Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَا نِكَاح إِلَّا بولِي، وشاهدي عدل، فَإِن أنْكحهَا ولي مسخوط عَلَيْهِ فنكاحها بَاطِل ".
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن مُسلم بن خَالِد، وَسَعِيد بن سَالم عَن ابْن جريج عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم عَن سعيد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " لَا نِكَاح إِلَّا بشاهدي عدل، وَولي مرشد "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٩٦) :
وَلَا يُزَوّج الْبكر الصَّغِيرَة إِلَّا أَبوهَا، أَو جدها، وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يُزَوّجهَا الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعم وَابْن الْعم، وَمن هُوَ ولي تَزْوِيجهَا بعد بُلُوغهَا "، وَكَذَا عِنْده الثّيّب الصَّغِيرَة، وَعِنْدنَا
стр. 1507
لَا يُزَوّجهَا وَاحِد مِنْهُم قبل بُلُوغهَا إِلَّا الْأَب، وَلَا غَيره.
دليلنا من طَرِيق الْخَبَر قَول رَسُول الله ﷺ َ -: " الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا ".
وَقَوله: " تستأمر الْيَتِيمَة فِي نَفسهَا ".
وَقَوله: " لَا تنْكح الثّيّب حَتَّى تستأمر، وَلَا الْبكر حَتَّى تستأذن ". وكل ذَلِك قد ذَكرْنَاهُ، فأغنى عَن إِعَادَته.
وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا أَيْضا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي عمر بن حُسَيْن مولى آل حَاطِب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: " توفّي عُثْمَان بن مَظْعُون، وَترك ابْنة لَهُ من خَوْلَة بنت حَكِيم بن أُميَّة، وَأوصى إِلَى أَخِيه قدامَة بن مَظْعُون، وهما خالاي، فَخطبت إِلَى قدامَة ابْنة عُثْمَان، فزوجنيها، فَدخل الْمُغيرَة إِلَى أمهَا فأرغبها فِي المَال، فحطت إِلَيْهِ، وحطت الْجَارِيَة إِلَى هوى أمهَا حَتَّى ارْتَفع أَمرهم إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، فَقَالَ قدامَة: " يَا رَسُول الله، ابْنة أخي، وَأوصى
стр. 1508
بهَا إِلَيّ، فزوجتها ابْن عمر، وَلم أقصر بالصلاح والكفاءة، وَلكنهَا امْرَأَة، وَأَنَّهَا حطت إِلَى هوى أمهَا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: هِيَ يتيمة، وَلَا تنْكح إِلَّا بأذنها، فانتزعت مني وَالله بَعْدَمَا ملكتها، فزوجوها الْمُغيرَة ". تَابعه ابْن أبي ذِئْب عَن عمر بن حُسَيْن مُخْتَصرا، ورويناه بِإِسْنَادِهِ فِي السّنَن الْكُبْرَى.
وَلنَا أَيْضا حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث أبي بردة عَن أَبِيه ﵃ قَالَا: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: تستأمر الْيَتِيمَة فِي نَفسهَا " الحَدِيث، وَقد رويناهما بإسنادهما فِي مَسْأَلَة " إِجْبَار الْبكر " قبل هَذَا، فَشرط إِذْنهَا، وَأمر أَن تستأمر، وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى قبل بُلُوغهَا، فَدلَّ على أَنه يجب لَهُ انْتِظَار بُلُوغهَا بإنكاحها.
وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ " إِذا بلغ النِّسَاء نَص الْحَقَائِق فالعصبة أولى "، فَجعل ﵁ الْعصبَة أولى بِالتَّزْوِيجِ عِنْد بُلُوغهَا، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ لَهُم ذَلِك قبله.
قَالَ أَبُو عبيد: " بَعضهم يَقُول: " الحقاق، وَهُوَ من المحاقة - يَعْنِي الْمُخَاصمَة - أَن تحاق الْأُم الْعصبَة فِيهِنَّ، فَهِيَ نَص الحقاق، إِنَّمَا هُوَ الْإِدْرَاك، لِأَنَّهُ مُنْتَهى الصغر، فَإِذا بلغ النِّسَاء ذَلِك فالعصبة أولى بِالْمَرْأَةِ من أمهَا إِذا كَانُوا محرما، وبتزويجها أَيْضا إِن أَرَادوا ". قَالَ: " وَهَذَا يبين لَك أَن الْعصبَة، والأولياء غير الْآبَاء لَيْسَ لَهُم أَن يزوجوا
стр. 1509
الْيَتِيمَة حَتَّى تدْرك، وَلَو كَانَ لَهُم ذَلِك لم ينتظروا بهَا نَص الحقاق ". قَالَ: " وَمن رَوَاهُ نَص الْحَقَائِق فَإِنَّمَا جمع حَقِيقَة ".
استدلوا بِحَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي تَفْسِير قَول الله : ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عُرْوَة عَنْهَا.
(قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " الْقَصْد من هَذِه الْآيَة، وَحَدِيث عَائِشَة ﵂ النَّهْي عَن نِكَاحهنَّ دون إِكْمَال صداقهن، ثمَّ مَتى ينكحهن وَمن ينكحهن فَهُوَ مُسْتَفَاد من مَوضِع آخر، وَلَيْسَ فِي الْآيَة نَص على تزويجهن قبل الْبلُوغ.
استدلوا أَيْضا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن عمَارَة بنت حَمْزَة بن عبد الْمطلب كَانَت بِمَكَّة، فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ َ -، يَعْنِي فِي عمْرَة الْقَضِيَّة خرج بهَا عَليّ بن أبي طَالب، ﵁، وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " تزَوجهَا "، فَقَالَ: " ابْنة أخي من الرضَاعَة "، فَزَوجهَا رَسُول الله ﷺ َ - سَلمَة بن أبي سَلمَة، فَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - يَقُول: " هَل
стр. 1510
جزيت سَلمَة ".
قُلْنَا: هَذَا إِسْنَاد فِيهِ ضعف، ثمَّ إِن صَحَّ فَإِنَّمَا زَوجهَا بِمَالِه من عُمُوم الْولَايَة، ﷺ َ -، فَإِنَّهُ كَانَ ﷺ َ - أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم، يُوضح صِحَة مَا ذكرنَا أَن الْعَبَّاس رَضِي اله عَنهُ وَهُوَ أقرب إِلَيْهَا نسبا من حَيْثُ الْقَرَابَة والتعصيب، وَلم يوله تَزْوِيجهَا، فَدلَّ أَنه إِن فعل إِنَّمَا فعل لما ذكرنَا؛ على أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث، إِنَّهَا كَانَت صَغِيرَة، فتثبتوا ذَلِك حَتَّى يكون لكم فِيهِ حجَّة "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٩٧) :
وَإِذا كَانَ ولي الْمَرْأَة ابْن عَمها، فَأَرَادَ أَن يتَزَوَّج بهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَن يتَوَلَّى طرفِي العقد بِنَفسِهِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يجوز ".
لنا حَدِيث الْمُغيرَة بن مُوسَى عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي، وخاطب، وشاهدي عدل ".
رَوَاهُ بَعضهم من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَيْضا: " لَا يحل نِكَاح إِلَّا بأَرْبعَة: ولي، ومنكح، وخاطب، وشاهدين " بِإِسْنَاد ضَعِيف .
стр. 1511
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من قَوْله: " لَا نِكَاح إِلَّا بأَرْبعَة، ولي، وشاهدين، وخاطب ".
وَرَوَاهُ مُعَاوِيَة بن هِشَام عَن سُفْيَان عَن أبي يحيى عَن رجل يُقَال لَهُ الحكم بن هِشَام عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " ادنى مَا يكون فِي النِّكَاح أَرْبَعَة: الَّذِي تزوج، وَالَّذِي يُزَوّج، وشاهدان ". وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن قَتَادَة عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، وَإِن لم يُدْرِكهُ قَتَادَة، روينَاهُ فِي السّنَن الْكُبْرَى.
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر أَن الْمُغيرَة أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة هُوَ وَليهَا، فَجعل أمرهَا إِلَى رجل الْمُغيرَة أولى بهَا مِنْهُ، فَزَوجهُ. قُلْنَا: " هَذَا مُرْسل، وَإِن صَحَّ فَفِيهِ كالدلالة على أَن الْوَلِيّ لَا يتَوَلَّى طرفِي العقد بِنَفسِهِ "، وَالله أعلم.
стр. 1512
مَسْأَلَة (١٩٨) :
وَلَا يُزَوّج الابْن أمه بِحَق الْبُنُوَّة، وَلَا يكون وليا لَهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يُزَوّجهَا ".
وَبِنَاء الْمَسْأَلَة لنا على الْمعَانِي.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن ابْن عمر ابْن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من أَصَابَته مُصِيبَة فَلْيقل: ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ ، اللَّهُمَّ عنْدك أحتسب مصيبتي، فأجرني فِيهَا، وأبدلني بهَا خيرا مِنْهَا، قلت فِي نَفسِي: وَمن خير من أبي سَلمَة! ثمَّ قلتهَا، فَلَمَّا انْقَضتْ عدتهَا بعث إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ َ - عمر بن الْخطاب ﵁ يخطبها عَلَيْهِ، فَقَالَت لابنها: يَا عمر، قُم، فزوج رَسُول الله ﷺ َ -، فَزَوجهُ ".
قَالَ أَصْحَابنَا: " نِكَاح النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يجوز خلْوَة عَن الْوَلِيّ، وَعمر بن أبي سَلمَة، كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت صَغِيرا، وَلَا يكون للصغار ولَايَة، أَو كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِنَّمَا يَجْعَل ولايتها إِلَيْهِ، فَزَوجهَا مِنْهُ هَذَا، وَعمر بن أبي سَلمَة كَانَ ابْن عَمها من الْبعد، وَكَانَ عصبَة لَهَا ؛
стр. 1513
وَذَلِكَ لِأَن أم سَلمَة هِنْد بنت أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر ابْن مَخْزُوم ". (وَسَلَمَة بن عبد الله بن عبد الْأسد بن هِلَال بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم) .
وَذكر أَبُو نصر الكلاباذي الْحَافِظ رَحمَه الله تَعَالَى أَن رَسُول الله ﷺ َ - تزوج أم سَلمَة بعد وقْعَة بدر، وَأَنه ﷺ َ - توفّي، وَعمر بن أبي سَلمَة ابْن تسع سِنِين، وَمَات فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان، ﵁ ".
وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَن أَبَا طَلْحَة خطب أم سليم، فَقَالَت: " يَا أَبَا طَلْحَة أَلَسْت تعلم أَن الرجل الَّذِي تعبد خَشَبَة تنْبت من الأَرْض ينجرها حبشِي بني فلَان؟ إِن أَنْت أسلمت لم أرد مِنْك من الصَدَاق غَيره، فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، قَالَت: يَا أنس، زوج أَبَا طَلْحَة "، وَأنس ابْنهَا وعصبتها، فَإِنَّهُ أنس بن مَالك بن النَّضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام ". وَأم سليم هِيَ ابْنة ملْحَان بن خَالِد بن زيد بن حرَام، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٩٩) :
وَلَا يُزَوّج الْأَب ابْنَته الصَّغِيرَة من عبد، وَلَا مَجْنُون، وَلَا من بِهِ أحد الْعُيُوب الْأَرْبَعَة، وَلَا غير كُفْء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀:
стр. 1514
" لَهُ أَن يُزَوّجهَا من هَؤُلَاءِ كلهم ".
لنا مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: تخَيرُوا لنُطَفِكُمْ، وَأنْكحُوا الْأَكفاء، وَأنْكحُوا إِلَيْهِم "، وَالله اعْلَم .
مَسْأَلَة (٢٠٠) :
وَلَا يعْقد النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة، وَالْبيع، وَمَا أشبههما من أَلْفَاظ عُقُود التَّمْلِيك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " ينْعَقد ".
لنا من الْكتاب الْعَزِيز قَول الله : ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن اراد النَّبِي أَن يستنكحها خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾ .
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " فأبان - جلّ ثَنَاؤُهُ - أَن الْهِبَة لرَسُول الله ﷺ َ - دون الْمُؤمنِينَ، على أَن لَا يجوز نِكَاح إِلَّا باسم النِّكَاح، أَو التَّزْوِيج ".
وَفِي صَحِيح مُسلم حَدِيث جَابر ﵁ فِي قصَّة حجَّة الْوَدَاع عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " فَاتَّقُوا الله فِي النِّسَاء، فَإِنَّكُم
стр. 1515
أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله ". وَفِيه الدَّلِيل على أَن الْفرج لَا يستباح إِلَّا بِكَلِمَة الله: النِّكَاح، أَو التَّزْوِيج، وهما اللَّذَان قد ورد بهما الْقُرْآن.
استدلوا بِحَدِيث سهل بن سعد، ﵁ فِي الْمَرْأَة الَّتِي جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، فَوهبت نَفسهَا لَهُ، الْمُتَّفق على صِحَّته.
وَفِيه فِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن، وَعبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد ﵁ أَنه قَالَ للرجل الَّذِي زوجه بهَا: " اذْهَبْ، فقد زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن "، (أَخْرجَاهُ عَنهُ، وَأَخْرَجَا الحَدِيث من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة عَن أبي حَازِم، وَفِيه قَالَ: " اذْهَبْ فقد زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن ".
وَرَوَاهُ فُضَيْل بن سُلَيْمَان عَن أبي حَازِم، فَقَالَ: " اذْهَبْ فقد زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن ".
стр. 1516
وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي عَن أبي حَازِم، قَالَ: " فقد زَوجتك على مَا عنْدك من الْقُرْآن ".
وَرَوَاهُ زَائِدَة عَن أبي حَاتِم، قَالَ: " انْطلق، فقد زوجتكها بِمَا تعلمهَا من الْقُرْآن ".
وَلم ينْقل فِي هَذَا الحَدِيث ثِقَة عَن أبي حَازِم عَن سهل ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - " قد ملكتكها " إِلَّا ويروي عَن ذَلِك الثِّقَة من وَجه آخر " قد ملكتها " بكاف وَاحِد، وَالله أعلم.
وبالإجماع لَا ينْعَقد النِّكَاح بقوله: " ملكتها "، فَدلَّ أَن قَوْله: " ملكتها " أَو " ملكتكها " إِن كَانَ مَحْفُوظًا صدر بعد لفظ التَّزْوِيج خَبرا عَن ملكه بضعهَا بِالتَّزْوِيجِ ، على أَن رِوَايَة الْجُمْهُور التَّزْوِيج أَو الْإِنْكَاح، وَالْجَمَاعَة أولى بِالْحِفْظِ من الْوَاحِد، وَالله تَعَالَى أعلم.
مَسْأَلَة (٢٠١) :
وَالزِّنَا لَا يحرم الْحَلَال، وَلَا يُوقع تَحْرِيم الْمُصَاهَرَة. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِنَّه يُوقع تَحْرِيم الْمُصَاهَرَة ".
وَبِنَاء الْمَسْأَلَة لنا على كتاب الله تَعَالَى، والمعاني، وَقد صَحَّ ذَلِك عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ وَلَا يَصح عَن أحد من الصَّحَابَة ﵃ ، خلاف قَوْله، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنهُ، وَعَن
стр. 1517
ابْن الْمسيب، وَيحيى بن يعمر، وَعُرْوَة بن الزبير، وَمُجاهد، وَالْحسن، وَالزهْرِيّ. وَرُوِيَ ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ َ - من وَجه لَيْسَ بساقط، عَن ابْن عمر ﵄ عَنهُ ﷺ َ - قَالَ: " لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال ". وَله شَاهد من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا بِمثلِهِ.
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ قَالَ: " لَا ينظر الله إِلَى رجل إِلَى رجل نظر إِلَى فرج امْرَأَة وابنتها "، قَالَ عَليّ: مَوْقُوف، فِيهِ لَيْث وَحَمَّاد ضعيفان، ثمَّ يَقُول: " هُوَ مَحْمُول على مَا إِذا جَمعهمَا نِكَاحه، أَو زِنَاهُ ".
وَاسْتشْهدَ بَعضهم بِمَا حكى الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: " مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة مَلْعُون من نظر إِلَى فرج امْرَأَة وابنتها "، (ثمَّ أجَاب الشَّافِعِي: ﵀ فَقَالَ: " لَا أدفَع هَذَا؛ وأصغر ذَنبا من الزَّانِي بِالْمَرْأَةِ وابنتها) ، (وَالْمَرْأَة بِلَا ابْنة) مَلْعُون، قد لعنت الْوَاصِلَة، والموصولة، والمختنية، وَالزِّنَا أعظم من هَذَا كُله، وَلَو كنت حرمته لقَوْله: " مَلْعُون " لزمك مَكَان هَذَا فِي آكل الرِّبَا وموكله وَأَنت لَا تمنع من الرِّبَا إِذا اشْترى بِمَا يحل، وَلَا إِذا اختنى قبرا أَن يحل حفر غَيره، يَعْنِي لغَرَض مُبَاح، (وَلَا أَن) يحْفر مختن مَا نبشه
стр. 1518
مرّة إِذا ذهب الْمَيِّت بالبلى، فَقل هَهُنَا أَيْضا: " الْحَرَام لَا يمْنَع الْحَلَال ".
وروى جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁: " مَا اجْتمع الْحَرَام والحلال إِلَّا غلب الْحَرَام الْحَلَال ". وَجَابِر ضَعِيف، لَا يحْتَج بِهِ، ثمَّ هُوَ معَارض بِحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: " لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال ".
وَرُوِيَ عَن الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن ابْن هَانِئ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: إِذا نظر الرجل إِلَى فرج الْمَرْأَة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وابنتها ".
وَرِوَايَته فِي مَوضِع آخر عَن أم هَانِئ، وَهَذَا مُنْقَطع بَين الْحجَّاج وَأم هَانِئ، أَو بَين (ابْن هاني) ، وَالنَّبِيّ ﷺ َ -، وَالْحجاج لَا يقبل مِنْهُ مَا يتفرد بِهِ مِمَّا يسْندهُ، فَكيف يقبل مِنْهُ مَا يُرْسِلهُ! وَالله أعلم.
стр. 1519
مَسْأَلَة (٢٠٢) :
وَمن وجد طول حرَّة لم يجز لَهُ نِكَاح أمة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يجوز ".
وَهَذَا خلاف ظَاهر الْقُرْآن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ إِلَى قَوْله : ﴿ذَلِك لمن خشى الْعَنَت مِنْكُم وَأَن تصبروا خير لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ ، فأباح نِكَاح الْأمة بِشَرْطَيْنِ: بِعَدَمِ الطول، وخشية الْعَنَت، فَلَا يُبَاح حَتَّى يُوجد الشرطان جَمِيعًا.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة قَالَ: " يَقُول: من لم يكن لَهُ سَعَة أَن ينْكح الْحَرَائِر فَلْيَنْكِح من إِمَاء الْمُؤمنِينَ، وَذَلِكَ لمن خشِي الْعَنَت، وَهُوَ الْفُجُور، فَلَيْسَ لأحد من الْأَحْرَار أَن ينْكح إِلَّا أَن لَا يقدر على حرَّة، وَهُوَ يخْشَى الْعَنَت، وَأَن تصبروا عَن نِكَاح الْإِمَاء فَهُوَ خير لكم ".
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: " الطول الْغنى إِذا لم يجد مَا ينْكح بِهِ الْحرَّة تزوج أمة، وَأَن تصبروا خير لكم "، قَالَ عَن نِكَاح الْإِمَاء.
стр. 1520
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " من ملك ثَلَاثمِائَة دِرْهَم وَجب عَلَيْهِ الْحَج، وَحرم عَلَيْهِ نِكَاح الْإِمَاء ".
وَعَن جَابر بن عبد الله، ﵁ قَالَ: " من وجد صدَاق حرَّة فَلَا ينْكح أمة ".
وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي ﵀ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن أبي الشعْثَاء قَالَ: " لَا يصلح نِكَاح الْإِمَاء الْيَوْم؛ لِأَنَّهُ يجد طولا إِلَى حرَّة ".
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ قَالَ: " هِيَ بِمَنْزِلَة الْميتَة يضْطَر إِلَيْهَا، فَإِذا أَغْنَاك الله عَنْهَا فاستغنه ".
وَعَن طَاوُوس قَالَ: " لَا يحل للْحرّ أَن ينْكح الْأمة، وَهُوَ يجد طولا لحرة ".
وَقد روينَا أَيْضا عَن الْحسن نَحْو مَذْهَبنَا فِي كتاب السّنَن.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَلَا يجوز عندنَا للْمُسلمِ نِكَاح أمة كِتَابِيَّة بِحَال؛ لِأَن الله تَعَالَى شَرط فِي إِبَاحَة نِكَاح الْإِمَاء أَن يكن مؤمنات، وَالْإِيمَان شَرط ثَالِث، فَأَما نسَاء أهل الْكتاب فداخلات فِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ غير خارجات
стр. 1521
مِنْهُ بقوله : ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ ، فالمحصنات هَهُنَا الْحَرَائِر، وَبِه قَالَ مُجَاهِد، فَقَالَ: " لَا يصلح نِكَاح إِمَاء أهل الْكتاب، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ ، وَكَذَا قَالَ الْحسن، وَرَوَاهُ أَبُو الزِّنَاد عَن فُقَهَاء التَّابِعين من أهل الْمَدِينَة، وَعند أبي حنيفَة يجوز ذَلِك، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٠٣) :
وَإِذا أسلم، وَتَحْته أَكثر من أَربع، نكحهن فِي عقد وَاحِد فَلهُ أَن يخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبعا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " بَطل نِكَاحهنَّ جَمِيعًا ".
وَإِذا تزوج بِهن فِي عُقُود مُتَفَرِّقَة فعندنا يخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبعا. وَعند أبي حنيفَة ﵀ ثَبت نِكَاح أَربع من الْأَوَائِل، وَبَطل نِكَاح من نكحهن بعدهن.
وَدَلِيلنَا مَا رُوِيَ عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه أَن غيلَان بن سَلمَة الثَّقَفِيّ أسلم، وَعِنْده عشر نسْوَة، فَقَالَ لَهُ
стр. 1522
النَّبِي ﷺ َ -: " أمسك أَرْبعا، وَفَارق سائرهن "، رَوَاهُ الشَّافِعِي ﵀، عَن الثِّقَة، قَالَ الرّبيع: " أَحْسبهُ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَنهُ ".
وَرُوِيَ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَنهُ، وتابعهما على رِوَايَته عَن معمر من الْبَصرِيين يزِيد بن زُرَيْع، وَمُحَمّد بن جَعْفَر غنْدر، وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة من الْأَئِمَّة الْحفاظ (من أهل الْبَصْرَة) ". وَقد حكم الإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج رَحمَه الله تَعَالَى أَن هَذَا الحَدِيث مِمَّا رَوَاهُ معمر بِالْبَصْرَةِ هَكَذَا، وَقَالَ: " فَإِن رَوَاهُ عَنهُ ثِقَة خَارج الْبَصرِيين حكمنَا لَهُ بِالصِّحَّةِ "، أَو قَالَ: " صَار الحَدِيث حَدِيثا، وَإِلَّا فالإرسال أولى، فَوَجَدنَا سُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ، وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي، وَعِيسَى بن
стр. 1523
يُونُس، وثلاثتهم كوفيون حدثونا بِهِ عَن معمر مُتَّصِلا ".
وَهَكَذَا رُوِيَ عَن يحيى بن أبي كثير، وَهُوَ يماني، عَن الْفضل بن مُوسَى، وَهُوَ خراساني عَن معمر مُتَّصِلا عَن النَّبِي ﷺ َ - فصح الحَدِيث بذلك ".
وَقد رُوِيَ عَن أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع وَسَالم عَن ابْن عمر ﵄ مُتَّصِلا، رَوَاهُ عَنهُ سرار بن مجشر، قَالَ أَبُو عَليّ الْحَافِظ: " تفرد بِهِ سرار، وَهُوَ بَصرِي ثِقَة "، قَالَ أَبُو عبد الله: " رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات ، تقوم الْحجَّة بروايتهم ".
وَعند أبي دَاوُد عَن فَيْرُوز الديلمي قَالَ: " قلت: يَا رَسُول الله إِنِّي أسلمت، وتحتي أختَان، قَالَ: طلق أَيَّتهمَا شِئْت ".
стр. 1524
وَذهب الطَّحَاوِيّ إِلَى أَن التَّخْيِير إِنَّمَا كَانَ؛ لِأَن عقودهم كَانَت فِي الْوَقْت الَّذِي يجوز الْجمع من أَكثر من أَرْبَعَة نسْوَة، قَالَ: " وعقود الْمُشْركين الْآن كلهَا بعد وُرُود الشَّرْع بِالتَّحْرِيمِ "، قُلْنَا: هَذَا فرار من الحَدِيث، وقولكم ينْتَقض بالولي، وَالشُّهُود، والخلو من الْعدة؛ فَإِن جَمِيع ذَلِك وَجب بِالشَّرْعِ، وعقود الْمُشْركين قد تَخْلُو من هَذِه الْأَشْيَاء الْآن بعد وُجُوبهَا، وَلَا يحكم ببطلانها إِذا أَسْلمُوا، ثمَّ نقُول لم يبلغنَا إِبَاحَة الْجمع بَين أَكثر من أَربع نسْوَة ثَابِتَة فِي ابْتِدَاء شرعنا، ثمَّ لَو كَانَت فَلم يبلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - استفسر واستفصل حَال عقودهم كَانَت قبل التَّحْرِيم أَو بعده "، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢٠٤) :
وَإِذا أسلم أَحدهمَا بعد الدُّخُول توقف النِّكَاح على انْقِضَاء الْعدة. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِذا اخْتلف بَينهمَا الدّين وَالدَّار انْقَطع النِّكَاح بَينهمَا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " فَإِن قَالَ قَائِل مَا دلّ على ذَلِك؟ قيل لَهُ: أسلم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب ﵁ بمر الظهْرَان، وَهِي دَار
стр. 1525
خُزَاعَة، وخزاعة مُسلمُونَ قبل الْفَتْح فِي دَار الْإِسْلَام، وَرجع إِلَى مَكَّة، وَهِنْد بنت عتبَة مُقِيمَة (على غير الْإِسْلَام، وَأخذت بلحيته، وَقَالَت: اقْتُلُوا الشَّيْخ الضال، ثمَّ أسلمت هِنْد بعد إِسْلَام أبي سُفْيَان بأيام كَثِيرَة، وَقد كَانَت كَافِرَة مُقِيمَة) بدار لَيست بدار الْإِسْلَام يَوْمئِذٍ، وَزوجهَا مُسلم فِي دَار الْإِسْلَام، وَهِي فِي دَار الْحَرْب، ثمَّ صَارَت مَكَّة دَار الْإِسْلَام، وَأَبُو سُفْيَان بهَا مُسلم، وَهِنْد كَافِرَة، ثمَّ أسلمت قبل انْقِضَاء الْعدة، وَاسْتقر على النِّكَاح؛ لِأَن عدتهَا لم تنقض حَتَّى أسلمت.
وَكَانَ كَذَلِك حَكِيم بن حزَام وإسلامه، وَأسْلمت امْرَأَة صَفْوَان بن أُميَّة، وَامْرَأَة عِكْرِمَة بن أبي جهل بِمَكَّة، وَصَارَت دارهما دَار الْإِسْلَام، وَظهر حكم رَسُول الله ﷺ َ - بِمَكَّة، وهرب عِكْرِمَة إِلَى الْيمن، وَهِي دَار حَرْب، وَصَفوَان يُرِيد الْيمن، وَهِي دَار حَرْب، ثمَّ رَجَعَ
стр. 1526
صَفْوَان إِلَى مَكَّة، وَهِي دَار الْإِسْلَام، وَشهد حنينا، وَهُوَ كَافِر، ثمَّ أسلم، فاستقرت عِنْده امْرَأَته بِالنِّكَاحِ الأول، وَذَلِكَ أَنه لم تنقض، يَعْنِي عدتهما، فَقلت لَهُ: " مَا وصفت لَك أَمر مَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم بالمغازي من أَمر صَفْوَان، وَحَكِيم، وَابْن صَفْوَان، وَعِكْرِمَة ".
وَقد حفظ أهل الْمَغَازِي أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار كَانَت عِنْد رجل بِمَكَّة، فَأسْلمت، ثمَّ هَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة، فَقدم زَوجهَا، وَهِي فِي الْعدة، فاستقرا على النِّكَاح.
جَمِيع مَا ذكره ﵀ من أمرخزاعة وَأمر أبي سُفْيَان، وَحَكِيم مَذْكُور فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق.
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن مَالك عَن ابْن شهَاب أَن صَفْوَان بن أُميَّة هرب من الْإِسْلَام، ثمَّ جَاءَ النَّبِي ﷺ َ - وَشهد حنينا، والطائف مُشْركًا، وَامْرَأَته مسلمة، واستقرا على النِّكَاح، يَعْنِي حِين أسلم صَفْوَان. (قَالَ ابْن شهَاب: " وَكَانَ بَين إِسْلَام صَفْوَان) وَامْرَأَته نَحوا من شهر ".
وروى مَالك ﵀ عَنهُ أَن أم حَكِيم بنت الْحَارِث بن هِشَام، وَكَانَت تَحت عِكْرِمَة بن أبي جهل ، فَأسْلمت يَوْم الْفَتْح بِمَكَّة، وهرب زَوجهَا عِكْرِمَة من الْإِسْلَام حَتَّى قدم الْيمن، فارتحلت أم حَكِيم حَتَّى قدمت عَلَيْهِ بِالْيمن، ودعته إِلَى الْإِسْلَام، فَأسلم، وَقدم على رَسُول الله ﷺ َ - عَام الْفَتْح، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله ﷺ َ -، وثب إِلَيْهِ فَرحا، وَمَا عَلَيْهِ رِدَاؤُهُ حَتَّى بَايعه، فثبتا على نِكَاحهمَا ذَلِك .
стр. 1527
وَعنهُ قَالَ: " لم يبلغنِي أَن امْرَأَة هَاجَرت إِلَى الله وَرَسُوله، وَزوجهَا كَافِر مُقيم بدار الْكفْر، إِلَّا فرقت هجرتهَا بَينهَا وَبَين زَوجهَا إِلَّا أَن يقدم زَوجهَا مُهَاجرا قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا، وَأَنه لم يبلغنَا أَن امْرَأَة فرق بَينهَا وَبَين زَوجهَا إِذا قدم، وَهِي فِي عدتهَا ".
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " كَانَ الْمُشْركُونَ على منزلتين من النَّبِي ﷺ َ - وَالْمُؤمنِينَ، (كَانُوا مُشْركي) أهل حَرْب يقاتلهم، ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لَا يقاتلهم، وَلَا يقاتلونه، فَكَانَ إِذا هَاجَرت امْرَأَة من الْحَرْب لم تخْطب حَتَّى تحيض وتطهر، فَإِذا طهرت حل لَهَا النِّكَاح، فَإِن هَاجر زَوجهَا قبل أَن تنْكح ردَّتْ إِلَيْهِ "، وَهَذَا يدل على أَن الدَّار لم يُمكن أَن تفرق بَينهمَا.
وَعند أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " رد رَسُول الله ﷺ َ - زَيْنَب ابْنَته على أبي الْعَاصِ بن الرّبيع بِالنِّكَاحِ الأول، وَلم يحدث شَيْئا بعد سِتّ سِنِين ".
стр. 1528
فَدلَّ هَذَا على أَن اخْتِلَاف الدَّار لَا يضر قبل انْقِضَاء الْعدة، وَلَا معنى لقَوْل من أنكرهُ، واستبعد بَقَاء الْعدة سِتّ سِنِين، وَذَلِكَ لِأَن ابْتِدَاء مُدَّة عدتهَا لم يكن من وَقت إسْلَامهَا وهجرتها، وَلَكِن من وَقت / نزُول آيَة التَّحْرِيم المسلمات على الْمُشْركين، وَهُوَ بعد صلح الْحُدَيْبِيَة، ثمَّ (لم يلبث) أَبُو الْعَاصِ بعد ذَلِك إِلَّا يَسِيرا حَتَّى أَخذه أَبُو بَصِير، أَو غَيره، وأجارته زَيْنَب، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة، ورد مَا كَانَ عِنْده من الودائع، وَأظْهر إِسْلَامه، فَلم يكن بَين توقف نِكَاحهَا على انْقِضَاء الْعدة وَبَين إِسْلَامه إِلَّا الْيَسِير.
وَأما مَا روى حجاج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ َ - رد ابْنَته إِلَى أبي الْعَاصِ بِمهْر جَدِيد، وَنِكَاح جَدِيد، فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ﵀: " هَذَا لَا يثبت، وحجاج لَا يحْتَج بِهِ، وَالصَّوَاب حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَبَلغنِي عَن أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ: سَأَلت عَنهُ البُخَارِيّ فَقَالَ: حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب أصح من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه، وَبَيَان هَذَا كُله مَرْوِيّ فِي كتاب الْمعرفَة ".
وَحكى أَبُو عبيد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان أَن حجاج يَعْنِي ابْن أَرْطَأَة - لم يسمع من عَمْرو بن شُعَيْب، وَأَنه من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله العورني عَن عَمْرو، فَهَذَا وَجه لَا يعبأ بِهِ أحد يدْرِي مَا الحَدِيث.
стр. 1529
وَالَّذِي ذكره بعض أكابرهم فِي الْجمع بَين حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي رد ابْنَته ﷺ َ - على أبي الْعَاصِ بِأَن قَالَ علم عبد الله بن عَمْرو بِتَحْرِيم الله ﷻ رُجُوع الْمُؤْمِنَات إِلَى الْكفَّار، فَلم يكن ذَلِك عِنْده أَلا بِنِكَاح جَدِيد.
أما ابْن عَبَّاس فَلم يعلم بِتَحْرِيم الله الْمُؤْمِنَات إِلَى الْكفَّار حِين علم برد زَيْنَب على أبي الْعَاصِ، رضوَان الله عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ: ردهَا بِالنِّكَاحِ الأول؛ لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده بَينهمَا فسخ نِكَاح، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجمع صَحِيح، وَمَا هُوَ إِلَّا سوء ظن بالصحابة، ﵃، حَيْثُ نسبهم إِلَى أَنهم، يتجاوزون فِي رِوَايَة الحَدِيث على مَا وَقع لَهُم من غير سَماع.
ثمَّ يَقُول أما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَلم يُثبتهُ الْحفاظ على مَا قدمنَا ذكره، وَلَو كَانَ ثَبت فالظن بِهِ ﵁ أَنه لَا يروي عَن النَّبِي ﷺ َ - عقد نِكَاح لم يحضرهُ، وَلم يُثبتهُ بِشُهُود
من يَثِق بِهِ، وَابْن عَبَّاس ﵄ لَا يَقُول ردهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الأول، وَلم يحدث شَيْئا لَا بعد إحاطة الْعلم بِهِ بِنَفسِهِ، أَو عَن من يَثِق بِهِ بكيفية الرَّد، وَكَيف يشْتَبه على مثله نزُول الْآيَة قبل رد النَّبِي ﷺ َ - ابْنَته على أبي الْعَاصِ. وَإِن اشْتبهَ ذَلِك عَلَيْهِ فِي وَقت نُزُولهَا، أفيشتبه ذَلِك عَلَيْهِ حَيْثُ روى هَذَا الْخَبَر بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ َ -، وَقد علم منَازِل الْقُرْآن وتأويله؟ هَذَا بعيد، لَا يجوز حمله عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
стр. 1530
مَسْأَلَة (٢٠٥) :
стр. 1531
نِكَاح الشّغَار بَاطِل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّه جَائِز ".
دليلنا حَدِيث ابْن عمر ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَن رَسُول الله ﷺ َ - نهى عَن الشّغَار، والشغار أَن يُزَوّج الرجل ابْنَته على أَن يُزَوجهُ ابْنَته، وَلَيْسَ بَينهمَا صدَاق ".
وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن جَابر، وَعَن أبي هُرَيْرَة، ﵄ .
стр. 1532
وَعند أبي دَاوُد عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أَن الْعَبَّاس بن عبد الله بن الْعَبَّاس أنكح عبد الرَّحْمَن بن الحكم ابْنَته، وأنكحه عبد الرَّحْمَن ابْنَته، وَكَانَا جعلا صَدَاقا، فَكتب مُعَاوِيَة ﵁ إِلَى مَرْوَان يَأْمُرهُ بِالتَّفْرِيقِ بَينهمَا، وَقَالَ فِي كِتَابه: " هَذَا الشّغَار الَّذِي نهى عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ - ".
وَرُوِيَ بِإِسْنَاد رُوَاته ثِقَات، عَن أنس، ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " لَا شغار فِي الْإِسْلَام "، وَهُوَ غَرِيب بِهَذَا الْإِسْنَاد.
وَرُوِيَ فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ َ -، فِي حَدِيث وَائِل بن حجر، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢٠٦) :
والمنكوحة ترد بالعيوب الْخَمْسَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة
стр. 1533
رَحمَه الله: " لَا ترد ".
وَدَلِيلنَا مَا روى مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: " قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: أَيّمَا رجل نكح امْرَأَة، وَبهَا جُنُون، أَو جذام، أَو برص، فمسها، فلهَا صَدَاقهَا، وَذَلِكَ لزَوجهَا غرم على وَليهَا ".
وَرُوِيَ عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: " أَربع لَا يجزن فِي بيع، وَلَا نِكَاح: الْمَجْنُونَة، والمجذومة، والبرصاء، والعفلاء "، رُوَاته ثِقَات، وَالشَّافِعِيّ ﵀ إِنَّمَا ذكره من قَول أبي الشعْثَاء جَابر بن زيد، وَهُوَ صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، وَلَا يَصح عَن أحد من الصَّحَابَة ﵃ خلاف ذَلِك.
فَإِن تعلقوا بِمَا رُوِيَ عَن مُسلم بن جُنَادَة عَن وَكِيع عَن ابْن أبي خَالِد عَن عَامر قَالَ: " قَالَ عَليّ ﵁: أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة مَجْنُونَة، أَو جذماء، أَو بهَا برص، أَو بهَا قرن فَهِيَ امْرَأَته إِن
стр. 1534
شَاءَ أمسك، وَإِن شَاءَ طلق "، قُلْنَا: هَذَا مُخْتَصر، وَرَوَاهُ غَيره عَن وَكِيع إِذا لم يدْخل بهَا فرق بَينهمَا ".
وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ فِي الْجَامِع عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " إِذا تزوج الْمَرْأَة فَوجدَ بهَا جنونا أَو برصا، أَو جذاما، أَو قرنا فَدخل بهَا فَهِيَ امْرَأَته إِن شَاءَ أمسك، وَإِن شَاءَ طلق "، فَكَأَنَّهُ أبطل خِيَاره بِالدُّخُولِ بعد الْعلم بعيبها، وَفِيه دَلِيل على أَنه إِن لم يدْخل بهَا وَاخْتَارَ الْفَسْخ كَانَ لَهُ ذَلِك؛ لشرطه فِي امْتنَاع خِيَار الْفَسْخ وجود مَا يدل على رِضَاهُ بذلك من دُخُول، أَو غَيره، وَالله أعلم.
وَالَّذِي يدل على صِحَة مَا ذكرنَا من حَدِيث عَليّ ﵁ مَا روى أَبُو حَامِد الشاركي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزيَادي عَن عَفَّان عَن همام عَن قَتَادَة عَن خلاس أَن عليا ﵁ كَانَ لَا يُجِيز جنونا، وَلَا برصاء، وَلَا جذاما، وَلَا عفلاء، قَالَ: " وَأخْبرنَا يحيى بن أبي طَالب عَن مُعلى عَن حَمَّاد عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " إِذا تزوج الرجل الْمَجْنُونَة، والمجذومة، والعفلاء فَإِن لم يكن دخل بهَا، فرق بَينهمَا، وَإِن دخل بهَا حازت عَلَيْهِ ".
стр. 1535
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن الزبير عَن أَبِيه، قَالَ " كَانَ فِي وَفد ثَقِيف مجذوم، فَأرْسل إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - أَنا قد بايعناك فَارْجِع "، أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
وَأخرجه البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: لَا عدوى، وَلَا هَامة، وَلَا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الْأسد "، أَو قَالَ: " من الْأسود ".
فَأمر فِي هذَيْن الْحَدِيثين بالتباعد من المجذوم.
وَقَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " لَا يُورد ممرض على مصح ".
وَفِي ذَلِك دلَالَة على أَن قَوْله: " لَا عدوى " أَرَادَ بِهِ على الْوَجْه
стр. 1536
الَّذِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة من إِضَافَة الْفِعْل إِلَى غير الله تَعَالَى، أَلا ترَاهُ حِين عورض بالمخالطة قَالَ: " فَمن أعدى الأول؟ "، ثمَّ قد تكون المخالطة سَببا للعدوى بِإِذن الله .
وَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذَا فَفِي نِكَاح من بِهِ أحد هَذِه الْعُيُوب ضَرَر كَبِير، وَلَا يكون مَعَ الْجُنُون تأدية حق، وَالنِّكَاح للألفة، وَالْعشرَة، وَهَذِه الْعُيُوب مَانِعَة من الْمَقْصُود بِالنِّكَاحِ، فَثَبت الْخِيَار بوجودها، أَو وجود بَعْضهَا.
وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - أَخذ بيد مجذوم، فوضعها فِي قَصْعَة، فَقَالَ: " كل بِسم الله، وتوكلا عَلَيْهِ ". فَفِيهِ بَيَان توهم لُحُوق ضَرَر بمخالطته، لكنه احتمله ثِقَة بِاللَّه، وتوكلا عَلَيْهِ، وَالله أعلم .
مَسْأَلته (٢٠٧) :
وَإِذا أعتقت الْأمة تَحت حر فَلَا خِيَار لَهَا فِي فسخ النِّكَاح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَهَا خِيَار الْفَسْخ ".
فِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا اشترت بَرِيرَة من أنَاس من الْأَنْصَار، واشترطوا الْوَلَاء، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: الْوَلَاء لمن ولي النِّعْمَة، وَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ َ -، وَكَانَ زَوجهَا عبدا ".
стр. 1537
وَعِنْده أَيْضا عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا، فَخَيرهَا رَسُول الله
. وَلَو كَانَ حرا، مَا خَيرهَا.
وَعند أبي دَاوُد عَنْهَا أَن بَرِيرَة عتقت، وَهِي عِنْد مغيث عبد لآل أبي أَحْمد، فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ َ - وَلَو كَانَ حرا مَا خَيرهَا، وَقَالَ: " إِن قربك فَلَا خِيَار لَك ".
وَرُوِيَ حَدِيث بَرِيرَة عَن الْأسود عَن عَائِشَة، ﵂، وَفِيه: " وخيرت من زَوجهَا "، قَالَ: " وَكَانَ زَوجهَا حرا ".
أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح دون هَذِه اللَّفْظَة: " وَكَانَ زَوجهَا حرا ".
وَيُقَال: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَيست من قَول عَائِشَة، ﵂، إِنَّمَا من قَول الْأسود بن يزِيد، فقد صَحَّ عَنْهَا، وَثَبت من حَدِيث عُرْوَة وَهُوَ ابْن أُخْتهَا - وَمن حَدِيث الْقَاسِم - هُوَ ابْن أَخِيهَا - وَغَيرهمَا أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا حِين عتقت، وروايتهما مَعَ غَيرهمَا أولى لقربهما مِنْهَا وسماعهما شفاها دَاخل السّتْر، وَلِأَن أَبَا عوَانَة، وَجَرِير بن عبد الحميد - وهما ثقتان - رويا هَذَا الحَدِيث عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، ﵂، وَبينا أَن هَذِه اللَّفْظَة من قَول
стр. 1538
الْأسود، فَقَالَا فِيهِ: " قَالَ الْأسود "، وَذَلِكَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَقَالَ البُخَارِيّ: " قَول الْأسود مُنْقَطع، وَقَول ابْن عَبَّاس: " رَأَيْته عبدا " أصح ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَقد رُوِيَ عَن أبي حُذَيْفَة عَن الثَّوْريّ عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة ﵂ أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا حِين أعتقت ". " وَرَوَاهُ ابْن أبي بكير عَن أبي جَعْفَر عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة ﵂ نَحوه ".
فقد تقابلت الرِّوَايَة عَن الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش بِحَدِيث الْأسود، وَقد بقيت لنا رِوَايَة الْقَاسِم، وَعُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ مَعَ قربهما مِنْهَا، وأنهما من أهل الْحجاز.
وَرُوِيَ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة ﵂ أَنه كَانَ لَهَا غُلَام، وَجَارِيَة زوج، فَقَالَت عَائِشَة ﵂: " يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن أعتقهما، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: إِن أعتقتهما فابدئي بِالرجلِ قبل الْمَرْأَة "، يشبه أَن يكون إِنَّمَا أَرَادَ بالبداءة
стр. 1539
بِالرجلِ؛ لِئَلَّا يكون لَهَا الْخِيَار إِذا عتقت، وَالله أعلم.
وَرُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب، وَسليمَان بن يسَار، وَالْحسن، وَعِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، قَالُوا: " لَا خِيَار لَهَا على الْحر ".
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " لَا تخير إِذا أعتقت إِلَّا أَن يكون زَوجهَا عبدا "، وَالله أعلم.
стр. 1540
كتاب الصَدَاق
وَمن كتاب الصَدَاق
مَسْأَلَة (٢٠٨) :
أقل الْمهْر لَا يتَقَدَّر بِالْعشرَةِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّه مُقَدّر بِالْعشرَةِ ".
لنا حَدِيث انس ﵁ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَبِه أثر صفرَة، فَسَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ َ -، فَأخْبرهُ أَنه تزوج امْرَأَة من الْأَنْصَار، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " كم سقت إِلَيْهَا؟ "، قَالَ: " زنة نواة من ذهب "، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ -: " أولم وَلَو بِشَاة ".
قَالَ أَبُو عبيد: " قَوْله نواة يَعْنِي خَمْسَة دَرَاهِم تسمى نواة ذهب، كَمَا تسمى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّة، وكما تسمى الْعشْرُونَ نشا "، قَالَ أَبُو عبيد: " حَدَّثَنِيهِ يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ: " الْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ، والنش عشرُون، والنواة خَمْسَة ".
стр. 1541
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث سهل بن سعد فِي الْمَرْأَة الَّتِي وهبت نَفسهَا لرَسُول الله ﷺ َ -، وَأَنه ﷺ َ - زَوجهَا من الرجل الَّذِي خطبهَا مِنْهُ، فَقَالَ ﷺ َ -: " قد زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن "، بعد ان قَالَ لَهُ: " التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد "؛ لتصدقها إِيَّاه ".
وَعند أبي دَاوُد عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " من أعْطى فِي صدَاق امْرَأَة ملْء كفيه سويقا، أَو تَمرا فقد اسْتحلَّ ".
فَإِن اعْترض معترض بِأَن هَذَا ورد فِي نِكَاح الْمُتْعَة، وَهُوَ مَنْسُوخ بِدَلِيل حَدِيث جَابر فِي صَحِيح مُسلم " كُنَّا نستمتع بالقبضة من التَّمْر والدقيق الْأَيَّام على عهد رَسُول الله ﷺ َ -، وَأبي بكر ﵁ حَتَّى نَهَانَا عمر ﵁ فِي شَأْن عَمْرو بن حُرَيْث "، فقد مَضَت الدّلَالَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه حرم نِكَاح الْمُتْعَة بعد الرُّخْصَة، وَالْفَسْخ إِنَّمَا ورد بِإِبْطَال الْأَجَل، لَا قدر مَا كَانُوا ينْكحُونَ بِهِ من الصَدَاق، وَالله أعلم.
стр. 1542
وَفِيه أَخْبَار أخر تركناها للمعارضة.
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀: " هَذَا شَيْء خالفتم فِيهِ السّنة، وَالْعَمَل، والْآثَار بِالْمَدِينَةِ، وَلم يقلهُ أحد قبلكُمْ بِالْمَدِينَةِ علمناه، عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول: " فِي ثَلَاث قبضات زبيب مهر ". وَسَعِيد بن الْمسيب يَقُول: " لَو أصدقهَا سَوْطًا فَمَا فَوْقهَا جَازَ ". وَرَبِيعَة يُجِيز النِّكَاح على نصف دِرْهَم وَأَقل "، وَذكر بَاقِي الْحِكَايَة.
وَرُوِيَ عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَو أَن رجلا تزوج امْرَأَة على سواك لَكَانَ ذَلِك مهْرا ".
استدلوا بِمَا روى مُبشر بن عبيد عَن الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن عَطاء، وَعَمْرو بن جَابر ﵁ مَرْفُوعا: " لَا تنْكِحُوا النِّسَاء إِلَّا الْأَكفاء، وَلَا يزوجهن إِلَّا الْأَوْلِيَاء، وَلَا مهر دون عشرَة دَرَاهِم "، هَذَا حَدِيث مُنكر، مُبشر بن عبيد مِمَّن أَجمعُوا على ترك حَدِيثه، وَالْحجاج بن أَرْطَأَة أَيْضا لَا يحْتَج بِهِ.
قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي: " هَذَا الحَدِيث مَعَ اخْتِلَاف أَلْفَاظه فِي
стр. 1543
الْمُتُون، دون اخْتِلَاف إِسْنَاده بَاطِل كُله، لَا يرويهِ غير مُبشر بن عبيد. قَالَ احْمَد بن حَنْبَل: " مُبشر بن عبيد يضع الحَدِيث ".
ثمَّ هُوَ مُقَابل بِمَا هُوَ أصح مِنْهُ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: " سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ َ - عَن صدَاق النِّسَاء، فَقَالَ: هُوَ مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ أهلوهم ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى دَاوُد بن يزِيد الأودي عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁ " لَا صدَاق دون عشرَة دَرَاهِم "، دَاوُد بن يزِيد ضَعِيف فِي الحَدِيث، وَهَذَا مِمَّا أنكر عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: " لقن غياث بن إِبْرَاهِيم دَاوُد بن يزِيد الأودي عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁ " لَا
стр. 1544
يكون مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم "، فَصَارَ حَدِيثا، قَالَ ابْن معِين: " غياث كَذَّاب، لَيْسَ بِثِقَة، وَلَا مَأْمُون، دَاوُد الأودي لَيْسَ بِشَيْء "، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَن عَليّ ﵁ أَيْضا بِإِسْنَاد ضَعِيف عَن الضَّحَّاك عَنهُ، وَالضَّحَّاك لم يُدْرِكهُ، فَهُوَ مَعَ ضعفه مُنْقَطع.
وَرُوِيَ عَن الْحسن بن دِينَار عَن عبد الله الداناج عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " لَا مهر أقل من خَمْسَة دَرَاهِم "، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، الْحسن بن دِينَار ضَعِيف الحَدِيث، قد سبق ذكره. وَقد رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ بِخِلَاف ذَلِك كُله، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عليا ﵁ قَالَ: " الصَدَاق مَا ترْضى بِهِ الزَّوْجَات "، وَهَذَا مَعَ إرْسَاله أمثل هَذِه الرِّوَايَات عَن عَليّ، ﵁.
وَرُوِيَ عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب قَالَ: " زَوجنِي
стр. 1545
سعيد بن الْمسيب ابْنَته بِصَدَاق دِرْهَمَيْنِ، لَيْسَ لَهَا صدَاق غَيره "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٠٩) :
وَيجوز أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْخَيْر، وَذَلِكَ مثل تَعْلِيم الْقُرْآن، وَأَن يَجْعَل مهْرا، وَكَذَلِكَ يجوز أَخذ الْأُجْرَة على الْأَذَان. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " غير جَائِز ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي الَّذِي رقى السَّلِيم بِأم الْكتاب على شَاءَ، فَأتى رَسُول الله ﷺ َ - فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن احق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله ".
следующие страницы →