Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مَسْأَلَة (١٧٧) :
للفارس ثَلَاثَة أسْهم: سَهْمَان لفرسه، وَسَهْم لَهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " للفارس سَهْمَان: سهم لَهُ وَسَهْم لفرسه ".
وَدَلِيلنَا مَا عِنْد مُسلم فِي الصَّحِيح عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " أَنه قسم للْفرس سَهْمَيْنِ، وللراجل سهم ".
وَعند البُخَارِيّ عَنهُ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، ﵄، قَالَ: " قسم رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم خَيْبَر للفارس سَهْمَيْنِ، وللرجل سَهْما "، قَالَ فسره نَافِع، فَقَالَ: " إِذا كَانَ مَعَ الرجل فرس فَلهُ ثَلَاثَة أسْهم، إِن لم يكن لَهُ فرس فَلهُ سهم ".
وَعند أبي دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ بِنَحْوِ حَدِيث " أَن رَسُول الله ﷺ َ - أسْهم للرجل ولفرسه ثَلَاثَة أسْهم: سَهْما لَهُ، وسهمين لفرسه ". فقد شفى أَبُو مُعَاوِيَة بروايته هَذِه عَن عبيد الله، وَهُوَ حَافظ، ثِقَة، حجَّة.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ الإِمَام عَنهُ، وَقد وهم بعض الروَاة لهَذَا الحَدِيث، فروه بِخِلَاف هَذِه الرِّوَايَة الصَّحِيحَة .
стр. 1437
رَوَاهُ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي بكر النَّيْسَابُورِي حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، حَدثنَا أَبُو أُسَامَة، وَابْن نمير قَالَا: " حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، أَن رَسُول الله ﷺ َ - أسْهم للرجل ولفرسه ثلَاثه أسْهم، سَهْما لَهُ، وسهمين لفرسه "، جعل للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما ".
قَالَ الرَّمَادِي: " كَذَا يَقُول ابْن نمير: قَالَ لنا النَّيْسَابُورِي: هَذَا عِنْدِي وهم من ابْن أبي شيبَة، أَو من الرَّمَادِي، لِأَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَعبد الرَّحْمَن بن بشر وَغَيرهمَا رَوَوْهُ عَن ابْن نمير خلاف هَذَا ".
قَالَ: " وَرَوَاهُ ابْن كَرَامَة وَغَيره عَن أبي أُسَامَة خلاف هَذَا، وروى كَذَلِك عَن نعيم بن حَمَّاد عَن ابْن الْمُبَارك عَن عبيد الله، قَالَ
стр. 1438
النَّيْسَابُورِي: " لَعَلَّ الْوَهم من نعيم؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك من اثْبتْ النَّاس ".
وَرَوَاهُ حجاج بن منهال وَغَيره عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله كَذَلِك، وَخَالفهُم النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي عَن حَمَّاد، فَقَالَ: " أسْهم للفارس سَهْما وللفرس سَهْمَيْنِ ".
وَرَوَاهُ كَذَلِك أَيْضا يُونُس بن بكير عَن عبيد الله (بن عَمْرو بن حُصَيْن) عَن نَافِع " للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سمهما " وَتَابعه ابْن وهب، وَابْن أبي مَرْيَم، وخَالِد بن عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله الْعمريّ.
стр. 1439
وَرَوَاهُ القعْنبِي عَنهُ بِالشَّكِّ فِي الْفَارِس، أَو الْفرس، والعمري كثير الْوَهم غير مُحْتَج بِهِ، وَكَانَ يحيى بن سعيد الْقطَّان لَا يحدث عَنهُ.
قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى: " كَأَنَّهُ سمع نَافِعًا يَقُول: للْفرس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما، فَقَالَ للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سهم، وَلَيْسَ يشك، أحد من أهل الْعلم فِي تقدمه عبيد الله على أَخِيه فِي الْحِفْظ ".
وَرُوِيَ عَن يُونُس بن بكير عَن عبد الرَّحْمَن بن أَمِين عَن نَافِع عَنهُ، وَقَالَ: " للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما "، وَعبد الرَّحْمَن لَيْسَ بِشَيْء، غير مُحْتَج بِهِ، وَيُونُس بن بكير رُبمَا يهم فِي الشَّيْء.
стр. 1440
قَالُوا: " إِن خَيْبَر قسمت على ثَمَانِيَة عشر سَهْما على أهل الْحُدَيْبِيَة، وَكَانَ الْجَيْش ألفا وَخمْس مائَة، مِنْهُم ثَلَاث مائَة فَارس، فَأعْطى الْفَارِس سَهْمَيْنِ، والراجل سَهْما ".
وذكروه فِيمَا روى مجمع بن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن عَمه عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عَمه مجمع بن جَارِيَة. قيل هَذِه الرِّوَايَة لَا تعَارض بهَا الرِّوَايَات الثَّابِتَة الصَّحِيحَة بِمَا قدمنَا ذكره عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَذَلِكَ لِأَن مجمع بن يَعْقُوب بن مجمع بن يزِيد غير مُحْتَج بِهِ، وَلَا بِأَبِيهِ، ثمَّ فِيهِ نظر.
من وَجه آخر، وَهُوَ مَا صَحَّ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم عَن جَابر، ﵁ قَالَ: " كُنَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة ألفا وَأَرْبَعمِائَة "، وَرُوِيَ " أَربع
стр. 1441
عشرَة مائَة ". وعَلى ذَلِك أهل الْمَغَازِي، وَأَنه قسم يَوْم خَيْبَر لمائتي فَارس.
وَعند أبي دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن عبد الله بن يزِيد عَن المَسْعُودِيّ عَن أبي عمْرَة عَن أَبِيه، قَالَ: " أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - أَرْبَعَة نفر، ومعنا فرس، فَأعْطى كل إِنْسَان منا سَهْما، وَأعْطى الْفرس سَهْمَيْنِ ".
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن أبي حَازِم مولى أبي رهم عَن أبي رهم، قَالَ: " حضرت انا وَأخي حنينا، ومعنا فرسَان، فَأَسْهم النَّبِي ﷺ َ - لنا أَرْبَعَة أسْهم: لي ولأخي سَهْمَيْنِ، فبعنا سهمينا من حنين ببكرين ".
وَرُوِيَ بأسانيد أخر عَنهُ انه ﷺ َ - أعطاهما سِتَّة أسْهم: أَرْبَعَة لفرسيهما، وسهمان لَهما. وَرُوِيَ فِي الثَّلَاثَة الأسهم للْفرس وَصَاحبه عَن عمر وَعلي، ﵄، وَالله أعلم .
стр. 1442
مَسْأَلَة (١٧٨) :
وَسَهْم ذَوي الْقُرْبَى ثَابت لبني هَاشم، وَبني عبد الْمطلب، على غناهم وفقرهم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّمَا يُعْطون بالفقر ".
وَهَذَا خلاف الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ ولذى الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ .
وَقَالَ: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ ولذى الْقُرْبَى﴾ الْآيَة.
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن جُبَير بن مطعم، قَالَ: " مشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله أَعْطَيْت بني عبد الْمطلب وَتَرَكتنَا، وَإِنَّمَا نَحن وهم بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: إِنَّمَا بَنو هَاشم، وَبَنُو عبد الْمطلب شَيْء وَاحِد، وَلم يقسم النَّبِي ﷺ َ - لبني عبد شمس، وَلَا لبني عبد نَوْفَل ".
وروى هَذَا الحَدِيث بَعضهم، فأدرج فِيهِ " أَن ابا بكر لم يكن يُعْطي قربى رَسُول الله ﷺ َ - مَا كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يعطيهم، وَكَانَ عمر ﵁ يعطيهم مِنْهُ، وَعُثْمَان ﵁ بعده ". وَرَوَاهُ
стр. 1443
غَيره، فميز ذَلِك عَن الحَدِيث، وَجعله من قَول الزُّهْرِيّ، فَصَارَت الرِّوَايَة لَهُم بذلك مُنْقَطِعَة، وَنحن نروي عَنْهُمَا مَوْصُولا غير مُنْقَطع مثل مَذْهَبنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَمَا رُوِيَ فِي صَحِيح مُسلم من مسَائِل نجدة الحروري لِابْنِ عَبَّاس، ﵄، وَجَوَابه، وَفِيه " سَأَلت عَن ذِي الْقُرْبَى من هم، فزعمنا أَنا نَحن هم، فَأبى ذَلِك علينا قَومنَا ".
فقد قَالَ الشَّافِعِي ﵀ (فِيهِ: " يجوز أَن يكون ابْن عَبَّاس ﵁ عَنى بقوله: وَأبي ذَلِك علينا قَومنَا غير أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ -: يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَأَهله ".
وَعند أبي دَاوُد أَن نجدة حِين حج فِي فتْنَة ابْن الزبير أرسل إِلَى ابْن عَبَّاس يسْأَله عَن سهم ذِي الْقُرْبَى، وَيَقُول: لمن ترَاهُ؟ قَالَ ابْن
стр. 1444
عَبَّاس: " لقربى رَسُول الله ﷺ َ -، قسمه لَهُم رَسُول الله ﷺ َ - وَقد كَانَ عمر ﵁ عرض علينا من ذَلِك عرضا رَأَيْنَاهُ دون حَقنا، فرددناه عَلَيْهِ، وأبينا أَن نقبله ".
وَعِنْده أَيْضا عَن ابْن أبي ليلى، قَالَ: " سَمِعت عليا ﵁ يَقُول: اجْتمعت أَنا وَالْعَبَّاس، وَفَاطِمَة، وَزيد بن حَارِثَة عِنْد النَّبِي ﷺ َ -، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِن رَأَيْت توليني حَقنا من هَذَا الْخمس فِي كتاب الله، فأقسمه حياتك حَتَّى لَا يُنَازعنِي أحد بعْدك، فافعل، قَالَ: فَفعل ذَلِك، قَالَ: فقسمته حَيَاة رَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ ولانية أَبُو بكر، ﵁، حَتَّى كَانَت آخر سنة من سني عمر، ﵁، فَإِنَّهُ أَتَاهُ مَال كثير، فعزل حَقنا، ثمَّ أرسل إِلَيّ، فَقلت: بِنَا عَنهُ الْعَام غنى، وبالمسلمين إِلَيْهِ حَاجَة، فاردده عَلَيْهِم، فَرده عَلَيْهِم، ثمَّ لم يدعني إِلَيْهِ أحد بعد عمر، ﵁، فَلَقِيت الْعَبَّاس بَعْدَمَا خرجت من عِنْد عمر، ﵁، فَقَالَ: يَا عَليّ: حرمتنا الْغَدَاة شَيْئا لَا يرد علينا أبدا ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " فِي هَذَا دلَالَة على أَن أَبَا بكر وَعمر ﵄ أقرا عليا، ﵁، على مَا ولاه رَسُول الله ﷺ َ - فِي قسْمَة سهم ذِي الْقُرْبَى بَينهم.
وَيدل على اسْتِحْقَاق ذَوي الْقُرْبَى هَذَا السهْم بِنَصّ كتاب الله
стр. 1445
لَهُم مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " عَن عبد الله ابْن بُرَيْدَة " عَن بُرَيْدَة قَالَ: " بعث رَسُول الله ﷺ َ - عليا ﵁ إِلَى خَالِد بن الْوَلِيد لقبض الْخمس، فَأخذ مِنْهُ جَارِيَة، فَأصْبح وَرَأسه يقطر، قَالَ خَالِد لبريدة: ترى مَا يصنع هَذَا؟ قَالَ: وَكنت أبْغض عليا، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ َ -، فَقَالَ: يَا بُرَيْدَة، أتبغض عليا؟ قَالَ: قلت: نعم، قَالَ: فَأَحبهُ، فَإِن لَهُ فِي الْخمس أَكثر من ذَلِك ".
فَفِي هَذَا دلَالَة على صِحَة مَا روينَا عَن عَليّ ﵁ فِي تَوْلِيَة النَّبِي ﷺ َ - إِيَّاه حَقهم من الْخمس، وَفِيه دلَالَة على أَن الله تَعَالَى جعل لَهُم هَذَا السهْم على جِهَة الِاسْتِحْقَاق، وَكَانَ ذَلِك موكولا إِلَى رَأْي النَّبِي ﷺ َ -، يُعْطِيهِ من شَاءَ من قرَابَته، ثمَّ سقط (حكمه بِمَوْتِهِ مَا سقط) حكم سهم الصفي، (كَمَا ذهب) إِلَيْهِ بعض من يُسَوِّي الْأَخْبَار على مذْهبه وَلما اسْتحلَّ عَليّ ﵁ أَخذ جَارِيَة مِنْهُ، والوقوع عَلَيْهَا، وَلما عذره النَّبِي ﷺ َ - فِي ذَلِك وَلما احْتج لَهُ بَان لَهُ فِي الْخمس أَكثر من ذَلِك، وَالْعجب أَن هَذَا الْقَائِل اسْتدلَّ، فَقَالَ: " لَو كَانَ هَذَا السهْم لَهُم على جِهَة الِاسْتِحْقَاق مَا جَازَ للنَّبِي ﷺ َ - أَن يُعْطي بَعْضًا دون بعض، وَلم يفكر فِي نَفسه أَن النَّبِي ﷺ َ - إِنَّمَا بعث مُبينًا لأمته مَا أَرَادَ الله تَعَالَى بكتابه عَاما، أَو خَاصّا، وَلَيْسَ هَذَا أول عُمُوم ورد فِي الْكتاب، فَبين رَسُول الله ﷺ َ - أَنه خَاص دون عَام، ثمَّ لم يقْتَصر النَّبِي ﷺ َ - فِي هَذَا الحكم على مُجَرّد الْبَيَان، حَتَّى ذكر علته ،
стр. 1446
فَقَالَ ﷺ َ -: مَا روينَا عَنهُ فِي الْأَخْبَار الثَّابِتَة أَنهم لم يفارقوه فِي جَاهِلِيَّة، وَلَا إِسْلَام ". وَقد أعْطى ﷺ َ - جَمِيع من أخبر عَن الله تَعَالَى أَنهم مرادون بِذِي الْقُرْبَى، وهم بَنو هَاشم، وَبَنُو عبد الْمطلب، لَا نعلم حرم مِنْهُم أحدا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَقد نقلنا فِي الْمَبْسُوط من كَلَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى الْقَدِيم والجديد تشبيهه قَول من زعم أَن هَذَا السهْم سقط بِمَوْت النَّبِي ﷺ َ - بِلَا حجَّة، بقول من زعم أَن فرض الزَّكَاة رفع بِرَفْع النَّبِي ﷺ َ - مَا يكون جَوَابا عَن جَمِيع أسئلتهم، من أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَإِن شَاءَ الله تَعَالَى ". وَالله أعلم.
مسالة (١٩٧) :
وَفِي سهم رَسُول الله ﷺ َ - بعد وَفَاته قَولَانِ:
أَحدهمَا: إِنَّه مَرْدُود على الْأَصْنَاف الْمَذْكُورين فِي الْآيَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى.
وَالْقَوْل الثَّانِي: " إِنَّه يصرف فِي الْمصَالح. وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِي ﵀ مذهبا لنَفسِهِ.
رُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: " أَخذ النَّبِي ﷺ َ - يَوْم خَيْبَر وبرة من جنب بعير، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، أَنه لَا يحل لي مِمَّا افاء الله عَلَيْكُم قدر هَذِه إِلَّا الْخمس، وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم ".
стр. 1447
وروى الْوَلِيد بن جَمِيع عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: " جَاءَت فَاطِمَة ﵂ إِلَى أبي بكر، ﵁، فَقَالَت: يَا خَليفَة رَسُول الله، أَنْت ورثت رَسُول الله ﷺ َ - أم أَهله، قَالَ: لَا، بل أَهله، قَالَت: فَمَا بَال الْخمس؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: إِذا أطْعم الله نَبيا طعمه، ثمَّ قَبضه، كَانَت للَّذي يَلِي بعده، فَلَمَّا وليت رَأَيْت أَن أرده على الْمُسلمين، قَالَت: أَنْت وَرَسُول الله ﷺ َ - أعلم، ثمَّ رجعت ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " هَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيد بن جَمِيع، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَإِنَّمَا احْتج أَبُو بكر بِمَا رَوَاهُ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ َ -: " لَا نورث، مَا تركنَا صَدَقَة "، فَإِن كَانَ حفظ هَذَا اللَّفْظ الْوَلِيد فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَن ولَايَته إِلَى الَّذِي يَلِي الْأَمر بعده ". وَالله اعْلَم.
стр. 1448
كتاب قسم الصَّدقَات
وَمن كتاب قسم الصَّدقَات:
مَسْأَلَة (١٨٠) :
وَلَا تحل الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لمن لَهُ كسب بِقدر كِفَايَته. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِنَّهَا تحل لَهُ ".
وَدَلِيلنَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة قوي ".
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مثله، وَقَالَ: " وَلَا لذِي مرّة سوي ".
وَرُوِيَ عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار عَن رجلَيْنِ، قَالَا: أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ يقسم نعم الصَّدَقَة، فَسَأَلْنَاهُ، فَصَعدَ فِينَا الْبَصَر،
стр. 1449
وَصوب فَقَالَ: (مَا شئتما، فَلَا حق) فِيهَا (لَغَنِيّ، وَلَا) لقوي مكتسب ".
وَفِي رِوَايَة قَالَ: " أَخْبرنِي رجلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِي ﷺ َ - فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقَالَ: فرآنا جلدين، فَقَالَ: إِن شئتما "، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (١٨١) :
لَا يجوز صرف شَيْء من الصَّدقَات الْوَاجِبَة إِلَى الْكفَّار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يجوز صرف صَدَقَة الْفطر وَالْكَفَّارَات إِلَى فُقَرَاء أهل الذِّمَّة ".
لنا حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فِي وَصِيَّة رَسُول الله ﷺ َ - لِمعَاذ ﵁ لما بَعثه إِلَى الْيمن، وفيهَا: " فَإِذا صلوا فَأخْبرهُم أَن الله تَعَالَى قد افْترض عَلَيْهِم زَكَاة فِي أَمْوَالهم، تُؤْخَذ من غنيهم، فَترد على فقيرهم، فَإِذا أقرُّوا بذلك، فَخذ مِنْهُم، وتوق كرائم أَمْوَالهم "، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح، فَأخْبر ﷺ َ - أَن الصَّدَقَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِم مَرْدُودَة على فقرائهم، فَخص ﷺ َ - الْمُسلمين من الْفُقَرَاء بذلك.
وَرُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الْحسن وَقَتَادَة عَن الزُّهْرِيّ أَنهم كَانُوا
стр. 1450
يَقُولُونَ: " لَا يطعم الْكَافِر من الْكَفَّارَات شَيْئا ". وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٢) :
يجوز للرجل أَن يتَوَلَّى دفع صَدَقَة الْأَمْوَال الظَّاهِرَة، وتفريقها بِنَفسِهِ فِي قَوْله الْجَدِيد. وَقَالَ فِي الْقَدِيم: " لَا يجوز ". وَهُوَ قَول أبي حنيفَة ﵀.
قَالَ الله : ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هى وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم﴾ .
رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا غُلَام بني عبد الْمطلب، فَقَالَ: وَعَلَيْك، قَالَ: إِنِّي رجل من أخوالك، من ولد بني سعد بن بكر، وَإِنِّي رَسُول قومِي إِلَيْك ووافدهم "، فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: " فَإنَّا قد وجدنَا فِي كتابك، وأمرتنا رسلك أَن نَأْخُذ من حَوَاشِي أَمْوَالنَا، فنضعه فِي فقرائنا، وأنشدك الله، أهوَ أَمرك بذلك؟ فَقَالَ: نعم ".
стр. 1451
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " هَذِه اللَّفْظَة إِن كَانَت مَحْفُوظَة دلّت على جَوَاز تَفْرِيق رب المَال زَكَاة مَاله بِنَفسِهِ. وَحَدِيث أنس ﵁ فِي هَذِه الْقِصَّة " آللَّهُ أَمرك أَن تَأْخُذ هَذِه الصَّدَقَة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا " إِسْنَاده أصح، وَهُوَ دَلِيل القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الْقَدِيم، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٣) :
وَيُعْطى سهم الغارمين لمن تحمل حمالَة مَعَ غناهُ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " لَا يعْطى إِلَّا بفقره وَحَاجته ".
رُوِيَ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَالثَّوْري عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل صَدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا لخمسة: لعامل عَلَيْهَا، أَو مِسْكين تصدق عَلَيْهِ مِنْهُ، فأهداها لَغَنِيّ، أَو لرجل اشْتَرَاهَا بِمَالِه، أَو غَارِم، أَو غاز فِي سَبِيل الله "، وَرُوِيَ عَنهُ عَن معمر عَن زيد بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
وَرَوَاهُ القعْنبِي عَن مَالك عَن زيد عَن عَطاء، أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَا تحل الصَّدَقَة إِلَّا لخمسة "، فَذكر الحَدِيث مُرْسلا، وَتَابعه ابْن عُيَيْنَة عَن زيد مُرْسلا. وأسنده معمر، وَهُوَ ثِقَة، حجَّة، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة.
стр. 1452
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن قبيصَة بن مُخَارق الْهِلَالِي قَالَ: " تحملت حمالَة فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: أقِم يَا قبيصَة، حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَة، فنأمر لَك بهَا، ثمَّ قَالَ:: يَا قبيصَة، إِن الْمَسْأَلَة لَا تحل إِلَّا لأحد ثَلَاثَة: رجل تحمل حمالَة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيبهَا، ثمَّ يمسك، وَرجل أَصَابَته جَائِحَة، فاجتاحت مَاله، فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش - اَوْ قَالَ: سدادا من عَيْش - وَرجل أَصَابَته فاقة، حَتَّى يَقُول ثَلَاثَة من ذَوي الحجى من قومه قد أَصَابَت فلَانا الْفَاقَة، فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش، أَو سدادا من عَيْش، ثمَّ يمسك، وَمَا سواهن من الْمَسْأَلَة، - يَا قبيصَة - سحت، يأكلها صَاحبهَا سحتا "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٤) :
وَلَا يجوز صرف الصَّدقَات إِلَى صنف وَاحِد من جملَة الْأَصْنَاف الثَّمَانِية مَعَ وجودهم. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِن ذَلِك جَائِز ".
وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ الْآيَة
روى أَبُو دَاوُد عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي، قَالَ: " أتيت
стр. 1453
رَسُول الله ﷺ َ - فَبَايَعته "، فَذكر حَدِيثا طَويلا، " فَأَتَاهُ رجل، فَقَالَ: أَعْطِنِي من الصَّدَقَة، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ -: إِن الله لم يرض بِحكم نَبِي، وَلَا غَيره فِي الصَّدقَات، حَتَّى يحكم فِيهَا هُوَ، فجزأها ثَمَانِيَة أَجزَاء، فَإِن كنت من تِلْكَ الْأَجْزَاء أَعطيتك حَقك ".
وَرُوِيَ عَن الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن منهال عَن زر عَن حُذَيْفَة ﵁ مثل مَذْهَبهم، وَالْحجاج غير مُحْتَج بِهِ. وَالله اعْلَم.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ من قَول رَسُول الله ﷺ َ - لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن: " فَإِذا صلوا فَأخْبرهُم أَن الله قد افْترض عَلَيْهِم زَكَاة فِي أَمْوَالهم تُؤْخَذ من غنيهم، فَترد على فقيرهم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " يشبه أَن يكون الْمَقْصُود من هَذَا الْخَبَر تَفْرِقَة الصَّدقَات فِي الْموضع الَّذِي تُؤْخَذ فِيهِ دون نقلهَا إِلَى غَيره، وَاقْتصر على ذكر صنف وَاحِد من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة، وَالْمرَاد بِهِ جَمِيعهم ".
وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالفقراء، أهل الْحَاجة، وَأكْثر أهل الصَّدقَات أهل حَاجَة بمعان مُخْتَلفَة ".
استدلوا بِمَا روى الْحسن بن عمَارَة عَن وَاصل، وَحَكِيم عَن سُفْيَان، قَالَ: " أُتِي عمر ﵁ بِصَدقَة زَكَاة، فَأَعْطَاهَا أهل بَيت كَمَا هِيَ ".
стр. 1454
وَعَن الحكم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، ﵁، وَعَن منهال عَن زر عَن حُذَيْفَة انهما لم يَكُونَا يريان بِهَذَا بَأْسا.
وَرَوَاهُ لَيْث بن أبي سليم عَن عَطاء عَن عمر، ﵁، وَالْحسن بن عمَارَة مَتْرُوك، وَلَيْث بن ابي سليم لَيْسَ بِقَوي، وَعَطَاء عَن عمر ﵁ مُرْسل.
وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، ﵄ رَوَاهُ يُوسُف بن يَعْقُوب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن وهيب عَن عَطاء عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وَهَذَا الْإِسْنَاد صَحِيح، غير أَنه قد خُولِفَ فِيهِ، فَرَوَاهُ الثَّوْريّ، وَحَمَّاد بن سَلمَة، وَيحيى بن عُثْمَان عَن عَطاء عَن سعيد من قَوْله: " وروى لنا عِكْرِمَة من قَوْله "، وَاحْتج بِالْآيَةِ الَّتِي احْتج بهَا الشَّافِعِي، ﵀.
وروى أَبُو أَحْمد بن عدي - بِسَنَدِهِ - عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، قَالَ: " قَالَ شُعْبَة: أَلا تعْجبُونَ من جرير بن حَازِم، هَذَا الْمَجْنُون أَتَانِي
стр. 1455
هُوَ، وَحَمَّاد بن زيد، فكلماني أَن أكف عَن الْحسن بن عمَارَة، أما أكف عَن ذكره، لَا وَالله لَا اكف عَن ذكره، أما وَالله سَأَلت الحكم عَن الصَّدَقَة تجْعَل فِي صنف وَاحِد مِمَّا سمى الله، فَقَالَ: لَا بَأْس، قلت: مِمَّن سَمِعت؟ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم يَقُوله ".
وَهَذَا الْحسن يحدث عَن الحكم عَن يحيى بن الجرار عَن عَليّ، ﵁، وَعَن الحكم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وَعَن الحكم عَن حُذَيْفَة، قَالَ: لَا بَأْس أَن يَجْعَل الرجل صدقته فِي صنف وَاحِد "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٥) :
الْفَقِير الْمَذْكُور فِي آيَة الصَّدقَات أمس حَاجَة من الْمِسْكِين الْمَذْكُور فِيهَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " بل الْمِسْكِين أمس حَاجَة من الْفَقِير ".
وَدَلِيلنَا قَول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ الْآيَة، فَقدم ذكر الْفُقَرَاء على الْمَسَاكِين، وَمن عَادَة الْعَرَب أَنَّهَا إِذا ذكرت صنفين قد اجْتمعَا فِي صفة بدأت بأهمهما أمرا، وأشدهما حَالا.
стр. 1456
وَقَول الله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا﴾ الْآيَة.
وَقَالَ الله : ﴿أما السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين يعْملُونَ فِي الْبَحْر﴾ الْآيَة.
وَوجه الدَّلِيل مِنْهُ أَن من حصر عَن الضَّرْب فِي الأَرْض لفقره أَشد حَالا مِمَّن لم تحبسه المسكنة عَن الضَّرْب فِي الْبَحْر، وَله أَيْضا ملك السَّفِينَة.
وَمن الْخَبَر حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَيْسَ الْمِسْكِين بِهَذَا الطّواف الَّذِي يطوف على النَّاس، فَتَردهُ اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَة وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا: فَمن الْمِسْكِين يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه، وَلَا يفْطن لَهُ، فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ، وَلَا يسْأَل النَّاس شَيْئا "، لفظ حَدِيث مُسلم، وَعند البُخَارِيّ " وَلَا يقوم فَيسْأَل النَّاس ".
وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ وَالله أعلم " لَيْسَ الْمِسْكِين بِهَذَا الطّواف " يَعْنِي: لَيْسَ هُوَ بِهَذَا الْفَقِير الَّذِي لَا شَيْء لَهُ، وَلَا يجد بدا من السُّؤَال حَتَّى يحصل لَهُ لقْمَة، أَو لقمتان، وَإِنَّمَا الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد مَا يُغْنِيه، يَعْنِي تَمام مَا يَكْفِيهِ وَله مِقْدَار مَا يتعفف بِهِ عَن السُّؤَال، فيكتفي بِهِ، وَلَا يسْأَل، وَلَا يفْطن لَهُ؛ فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ بِمَا يَكْفِيهِ.
وَأما من يتعفف وَلَيْسَ لَهُ بعض الْكِفَايَة كَانَ قَاتل نَفسه، فَلَا
стр. 1457
يسْتَحق هَذَا الثَّنَاء، بل هُوَ ملوم، فَدلَّ أَن المُرَاد مِنْهُ مَا ذكرنَا.
وَفِي هَذَا الْإِيضَاح، وسوق جَمِيع الْخَبَر على وَجهه جَوَاب عَن احتجاج أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْمِسْكِين أمس حَاجَة من الْفَقِير، حَيْثُ إِنَّه نفى المتكفف أَن يكون مِسْكينا، وَجعل الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد مَا يُغْنِيه، أَي: لَا يجد شَيْئا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده التمرة وَالتَّمْرَتَانِ، واللقمة وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِين الَّذِي يتعفف، اقرؤوا إِن شِئْتُم ﴿لَا يسئلون النَّاس إلحافا﴾ . وَمن يتعفف، وَلَيْسَ لَهُ بعض كِفَايَة كَانَ قَاتل نَفسه، كَمَا ذكرنَا.
قيل: دلّ على أَن الْمِسْكِين هُوَ الَّذِي لَهُ بعض الْغنى ، وَلَا يكون لَهُ تَمام مَا يُغْنِيه، وَالْفَقِير: من لَا مَال لَهُ، وَلَا حِرْفَة تقع مِنْهُ موقعا، وَالله أعلم.
وَرُوِيَ " أَنه ﷺ َ - كَانَ تعوذ من الْفقر ".
وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ َ - انه كَانَ يَقُول: " اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا، وتوفني
стр. 1458
مِسْكينا، واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين ". قَالَ أَصْحَابنَا: " فقد استعاذ من الْفقر، وَسَأَلَ المسكنة، وَقد كَانَ لَهُ ﷺ َ - بعض الْكِفَايَة، فَدلَّ على أَن الْمِسْكِين من لَهُ بعض الْكِفَايَة ".
استدلوا بقوله ﷻ : ﴿أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة (١٦) ﴾ ، قَالُوا: " وَصفه بِشدَّة الْحَال، والالتزاق بِالتُّرَابِ من الْبُؤْس والفاقة "، قُلْنَا: " لم يقْتَصر فِيهِ على اسْم الْمِسْكِين، حَتَّى قرنه بِمَا دلّ على شدَّة حَاجته "، وَنحن لَا ننكر وُقُوع اسْم أَحدهمَا على الآخر بِقَرِينَة، فاستدلوا بِمَا اسْتدلَّ بِهِ أَبُو عبيد من الحَدِيث، وَمَا سبق من تَفْسِيره جَوَاب عَنهُ.
وَاحْتج القتيبي فِي الْفَقِير بِأَنَّهُ أوسع حَالا من الْمِسْكِين بقول الشَّاعِر:
(أما الْفَقِير الَّذِي كَانَت حلوبته ... وفْق الْعِيَال فَلم يتْرك لَهُ الدَّهْر من سبد)
وَقَالُوا: " الْفَقِير الَّذِي لَهُ حلوبة يحلبها، وَهِي قدر قوته، وقوت عِيَاله، والمسكين: لَا شَيْء لَهُ ".
стр. 1459
وَجَوَابه أَن نقُول: أما الْبَيْت فحجة عَلَيْكُم، لِأَن مَعْنَاهُ أَن الَّذِي كَانَت حلوبته وفْق قوت عِيَاله لَهُ قبل الْفقر، وَقد صَار بِحَيْثُ لَا سبد لَهُ وَلَا لبد، ثمَّ نقُول: اخْتلف أهل الْمعرفَة فِيهِ، فَمنهمْ من قَالَ مَا ذكرْتُمْ مستدلين بِمَا نقلتم وَبِغَيْرِهِ، وَمِنْهُم من جعل الْفَقِير أَشد حَالا من الْمِسْكِين، لما ذكرنَا من الْأَدِلَّة ولأمثالها.
وَقد ذكر أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي رَحمَه الله تَعَالَى اخْتِلَاف أهل اللُّغَة فِيهِ، واحتجاج كل فريق مِنْهُم لما ذهب إِلَيْهِ بحجته، ثمَّ قَالَ: " وَالَّذِي عِنْدِي فيهمَا أَن الْفَقِير والمسكين يجمعهما الْحَاجة، وَإِن كَانَ لَهما مَا يتقوتانه، إِمَّا لِكَثْرَة الْعِيَال أَو قلَّة مَا بأيديهما، وَالْفَقِير أشدهما حَالا؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْفقر، وَهُوَ كسر الفقار، وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول، فَكَأَن الْفَقِير لَا يَنْفَكّ عَن زَمَانه أقعدته عَن التَّصَرُّف مَعَ حَاجته، وَبهَا سمي فَقِيرا؛ لِأَن غَايَة الْحَاجة أَن لَا يكون لَهُ مَال، وَلَا يكون لَهُ سوى الْجَوَارِح مكتسبا، وَالْعرب تَقول للداهية الشَّدِيدَة: فاقرة، وَجَمعهَا فواقر، وَهِي الَّتِي تكسر الفقار، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿تظن أَن يفعل بهَا فاقرة (٢٥) ﴾ .
وَذكر الْأَهْوَازِي فِي (شرح) احتجاج من جعل الْفَقِير أمس حَاجَة بقوله : ﴿أما السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين يعْملُونَ فِي الْبَحْر﴾ ، سماهم مَسَاكِين، وَلَهُم سفينة لَهَا قيمَة، قَالَ: " وأنشدني (أَحْمد بن يحيى قَالَ) : أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي:
стр. 1460
(هَل لَك فِي أجر عَظِيم تؤجره ... تغيث مِسْكينا قَلِيلا عسكره)
(عشر شِيَاه سَمعه وبصره ... قد حدث النَّفس بِمصْر يمصره)
(يخَاف أَن يلقاه نسر فينسره ... )
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: عسكره: جمَاعَة مَاله، فَسمى نَفسه مِسْكينا، وَله بلغَة، وَهِي الشياه الْعشْر "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٦) :
وَلَا يجوز نقل صَدَقَة بلد إِلَى بلد آخر مَعَ وجود / أَهلهَا على أحد الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِنَّه جَائِز ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَول رَسُول الله ﷺ َ - لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن، وَمِنْه: " فَإِذا فعلوا فَأخْبرهُم أَن الله قد فرض عَلَيْهِم زَكَاة، تُؤْخَذ من أغنيائهم، فَترد على فقرائهم. وَعِنْدَهُمَا فِي رِوَايَة: " فَأخْبرهُم أَن عَلَيْهِم صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنيائهم، فَترد على فقرائهم ".
وَعند أبي دَاوُد حَدثنَا نصر بن عَليّ ، أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عَطاء
стр. 1461
مولى عمرَان بن حُصَيْن (عَن أَبِيه أَن زيادا، أَو بعض الْأُمَرَاء " بعث عمرَان بن حُصَيْن) على الصَّدَقَة، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ لعمران: أَيْن رَسُول الله ﷺ َ -، ووضعناها حَيْثُ كُنَّا نضعها على عهد رَسُول الله ﷺ َ - ".
استدلوا بِحَدِيث عدي بن حَاتِم، وَقَوله عمر ﵁، وَقَول لَهُ فِيهِ: " وَإِن أول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله ﷺ َ -، ووجوه أَصْحَابه صَدَقَة طَيء جِئْت بهَا "، أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي عوَانَة عَن الْمُغيرَة عَن عَامر عَن الشّعبِيّ عَنهُ.
وَرُوِيَ عَن هشيم بن مجَالد عَن الشّعبِيّ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنه قَالَ: " وَإِن أول صَدَقَة بيضت وُجُوه أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - صَدَقَة طَيء، جِئْت بهَا إِلَى أبي بكر، ﵁، فَقلت: أما إِنِّي أتيت النَّبِي ﷺ َ - لعام أول، كَمَا أَتَيْتُك بهَا ".
стр. 1462
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ حَدِيث فِي فضل بني تَمِيم، فِيهِ: " وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: هَذِه صدقَات قَومنَا ".
وإتيان عدي بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر، وَغَيرهمَا بالصدقات إِلَى الْمَدِينَة مَحْمُول على مَا فضل عَن أَهَالِيهمْ فِي مَوضِع الصَّدَقَة، وَيحْتَمل أَن يكون من حَولهمْ لم يسلمُوا بعد، أَو ارْتَدُّوا فِي زمَان أبي بكر، وَكَانَت الْمَدِينَة أقرب دَارا، أَو نسبا إِلَى الْيمن من طَيء وَمُضر. وَيحْتَمل أَن يكون أَبُو بكر ﵁ أَمر بردهَا بعد وصولها إِلَيْهِ إِلَى أَرْبَابهَا، حَيْثُ نقل مِنْهَا، والحكاية حِكَايَة الْحَال، وكل مُحْتَمل، وَالله أعلم.
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن طَاوس، قَالَ: " قَالَ معَاذ بِالْيمن: ائْتُونِي بخميس، أَو لبيس، آخذه مِنْكُم مَكَان الصَّدَقَة، فَإِنَّهُ أَهْون عَلَيْكُم، وَخير للمهاجرين بِالْمَدِينَةِ "، كَذَا قَالَ. وَخَالفهُ من هُوَ أوثق مِنْهُ عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوس، فَقَالَ: " قَالَ معَاذ بِالْيمن: ائْتُونِي بِعرْض ثِيَاب آخذه مِنْكُم مَكَان الذّرة
стр. 1463
وَالشعِير ".
قَالَ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " حَدِيث طَاوس عَن معَاذ إِن كَانَ مُرْسلا فَلَا حجَّة فِيهِ ". وَقد قَالَ فِيهِ بَعضهم: " من الْجِزْيَة " مَكَان " الصَّدَقَة ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَهَذَا الْأَلْيَق بمعاذ، ﵁ وَالْأَشْبَه بِمَا أمره النَّبِي ﷺ َ - بِهِ من أَخذ الْجِنْس فِي الصَّدقَات، وَأخذ الدِّينَار، أَو عدله معافر ثِيَاب الْيمن فِي الْجِزْيَة، وَأَن يرد الصَّدقَات على فقرائهم، لَا أَن ينقلها إِلَى الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ الَّذين أَكْثَرهم أهل فَيْء، لَا أهل صَدَقَة "، وَالله أعلم.
فَإِن قيل: كَيفَ يجوز حمله على الْجِزْيَة وَقد روينَا أَنه قَالَ: " آخذه مِنْكُم مَكَان الذّرة وَالشعِير "، وَفِي رِوَايَة مَكَان الصَّدَقَة قُلْنَا: أما قَوْله: " مَكَان الصَّدَقَة "، فَلم يحفظه ابْن ميسرَة، وَخَالفهُ من هُوَ أحفظ مِنْهُ، وَإِن ثَبت فَمَحْمُول على معنى مَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم باسم الصَّدَقَة، كبني تغلب، فَإِنَّهُم كَانُوا يُعْطون الْجِزْيَة باسم الصَّدقَات.
وَأما قَوْله: " مَكَان الذّرة وَالشعِير " فَلَعَلَّ معَاذًا ﵁ لَو
стр. 1464
أعسروا بِالدَّنَانِيرِ أَخذ مِنْهُم الشّعير وَالْحِنْطَة، لِأَنَّهُ أَكثر مَا عِنْدهم، وَإِذا جَازَ أَن يتْرك الدِّينَار لعرض، وَهُوَ الْمعَافِرِي فَلَعَلَّهُ جَازَ عِنْده أَن يَأْخُذ مِنْهُم طَعَاما فِي الْجِزْيَة، ثمَّ يَقُول: الثِّيَاب خير للمهاجرين بِالْمَدِينَةِ، وأهون عَلَيْكُم؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤنَة كَبِيرَة فِي حمل الثِّيَاب إِلَى الْمَدِينَة، وَالثيَاب بهَا أغْلى مِنْهَا بِالْيمن "، والحكاية حِكَايَة حَال.
يُوضح مَا ذكرنَا أَن رِوَايَة حديثنا وحديثكم عَن معَاذ بن جبل من حَدِيث طَاوس، وَلَو ثَبت عَن معَاذ لطاووس أَنه قضى فِي نقل الصَّدقَات نَحْو مذهبكم لما خَالفه طَاوس، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَمَعْلُوم من مَذْهَب طَاوس رَحمَه الله تَعَالَى أَنه كَانَ لَا يُجِيز بيع الصَّدقَات، وَيحلف أَنه لَا يحل، لَا قبل الْقَبْض، وَلَا بعده.
وَلَو صَحَّ مَا رويتم عَن معَاذ ﵁ من أَخذه الثِّيَاب بدل الْحِنْطَة وَالشعِير فِي الصَّدَقَة كَانَ بيع الصَّدَقَة قبل أَن يقبض، ثمَّ قد روينَا قَضَاء معَاذ بن جبل ﵁ فِي الْعشْر وَالصَّدَََقَة من طَرِيق (مطرف بن مَازِن، والاعتماد لنا على مَا سبق من الْأَدِلَّة، وَالله أعلم.
روى الشَّافِعِي ﵀ عَن مطرف بن مَازِن عَن معمر عَن عبد الله ابْن طَاوس عَن أَبِيه أَن معَاذ بن جبل ﵁ قضى: " أَيّمَا رجل انْتقل من مخلاف عشيرته إِلَى غير مخلاف عشيرته فعشره وصدقته إِلَى مخلاف عشيرته إِلَى غير مخلاف عشيرته معشره وصدقته إِلَى مخلاف عشيرته "، فتعارضا، على أَن الْحَدِيثين
стр. 1465
منقطعان، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " طَاوس لم يدْرك معَاذًا، ﵁ ".
(استدلوا) أَن عمر ﵁ كَانَ يحمل على إبل كَثِيرَة إِلَى الشَّام وَالْعراق.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " قلت: لَيست من نعم الصَّدَقَة، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحمل على مَا يحْتَمل، وَأكْثر فَرَائض الْإِبِل، لَا تحمل أحدا.
وَبَيَانه فِيمَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أخبرنَا بعض أَصْحَابنَا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك الدَّار عَن يحيى بن عبد الله بن مَالك عَن أَبِيه، أَنه سَأَلَهُ أرايت الْإِبِل الَّتِي كَانَ يحمل عَلَيْهَا عمر ﵁ الْغُزَاة، وَعُثْمَان بعده، قَالَ: أَخْبرنِي أَنَّهَا إبل الْجِزْيَة الَّتِي كَانَ يبْعَث بهَا مُعَاوِيَة، وَعَمْرو، ﵄، قلت: وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْخَذ؟ قَالَ: من جِزْيَة أهل الذِّمَّة، وَيُؤْخَذ من صدقَات بني تغلب فَرَائض على وجوهها، فتبعث، فيبتاع بهَا إبل جله، فيبعث بهَا إِلَى
стр. 1466
عمر، ﵁ فَيحمل عَلَيْهَا ".
وَالَّذِي يُوضح أَنَّهَا من الْجِزْيَة كَانَ يحمل عَلَيْهَا عمر وَعُثْمَان ﵄ لَا غير إِنْفَاذ عبد الْملك بن مَرْوَان مِنْهُ إِلَى أهل الْمَدِينَة ألف ألف دِرْهَم من الصَّدَقَة الْمَأْخُوذَة من الْيَمَامَة لما تَأَخّر عَنْهُم حَقهم من الْجِزْيَة، وامتناعهم عَن الْقبُول. وَقَالُوا: " أتطعمنا أوساخ النَّاس، وَمَا لَا يصلح لنا؟ وَكَانَ أَوَّلهمْ سعيد بن الْمسيب، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وخارجة بن زيد، وَابْن عتبَة، وَقد ذَكرْنَاهُ بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْمعرفَة.
وَفِيه بَيَان أَيْضا أَن مَا بَعثه معَاذ وَغَيره إِلَى الْمَدِينَة كَانَ من الْجِزْيَة، فَإِن استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، ﵁، أَنه كَانَ يُؤْتى بنعم من نعم الصَّدَقَة، فَهُوَ مَحْمُول على أَنه إِنَّمَا أُتِي بهَا من أَطْرَاف الْمَدِينَة، ولعلهم استغنوا، فنقلها إِلَى أقرب النَّاس بهم دَارا ونسبا، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٧) :
وللفقير أَن يَأْخُذ من الزَّكَاة مَا يقوم بكفايته على الدَّوَام، وَإِن زَاد على مِائَتي دِرْهَم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " الْغنى مِائَتَا دِرْهَم،
стр. 1467
أَو قيمتهَا ".
دليلنا فِي الْمَسْأَلَة الحَدِيث الصَّحِيح عَن قبيصَة بن مُخَارق ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَا تحل الصَّدَقَة إِلَّا لأحد ثَلَاثَة فَذكر الرجل الَّذِي يحمل حمالَة، وَرجل أَصَابَته جَائِحَة، فاجتاحت مَاله، فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة، حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش، أَو قَالَ: سدادا من عَيْش، ثمَّ يمسك، وَمَا سواهن من الْمَسْأَلَة - يَا قبيصَة - سحت "، وَقد تقدم قبل .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " وَهَذَا فِي رجل عرف بالغني، فأصابته جَائِحَة، فَلَا يعْطى حَتَّى يشْتَهر بِأَن قد أَصَابَته مَا يَدعِي من الْجَائِحَة والفاقة، ثمَّ لم يُوَقت فِيمَا يعْطى قدر النّصاب، وَأحل لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُعْطي مَا يقوم بكفايته، وَتَكون سدا لِحَاجَتِهِ ".
وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى فرض على الْأَغْنِيَاء فِي أَمْوَالهم بِقدر مَا يَكْفِي فقراءهم ".
وَرُوِيَ عَن عبد الله قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من سَأَلَ وَله مَا يُغْنِيه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة خموش، أَو خدوش، أَو كدوح فِي وَجهه، فَقيل: يَا رَسُول الله، وَمَا الْغنى؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب ".
стр. 1468
وَهَذَا الحَدِيث إِن ثَبت دلّ على أَن الِاعْتِبَار فِي قدر مَا يعْطى بِمَا يقوم بكفايته، وَيكون فِيهِ - عَادَة - سَوَاء من نقص عَن قدر النّصاب، أَو زَاد عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْمَعْنى مَا روينَا عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن رجل من بني أَسد أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " من سَأَلَ مِنْكُم، وَله أُوقِيَّة، أَو عدلها فقد سَأَلَ إلحافا ".
وروينا عَن سهل بن حنظلية عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قيل: " مَا الْغَنِيّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَه الْمَسْأَلَة؟ قَالَ: أَن يكون لَهُ شبع يَوْم وَلَيْلَة ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: " وَلَيْسَ شَيْء من هَذِه الْأَحَادِيث يخْتَلف، وَكَأن النَّبِي ﷺ َ - علم مَا يُغني كل وَاحِد مِنْهُم، فَجعل غناهُ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَن النَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي قدر كفايتهم، فَمنهمْ من يُغْنِيه خَمْسُونَ درهما، لَا يُغْنِيه أقل، (وَمِنْهُم من يُغْنِيه أَرْبَعُونَ درهما، لَا يُغْنِيه أقل مِنْهَا، وَمِنْهُم من لَهُ كسب يدر عَلَيْهِ كل يَوْم مَا يغديه ويعشيه، وَلَا عِيَال لَهُ ،
стр. 1469
فَهُوَ مستغن بِهِ، فَإِن لم تقع لَهُ الْكِفَايَة إِلَّا بألوف أعطي قدر أقل الْكِفَايَة بِدَلِيل حَدِيث قبيصَة بن مُخَارق، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٨) :
يجوز للْمَرْأَة أَن تصرف زَكَاتهَا إِلَى زَوجهَا إِذا كَانَ مُحْتَاجا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يجوز ".
لنا حَدِيث زَيْنَب امْرَأَة ابْن مَسْعُود ﵃ فِي سؤالها رَسُول الله ﷺ َ - عَن ذَلِك، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَك أجر الصَّدَقَة، وَأجر الصِّلَة، مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٨٩) :
إِذا دفع رب المَال الصَّدَقَة إِلَى من ظَاهره الْفقر، ثمَّ بَان أَنه كَانَ غَنِيا لَزِمته الْإِعَادَة، فِي أصح الْقَوْلَيْنِ. وَفِيه قَول آخر: " إِنَّه لَا إِعَادَة عَلَيْهِ ". وَهُوَ قَول أبي حنيفَة.
روى عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار عَن رجلَيْنِ قَالَا: " أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ يقسم نعم الصَّدَقَة، فَسَأَلْنَاهُ، فَصَعدَ فِينَا الْبَصَر ،
стр. 1470
وَصوب، وَقَالَ: مَا شئتما، وَلَا حق فِيهَا لَغَنِيّ، وَلَا لقوي مكتسب ".
والْحَدِيث الْمَرْوِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ " لَا تصلح الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ".
وَلَهُم حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -، فَذكر رجلا قَالَ: لأتصدقن، اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج، فَوضع صدقته فِي يَد غَنِي " الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: " فَقيل لَهُ: أما صدقتك فقد قبلت، وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يعْتَبر، فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله "، مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَحَدِيث معن بن يزِيد " كَانَ أبي خرج بِدَنَانِير يتَصَدَّق بهَا، فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد، فَجئْت فأخذتها، فَأَتَيْته، فَقَالَ: وَالله مَا إياك أردْت بهَا، فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد، وَلَك يَا معن مَا أخذت "، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح.
ومعن كَانَ مستغنيا بِأَبِيهِ، و (كَانَ) حِين أعطي من صَدَقَة أَبِيه بِجَهَالَة، ثمَّ بَان ذَلِك وَقعت موقعها.
стр. 1471
وَمن قَالَ بِالْأولِ أجَاب عَن هَذَا، فَقَالَ: هَذِه حِكَايَة حَال، فَيحْتَمل أَن تكون وَارِدَة فِي صَدَقَة التَّطَوُّع دون الْفَرْض، وَقد روينَا عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: لَيْسَ لولد، وَلَا لوالد حق فِي صَدَقَة مَفْرُوضَة، وروينا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَا دلّ على ذَلِك، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٩٠) :
يجوز للْإِمَام أَن يسم بنعم الْجِزْيَة وإبل الصَّدَقَة. ويحكى عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه كره ذَلِك.
لنا حَدِيث أنس ﵁ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ: " دخلت على النَّبِي ﷺ َ - بأخي، ليحنكه، فرأيته يسم شَاة ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَنهُ، قَالَ: " رَأَيْت فِي يَد رَسُول الله ﷺ َ - الميسم، وَهُوَ يسم إبل الصَّدَقَة ".
وَعند مُسلم فِي الصَّحِيح عَن ناعم أبي عبد الله مولى أم سَلمَة، أَنه سمع ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول: " رأى رَسُول الله ﷺ َ - حمارا مَوْسُوم الْوَجْه، فَأنْكر ذَلِك، قَالَ: فوَاللَّه لَا أُسَمِّهِ إِلَّا بأقصى شَيْء من
стр. 1472
الْوَجْه، فَأمر بِحِمَار لَهُ، فكوى فِي جَاعِرَتَيْهِ فَهُوَ أول من كوى الْجَاعِرَتَيْنِ ".
وَلَيْسَ فِيهِ من الْقَائِل وَهُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَبَيَانه فِي رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الْملك عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وَالله أعلم.
стр. 1473
(صفحة فارغة)
стр. 1474
كتاب النِّكَاح
ذكر مَا اخْتلف فِيهِ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة رحمهمَا الله تَعَالَى من كتاب النِّكَاح:
مَسْأَلَة (١٩١) :
الْمَرْأَة لَا تلِي عقد النِّكَاح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " انها تلِي عقد النِّكَاح على نَفسهَا، وعَلى غَيرهَا ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث معقل بن يسَار ﵁ فِي صَحِيح البُخَارِيّ، قَالَ: " كَانَت لي أُخْت فَخطبت إِلَيّ، فَكنت أمنعها النَّاس فَأَتَانِي ابْن عَم لي فَخَطَبَهَا فأنكحتها إِيَّاه فاصطحبا مَا شَاءَ الله، ثمَّ طَلقهَا طَلَاقا يملك الرّجْعَة، ثمَّ تَركهَا حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا، فَلَمَّا خطبت إِلَيّ أَتَانِي فَخَطَبَهَا مَعَ الْخطاب، فَقلت: منعتها النَّاس وآثرتك، ثمَّ طَلقتهَا طَلَاقا تملك الرّجْعَة، ثمَّ تركتهَا حَتَّى
стр. 1475
انْقَضتْ عدتهَا، فَلَمَّا خطبت إِلَيّ أتيتني مَعَ الْخطاب! لَا أزَوجك أبدا، فَأنْزل الله : ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ﴾ فكفرت عَن يَمِيني، وأنكحتها إِيَّاه ".
وروى إِسْرَائِيل بن أبي إِسْحَاق عَن أبي بردة عَن أَبِيه قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَا نِكَاح إِلَّا بولِي ".
كَذَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام، ووكيع، وَيحيى بن آدم، وهَاشِم بن الْقَاسِم، وَعبيد الله بن مُوسَى، وَعبد الله بن رَجَاء عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس، وَهُوَ ثِقَة مُتَّفق على عَدَالَته، وَقد حكمُوا لحديثه هَذَا بِالصِّحَّةِ:
عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَقُول: " كَانَ
следующие страницы →