Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
يضع الحَدِيث، وَهَذَا لَا يَصح عَن النَّبِي، ﷺ َ -، وَلَا رَوَاهُ شُعْبَة ".
وَرُوِيَ عَن جلاس عَن عَليّ ﵁ ": الْمُرْتَدَّة تستأنى وَلَا تقتل ". قَالَ لي شُعْبَة: " قَالَ لي أَيُّوب: لَا ترو عَن خلاس شَيْئا ". قَالَ عَليّ بن عمر: " خلاس عَن عَليّ لَا يحْتَج بِهِ لضَعْفه "، وَقد رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ بِخِلَافِهِ.
وروى ابْن عدي عَن عَليّ بن الْعَبَّاس عَن عمر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن حَفْص بن سُلَيْمَان عَن مُوسَى بن أبي كثير عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ " أَن امْرَأَة ارْتَدَّت على عهد رَسُول الله ﷺ َ - يَعْنِي: فَلم تقتل "، ثمَّ قَالَ ابْن عدي: " هَذَا حَدِيث مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٠) :
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " لَا يسبى للمرتدين ذُرِّيَّة امْتَنعُوا أَو لم يمتنعوا، أَو لَحِقُوا بدار الْحَرْب، أَو أَقَامُوا؛ لِأَن حُرْمَة الْإِسْلَام قد ثبتَتْ للذرية بِحكم الْإِسْلَام، وَلَا ذَنْب لَهُم فِي تَبْدِيل آبَائِهِم ".
وَحكى فِي رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن الْبَغْدَادِيّ عَنهُ عَن بعض
стр. 1787
الْعِرَاقِيّين أَن حكمهم حكم أهل الْأَوْثَان إِذا حَاربُوا وَلَحِقُوا بدار من دور الْمُشْركين.
وَذكر الشَّافِعِي ﵀ احتجاجهم بِمَا فعل عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي بني نَاجِية حِين قَاتلهم، والْحَدِيث كَمَا رُوِيَ أَنهم كَانُوا ثَلَاث فرق، فرقة قَالُوا: " كُنَّا نَصَارَى فأسلمنا فثبتنا على إسْلَامنَا، وَقَالَت الْأُخْرَى: " نَحن قوم كُنَّا نَصَارَى، يَعْنِي فثبتنا على نصرانيتنا "، وَقَالَت الْأُخْرَى: " نَحن كُنَّا نَصَارَى، فأسلمنا فرجعنا، فَلم نر دينا أفضل من ديننَا فتنصرنا "، فَقَالُوا لَهُم: " أَسْلمُوا " فَأَبَوا، فَقَالَ الْأَمِير لأَصْحَابه " إِذا مسحت رَأْسِي ثَلَاث مَرَّات فشدوا عَلَيْهِم " فَفَعَلُوا، فَقتلُوا الْمُقَاتلَة وَسبوا الذَّرَارِي، وَجِيء بِالذَّرَارِيِّ إِلَى عَليّ، ﵁ ".
أجَاب الشَّافِعِي عَنهُ فَقَالَ: " قَاتل من لم يزل على النَّصْرَانِيَّة وَمن ارْتَدَّ، فقد يجوز أَن يكون سبى من لم يكن ارْتَدَّ، وَقد كَانَت الرِّدَّة فِي عهد أبي بكر، ﵁، فَلم يبلغنَا أَن أَبَا بكر خمس شَيْئا من ذَلِك، يَعْنِي الذَّرَارِي "، وَالله أعلم.
стр. 1788
كتاب الْحُدُود
وَمن كتاب الْحُدُود.
مَسْأَلَة (٢٩١) :
стр. 1789
الْإِسْلَام لَيْسَ بِشَرْط فِي وجوب الرَّجْم فِي الزِّنَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " هُوَ شَرط ".
دليلنا من الْخَبَر حَدِيث ابْن عمر ﵄ فِي قصَّة
стр. 1790
الْيَهُودِيّ واليهودية اللَّذين زَنَيَا، فَأمر بهما رَسُول الله ﷺ َ - فَرُجِمَا، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح.
وَعند مُسلم قصَّة أُخْرَى عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ فِي يَهُودِيّ زنى، وفيهَا فَأمر يَعْنِي رَسُول الله ﷺ َ - بِهِ فرجم.
وَعِنْده أَيْضا عَن جَابر بن عبد الله ﵄ رجم رَسُول الله ﷺ َ - رجلا من أسلم، ورجلا من الْيَهُود وَامْرَأَة.
وَرُوِيَ عَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - رجم يَهُودِيّا وَيَهُودِيَّة.
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قصَّة لَهُم، وفيهَا: " وَقد أحصنا ".
وَكَذَلِكَ فِي قصَّة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ لِلْيَهُودِيَّةِ، وفيهَا: " قد أحصن ".
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " آيتان نسختا من هَذِه
стр. 1791
السُّورَة - يَعْنِي الْمَائِدَة - آيَة القلائد، وَقَوله: ﴿فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم﴾ . قَالَ: " وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - مُخَيّرا، ثمَّ نزلت: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم﴾ فَأمر النَّبِي ﷺ َ - أَن يحكم بَينهم بِمَا فِي كتَابنَا ".
وَفِي هَذَا دلَالَة على أَن رَسُول الله ﷺ َ - إِنَّمَا حكم عَلَيْهِمَا بِالرَّجمِ بِحكم الْإِسْلَام، وَأَنه لم يَجْعَل الْإِسْلَام من شَرَائِط الْإِحْصَان خلاف قَول من زعم أَنه ﷺ َ - إِنَّمَا حكم عَلَيْهِم بحكمهم.
وروى عَن عفيف بن سَالم عَن الثَّوْريّ عَن ابْن عقبَة عَن نَافِع
стр. 1792
عَن ابْن عمر ﵄ مَرْفُوعا لَا يحصن الْمُشرك بِاللَّه شَيْئا، قَالَ عَليّ بن عمر: " وهم عفيف فِي رَفعه، وَالصَّوَاب أَنه مَوْقُوف ".
ثمَّ رَوَاهُ عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ مَوْقُوفا على ابْن عمر من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن ".
وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي: " وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن أبي نَافِع عَن معافى بن عمرَان عَن الثَّوْريّ، وَهُوَ مُنكر من حَدِيث الثَّوْريّ عَن مُوسَى بن عقبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد ".
وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن عبيد الله عَن نَافِع مُسْندًا، وَيُقَال: " إِنَّه رَجَعَ عَنهُ ".
وَرُوِيَ من حَدِيث جُورِيَةُ عَن نَافِع مَوْقُوفا.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَاب نَافِع عَن نَافِع، وَابْن عمر ﵄ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِحْصَان العفائف فِي حد الْقَذْف دون الْإِحْصَان الَّذِي هُوَ من شَرَائِط الرَّجْم. فقد روى رجم رَسُول الله ﷺ َ - الْيَهُودِيين، وَهُوَ لَا يُخَالف رَسُول الله ﷺ َ - فِيمَا روى عَنهُ.
стр. 1793
وَرُوِيَ عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن عَليّ بن طَلْحَة عَن كَعْب بن مَالك ﵁ أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة، فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ َ - عَن ذَلِك فَنَهَاهُ، وَقَالَ: " إِنَّهَا لَا تحصنك "، قَالَ عَليّ: " أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم ضَعِيف، وَعلي بن أبي طَلْحَة لم يدْرك كَعْبًا، وَرَوَاهُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن بعض مشائخه المجهولين ".
أخبرنَا أَبُو سبأ عتبَة بن تَمِيم عَن عَليّ عَن كَعْب. وروى إِبْرَاهِيم بن أبي حَيَّة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: إِن الله أخر حد المماليك وَأهل الذِّمَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، فَإِن صَحَّ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ مَا يجب لَهُم من الْحَد عَمَّن قذفهم، فبالإجماع يحد الْمَمْلُوك فِيمَا تجب بِهِ الْحُدُود، وَالله أعلم.
(مَسْأَلَة (٢٩٢) :)
وَلَيْسَ على شُهُود الزِّنَا أَن يحضروا رجم الْمَشْهُود عَلَيْهِ، وَلَا
стр. 1794
على الإِمَام. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " عَلَيْهِم أَن يحضروا، ويبتدئوا بِالرَّجمِ ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أَمر رَسُول الله ﷺ َ - برجم مَاعِز، وَلم يحضرهُ، وَأمر أنيسا أَن يَأْتِي امْرَأَة، فَإِن اعْترفت رجمهما "، وَلم يقل أعلمني لأحضرها، وَلم أعلمهُ أَمر برجم أحد، فحضره، وَلَو كَانَ حُضُور الإِمَام حَقًا حضر رَسُول الله ، ﷺ َ -. وَقد أَمر عمر ﵁ أَبَا وَاقد اللَّيْثِيّ أَن يَأْتِي امْرَأَة، فَإِن اعْترفت رَجمهَا، وَلم يقل أعلمني أحضرها. وَلَقَد أَمر عُثْمَان ﵁ برجم امْرَأَة، وَمَا حضرها ".
وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ ﵀ عَن عَليّ ﵁ فِي قصَّة امْرَأَة فجرت أَنه جلدهَا، ثمَّ رَجمهَا، وَأَنه قَالَ: " أَيّمَا امْرَأَة نعى عَلَيْهَا وَلَدهَا، أَو كَانَ اعْتِرَاف، فالإمام أول من يرْجم، (ثمَّ النَّاس، فَإِن نعتها) الشُّهُود فالشهود أول من يرْجم، ثمَّ الإِمَام، ثمَّ النَّاس "، وَهَذَا قَول ذهب إِلَيْهِ عَليّ ﵁ فِيمَا رَوَاهُ الشّعبِيّ عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون الشّعبِيّ أَخذه من الْحَارِث الْأَعْوَر، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ َ - مَا دلّ على أَن حُضُور الإِمَام لَيْسَ بِشَرْط، وَذكر أَنه
стр. 1795
جلد مَعَ الرَّجْم، وَقد ذكرنَا أَن الْجلد على الثّيّب صَار مَنْسُوخا، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٣) :
وتجلد الْبكر وتنفى. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا تنفى ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵁ قَالَ: " سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَأْمر فِيمَن زنى، وَلم يحصن بجلد مائَة وتغريب عَام "، زَاد البُخَارِيّ قَالَ ابْن شهَاب: " وَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عمر ﵁ غرب، ثمَّ لم تزل تِلْكَ السّنة ".
وَعند البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ فِيمَن زنى، وَلم يحصن: " ينفى عَاما من الْمَدِينَة مَعَ إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ ".
قَالَ ابْن شهَاب: " وَكَانَ عمر ﵁ يَنْفِي من الْمَدِينَة إِلَى الْبَصْرَة، وَإِلَى خَيْبَر ".
وَعِنْدَهُمَا عَنْهُمَا قصَّة الرجلَيْن اللَّذين زنى ابْن أَحدهمَا بِامْرَأَة الآخر، وفيهَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - جلد الَّذِي زنى مائَة، وغربه عَاما ".
стр. 1796
وَعند مُسلم عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ فِي حَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ َ -: " وَالْبكْر جلد مائَة وَنفي سنة.
وروى مَالك عَن نَافِع عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ أُتِي بِرَجُل وَقع على جَارِيَة بكر فأحبلها، وَلم يكن أحصن، فَأمر بِهِ أَبُو بكر، ﵁ فجلد الْحَد، ثمَّ نفي إِلَى فدك.
وَرُوِيَ عَن ابْن إِدْرِيس عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ - ضرب وَغرب، وَأَن أَبَا بكر ضرب وَغرب، وَأَن عمر ضرب وَغرب.
هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو كريب، وَمن تَابعه عَن عبد الله بن إِدْرِيس، وَرَوَاهُ غَيره، فَلم يذكر فِيهِ النَّبِي، ﷺ َ -، والتغريب عَنهُ صَحِيح فِي سَائِر الرِّوَايَات، وَعَن أبي بكر، وَعمر صَحِيح، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة وَغَيرهَا. وَرُوِيَ الْجلد والتغريب عَن عَليّ، وَعَن أبي بن كَعْب، ﵄ .
стр. 1797
وَأما نفي المماليك فللشافعي ﵀ فِيهِ قَولَانِ.
وَرُوِيَ عَن مَالك عَن نَافِع أَن عبدا كَانَ يقوم على رَقِيق الْخمس، وَأَنه استكره جَارِيَة من ذَلِك الرَّقِيق، فَوَقع بهَا، فجلده عمر، ونفاه، وَلم يجلد الوليدة؛ لِأَنَّهُ استكرهها، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ عَنهُ، وَهَذَا وَإِن كَانَ مُرْسلا فنافع كَانَ مَشْهُورا بالرواية عَن الثِّقَات، وبالعناية بأخبار آل عمر. وَرَوَاهُ اللَّيْث عَن نَافِع عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد عَن عمر.
وروى ابْن الْمُنْذر صَاحب الخلافيات عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه جلد مَمْلُوكه فِي الزِّنَا، ونفاها إِلَى فدك. وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن عَليّ، ﵁، وَفِي إِسْنَاده نظر.
وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم أَن عليا ﵁ قَالَ فِي أم ولد بَغت: " تضرب، وَلَا نفي عَلَيْهَا ".
стр. 1798
وَأَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " تضرب، وتنفى ".
وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيهِ عَن عَليّ، ﵁، وَالَّذِي يخالفنا يحْتَج بمراسيل إِبْرَاهِيم عَن عبد الله.
وَأبي ﵁ حكم بِنَفْي البكرين، وَلم يفرق بَين الْحر والمملوك.
وَمن قَالَ بترك نفيهما احْتج بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - سُئِلَ عَن الْأمة إِذا زنت، وَلم تحصن، قَالَ: " إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ بيعوها وَلَو بضفير "، قَالَ ابْن شهَاب: " لَا أَدْرِي أبعد الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة ".
وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف قَالَ: " أَتَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي، ﷺ َ -، وَهِي حُبْلَى، فَقَالَت: " إِن فلَانا أحبلها، فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول الله، ﷺ َ -، فَأتي بِهِ يحمل وَهُوَ ضَرِير مقْعد، فاعترف، فَضَربهُ رَسُول الله ﷺ َ - بعثكول فِيهَا مائَة شِمْرَاخ الْحَد ضَرْبَة وَاحِدَة، وَكَانَ بكرا ". وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة عَن أَبِيه بِبَعْض مَعْنَاهُ مُخْتَصرا. وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة عَن أبي سعيد، وَالصَّوَاب مُرْسل. وَرُوِيَ عَنهُ عَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ َ -.
стр. 1799
وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة عَن سعيد بن سعد بن عبَادَة فِي رجل مُخْدج ضَعِيف بِلَفْظ آخر فِيهِ " فَخُذُوا لَهُ عثْكَالًا فِيهِ مائَة شِمْرَاخ فَاضْرِبُوهُ وَاحِدَة ".
وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذِه الْأَحَادِيث حَيْثُ لم يذكر فِيهَا النَّفْي؛ فَإِن الْمَقْصُود من حَدِيث الْأمة أَمر السادات بِضَرْب الْإِمَاء فِي الزِّنَا، بِخِلَاف مَا يَقُولُونَ: " إِنَّه لَيْسَ لَهُم ضربهن فِي الْحَد "، وَأَن ذَلِك للْإِمَام، وَالْمَقْصُود بِالْحَدِيثِ الثَّانِي جَوَاز الِاقْتِصَار فِي حد المضرور فِي خلقته على ضربه بِمِائَة شِمْرَاخ ضَرْبَة وَاحِدَة خلاف مَا يَقُولُونَ. وكما لم يذكر النَّفْي فِي حَدِيث الْأمة لم يذكر أَيْضا عدد الْحَد، وَكِلَاهُمَا مُسْتَفَاد من غير هَذَا الحَدِيث، ونفيها لَا يمْنَع من بيعهَا منفية إِلَى مَوضِع مَعْرُوف، ثمَّ الحَدِيث ورد فِي الْأمة، وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي أحد قوليه: " إِنَّهَا لَا تنفى ".
وَحَدِيث المقعد إِنَّمَا سيق لبَيَان كَيْفيَّة ضربه، وَالنَّفْي مُسْتَفَاد من غَيره، وَمَا حُكيَ عَن الطَّحَاوِيّ أَنه قَالَ: " أَمر النَّبِي ﷺ َ - فِي الِابْتِدَاء بجلد الثّيّب مَعَ الرَّجْم، فاستدللنا بسكوته (عَن الْحَد فِي حَدِيث أنس على نسخ الْجلد، كَذَلِك استدللنا بسكوته) عَن النَّفْي فِي حَدِيث الْأمة على نسخ النَّفْي "، قُلْنَا تَركه فِي حَدِيث الْأمة ذكره لَا يدل على النّسخ لأمور:
стр. 1800
أَحدهَا: أَن الْقَصْد من الحَدِيث الْإِذْن للسادات بجلد الأماء، أَلا ترَاهُ لم يذكر عدد الْحَد، كَمَا لم يذكر النَّفْي.
وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ فِي شَيْء من الْأَحَادِيث مَا يدل على أَن حَدِيث الْأمة كَانَ بعد حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي النَّفْي حَتَّى يكون نَاسِخا لَهُ، وَفِي حَدِيث أنيس أَنه أمره بِالرَّجمِ دون الْجلد، وَأَنه رَجمهَا وَلم يجلدها، وَكَانَ ذَلِك بعد حَدِيث الْجلد مَعَ الرَّجْم، فَدلَّ على نسخه.
وَمِنْهَا: أَنه يجوز أَن يعبر فِي الْكَلَام بِبَعْض الشَّيْء عَن جملَته، ويكتفى فِي بَاقِيَة بِمَا سبق مِنْهُ فِيهِ، وَلَا يجوز أَن يقْتَصر فِي الْعقل على بعض الشَّيْء إِلَّا بعد جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَيْهِ. وأنيس لما اقْتصر على الرَّجْم علمنَا أَن الْجلد مَرْفُوع، واقتصار رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْأمة على ذكر الْجلد يشبه أَن يكون اكْتفى بِمَا سبق مِنْهُ من ذكره، وَالله أعلم.
وَالْعجب أَن قَائِل هَذَا يَدعِي الْمعرفَة بالآثار، ثمَّ يَجْعَل تَركه القَوْل فِيمَا تقدم من الْأَخْبَار نفي الْبكر كتركنا جَمِيعًا القَوْل بِحَدِيث رَوَاهُ مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الوَاسِطِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رجلا قتل عَبده عمدا، فجلده النَّبِي ﷺ َ - مائَة، ونفاه سنة، ومحى سَهْمه من الْمُسلمين، وَأمره أَن يعْتق رَقَبَة.
وَنحن لَا نَدْرِي لأي معنى تَركه، فَهُوَ يحْتَج بِمَا هُوَ أَضْعَف من
стр. 1801
هَذَا الْإِسْنَاد فِيمَا يُوَافق هَوَاهُ. فَأَما نَحن فَإِنَّمَا تَرَكْنَاهُ لضعف إِسْنَاده، وَهَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ على إِسْمَاعِيل، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٤) :
إِذا أقرّ بِالزِّنَا مرّة وَاحِدَة حد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يحد حَتَّى يقر أَربع مَرَّات ".
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَزيد بن خَالِد ﵄ أَنه ﷺ َ - قَالَ: " واغد يَا أنيس على امْرَأَة هَذَا، فَإِن اعْترفت فارجمها، فغدا عَلَيْهَا، فَاعْترفت، فَأمر بهَا رَسُول الله ، ﷺ َ -، فرجمت ".
وَعِنْدَهُمَا فِي الصَّحِيح أَيْضا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عمر ﵃ " إِنِّي أَخَاف أَن يطول بِالنَّاسِ زمَان حَتَّى يَقُول الْقَائِل لَا نجد الرَّجْم فِي كتاب الله، فيضلوا بترك فَرِيضَة أنزلهَا الله، أَلا وَإِن الرَّجْم حق على من زنى، إِذا أحصن، إِذا قَامَت الْبَيِّنَة، أَو كَانَ الْحمل، أَو الِاعْتِرَاف ". وَهَذَا، وَمَا قبله يدل على أَن الْحَد يتَعَلَّق بالاعتراف دون الْعدَد.
وَأما حَدِيث مَاعِز، وَمَا فِي مَعْنَاهُ من إعراضه ﷺ َ - عَنهُ حَتَّى أقرّ أَربع مَرَّات فَلِأَنَّهُ لم يتَبَيَّن لَهُ صِحَة إِقْرَاره بِصَرِيح الزِّنَا، أَلا ترَاهُ استفسر مِنْهُ صَرِيح الزِّنَا بعد وجود الْعدَد فِي إِقْرَاره، وَحين فسر إِقْرَاره نظر هَل بِهِ جنَّة، أَو سكر، فَلَمَّا تبين لَهُ صِحَة إِقْرَاره أَمر برجمه، فَإِذا
стр. 1802
تبين لغيره من الْأَئِمَّة صِحَة إِقْرَار الْمُعْتَرف بِالزِّنَا وَجب إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ مَا لم يرجع، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٥) :
واللواط كَالزِّنَا فِي الْأَقْوَال. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " يُعَزّر ".
روى ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " من وجدتموه يعْمل عمل قوم لوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل، وَالْمَفْعُول بِهِ ".
وَعند أبي دَاوُد عَن ابْن جريج عَن ابْن جشم عَن سعيد بن جُبَير، وَمُجاهد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الْبكر يُؤَاخذ على اللوطية، قَالَ: " يرْجم ".
стр. 1803
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: " من عمل عمل قوم لوط فارجموه ".
وَعَن أبي مُوسَى ﵁ مَرْفُوعا إِذا أَتَى الرجل الرجل فهما زانيان، وَإِذا أَتَت الْمَرْأَة الْمَرْأَة فهما زانيان.
وَعَن عَليّ ﵁ مَوْقُوفا أَنه رجم لوطيا.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَبِهَذَا نَأْخُذ برجم اللوطي مُحصنا كَانَ، أَو غير مُحصن، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس، ﵁ ".
(وَقَالَ: " قَالَ سعيد بن الْمسيب: السّنة أَنه يرْجم اللوطي أحصن، أَو لم يحصن. وَعِكْرِمَة يرويهِ عَن ابْن عَبَّاس) ﵄. عَن النَّبِي ﷺ َ -، يَعْنِي مَا تقدم.
وَرُوِيَ عَن ابْن الْمُنْكَدر، وَصَفوَان بن سليم قصَّة فِي شَأْن رجل ينْكح، كَمَا تنْكح الْمَرْأَة أَن أَبَا بكر ﵁ جمع النَّاس، فَسَأَلَهُمْ عَن ذَلِك، فَكَانَ من أَشَّدهم قولا يَوْمئِذٍ عَليّ، ﵁، قَالَ: " يرى أَن نحرقه بالنَّار، فَاجْتمع رَأْي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - على أَن يحرقه بالنَّار.
стр. 1804
وَكتب أَبُو بكر إِلَى خَالِد بن الْوَلِيد يَأْمُرهُ أَن يحرقه بالنَّار، وَهَذَا مُرْسل.
وَرُوِيَ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ ﵁ فِي غير هَذِه الْقِصَّة، قَالَ: " يرْجم، وَيحرق بالنَّار ".
وَيذكر عَن ابْن أبي ليلى عَن رجل من هَمدَان أَن عليا رجم رجلا مُحصنا فِي عمل قوم لوط، كَذَا ذكره الثَّوْريّ عَنهُ مُقَيّدا، وَهِشَام مُطلقًا.
وَرُوِيَ عَن عَطاء قَالَ: " شهِدت ابْن الزبير، وأتى بسبعة، أخذُوا فِي لواط، أَرْبَعَة مِنْهُم قد أحصنوا، فَأمر بالأربعة، فأخرجوا من الْمَسْجِد، فرضخوا بِالْحِجَارَةِ، وَأمر بِالثَّلَاثَةِ، فَضربُوا الْحُدُود، وَابْن عمر، وَابْن عَبَّاس ﵃ فِي الْمَسْجِد ".
وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: " حد اللواطي حد الزَّانِي، إِن كَانَ مُحصنا رجم، وَإِلَّا جلد ". وَإِلَى هَذَا رَجَعَ الشَّافِعِي ﵀ فِيمَا زعم الرّبيع.
وَأما إتْيَان الْبَهِيمَة فقد روى أَبُو دَاوُد عَن عِكْرِمَة عَن
стр. 1805
ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من أَتَى بَهِيمَة فَاقْتُلُوهُ، واقتلوها مَعَه "، قَالَ: " قلت لَهُ: مَا شَأْن الْبَهِيمَة؟ قَالَ: " مَا أرَاهُ قَالَ ذَلِك إِلَّا أَنه كره أَن يُؤْكَل لَحمهَا، وَقد عمل بهَا ذَلِك الْعَمَل ".
استدلوا بِمَا روى أَبُو حنيفَة ﵀ عَن عَاصِم عَن أبي رزين عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " لَيْسَ على من أَتَى بَهِيمَة حد ". وحديثنا قد رُوِيَ من أوجه عَن عِكْرِمَة، وَبَعْضهمْ لَا يقصر عَن عَاصِم فِي الْحِفْظ والإتقان. وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا أَيْضا.
стр. 1806
وَرُوِيَ عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - رجم رجلا أَتَى بَهِيمَة ".
ويرجح مَذْهَبنَا فِي اتيان الْبَهَائِم بقول الْحسن بن عَليّ، وَجَابِر بن زيد، وَالْحكم، وَالْحسن، وَعَطَاء، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢٩٦) :
وَمن نكح ذَات محرم لَهُ، وَوَطئهَا عَالما حد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يحد ". وَهَذَا خلاف الْكتاب وَالسّنة.
وَلنَا عُمُوم الْخَبَر فِي وجوب الْحَد على الزَّانِي مُطلقًا.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من وَقع على ذَات محرم فَاقْتُلُوهُ ".
وَعَن أبي الجهم مولى الْبَراء (عَن الْبَراء) ﵁ قَالَ: " إِنِّي لأَطُوف فِي تِلْكَ الْأَحْيَاء على إبل ضلت فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - إِذْ جَاءَ ركب، أَو فوارس مَعَهم، فَجعل الْأَعْرَاب يلوذون بِي لمنزلتي
стр. 1807
من رَسُول الله ﷺ َ -، فَانْتَهوا إِلَيْنَا، فاطافوا بقبة، فَاسْتَخْرَجُوا رجلا، فَضربُوا عُنُقه، فَسَأَلت عَن قصَّته، فَقيل: وجد يعرس بِامْرَأَة أَبِيه ".
إِسْنَاده صَحِيح، وَجَاء من يَدعِي تَسْوِيَة الْأَخْبَار على مذْهبه، وَحمل ذَلِك على أَنه ﷺ َ - إِنَّمَا بقتْله؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد استحله، فَصَارَ بِهِ مُرْتَدا، وَاحْتج بِمَا روى أَبُو دَاوُد عَن الْبَراء ﵁ قَالَ: " لقِيت عمي، وَمَعَهُ راية، فَقلت: أَيْن تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى رجل نكح امْرَأَة أَبِيه، فَأمرنِي أَن أضْرب عُنُقه، وآخذ مَاله ".
وَبِحَدِيث مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ َ - بعث جد مُعَاوِيَة إِلَى رجل عرس بِامْرَأَة أَبِيه أَن يضْرب عُنُقه، ويخمس مَاله. وَقَالَ فَدلَّ على انه كَانَ مُرْتَدا مُحَاربًا؛ لِأَن الْمُرْتَد الَّذِي لم يحارب لَا يُخَمّس مَاله، وَهَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ بِشَيْء مِنْهُ فِي الحَدِيث، لَا لاستحلال وَلَا الْمُحَاربَة، وَلَو جَازَ دَعْوَى الاستحلال فِي هَذَا لجَاز مثله فِي زنا من رجمه؛ لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يسْتَحلُّونَ الزِّنَا.
стр. 1808
وَفِي حَدِيث أبي الجهم عَن الْبَراء ﵁ أَنهم أطافوا بقبة، فَاسْتَخْرَجُوا رجلا فَأَيْنَ الْمُحَاربَة، هَهُنَا؟
ثمَّ إِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكره من الاستحلال فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِ فِي أَن مَال الْمُرْتَد لَا يكون لوَرثَته، وتخميسه لَا يُنَافِي ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي، ﵀، فَإِنَّهُ يُوجب الْخمس فِيمَا أوجف عَلَيْهِ فِي الْغَنِيمَة، وَفِيمَا لم يوجف عَلَيْهِ من أَمْوَال الْفَيْء - قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " الْخمس ثَابت لأَهله فِي كل مَا أَخذ من مُشْرك غنيمَة كَانَ، أَو فَيْئا ".
قَالَ: " والفيء مَا رده الله على أهل دينه من مَال من خَالف دينه، وَإِن فعله على غير وَجه الاستحلال، فَهُوَ حجتنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، أَن الْحَد وَاجِب عَلَيْهِ ".
استدلوا بِمَا روى يزِيد بن زِيَاد الشَّامي عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: ادرؤوا الْحُدُود مَا اسْتَطَعْتُم عَن الْمُسلمين فَإِن وجدْتُم للْمُسلمِ مخرجا فَخلوا سَبيله، فَإِن الإِمَام لِأَن يُخطئ فِي الْعَفو خير لَهُ من أَن يُخطئ فِي الْعقُوبَة ".
стр. 1809
وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور بَين الْفُقَهَاء، وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَيزِيد هَذَا غير مُحْتَج بِهِ، وَقد تفرد بِهِ وَرَوَاهُ، وَكِيع عَن يزِيد مَوْقُوفا وروى عَن عَليّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - بِإِسْنَاد شبه لَا شَيْء.
وَرُوِيَ عَن عبد الله، ومعاذ، وَعقبَة بن عَامر ﵃ مَوْقُوفا، كَمَا ذكرنَا إسنادها فِي السّنَن، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢٩٧) :
وَيحد الرجل أمته إِذا زنت. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا أَن يكون سُلْطَانا ".
لنا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " إِذا زنت أمة أحدكُم فَتبين زنَاهَا (فليجلدها الْحَد، وَلَا يثرب عَلَيْهَا، ثمَّ أَن زنت فليجلدها الْحَد، وَلَا يثرب عَلَيْهَا، ثمَّ إِن زنت الثَّالِثَة، فَتبين زنَاهَا) فليبعها، وَلَو بِحَبل من شعر ".
وَعند مُسلم عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، قَالَ: " خطب عَليّ ﵁ فَقَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس، أقِيمُوا الْحَد على أرقائكم، من أحصن مِنْهُم، وَمن لم يحصن، فَإِن أمة لرَسُول الله ﷺ َ - زنت، فَأمرنِي أَن أجلدها، فأتيتها، فَإِذا هِيَ حَدِيث عهد بالنفاس، فَخَشِيت إِن أَنا
стр. 1810
جلدتها أَن تَمُوت، فَأتيت النَّبِي، ﷺ َ -، فَأَخْبَرته، فَقَالَ: أَحْسَنت ".
وَرُوِيَ عَن أبي جميلَة عَنهُ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أقيما الْحُدُود على مَا ملكت أَيْمَانكُم "
وَعَن عبد خير عَنهُ قَالَ: " قَالَ " قَالَ رَسُول الله
: إِذا زنت إماؤكم، فأقيموا عَلَيْهِنَّ الْحُدُود، أحصن، أَو لم يحصن "
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وهم يخالفون هَذَا إِلَى غير فعل أحد عَلمته من أَصْحَاب النَّبِي، وَنحن نقُول بِهِ ".
أخبرنَا سُفْيَان عَن عَمْرو عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ ﵁ أَن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا بنت رَسُول الله ﷺ َ - حدت جَارِيَة لَهَا زنت ".
وَرُوِيَ عَن أبان قَالَ: " قلت لأنس ﵁ أجلد أمتِي إِذا زنت؟ قَالَ: نعم، قلت: لَا أرفعها إِلَى السُّلْطَان، قَالَ: أَنْت سلطانها ".
стр. 1811
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن مَالك عَن نَافِع أَن عبدا لِابْنِ عمر سرق، وَهُوَ آبق، فَأرْسل بِهِ عبد الله إِلَى سعد بن الْعَاصِ، وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة؛ ليقطع يَده، فأبي أَن يقطع يَده، وَقَالَ: " لَا تقطع يَد الْآبِق إِذا سرق "، فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: " فِي أَي كتاب الله وجدت هَذَا؟ "، فَأمر بِهِ ابْن عمر، فَقطعت يَده.
وَرُوِيَ عَن ابْن أبي ليلى أدْركْت بقايا الْأَنْصَار، وهم يضْربُونَ الوليدة من ولائدهم فِي مجَالِسهمْ إِذا زنت.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَابْن مَسْعُود ﵁ يَأْمر بِهِ، وَأَبُو هُرَيْرَة ﵁ حد وليدته ".
وروى الْبَيْهَقِيّ ذَلِك بِإِسْنَادَيْنِ إِلَيْهِمَا.
وَعَن أبي الزِّنَاد عَن الْفُقَهَاء الَّذين ينتهى إِلَى قَوْلهم من أهل الْمَدِينَة كَانُوا يَقُولُونَ: " لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُقيم شَيْئا من الْحُدُود دون السُّلْطَان إِلَّا أَن للرجل أَن يُقيم حد الزِّنَا على عَبده وَأمته ".
وَاسْتَدَلُّوا بِأَن قَالُوا: " روينَا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَا يشبه قَوْلنَا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أَو فِي أحد مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - حجَّة؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا: فَلم يحْتَج بِهِ؟ وَلَيْسَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ بِمَعْرُوف أَيْضا ".
стр. 1812
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " لم نجده عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٨) :
وَيقطع السَّارِق فِي ربع دِينَار، أَو مَا قِيمَته ربع دِينَار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يقطع إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم، أَو دِينَار ".
دليلنا الْخَبَر الْمُتَّفق على صِحَّته عَن الزُّهْرِيّ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
وَفِي رِوَايَة: " تقطع يَد السَّارِق فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
رَوَاهُ الشَّافِعِي ﵀ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْحَاق الْحَنْظَلِي عَنهُ فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ من مُسْنده . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر عَن مُحَمَّد بن عبيد بن حسان عَن ابْن عُيَيْنَة. وَبِمَعْنَاهُ رِوَايَة الْحجَّاج بن منهال، والْحميدِي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَرَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح عَن يحيى بن يحيى عَن ابْن عُيَيْنَة،
стр. 1813
فَقَالَ فِيهِ: " إِن رَسُول الله كَانَ يقطع السَّارِق فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
فجَاء الطَّحَاوِيّ فَرَوَاهُ عَن مُوسَى بن عُيَيْنَة بِهَذَا اللَّفْظ، وَتعلق بِهِ، وَزعم أَنَّهَا ﵂ أخْبرت عَمَّا قطع فِيهِ رَسُول الله، ﷺ َ -، فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لِأَنَّهَا قومت مَا قطع ﷺ َ - فِيهِ، فَكَانَت قِيمَته عِنْدهَا ربع دِينَار، فَجعلت ذَلِك مِقْدَار مَا كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يقطع فِيهِ، وَقِيمَته عِنْد غَيرهَا أَكثر من ربع دِينَار ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: " وَلَو كَانَ أصل الحَدِيث على هَذَا اللَّفْظ، فعائشة ﵂ عِنْد أهل الْعلم بِحَالِهَا كَانَت أعلم بِاللَّه، وأفقه فِي دين الله، وأخوف من الله، وَأَشد إتقانا فِي الرِّوَايَة ، أَن تقطع على النَّبِي ﷺ َ - بِأَنَّهُ كَانَ يقطع السَّارِق فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا فِيمَا لم تحط بِهِ علما، أَو تطلق مثل هَذَا التَّقْدِير فِيمَا تقومه بِالظَّنِّ والتخمين، ثمَّ تُفْتِي بذلك الْمُسلمين، نَحن لَا نظن بعائشة ﵂ مثل هَذَا ".
وَالْبُخَارِيّ ﵀ لم يخرج حَدِيث ابْن عُيَيْنَة هَذَا فِي الصَّحِيح، وَأَظنهُ إِنَّمَا تَركه لمُخَالفَته سَائِر الروَاة فِي لَفظه وَلَا ضطرابه فِيهِ، وَقد أخرجناه من حَدِيث يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ مَنْقُولًا عَن لفظ رَسُول الله ﷺ َ -.
стр. 1814
فَرجع الطَّحَاوِيّ إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة بِأَن قَالَ: " يُونُس بن يزِيد عنْدكُمْ لَا يُقَارب ابْن عُيَيْنَة "، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن ينظر فِي تواريخ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ويبصر مدارج الروَاة ومنازلهم فِي الرِّوَايَة، ثمَّ يلْزمهُم مَا وقف عَلَيْهِ من أقاويلهم لَو قَالَ ابْن عُيَيْنَة لَا يُقَارب يُونُس فِي الزُّهْرِيّ لَكَانَ أقرب إِلَى أقاويل أهل الْعلم.
قَالَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ ﵀: " سَمِعت يحيى بن معِين عَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، فَذكر مَالِكًا، وَيُونُس بن يزِيد، ومعمرا، وعقيلا، وَغَيرهم، وَذكر مَنَازِلهمْ، قلت: فَابْن عُيَيْنَة أحب، أَو معمر؟ فَقَالَ: معمر، فَقلت لَهُ: إِن بعض النَّاس يَقُولُونَ: سُفْيَان بن عُيَيْنَة أثبت النَّاس فِي الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَقُول: من سمع مِنْهُ، وَأي شَيْء كَانَ سُفْيَان؟ إِنَّمَا كَانَ غليم يَعْنِي أَيَّام الزُّهْرِيّ ".
قَالَ الدَّارمِيّ: " سَمِعت أَحْمد بن صَالح يَقُول: لَا يقدم فِي الزُّهْرِيّ على يُونُس أحد ".
قَالَ أَحْمد بن صَالح: " سَمِعت أَحَادِيث يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، فَوجدت الحَدِيث الْوَاحِد رُبمَا سَمعه الزُّهْرِيّ مرَارًا، وَكَانَ الزُّهْرِيّ إِذا قدم أَيْلَة نزل على يُونُس بن يزِيد، وَإِذا سَار إِلَى الْمَدِينَة زامله يُونُس ".
стр. 1815
وروى صَدَقَة بن الْمُنْتَصر عَن يُونُس قَالَ: " صَحِبت الزُّهْرِيّ أَربع عشرَة سنة ".
وَأما ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ قَالَ: " ولدت سنة سبع وَمِائَة، وجالست الزُّهْرِيّ وَأَنا ابْن سِتّ عشرَة وشهرين وَنصف، قدم علينا الزُّهْرِيّ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، وَخرج إِلَى الشَّام وَمَات ".
روى ذَلِك عَنهُ البُخَارِيّ عَن ابْن الْمَدِينِيّ، وَكَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول: " مَا رَأَيْت عَالما بِالْعلمِ أَصْغَر مِنْهُ وَكَانَ يجلس على فَخذه ويحدثه، فكم بَين سَماع هَذَا، وَسَمَاع من صحب الزُّهْرِيّ أَربع عشرَة سنة؟ فَسَمعهُ يُبْدِي الحَدِيث، ويعيده، وينسبه، ويكرره ".
والعجيب أَن هَذَا الشَّيْخ أوهم من نظر فِي كِتَابه أَنه لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ غير ابْن عُيَيْنَة وَيُونُس. ثمَّ رَوَاهُ فِي آخر الْبَاب من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، والْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث إِبْرَاهِيم، وَسليمَان بِمَ كثير. وَعند مُسلم من حَدِيث معمر أَيْضا كلهم عَن الزُّهْرِيّ مَنْقُولًا عَن لفظ رَسُول الله ﷺ َ - كَمَا رَوَاهُ عَن يُونُس. وَكلهمْ حفاظ ثِقَات، وَفِي ذَلِك دلَالَة على أَن أصل الحَدِيث عَن لفظ رَسُول الله ، ﷺ َ -. كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي وَغَيره عَن ابْن عُيَيْنَة.
وَأما من رَوَاهُ عَنهُ عَن فعل رَسُول الله، ﷺ َ -، فَيحْتَمل أَن يَكُونَا محفوظين بِأَن يقطع ﷺ َ - فِي ربع دِينَار، وَيَقُول: " الْقطع فِي ربع دِينَار
стр. 1816
فَصَاعِدا "، فيؤديه ابْن عُيَيْنَة مرّة بِالْفِعْلِ دون القَوْل، وَمرَّة بالْقَوْل دون الْفِعْل.
هَذَا، وَقد رَوَاهُ سُلَيْمَان بن يسَار، وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ أَيْضا عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ َ - مثل معنى رِوَايَة الْجَمَاعَة، وَكلهَا مخرج فِي الصَّحِيح، رِوَايَة سُلَيْمَان، وَأبي بكر عِنْد مُسلم، وَالْأُخْرَى عِنْد البُخَارِيّ، وأظنها لم تقع للطحاوي، وَلَو وَقعت لَهُ، فَمَا أَدْرِي بِمَا كَانَ يعللها، فَإِنَّهُ علل حَدِيث سُلَيْمَان بِأَن مخرمَة بن بكير بن الْأَشَج الَّذِي رَوَاهُ عَن أَبِيه عَن سُلَيْمَان لم يسمع من أَبِيه شَيْئا، وَاحْتج بِمَا حُكيَ عَنهُ من إِنْكَاره سَماع كتب أَبِيه.
وَقد رُوِيَ عَن ابْن أبي أويس قَالَ: " قَرَأت فِي كتاب مَالك بِخَط مَالك قُمْت إِلَى جنب مخرمَة فِي الرَّوْضَة، فَقلت لَهُ: " إِن النَّاس يَقُولُونَ: إِنَّك لم تسمع هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي تروي عَن أَبِيك، من أَبِيك، قَالَ: " وَرب هَذَا الْمِنْبَر والقبر لقد سَمعتهَا من أبي، وَكرر هَذَا القَوْل عَنهُ ثَلَاثًا "، وَقد اعْتَمدهُ مَالك فِي مَا أرْسلهُ فِي الْمُوَطَّأ عَن أَبِيه بكير، وَإِنَّمَا أَخذه عَن مخرمَة، وَاعْتَمدهُ مُسلم، وَأخرج أَحَادِيثه فِي الصَّحِيح، وَوَثَّقَهُ أَحْمد بن حَنْبَل، وَعلي بن الْمَدِينِيّ، وَعلل حَدِيث أبي بكر بن حزم بِأَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وَيحيى بن سعيد، وَعبد ربه بن سعيد، ورزين بن حَكِيم رووا هَذَا الحَدِيث عَن عمْرَة عَن عَائِشَة مَوْقُوفا، وَأخذ فِي كَلَام يُوهم أَن أَبَا بكر بن حزم ينْفَرد بِهَذَا
стр. 1817
الحَدِيث، وَأَن الَّذين خالفوه أَكثر عددا، وَأَشد إتقانا وحفظا وَلم يعلم حَال أبي بكر بن حزم فِي علمه بِالْقضَاءِ، وَالسّنَن، واجتهاده فِي الْعِبَادَة.
رُوِيَ عَن مَالك أَنه قَالَ: " لم يكن عِنْد أحد بِالْمَدِينَةِ من علم الْقَضَاء مَا كَانَ عِنْد أبي بكر بن حزم، وَذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أمره أَن يكْتب لَهُ الْعلم من عِنْد عمْرَة وَالقَاسِم، وَذكر غَيره أَن سجدته كَانَت أخذت جَبهته، فَإِذا كَانَ عمر يعتمده فِي الْقَضَاء، وَفِي كِتَابَة الْعلم عَن عمْرَة، وَالقَاسِم، وَغَيرهمَا أَفلا نعتمده نَحن فِيمَا يروي عَنْهَا، وَقد تَابعه أحفظ النَّاس فِي دهره ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وتابعهما سُلَيْمَان بن يسَار، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَغَيرهمَا عَن عمْرَة ".
وَقد رَوَاهُ مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " مَا طَال عَليّ، وَمَا نسيت الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، وَفِي ذَلِك مَا يُوهم الْإِشَارَة إِلَى الرّفْع.
وَرَوَاهُ ابْن أبي عرُوبَة عَن يحيى مَرْفُوعا، وأسنده أَيْضا أبان بن يزِيد عَن يحيى، وَبدل بن المحبر عَن شُعْبَة عَن يحيى، وَكَانَت عَائِشَة ﵂ تُفْتِي بذلك، وترويه عَن رَسُول الله، ﷺ َ -، فَيقْتَصر الروَاة تَارَة على فتواها، وَمرَّة على رِوَايَتهَا.
وَأما رِوَايَة عبد الله بن أبي بكر فَإِنَّهُ روى عَن عمْرَة قصَّة المولاتين اللَّتَيْنِ خرجتا مَعَ عَائِشَة، ﵂، وَالْعَبْد الَّذِي سرق
стр. 1818
مِنْهَا، وَأَنَّهَا أمرت بِهِ، فَقطعت يَده وَقَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، فروت قَضَاهَا وفتواها دون رِوَايَتهَا، وَفِي غَيره دون رِوَايَتهَا. فَلَا تعلل حَدِيث الْحفاظ بِمثل هَذَا.
وَقد رُوِيَ من حَدِيث يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ عَن عمْرَة، وَعمرَة عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي، ﷺ َ -.
وروى همام عَن قَتَادَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: السَّارِق يقطع فِي ربع دِينَار "، رَوَاهُ عَنهُ أَبُو عمر الحوضي، وَتَابعه على رَفعه عَن همام عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَإِسْحَاق بن إِدْرِيس، وهدبة بن خَالِد فِي بعض الرِّوَايَات عَنهُ.
وَرُوِيَ مَوْقُوفا، وَهَذَا لَا يُخَالف رِوَايَة هشان بن عرُوبَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " لم يقطع سَارِق فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - فِي أقل من ثمن الْمِجَن جحفة، أَو ترس، وَكِلَاهُمَا ذُو ثمن ".
فهشام إِنَّمَا رَوَاهُ فِي رجل سرق قدحا، فَأتى بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز، فَقَالَ: " قَالَ أبي: إِنَّه لَا تقطع الْيَد فِي الشَّيْء التافه ".
стр. 1819
وَقَالَ: " أَخْبَرتنِي عَائِشَة ﵂ أَنه لم يكن تقطع الْيَد فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - فِي أدنى من ثمن مجن حجفة، أَو ترس ". رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح، ثمَّ قيمَة الْمِجَن غير مَذْكُورَة فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقد ذكرتها عمْرَة عَن عَائِشَة فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن يزِيد بن حبيب عَن بكير الْأَشَج عَن ابْن يسَار عَن عمْرَة قَالَت: " قيل لعَائِشَة ﵂ مَا ثمن الْمِجَن ؟ قَالَت: ربع دِينَار ".
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قطع سَارِقا فِي مجن قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم ".
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أَن نَافِعًا حَدثهُ أَن ابْن عمر ﵄ حَدثهمْ أَن النَّبِي ﷺ َ - قطع رجلا سرق ترسا من صفة النِّسَاء ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " حَدِيث ابْن عمر مُوَافق لحَدِيث عَائِشَة، ﵃؛ لِأَن ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي عهد النَّبِي ، ﷺ َ -، وَمن بعده ربع دِينَار ".
وَاحْتج بِمَا تقدم عَن عمر، ﵁، وَغَيره فِي تَقْوِيم الْإِبِل فِي الدِّيات بِأَلف دِينَار، أَو اثْنَي عشر ألف دِرْهَم.
стр. 1820
وبقصة الأترجة رَوَاهَا عَن مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن أَبِيه عَن عمْرَة أَن سَارِقا سرق أترجة فِي عهد عُثْمَان، ﵁، فَأمر بهَا عُثْمَان، ﵁، فقومت ثَلَاثَة دَرَاهِم من صرف اثْنَي عشر درهما بِدِينَار، فَقطع يَده، قَالَ مَالك: " وَهِي الأترجة الَّتِي يأكلها النَّاس ".
وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قطع أَبُو بكر ﵁ فِي شَيْء لَا يسرني أَنه لي بِثَلَاثَة دَرَاهِم.
وَرُوِيَ أَن عليا ﵁ قطع فِي بَيْضَة من حَدِيد ثمن ربع دِينَار.
وروى فتواه بِهِ الشَّافِعِي عَن غير وَاحِد عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَنهُ.
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، وَأبي سعيد ﵄ الْقطع فِي أَرْبَعَة دَرَاهِم فَصَاعِدا.
стр. 1821
وروى أَبُو الزِّنَاد عَن الْفُقَهَاء السَّبْعَة من التَّابِعين أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: " لَا قطع إِلَّا فِيمَا بلغت قِيمَته ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
استدلوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَن يَد السَّارِق لم تقطع فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - (فِي أدنى من ثمن جحفة، أَو ترس، وكل وَاحِد مِنْهُمَا يَوْمئِذٍ ذُو ثمن.
زَاد مُسلم وَأَن يَد السَّارِق لم تقطع فِي عهد رَسُول) ﷺ َ - فِي الشَّيْء التافه.
وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن خَالِد الْوَهْبِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " كَانَ ثمن الْمِجَن فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - يقوم عشرَة دَرَاهِم ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن نمير عَن ابْن إِسْحَاق فَقَالَ: " قطع رَسُول الله ﷺ َ - يَد رجل فِي مجن قِيمَته دِينَار، أَو عشرَة دَرَاهِم ". وَهَذِه حِكَايَة فعل لَا يدل على ترك الْقطع فِيمَا دون ذَلِك، ثمَّ قد خُولِفَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد، فَرَوَاهُ النَّاس عَن عَطاء عَن أَيمن (قَالَ عَليّ بن عمر: " خَالفه مَنْصُور، فَرَوَاهُ عَن عَطاء عَن أَيمن) ، وأيمن لَا صُحْبَة لَهُ ".
رُوِيَ عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد، وَعَطَاء، أَو عَن عَطاء
стр. 1822
عَن أَيمن الحبشي قَالَ: " لم يقطع رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن، وَكَانَ ثمن الْمِجَن يَوْمئِذٍ دِينَارا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن حميد الطَّوِيل، قَالَ: سَمِعت قَتَادَة يسْأَل أنس بن مَالك عَن الْقطع، فَقَالَ: حضرت أَبَا بكر الصّديق ﵁ قطع سَارِقا فِي شَيْء مَا يسوى ثَلَاثَة دَرَاهِم، أَو مَا يسرني أَنه لي بِثَلَاثَة دَرَاهِم ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " قلت لبَعض النَّاس هَذِه سنة رَسُول الله ﷺ َ - أَن يقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، قلت: " لَا يقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم، وَمَا حجتك فِي ذَلِك؟ " قَالَ: " قد روينَا عَن شريك عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن أَيمن عَن النَّبِي ﷺ َ - شَبِيها بقولنَا "، قلت: " أتعرف أَيمن، أما أَيمن الَّذِي روى عَنهُ عَطاء فَرجل حدث، لَعَلَّه أَصْغَر من عَطاء، روى عَنهُ عَطاء حَدِيثا عَن ربيع ابْن امْرَأَة كَعْب عَن كَعْب يَعْنِي فِي الْوضُوء "، قَالَ الشَّافِعِي: " فَهَذَا مُنْقَطع ".
قَالَ: " فقد روينَا عَن شريك عَن مُجَاهِد عَن أَيمن ابْن أم أَيمن
стр. 1823
أخي أُسَامَة لأمه "، لَا علم لَك بأصحابنا، أَيمن أَخُو أُسَامَة، قتل مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم حنين قبل مولد مُجَاهِد ".
قَالَ: " فقد روينَا عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ - قطع فِي ثمن الْمِجَن، قَالَ عبد الله: " وَكَانَ ثمن الْمِجَن على عهد رَسُول الله ﷺ َ - دِينَارا ". قلت: " هَذَا رَأْي من عبد الله بن عَمْرو فِي رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب، والمجان قَدِيما وحديثا تبلغ ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة ودرهمين، فَإِذا قطع رَسُول الله ﷺ َ - فِي ربع دِينَار قطع فِي أَكثر مِنْهُ، وَأَنت تزْعم أَن عَمْرو بن شُعَيْب لَيْسَ مِمَّن تقبل رِوَايَته وَتقول غلط، فَكيف ترد رِوَايَته مرّة، ثمَّ تحتج بِهِ على أهل الْحِفْظ والصدق؟ ".
قَالَ " فقد روينَا قَوْلنَا عَن عَليّ "، قلت: " رَوَاهُ الزعافري عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ، ﵁، وَقد أخبرنَا أَصْحَاب جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عليا ﵁ قَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، وَحَدِيث جَعْفَر عَن عَليّ أولى من أَن يثبت من حَدِيث الزعافري، فَقَالَ: " فقد روينَا عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: " لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم "، قُلْنَا: " فقد رُوِيَ الثَّوْريّ عَن
стр. 1824
عِيسَى بن أبي عزة عَن الشّعبِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قطع سَارِقا فِي خَمْسَة دَرَاهِم "، وَهَذَا أقرب أَن يكون صَحِيحا عَن عبد الله فِي حَدِيث المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم عَن عبد الله "، قَالَ: " وَكَيف لم يَأْخُذ بِهَذَا؟ " قُلْنَا: " هَذَا حَدِيث لَا يُخَالف حديثنا، إِذا قطع فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم، قطع فِي خَمْسَة "، قَالَ: " فقد روينَا عَن عمر ﵁ أَنه لم يقطع فِي ثَمَانِيَة "، قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " رِوَايَته عَن عمر غير صَحِيحَة، وَقد روى معمر عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عمر ﵁ قَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، فَلم نر أَن نحتج بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِت، وَلَيْسَ لأحد مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - حجَّة، وعَلى الْمُسلمين اتِّبَاع أمره، فَلَا إِلَى حَدِيث صَحِيح ذهب من خَالَفنَا، وَلَا إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ من ترك الحَدِيث، وَاسْتعْمل ظَاهر الْقُرْآن ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " أما حَدِيث عمر الَّذِي احْتج بِهِ مُحَمَّد إِنَّمَا رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن عَطِيَّة الثَّقَفِيّ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن عمر، وَهُوَ مُرْسل ".
стр. 1825
وَقد روى قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر ﵁ لَا يقطع الْخمس إِلَّا فِي خمس ".
وَأما حَدِيث عَليّ فقد ذكرنَا بِإِسْنَاد أَطَم مِمَّا ذكره الشَّافِعِي ﵀، وأوهى عَن مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن عَاصِم عَن إِسْمَاعِيل بن اليسع عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن النزال عَن عَليّ ﵁ لَا يقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم، وَلَا يكون الْمهْر أقل من عشرَة دَرَاهِم "، جُوَيْبِر، وَإِسْمَاعِيل، وَابْن مراون لَيْسُوا بأقوياء، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ فَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ المَسْعُودِيّ فَرَوَاهُ عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " وَالْأَصْل فِي نِصَاب السّرقَة عندنَا ربع دِينَار، فَكل من قومه بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة دَرَاهِم يحْتَمل أَن يكون قومه بذلك حِين تغير صرف الدِّينَار، فَكَانَت قِيمَته ربع دِينَار أَكثر من ثَلَاثَة دَرَاهِم، وعَلى هَذَا يحمل مَا رُوِيَ إِن صَحَّ حَتَّى لَا يتناقض "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٩) :
وَلَا فرق بَين الطَّعَام الرطب واليابس فِي وجوب الْقطع إِذا أَواه الجرين، وَبلغ قِيمَته ربع دِينَار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀:
следующие страницы →