل ".
وَرَوَاهُ الْيَمَان بن عدي عَن الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا، واليمان ضَعِيف الحَدِيث جدا.
وَرُوِيَ عَن خلاس عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " هُوَ أُسْوَة
стр. 1285
الْغُرَمَاء "، خلاس عَن عَليّ ﵁ لَيْسَ بِسَمَاع، وَإِنَّمَا أَخذه من صحيفَة، فَهُوَ مُنْقَطع.
وَلَا حَاصِل لقَوْل من يَقُول " لِتَفَرُّد أبي هُرَيْرَة بروايته " لَا أَقُول بِهِ، فكم من حكم فِي الشَّرْع لم يثبت إِلَّا بروايته، وقبلوه مِنْهُ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا، وَلَا خَالَتهَا "، فأخذنا جَمِيعًا بِهِ، وَلم يثبت عَن النَّبِي ﷺ َ - من رِوَايَة غَيره. وَلَا يَصح قَوْلهم: " إِنَّا بِالْإِجْمَاع فِي النِّكَاح بِهَذَا الحكم "، بل هُوَ وَاجِب بِالْحجَّةِ عَلَيْهِم، أَن يجْتَمع النَّاس على حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحده، وَلَا يذهبون فِيهِ إِلَى توهِينه بِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ ، وَنِكَاح الْمَرْأَة على الْعمة، وَالْخَالَة مِمَّا وَرَاء ذَلِك، هَذَا معنى كَلَام الشَّافِعِي ﵀ وَبَعض لَفظه. وَالله تَعَالَى أعلم.
مَسْأَلَة (١١٩) :
وَإِذا امْتنع الْمُوسر من قَضَاء مَا عَلَيْهِ من الدُّيُون فللحاكم أَن يَبِيع
стр. 1286
من مَاله مَا يقدر عَلَيْهِ، وَيَقْضِي من ثمنه دُيُون غُرَمَائه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَيْسَ للْحَاكِم أَن يَبِيع عَلَيْهِ عروضه، وعقاره، وَلكنه يحْبسهُ حَتَّى يَبِيع بِنَفسِهِ ".
رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه، قَالَ: حجر رَسُول الله -
- على معَاذ بن جبل ﵁ مَاله، وَبَاعه فِي دين كَانَ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَة قَالَ: " كَانَ معَاذ بن جبل ﵁ شَابًّا، حَلِيمًا، سَمحا، من أفضل / شباب قومه، وَلم يكن يمسك شَيْئا، فَلم يزل يدان حَتَّى أغرقه مَاله كُله فِي الدّين، فَأتى النَّبِي ﷺ َ - وكلم غرماءه، فَلَو تركُوا أحدا من أجل أحد لتركوا معَاذًا من أجل رَسُول الله ﷺ َ - فَبَاعَ لَهُم رَسُول الله ﷺ َ -، يَعْنِي مَاله - حَتَّى قَامَ معَاذ بِغَيْر شَيْء ".
وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن كَعْب مُرْسلا دون ذكر أَبِيه، وانضم إِلَيْهِ مُرْسل أبي مجلز " أَن غلامين من جُهَيْنَة كَانَ بَينهمَا غُلَام، فَأعتق
стр. 1287
أَحدهمَا نصِيبه، فحبسه رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى بَاعَ فِيهِ غنيمَة لَهُ ".
وروى مَالك عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن (بن دلاف) عَن أَبِيه " أَن رجلا من جُهَيْنَة كَانَ يَشْتَرِي الرَّوَاحِل، فيغال بهَا، ثمَّ يسْرع السّير، فَيَسْبق الْحَاج، فأفلس، فَرفع أمره إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ: " أما بعد، أَيهَا النَّاس، فَإِن الأسيفع أسيفع جُهَيْنَة رَضِي من دينة، وأمانته أَن يُقَال: سبق الْحَاج، إِلَّا أَنه قد دَان معرضًا فَأصْبح قد دين بِهِ، فَمن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين، فليأتنا بِالْغَدَاةِ، نقسم مَاله بَين غُرَمَائه، وَإِيَّاكُم وَالدّين، فَإِن أَوله هم، وَآخره حَرْب ". وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢٠) :
يجوز الْحجر على الْبَالِغ الْعَاقِل بالسفه، وبالدين مَعَ التَّفْلِيس
стр. 1288
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يجوز ".
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما﴾ ، وَقَالَ: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح فَإِن أنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَو ضَعِيفا أَو لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ فليملل وليه بِالْعَدْلِ﴾
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ يَعْنِي: اختبروهم، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن أنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ يَعْنِي إِن ءانستم مِنْهُم إصلاحاً فِي أَمْوَالهم فادفعوها إِلَيْهِم، قَالَ: " يَقُول الله : اختبروا الْيَتَامَى عِنْد الْحلم، فَإِن عَرَفْتُمْ مِنْهُم الرشد فِي حَالهم، والإصلاح فِي أَمْوَالهم فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم، وَأشْهدُوا عَلَيْهِم ".
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن يزِيد بن هُرْمُز أَن نجدة كتب إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ يسْأَله عَن خلال، فَذكر الحَدِيث، قَالَ: " وكتبت مَتى يَنْقَضِي يتم الْيَتِيم، ولعمري، إِن الرجل لتشيب لحيته، وَإنَّهُ لضعيف الْأَخْذ، ضَعِيف الأعطاء، فَإِذا أَخذ لنَفسِهِ من صَالح مَا يَأْخُذ النَّاس فقد ذهب عَنهُ اسْم الْيَتِيم ".
стр. 1289
وَعَن الْمُغيرَة قَالَ: " قَالَ النَّبِي ﷺ َ - إِن الله ﵎ حرم عَلَيْكُم عقوق الْأُمَّهَات، ووأد الْبَنَات، ومنعاً وهات، وَكره لكم قيل وَقَالَ، وَكَثْرَة السُّؤَال، وإضاعة المَال "، اتفقَا على صِحَّته.
وَعَن كَعْب بن مَالك "، أَن رَسُول الله ﷺ َ - حجر على معَاذ ﵁ مَاله، وَبَاعه فِي دين عَلَيْهِ "، قَالَ أَبُو عبد الله الْحَافِظ: " هَذَا حَدِيث صَحِيح ".
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن ابْن الزبير قَالَ عَن عَائِشَة ﵂: " لأحجرن عَلَيْهَا "، الحَدِيث بِطُولِهِ فِي هجرها إِيَّاه لذَلِك، ثمَّ رِضَاهَا عَنهُ.
وروى أَبُو يُوسُف القَاضِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَن عبد الله بن جَعْفَر أَتَى الزبير ﵁ فَقَالَ: " إِنِّي اشْتريت بيع كَذَا وَكَذَا، (وَإِن عليا ﵁ يُرِيد أَن يَأْتِي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فيسأله أَن يحْجر عَليّ فِيهِ "، فَقَالَ الزبير: " أَنا شريكك فِي البيع "، وأتى على عُثْمَان ﵁ فَقَالَ: إِن ابْن جَعْفَر اشْترى بيع كَذَا وَكَذَا) فاحجر عَلَيْهِ "، فَقَالَ الزبير: " وَأَنا شَرِيكه فِي البيع "، فَقَالَ عُثْمَان ﵁: " كَيفَ أحجر على رجل فِي بيع شَرِيكه فِيهِ الزبير؟ "، قيل: تفرد بِهِ أَبُو يُوسُف القَاضِي، وَقد تَابعه أَبُو الزبير
стр. 1290
الْمَدِينِيّ قاضيهم عَن هِشَام بِبَعْض مَعْنَاهُ.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ /: " فعلي ﵁ لَو كَانَ الْحجر بَاطِلا قَالَ: لَا يحْجر على بَالغ حر، وَكَذَلِكَ عُثْمَان ﵁ لَا يطْلب الْحجر إِلَّا وَهُوَ يرَاهُ، وَالزُّبَيْر ﵁ بل كلهم يعرف الْحجر فِي حَدِيث صَاحبك ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَا عَائِشَة، وَابْن الزبير، ﵄، كَمَا سبق ذكره. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢١) :
سنّ الْبلُوغ خمس عشرَة سنة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " فِي الْغُلَام سبع عشرَة، وَفِي الْجَارِيَة ثَمَانِي عشرَة ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر مَا روى نَافِع، قَالَ: " حَدثنِي ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ َ - عرضه يَوْم أحد لِلْقِتَالِ، قَالَ: وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة، فَلم يجزني، ثمَّ قَالَ: عرضني يَوْم الخَنْدَق، وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة، فأجازني، قَالَ نَافِع: " فَقدمت على عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ إِذْ ذَاك خَليفَة، فَحَدَّثته هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِن هَذَا الْحَد بَين الصَّغِير وَالْكَبِير، ثمَّ كتب إِلَى عماله أَن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرَة سنة، وَمَا كَانَ دون ذَلِك أَن يَجْعَلُوهُ مَعَ الْعِيَال "، اتفقَا على صِحَّته.
стр. 1291
وَلَا يجوز رد حَدِيث ابْن عمر بِأَن يُقَال: إِن بَين أحد وَالْخَنْدَق أَكثر من سنة وَاحِدَة، فَكيف يَصح أَن يَقُول ابْن عمر مَا رويتم؟ فَإِن أهل الْمَغَازِي اخْتلفُوا فِي قدر مَا بَينهمَا، فَقَوْل عُرْوَة بن الزبير، وَالزهْرِيّ فِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَنهُ، وَمَالك بن أنس يدل على أَن غَزْوَة الخَنْدَق كَانَت سنة أَربع، فَيكون بَينهَا وَبَين أحد سنة وَاحِدَة كَمَا روينَا، فبالإجماع كَانَت غَزْوَة أحد سنة ثَلَاث، وَإِن أَخذنَا بقول من يَقُول إِن غَزْوَة الخَنْدَق كَانَت سنة خمس، فَمَعْنَى قَول ابْن عمر: " عرضت يَوْم أحد، وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة "، أَي طعنت فِيهَا، وَيَوْم الخَنْدَق عرضت عَلَيْهِ، وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة، أَي: استكملتها، وزدت عَلَيْهَا، غير أَنه لم ينْقل الزِّيَادَة لعلمه بتعلق الحكم بالخمس عشرَة دون مَا زَاد عَلَيْهِ، وَهَذَا جَائِز فِي الْعرف أَن يعبر عَنهُ بِهِ، فَلَا حَاجَة لرد الحَدِيث بأمثاله، وَهُوَ مستقصى فِي السّنَن.
وَمَا رُوِيَ عَن أنس ﵁ مرفوعأً: " الصَّبِي يكْتب لَهُ حَسَنَاته، وَلَا يكْتب عَلَيْهِ سيآته، حَتَّى إِذا بلغ ثَلَاث عشرَة سنة كتب لَهُ وَعَلِيهِ، فَإِذا بلغ خمس عشرَة أُقِيمَت عَلَيْهِ الْحُدُود، أَو أخذت مِنْهُ الْحُدُود "، فإسناده ضَعِيف، لَا يثبت مثله.
وَمَا روى عَن ابْن عمر ﵄ مَرْفُوعا: " يثغر الصَّبِي فِي سبع سِنِين، ويحتلم لخمس عشرَة، وَيتم طوله فِي إِحْدَى
стр. 1292
وَعشْرين سنة، وَيتم عقله فِي ثَمَان وَعشْرين، ثمَّ التجارب "، فَلَيْسَ بِثَابِت، وَإِن ثَبت فكلامنا فِي غير الِاحْتِلَام.
وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْقَاسِم الطابكاني بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة عَن الْغُلَام حَتَّى يَحْتَلِم، فَإِن لم يَحْتَلِم حَتَّى يكون ابْن ثَمَان عشرَة، وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَإِن يَعْنِي طلق فِي مَنَامه لم يَقع الطَّلَاق، وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يَصح، قيل: وَمن الْمَجْنُون؟ قَالَ: من أبلى شبابه فِي مَعْصِيّة الله "، فَإِنَّهُ مَوْضُوع، فَإِن مُحَمَّد بن الْقَاسِم هَذَا كَانَ يضع الحَدِيث.
ثمَّ ثَمَانِيَة عشرَة حَدهمْ فِي (الْجَارِيَة، لَا) الْغُلَام، فَلَا يَقُولُونَ بِهِ. وَرُوِيَ عَن عمر، وَعُثْمَان ﵄ أَنَّهُمَا اعتبرا الإنبات فِي إِقَامَة الْحُدُود. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢٢) :
والإنبات عَلامَة على الْبلُوغ فِي الْكفَّار، أَو هُوَ بُلُوغ
стр. 1293
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَيْسَ ببلوغ ".
وَدَلِيلنَا مَا روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ " أَن أهل قُرَيْظَة لما نزلُوا على حكم سعد أرسل إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - فجَاء على حمَار، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: قومُوا إِلَى سيدكم، أَو قَالَ: خَيركُمْ، قَالَ: إِن هَؤُلَاءِ قد نزلُوا على حكمك، قَالَ: إِنِّي أحكم أَن يقتل مُقَاتلَتهمْ، وتسبى ذَرَارِيهمْ، قَالَ: لقد حكمت فيهم بِحكم الْملك "، أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح.
وَعند أبي دَاوُد عَن عَطِيَّة الْقرظِيّ، قَالَ: " كنت من سبي قُرَيْظَة، فَكَانُوا ينظرُونَ، فَمن أنبت الشّعْر قتل، وَمن لم ينْبت لم يقتل، فَكنت فِيمَن لم ينْبت "، وَفِي رِوَايَة بِهَذَا الحَدِيث قَالَ: " فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنْبت، فجعلوني فِي السَّبي ". وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢٣) :
وَالصُّلْح على الْإِنْكَار غير جَائِز. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّه جَائِز ".
стр. 1294
روى / أَبُو دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - الصُّلْح بَين الْمُسلمين جَائِز، إِلَّا صلحا حرم حَلَالا، أَو أحل حَرَامًا ".
وَقَالَ ﷺ َ -: " الْمُسلمُونَ على شروطهم ".
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث عَن أم سَلمَة ﵂، وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ.
стр. 1295
وروى عبد الحميد بن الْحسن الْهِلَالِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر ﵁ قَالَ " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - كل مَعْرُوف صَدَقَة، وَمَا أنْفق الرجل على أَهله وَنَفسه كتب لَهُ صَدَقَة، وَمَا وقى بِهِ الْمَرْء عرضه كتب لَهُ بِهِ صدقه، وَمَا أنْفق الْمُؤمن من نَفَقَة فَإِن خلفهَا على الله - وَالله ضَامِن - إِلَّا مَا كَانَ فِي بُنيان، أَو مَعْصِيّة "، فَقلت لمُحَمد بن الْمُنْكَدر: " وَمَا وقى بِهِ الرجل عرضه ؟ " قَالَ: " مَا يُعْطي الشَّاعِر، وَذَا الْبَيَان المتقي ".
وَعبد الحميد هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَرَوَاهُ الْمسور بن الصَّلْت عَن ابْن الْمُنْكَدر أَيْضا، وَهُوَ ضَعِيف، ضعفه أجمد، وَالْبُخَارِيّ، وَالنَّسَائِيّ.
وَرَوَاهُ أَبُو عصمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن بديل عَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - مُخْتَصرا، وَأَبُو عصمَة مَتْرُوك.
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: " ردوا الْخُصُوم،
стр. 1296
لَعَلَّهُم أَن يصطلحوا، فَإِنَّهُ أَبْرَأ للصدق، وَأَقل للخباث ". وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢٤) :
وَإِذا تداعى رجلَانِ جداراً بَين داريهما، لأَحَدهمَا عَلَيْهِ جُذُوع، لم يحكم بالجدار لصَاحب الْجُذُوع. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِن كَانَت جذوعه عَلَيْهِ أَكثر من ثَلَاثَة حكم لَهُ بالجدار ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄، أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي "، رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم بن خَالِد عَنهُ.
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَا يمْنَع أحدكُم جَاره أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَاره "، أخرجه البُخَارِيّ، وَمُسلم فِي الصَّحِيح.
وَحَدِيث سعيد بن أبي بردة عَن أَبِيه عَن أبي مُوسَى -
стр. 1297
رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: " اخْتصم رجلَانِ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فِي شَيْء لَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة، فَقضى بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - بَينهمَا نِصْفَيْنِ "، وَفِي رِوَايَة خلاس عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا بِمَعْنَاهُ، وَقد ذَكرنَاهَا فِي السّنَن.
وروى دهثم بن قرَان - بأسانيد مُخْتَلفَة - " أَن قوما اخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فِي حظار بَينهم، فَأرْسل حُذَيْفَة ﵁ يقْضِي بَينهم، فَقضى للَّذي وجد معاقد القمط تليه، ثمَّ رَجَعَ، فَأخْبر النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أصبت، أَو قَالَ: أَحْسَنت "، قَالَ على بن عمر: لم يروه غير دهثم، وَهُوَ ضَعِيف. سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيثه، فَقَالَ: " دهثم كَانَ كوفياً، لَا يكْتب حَدِيثه ".
стр. 1298
وَرُوِيَ عَن سماك عَن رجل من أهل الْبَصْرَة " أَن قوما اخْتَصَمُوا فِي خص لَهُم إِلَى عَليّ ﵁ فَقضى بَينهم أَن ينظر أَيهمْ كَانَ أقرب من القماط، فَهُوَ أَحَق بِهِ "، وَهَذَا مُنْقَطع، وَقد رَوَاهُ الْوَلِيد بن أبي ثَوْر عَن منهال عَن الْحسن عَن عَليّ ﵁ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢٥) :
الْمحَال عَلَيْهِ إِذا مَاتَ مُفلسًا، أَو جحد الْحق، وَلم يكن للمحتال بَيِّنَة، لم يكن لَهُ أَن يرجع على الْمُحِيل بِحقِّهِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁: " لَهُ أَن يرجع عَلَيْهِ ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " مطل الْغَنِيّ ظلم، وَإِذا أُتبع أحدكُم على مليءٍ، فَليتبعْ، اتفقَا على صِحَّته .
стр. 1299
استدلوا بِحَدِيث خُلَيْد بن جَعْفَر: سَمِعت أَبَا إِيَاس عَن عُثْمَان ﵁ قَالَ: " لَيْسَ على مَال الْمُسلم توى "، يَعْنِي حِوَالَة، وروى مُطلقًا لَيْسَ فِيهِ - يَعْنِي - حِوَالَة، وَذكره مُحَمَّد بن الْحسن، وَقَالَ: " فِي حِوَالَة وكفالة ".
وخليد بن جَعْفَر بَصرِي، لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ جدا، وَلِهَذَا لم يحْتَج بِهِ البُخَارِيّ، وَلَا مُسلم، وَلَكِن قرنه مُسلم مَعَ غَيره فِي مَوضِع، وَاسْتشْهدَ بِهِ أَيْضا.
(وَإيَاس هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة) ، وَأَبُو إِيَاس هُوَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ، من الطَّبَقَة الثَّالِثَة من تَابِعِيّ أهل الْبَصْرَة، فَهُوَ لم يدْرك عُثْمَان، ﵁، وَلَا كَانَ فِي زَمَانه / وَلَو كَانَ ثَابتا عَن عُثْمَان، لم يكن فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أقَال فِي الْحِوَالَة، أَو الْكفَالَة، أَو
стр. 1300
غَيرهمَا، وَغلط بعض الْمُحدثين، وَقَالَ: " خُلَيْد بن دعْلج "، وَهُوَ وهم. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
مَسْأَلَة (١٢٦) :
الضَّمَان عَن الْمَيِّت صَحِيح خلف وَفَاء، أَو لم يخلف. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ وَحده: " إِن لم يخلف وَفَاء لم يَصح ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ: " أَتَى رَسُول الله ﷺ َ - بِجنَازَة رجل من الْأَنْصَار؛ ليُصَلِّي عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا لَا، قَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: لَا، فصلى عَلَيْهِ، وَأتي بِجنَازَة، فَقَالَ: هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: صلوا على صَاحبكُم، قَالَ أَبُو قَتَادَة: هُوَ عَليّ يَا رَسُول الله "، أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح.
وَحَدِيث سَمُرَة ﵁ " أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى على
следующие страницы →