Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث سهل بن سعد فِي الْمَرْأَة الَّتِي وهبت نَفسهَا لرَسُول الله ﷺ َ -، وَأَنه ﷺ َ - زَوجهَا من الرجل الَّذِي خطبهَا مِنْهُ، فَقَالَ ﷺ َ -: " قد زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن "، بعد ان قَالَ لَهُ: " التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد "؛ لتصدقها إِيَّاه ".
وَعند أبي دَاوُد عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " من أعْطى فِي صدَاق امْرَأَة ملْء كفيه سويقا، أَو تَمرا فقد اسْتحلَّ ".
فَإِن اعْترض معترض بِأَن هَذَا ورد فِي نِكَاح الْمُتْعَة، وَهُوَ مَنْسُوخ بِدَلِيل حَدِيث جَابر فِي صَحِيح مُسلم " كُنَّا نستمتع بالقبضة من التَّمْر والدقيق الْأَيَّام على عهد رَسُول الله ﷺ َ -، وَأبي بكر ﵁ حَتَّى نَهَانَا عمر ﵁ فِي شَأْن عَمْرو بن حُرَيْث "، فقد مَضَت الدّلَالَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه حرم نِكَاح الْمُتْعَة بعد الرُّخْصَة، وَالْفَسْخ إِنَّمَا ورد بِإِبْطَال الْأَجَل، لَا قدر مَا كَانُوا ينْكحُونَ بِهِ من الصَدَاق، وَالله أعلم.
стр. 1542
وَفِيه أَخْبَار أخر تركناها للمعارضة.
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀: " هَذَا شَيْء خالفتم فِيهِ السّنة، وَالْعَمَل، والْآثَار بِالْمَدِينَةِ، وَلم يقلهُ أحد قبلكُمْ بِالْمَدِينَةِ علمناه، عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول: " فِي ثَلَاث قبضات زبيب مهر ". وَسَعِيد بن الْمسيب يَقُول: " لَو أصدقهَا سَوْطًا فَمَا فَوْقهَا جَازَ ". وَرَبِيعَة يُجِيز النِّكَاح على نصف دِرْهَم وَأَقل "، وَذكر بَاقِي الْحِكَايَة.
وَرُوِيَ عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَو أَن رجلا تزوج امْرَأَة على سواك لَكَانَ ذَلِك مهْرا ".
استدلوا بِمَا روى مُبشر بن عبيد عَن الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن عَطاء، وَعَمْرو بن جَابر ﵁ مَرْفُوعا: " لَا تنْكِحُوا النِّسَاء إِلَّا الْأَكفاء، وَلَا يزوجهن إِلَّا الْأَوْلِيَاء، وَلَا مهر دون عشرَة دَرَاهِم "، هَذَا حَدِيث مُنكر، مُبشر بن عبيد مِمَّن أَجمعُوا على ترك حَدِيثه، وَالْحجاج بن أَرْطَأَة أَيْضا لَا يحْتَج بِهِ.
قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي: " هَذَا الحَدِيث مَعَ اخْتِلَاف أَلْفَاظه فِي
стр. 1543
الْمُتُون، دون اخْتِلَاف إِسْنَاده بَاطِل كُله، لَا يرويهِ غير مُبشر بن عبيد. قَالَ احْمَد بن حَنْبَل: " مُبشر بن عبيد يضع الحَدِيث ".
ثمَّ هُوَ مُقَابل بِمَا هُوَ أصح مِنْهُ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: " سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ َ - عَن صدَاق النِّسَاء، فَقَالَ: هُوَ مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ أهلوهم ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى دَاوُد بن يزِيد الأودي عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁ " لَا صدَاق دون عشرَة دَرَاهِم "، دَاوُد بن يزِيد ضَعِيف فِي الحَدِيث، وَهَذَا مِمَّا أنكر عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: " لقن غياث بن إِبْرَاهِيم دَاوُد بن يزِيد الأودي عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁ " لَا
стр. 1544
يكون مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم "، فَصَارَ حَدِيثا، قَالَ ابْن معِين: " غياث كَذَّاب، لَيْسَ بِثِقَة، وَلَا مَأْمُون، دَاوُد الأودي لَيْسَ بِشَيْء "، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَن عَليّ ﵁ أَيْضا بِإِسْنَاد ضَعِيف عَن الضَّحَّاك عَنهُ، وَالضَّحَّاك لم يُدْرِكهُ، فَهُوَ مَعَ ضعفه مُنْقَطع.
وَرُوِيَ عَن الْحسن بن دِينَار عَن عبد الله الداناج عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " لَا مهر أقل من خَمْسَة دَرَاهِم "، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، الْحسن بن دِينَار ضَعِيف الحَدِيث، قد سبق ذكره. وَقد رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ بِخِلَاف ذَلِك كُله، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عليا ﵁ قَالَ: " الصَدَاق مَا ترْضى بِهِ الزَّوْجَات "، وَهَذَا مَعَ إرْسَاله أمثل هَذِه الرِّوَايَات عَن عَليّ، ﵁.
وَرُوِيَ عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب قَالَ: " زَوجنِي
стр. 1545
سعيد بن الْمسيب ابْنَته بِصَدَاق دِرْهَمَيْنِ، لَيْسَ لَهَا صدَاق غَيره "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٠٩) :
وَيجوز أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْخَيْر، وَذَلِكَ مثل تَعْلِيم الْقُرْآن، وَأَن يَجْعَل مهْرا، وَكَذَلِكَ يجوز أَخذ الْأُجْرَة على الْأَذَان. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " غير جَائِز ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي الَّذِي رقى السَّلِيم بِأم الْكتاب على شَاءَ، فَأتى رَسُول الله ﷺ َ - فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن احق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله ".
стр. 1546
وَحَدِيث سهل بن سعد ﵁ فِي الْمَرْأَة الَّتِي زَوجهَا رَسُول الله ﷺ َ - الرجل على مَا مَعَه من الْقُرْآن فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي رِوَايَة عِنْد مُسلم أَنه ﷺ َ - قَالَ: " انْطلق فقد زوجتكها بِمَا تعلمهَا من الْقُرْآن ".
وَفِي أُخْرَى عِنْد أبي دَاوُد بعض حَدِيث سهل عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ وَفِيه فَقَالَ " مَا تحفظ من الْقُرْآن؟ " قَالَ: " سُورَة الْبَقَرَة، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: " قُم، فعلمها عشْرين آيَة، وَهِي امْرَأَتك ".
استدلوا بِمَا روى عتبَة بن السكن عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن ابْن أبي طَلْحَة عَن زِيَادَة بن سَخْبَرَة عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَت: " يَا رَسُول الله، رأ فِي رَأْيك " الحَدِيث، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: قد أنكحتكها على أَن تقرئها وتعلمها، فَإِذا رزقك الله عوضهَا، فَتَزَوجهَا الرجل على ذَلِك "، قَالَ الدراقطني: " تفرد بِهِ عتبَة، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث "، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " عتبَة بن السكن مَنْسُوب إِلَى وضع الحَدِيث، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث بِشَيْء ".
وروري عَن مُغيرَة بن زِيَاد عَن عبَادَة عَن الْأسود بن ثَعْلَبَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ: " علمت نَاسا من أهل الصّفة الْكِتَابَة وَالْقُرْآن، فأهدى إِلَيّ رجل مِنْهُم قوسا، فَقلت: لَيست بِمَال، وأرمي عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، لَآتِيَن رَسُول الله ﷺ َ - فلأسألنه، فَأَتَيْته، فَقلت: يَا رَسُول الله، رجل أهْدى إِلَيّ قوسا مِمَّن كنت أعلمهُ الْكتاب
стр. 1547
وَالْقُرْآن، وَلَيْسَت بِمَال، وأرمي عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، قَالَ: إِن كنت تحب أَن تطوق طوقا من نَار فاقبلها "، مُغيرَة بن زِيَاد تكلمُوا فِيهِ، وَلَيْسَ بمحتج بِهِ فِي الصَّحِيح.
وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ نَحوه، وَالْأول أتم فَقلت: " مَا ترى فِيهَا يَا رَسُول الله؟ " فَقَالَ: " جَمْرَة بَين كفيك، تقلد بهَا، أَو تعلقهَا ".
ثمَّ هَذَا مَتْرُوك الظَّاهِر فَلَيْسَ فِيهِ أَنه علمه بِشَرْط الْأُجْرَة، وَمن علم غَيره الْقُرْآن، فأهدى المتعلم لَهُ شَيْئا جَازَ لَهُ قبُوله بِالْإِجْمَاع، على أَن ابْن الْمَدِينِيّ ضعفه، فَإِن صَحَّ فَيُشبه أَن يكون مَنْسُوخا بِمَا روينَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَأبي سعيد ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ -: " إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله "؛ وَابْن عَبَّاس ﵄ من أَوَاخِر من حمل الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ َ -، وَكَذَا أَبُو سعيد، ﵁.
وَمِمَّا يدل على جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن مَا رُوِيَ عَن وَكِيع عَن صَدَقَة بن مُوسَى عَن الْوَضِين بن عَطاء قَالَ: " ثَلَاثَة
стр. 1548
معلمين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ يعلمُونَ الصّبيان، وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يرْزق كل وَاحِد مِنْهُم خَمْسَة عشر درهما كل شهر ".
وَعَن خلف بن هِشَام عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه أَن عمر ﵁ كتب إِلَى بعض عماله أَن أعْط النَّاس على تَعْلِيم الْقُرْآن.
وَرُوِيَ عَن أَبى الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: " من أَخذ على تَعْلِيم الْقُرْآن قوسا قَلّدهُ الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة قوسا من نَار "، قَالَ الدَّارمِيّ: " قَالَ دُحَيْم حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فِي هَذَا لَيْسَ لَهُ
стр. 1549
أصل ". قَالَ الْبَيْهَقِيّ: " ثمَّ إِن صَحَّ شَيْء من هَذَا الْجِنْس فَهُوَ مَحْمُول عندنَا على مَا لَو تعين عَلَيْهِ تَعْلِيمه بِأَن لَا يجد المتعلم غَيره ".
وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ ﵁ أَنه قَالَ: " يَا رَسُول الله، اجْعَلنِي إِمَام قومِي، قَالَ: أَنْت إمَامهمْ، واقتد بأضعفهم، وَاتخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا ".
وَهَذَا هُوَ الأولى أَن لَا يتَّخذ مُؤذنًا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا إِذا وجد من يتَطَوَّع بِهِ، فَإِن لم يجد فَيجوز. قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " قد رزقهم - يَعْنِي المؤذنين - إِمَام هدى عُثْمَان بن عَفَّان، ﵁ ". وَاحْتج الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْخَيْر بِحَدِيث التَّزْوِيج على تَعْلِيم الْقُرْآن.
وروى أَبُو عصمَة عَن يُونُس عَن الْحسن عَن شُعْبَة كلهم يحدثونه عَن رَسُول الله ﷺ َ -، فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ: " وَنهى عَن التَّعْلِيم بِالْأَجْرِ، وَنهى عَن الْأَذَان بِالْأَجْرِ، وَنهى عَن الْإِمَامَة بِالْأُجْرَةِ "، وَهَذَا مُنْقَطع ،
стр. 1550
وَأَبُو عصمَة مَتْرُوك.
قَالَ البُخَارِيّ ﵀ فِي التَّرْجَمَة: " وَقَالَ الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر الْمعلم "، قَالَ: " وَلم ير ابْن سِيرِين بِأَجْر الْمعلم بَأْسا ".
وروينا عَن عَطاء، وَأبي قلَابَة أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان بتعليم الغلمان بِالْأَجْرِ بَأْسا.
وَعَن الْحسن قَالَ: " إِذا قَاطع، وَلم يعدل كتب من الظلمَة ".
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " لم يكن لِأُنَاس من أُسَارَى بدر فدَاء، فَجعل رَسُول الله ﷺ َ - فداءهم أَن يعملوا أَوْلَاد الْأَنْصَار الْكِتَابَة، قَالَ: فجَاء غُلَام من الْأَنْصَار يبكي (يَوْمًا إِلَى أَبِيه) فَقَالَ لَهُ ابوه: مَا شَأْنك؟ قَالَ: ضَرَبَنِي معلمي، قَالَ: الْخَبيث يطْلب بدحل بدر، وَالله لَا تأتينه أبدا "، وَهَذَا يعلم الْخَيْر، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢١٠) :
وَإِن مَاتَ زوج المفوضة قبل فرض مهرهَا، وَالدُّخُول بهَا لم
стр. 1551
يجب لَهَا مهر الْمثل مَعَ الْمِيرَاث فِي أحد الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " لَهَا مهر الْمثل وَالْمِيرَاث ".
دليلنا مَا روى الشَّافِعِي ﵀ عَن مَالك عَن نَافِع أَن ابْنة عبد الله بن عمر وَأمّهَا بنت زيد بن الْخطاب كَانَت (تَحت ابْن) لِعبيد الله بن عمر فَمَاتَ، وَلم يدْخل بهَا، وَلم يسم لَهَا صَدَاقا، فابتغت أمهَا صَدَاقا، فَقَالَ ابْن عمر ﵄: " لَيْسَ لَهَا صدَاق، وَلَو كَانَ لَهَا صدَاق لم نمنعكموه، وَلم نظلمها "، فَأَبت أَن تقبل ذَلِك، فَجعلُوا بَينهم زيد بن ثَابت، فَقضى أَن لَا صدَاق لَهَا، وَلها الْمِيرَاث.
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عبد خير عَن عَليّ ﵁ فِي الرجل يتَزَوَّج الْمَرْأَة، ثمَّ يَمُوت، وَلم يدْخل بهَا وَلم يفْرض لَهَا صَدَاقا: " إِن لَهَا الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعدة، وَلَا صدَاق لَهَا ".
وروى سُفْيَان الثورى عَن عبد الْملك بن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مثل ذَلِك.
стр. 1552
وَدَلِيل القَوْل الثَّانِي مَا عِنْد أبي دَاوُد عَن الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن عبد الله ﵁ فِي رجل تزوج امْرَأَة، فَمَاتَ عَنْهَا، وَلم يدْخل بهَا، وَلم يفْرض لَهَا، فَقَالَ: " لَهَا الصَدَاق كَامِلا، وَعَلَيْهَا الْعدة، وَلها الْمِيرَاث "، فَقَالَ معقل بن سِنَان: " سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - قضى فِي بروع بنت واشق ".
وَرُوِيَ عَن عَلْقَمَة، قَالَ: " أَتَى عبد الله فِي امْرَأَة توفّي عَنْهَا زَوجهَا "، وَلم يفْرض لَهَا صَدَاقا وَلم يدْخل بهَا، فترددوا إِلَيْهِ، وَلم يزَالُوا بِهِ، حَتَّى قَالَ: " إِنِّي سأقول برأيي: لَهَا صدَاق نسائها، لَا وكس، وَلَا شطط، وَعَلَيْهَا الْعدة ، وَلها الْمِيرَاث "، فَقَامَ معقل بن سِنَان، فَشهد أَن رَسُول الله ﷺ َ - قضى فِي بروع بنت واشق الأشجعية بِمثل مَا قضيت، ففرح عبد الله "، إِسْنَاده صَحِيح، وَرُوَاته ثِقَات، وَمَعْقِل بن سِنَان صَحَابِيّ مَعْرُوف، وَقد قيل فِي هَذَا الحَدِيث: " معقل بن يسَار "، و " ابْن سِنَان "، أصح، وَقيل ذَلِك عَن نَاس من أَشْجَع.
стр. 1553
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ - بِأبي وَأمي، أَنه قضى فِي بروع بنت واشق، ونكحت بِغَيْر مهر، فَمَاتَ زَوجهَا، فَقضى لَهَا بِمهْر نسائها، وَقضى لَهَا بِالْمِيرَاثِ، فَإِن كَانَ يثبت عَن النَّبِي ﷺ َ - فَهُوَ أولى الْأُمُور بِنَا، وَلَا حجَّة فِي قَول أحد دون النَّبِي ﷺ َ -، وَلَا فِي الْقيَاس، وَلَا فِي شَيْء فِي قَوْله إِلَّا طَاعَة الله بِالتَّسْلِيمِ لَهُ، وَإِن كَانَ لَا يثبت عَن النَّبِي ﷺ َ -، لم يكن لأحد أَن يثبت عَنهُ مَا لم يثبت، وَلم احفظه من وَجه يثبت مثله، وَهُوَ مرّة يُقَال: عَن معقل بن يسَار، (وَمرَّة عَن معقل بن سِنَان) وَمرَّة عَن بعض أَشْجَع لَا يُسمى ".
وَقَالَ ﵀: " أَن صَحَّ حَدِيث بروع بنت واشق قلت بِهِ ".
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: " لَو حضرت الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لقمت إِلَيْهِ على رُؤُوس أَصْحَابه، وَقلت: قد صَحَّ الحَدِيث فَقل بِهِ، قَالَ: (فالشافعي ﵀ إِنَّمَا قَالَ: لَو صَحَّ الحَدِيث؛ لِأَن هَذِه الرِّوَايَة وَإِن كَانَت صَحِيحَة فَإِن الْفَتْوَى لعبد الله بن مَسْعُود، وَسَنَد الحَدِيث لنفر من أَشْجَع ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَشَيخنَا أَبُو عبد الله إِنَّمَا حكم بِصِحَّة الحَدِيث؛ لِأَن الثِّقَة قد سمى فِيهِ رجلا من الصَّحَابَة، وَهُوَ معقل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ، وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة من روى قصَّة
стр. 1554
بروع بنت واشق عَن النَّبِي ﷺ َ - لَا يوهن الحَدِيث؛ فَإِن أَسَانِيد هَذِه الرِّوَايَات صَحِيحَة، وَفِي بَعْضهَا إِن جمَاعَة من أَشْجَع شهدُوا بذلك، فبعضهم سمى هَذَا، وَبَعْضهمْ سمى آخر، وَكلهمْ ثِقَة، وَلَوْلَا الثِّقَة بِمن رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - لما كَانَ عبد الله يفرح بروايته "، وَالله أعلم.
مسأله (٢١١) :
وَالَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الْأَب، على قَوْله فِي الْقَدِيم، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " هُوَ الزَّوْج ".
فَوجه قَوْله الْقَدِيم من طَرِيق الْأَثر مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الَّذِي ذكر الله ﴿أَو يعفوا الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ قَالَ: " ذَلِك أَبوهَا ".
وَعَن الْحسن، قَالَ: " هُوَ الْوَلِيّ ".
وَعَن عَلْقَمَة: " الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الْوَلِيّ ".
وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ: " إِن كَانَت الْمَرْأَة مالكة أمرهَا فَهِيَ تَعْفُو، وَإِن
стр. 1555
كَانَت بكرا فَالَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح أَبوهَا يعْفُو ".
وَعَن مَالك قَالَ: " قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه: ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ الْآيَة، فهن النِّسَاء اللَّاتِي قد دخل بِهن، قَالَ: ﴿أَو يعفوا الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ ، وَهُوَ الْأَب فِي ابْنَته الْبكر، أَو السَّيِّد فِي أمته، قَالَ: وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعت، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَمر عندنَا ".
وَعَن إِبْرَاهِيم قَالَ: " الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الْوَلِيّ ".
وَوجه قَوْله فِي الْجَدِيد من طَرِيق الْأَثر مَا رُوِيَ عَن شُرَيْح قَالَ: " سَأَلَني عَليّ ﵁ عَن الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح، قَالَ: قلت: هُوَ الْوَلِيّ، قَالَ: لَا بل هُوَ الزَّوْج ".
وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من طَرِيق فِيهِ عَليّ بن زيد، وَالرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة عَنهُ أصح؛ فَإِن عَليّ بن زيد غير مُحْتَج بِهِ.
وَرُوِيَ عَن أبي سَلمَة ﵁ أَن جُبَير بن مطعم تزوج امْرَأَة من بني نظر، فَسمى لَهَا صَدَاقهَا، ثمَّ طَلقهَا من قبل أَن يدْخل بهَا، فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿إِلَّا أَن يعفون أَو يعفوا الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ ، قَالَ: " أَنا أَحَق بِالْعَفو مِنْهَا، فَسلم إِلَيْهَا صَدَاقهَا ".
стр. 1556
وَتَابعه مُحَمَّد بن جُبَير عَن أَبِيه، وَعَن ابْن الْمسيب قَالَ: " الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الزَّوْج ".
وَعَن الْمُغيرَة عَن الشّعبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ الْآيَة. قَالَ: " يَعْنِي الْمَرْأَة، وَالَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الزَّوْج "، قَالَ: " وَهُوَ قَول شُرَيْح ".
وَعَن ابْن سِيرِين قَالَ: " الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الزَّوْج ".
وَعَن سعيد بن جُبَير مثله.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: " ﴿إِلَّا أَن تَعْفُو﴾ الْمَرْأَة، فتدع نصف صَدَاقهَا، أَو يعْفُو الزَّوْج، فيكمل لَهَا صَدَاقهَا ". وَرُوِيَ ذَلِك عَن طَاوس، وَنَافِع بن جُبَير، وَمُجاهد، وَمُحَمّد بن كَعْب.
وروى ابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: ولي عقدَة النِّكَاح الزَّوْج "، وَابْن لَهِيعَة ضَعِيف، لَا يحْتَج بِهِ، وَالله أعلم .
стр. 1557
مَسْأَلَة (٢١٢) :
وَالْخلْوَة الخالية عَن الْوَطْء لَا تقرر الْمهْر، وَلَا توجب الْعدة على أصح الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، وصاحباه ﵏: " إِنَّهَا تقرر الْمهْر، وتوجب الْعدة ".
وَبِنَاء الْمَسْأَلَة لنا على الْكتاب والمعاني، قَالَ الله : ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾ .
وَقَالَ ﷻ ، وَتَعَالَى علاؤه وشأنه: ﴿يَا أَيهَا الَّذين ءامنوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل ان تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾ والمسيس الْجِمَاع.
روى الثِّقَات عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " اللَّمْس، والمس، والمباشرة جماع، وَلَكِن الله يكني بِمَا شَاءَ عَمَّا شَاءَ ".
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ عَن ابْن مَسْعُود، ﵁، قَالَ: " نصف الصَدَاق، وَإِن جلس بَين رِجْلَيْهَا "، فِيهِ انْقِطَاع بَينهمَا.
وَعنهُ عَن شُرَيْح أَن رجلا تزوج امْرَأَة، وأغلق عَلَيْهَا الْبَاب، وأرخى السّتْر، ثمَّ طَلقهَا، وَلم يَمَسهَا، فَقضى لَهَا شُرَيْح بِنصْف الصَدَاق.
стр. 1558
استدلوا بِمَا روى عبد الله بن صَالح الْعجلِيّ بِسَنَد لَهُ - عَن ابْن لَهِيعَة عَن مُحَمَّد بن ثَوْبَان أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " من كشف امْرَأَة فَنظر إِلَى عورتها، فقد وَجب الصَدَاق "، زَاد ابْن لَهِيعَة: " دخل بهَا، أَو لم يدْخل ". وَابْن صَالح، وَابْن لَهِيعَة لَا يحْتَج بحديثهما، فَإِن سلم مِنْهُمَا فَهُوَ مُرْسل.
وروى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن ابْن سعيد عَن ابْن الْمسيب أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قضى فِي الْمَرْأَة يَتَزَوَّجهَا الرجل أَنه إِذا أرخيت الستور فقد وَجب الصَدَاق.
(وَعنهُ عَن الزُّهْرِيّ أَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ: " إِذا دخل الرجل بامرأته، فأرخيت عَلَيْهِمَا الستور فقد وَجب
стр. 1559
الصَدَاق ".
قَالَ الشَّافِعِي: " لَيْسَ إرخاء الستور يُوجب الصَدَاق عِنْدِي؛ لقَوْل الله : ﴿إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتوهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ ، فَلَا يُوجب الصَدَاق إِلَّا بالمسيس "، قَالَ: " وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس ".
وَظَاهر مَا رُوِيَ عَن زيد ﵁ أَنه لم يُوجِبهُ بِنَفس الْخلْوَة، وَلَكِن إِذا ادَّعَت الْمَسِيس؛ فقد رُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَنهُ فِي الرجل يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ فَيَقُول: لم أَمسهَا، فَتَقول: قد مسني قَالَ: القَوْل قَوْلهَا ".
وَرُوِيَ عَن عمر، وَعلي ﵄: " إِذا أغلق بَابا، وأرخى سترا فقد وَجب الصَدَاق كَامِلا، وَعَلَيْهَا الْعدة ". وَرُوِيَ عَن زُرَارَة بن أوفى قَالَ: " قَضَاء الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين أَنه من أغلق بَابا، وأرخي سترا فقد وَجب الصَدَاق
стр. 1560
وَالْعدة، هَذَا مُرْسل زُرَارَة (بن أوفى) لم يدركهم "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢١٣) :
стр. 1561
(صفحة فارغه)
стр. 1562
وللتي طَلقهَا زَوجهَا بعد الدُّخُول بهَا الْمُتْعَة على أحد الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " لَا مُتْعَة لَهَا ".
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ الْآيَة، فَعم، وَلم يخص.
стр. 1563
روى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ: " لكل مُطلقَة مُتْعَة إِلَّا الَّتِي فرض لَهَا الصَدَاق، وَلم يدْخل بهَا، فحسبها نصف الْمهْر ".
وروى مَالك عَن نَافِع أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ كَانَ يَقُول: " لكل مُطلقَة مُتْعَة إِلَّا الَّتِي تطلق، وَقد فرض لَهَا صدَاق، وَلم يَمَسهَا، فحسبها نصف مَا فرض لَهَا ".
وَعنهُ عَن ابْن شهَاب أَنه كَانَ يَقُول: " لكل مُطلقَة مُتْعَة ".
وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ: " لما طلق حَفْص بن الْمُغيرَة امْرَأَته فَاطِمَة أَتَت النَّبِي ﷺ َ -، فَقَالَ لزَوجهَا: مَتعهَا، قَالَ: لَا أجد مَا أمتعها، قَالَ: فَإِنَّهُ لَا بُد من الْمَتَاع، قَالَ: مَتعهَا، وَلَو نصف صَاع من تمر "، وَفَاطِمَة هَذِه هِيَ بنت قيس، وقصتها مَشْهُورَة فِي
стр. 1564
الْعدة دَالَّة على أَنَّهَا كَانَت مَدْخُولا بهَا، وَالله أعلم.
وَرُوِيَ عَن سُوَيْد بن غَفلَة قصَّة طَلَاق الْحسن بن عَليّ ﵁ الخثعمية، وفيهَا: " فَبعث إِلَيْهَا الْحسن بِبَقِيَّة من صَدَاقهَا، وبمتعة عشْرين ألف دِرْهَم، فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول، وَرَأَتْ المَال، قَالَت: مَتَاع قَلِيل من خَلِيل مفارق ".
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: " لكل مُطلقَة مُتْعَة، ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ ".
وروري عَن حميد الْأَعْرَج، وَابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: " لكل مُطلقَة مُتْعَة إِلَّا الَّتِي تطلق قبل أَن يدْخل بهَا، وَقد فرض لَهَا، فَلَا مُتْعَة لَهَا إِلَّا نصف صَدَاقهَا "، وَالله أعلم.
стр. 1565
(صفحه فارغة)
стр. 1566
كتاب الْقسم
وَمن كتاب الْقسم:
مَسْأَلَة (٢١٤) :
وَيُقِيم الزَّوْج فِي ابْتِدَاء الزفاف عِنْد الْبكر سبعا، وَعند الثّيّب ثَلَاثًا، ثمَّ لَا يقْضِي قدره لسَائِر نِسَائِهِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِنَّه يقْضِي ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس ﵁ قَالَ: " من السّنة إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا (سبعا، وَإِذا تزوج الثّيّب على الْبكر أَقَامَ عِنْدهَا) ثَلَاثًا "، قَالَ خَالِد: " وَلَو قلت: إِنَّه رَفعه لصدقت ".
وَعِنْده مُسلم عَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - لما تزوج أم سَلمَة ﵂ أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: لَيْسَ بك على أهلك هوان، إِن شِئْت سبعت لَك، وَإِن سبعت لَك سبعت لنسائي ".
стр. 1567
وَعِنْده أَن رَسُول الله ﷺ َ - حِين تزوج أم سَلمَة ﵂، واصبحت عِنْده قَالَ: " أما لَيْسَ بك على أهلك هوان، إِن شِئْت سبعت عنْدك، وسبعت عِنْدهن وَإِن شِئْت ثلثت عنْدك، وَدرت، فَقَالَت: ثلث ".
وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: للبكر سبع، وللثيب ثَلَاث ".
وَذَلِكَ إِضَافَة إِلَيْهَا بلام التَّمْلِيك، وَفصل بَين الْبكر وَالثَّيِّب. فَلَو كَانَ يقْضِي كَمَا زَعَمُوا لم يكن ذَلِك لَهَا، وَلَا للْفرق بَين الْبكر وَالثَّيِّب معنى، وَلما اخْتَارَتْ أم سَلمَة ﵂ حَقّهَا حَيْثُ قَالَت: " ثلث "، (ولكان) قَول رَسُول الله ﷺ َ -: فِي التَّثْلِيث كَقَوْلِه فِي التسبيع. (فَلَمَّا قَالَ ﷺ َ - فِي التسبيع) : " ثمَّ سبعت عِنْدهن "، وَقَالَ فِي التَّثْلِيث: " ثمَّ ردَّتْ "، واختارت هِيَ التَّثْلِيث علمنَا أَن التَّثْلِيث حَقّهَا من غير قَضَاء للبواقي. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢١٥) :
وَلَيْسَ للزَّوْج أَن يخرج بِوَاحِدَة من نِسَائِهِ إِلَى سَفَره بِغَيْر الْقرعَة. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " لَهُ أَن يخرج بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْر
стр. 1568
قرعَة ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا أَرَادَ سفرا اقرع بَين نِسَائِهِ، وأيتهن خرج سهمها خرج بهَا ". وَالله أعلم .
стр. 1569
(صفحه فارغة)
стр. 1570
كتاب الْخلْع
وَمن كتاب الْخلْع:
مَسْأَلَة (٢١٦) :
الْخلْع فسخ على أحد الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِنَّه طَلَاق بَائِن ".
روى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي امْرَأَة طَلقهَا زَوجهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثمَّ اخْتلعت مِنْهُ أيتزوجها؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: " ذكر الله الطَّلَاق فِي أول الْآيَة وَآخِرهَا، وَالْخلْع بَين ذَلِك، فَلَيْسَ الْخلْع بِطَلَاق، ينْكِحهَا "، وروى الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ بِمَعْنَاهُ.
وَعَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن عِكْرِمَة قَالَ: " كل شَيْء اجازه المَال، (فَلَيْسَ بِطَلَاق) ".
وَرُوِيَ عَن لَيْث عَن طَاوُوس أَن ابْن عَبَّاس ﵄ جمع بَين رجل وَامْرَأَته بعد طَلْقَتَيْنِ وخلع.
стр. 1571
وَأما القَوْل الثَّانِي فروى إِبْرَاهِيم بن يزِيد الْمَكِّيّ عَن دَاوُد عَن ابْن الْمسيب قَالَ: " جعل رَسُول الله ﷺ َ - الْخلْع تَطْلِيقَة "، هَذَا مُنْقَطع، وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد لَيْسَ بِقَوي.
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن جهمان مولى الأسلميين عَن أم بكرَة الأسْلَمِيَّة أَنَّهَا اخْتلعت من زَوجهَا عبد الله بن أسيد، ثمَّ أَتَيَا عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فِي ذَلِك ، فَقَالَ: " هِيَ تَطْلِيقَة إِلَّا أَن تكون سميت شَيْئا، فَهُوَ على مَا سميت ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَلَا أعرف جهمان، وَلَا أم بكرَة بِشَيْء يثبت بِهِ خبرهما، وَلَا يردهُ ".
стр. 1572
قَالَ أَبُو دَاوُد: " قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى حَدِيث عُثْمَان ﵁ الْخلْع تطليقه، قَالَ: لَا يَصح، فَقَالَ: مَا أَدْرِي جهمان، لَا أعرفهُ ".
قَالَ ابْن الْمُنْذر: " وَرُوِيَ عَن عُثْمَان، وَعلي، وَابْن مَسْعُود ﵃ الْخلْع تطليقه بَائِنَة، وَحَدِيث عَليّ، وَابْن مَسْعُود ﵄ فِي إسنادهما مقَال، وَلَيْسَ فِي الْبَاب أصح من حَدِيث ابْن عَبَّاس، ﵄ " يُرِيد ﵀ حَدِيث طَاوُوس ".
وروى عباد بن كثير عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ - جعل الْخلْع تطليقه بَائِنَة ".
وَعباد لَا يحْتَج بِهِ، وَكَيف يَصح هَذَا، وَمذهب عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس خِلَافه؟ وَإِن يثبت فَأَرَادَ بِهِ إِذا نوى طَلَاقا أَو ذكره، وَالْقَصْد مِنْهُ قطع الرّجْعَة. وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢١٧) :
المختلعة لَا يلْحقهَا الطَّلَاق. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق دون كنايته ".
стр. 1573
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ " لم يَقع على المختلعة طَلَاق؛ لِأَنَّهَا لَيست بِزَوْجَة، وَلَا فِي مَعَاني الْأزْوَاج "، وَاحْتج بِانْقِطَاع الرّجْعَة، وَالْإِيلَاء، وَالظِّهَار، وَاللّعان، وَالْمِيرَاث بَين الزَّوْجَيْنِ، وَفِي مَوضِع آخر أَنه لَو مَاتَ لم تنْتَقل إِلَى عدَّة الْوَفَاة.
قَالَ: " أخبرنَا مُسلم بن خَالِد عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير ﵃ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْمُخْتَلفَة يطلقهَا زَوجهَا، قَالَا: " لَا يلْزمهَا طَلَاق؛ لِأَنَّهُ طلق مَا لَا يملك ".
كَذَلِك رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَابْن الزبير ﵄ أَنَّهُمَا سئلا عَن امْرَأَة اخْتلعت، ثمَّ طَلقهَا زَوجهَا فِي الْعدة، قَالَا: " طلق مَا لم يملك "، فَهَذَا عَنْهُمَا صَحِيح، وَلَا يَصح عَن أحد من الصَّحَابَة خِلَافه.
استدلوا بِمَا روى الْفرج بن فضَالة بِسَنَدِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ: " للمختلعة طَلَاق مَا كَانَت فِي الْعدة "، وَهَذَا عَن أبي الدَّرْدَاء مَوْقُوف وَضَعِيف؛ فَإِن الْفرج بن فضَالة لَيْسَ بِقَوي.
стр. 1574
وَرُوِيَ عَن أبي سَلمَة، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن أَنَّهُمَا قَالَا: " إِذا خالعت، ثمَّ طَلقهَا لزمَه مَا دَامَت فِي مَجْلِسه ".
وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " يجْرِي الطَّلَاق على الَّتِي تَفْتَدِي من زَوجهَا مَا كَانَت فِي الْعدة "، وَهَذَا بَاطِل؛ فَإِنَّهُ عَن رجل مَجْهُول عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم، وَهُوَ غير مُحْتَج بِهِ، وَلم يدْرك ابْن مَسْعُود، وَلَا قاربه، فَهُوَ مُنْقَطع، وَضَعِيف، ومجهول، وَإِسْنَاده إِلَى عِيسَى الْعَسْقَلَانِي مظلم. وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢١٨) :
عقد الطَّلَاق قبل عقد النِّكَاح لَا ينْعَقد بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ. وَقَالَ
стр. 1575
الْعِرَاقِيُّونَ: " انْعَقَد، وَوَقع فِيهِ ".
وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا طَلَاق من قبل نِكَاح ".
وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: لَا طَلَاق لمن لَا يملك، وَلَا عتاق لمن لم يملك ". قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: " هَذَا حَدِيث صَحِيح ".
وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ " رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح ". قَالَ ابْن صاعد: " هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا أعرف لَهُ عِلّة ".
وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن أبي بكر الصّديق، وَعلي بن أبي طَالب، وَابْن عَبَّاس، ومعاذ، وَزيد، وَأبي سعيد، وَعمْرَان، وَأبي مُوسَى، وَأبي هُرَيْرَة، والمسور، وَعَائِشَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَأَصَح حَدِيث فِيهِ وأشهره حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده الَّذِي تقدم ذكره،
стр. 1576
وَحَدِيث حَمَّاد بن خَالِد عَن هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، ﵂، قَالَه البُخَارِيّ.
وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " مَا قَالَهَا ابْن مَسْعُود، و (إِن يكن) قَالَهَا فزلة من عَالم فِي الرجل يَقُول: إِن تزوجت فُلَانَة فَهِيَ طَالِق، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين ءامنوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن﴾ ، وَلم يقل: إِذا طلّقْتُم الْمُؤْمِنَات، ثمَّ نكحتموهن ". قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: " هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ".
وَرُوِيَ فِي ذَلِك عَن ابْن الْمسيب، وَأبي سَلمَة وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَعبيد الله بن عتبَة، وطاووس، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، ووهب بن مُنَبّه، وَعلي بن الْحُسَيْن، وَالْحسن، وَعِكْرِمَة، وَابْن جُبَير، وَأبي الشعْثَاء، وَنَافِع بن جُبَير، والقرطبي، وَمُجاهد.
стр. 1577
وَهَذَا يدل على أَن عوام أهل الْعلم من الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ ذَهَبُوا إِلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وفهموا من الْأَخْبَار مَا فهمناه من أَن الطَّلَاق وَالْعتاق قبل الْملك لَا يعْمل بعد وُقُوع الْملك، وَأَن الَّذِي حمل من خَالَفنَا الْخَبَر عَلَيْهِ من عدم وُقُوعه قبل الْملك، ووقوعه بعده لَا معنى لَهُ، فَكل أحد يعلم أَن الطَّلَاق وَالْعتاق قبل الْملك لَا يَقع، وَإِنَّمَا قصد ﷺ َ - بِهَذَا النَّفْي عدم وُقُوعه بعد الْملك، حَتَّى يُفِيد الْخَبَر. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ .
стр. 1578
كتاب الطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَالْإِيلَاء
وَمن كتاب الطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَالْإِيلَاء.
مَسْأَلَة (٢١٩) :
السّنة والبدعة فِي وَقت الطَّلَاق دون عدده. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " فِي وقته وعدده ".
لنا حَدِيث ابْن عمر ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ طلقت امْرَأَتي، وَهِي حَائِض، قَالَ: " فَذكر ذَلِك عمر ﵁ للنَّبِي ﷺ َ - قَالَ: فَقَالَ: ليراجعها، فَإِذا طهرت فَلْيُطَلِّقهَا "، قَالَ يَعْنِي ابْن سِيرِين: " فَقلت لَهُ يَعْنِي ابْن عمر يحْتَسب بهَا؟ قَالَ فَمه؟ ".
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث يُونُس بن جُبَير عَن ابْن عمر بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: " فَقلت لِابْنِ عمر ﵄: فاحتسب بهَا؟ قَالَ: فَمَا يمنعهُ، أَرَأَيْت إِن عجز واستحمق؟ ".
стр. 1579
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي الزبير، قَالَ: " سَمِعت عبد الرَّحْمَن ابْن أَيمن يسْأَل عبد الله بن عمر ﵄ عَن رجل طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَقَالَ: إِن عبد الله بن عمر ﵄ طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض فَسَأَلَ عمر ﵁ النَّبِي ﷺ َ - عَن ذَلِك، فَقَالَ: مره فَلْيُرَاجِعهَا، فَإِذا طهرت فَلْيُطَلِّقهَا، أَو يمسك، قَالَ: " وَقَرَأَ ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لقبل عدتهن﴾ ". وَكَانَ مُجَاهِد يقْرؤهَا هَكَذَا .
стр. 1580
وَعِنْدَهُمَا أَيْضا عَنهُ انه طلق امْرَأَته، وَهِي حَائِض، فَذكر ذَلِك عمر لرَسُول الله ﷺ َ - فتغيظ فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ -، ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: ليراجعها، ثمَّ يمْسِكهَا، حَتَّى تطهر، ثمَّ تحيض فَتطهر، فَإِن بدا لَهُ أَن يطلقهَا فَلْيُطَلِّقهَا طَاهِرا قبل أَن يَمَسهَا، فَتلك الْعدة، كَمَا أَمر الله ".
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عِنْدهمَا عَن نَافِع عَنهُ بِمَعْنَاهُ، وَزَاد " فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن تطلق لَهَا النِّسَاء "، وَكَانَ ابْن عمر إِذا سُئِلَ عَن ذَلِك قَالَ لأَحَدهم: " إِن كنت طَلقتهَا ثَلَاثًا فقد حرمت عَلَيْك حَتَّى تنْكح زوجا غَيْرك، وعصيت الله فِيمَا أَمرك من طَلَاق امْرَأَتك ".
وَفِي أُخْرَى عِنْد مُسلم أَن ابْن عمر طلق امْرَأَته تَطْلِيقَتَيْنِ، وَهِي حَائِض، فَذكره.
قَالَ: " وَكَانَ ابْن عمر إِذا سُئِلَ عَن الرجل يُطلق امْرَأَته، وَهِي حَائِض، يَقُول: أما أَنْت طَلقتهَا وَاحِدَة، أَو ثِنْتَيْنِ فَإِن رَسُول الله ﷺ َ - أمره أَن يُرَاجِعهَا، ثمَّ يُمْهِلهَا حَتَّى تحيض حَيْضَة أُخْرَى، ثمَّ يُمْهِلهَا حَتَّى تطهر، ثمَّ يطلقهَا قبل أَن يَمَسهَا. وَأما أَنْت طَلقتهَا ثَلَاثًا فقد
следующие страницы →