Полный текст (2 058 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وروى أَبُو الزِّنَاد عَن الْفُقَهَاء السَّبْعَة من التَّابِعين أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: " لَا قطع إِلَّا فِيمَا بلغت قِيمَته ربع دِينَار فَصَاعِدا ".
استدلوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَن يَد السَّارِق لم تقطع فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - (فِي أدنى من ثمن جحفة، أَو ترس، وكل وَاحِد مِنْهُمَا يَوْمئِذٍ ذُو ثمن.
زَاد مُسلم وَأَن يَد السَّارِق لم تقطع فِي عهد رَسُول) ﷺ َ - فِي الشَّيْء التافه.
وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن خَالِد الْوَهْبِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " كَانَ ثمن الْمِجَن فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - يقوم عشرَة دَرَاهِم ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن نمير عَن ابْن إِسْحَاق فَقَالَ: " قطع رَسُول الله ﷺ َ - يَد رجل فِي مجن قِيمَته دِينَار، أَو عشرَة دَرَاهِم ". وَهَذِه حِكَايَة فعل لَا يدل على ترك الْقطع فِيمَا دون ذَلِك، ثمَّ قد خُولِفَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد، فَرَوَاهُ النَّاس عَن عَطاء عَن أَيمن (قَالَ عَليّ بن عمر: " خَالفه مَنْصُور، فَرَوَاهُ عَن عَطاء عَن أَيمن) ، وأيمن لَا صُحْبَة لَهُ ".
رُوِيَ عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد، وَعَطَاء، أَو عَن عَطاء
стр. 1822
عَن أَيمن الحبشي قَالَ: " لم يقطع رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن، وَكَانَ ثمن الْمِجَن يَوْمئِذٍ دِينَارا ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن حميد الطَّوِيل، قَالَ: سَمِعت قَتَادَة يسْأَل أنس بن مَالك عَن الْقطع، فَقَالَ: حضرت أَبَا بكر الصّديق ﵁ قطع سَارِقا فِي شَيْء مَا يسوى ثَلَاثَة دَرَاهِم، أَو مَا يسرني أَنه لي بِثَلَاثَة دَرَاهِم ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " قلت لبَعض النَّاس هَذِه سنة رَسُول الله ﷺ َ - أَن يقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، قلت: " لَا يقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم، وَمَا حجتك فِي ذَلِك؟ " قَالَ: " قد روينَا عَن شريك عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن أَيمن عَن النَّبِي ﷺ َ - شَبِيها بقولنَا "، قلت: " أتعرف أَيمن، أما أَيمن الَّذِي روى عَنهُ عَطاء فَرجل حدث، لَعَلَّه أَصْغَر من عَطاء، روى عَنهُ عَطاء حَدِيثا عَن ربيع ابْن امْرَأَة كَعْب عَن كَعْب يَعْنِي فِي الْوضُوء "، قَالَ الشَّافِعِي: " فَهَذَا مُنْقَطع ".
قَالَ: " فقد روينَا عَن شريك عَن مُجَاهِد عَن أَيمن ابْن أم أَيمن
стр. 1823
أخي أُسَامَة لأمه "، لَا علم لَك بأصحابنا، أَيمن أَخُو أُسَامَة، قتل مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم حنين قبل مولد مُجَاهِد ".
قَالَ: " فقد روينَا عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ - قطع فِي ثمن الْمِجَن، قَالَ عبد الله: " وَكَانَ ثمن الْمِجَن على عهد رَسُول الله ﷺ َ - دِينَارا ". قلت: " هَذَا رَأْي من عبد الله بن عَمْرو فِي رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب، والمجان قَدِيما وحديثا تبلغ ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة ودرهمين، فَإِذا قطع رَسُول الله ﷺ َ - فِي ربع دِينَار قطع فِي أَكثر مِنْهُ، وَأَنت تزْعم أَن عَمْرو بن شُعَيْب لَيْسَ مِمَّن تقبل رِوَايَته وَتقول غلط، فَكيف ترد رِوَايَته مرّة، ثمَّ تحتج بِهِ على أهل الْحِفْظ والصدق؟ ".
قَالَ " فقد روينَا قَوْلنَا عَن عَليّ "، قلت: " رَوَاهُ الزعافري عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ، ﵁، وَقد أخبرنَا أَصْحَاب جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عليا ﵁ قَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، وَحَدِيث جَعْفَر عَن عَليّ أولى من أَن يثبت من حَدِيث الزعافري، فَقَالَ: " فقد روينَا عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: " لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم "، قُلْنَا: " فقد رُوِيَ الثَّوْريّ عَن
стр. 1824
عِيسَى بن أبي عزة عَن الشّعبِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قطع سَارِقا فِي خَمْسَة دَرَاهِم "، وَهَذَا أقرب أَن يكون صَحِيحا عَن عبد الله فِي حَدِيث المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم عَن عبد الله "، قَالَ: " وَكَيف لم يَأْخُذ بِهَذَا؟ " قُلْنَا: " هَذَا حَدِيث لَا يُخَالف حديثنا، إِذا قطع فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم، قطع فِي خَمْسَة "، قَالَ: " فقد روينَا عَن عمر ﵁ أَنه لم يقطع فِي ثَمَانِيَة "، قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " رِوَايَته عَن عمر غير صَحِيحَة، وَقد روى معمر عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عمر ﵁ قَالَ: " الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا "، فَلم نر أَن نحتج بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِت، وَلَيْسَ لأحد مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - حجَّة، وعَلى الْمُسلمين اتِّبَاع أمره، فَلَا إِلَى حَدِيث صَحِيح ذهب من خَالَفنَا، وَلَا إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ من ترك الحَدِيث، وَاسْتعْمل ظَاهر الْقُرْآن ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " أما حَدِيث عمر الَّذِي احْتج بِهِ مُحَمَّد إِنَّمَا رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن عَطِيَّة الثَّقَفِيّ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن عمر، وَهُوَ مُرْسل ".
стр. 1825
وَقد روى قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر ﵁ لَا يقطع الْخمس إِلَّا فِي خمس ".
وَأما حَدِيث عَليّ فقد ذكرنَا بِإِسْنَاد أَطَم مِمَّا ذكره الشَّافِعِي ﵀، وأوهى عَن مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن عَاصِم عَن إِسْمَاعِيل بن اليسع عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن النزال عَن عَليّ ﵁ لَا يقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم، وَلَا يكون الْمهْر أقل من عشرَة دَرَاهِم "، جُوَيْبِر، وَإِسْمَاعِيل، وَابْن مراون لَيْسُوا بأقوياء، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ فَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ المَسْعُودِيّ فَرَوَاهُ عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " وَالْأَصْل فِي نِصَاب السّرقَة عندنَا ربع دِينَار، فَكل من قومه بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة دَرَاهِم يحْتَمل أَن يكون قومه بذلك حِين تغير صرف الدِّينَار، فَكَانَت قِيمَته ربع دِينَار أَكثر من ثَلَاثَة دَرَاهِم، وعَلى هَذَا يحمل مَا رُوِيَ إِن صَحَّ حَتَّى لَا يتناقض "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٩٩) :
وَلَا فرق بَين الطَّعَام الرطب واليابس فِي وجوب الْقطع إِذا أَواه الجرين، وَبلغ قِيمَته ربع دِينَار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀:
стр. 1826
" لَا تقطع فِي الْأَشْيَاء الرّطبَة ".
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لعن الله السَّارِق يسرق الْحَبل فتقطع يَده، وَيسْرق الْبَيْضَة فتقطع يَده ".
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رجلا من مزينة أَتَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: " يَا رَسُول الله، كَيفَ ترى فِي التَّمْر الْمُعَلق؟ قَالَ: " هُوَ وَمثله مَعَه، والنكال، وَلَيْسَ فِي شَيْء من التَّمْر الْمُعَلق قطع إِلَّا مَا آواه الجرين، فَمَا أَخذ من الجرين، فَبلغ ثمن الْمِجَن، فَفِيهِ الْقطع، وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ، وجلدات نكال ".
وَرُوِيَ عَن إِسْحَاق بن سعيد عَن أَبِيه قَالَ: " سُئِلَ ابْن عمر ﵁ عَن سَارِق الثِّمَار، قَالَ: الْقطع من الثِّمَار فِيمَا أحرز الجرين، وَالْقطع من الْمَاشِيَة فِيمَا آوى المراح ".
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن رَافع بن خديج عَن النَّبِي ﷺ َ - " لَا قطع فِي ثَمَر، وَلَا كثر ".
стр. 1827
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث بعض النَّاس، وَقَالَ: فَمن هَهُنَا لَا يقطع فِي التَّمْر الرطب ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " التَّمْر اسْم جَامع (للرطب من التَّمْر) الزَّبِيب وَغَيره، أفسقط الْقطع عَمَّن سرق تَمرا فِي بَيت؟ وَإِنَّمَا أجَاب النَّبِي ﷺ َ - حِين قَالَ: " لَا قطع فِي تمر، وَلَا كثر "، على مثل مَا سُئِلَ عَنهُ، وَكَانَ حيطان الْمَدِينَة لَيْسَ عَلَيْهَا حيطان، وَلِأَنَّهُ يَقُول: " فَإِذا آواه الجرين والمراح فَفِيهِ الْقطع "، وَاحْتج بِحَدِيث عُثْمَان فِي الأترجة، وَقد مضى، وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٣٠٠) :
وَلَو وهبت مِنْهُ السّرقَة لم يدرء عَنهُ بذلك الْحَد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " سقط الْقطع ".
فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن قُريْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْن المخزومية الَّتِي سرقت، فَقَالُوا: " من يكلم فِيهَا رَسُول الله ، ﷺ َ -، فَقَالُوا: " وَمن يجتري عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَة بن زيد حب رَسُول الله، ﷺ َ -، فَكَلمهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّمَا أهلك الَّذين من قبلكُمْ، أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ، وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف أَقَامُوا عَلَيْهِ
стр. 1828
الْحَد، وأيم الله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا، ثمَّ أَمر بِتِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي سرقت، فَقطعت يَدهَا ".
قد كَانَ طَلَبهمْ من الْمَسْرُوق مِنْهُ، وإرضاه بعوض أيسر لَو كَانَ الْقطع يسْقط بِالْهبةِ إِن شَاءَ الله، فَلَمَّا لم يَفْعَلُوا، وتشفعوا دلّ على أَنه لَا يسْقط بعد رَفعه إِلَى الإِمَام.
وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم إِلَّا الْحُدُود ".
وروى مَالك عَن ابْن شهَاب عَن صَفْوَان بن عبد الله بن صَفْوَان أَن صَفْوَان بن أُميَّة ﵁ قيل لَهُ: " من لم يُهَاجر هلك، فَقدم الْمَدِينَة، فَنَامَ فِي الْمَسْجِد، وتوسد رِدَاءَهُ، فجَاء سَارِق، فَأخذ رِدَاءَهُ، فَأخذ صَفْوَان السَّارِق، فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله، ﷺ َ -، فَأمره رَسُول الله ﷺ َ - أَن تقطع يَده، فَقَالَ صَفْوَان: إِنِّي لم أرد هَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - فَهَلا قبل أَن تَأتِينِي بِهِ ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث سماك بن حَرْب عَن حميد ابْن أُخْت صَفْوَان عَن صَفْوَان قَالَ: " كنت نَائِما فِي الْمَسْجِد على خميصة لي (ثمن ثَلَاثِينَ درهما) ، فجَاء رجل، فاختلسها مني، فَأخذ الرجل،
стр. 1829
فَأتى بِهِ النَّبِي، ﷺ َ -، فَأمر بِهِ ليقطع، فَأَتَيْته، فَقلت: (أتقطعه من أجل ثَلَاثِينَ درهما) ، أَنا أبيعه، وأنسئه، ثمنهَا، قَالَ: فَهَلا كَانَ هَذَا قبل أَن تَأتِينِي بِهِ ".
وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " تعافوا الْحُدُود فِيمَا بَيْنكُم، فَمَا بَلغنِي من حد، فقد وَجب "، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٣٠١) :
وَيقطع النباش إِذا أخرج من الْكَفَن، وَبَلغت قِيمَته نِصَابا.
стр. 1830
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀: " لِأَنَّهُ حرز مثله ". وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يقطع ".
روى أَبُو دَاوُد عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ: " قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ -: يَا أَبَا ذَر، قلت: لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك، قَالَ: كَيفَ أَنْت إِذا أصَاب النَّاس موت يكون الْبَيْت فِيهِ بالوصيف، يَعْنِي الْقَبْر؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم، أَو مَا خار الله لي وَرَسُوله، قَالَ: عَلَيْك بِالصبرِ، أَو قَالَ: تصبر "، قَالَ أَبُو دَاوُد: " قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان يقطع النباش؛ لِأَنَّهُ دخل على الْمَيِّت بَيته " وَرُوِيَ عَن الْبَراء ﵁ فِي حَدِيث أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " وَمن نبش قطعناه ".
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " سَارِق أمواتنا كسارق أحيائنا ".
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل: " قَالَ هِشَام: " حَدثنَا سُهَيْل قَالَ: شهِدت الزبير قطع نباشا ".
стр. 1831
وروى عَن الشّعبِيّ قَالَ: " النباش سَارِق ". وَعَن الْحسن، وَإِبْرَاهِيم مثله.
وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز: " لعمري بِحَسب سَارِق الْأَمْوَات أَن يُعَاقب بِمَا يُعَاقب بِهِ سَارِق الْأَحْيَاء ".
وَعَن ابْن الْمسيب فِي أَن النباش يقطع، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٣٠٢) :
стр. 1832
(صفحة فارغة)
стр. 1833
وَإِذا سرق قطعت يَده، وَإِذا سرق الثَّانِيَة قطعت رجله الْيُسْرَى، فَإِذا سرق الثَّالِثَة قطعت يَده الْيُسْرَى، فَإِذا سرق الرَّابِعَة قطعت رجله الْيُمْنَى. وَقَالَ ابو حنيفَة ﵀: " لَا يقطع فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة، بل يُعَزّر ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " اخبرني الثِّقَة من أَصْحَابنَا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن
стр. 1834
أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ فِي السَّارِق: غن سرق فَاقْطَعُوا يَده، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله ".
وَفِي رِوَايَة حَرْمَلَة، والمزني عَنهُ قَالَ: " أَخْبرنِي عبد الله بن نَافِع عَن مُحَمَّد بن أبي حميد عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - مثله ".
وروى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر ﵁ جِيءَ بسارق إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: " اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا سرق، فَقَالَ: اقطعوه، فَقطع، وَذكر مثل ذَلِك إِلَى الرَّابِعَة، فَأتي بِهِ الْخَامِسَة، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فقتلناه ". وَالْقَتْل مَنْسُوخ، كَهُوَ فِي حد الشّرْب، وَالْقطع ثَابت.
وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة، قَالَ: " أُتِي بالسارق، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله، هَذَا غُلَام لأيتام، وَالله مَا نعلم لَهُم مَالا غَيره، فَتَركه، وَذكر تَركه إِلَى الرَّابِعَة، ثمَّ أُتِي بِهِ
стр. 1835
الْخَامِسَة، فَقطع يَده، ثمَّ اتي بِهِ السَّادِسَة، فَقطع رجله، ثمَّ أُتِي بِهِ السَّابِعَة، فَقطع يَده، ثمَّ اتي بِهِ الثَّامِنَة، فَقطع رجله "، وَهُوَ مُرْسل حسن، بِإِسْنَاد صَحِيح، أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل، وَكَأَنَّهُ ﷺ َ - لم ير بُلُوغه فِي المرات الْأَرْبَع، أَو لم ير سَرقته بلغت مَا يُوجب الْقطع، ثمَّ رأى ذَلِك فِي المرات الْأُخَر، فَقطع، وَهَذَا مُرْسل يُقَوي الْمُرْسل قبله، وَيُقَوِّي قَول من وَافقه من الصَّحَابَة، ﵃.
وَرُوِيَ عَن معَاذ بن عبد الله الْجُهَنِيّ ﵁ صَاحب رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من سرق فَاقْطَعُوا يَده ". الحَدِيث، بِنَحْوِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن مَالك عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه أَن رجلا من أهل الْيمن أقطع الْيَد وَالرجل قدم على أبي بكر ﵁ فَشَكا إِلَيْهِ أَن عَامل الْيمن ظلمه، وَكَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل ، فَيَقُول أَبُو بكر: " وَأَبِيك مَا ليلك، ليل سَارِق، ثمَّ إِنَّهُم افتقدوا حليا
стр. 1836
لأسماء بنت عُمَيْس امْرَأَة أبي بكر، فَجعل الرجل يطوف مَعَهم، وَيَقُول: اللَّهُمَّ عَلَيْك بِمن بَيت أهل هَذَا الْبَيْت الصَّالح، فوجدوا الْحلِيّ عِنْد صائغ، وَأَن الأقطع جَاءَ بِهِ، واعترف الأقطع، أَو شهد عَلَيْهِ، فَأمر بِهِ أَبُو بكر فَقطعت يَده الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بكر: وَالله لدعاؤه على نَفسه أَشد عَليّ من سَرقته ".
وَعَن الْقَاسِم أَن أَبَا بكر أَرَادَ أَن يقطع رجلا بعد الْيَد وَالرجل، فَقَالَ عمر ﵁ " السّنة الْيَد "، يشبه أَن يكون أَرَادَ سنة رَسُول الله ﷺ َ -.
وَعَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد أَن رجلا سرق مَقْطُوعَة يَده وَرجله، فَأَرَادَ أَبُو بكر أَن يقطع رجله، ويدع يَده، ينْتَفع بهَا، فَقَالَ عمر: " لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، فَأمر بِهِ أَبُو بكر، فَقطعت يَده ".
وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ شهِدت عمر قطع يدا بعد يَد وَرجل.
استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَائِذ قَالَ: " أُتِي بِرَجُل
стр. 1837
أقطع الْيَد وَالرجل، قد سرق فَأمر بِهِ عمر أَن يقطع رجله، فَقَالَ عَليّ: إِنَّمَا قَالَ الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ الْآيَة، فقد قطعت يَد هَذَا وَرجله، فَلَا يَنْبَغِي أَن يقطع رجله، فتدعه لَيْسَ لَهُ قَائِمَة يمشي عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَن تعزره، وَإِمَّا أَن تستودعه السجْن، قَالَ: فاستودعه السجْن ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " الرِّوَايَة الأولى عَن عمر أولى أَن تكون صَحِيحَة، وَكَيف يَصح هَذَا؟ وَقد أنكر فِي الرِّوَايَة الأولى قطع الرجل بعد الْيَد وَالرجل، وَأَشَارَ بِالْيَدِ. وَرِوَايَة ابْن عَبَّاس ﵁ مَوْصُولَة تشهد، وَكَذَلِكَ رِوَايَة صَفِيَّة.
وَأما مَا رَوَاهُ فِي ذَلِك عَن عبد الله بن سَلمَة عَن عَليّ فِي غير هَذِه الرِّوَايَة من تَضْمِينه السجْن فِي الثَّالِثَة فقد قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " قد رويتم فِي الْقطع أَشْيَاء مستنكرة تَرَكْتُمُوهَا عَلَيْهِ: مِنْهَا أَنه قطع بطُون أنامل صبي وَمِنْهَا أَنه قطع الْقدَم من نصف الْقدَم، وَكلما رويتم عَن عَليّ فِي الْقطع غير ثَابت عندنَا عَنهُ "، وَبسط الْكَلَام فِيهِ، قَالَ: " وَقد روينَا مَا قُلْنَا عَن النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر فِي دَار الْهِجْرَة، وَعمر يرَاهُ وَيُشِير بِهِ ".
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قطع أَيْضا، وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى، فَإِن عبد الله بن سَلمَة غير مُحْتَج بِهِ، وَالله أعلم .
стр. 1838
أما مسالة اجْتِمَاع الْقطع مَعَ الْغرم فقد مَضَت فِي كتاب الْغَصْب (وَالله أعلم) .
مَسْأَلَة (٣٠٣) :
وَآيَة الْمُحَاربين نزلت فِي الْمُسلمين، وترتيبه على مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، ﵄. وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِلَّا فِي موضِعين:
أَحدهمَا: أَنه قَالَ: " يقتل الردء "، وَعِنْدنَا لَا يقتل.
وَالْآخر: أَنه إِن جمع بَين أَخذ المَال وَالْقَتْل، قَالَ: " الإِمَام بِالْخِيَارِ بَين الْقطع وَالْقَتْل، أَو الصلب وَالْقَتْل "، وَعِنْدنَا قتلوا وصلبوا.
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله ﵁ قَالَ: " قَالَ
стр. 1839
رَسُول الله ﷺ َ -: لَا يحل دم رجل يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُول الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثَة نفر: النَّفس بِالنَّفسِ، وَالثَّيِّب الزَّانِي، والتارك لدينِهِ، المفارق للْجَمَاعَة ". والردء لم يقتل، وَلم يزن، وَلم يكفر .
стр. 1840
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن إِبْرَاهِيم عَن صَالح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قطاع الطَّرِيق: " إِذا قتلوا وَأخذُوا المَال قتلوا وصلبوا، وَإِذا قتلوا وَلم يَأْخُذُوا المَال قتلوا وَلم يصلبوا، وَإِذا أخذُوا المَال وَلم يقتلُوا قطعت أَيْديهم وأرجلهم من خلاف، وَإِذا أخافوا السَّبِيل، وَلم يَأْخُذُوا مَالا نفوا من الأَرْض ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " وَبِهَذَا نقُول، وَهُوَ مُوَافق معنى كتاب الله ، وَذَلِكَ أَن الْحُدُود إِنَّمَا نزلت فِيمَن أسلم، فَأَما أهل الشّرك فَلَا حُدُود عَلَيْهِم إِلَّا الْقَتْل، أَو السَّبي، أَو الْجِزْيَة، وَاخْتِلَاف حدودهم باخْتلَاف أَحْوَالهم على مَا قَالَ ابْن عَبَّاس إِن شَاءَ الله، فَمن تَابَ قبل أَن يقدر عَلَيْهِ سقط حد الله، وَأخذ بِحُقُوق بني آدم، وَلَا يقطع من قطاع الطَّرِيق إِلَّا من أَخذ قيمَة ربع دِينَار فَصَاعِدا، قباسا على السّنة فِي السَّارِق ".
وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَن عبد الرَّزَّاق، وَإِبْرَاهِيم عَن دَاوُد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ إِلَّا انه لم يذكر الصلب مَعَ الْقَتْل، وَلَا إخافة السَّبِيل، وَقَالَ فِي أَخّرهُ: " فَإِن هرب، وأعجزهم فَذَلِك نَفْيه ".
وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: " إِن أَخذ وَقد أصَاب المَال، وَلم يصب الدَّم قطعت يَده وَرجله من خلاف، وَإِن وجد، وَقد أصَاب الدَّم قتل وصلب ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... تمّ بِحَمْد الله
стр. 1841
(كتاب الاشربة)
وَمن كتاب الْأَشْرِبَة:
(مَسْأَلَة) (٣٠٥)
:
مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام، من أَي الْأَجْنَاس كَانَ: من مطبوخ ونيّ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " النيُّ من التَّمْر، وَالزَّبِيب، وَالْعِنَب محرم، وَمن غَيرهَا مُبَاح، وَأما الْمَطْبُوخ فَمن الْأَجْنَاس كلهَا حَلَال ".
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن أبي رَجَاء عَن ابْن سعيد عَن أبي حَيَّان عَن عَامر عَن ابْن عمر عَن عمر ﵃ أَنه قَامَ خطيباُ على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ َ - فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: " أما بعد، فَإِن الْخمر نزل تَحْرِيمهَا، وَهِي من خَمْسَة: من الْعِنَب، وَالتَّمْر، وَالْبر، وَالشعِير، وَالْعَسَل، وَالْخمر مَا خامر الْعقل، وَثَلَاث وددت أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يفارقنا حَتَّى يعْهَد إِلَيْنَا فِيهَا عهدا يَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجد، والكلالة، وأبواب من أَبْوَاب الرِّبَا "، فَقلت: " مَا ترى فِي السَّادِسَة
стр. 1842
يصنع بالسند يدعى الْجَاهِل يشرب مِنْهُ الشربة، فتصرعه، يصنع من الْأرز؟ قَالَ: " لم يكن هَذَا على عهد رَسُول الله ﷺ َ - وَلَو كَانَ لنهى عَنهُ، أَلا ترى أَنه قد عَم الْأَشْرِبَة كلهَا، فَقَالَ: الْخمر مَا خامر الْعقل ".
قَالَ البُخَارِيّ: " وَقَالَ حجاج عَن حَمَّاد أبي حسان مَكَان " الْعِنَب " " الزَّبِيب ". وَقَوله: " الْخمر مَا خامر الْعقل " فِي آخر الحَدِيث مُسْند فافهمه.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه عَن أنس ﵁: كنت قَائِما على الْحَيّ (أسقيهم) على عمومتي، وَأَنا أَصْغَرهم سنا، من فضيخ لَهُم، قَالَ: " فجَاء رجل فَقَالَ: " إِن الْخمر قد حرمت "، فَقَالُوا: " أكفئها يَا أنس "، قَالَ: " فكفأتها "، فَقيل لأنس: " فَمَا كَانَ شرابهم؟ " قَالَ: " رطب وَبسر "، قَالَ أَبُو بكر بن أنس: - وَأنس شَاهد -: " وَكَانَت خمرهم يَوْمئِذٍ "، فَلم يُنكر ذَلِك أنس، قَالَ: " وحَدثني بعض أَصْحَابِي أَنه سمع أنسا يَقُول: " كَانَت خمرهم يَوْمئِذٍ ".
وَعِنْدَهُمَا أَيْضا عَن قَتَادَة عَن أنس ﵁ قَالَ: " إِنِّي
стр. 1843
لأسقي أَبَا طَلْحَة، وَأَبا دُجَانَة، وَسُهيْل بن بَيْضَاء من خليط بسر وتمر إِذْ حرمت الْخمر، فدفعتها، وَأَنا ساقيهم، وأصغرهم، وَإِنَّا نعدها يَوْمئِذٍ الْخمر ".
وَعند البُخَارِيّ عَن ثَابت عَنهُ حرمت الْخمر حِين حرمت، وَمَا نجد خمور الأعناب إِلَّا الْقَلِيل، وَعَامة خمرهم الْبر وَالتَّمْر ".
وَعِنْده عَن ابْن عمر ﵁: " نزل تَحْرِيم الْخمر، وَإِن بِالْمَدِينَةِ يَوْمئِذٍ لخمسة أشربة مَا فِيهَا شراب الْعِنَب ".
واتفقا على صِحَة حَدِيث عَائِشَة ﵂ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ َ - عَن البتع، فَقَالَ: " كل شراب أسكر فَهُوَ حرَام "، زَاد مُسلم فِي رِوَايَة: " والبتع نَبِيذ الْعَسَل ".
وَفِي أُخْرَى عِنْد البُخَارِيّ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ َ - عَن البتع، وَهُوَ نَبِيذ
стр. 1844
الْعَسَل، كَانَ أهل الْيمن يشربونه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " كل شراب أسكر فَهُوَ حرَام ".
(اتفقَا على صِحَة حَدِيث أبي مُوسَى: فَقلت: يَا رَسُول الله، يصنع عندنَا شراب من الْعَسَل، يُقَال لَهُ: البتع، وشراب من الشّعير يُقَال المزر، وهما يسكران، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " كل شراب يسكر حرَام ") .
وَعند مُسلم عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " كل مُسكر خمر، وكل مُسكر حرَام ".
وَعند أبي دَاوُد عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام ".
وَله شَوَاهِد مِنْهَا مَا رُوِيَ عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " أنهى عَن قَلِيل مَا أسكر كَثِيره "، رُوَاته ثِقَات.
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ -
стр. 1845
يَقُول: كل مُسكر حرَام، وَمَا أسكر مِنْهُ الْفرق، فملء الْكَفّ مِنْهُ حرَام ". وَفِي رِوَايَة: " فالحسوة مِنْهُ حرَام ".
وَعَن عَليّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " كل مُسكر خمر، وَمَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام ".
وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ َ - " مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام ". وَرُوِيَ فِي ذَلِك عَن عبد الرَّحْمَن بن حجيرة، وَعَن عبد الله بن عَمْرو.
وَعند أبي دَاوُد عَن دَيْلَم الْحِمْيَرِي، قَالَ: " سَأَلت النَّبِي ﷺ َ - فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا بِأَرْض بَارِدَة، نعالج فِيهَا عملاُ شَدِيدا، وَإِنَّا نتَّخذ شرابًا من هَذَا الْقَمْح نتقوى بِهِ، قَالَ: هَل يسكر؟ قلت: نعم، قَالَ: فَاجْتَنبُوهُ، قلت: فَإِن النَّاس غير تاركيه، قَالَ: فَإِن لم يَتْرُكُوهُ فقاتلوهم ". وَعند مُسلم فِي الصَّحِيح عَن أبي عمر البهراني، قَالَ: " سُئِلَ ابْن عَبَّاس
стр. 1846
- ﵄ عَن الطِّلا، فَقَالَ: إِن النَّار لَا تحل شَيْئا، وَلَا تحرمه ".
وَعند البُخَارِيّ عَن أبي الجويرة قَالَ: " سَأَلت ابْن عَبَّاس ﵄ عَن الباذق، فَقَالَ: " سبق مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ َ - عَن الباذق مَا أسكر فَهُوَ حرَام، قَالَ: الشَّرَاب الطّيب، لَا الْحَرَام الْخَبيث ".
وَعند أبي دَاوُد عَن مَالك بن أبي مَرْيَم قَالَ: " دخل علينا عبد الرَّحْمَن ابْن غنيم فتذاكرنا الطلاء، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: ليشربن نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا ".
وَقد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ: " الْخمر من هَاتين الشجرتين "، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى هِيَ خَمْسَة، لم يفرق بَين الْمَطْبُوخ والنيِّ ".
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " إِنَّمَا الْخمر من هَاتين الشجرتين: النَّخْلَة والعنبة ".
وَعند أبي دَاوُد عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ:
стр. 1847
" سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: إِن الْخمر من الْعصير، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْر، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير، والذرة، وَإِنِّي أنهاكم عَن كل مُسكر "، وَهَذَانِ الحديثان لَا يتنافيان.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " مَعْنَاهُ: أَن مُعظم مَا يتَّخذ من الْخمر إِنَّمَا هُوَ من النَّخْلَة والعنبة ، وَإِن كَانَت قد تتَّخذ أَيْضا من غَيرهمَا، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب التَّأْكِيد لتحريمه لضراوته، وَشدَّة سورته، كَمَا يُقَال: الشِّبَع من اللَّحْم، والدفء من الْوَبر، وَلَيْسَ فِيهِ نفي الشِّبَع عَن غير اللَّحْم، وَنفي الدفء عَن غير الْوَبر ".
وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن السَّائِب عَن يزِيد أَن عمر ﵁ خرج عَلَيْهِم، فَقَالَ: " إِنِّي وجدت من فلَان ريح شراب، فَزعم أَنه شراب الطِّلاء، وَأَنا سَائل عَمَّا شرب، فَإِن كَانَ يسكر جلدته، فجلده الْحَد تَاما ".
وروى الشَّافِعِي ﵀ أخبرنَا إِبْرَاهِيم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: " لَا أُوتى بِرَجُل شرب خمرًا، وَلَا نبيذاً مُسكرا إِلَّا جلدته الْحَد ".
стр. 1848
وَرُوِيَ عَن مُسلم بن خَالِد عَن ابْن جريج قَالَ: " قلت لعطاء: أتجلد فِي ريح الشَّرَاب؟ قَالَ: إِن الرّيح ليَكُون من الشَّرَاب الَّذِي لَيْسَ بِهِ بَأْس، فَإِذا اجْتَمعُوا جَمِيعًا على شراب وَاحِد، فيسكر أحدهم جلدُوا جَمِيعًا الْحَد تَاما ".
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " أَرَأَيْت إِن شرب عشرَة، وَلم يسكروا؟ "، فَإِن قَالَ: " حَلَال "، قيل: " افرأيت إِن خرج، فأصابته الرّيح فَسَكِرَ؟ "، فَإِن قَالَ: " حَرَامًا "، قيل لَهُ: " أَرَأَيْت شَيْئا قطّ يشربه، وَصَارَ إِلَى جَوْفه حَلَالا، ثمَّ صيرته الرّيح حَرَامًا؟ ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي صَحِيح مُسلم عَن أنس ﵁ لقد سقيت رَسُول الله ﷺ َ - بقدحي هَذَا الشَّرَاب كُله الْعَسَل، والنبيذ، وَالْمَاء، وَاللَّبن ".
وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ، وَصفَة النَّبِيذ الَّذِي كَانَ يشربه ﷺ َ - منقولة إِلَيْنَا فِي صَحِيح مُسلم أَيْضا عَن عَائِشَة ﵂ كُنَّا ننبذ لرَسُول الله ﷺ َ - فِي سقا، يوكى أَعْلَاهُ، وَله عزلا، ننبذ غدْوَة، فيشربه عشَاء، وننبذه عشَاء، فيشربه غدْوَة ".
عِنْده عَن ابْن عَبَّاس ﵄ جَاءَهُ قوم، فَسَأَلُوهُ عَن بيع الْخمر، واشترائه، وَالتِّجَارَة فِيهِ، قَالَ: " لَا يصلح بيعهَا، وَلَا اشتراؤها، وَلَا التِّجَارَة فِيهِ لمُسلم "، ثمَّ سَأَلُوهُ عَن الطلاء، فَقَالَ:
стр. 1849
" وَمَا طلاؤكم هَذَا؟ " قَالُوا: هُوَ الْعِنَب يعصر، ثمَّ يطْبخ، وَيجْعَل فِي الدنان، قَالَ: " وَمَا الدنان؟ "، قَالُوا: دنان مقيرة، قَالَ: " أيسكر؟ "، قَالُوا: إِذا أَكثر مِنْهُ أسكر، قَالَ: " فَكل مُسكر حرَام "، ثمَّ سَأَلُوهُ عَن النَّبِيذ، فَقَالَ: " خرج النَّبِي ﷺ َ - فِي سفر، فَرجع من سَفَره، وناس من أَصْحَابه قد انتبذوا نبيذاً لَهُم فِي نقيرة، وحناتم، ودباء، فَأمر بهَا، فأهرقت، فَأمر بسقا، فَجعل فِيهِ زبيب وَمَاء، فَكَانَ ينْبذ لَهُ من اللَّيْل، فَيُصْبِح فيشربه يَوْمه ذَلِك وَلَيْلَته الَّتِي يسْتَقْبل، وَمن الْغَد حَتَّى يُمْسِي، فَإِذا أَمْسَى شرب وَسَقَى، فَإِذا أصبح فِيهِ شَيْء أَمر بِهِ فأهريق ".
وَعند أبي دَاوُد عَن عبد الله الديلمي عَن أَبِيه قَالَ: " أَتَيْنَا النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله، قد علمت من نَحن؟ وَمن أَيْن نَحن؟ فَإلَى أَيْن نَحن؟ ، قَالَ: إِلَى الله ، وَإِلَى رَسُوله، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله، إِن لنا أعناباً، مَا نصْنَع بهَا؟ قَالَ: زببوها، قُلْنَا: مَا نصْنَع بالزبيب؟ قَالَ: انبذوه على غدائكم، واشربوه على عشائكم، وانبذوه على عشائكم، واشربوه على غدائكم، وانبذوه فِي الشنان، وَلَا تنبذوه فِي القلل؛ فَإِنَّهُ إِذا تَأَخّر عَن عصره صَار خلا ".
وَعِنْده أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " علمت أَن
стр. 1850
رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يَصُوم، فتحينت قَطْرَة نَبِيذ صَنعته فِي دباء، ثمَّ أَتَيْته بِهِ، فَإِذا هُوَ ينشى فَقَالَ: اضْرِب بِهَذَا الْحَائِط، فَإِن هَذَا شراب من لَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ".
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَن سَلام عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي بردة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " اشربوا، وَلَا تسكروا "، وَفِيه وهمان:
أَحدهمَا: فِي إِسْنَاده، حَيْثُ قَالَ: " عَن أبي بردة "، وَإِنَّمَا يرويهِ سماك عَن الْقَاسِم عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، كَذَا رَوَاهُ يحيى بن يحيى عَن مُحَمَّد بن جرير عَن سماك.
وَالْآخر: فِي مَتنه، حَيْثُ قَالَ: " اشربوا، وَلَا تسكروا "، وَإِنَّمَا يرويهِ النَّاس " وَلَا تشْربُوا مُسكرا "، يدل على صِحَة ذَلِك مَا روى مُسلم فِي الصَّحِيح عَن محَارب بن دثار عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الْأَشْرِبَة فِي ظروف الْأدم، فَاشْرَبُوا فِي كل وعَاء غير أَن لَا تشْربُوا مُسكرا ".
وَفِي رِوَايَة: " فَاشْرَبُوا فِي الأسقية كلهَا، وَلَا تشْربُوا مُسكرا ".
стр. 1851
وَبَلغنِي عَن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ أَنه قَالَ: " هَذَا حَدِيث مُنكر، غلط فِيهِ أَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم، لَا نعلم أَن أحدا تَابعه عَلَيْهِ من أَصْحَاب سماك "، قَالَ النَّسَائِيّ: " قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: أَبُو الْأَحْوَص يُخطئ فِي هَذَا الحَدِيث "، قَالَ النَّسَائِيّ: " وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة عَن سماك عَن مرصافة امْرَأَة مِنْهُنَّ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " اشربوا وَلَا تسكروا "، وَهَذَا أَيْضا غير ثَابت، ومرصافة هَذِه لَا أَدْرِي من هِيَ، وَالْمَشْهُور عَن عَائِشَة ﵂ خلاف ذَلِك. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " وهم أَبُو الْأَحْوَص فِي إِسْنَاده وَمَتنه، وَقَالَ عَنهُ عَن سماك عَن الْقَاسِم عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه وَلَا تشْربُوا مُسكرا ". وروى عَن النَّبِي ﷺ َ - من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَلَا يَصح.
رُوِيَ عَن فرقد السبحي عَن جَابر بن يزِيد عَن مَسْرُوق عَن عبد الله ﵃ قَالَ: " بَيْنَمَا نَحن نزُول مَعَ النَّبِي ﷺ َ - بِالْأَبْطح "، فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: " فَاشْرَبُوا، وَلَا تسكروا "، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " فرقد، وَجَابِر ضعيفان، وَلَا يَصح ".
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " حرمت الْخمر بِعَينهَا الْقَلِيل مِنْهَا وَالْكثير، وَالسكر من كل شراب "، نَحن نقُوله
стр. 1852
بِظَاهِر الْخَبَر، وَهُوَ السُّكُوت فِيهِ، وَهُوَ الْقَلِيل مَأْخُوذ حكمه مِمَّا روينَاهُ، ثمَّ إِنَّهُم يروون هَذَا الحَدِيث على نَحْو مَا يذهبون إِلَيْهِ من تَحْرِيم الْمُسكر من كل شراب سوى الأعناب، والْحَدِيث عِنْد الْحفاظ " السكر من كل شراب " بِفَتْح السِّين وَالْكَاف، قَالَ صَاحب الغريبين: " السكر خمر الأعجام، وَيُقَال لما يسكر السكر ".
وَالَّذِي يدل على أَن المُرَاد بِهِ ذَلِك رِوَايَة إِمَام أهل الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن مسعر عَن أبي عون عَن ابْن شَدَّاد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ حرمت الْخمر بِعَينهَا، قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب. كَذَا رُوِيَ عَن ابْنه عبد الله عَنهُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُوسَى ابْن هَارُون عَن أَحْمد، والمسكر من كل شراب. قَالَ مُوسَى: " وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب عَن ابْن عَبَّاس ﵂ لِأَنَّهُ قد روى عَن النَّبِي ﷺ َ - كل مُسكر حرَام ". وروى عَنهُ عَطاء، وَطَاوُس، وَمُجاهد: مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن
стр. 1853
أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة.
استدلوا بقول الله : ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ ، قَالُوا: " أخرجه مخرج الْمِنَّة، فَتَنَاول كَثِيرَة وقليله، فأخرجنا مِنْهُ إِذا أَكثر مِنْهُ، وَبَقِي مَا دونه على التَّحْلِيل. رُوِيَ عَن عَمْرو بن سُفْيَان عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " السكر مَا حرم من ثَمَرَتهَا، والرزق الْحسن مَا حل من ثَمَرَتهَا ". وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ فِي قَوْله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ ، فَحرم الله بعد ذَلِك السكر مَعَ تَحْرِيم الْخمر؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا، قَالَ: ﴿وَرِزْقاً حَسَناً﴾ فَهُوَ حَلَال من الْخلّ، والرُّبِّ، والنبيذ، وَأَشْبَاه ذَلِك، فأقره الله، وَجعله حَلَالا للْمُسلمين.
وَقد روينَا عَن أبي عبيد أَنه قَالَ: " السكر نَقِيع التَّمْر ". وَعَلِيهِ تدل رِوَايَة ابْن أبي طَلْحَة مَعَ الدّلَالَة على دُخُوله فِي التَّحْرِيم حِين حرمت الْخمر؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا.
وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم، وَالشعْبِيّ، وَأبي رزين قَالُوا فِي هَذِه الْآيَة
стр. 1854
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ " هِيَ مَنْسُوخَة ".
وَرُوِيَ عَن عبد الْعَزِيز بن أبان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن خَالِد عَن أبي مَسْعُود ﵁ قَالَ: " سُئِلَ النَّبِي ﷺ َ - عَن النَّبِيذ حَلَال، أَو حرَام؟ فَقَالَ: حَلَال ". قَالَ عَليّ بن عمر: " عبد الْعَزِيز بن أبان مَتْرُوك الحَدِيث ". وَرُوِيَ عَن يحيى بن يمَان الْعجلِيّ عَن سُفْيَان بِالْإِسْنَادِ أَن النَّبِي ﷺ َ - عطس، وَهُوَ يطوف، فَأتي بنبيذ من السِّقَايَة فقطب، فَقَالَ لَهُ رجل: " أحرام هُوَ، يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " لَا، عليّ بذنوب من مَاء زَمْزَم، فصب عَلَيْهِ، ثمَّ شرب، وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ ". كَذَا رَوَاهُ اليسع بن إِسْمَاعِيل عَن زيد بن الْخَبَّاب عَن سُفْيَان، وَالْيَسع ضَعِيف الحَدِيث. قَالَه عَليّ بن عمر، والْحَدِيث مَعْرُوف بِيَحْيَى بن يمَان، وَيُقَال: " إِنَّه انْقَلب عَلَيْهِ الْإِسْنَاد، وَاخْتَلَطَ بِحَدِيث الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة هَذَا الْمَتْن، والكلبي مَتْرُوك الحَدِيث، لَا يعرفهُ، وَأَبُو صَالح بادان مولى أم هَانِئ ضَعِيف الحَدِيث، وَابْن يمَان كثير الْخَطَأ، يتَجَنَّب مَا ينْفَرد بِهِ. قَالَ يحيى بن معِين: " رُبمَا عارضت بِأَحَادِيث يحيى بن يمَان أَحَادِيث النَّاس فَمَا خَالف فِيهَا النَّاس ضربت عَلَيْهِ، وَقد ذكرت لوكيع شَيْئا من حَدِيثه عَن سُفْيَان، فَقَالَ وَكِيع: لَيْسَ هَذَا سُفْيَان الَّذِي سمعنَا نَحن مِنْهُ ".
قَالَ ابْن عدي: " سَمِعت عَبْدَانِ يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير يَقُول: ابْن يمَان سريع النسْيَان، وَحَدِيثه خطأ عَن
стр. 1855
الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن خَالِد ابْن سعد عَن أبي مَسْعُود، إِنَّمَا هُوَ عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن الْمطلب ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: " فقد سَرقه عبد الْعَزِيز بن أبان، فَرَوَاهُ عَن سُفْيَان، وَسَرَقَهُ اليسع بن إِسْمَاعِيل، فَرَوَاهُ عَن زيد بن الْحباب عَن سُفْيَان، وَعبد الْعَزِيز مَتْرُوك، وَالْيَسع ضَعِيف الحَدِيث، أخبرنَا بذلك السّلمِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ.
قَالَ ابْن عدي: " حَدثنَا الجندي، قَالَ: قَالَ البُخَارِيّ ﵀ فِي حَدِيث يحيى بن الْيَمَان: هَذَا لم يَصح عَن النَّبِي ﷺ َ - ".
وَقَالَ الْأَشْجَعِيّ، وَعَبدَة عَن سُفْيَان الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن الْمطلب. وَرُوِيَ عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فَذكر قصَّة فِيهَا طواف النَّبِي ﷺ َ -، ودعاؤه بشراب، قَالَ: " فَأتي بشراب، فَشرب مِنْهُ، ثمَّ دَعَا بِالْمَاءِ، فَصَبَّهُ فِيهِ، فَشرب، ثمَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فدعاء بِمَاء، فصب فِيهِ، (فَشرب، ثمَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاء، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) ، ثمَّ شرب مرَّتَيْنِ، أَو ثَلَاثَة، ثمَّ قَالَ: إِذا اشْتَدَّ عَلَيْكُم فَاقْتُلُوهُ بِالْمَاءِ "، وَيزِيد بن أبي زِيَاد ضَعِيف، لم يحْتَج بِهِ لسوء حفظه، وَقد روى خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَقد روى خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن
стр. 1856
عَبَّاس ﵄ قصَّة طواف النَّبِي ﷺ َ -، وشربه، لم يذكر مَا ذكره يزِيد، وَإِنَّمَا تعرف هَذِه الزِّيَادَة من رِوَايَة الْكَلْبِيّ، كَمَا مضى، وَزَاد يزِيد " شربه مِنْهُ قبل خلطه بِالْمَاءِ "، وَهُوَ بِخِلَاف سَائِر الروَاة.
وروى عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الْملك بن نَافِع بن أخي الْقَعْقَاع عَن ابْن عمر ﵄ فَذكر حَدِيثا طَويلا فِي نَبِيذ لَهُ ريح شَدِيدَة، قَالَ: " فَدَعَا بِمَاء، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، ثمَّ شرب، ثمَّ قَالَ: إِذا اعتملت الأسقية، فاكسروها بِالْمَاءِ ".
وَفِي رِوَايَة عَن مَالك بن الْقَعْقَاع، (قَالَ: " سَأَلت ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِيذ الشَّديد، فَذكره بِمَعْنَاهُ "، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " كَذَا قَالَ مَالك بن الْقَعْقَاع، وَقَالَ غَيره عَن عبد الْملك بن نَافِع بن أخي الْقَعْقَاع) ، وَهُوَ رجل مَجْهُول ضَعِيف ". وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ - مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام ". وَهَذَا حَدِيث يعرف بِعَبْد الْملك بن نَافِع، وَهُوَ رجل مَجْهُول، وَاخْتلفُوا فِي اسْمه، وَاسم أَبِيه، فَقيل: هَكَذَا، وَقيل: " عبد الْملك بن الْقَعْقَاع "، وَقيل: " ابْن أخي الْقَعْقَاع "، وَقيل: " مَالك بن الْقَعْقَاع ".
وروى ابْن عدي عَن ابْن أبي مَرْيَم قلت ليحيى: " أَرَأَيْت حَدِيث عبد الْملك بن نَافِع الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل فِي النَّبِيذ؟ "، قَالَ: " هم يضعفونه "، قَالَ ابْن عدي: " سَمِعت ابْن حَمَّاد يَقُول: " قَالَ البُخَارِيّ:
стр. 1857
قَالَ عبد الْملك ابْن نَافِع بن أخي الْقَعْقَاع بن ثَوْر عَن ابْن عمر فِي النَّبِيذ لم يُتَابع عَلَيْهِ "، قَالَ النَّسَائِيّ: " عبد الْملك بن نَافِع لَيْسَ بِمَشْهُور، وَلَا يحْتَج بحَديثه، وَالْمَشْهُور عَن ابْن عمر خلاف حكايته ".
وروى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس، وَفِيه قَالُوا: " يَا رَسُول الله، فَإِن اشْتَدَّ فِي الأسقية "، قَالَ: " فصبوا عَلَيْهِ المَاء "، قَالُوا: " يَا رَسُول الله "، فَقَالَ لَهُم فِي الثَّالِثَة، أَو الرَّابِعَة: " أهريقوه "، ثمَّ قَالَ: " إِن الله - جلّ ثَنَاؤُهُ - حرم عَليّ، أَو حرم الْخمر وَالْميسر والكوبة "، قَالَ: " وكل مُسكر حرَام ". وَحَدِيث وَفد عبد الْقَيْس الْمَعْرُوف الْمَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَلَيْسَ فِيهِ الْأَمر بِالْكَسْرِ، ثمَّ المُرَاد بِهِ - إِن صَحَّ - كَسره بِالْمَاءِ إِذا خَافَ شدته قبل الاشتداد، فقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ: لوفد عبد الْقَيْس: " لَا تشْربُوا فِي نقير، وَلَا مقير، وَلَا دباء، وَلَا حنتم، وَلَا مزادة وَلَكِن اشربوا فِي سقاء أحدكُم غير مُسكر، فَإِن خشِي شدته، فليصب عَلَيْهِ المَاء ".
стр. 1858
فَأَما إِذا اشْتَدَّ، وَبلغ حد الْإِسْكَار فقد روينَا قبل هَذَا عَن أبي مُوسَى، وَأبي هُرَيْرَة ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه أَمر فِيهِ بإراقته، وَلَو كَانَ إِلَى إِصْلَاحه بِالْمَاءِ سَبِيل لما أَمر بإراقته، وَالله أعلم.
وَرُوِيَ بِإِسْنَاد لَا يحْتَج بِهِ عَن أبي سعيد مَرْفُوعا " لينبذ أحدكُم فِي سقائه، فَإِن خشِي سكره فليكسره بِالْمَاءِ "، وَرَأَيْت فِي حَدِيث يحيى بن أبي كثير عَن ثُمَامَة بن كلاب عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة ﵂ مَرْفُوعا " لَا تنبذوا فِي الدُّبَّاء، والمزفت، وَلَا النقير، وَلَا الحنتمة، وَلَا تنبذوا الرطب والبسر جَمِيعًا، وَلَا التَّمْر وَالزَّبِيب جَمِيعًا، وَمَا كَانَ سوى ذَلِك فَاشْتَدَّ عَلَيْكُم فاكسروه بِالْمَاءِ ". وثمامة مَجْهُول، وَالثَّابِت عَن ابْن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي قَتَادَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " النَّهْي عَن الخليطين " دون هَذِه اللَّفْظَة.
ورأيته أَيْضا فِي حَدِيث عِكْرِمَة ابْن عمار عَن أبي كثير السحمي عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا إِلَّا أَنه قَالَ: " إِذا أَرَابَك فِي
стр. 1859
شرابك ريب فسن عَلَيْهِ المَاء، أمط عَنْك حرَامه، واشرب حَلَاله "، وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف، عِكْرِمَة بن عمار اخْتَلَط فِي آخر عمره، وساء حفظه، فروى مَا لم يُتَابع عَلَيْهِ. وَقد رَوَاهُ عبد الله بن يزِيد المَقْبُري عَن عِكْرِمَة بن عمار، وَقَالَ قَوْله: إِذا أَرَابَك ... " قَالَه أَبُو هُرَيْرَة، ذكره إِسْحَاق الْحَنْظَلِي فِي مُسْنده.
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِذا دخل أحدكُم على أَخِيه الْمُسلم، فأطعمه، فَليَأْكُل من طَعَامه، وَلَا يسْأَله، وَإِن سقَاهُ شرابًا، فليشرب من شرابه، وَلَا يسْأَله عَنهُ، وَإِن خشِي مِنْهُ فليكسره بِالْمَاءِ ".
المُرَاد - وَالله أعلم - إِذا خشِي أَن يبلغ حد الْإِسْكَار فليكسره بِالْمَاءِ حَتَّى لَا يشْتَد ويبلغ حد الْإِسْكَار بِدَلِيل مَا سبق ذكره، وَالله أعلم. وَرُبمَا استدلوا بِمَا روى عمار بن مطر عَن جرير عَن الْحجَّاج عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵃ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " كل مُسكر حرَام "، قَالَ عبد الله: " هِيَ الشربة الَّتِي أسكرتك ".
وَعَن شريك عَن أبي حَمْزَة عَن إِبْرَاهِيم قَوْله: " كل مُسكر حرَام " هِيَ الشربة الَّتِي أسكرتك. قَالَ عَليّ بن عمر: " وَهَذَا أصح من الَّذِي
стр. 1860
قبله، وَلم يسْندهُ غير الْحجَّاج، وَاخْتلف عَنهُ، وعمار بن مطر ضَعِيف، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ.
حَدثنَا أَبُو سعيد، وَذكر إِسْنَادًا عَن سُفْيَان بن عبد الْملك أَنه ذكر عِنْده - يَعْنِي عِنْد ابْن الْمُبَارك - حَدِيث ابْن مَسْعُود هِيَ الشربة الَّتِي أسكرتك؟ فَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك ﵀: " هَذَا حَدِيث بَاطِل ".
قَالَ الْبَيْهَقِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى: " وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم بِخِلَافِهِ، قَالَ البُخَارِيّ: زَكَرِيَّا بن عدي لما قدم ابْن الْمُبَارك - رَحمَه الله تَعَالَى - الْكُوفَة كَانَت بِهِ عِلّة، فَأَتَاهُ وَكِيع، وأصحابنا الْكُوفِيُّونَ، فتذاكروا عِنْده، حَتَّى بلغُوا الشَّرَاب، فَجعل ابْن الْمُبَارك يحْتَج بِأَحَادِيث رَسُول الله ﷺ َ - وَأَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ -، والمهاجرين، وَالْأَنْصَار من أهل الْمَدِينَة، فَقَالُوا: " لَا، وَلَكِن من حديثنا "، فَقَالَ ابْن الْمُبَارك: " أخبرنَا الْحسن بن عَمْرو عَن فُضَيْل بن عَمْرو عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه سكر من شراب لم يحل لَهُ أَن يعود فِيهِ أبدا، فنكسوا رؤوسهم، فَقَالَ للَّذي يَلِيهِ: أَرَأَيْت أعجب من هَؤُلَاءِ؟ أحدثهم عَن رَسُول الله ﷺ َ -، وَعَن أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ، فَلم يعبؤا بِهِ، وأذكر عَن إِبْرَاهِيم، فنكسوا رؤوسهم ".
وروى الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: كل مُسكر حرَام، فَقَالَ رجل، أَو رجلَانِ: يَا ابْن عَبَّاس، إِن هَذَا الشَّرَاب الَّذِي نشربه إِذا أكثرنا سكرنا، قَالَ: لَيْسَ هَكَذَا، إِذا شربت تِسْعَة، فَلم يسكرك، فَلَا بَأْس، فَإِذا شربت الْعَاشِر، فأسكرك فَهُوَ حرَام "، وَهَذَا بَاطِل، الْكَلْبِيّ مَتْرُوك.
следующие страницы →