Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الدَّقِيق، فَرد عَلَيْهِ الدِّينَار، فَقطع مِنْهُ قيراطين، فَاشْترى بِهِ لَحْمًا.
(وَعِنْده) عَن ابْن مقسم عَن رجل عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وجد دِينَارا، فَأتى فَاطِمَة ﵂ فَسَأَلَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " هُوَ رزق الله؛ فَأكل مِنْهُ رَسُول الله ﷺ َ - وَأكل عَليّ وَفَاطِمَة، ﵄ فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك أَتَت امْرَأَة تنشد الدِّينَار، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَا عَليّ، أد الدِّينَار ".
وَرُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار أَن عليا ﵁ وجد دِينَارا فَأمره رَسُول الله ﷺ َ - أَن يعرفهُ، فَعرفهُ فَلم يجد لَهُ بَاغِيا، فأنفقه، ثمَّ وجد باغيه، فغرمه رَسُول الله ﷺ َ - عليا، ﵁ ".
فأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ مِمَّن لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة، لِأَنَّهُ من صليبة بني هَاشم، فحين وجد لقطَة أمره رَسُول الله ﷺ َ - بتعريفها، ثمَّ إِنَّه احْتَاجَ إِلَيْهَا، فلشدة حَاجته إِلَيْهَا أمره رَسُول الله ﷺ َ - بإنفاقها، فَاشْترى بِهِ دَقِيقًا، فحين عرف صَاحب الدَّقِيق عليا ﵁ رد عَلَيْهِ الدِّينَار، فَاشْترى عَليّ ﵁ بِبَعْضِه لَحْمًا، وَلَعَلَّه أنْفق الْبَاقِي أَيْضا لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ باغيه غرمه رَسُول الله ﷺ َ - بدله، وَإِنَّمَا أذن لَهُ فِي إِنْفَاقه قبل مُضِيّ سنة التَّعْرِيف لشدَّة حَاجته إِلَيْهِ، مَعَ أَنه يحْتَمل أَن يكون
стр. 1367
عرفه سنة، فَلم ينْقل الرَّاوِي، أَو مَا كَانَ شرع تَعْرِيف السّنة جَاءَ بعد. وَالله أعلم.
وروى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن بدر أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه نزل منزلا بطرِيق الشَّام، فَوجدَ صرة فِيهَا ثَمَانُون دِينَارا، فَذكر ذَلِك لعمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: " عرفهَا على أَبْوَاب الْمَسَاجِد واذكرها لمن تقدم من الشَّام سنة، فَإِذا مَضَت السّنة فشأنك بهَا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ حِكَايَة عَن رجل عَن شُعْبَة عَن أبي قيس قَالَ: " سَمِعت هزيلاً يَقُول: " رَأَيْت عبد الله - يَعْنِي ابْن
стр. 1368
مَسْعُود، ﵁ أَتَاهُ رجل بصرة مختومة، فَقَالَ: قد عرفتها وَلم أجد من يعرفهَا، قَالَ: استمتع بهَا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَهَكَذَا السّنة الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ َ -، فَإِن عارضوا بروايتهم عَن عَامر عَن أَبِيه عَن عبد الله ﵁ أَنه اشْترى جَارِيَة فَذهب صَاحبهَا، فَتصدق بِثمنِهَا وَقَالَ: " اللَّهُمَّ، عَن صَاحبهَا، فَإِن كره فلي، وَعلي الْغرم "، ثمَّ قَالَ: " هَكَذَا نَفْعل باللقطة "، قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " فخالفوا السّنة فِي اللّقطَة الَّتِي لَا حجَّة مَعهَا، وخالفوا حَدِيث عبد الله الَّذِي يُوَافق السّنة، وَهُوَ عِنْدهم ثَابت، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، وهم يخالفونه فِيمَا هُوَ فِيهِ بِعَيْنِه، لأَنهم لَا يَقُولُونَ كَمَا رووا عَن ابْن مَسْعُود ﵁ من قَوْله أَن المُشْتَرِي يتَصَدَّق بِثمن الْمَبِيع إِذا فقد البَائِع ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي عَن زِيَاد عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - وَسُئِلَ عَن اللّقطَة، قَالَ: " لَا تحل اللّقطَة، من الْتقط شَيْئا فليعرفه سنة، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فليردها إِلَيْهِ، وَإِن لم يَأْتِ صَاحبهَا فليتصدق بهَا، وَإِن جَاءَ فليخيره بَين الْأجر وَبَين الَّذِي لَهُ ".
стр. 1369
قَالَ يحيى بن معِين: " كَانَ يُوسُف السَّمْتِي يكذب ".
وَرُوِيَ ذَلِك من حَدِيث مَالك عَن سمي، وَهُوَ خطأ؛ وَالصَّحِيح من حَدِيث مَالك مَا رُوِيَ عَنهُ عَن ربيعَة عَن يزِيد عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، الحَدِيث الَّذِي تقدم، الْمُتَّفق على صِحَّته، / وَالْحمل فِي هَذَا الحَدِيث على مُحَمَّد بن مَعْرُوف بن مُوسَى الْأَبْهَرِيّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْرُوف.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ ﵁ أَنه أفتى بذلك، وَعَاصِم ضَعِيف.
وَقد روينَا جَوَاز الْأكل عَن عَليّ ﵁ مَرْفُوعا، ومذهبه أَيْضا، وبأسانيد صِحَاح مَوْصُولَة عَن النَّبِي ﷺ َ -، وَسنة النَّبِي ﷺ َ - أولى بالاتباع، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
стр. 1370
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع أَن رجلا وجد لقطَة فجَاء إِلَى عبد الله ﵁ فَقَالَ: " إِنِّي وجدت لقطَة فَمَاذَا ترى؟ " فَقَالَ لَهُ ابْن عمر ﵄: " عرفهَا "، قَالَ: " قد فعلت "، قَالَ " زد "، قَالَ: " قد فعلت "، قَالَ: " لَا آمُرك أَن تأكلها، وَلَو شِئْت لم تأخذها ".
قَالَ الشَّافِعِي - رَحمَه الله تَعَالَى -: " ابْن عمر ﵄ لم يُوَقت فِي التَّعْرِيف وقتا، وَأَنْتُم توقتون، وَابْن عمر كره أكلهَا غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا، وَأَنْتُم لَيْسَ هَكَذَا تَقولُونَ، وَابْن عمر يكره لَهُ أَخذهَا، وَيكرهُ لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا، وَأَنْتُم لَا تَكْرَهُونَ، بل تستحبون، وتقولون: لَو تَركهَا ضَاعَت. وَلَعَلَّ ابْن عمر ﵄ لم يسمع الحَدِيث فِي اللّقطَة ".
وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٥٦) :
وَلَيْسَ لَهُ أَخذ الْإِبِل فِي الصَّحرَاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَهُ ذَلِك ".
لنا حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵁: " ... . وَسَأَلَهُ عَن ضَالَّة الْإِبِل، فَقَالَ ﷺ َ - مَا لَك وَلها؟ دعها، فَإِن مَعهَا حذاءها
стр. 1371
وسقاءها، ترد المَاء وتأكل الشّجر؛ حَتَّى يجِئ رَبهَا، وَسَأَلَهُ عَن الشَّاة، فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب "، اتفقَا على صِحَّته.
وَفِي رِوَايَة عِنْدهمَا فِي الصَّحِيح أَيْضا عَنهُ الحَدِيث، وَفِيه: " قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُول الله، فضَالة الْإِبِل؟ فَغَضب رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه، أَو احمر وَجهه، وَقَالَ: مَا لَك وَلها؟ مَعهَا حذاؤها وسقاؤها حَتَّى يَأْتِيهَا رَبهَا ".
وَعند أبي دَاوُد عَن الْمُنْذر بن جرير، (قلا " كنت مَعَ جرير بالبوازيج، فجَاء الرَّاعِي بالبقر، وفيهَا بقرة لَيست مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ جرير) : مَا هَذِه؟ قَالَ: لحقت بالبقر، لَا يدْرِي لمن هِيَ، فَقَالَ جرير: أخرجوها، سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: لَا يأوي الضَّالة إِلَّا الضال ".
стр. 1372
وَرُوِيَ عَن الْجَارُود بن الْمُعَلَّى أَنه قَالَ: " يَا رَسُول الله، إِنَّا نصيب فِي أسفارنا إبِلا هوامل، فَهَل علينا بَأْس أَن نركبها، وننتفع بهَا؟ " فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إياك وضالة الْمُسلم، فَإِنَّهَا حرق النَّار ".
مَسْأَلَة (١٥٧) :
وَلَا يسْتَحق الْجعل فِي رد الْآبِق من العبيد وَالْإِمَاء، والضوال من الْبَهَائِم إِلَّا بِالشّرطِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِن رد العَبْد من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَت قِيمَته أَرْبَعِينَ أَو اكثر اسْتحق أَرْبَعِينَ ".
رُوِيَ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁ فِي جعل الْآبِق دِينَار قَرِيبا أَخذ أَو بَعيدا.
وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب أَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول ذَلِك.
وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ يَقُول: " إِذا خرج من الْمصر فَجعله أَرْبَعُونَ درهما ".
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " قضى رَسُول الله ﷺ َ - فِي العَبْد الْآبِق يُؤْخَذ فِي الْحرم بِعشْرَة دَرَاهِم ".
стр. 1373
وَلَا حجَّة لَهُم فِيمَا روينَا عَن عَليّ، (وَابْن عمر) ﵃ لِأَن مَذْهَبهم بِخِلَاف ذَلِك.
وَلَا نقُول بِهِ؛ لضعف بعض رُوَاة الْحَدِيثين. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ فَإِنَّهُ مُنْقَطع من هَذَا الْوَجْه، وأمثل مَا رُوِيَ فِيهِ عَن ابْن مَسْعُود (مَا روينَا فِيهِ عَن أبي عمر الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: " أصبت غلماناً إباقاً بالغين، فَأتيت ابْن مَسْعُود) فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: الْأجر وَالْغنيمَة. قلت: هَذَا الْأجر، فَمَا الْغَنِيمَة؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ درهما من كل رَأس ".
وَلَعَلَّ ابْن مَسْعُود ﵁ عرف شَرط مالكهم لمن ردهم، فَأخْبرهُ بذلك. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٥٨) :
стр. 1374
(صفحة فارغة)
стр. 1375
(صفحة فارغة)
стр. 1376
لَا يَصح إِسْلَام الصَّبِي بِنَفسِهِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يَصح إِذا كَانَ مُمَيّزا ".
رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم، وَعَن الْمَعْتُوه حَتَّى يفِيق، وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ ".
ورويناه عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - ".
стр. 1377
استدلوا بِحَدِيث أنس ﵁ أَن غُلَاما / من الْيَهُود كَانَ يخْدم النَّبِي ﷺ َ - فَمَرض، فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ َ - يعودهُ، فَقعدَ رَسُول الله ﷺ َ - عِنْد رَأسه، (فَقَالَ أسلم) ، فَنظر الْغُلَام إِلَى أَبِيه (- وَهُوَ عِنْده -) ، فَقَالَ أطع أَبَا الْقَاسِم، فَأسلم، فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ يَقُول: " الْحَمد لله الَّذِي أنقذه (بِي من النَّار) ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح.
قُلْنَا: يحْتَمل أَنه كَانَ بَالغا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ غُلَاما لعدم نَبَات لحيته، وَيحْتَمل أَن تكون صِحَة إِسْلَامه لِأَن النَّبِي ﷺ َ - خاطبه بِالْإِسْلَامِ. أَلا ترى أَن أَبَاهُ قَالَ: أطع أَبَا الْقَاسِم؟ وَإِذا كَانَ مَخْصُوصًا بِالْإِسْلَامِ كَانَ مَخْصُوصًا بِصِحَّتِهِ، نَحْو مَا نقُول فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ، ﵁.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " فَإِن احْتج مُحْتَج بِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ - أسلم فِي حَال من لم يبلغ، فعد ذَلِك إسلاماً، وَقيل: " كَانَ أول من أسلم "، فَقَالَ: " إِنَّمَا قَالَ النَّاس: أول من صلى عَليّ، ﵁ "، رُوِيَ ذَلِك عَن زيد بن أَرقم.
فَإِن قيل: " إِذا كَانَ هُوَ أول من صلى دلّ ذَلِك على صِحَة
стр. 1378
إِسْلَامه حِينَئِذٍ " فَجَوَابه مَا ذكره الشَّافِعِي ﵀ من أَن الصَّلَاة قد تكون من الصَّغِير، وَالْحج. وَقد أشرفت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ َ - بصبي من هودج، فَقَالَت: " أَلِهَذَا حج؟ " قَالَ: " نعم، وَلَك أجر ".
وَقد رَأينَا الصَّغِير يرى الصَّلَاة فَيصَلي، وَهُوَ غير عَالم بِأَن الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَهُوَ غير عَارِف بِالْإِيمَان، فعلى ذَلِك كَانَ أَمر عَليّ، ﵁، كَانَ أول من صلى، وَذَلِكَ أَنه رأى النَّبِي ﷺ َ - وَخَدِيجَة ﵂ يصليان، فَفعل فعلهمَا، كَمَا يرى الصَّبِي أَبَوَيْهِ يصليان فَيصَلي بصلاتهما، وَلَيْسَ مِمَّن يعقل تَكْلِيف الصَّلَاة، وَلَا الْإِيمَان.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد اخْتلف النَّاس فِي سنّ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ يَوْم أسلم، فَذهب مُجَاهِد وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن يسَار إِلَى أَنه أسلم وَهُوَ ابْن عشر سِنِين، وَذهب شريك القَاضِي إِلَى أَنه أسلم وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة، (وَذهب أَبُو الْأسود وَغَيره إِلَى أَنه أسلم وَهُوَ ابْن ثِنْتَيْ عشرَة سنة) ، وَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة إِلَى أَنه أسلم وَهُوَ ابْن خمس عشرَة أَو سِتّ عشرَة.
وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْحسن وَغَيره فِي سنّ عَليّ ﵁ -
стр. 1379
صَحِيح على قَول من زعم أَن النَّبِي ﷺ َ - مكث بِمَكَّة خمس عشرَة سنة، وَأَن عليا ﵁ قتل وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ (سنة) .
روى ذَلِك مُسلم فِي الصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " أَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - بِمَكَّة خمس عشرَة سنة يسمع الصَّوْت. وَيرى الضَّوْء سبع سِنِين، وَلَا يرى شَيْئا، وثمان سِنِين يُوحى إِلَيْهِ، وَأقَام بِالْمَدِينَةِ عشرا ".
فعلى هَذَا التَّفْصِيل يكون إِسْلَام عَليّ ﵁ بعد السنين السَّبع، وَهُوَ بعد مَا أُوحِي إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَيكون مقَامه بِمَكَّة بعد الْوَحْي ثَمَان سِنِين، فَيكون عَليّ ﵁ فِي قَول من قَالَ: " قتل وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة " على رَأس أَرْبَعِينَ من مهَاجر النَّبِي ، ﷺ َ - ".
وَقد رُوِيَ تَارِيخ قَتله ﵁ هَكَذَا عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى.
فَإِن كَانَ الصَّحِيح من هَذِه الرِّوَايَات قَول من زعم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ أسلم وَهُوَ صبي لم يَحْتَلِم فقد قَالَ
стр. 1380
أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ ﵀: " لما أمره رَسُول الله ﷺ َ - بِالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاة فَهُوَ أحد شَيْئَيْنِ:
إِمَّا أَن يكون خصّه بِالْخِطَابِ لما صَار من أهل التَّمْيِيز والمعرفة دون سَائِر الصغار، ليَكُون ذَلِك كَرَامَة لَهُ ومنقبة، فَلَمَّا توجه عَلَيْهِ الْخطاب والدعوة صحت مِنْهُ الْإِجَابَة، وَسَائِر الصغار لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِم الْخطاب والدعوة فَلَا يَصح مِنْهُم الْإِسْلَام.
اَوْ يكون خطاب النَّبِي ﷺ َ - إِيَّاه بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام وَالصَّلَاة يَوْمئِذٍ على أَنه بَالغ عِنْده؛ لِأَن الْبلُوغ بِالسِّنِينَ لَيْسَ مِمَّا شرع فِي أول الْإِسْلَام، بل لَيْسَ يحفظ قبل قصَّة ابْن عمر فِي أحد وَالْخَنْدَق فِي ذَلِك شَيْء، فَالظَّاهِر أَن النَّاس كَانُوا يجرونَ فِي ذَلِك على رَأْيهمْ وَمَا تعارفوه من أَن الصَّبِي من لَا يُمكن أَن يُولد لَهُ، وَالرجل من يُمكن أَن يُولد لَهُ، وَكَانَ عَليّ ﵁ ابْن عشر سِنِين لما أسلم، وَظَاهر من يُقَال إِنَّه ابْن عشر أَنه اسْتكْمل عشرا، أَو دخل فِي الْحَادِي عشر. وَمن بلغ هَذِه السن فقد يُمكن من أَن يُولد بِهِ. فَلَمَّا شرع الْبلُوغ بعد ذَلِك السنين، وَنظر إِلَى السن الَّتِي كل من بلغَهَا جَازَ أَن يُولد لَهُ دون السن الَّتِي ينْدر مِمَّن بلغَهَا الإيلاد، وَكَانَ من قصرت سنوه عَن ذَلِك الْحَد صَغِيرا فِي الحكم، وَلم يجز أَن يَصح إِسْلَامه، وَالله أعلم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى -: فعلى قَول من قَالَ: " أسلم عَليّ ﵁ وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة " صَحَّ إِسْلَامه. (وعَلى قَول من زعم أَنه أسلم وسنه دون ذَلِك صَحَّ إِسْلَامه) أَيْضا على الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الْحَلِيمِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى.
стр. 1381
وَصَحَّ أَيْضا على قَول من زعم أَن إِسْلَام الصَّبِي مَوْقُوف على بُلُوغه، ومكثه عَلَيْهِ، فقد بلغ، وَمكث عَلَيْهِ، رضوَان الله عَلَيْهِ وَسَلَامه. وَهَذِه طَريقَة بعض أَصْحَابنَا.
فَإِن رجحوا قَول من قَالَ: " أسلم وَهُوَ صَغِير غير بَالغ " بِمَا نروي عَنهُ ﵁ من قَوْله: " سبقتهم إِلَى الْإِسْلَام قدما ً غُلَاما مَا بلغت أَوَان حلمي "، فَهَذَا وَإِن كَانَ شَائِعا بَين النَّاس، إِلَّا أَنه لم يَقع إِلَيْنَا بِإِسْنَاد إِلَيْهِ ﵁ يحْتَج بِمثلِهِ، ثمَّ يحْتَمل أَن يكون قد بلغ الْحلم؛ قَوْله: " مَا بلغت أَوَان حلمي " أَي: أَوَان احْتِلَام أمثالي، أَو كَانَ قد بلغ بِالسِّنِّ، على مَا قَالَه الْحسن وَغَيره، دون الِاحْتِلَام، وَالله أعلم.
وَأما الزبير بن الْعَوام ﵁ فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن عُرْوَة فِي مبلغ سنه يَوْم أسلم؛ فَروِيَ عَن أبي الْأسود عَنهُ قَالَ: " أسلم الزبير وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين ".
وَرُوِيَ عَن هِشَام ابْنه عَنهُ أَن الزبير ﵁ أسلم يَوْم أسلم وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة، فَمَا تخلف عَن غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله ﷺ َ - قطّ، وَقتل وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة ".
وَهَذِه الرِّوَايَة أولى؛ فولد الرجل أعرف بِهِ. وَالله أعلم .
стр. 1382
كتاب الْفَرَائِض
رُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر، وأشدهم فِي دين الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل، وأعلمهم بِمَا أنزل الله عَليّ أبي بن كَعْب، وأفرضهم زيد بن ثَابت، وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح " وَالله الْمُوفق .
مَسْأَلَة (١٥٩)
ذَوُو الْأَرْحَام لَا يَرِثُونَ إِرْث ذَوي النّسَب. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: (إِنَّهُم يَرِثُونَ) .
стр. 1383
قَالَ الله : ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ، الْآيَات فِي الْمِيرَاث.
وَقَالَ: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ إِلَى آخر الْآيَة.
وَاتفقَ البُخَارِيّ وَمُسلم على صِحَة مَا رُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ: عادني رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بكر فِي بني سَلمَة، فوجدني لَا أَعقل، فَدَعَا بِمَاء، فَتَوَضَّأ، فرش عَليّ مِنْهُ، فَأَفَقْت، فَقلت: كَيفَ أصنع فِي مَالِي يَا رَسُول الله؟ فَنزلت: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ .
وَفِي رِوَايَة عِنْدهمَا أَيْضا عَنهُ: " دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ َ - وَأَنا مَرِيض، فَتَوَضَّأ، ونضح ٠ عَليّ من وضوئِهِ، فَقلت: يَا رَسُول الله إِنَّمَا يَرِثنِي كَلَالَة، فَكيف الْمِيرَاث؟ فَنزلت اية الْفَرْض ".
فجابر بن عبد الله ﵄ سَأَلَ النَّبِي ﷺ َ - عَن كَيْفيَّة الْمِيرَاث، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَات فِيهِ، وَبَين حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُم فَلَا
стр. 1384
يُزَاد عَلَيْهِ، وَلم يذكر الْخَال، وَغَيره من ذَوي الْأَرْحَام، فَلَا يَرِثُونَ، لقَوْل رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه ". وَلَا نجد لَهُم فِي الْكتاب الْعَزِيز حَقًا مَذْكُورا.
وَرُوِيَ أَن عمر ﵁ كَانَ كتب كتابا فِي شَأْن الْعمة؛ ليسأل عَنْهَا ويستخبر، ثمَّ محاه بِالْمَاءِ، وَقَالَ: " لَو رضيك الله لأقرك، وَإنَّهُ كَانَ يَقُول للعمة تورث، وَلَا تَرث ".
وَرُوِيَ عَنهُ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَذْكُور فِي آخر هَذِه الْمَسْأَلَة، وَمَا روينَا هَهُنَا رِوَايَة الْمَدَنِيين، وهم أعرف بمذهبه من غير أهل بَلَده.
وَرُوِيَ أَن شريحا قضى بميراث أم ولد أخي شُرَيْح بن الْحَارِث لِابْنِ ابْنَتهَا دون شُرَيْح بن الْحَارِث، وَقَالَ: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ فَأخْبر ابْن الزبير
стр. 1385
بذلك، فَكتب إِلَيْهِ، " أَن ميسرَة بن يزِيد ذكر لي كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّك قلت عِنْد ذَلِك: ﴿وأؤلوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ وَإِنَّمَا كَانَت تِلْكَ الْآيَة فِي شَأْن الْعصبَة، كَانَ الرجل يعاقد الرجل، فَيَقُول: ترثني، وأرثك، فَلَمَّا نزلت ترك ذَاك "، فَأبى شُرَيْح أَن يرد قَضَاءَهُ، وَقَالَ: " فَإِنَّهُ إِنَّمَا أعْتقهَا حسان بَطنهَا ".
وَعند أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فأتوهم نصِيبهم﴾ ، كَانَ الرجل يحالف الرجل لَيْسَ بَينهمَا نسب، فيرث أَحدهمَا الآخر، فنسخ ذَلِك الْأَفْعَال، فَقَالَ: ﴿وأؤلوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ .
وَعنهُ أَيْضا: ﴿وَالَّذين ءامنوا وَهَاجرُوا﴾ ، ﴿وَالَّذين ءامنوا وَلم يهاجروا﴾ كَانَ الْأَعرَابِي لَا يَرث المُهَاجر، وَلَا يَرِثهُ المُهَاجر، فنسخها ﴿وأؤلوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ .
стр. 1386
وَإِلَى هَذَا ذهب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ: (فَنزل قَوْله: ﴿وأؤلوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ على معنى مَا فرض الله، وَسن رَسُول الله ﷺ َ -، لَا مُطلقًا هَكَذَا، أَلا ترى أَن الزَّوْج يَرث أَكثر مِمَّا يَرث ذَوُو الْأَرْحَام، وَلَا رحم لَهُ؟ أَولا ترى أَن ابْن الْعم الْبعيد يَرث المَال كُله، وَلَا يَرث الْخَال، وَالْخَال أقرب رحما مِنْهُ؟) .
وَذكر أَيْضا تَوْرِيث الموَالِي دون ذَوي الْأَرْحَام، وَلَا رحم لَهُم، قَالَ: (فَإِنَّمَا مَعْنَاهَا على مَا وصفت لَك من أَنَّهَا على مَا فرض الله، وَسن رَسُول الله ﷺ َ -) .
وَمَا رُوِيَ عَن الْمِقْدَام الْكِنْدِيّ ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي حَدِيث فِيهِ (وَالْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ، يَرث مَاله، وَيعْقل عَنهُ) فَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، رَوَاهُ رَاشد بن سعد، وَأَبُو عَامر عبد الله بن لحي الْهَوْزَنِي وهما مِمَّن لم يحْتَج بهما الشَّيْخَانِ، رحمهمَا الله، وَهُوَ حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَإِسْنَاده ضَعِيف ، غير مُحْتَج بِهِ، وَكَانَ يحيى بن معِين يبطل هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: (لَيْسَ فِيهِ حَدِيث قوي) .
стр. 1387
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَإِن صَحَّ حَدِيث الْمِقْدَام فَإِنَّمَا ورث فِيهِ خالا يعقل عَنهُ، وَالْخَال الَّذِي يعقل عَنهُ هُوَ أَن يكون ابْن عَم لَهُ، أَو معتقا، أَو سُلْطَانا، فَأَما الْخَال الَّذِي يورثونه بالرحم فَإِنَّهُ لَا يعقل عَنهُ فَكَذَلِك لَا يَرِثهُ، وَالله أعلم ".
وَرُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن الْحَارِث بن عَيَّاش بن أبي ربيعَة عَن حَكِيم (بن حَكِيم) بن عباد بن حنيف عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف، فَذكر حَدِيثا فِيهِ " فَكتب عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يَقُول: الله وَرَسُوله مولى من لَا مولى لَهُ، وَالْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ " وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، وَحَكِيم بن حَكِيم غير مُحْتَج بهما فِي الصَّحِيح.
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن مُسلم عَن طَاوس عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: (الله وَرَسُوله مولى من لَا مولى لَهُ، وَالْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ) رَفعه (وهم، وَالصَّوَاب مَوْقُوف، كَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن
стр. 1388
ابْن جريج مَوْقُوفا، وَكَانَ) أَحْمد بن حَنْبَل، وَيحيى بن معِين يَقُولَانِ: (عَمْرو بن مُسلم صَاحب طَاوس لَيْسَ بِالْقَوِيّ) .
وَرُوِيَ عَن ابْن طَاوس عَن النَّبِي ﷺ َ - مُرْسلا.
وَرُوِيَ عَن شريك عَن لَيْث عَن ابْن الْمُنْكَدر عَن أبي هُرَيْرَة، ﵁، قَالَ: (ورث رَسُول الله ﷺ َ - الْخَال) .
وَفِي رِوَايَة (الْخَال وَارِث) .
وَشريك غير مُحْتَج بِهِ، وَلَيْث بن أبي سليم ضَعِيف فِي الحَدِيث، قد سبق ذكره، وَلم يرو هَذَا الحَدِيث من وَجه يَصح، وَقد رُوِيَ بِخِلَافِهِ مُرْسلا عَن عَطاء بن يسَار عَن رَسُول الله ﷺ َ -.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن جَعْفَر الْمدنِي عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: (أقبل رَسُول الله ﷺ َ - على حمَار، فَلَقِيَهُ رجل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، رجل ترك عمته وخالته، لَا وَارِث لَهُ غَيرهمَا، قَالَ: فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رجل ترك عمته وخالته، لَا وَارِث لَهُ غَيرهمَا، ثمَّ قَالَ: أَيْن السَّائِل؟ قَالَ هَا أَنا، قَالَ: لَا مِيرَاث لَهما) ، قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: (هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد فَإِن عبد الله بن جَعْفَر لَيْسَ مِمَّن يتْرك حَدِيثه، وَله شَاهد،
стр. 1389
وَذكر حَدِيثا عَن الْحَارِث بن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ َ - بِمَعْنَاهُ ".
وَعَن عَطاء بن يسَار عَن أَبى سعيد الْخُدْرِيّ، ﵁ كَذَلِك.
احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن الزُّهْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: الْعمة بِمَنْزِلَة الْأَب إِذا لم يكن بَينهمَا أَب، وَالْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم إِذا لم يكن بَينهمَا أم " وَعَن قيس بن الرّبيع عَن عَيَّاش بن عَمْرو عَن عبد الله بن شَدَّاد، قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: الْخَالَة وَالِدَة "، مرسلان، وإسنادهما ضَعِيف.
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن عقبَة عَن
стр. 1390
مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن عَمه وَاسع بن حبَان ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " أَنه سَأَلَ عَاصِم بن عدي عَن ثَابت بن الدحداح - وَتُوفِّي -: هَل تعلمُونَ لَهُ نسبا، فِيكُم؟ فَقَالُوا: لَا، إِنَّمَا هُوَ أَنِّي، قَالَ: فَقضى رَسُول الله ﷺ َ - بميراثه لِابْنِ أُخْته " هَذَا مُنْقَطع.
وَقد أجَاب الشَّافِعِي - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي الْقَدِيم، فَقَالَ: ثَابت بن الدحداح قتل يَوْم أحد قبل أَن تنزل الْفَرَائِض " قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " قَتله يَوْم أحد فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب فِي قصَّة ذكرهَا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَإِنَّمَا نزلت آيَة الْفَرَائِض فِيمَا يثبت أَصْحَابنَا فِي بَنَات مَحْمُود بن مسلمة، وَقتل يَوْم خَيْبَر، وَقد قيل: نزلت بعد أحد فِي بَنَات سعد بن الرّبيع، وَهَذَا كُله بعد أَمر
стр. 1391
ثَابت بن الدحداح، وَقد ذكرنَا أَسَانِيد مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب السّنَن.
وَفِي سُؤال رَسُول الله ﷺ َ - عَن وَارثه، (وجوابهم لَهُ) دلَالَة على أَنه لم يكن لَهُ وَارِث، وَأَن رَسُول الله ﷺ َ - إِنَّمَا دفع الْمِيرَاث لِابْنِ أُخْته على طَرِيق الْمصلحَة.
كَمَا رُوِيَ عَن بُرَيْدَة ﵁ وَغَيره " أَن رجلا توفّي من خُزَاعَة، فَأتي النَّبِي ﷺ َ - بميراثه، فَقَالَ: انْظُرُوا هَل من وَارِث فالتمسوه، فَلم يَجدوا لَهُ وَارِثا، فَأخْبر بِهِ النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: ادفعوه إِلَى أكبر خُزَاعَة ".
وَهَذَا إِنَّمَا دَفعه إِلَيْهِ على طَرِيق الْمصلحَة، لَا بالتوريث، فَكَذَلِك فِي قصَّة ابْن الدحداح إِن كَانَ صَحِيحا، وَالله أعلم.
وَلَا حجَّة لَهُم فِي حَدِيث سعد بن أبي وَقاص بقوله: " وَلَا يَرِثنِي إِلَّا ابْنة لي "، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِأَكْثَرَ مَاله، إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا ابْنة وَاحِدَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَن ابْنَته تَرث جَمِيع مَاله، فقد كَانَ لسعد بَنو أعمام من بني زهرَة يَرِثُونَ بَقِيَّة مَاله بِالْإِجْمَاع، فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على جَوَاز رده على الْبِنْت.
стр. 1392
وتوريث ذَوي الْأَرْحَام خلاف فِي الصَّحَابَة، ﵃ وَمن قَالَ بتوريثهم قدموهم على الموَالِي، إِلَّا فِي رِوَايَة ضَعِيفَة عَن عَليّ، ﵁.
والعراقيون يقدمُونَ الموَالِي على ذَوي الْأَرْحَام، وَلَيْسَ لَهُم أثر صَحِيح فِي ذَلِك. وَالله أعلم.
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ عَن خَارِجَة بن زيد قَالَ: " رَأَيْت أبي يَجْعَل فضول المَال فِي بَيت المَال، وَلَا يرد على وَارِث شَيْئا ".
وَعَن سُوَيْد بن غَفلَة عَن عَليّ ﵁: " أَنه سُئِلَ عَن امْرَأَة تركت زَوجهَا وَأمّهَا، فَجعل لزَوجهَا النّصْف، ولأمها الثُّلُث، ثمَّ رد مَا بَقِي على أمهَا.
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: " كَانَ عَليّ ﵁ يرد على كل وَارِث الْفضل بِحِصَّة مَا يُورث غير " الْمَرْأَة وَالزَّوْج ".
стр. 1393
وَعَن مَسْرُوق قَالَ: " أُتِي عبد الله فِي إخْوَة لأم وَأم، فَأعْطى الْإِخْوَة من الْأُم الثُّلُث، وَأعْطى الْأُم سَائِر المَال، وَقَالَ: الْأُم عصبَة
من لَا عصبَة لَهُ. وَكَانَ لَا يرد على الْإِخْوَة لأم مَعَ أم، وَلَا على ابْنة ابْن مَعَ بنت الصلب، وَلَا على أُخْت لأَب مَعَ أُخْت لأَب وَأم، وَلَا على امْرَأَة، وَلَا على جدة، وَلَا على زوج ".
وَعَن جَابر بن زيد " أَن امْرَأَة هَلَكت / وَلم يعلم لَهَا وَارِث، وَلَا عصبَة، وَلها زوج، فَقضى عَليّ ﵁ أَن لزَوجهَا مَالهَا ".
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: " أُتِي زِيَاد فِي رجل ترك عمته وخالته، قَالَ: هَل تَدْرُونَ كَيفَ قضى عمر فِيهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلم النَّاس بِقَضَاء عمر ﵁ فِيهَا، جعل الْعمة بِمَنْزِلَة الْأَخ، وَالْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُخْت، فَأعْطى الْعمة الثُّلثَيْنِ، وَالْخَالَة الثُّلُث ".
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحسن، وَجَابِر بن زيد، وَبكر بن عبد الله الْمُزنِيّ: " أَن عمر ﵁ جعل للعمة الثُّلثَيْنِ، وللخالة الثُّلُث ".
стр. 1394
وَقد روينَا عَن عمر ﵁ بِخِلَاف هَذَا فِي رِوَايَة الْمَدَنِيين عَنهُ، وَهِي أصح، فهم أهل بلدته، وَأعرف بقضاياه من غَيرهم.
وَرُوِيَ عَن مَسْرُوق عَن عبد الله ﵁ قَالَ: " الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم، والعمة بِمَنْزِلَة الْأَب، وَابْنَة الْأَخ بِمَنْزِلَة الْأَخ، وكل ذِي رحم بِمَنْزِلَة الرَّحِم الَّذِي يَلِيهِ إِذا لم يكن وَارِث ذُو قرَابَة ".
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِيمَا بلغه عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: " كَانَ عمر وَعبد الله ﵄ يورثان الْأَرْحَام دون الموَالِي "، قَالَ: " وَكَانَ عَليّ ﵁ أَشَّدهم فِي ذَلِك "، قَالَ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى: " وَلَيْسوا يَقُولُونَ بِهَذَا إِذا لم يكن أهل فَرَائض مُسَمَّاة، وَلَا عصبَة ورثنا الموَالِي ".
وَرُوِيَ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حَيَّان الْجعْفِيّ، قَالَ: " كنت عِنْد سُوَيْد بن غَفلَة، فَأتي فِي ابْنة، وَامْرَأَة، وَمولى، فَقَالَ: كَانَ عَليّ ﵁ يُعْطي الِابْنَة النّصْف، وَالْمَرْأَة الثّمن، وَيرد مَا بَقِي على الْبِنْت ".
فَهَذِهِ رِوَايَة مَوْصُولَة عَن عَليّ ﵁ بِخِلَاف مَا قَالُوا، وَإِنَّمَا رُوِيَ مثل مَذْهَبهم عَن عَليّ ﵁ من رِوَايَة قطر،
стр. 1395
وَالْحسن بن عمَارَة عَن الحكم بن عُيَيْنَة عَن عَليّ ﵁ مُنْقَطِعًا. وَعَن مُحَمَّد بن سَالم عَن الشّعبِيّ مُنْقَطِعًا عَن عَليّ ﵁. وَعَن سَلمَة بن كهيل قَالَ: " رَأَيْت الْمَرْأَة الَّتِي ورثهَا عَليّ ﵁ فَأعْطى الْبِنْت النّصْف، والموالي النّصْف "، وَهَذِه الْمَرْأَة مَجْهُولَة.
وَالرِّوَايَة الموصولة عَن عَليّ ﵁ بِخِلَاف ذَلِك. وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بزعمهم أعرف بِمذهب عَليّ، وَعبد الله ﵁ من غَيره، وَقد روى عَنْهُمَا تقديمهما الرَّد، وتوريث ذَوي الْأَرْحَام على الموَالِي.
والعراقيون يخالفونهما فِي ذَلِك، ويخالفون زيدا وَعمر بن الْخطاب رَضِي ﵄ فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن - عمر ﵄ وَهِي
стр. 1396
رِوَايَة الْمَدَنِيين. وَالله أعلم. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، وَهُوَ أعلم بِالصَّوَابِ، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ.
مَسْأَلَة (١٦٠) :
وَلَا يَرث من قبل الْأَب إِلَّا جدة وَاحِدَة على أحد الْقَوْلَيْنِ، وَهِي أم الْأَب، وأمهاتها. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " تَرث أم أَب لأَب أَيْضا، وَهُوَ القَوْل الآخر، وَهُوَ الصَّحِيح ".
روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب قَالَ: " جَاءَت الْجدّة إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ تسأله مِيرَاثهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو بكر ﵁: مَا لَك فِي كتاب الله شَيْء، وَمَا علمت لَك فِي سنة نَبِي الله ﷺ َ - شَيْئا، فارجعي، حَتَّى أسأَل النَّاس، فَسَأَلَ النَّاس، فَقَالَ لَهُ الْمُغيرَة بن
стр. 1397
شُعْبَة: حضرت رَسُول الله ﷺ َ - أَعْطَاهَا السُّدس، فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: هَل مَعَك غَيْرك؟ فَقَامَ مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ مثل مَا قَالَ الْمُغيرَة، فأنفذ لَهَا أَبُو بكر، ﵁، ثمَّ جَاءَت الْجدّة الْأُخْرَى إِلَى عمر ﵁ تسأله (مِيرَاثهَا) ، فَقَالَ: مَا لَك فِي كتاب الله شَيْء، وَمَا كَانَ الْقَضَاء الَّذِي قضي بِهِ إِلَّا لغيرك، وَمَا أَنا فِي الْفَرَائِض بزائد شَيْئا، وَلَكِن هُوَ ذَلِك السُّدس، فَإِن اجتمعتما فِيهِ فَهُوَ بَيْنكُمَا، وأيتكما خلت فَهُوَ لَهَا ".
وروى مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: " أَتَت الجدتان إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ فَأَرَادَ أَن يَجْعَل السُّدس للَّتِي من قبل الْأُم، فَقَالَ لَهُ رجل / من الْأَنْصَار: أما أَنَّك لتترك الَّتِي لَو ماتتا، وَهُوَ حَيّ كَانَ إِيَّاهَا يَرث، فَجعل أَبُو بكر الصّديق ﵁ السُّدس بَينهمَا "، تَابعه سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن يحيى بن سعيد، وَقَالَ فِيهِ: " فَقل لَهُ عبد الرَّحْمَن بن سهل بن حَارِثَة - وَقد كَانَ شهد بَدْرًا وَقَالَ مرّة رجل من بني حَارِثَة -: يَا أَبَا بكر، يَا خَليفَة رَسُول الله، أَعْطَيْت الَّتِي لَو أَنَّهَا مَاتَت لم يَرِثهَا، فَجعله بَينهمَا ".
стр. 1398
فَمن قَالَ بالْقَوْل الأول زعم أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ إِنَّمَا ورث جدتين، وَكَذَلِكَ عمر ﵁ فَلَا يُورث أَكثر مِنْهُمَا.
وروى مَالك عَن عبد الله " أَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام كَانَ لَا يفْرض إِلَّا لجدتين ".
وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: " لَا نعلمهُ ورث فِي الْإِسْلَام إِلَّا جدتين "، وَهَذَا قَول ربيعَة أَيْضا.
وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص أَنه قَالَ لِابْنِ مَسْعُود ﵄: " أَنْتُم الَّذين تفرضون لثلاث جدات "، كَأَنَّهُ يُنكر ذَلِك.
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: " ورث حَوَّاء من بَينهَا "، وَإِسْنَاده لَيْسَ بذلك.
قَالَ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي رَحمَه الله تَعَالَى: " جَاءَت
стр. 1399
الْأَخْبَار عَن جمَاعَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَجَمَاعَة من التَّابِعين ﵃ أَنهم ورثوا ثَلَاث جدات، مَعَ الحَدِيث الْمُنْقَطع الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ -، أَنه ورث ثَلَاث جدات، وَلَا نعلم عَن أحد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - خلاف ذَلِك، إِلَّا مَا روينَا عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ مِمَّا لَا يثبت عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ إِسْنَاده ".
وَهَذَا الحَدِيث الْمُنْقَطع رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد، وفسراه بأنهن ثِنْتَيْنِ من قبل الْأَب، وَوَاحِدَة من قبل الْأُم.
وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن " أَن رَسُول الله ﷺ َ - ورث ثَلَاث جدات ".
وَعَن مُحَمَّد فِي الْجدَّات الْأَرْبَع " أَن عمر ﵁ اطمعهن السُّدس ".
وَرَوَاهُ خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن أَبِيه " أَنه كَانَ يُورث ثَلَاث جدات إِذا استوين ثِنْتَيْنِ من قبل الْأَب، وَوَاحِدَة من قبل الْأُم ".
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: " كَانَ عَليّ، وَزيد ﵄ يعطيان الْجدّة، أَو اثْنَتَيْنِ، أَو الثَّلَاث السُّدس، لَا ينقصن مِنْهُ، وَلَا يزدن عَلَيْهِ إِذا كَانَت قراباتهن إِلَى الْمَيِّت سَوَاء، فَإِن كَانَت إِحْدَاهُنَّ أقرب فالسدس
стр. 1400
لَهَا دونهن ".
وَكَانَ عبد الله يُشْرك بَين أقربهن وأبعدهن فِي السُّدس.
وَعنهُ " أَن زيد بن ثَابت وعليا ﵄ كَانَا يورثان ثَلَاث جدات: ثِنْتَيْنِ من قبل الْأَب، وَوَاحِدَة من قبل الْأُم ".
وَعَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " تَرث الْجدَّات الْأَرْبَع جمع "، وَهُوَ قَول مَسْرُوق، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَالشعْبِيّ، وَغَيرهم من التَّابِعين، ﵃.
مَسْأَلَة (١٦١) :
الْقُرْبَى من قبل الْأُم تحجب البعدى من قبل الْأَب، والقربى من قبل الْأَب لَا تحجب البعدى من جِهَة الْأُم فِي الصَّحِيح من الْمَذْهَب، وَهُوَ أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن زيد بن ثَابت، ﵁.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " الْقُرْبَى من الْجدَّات تحجب البعدى سَوَاء كَانَ من قبل الْأَب، أَو من قبل الْأُم ".
стр. 1401
رُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب عَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ: " إِذا اجْتمعت جدتان، فبينهما السُّدس، وَإِذا كَانَت الَّتِي من قبل الْأُم أقرب من الْأُخْرَى فالسدس لَهَا، وَإِذا كَانَت الَّتِي من قبل الْأَب أقرب فَهُوَ بَينهم ". وَبِمَعْنَاهُ رُوِيَ عَن خَارِجَة بن زيد عَن أَبِيه.
وَعَن عَمْرو بن وهيب عَن أَبِيه عَن زيد أَنه كَانَ يَقُول: " إِذا كَانَت الْجدّة من قبل الْأُم أقعد من الْجدّة من قبل الْأَب، فَهِيَ أَحَق بالسدس، فَإِذا كَانَت الْجدّة من الْأَب أقعد، (أشركت بَينهمَا) وَبَين جدة الْأُم ".
قيل: وَكَيف صَارَت الْجدّة مَعَ الْأُم بِهَذِهِ الْمنزلَة؟ قَالَ: لِأَن الْجدَّات إِنَّمَا أطعمن السُّدس من قبل سدس الْأُم.
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ " أَن عليا وزيدا كَانَا يورثان الْقُرْبَى من الْجدَّات ".
وَفِي رِوَايَة: " كَانَ عَليّ وَزيد يورثان من الْجدَّات الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ".
وَعَن الشّعبِيّ " فِي رجل ترك جدتيه: أم أَبِيه، وَأم أمه، وَجدّة الْأَب، قَالَ عَليّ وَزيد: لأم الْأُم السُّدس، وَكَانَا يَقُولَانِ: السُّدس لأَقْرَب الْجدَّات ".
وَقَالَ عبد الله: " السُّدس بَينهمَا سَوَاء، فَإِن كَانَت أم الْأُم،
стр. 1402
وجدتي الْأَب أشرك بَينهُنَّ فِي السُّدس، إِذا كَانَتَا الجدتين من قبل الْأَب نسبتهما سَوَاء، فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أقرب من الْأُخْرَى أشرك بَين الدُّنْيَا، وَأم الْأُم، وَسَقَطت القصوى ".
فَمن قَالَ بتوريث الْقُرْبَى من الْجدَّات دون البعدى سَوَاء كَانَت الْقُرْبَى من قبل الْأُم والبعدى من قبل الْأَب، أَو البعدى من قبل الْأَب، والقربى من قبل الْأُم، احْتج بِرِوَايَة الشّعبِيّ عَن عَليّ وَزيد ﵄ وَهَذِه رِوَايَة مُطلقَة، وَرِوَايَة الْمَدَنِيين عَن زيد مفسرة، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالطلقة، مَا فسره أهل الْمَدِينَة عَنهُ. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٦٢) :
وَالإِخْوَة وَالْأَخَوَات للْأَب وَالأُم، وَللْأَب يقاسمون الْجد مَا دَامَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من الثُّلُث، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " الْجد أولى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُم.
رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله، وَسَعِيد بن الْمسيب وَقبيصَة قَالُوا: " قضى عمر بن الْخطاب ﵁ أَن الْجد يقاسم الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم، وَالإِخْوَة للْأَب مَا كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من ثلث المَال، وَإِن كثرت الْإِخْوَة أعطَاهُ الثُّلُث، وَكَانَ للإخوة مَا بَقِي ﴿فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ، وَقضى أَن بني الْأَب وَالأُم هم أولى
стр. 1403
بذلك من بني الْأَب: ذكرهم، وَنِسَاؤُهُمْ، غير أَن بني الْأَب يقاسمون بالجد لبني الْأَب وَالأُم، ثمَّ يردون عَلَيْهِم، وَلَا يكون لبني الْأَب شَيْء مَعَ بني الْأَب وَالأُم، وَبَنُو الْأَب يردون على بَنَات الْأَب وَالأُم، وَإِن بَقِي شَيْء بعد فَرَائض بَنَات الْأَب وَالأُم فَهُوَ للإخوة للْأَب ﴿فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ .
وَرُوِيَ عَن سعيد بن سُلَيْمَان بن زيد بن ثَابت عَن أَبِيه عَن جده " أَن عمر بن الْخطاب ﵁ اسْتَأْذن عَليّ يَوْمًا، فَأذن لَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو أرْسلت إِلَيّ جئْتُك، فَقَالَ عمر ﵁: إِنَّمَا الْحَاجة لي، إِنِّي جئْتُك لتنظر فِي أَمر الْجد، فَقَالَ زيد ﵁: لَا وَالله، مَا تَقول فِيهِ، فَقَالَ عمر: لَيْسَ هُوَ بِوَحْي حَتَّى تزيد فِيهِ، وتنقص مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ شَيْء ترَاهُ، فَإِن رَأَيْته واقفني تَبعته، وَإِلَّا لم يكن عَلَيْك فِيهِ شَيْء، فَأبى زيد، فَخرج مغضبا، ثمَّ أَتَاهُ مرّة أُخْرَى، فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَالَ: فسأكتب لَك فِيهِ، فَكَتبهُ فِي قِطْعَة قتب، وَضرب لَهُ مثلا إِنَّمَا مثله مثل شَجَرَة تنْبت على سَاق وَاحِد، فَخرج فِيهَا غُصْن، ثمَّ خرج فِي غُصْن غُصْن آخر، والساق يسْقِي الْغُصْن، فَإِن قطعت الْغُصْن الأول رَجَعَ المَاء إِلَى الْغُصْن، وَإِن قطعت الثَّانِي رَجَعَ المَاء إِلَى الأول فَأتي بِهِ، فَخَطب النَّاس عمر ﵁ ثمَّ قَرَأَ قِطْعَة القتب عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ: إِن زيد بن ثَابت قد قَالَ
стр. 1404
فِي الْجد قولا، وَقد أمضيته، قَالَ: وَكَانَ أول جد كَانَ، فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ المَال كُله، مَال ابْن ابْنه دون إخْوَته، فَقَسمهُ بعد ذَلِك عمر بن الْخطاب ﵁ ".
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: " كَانَ رَأْي أبي بكر وَعمر ﵄ أَن يجعلا الْجد أولى من الْأَخ ".
وَكَانَ عمر ﵁ يكره الْكَلَام فِيهِ، فَلَمَّا صَار عمر ﵁ جدا، قَالَ: هَذَا أَمر قد وَقع لَا بُد للنَّاس من مَعْرفَته، فَأرْسل إِلَى زيد، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا تجْعَل شَجَرَة نَبتَت، فانشعب مِنْهَا غُصْن، فانشعب فِي الْغُصْن غُصْن فَمَا يَجْعَل الْغُصْن الأول أولى من الْغُصْن الثَّانِي، وَقد خرج الْغُصْن من الْغُصْن، قَالَ: فَأرْسل إِلَى عَليّ ﵁ فَسَأَلَهُ فَقَالَ كَمَا قَالَ زيد إِلَّا أَنه جعله سَبِيلا سَالَ، فانشعب مِنْهُ شُعْبَة، ثمَّ انشعبت مِنْهُ شعبتان، فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو أَن هَذِه الشعبة الْوُسْطَى رَجَعَ أَلَيْسَ إِلَى الشعبتين جَمِيعًا؟ فَقَامَ عمر ﵁ فَخَطب النَّاس، فَذكر الحَدِيث بِمَعْنى مَا مضى ".
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: أول جد ورث فِي الْإِسْلَام عمر بن الْخطاب، ﵁، مَاتَ ابْن فلَان بن عمر، فَأَرَادَ عمر ﵁ أَن يَأْخُذ المَال دون إخْوَته، فَقَالَ لَهُ عَليّ وَزيد ﵄ لَيْسَ لَك ذَلِك، فَقَالَ عمر ﵁: لَوْلَا أَن رأيكما اجْتمع لم أر أَن يكون
стр. 1405
ابْني، وَلَا أكون أَبَاهُ، هَذَا مُرْسل جيد ".
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد قَالَ: " أَخذ / أَبُو الزِّنَاد هَذِه الرسَالَة من خَارِجَة بن زيد بن ثَابت، وَمن كَبِير آل زيد:
" بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، لعبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ (من زيد بن ثَابت ... .) فَذكر الرسَالَة بِطُولِهَا، وفيهَا: " لقد كنت كلمت أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي شَأْن الْجد وَالإِخْوَة من الْأَب كلَاما شَدِيدا، وَأَنا يَوْمئِذٍ أَحسب أَن الْإِخْوَة أقرب حَقًا فِي أخيهم من الْجد، وَيرى يَوْمئِذٍ هُوَ أَن الْجد أقرب من الْإِخْوَة "، فَذكر محاورتهما فِي ذَلِك، ثمَّ اجْتِمَاعهمَا على قسْمَة المَال بَينهم على التَّرْتِيب الَّذِي نَقَلْنَاهُ فِي كتاب السّنَن.
ثمَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان ﵁ وَكَانَ ابْن مَسْعُود ﵁ يُشْرك بَين الْجد، وَالإِخْوَة، وَالْأَخَوَات لأَب وَأم، أَو لأَب، وَكَيْفِيَّة تشريكهم بَينهم مَذْكُور فِي كتاب السّنَن.
استدلوا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " جعله الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ -: لَو كنت متخذا خَلِيلًا لاتخذته يَعْنِي أَبَا بكر ﵁ جعل الْجد أَبَا "، أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح .
следующие страницы →