Полный текст (2 058 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
قَالَ: كَانَ رجل يُصَلِّي فَوق بَيته وَكَانَ إِذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيى الْمَوْتَى﴾ قَالَ: بلَى سُبْحَانَكَ، فَبكى، فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: سَمِعت أبي هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " من قَرَأَ مِنْكُم ﴿والتين وَالزَّيْتُون﴾ فَانْتهى إِلَى آخرهَا ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَم الْحَاكِمين﴾ فَلْيقل: " وَأَنا على ذَلِك من الشَّاهِدين وَمن قَرَأَ ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة﴾ وانْتهى إِلَى ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيى الْمَوْتَى﴾ فليقبل، بلَى، وَمن قَرَأَ ﴿والمرسلات﴾ فَبلغ ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ . فَلْيقل آمنا بِاللَّه "، ثمَّ رُوِيَ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أَبِيه قَالَ: صليت إِلَى جنب النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ يُصَلِّي تَطَوّعا فَمر بِآيَة فَقَالَ: " أعوذ بِاللَّه من الْبر،
стр. 597
ويل لأه الْبر من الْبر " قَالَ وَقد ورينا عَن عَليّ ﵁ أَنه قَرَأَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فَقَالَ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَرَأَ فِي أجمعة ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فَقَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل ﴿أفرءيتم مَا تمنون (٥٨) ءأنتم تخلقونه أم نَحن الْخَالِقُونَ﴾ قَالَ: بل أَنْت يَا رب ثَلَاثًا. ثمَّ قَرَأَ ﴿أفرءيتم مَا تَحْرُثُونَ﴾ ﴿المَاء الَّذِي تشربون﴾ فَذكر نَحوه ثَلَاثًا ".
стр. 598
مَسْأَلَة (١٠٢) :
وَسجْدَة التِّلَاوَة غير وَاجِبَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة أَنَّهَا وَاجِبَة وَدَلِيلنَا، مَا رُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار أَنه سَأَلَ زيد بن ثَابت عَن الْقِرَاءَة مَعَ الإِمَام فَقَالَ: لَا قِرَاءَة مَعَ الإِمَام فِي شَيْء، وَزعم أَنه قَرَأَ على رَسُول الله ﷺ َ - والنجم فَلم يسْجد " رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ، دون الْقِرَاءَة مَعَ الإِمَام، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ َ -: سجد فِي النَّجْم وَهُوَ بِمَكَّة فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة تَركهَا، وَعنهُ " أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يسْجد فِي شَيْء من الْمفصل مُنْذُ حول إِلَى الْمَدِينَة " قَالَ وَبِهَذَا اللَّفْظ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنَن قَالَ: وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه سجد فِي الْمفصل وَهُوَ فِي الْمَدِينَة، فَإِن صَحَّ حَدِيث ابْن عَبَّاس فَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ -: يَدعهَا مرّة، ويسجدها أُخْرَى، وَفِي ذَلِك دلَالَة على أَنَّهَا غير وَاجِبَة، وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة " أَن النَّبِي ﷺ َ - سجد فِي النَّجْم، وَسجد النَّاس مَعَه إِلَّا رجلَيْنِ أَرَادَا أَن
стр. 599
يشهرا "، قَالَ الشَّافِعِي ﵁: وَالرجلَانِ لَا يدعان إِن شَاءَ الله الْفَرْض وَلَو تركاه أَمرهمَا رَسُول الله ﷺ َ - بإعادته.
وَرُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار عَن زيد بن ثَابت " أَنه قَرَأَ على رَسُول الله ﷺ َ - والنجم إِذا هوى، فَلم يسْجد " أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيح، قَالَ الشَّافِعِي ﵁ يُقَال إِن زيدا لم يسْجد وَهُوَ الْقَارئ، فَلم يسْجد النَّبِي ﷺ َ - وَلم يكن فرضا فيأمره النَّبِي ﷺ َ - بِهِ، وَقيل لعمران بن حُصَيْن ﵁ الرجل يسمع السَّجْدَة وَلم يجلس لَهَا؟ قَالَ أَرَأَيْت لَو قعد لَهَا؟ كَأَنَّهُ لم يُوجِبهُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ فِي الْجَامِع عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين قَالَ: " سُئِلت عَائِشَة ﵂ عَن سُجُود الْقُرْآن، فَقَالَت: حق الله يُؤَدِّيه أَو تطوع تطوعه " الحَدِيث والاعتماد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَدِيث عمر الْمخْرج فِي الصَّحِيح البُخَارِيّ أَنه قَرَأَ على الْمِنْبَر سُورَة النَّحْل فَسجدَ وَأَنه قَرَأَ بهَا فِي الْجُمُعَة الْقَابِلَة حَتَّى إِذا جَاءَ السَّجْدَة قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا
стр. 600
نمر بِالسُّجُود فَمن سجد فقد أصَاب وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ / وَلم يسْجد عمر ﵁ وزاده نَافِع عَن ابْن عمر " أَن الله لم يفْرض السُّجُود إِلَّا أَن نشَاء " وَشَاهده مَا روى مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَرَأَ السَّجْدَة وَهُوَ على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَنزل، فَسجدَ، وسجدوا مَعَه، ثمَّ قَرَأَهَا يَوْم الْجُمُعَة الْأُخْرَى فتهيئوا، فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: على رسلكُمْ إِن الله لم يَكْتُبهَا علينا إِلَّا أَن نشَاء، فقرأها فَلم يسْجد ومنعهم أَن يسجدوا.
مَسْأَلَة (١٠٣) :
وَإِذا لم يسْجد التَّالِي لآيَة السَّجْدَة، فَلَا يسْجد لَهَا السَّامع، فِي أصح الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يسْجد السَّامع وَإِن لم يسْجد التَّالِي دليلنا: حَدِيث زيد بن ثَابت هَذَا الْمَذْكُور آنِفا وَرُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار، قَالَ: بَلغنِي أَن رجلا قَرَأَ بِآيَة من الْقُرْآن فِيهَا سَجْدَة عِنْد النَّبِي ﷺ َ -، فَسجدَ الرجل، وَسجد النَّبِي ﷺ َ - مَعَه ثمَّ قَرَأَ آيَة: فِيهَا سَجْدَة وَهُوَ عِنْد النَّبِي ﷺ َ -، فانتظر الرجل أَن يسْجد النَّبِي ﷺ َ - فَلم يسْجد فَقَالَ الرجل: يَا رَسُول الله قَرَأت السَّجْدَة فَلم تسْجد، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " كنت إِمَامًا فَلَو سجدت سجدت مَعَك " وَقد رُوِيَ
стр. 601
من وَجْهَيْن ضعيفين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِبَعْض مَعْنَاهُ، وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن حَنْظَلَة قَالَ: قَرَأت على عبد الله سُورَة فِيهَا سَجْدَة، فَلَمَّا أتيت على السَّجْدَة سكت! فَقَالَ: أَنْت إمامنا فاسجد، يَعْنِي نسجد مَعَك. وَفِي رِوَايَة قَرَأت السَّجْدَة عِنْد ابْن مَسْعُود فَنظر إِلَيّ، فَقَالَ: " أَنْت إمامنا فاسجد: نسجد مَعَك " قَالَ البُخَارِيّ: وَقيل لعمران بن حُصَيْن ﵁ الرجل يسمع السَّجْدَة، وَلم يجلس لَهَا، قَالَ: أَرَأَيْت لَو قعد لَهَا كَأَنَّهُ لم يُوجِبهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ سلمَان ﵁، مَا لهَذَا غدونا، وَهَذَا كُله دَلِيل فِي الْ مَسْأَلَة ، قبلهَا وانضم مَذْهَب هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة ﵃ إِلَى هَذَا الْمُرْسل فيقوى بهَا وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٠٤) :
وَفِي الْحَج سَجْدَتَانِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: فِيهَا سَجْدَة وَاحِدَة،
стр. 602
وَدَلِيلنَا: مَا روى أَبُو دَاوُد فِي السّنَن عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ " أَن النَّبِي ﷺ َ - أقرأه خمس عشرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن مِنْهَا ثَلَاثَة فِي الْمفصل، وَفِي سُورَة الْحَج سَجْدَتَيْنِ " وَعَن عقبَة بن عَامر، قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله فِي سُورَة الْحَج: سَجْدَتَانِ! قَالَ: نعم، وَمن يسجدهما فَلَا يقرأهما "، قَالَ هُوَ أَيْضا فِي السّنَن وَأَنا إِنَّمَا أخرجته شَاهدا، وروى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ، أَن عمر ﵁ صلى بالجابية فَقَرَأَ سُورَة الْحَج، فَسجدَ فِيهَا: سَجْدَتَيْنِ، وروى مَالك عَن عبد الله بن دِينَار، أَنه قَالَ: رَأَيْت عبد الله سجد فِي سُورَة الْحَج: سَجْدَتَيْنِ وروى أَبُو الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فضلت هَذِه السُّورَة بسجدتين يَعْنِي سُورَة الْحَج " وروينا فِي السّنَن بِالْأَسَانِيدِ عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَعبد الله بن مَسْعُود، وعمار بن يَاسر وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي الدَّرْدَاء ﵃ أَنهم سجدوا فِي سُورَة الْحَج سَجْدَتَيْنِ، وَالله أعلم.
стр. 603
مَسْأَلَة (١٠٥) :
وَسجْدَة ص، سَجْدَة شكر وَلَيْسَت فِي سُجُود التِّلَاوَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّهَا من سُجُود التِّلَاوَة، وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " لَيْسَ " ص " من عزائم السُّجُود، وَقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ -: يسْجد فِيهَا "، أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَعند أبي دَاوُد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ على الْمِنْبَر (ص) فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة نزل فَسجدَ وَسجد النَّاس مَعَه، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا آخر، قَرَأَهَا فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة تشزن النَّاس للسُّجُود، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّمَا هِيَ تَوْبَة نَبِي وَلَكِن رأيتكم تشزنتم للسُّجُود فَنزل فَسجدَ " رُوَاته ثِقَات وروى الشَّافِعِي (عَن ابْن عُيَيْنَة) عَن عَبده عَن ذَر عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه " كَانَ لَا يسْجد فِي (ص) وَيَقُول إِنَّمَا هُوَ تَوْبَة نَبِي " وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: " لَا تسجدوا فِي ص
стр. 604
إِنَّمَا هِيَ تَوْبَة نَبِي " وروى الشَّافِعِي ﵁ عَن سُفْيَان عَن عمر بن ذَر عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - سجدها / دَاوُد ﵇ لتوبة، وَنحن نسجدها شكرا، يَعْنِي " ص " هَذَا الْمَحْفُوظ وَقد رُوِيَ من أوجه عَن عمر بن ذَر عَن أَبِيه عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس من طرق مَعْنَاهُ .
مَسْأَلَة (١٠٦) :
السَّجْدَة إِذا كَانَت فِي آخر السُّورَة وَكَانَ فِي الصَّلَاة فَالْأولى أَن يسْجد ثمَّ يقوم فَيقْرَأ سُورَة أُخْرَى، وَقَالَ بعض الْعِرَاقِيّين يرْكَع وَلَا يسْجد للتلاوة لنا مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب ﵁ سجد فِي النَّجْم فِي صَلَاة الْفجْر ثمَّ استفتح
стр. 605
بِسُورَة أُخْرَى قَالَ ورويناه أَيْضا عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ بِمَعْنَاهُ، وَعَن ابْن مَسْعُود إِذا كَانَت السَّجْدَة فِي آخر السَّجْدَة فَإِن شَاءَ ركع وَإِن شَاءَ سجد، وَعَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ إِذا قَرَأَ بِالنَّجْمِ أَو اقْرَأ باسم رَبك ركع ثمَّ رفع رَأسه وَإِذا قَرَأَ فِي غير الصَّلَاة سجد. قَالَ وروينا عَن ابْن عمر من وَجه آخر أَنه كَانَ إِذا وصل إِلَيْهَا قَرَأنَا سجد، وَإِذا لم يصل إِلَيْهَا قَرَأنَا ركع.
مَسْأَلَة (١٠٧) :
وَيسْجد للتلاوة فِي صَلَاة يسر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ كَمَا يسْجد فِيمَا يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَحكي عَن أبي حنيفَة: أَنه لَا يسْجد. دليلنا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - سجد فِي صَلَاة الظّهْر ثمَّ قَامَ، فيرون أَنه قَرَأَ سُورَة فِيهَا سَجْدَة .
стр. 606
مَسْأَلَة (١٠٨) :
وَلَا يجوز الصَّلَاة على ظهر الْكَعْبَة، إِذا لم يكن بَين يَدي الْمُصَلِّي شَيْء من بِنَاء الْكَعْبَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز، رُوِيَ عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ َ - " نهى أَن يُصَلِّي فِي سَبْعَة مَوَاطِن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطَّرِيق، وَالْحمام، ومعاطن الْإِبِل، وَفَوق ظهر بَيت الله ".
مَسْأَلَة (١٠٩) :
وعَلى الْمُرْتَد قَضَاء مَا ترك من الصَّلَوَات أَيَّام ردته، إِذا عَاد إِلَى الْإِسْلَام، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " من نسي
стр. 607
صَلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا، لَا كَفَّارَة لَهَا غير ذَلِك " أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيح، وَالنِّسْيَان يعبر بِهِ عَن التّرْك قَالَ الله : ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ وَعند مُسلم فِي الصَّحِيح أَيْضا: عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا رقد أحدكُم عَن الصَّلَاة وغفل عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " فَإِن الله يَقُول: ﴿وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ وَهَذَا الَّذِي ارْتَدَّ غفل عَن ذكر الله تَعَالَى وَاتبع هَوَاهُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع من أَغْفَلنَا قلبه عَن ذكرنَا وَاتبع هَوَاهُ﴾ . فَإِذا عَاد إِلَى ذكر الله بهداه أعَاد مَا تبع من هَوَاهُ.
مَسْأَلَة (١١٠) :
وَإِذا أَخذ الْمُصحف فِي صلَاته فَقَرَأَ مِنْهُ فَإِن كَانَ يتصفح الأوراق متواليا، وَزَاد على ثَلَاثَة أوراق: بطلت صلَاته وَإِن كَانَ يتصفح ورقة وَلم يوال ذَلِك أَو والى وَلَكِن كَانَت ثَلَاثًا فَمَا دونهَا لم تبطل صلَاته وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ مَكْتُوبًا على حَائِط فقرأه فِي الصَّلَاة لم تبطل صلَاته ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: كل ذَلِك يبطل صلَاته، وَرُوِيَ عَن ابْن
стр. 608
أبي مليكَة، وَالقَاسِم عَن عَائِشَة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ َ - " أَنَّهَا كَانَ يؤمها غلامها ذكْوَان فِي الْمُصحف فِي رَمَضَان " وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (١١١) :
من شكّ فِي صلَاته فَلم يدر أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا، لم تفْسد بِهِ صلَاته وَإِن كَانَ ذَلِك أول مرّة وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا كَانَ ذَلِك أول مرّة فَإِن صلَاته تفْسد. دليلنا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: " إِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَان فَلبس عَلَيْهِ حَتَّى لَا يدْرِي كم صلى فَإِذا وجد ذَلِك، فَيسْجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ".
مَسْأَلَة (١١٢) :
ويبنى على مَا استيقن إِذا وَقع لَهُ هَذَا الشَّك سَوَاء كَانَ فِي الْمرة الأولى وَالثَّانيَِة فَصَاعِدا، / وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا (وَقع لَهُ) هَذَا الشَّك، تحرى وَبنى على أغلب ظَنّه دليلنا من طَرِيق الْخَبَر: حَدِيث
стр. 609
أبي سعيد الْمخْرج فِي صَحِيح مُسلم قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر كم صلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا؟ فليطرح الشَّك وليبن على مَا استيقن. ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم فَإِن كَانَ صلى خمْسا شفعن لَهُ صلَاته، وَإِن كَانَ صلى [تَمامًا] لأَرْبَع كَانَتَا ترغيما للشَّيْطَان "، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا صلى أحدكُم فَلَا يدْرِي كم صلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا ركع رَكْعَتَيْنِ يحسن سجودهما وركوعهما ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ ". رُوَاة هَذَا الحَدِيث هم ثِقَات.
وَرُوِيَ عَن ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مَرْفُوعا " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته، فَشك فِي الْوَاحِدَة والثنتين فليجعلهما وَاحِدَة، وَإِذا شكّ فِي الاثنتين وَالثَّلَاث، فليجعلهما اثْنَتَيْنِ، وَإِذا شكّ فِي الثَّلَاث والأربع فليجعلها ثَلَاثًا حَتَّى يكون الْوَهم فِي الزِّيَادَة، وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم ثمَّ يسلم "
стр. 610
قَالَ: رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات، إِلَّا أَن لَهُ عِلّة وَهِي أَنه رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته ". الحَدِيث بِمَعْنَاهُ. قَالَ: مُحَمَّد بن إِسْحَق قَالَ لي حُسَيْن بن عبد الله أسْند لَك مَكْحُول هَذَا الحَدِيث، قلت: مَا سَأَلته، قَالَ: فَإِنَّهُ ذكر عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وحسين بن عبد الله هَذَا لَيْسَ بِثِقَة والاعتماد على حَدِيث أبي سعيد.
وروى غير ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس، عَن عبد الرَّحْمَن بِبَعْض مَعْنَاهُ، وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عَبَّاس من وَجه آخر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن قَالَ: أشهد بِشَهَادَة الله أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " إِذا كَانَ أحدكُم على شكّ من صلَاته فِي النُّقْصَان، حَتَّى يكون على الشَّك من الزِّيَادَة " وروى مَالك عَن عفيف عَن عَطاء بن يسَار قَالَ: سَأَلت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
стр. 611
وَكَعب الْأَحْبَار عَن الَّذِي يشك فِي صلَاته فَلَا يدْرِي أَثلَاثًا أم أَرْبعا، وَكِلَاهُمَا قَالَ: فَليقمْ فَليصل رَكْعَة أُخْرَى وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ، إِذا صلى وَرُوِيَ أَيْضا عَن عمر بن مُحَمَّد بن سَالم أَن عبد الله بن عمر كَانَ يَقُول: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتوخ الَّذِي يظنّ أَنه نسي من صلَاته فليصله ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس وَاسْتَدَلُّوا: بِحَدِيث عبد الله الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون، فَأَيكُمْ شكّ فِي صلَاته فَلْينْظر أَحْرَى ذَلِك إِلَى الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَالْأَخْذ بِالصَّوَابِ هُوَ الْأَخْذ بِالْيَقِينِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا﴾ وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (١١٣) :
وَسُجُود السَّهْو قبل السَّلَام، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: بعده، وروى مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن ابْن بحينه قَالَ " صلى بِنَا
стр. 612
رَسُول الله ﷺ َ - رَكْعَتَيْنِ من بعض الصَّلَوَات ثمَّ قَالَ فَلم يجلس فَقَامَ النَّاس مَعَه، فَلَمَّا قضى صلَاته ونظرنا تَسْلِيمه كبر فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس قبل التَّسْلِيم ثمَّ سلم. أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح من حَدِيثه، وَرُوِيَ بِمَعْنَاهُ عَن مُعَاوِيَة عَن أبي سعيد أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا شكّ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلَا يدْرِي كم صلى / ثَلَاثًا أَو أَرْبعا فَليقمْ فَليصل رَكْعَة ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس قبل السَّلَام فَإِن كَانَت الرَّكْعَة الَّتِي صلاهَا خَامِسَة شفعها بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ وَإِن كَانَت رَابِعَة فالسجدتان ترغيم للشَّيْطَان " أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
وَرُوِيَ حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ عَن مَالك عَن دَاوُد بن حُصَيْن عَن أبي سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه " ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس قبل التَّسْلِيم " وَفِي رِوَايَة " ثمَّ سلم وَسجد سَجْدَتَيْنِ " أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وكل قد روينَا حَدِيث مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ َ -، " فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة وَمعمر وَاللَّيْث، وَرَوَاهُ ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: " فليسجد سَجْدَتَيْنِ قل أَن يسلم ثمَّ يسلم وَهُوَ جَالس ".
стр. 613
وَعند مُسلم فِي الصَّحِيح عَن عمرَان بن حُصَيْن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ وَفِيه " ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم " وَعِنْدَهُمَا جَمِيعًا عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ َ - صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ " وَإِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب وليتم عَلَيْهِ ثمَّ يسلم ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ " قَالَ قد روينَا عَن النَّبِي ﷺ َ -: " أَنه سجد للسَّهْو قبل السَّلَام وَأَنه أَمر بذلك قبل السَّلَام، وروينا أَنه سجد بعد السَّلَام وَأَنه أَمر بِهِ بعد السَّلَام " وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ وَله شَوَاهِد يطول بذكرها الْكتاب، وَفِي ألفاظهما منع تَأْوِيل أَحدهمَا وَالْأَخْذ بِالْآخرِ فالأشبه وَالصَّوَاب جَوَاز الْأَمريْنِ جَمِيعًا وَإِلَى هَذَا ذهب كثير من أَصْحَابنَا، وَهُوَ فِيمَا حَكَاهُ لي الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح أيده الله عَن صَاحب التَّقْرِيب ﵀ وَحمله الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب الْقَدِيم على نسخ السُّجُود بعد السَّلَام بِالسُّجُود قبل السَّلَام وَحَكَاهُ عَن الزُّهْرِيّ وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِرِوَايَة ابْن عُيَيْنَة وَمُعَاوِيَة وهما من متأخري الصَّحَابَة وَمن أَصْحَابنَا من فعل فِي كل حَادِثَة رويت مَا روى فِيهَا
стр. 614
وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٤) :
وَإِن ذكر أَنه فِي الْخَامِسَة سجد أَو لم يسْجد، قعد فِي الرَّابِعَة أَو لم يقْعد، فَإِنَّهُ يجلس للرابعة ويتشهد، وَيسْجد للسَّهْو ثمَّ يسلم، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ سجد فِي الْخَامِسَة، وَلم يكن قد قعد فِي الرَّابِعَة وتذكر بَعْدَمَا سجد فِي الْخَامِسَة، أضَاف إِلَيْهَا رَكْعَة أُخْرَى لتَكون لَهُ نَافِلَة، وَقد صحت فريضته، دليلنا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث ابْن مَسْعُود " صلى رَسُول الله ﷺ َ - الظّهْر خمْسا، فَقيل لَهُ: أَزِيد فِي الصَّلَاة قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: صليت خمْسا، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سلم " أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح .
مَسْأَلَة (١١٥) :
وَمن أسر فِيمَا يجْهر أَو جهر فِيمَا يسر فَلَا سُجُود عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن فعله الإِمَام سجد للسَّهْو، دليلنا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث أبي قَتَادَة أَن رَسُول الله ﷺ َ -: " كَانَ يقْرَأ بِأم الْقُرْآن وبسورتين
стр. 615
مَعهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من صَلَاة الظّهْر وَالْعصر ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا وَكَانَ يطول فِي الرَّكْعَة الأولى " أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لَا سَهْو فِي الصَّلَاة إِلَّا لقِيَام عَن جُلُوس أَو جُلُوس عَن قيام وَسمع الصنَابحِي أَبَا بكر الصّديق قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الثَّالِثَة من الْمغرب بِأم الْقُرْآن وَهَذِه الْآيَة ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ . روينَا إِسْنَاده فِي السّنَن، وَقَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ: سَمِعت من عمر بن الْخطاب ﵁ نَغمَة من قَاف فِي الظّهْر، وَعبد الله بن زِيَاد: سَمِعت ابْن مَسْعُود يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر، وَعَن قَتَادَة أَن أنسا جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي الظّهْر أَو الْعَصْر فَلم يسْجد، وَعَن سعيد بن الْعَاصِ أَنه جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي الظّهْر وَالْعصر، فسبح النَّاس، فَمضى فَلَمَّا قضى الصَّلَاة قَالَ: فِي كل صَلَاة قِرَاءَة وَمَا دلَّنِي على ذَلِك خلاف السّنة، وَلَكِن قَرَأت نَاسِيا مكْرها أَن أقطع
стр. 616
الْقُرْآن ".
مَسْأَلَة (١١٦) :
وَسُجُود السَّهْو غير وَاجِب وَحكي عَن أبي حنيفَة أَنه وَاجِب رُوِيَ عَن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليلق الشَّك وليبن على الْيَقِين وَإِن استيقن التَّمام سجد سَجْدَتَيْنِ / فَإِن كَانَت صلَاته تَامَّة كَانَت الرَّكْعَة نَافِلَة والسجدتان وَإِن كَانَت نَاقِصَة كَانَت الرَّكْعَة تَمامًا لصلاته والسجدتان ترغمان أنف الشَّيْطَان ".
مَسْأَلَة (١١٧) :
وَسُجُود الشُّكْر عِنْد حَادث النِّعْمَة سنة مُؤَكدَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّه بِدعَة، دليلنا مَا رُوِيَ عَن بكار بن عبد الْعَزِيز بن
стр. 617
أبي بكرَة عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ َ - " كَانَ إِذا أَتَاهُ أَمر يسر بِهِ خر سَاجِدا شكرا لله ". قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بكار بن عبد الْعَزِيز صَدُوق عِنْد الْأَئِمَّة وَهَذَا حَدِيث صَحِيح.
وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد عَن النَّبِي ﷺ َ -، وَعَن الصَّحَابَة ﵃ فَمِنْهَا: - عَن الْبَراء قَالَ: " بعث النَّبِي ﷺ َ - خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أهل الْيمن يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فَذكر الحَدِيث فِي بعث عَليّ ﵁، وإقبال خَالِد، وَإِسْلَام همذان قَالَ: فَكتب عَليّ ﵁ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ َ - الْكتاب خر سَاجِدا، ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: السَّلَام على همذان السَّلَام على همذان "، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، قد أخرج البُخَارِيّ صدر الحَدِيث وَلم يسقه بِتَمَامِهِ وَسُجُود الشُّكْر ثَابت على شَرطه.
وَمِنْهَا فِي حَدِيث كَعْب بن مَالك الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي
стр. 618
تخلفه عَن رَسُول الله ﷺ َ - وتوبته، الحَدِيث الطَّوِيل وَقَالَ فِيهِ فَبينا أَنا جَالس على الْحَال الَّذِي ذكر الله منا: " قد ضَاقَتْ عَليّ نَفسِي وَضَاقَتْ عَليّ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ: سَمِعت صَوت (صارخ) أوفى (على) جبل سلع يَقُول: بأعلا صَوته: يَا كَعْب بن مَالك أبشر قَالَ: فَخَرَرْت سَاجِدا، وَعرفت أَن قد جَاءَ فرج "، وَذكر بَاقِي الحَدِيث.
وَمِنْهَا: عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ: " دخلت الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ َ - خَارج من الْمَسْجِد فتبعته أَمْشِي وَرَاءه وَهُوَ لَا يشْعر حَتَّى دخل نخلا فَاسْتقْبل الْقبْلَة، فَسجدَ فَأطَال السُّجُود، وَأَنا وَرَاءه حَتَّى ظَنَنْت أَن الله قد توفاه فَأَقْبَلت أَمْشِي وَرَاءه حَتَّى جِئْته فطأطأت رَأْسِي أنظر فِي وَجهه فَرفع رَأسه فَقَالَ مَالك يَا عبد الرَّحْمَن فَقلت لما أطلت السُّجُود يَا رَسُول الله خشيت أَن يكون توفى نَفسك فَجئْت أنظر فَقَالَ: إِنِّي لما دخلت النّخل لقِيت جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ: أُبَشِّرك أَن الله يَقُول: من سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ، وَمن صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ " قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله ﵀ هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلَا أعلم فِي سَجْدَة الشُّكْر أصح من هَذَا الحَدِيث.
وَعند أبي دَاوُد فِي كتاب السّنَن عَن سعد قَالَ: خرجنَا مَعَ
стр. 619
رَسُول الله ﷺ َ - من مَكَّة نُرِيد الْمَدِينَة فَلَمَّا كَانَ قَرِيبا عزور نزل فَرفع يَدَيْهِ فَدَعَا الله سَاعَة ثمَّ خر سَاجِدا، فَمَكثَ طَويلا ثمَّ قَامَ فَرفع يَدَيْهِ سَاعَة، ثمَّ خر سَاجِدا ذكره ثَلَاثًا قَالَ: إِنِّي سَأَلت رَبِّي وشفعت لأمتي فَأَعْطَانِي ثلث أمتِي، فَخَرَرْت لرَبي سَاجِدا شكرا، ثمَّ رفعت رَأْسِي، فَسَأَلت رَبِّي لأمتي فَأَعْطَانِي ثلث أمتِي فَخَرَرْت سَاجِدا لرَبي شكرا ثمَّ قُمْت فَسَأَلت رَبِّي لأمتي فَأَعْطَانِي الثُّلُث الآخر فَخَرَرْت سَاجِدا لرَبي ".
وَرُوِيَ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ َ - " بشر بحاجة فَخر سَاجِدا "، وَعَن أبي عون مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ عَن عرْفجَة " أَن النَّبِي ﷺ َ - أبْصر رجلا لَهُ زمانة فَسجدَ " قَالَ مُحَمَّد بن عبيد الله: " وَأَن أَبَا بكر ﵁ أَتَاهُ فتح فَسجدَ " وَعنهُ " أَن أَبَا بكر لما أَتَاهُ فتح
стр. 620
الْيَمَامَة سجد "، وَعَن ابْن عمر " أَن النَّبِي ﷺ َ - مر بِرَجُل بِهِ زمانة، فَنزل فَسجدَ ثمَّ مر بِهِ أَبُو بكر ﵁ فَنزل فَسجدَ ثمَّ مر عمر ﵁ فَنزل فَسجدَ ".
وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن جَابر قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا رأى رجلا متغير الْخلق خر سَاجِدا، وَإِذا رأى القرد خر سَاجِدا وَإِذا قَامَ من مَنَامه خر سَاجِدا شكر لله " وَمِنْهَا مَا رُوِيَ / عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث " شهِدت عليا ﵁ يَوْم النهروان طلب المخدج فَلم يقدر عَلَيْهِ فَجعل جَبينه يعرق وَيَأْخُذهُ الكرب ثمَّ إِنَّه قدر عَلَيْهِ فَخر سَاجِدا ثمَّ قَالَ: وَالله مَا كذبت وَلَا كذبت " وَفِي ذَلِك إِثْبَات هَذِه السّنة وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٨) :
وتحريمه الصَّلَاة من الصَّلَاة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: بهَا تَنْعَقِد
стр. 621
الصَّلَاة وَلَيْسَت مِنْهَا، وَذكر حَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ قَالَ: أتيت رَسُول الله ﷺ َ - فَذكر الحَدِيث فِي سُؤَاله رَسُول الله ﷺ َ - عَن التطير وَغَيره، وَفِي كَلَامه فِي الصَّلَاة وَقَالَ فِي آخِره فَلَمَّا فرغ رَسُول الله ﷺ َ - من صلَاته بِأبي وَأمي مَا رَأَيْت معلما قبله وَلَا بعده أحسن تَعْلِيما مِنْهُ وَالله، مَا نهرني وَلَا سبني قَالَ: " إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس، إِنَّمَا هِيَ التَّكْبِير وَالتَّسْبِيح وَقِرَاءَة الْقُرْآن " أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح، قَالَ: وَقد روينَا عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يستفتح صلَاته بِالتَّكْبِيرِ " وَإِذا كَانَ التَّكْبِير فَاتِحَة الصَّلَاة كَانَ مِنْهَا كَمَا أَن فَاتِحَة الْكتاب من الْكتاب وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١١٩) :
وَالْقِيَام بِقدر فرض الْقِرَاءَة فرض فِي الصَّلَاة مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ، على عُمُوم الْأَحْوَال وَقَالَ أَبُو حنيفَة: وَحده فِي رَاكب السَّفِينَة إِن صلى قَاعِدا أَجزَأَهُ، وَدَلِيلنَا من طَرِيق الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: سُئِلَ النَّبِي ﷺ َ - عَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة فَقَالَ: " كَيفَ أُصَلِّي فِي السَّفِينَة قَالَ صل فِيهَا قَائِما إِلَّا أَن تخَاف الْغَرق " قَالَ: رُوَاته ثِقَات
стр. 622
وَالله أعلم. وَحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " ليصل قَائِما " دَلِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَقد أَخْرجَاهُ قبل هَذَا، وَرُوِيَ عَن عبيد الله بن أبي عتبَة مولى لأنس: سَافَرت مَعَ أبي الدَّرْدَاء وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَجَابِر بن عبد الله، " يُصَلِّي بِنَا إمامنا الْفَرْض قَائِما فِي السَّفِينَة وَنُصَلِّي خَلفه قيَاما وَلَو شِئْنَا لخرجنا ". وَعَن النَّضر بن أنس عَن أنس قَالَ: " كَانَ إِذا ركب السَّفِينَة فَحَضَرت الصَّلَاة والسفينة محبوسه صلى قَائِما، وَإِذا كَانَت تسير صلى قَاعِدا فِي جمَاعَة " وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون أَنه كَانَ يخْشَى دوران الرَّأْس عِنْد سَيرهَا فَلذَلِك صلى قَاعِدا وَالله أعلم والحكاية حِكَايَة حَال.
مَسْأَلَة (١٢٠) :
وَلَا تصح صَلَاة من لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب فِي كل رَكْعَة مِنْهَا إِذا أحْسنهَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقْرَأ فِيهَا مَا شَاءَ من الْقُرْآن وتجزئه صلَاته، دليلنا مَا عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -:
стр. 623
" لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْقُرْآن " أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح، وَذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ -، قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي " وَهُوَ عِنْد مُسلم فِي الصَّحِيح عَن أبي السَّائِب مولى هِشَام بن زهرَة عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي أَوله قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن فَهِيَ خداج، فَهِيَ خداج، فَهِيَ خداج، غير تَمام " فَقلت: يَا أَبَا هُرَيْرَة إِنِّي أكون أَحْيَانًا وَرَاء الإِمَام، فغمز ذراعي وَقَالَ: اقْرَأ بهَا فِي نَفسك يَا فَارسي فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " قَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ: قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي " وَذكر الحَدِيث وَذكر حَدِيث أبي ابْن كَعْب، قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ -: " أَلا أعلمك سُورَة " وَذكر الحَدِيث، " قَالَ: قلت يَا رَسُول الله: السُّورَة الَّتِي وَعَدتنِي؟ قَالَ: وَكَيف تقْرَأ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة، فَقَرَأت فَاتِحَة الْكتاب فَقَالَ هِيَ هِيَ وَهِي السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أَعْطَيْت " وَعَن أبي هُرَيْرَة: " فِي كل صَلَاة قِرَاءَة، فَمَا أسمعنا النَّبِي ﷺ َ - أسمعناكم وَمَا أخفاه منا أخفيناه مِنْكُم، من قَرَأَ بِأم الْقُرْآن فقد أَجْزَأت عَنهُ وَمن زَاد فَهُوَ أفضل ". أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح .
стр. 624
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " أم الْقُرْآن / عوض غَيرهَا، وَلَيْسَ غَيرهَا مِنْهَا عوض " قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: رُوَاة هَذَا الحَدِيث أَكْثَرهم أَئِمَّة وَكلهمْ ثِقَات، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ للرجل: " إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن " وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ أمره أَن يقْرَأ مَا تيَسّر مَعَه من الْقُرْآن وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْفَاتِحَة لسهولتها على الألسن وَابْتِدَاء المتعلمين بتعلمها، واستفتاح الْمُصَلِّين صلَاتهم بِقِرَاءَتِهَا، حَتَّى لَا يكَاد يُوجد مصل يقْرَأ فِي صلَاته غير الْفَاتِحَة، وإجماعهم على هَذَا دَلِيل على تعْيين الْقِرَاءَة فِي الْفَاتِحَة، ثمَّ جَمِيع مَا روينَا لطوله " ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن " وَالرُّجُوع إِلَى الْمُفَسّر أولى وَالله أعلم. وَعَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ صليت خلف ابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ، " فَقَرَأَ لي أول رَكْعَة بِالْحَمْد، وَأول آيَة من الْبَقَرَة ثمَّ قَامَ فِي الثَّانِيَة فَقَرَأَ: الْحَمد لله، وَالْآيَة الثَّانِيَة من الْبَقَرَة، ثمَّ ركع فَلَمَّا انْصَرف أقبل علينا فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ قَالَ عَليّ بن عمر: هَذَا إِسْنَاد حسن وَفِيه حجَّة لمن يَقُول إِن معنى قَوْله: ﴿فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ إِن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ بعد قِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب وَالله أعلم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵁: وَحَدِيث أبي سعيد " أمرنَا رَسُول الله ﷺ َ -
стр. 625
أَن نَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَمَا تيسير " حجَّة فِي ذَلِك أَيْضا، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى وهيب بن خَالِد عَن جَعْفَر بن مَيْمُون عَن أبي عُثْمَان عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ﷺ َ - " أَن أنادي فِي الْمَدِينَة أَنه لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة وَلَو بِفَاتِحَة الْكتاب " كَذَا رَوَاهُ غير وهيب عَن جَعْفَر بن مَيْمُون وَخَالفهُم سُفْيَان الثَّوْريّ وَيحيى بن سعيد الْقطَّان فِي آخَرين عَن جَعْفَر فَقَالَ الثَّوْريّ فِي رِوَايَته عَنهُ: " لَا صَلَاة إِلَّا بقرآن، بِفَاتِحَة الْكتاب "، فَمَا زَاد، وَقَالَ يحيى فِي رِوَايَته عَنهُ " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب "، فَمَا زَاد وهما إمامان، لم يرد هَذَا الحَدِيث عَن جَعْفَر أحد أحفظ وأتقن مِنْهُمَا لَا يشك فِي هَذَا إِلَّا جَاهِل، فَإِذا خالفهما غَيرهمَا فِي لفظ الحَدِيث، والْحَدِيث وَاحِد وَجب الرُّجُوع إِلَى قَوْلهمَا أَو الْجمع بَينهمَا فَنَقُول: أَرَادَ بقوله وَلَو بِفَاتِحَة الْكتاب إِذا أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَيْهَا فَلَا يُجزئ مَا دونهمَا، وَبَيَانه فِي حَدِيث عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة " من قَرَأَ بِأم الْكتاب لهَذَا أَجْزَأت عَنهُ وَمن زَاد فَهُوَ أفضل " وَالَّذِي يرْوى " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب، وَقُرْآن " لَيْسَ بِشَيْء لم يروه أحد يساوى ذكره وَالْمَحْفُوظ من رِوَايَات هَذِه الْأَحَادِيث مَا كتبنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَفِي مَسْأَلَة الْقِرَاءَة خلف الإِمَام
стр. 626
وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (١٢١) :
والطمأنينة فِي الرُّكُوع فرض وَكَذَلِكَ الِاعْتِدَال من الرُّكُوع حَتَّى يطمئن قَائِما فرض، والقعدة بَين السَّجْدَتَيْنِ فَرِيضَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة: شَيْء من ذَلِك لَيْسَ بفريضة دليلنا حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي قَوْله للرجل صلي فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ -: " ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل ثَلَاثًا، قَالَ: إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعتدل قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا " أخرجه فِي الصَّحِيح
стр. 627
البُخَارِيّ وَمُسلم جَمِيعًا وَأَخْرَجَا أَيْضا فِي الصَّحِيح عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " أقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوَاللَّه إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعدِي، وَرُبمَا قَالَ من بعد ظَهْري إِذا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ " وَعند مُسلم عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " أَتموا الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِنِّي أَرَاكُم بعد ظَهْري " وَعند البُخَارِيّ عَن الصَّلْت عَن مهْدي بن مَيْمُون / عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة أَنه مر على رجل يُصَلِّي لَا يتم رُكُوعًا وَلَا سجودا فَقَالَ لَهُ مُنْذُ كم تصلي هَذِه الصَّلَاة قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة أَو قَالَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، " فَقَالَ: مَا صليت لله صَلَاة مُنْذُ كَذَا وَكَذَا "، قَالَ ابْن مهْدي وَأَحْسبهُ قَالَ: إِن مت مت على غير سنة مُحَمَّد ﷺ َ -، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تُجزئ صَلَاة لَا يُقيم الرجل فِيهَا صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود " قَالَ عَليّ بن عمر: هَذَا إِسْنَاد ثَابت صَحِيح، وَرُوِيَ عَن يحيى بن أبي بكر عَن
стр. 628
إِسْرَائِيل بن أبي يُونُس من حَدِيث جَابر، قَالَ أَبُو الْفضل عَبَّاس بن مُحَمَّد: لم يروه إِلَّا يحيى بن أبي بكير وَهُوَ حَدِيث غَرِيب جدا وَرُوِيَ عَن أبي قَتَادَة قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: أَسْوَأ النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق من صلَاته. قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ يسرق صلَاته قَالَ: لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها " رُوَاته ثِقَات، وَرَوَاهُ عبد الحميد بن أبي الْعشْرين عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل، قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ َ - " عَن ثَلَاث عَن نقرة الْغُرَاب، وافتراش السَّبع، وَلَا يوطن الرجل الْمَكَان يُصَلِّي فِيهِ كَمَا يوطن الْبَعِير.
стр. 629
مَسْأَلَة (١٢٢) :
وَلَا يجوز السُّجُود على كور الْعِمَامَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة يجوز دليلنا من طَرِيق الْخَبَر حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أعظم على الْجَبْهَة، وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَالْيَدَيْنِ والركبتين، وأطراف الْقَدَمَيْنِ، وَلَا أكف الثَّوْب وَلَا الشّعْر " أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَأخرجه مُسلم عَن خباب قَالَ: " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - حر الرمضاء فَلم يشكنا " وَرَوَاهُ أَبُو زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَق قَالَ فِيهِ عَنهُ: " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - شدَّة الرمضاء فِي مياهنا وأكفنا فَلم يشكنا "، زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة مجمع على عَدَالَته وَكَذَلِكَ الطَّرِيق إِلَيْهِ سديد وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة وَحَدِيث رِفَاعَة " مكن جبهتك من الأَرْض قد سبق ذكره فِي مَسْأَلَة التَّكْبِير، وَذكر عَن عِيَاض بن عبد الله الْقرشِي قَالَ: " رأى رَسُول الله ﷺ َ -
стр. 630
رجلا يسْجد على كور الْعِمَامَة فَأَوْمأ بِيَدِهِ، ارْفَعْ عمامتك وَأَوْمَأَ إِلَى جَبهته " وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه " كَانَ ينْزع الْعِمَامَة من جَبهته حَتَّى يسْجد على الأَرْض "، وَعَن عبَادَة ابْن الصَّامِت " أَنه كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة حسر الْعِمَامَة على جَبهته " وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَن أنس قَالَ: " كُنَّا نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي شدَّة الْحر فَإِذا لم يسْتَطع أَحَدنَا أَن يُمكن وَجهه، فِي رِوَايَة جَبهته من الأَرْض، بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ " أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح، وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ يُرِيد بِهِ ثوبا مُنْفَصِلا عَنهُ وَبَيَانه فِيمَا روينَا، وَذكر عَن أنس أَيْضا: " كُنَّا نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي شدَّة الْحر فَيَأْخُذ أَحَدنَا الْحَصَى فِي يَده وَإِذا برد وَضعه وَسجد عَلَيْهِ " فَدلَّ أَن بسط الثَّوْب وسجودهم عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك فِي ثوب مُنْفَصِل عَن الْمُصَلِّي وَلَو جَازَ السُّجُود على ثوب مُتَّصِل لَكَانَ ذَلِك أسهل من تبريد الحصي فِي الْكَفّ ووضعها للسُّجُود عَلَيْهَا، وَرُوِيَ نَحْو هَذَا عَن جَابر " كنت أُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ َ - صَلَاة الظّهْر فآخذ قَبْضَة من الْحَصَى فِي كفي حَتَّى تبرد وأضعها لجبهتي إِذا سجدت من شدَّة الْحر ".
стр. 631
وروى مُحَمَّد بن عِيسَى عَن سَلام بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن الْفضل مَرْفُوعا إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ: " رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يسْجد على ثَوْبه " وَهَؤُلَاء الثَّلَاث كلهم ضِعَاف وروى حُسَيْن بن عبد الله وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يُصَلِّي فِي الثَّوْب الْوَاحِد يَتَّقِي حر الأَرْض وبردها بفضوله " وروى عبد الله بن الْمُحَرر وَهُوَ مَتْرُوك عَن يزِيد عَن أبي هُرَيْرَة " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يسْجد على كور الْعِمَامَة "، وروى عبد الْعَزِيز بن عبيد الله بن حَمْزَة بن صُهَيْب حَدِيثا مَرْفُوعا " فِي السُّجُود فِي أَعلَى الْجَبْهَة مَعَ قصاص الشّعْر وَفِي رِوَايَة على قصاص الشّعْر "، قَالَ عَليّ بن عمر: تفرد بِهِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وروى مَعْنَاهُ أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، روى أَن عمر قَالَ: " إِذا اشْتَدَّ
стр. 632
الْحر فليسجد على ثَوْبه، وَإِذا اشْتَدَّ الزحام فليسجد على ظهر أَخِيه "، وَهَذَا أَرَادَ بِهِ ثوبا مُنْفَصِلا، وَالله أعلم وَرُوِيَ عَن كثير بن سليم قَالَ: " رَأَيْت أنس بن مَالك يسْجد على عمَامَته " وَهَذَا يحْتَمل إِن صَحَّ أَن يكون أَرَادَ على عمَامَته وجبهته كَمَا قُلْنَا فِي الْمسْح على الْعِمَامَة، أَرَادَ عَلَيْهَا وعَلى الرَّأْس، وَعَامة مَا يحتجون بِهِ فِي جَوَاز السُّجُود على كور الْعِمَامَة لَا يثبت، وَأقرب مَا رُوِيَ فِي ذَلِك قَول الْحسن الْبَصْرِيّ " كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - يَسْجُدُونَ وأيديهم فِي ثِيَابهمْ، وَيسْجد الرجل مِنْهُم على عمَامَته " وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ يسْجد على عمَامَته وجبهته، كَمَا قُلْنَا فِي الْمسْح بِالِاحْتِيَاطِ لفرط السُّجُود أَولا وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (١٢٣) :
وَوضع الْيَدَيْنِ والركبتين فرض فِي السُّجُود كوضع الْجَبْهَة على أحد الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة؛ لَيْسَ بِفَرْض دليلنا عَن ابْن عَبَّاس
стр. 633
قَالَ: " أَمر النَّبِي ﷺ َ - أَن يسْجد على سَبْعَة يَدَيْهِ، وركبتيه، وأطراف أَصَابِعه، وجبهته، وَنهى أَن يكف مِنْهَا الشّعْر وَالثيَاب " أخرجه مُسلم وَأخرجه البُخَارِيّ كَمَا سبق وروى مُسلم فِي الصَّحِيح عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب / أَنه سمع رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " إِذا سجد العَبْد سجد مَعَه سَبْعَة أراب وَجهه وَكَفاهُ وركبتيه وَقَدمَاهُ " وَعِنْده أَيْضا عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " وَعند أبي دَاوُد عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَفعه قَالَ: " إِن الْيَدَيْنِ تسجدان كَمَا يسْجد الْوَجْه فَإِذا وضع أحدكُم وَجهه فليضع يَدَيْهِ وَإِذا رَفعه فليرفعهما " وَدَلِيل القَوْل الثَّانِي: مَا عَن عَليّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - إِذا سجد قَالَ: " اللَّهُمَّ لَك سجدت وَبِك آمَنت، وَلَك أسلمت وَعَلَيْك توكلت، سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ". أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح، اقْتِصَاره على ذكر الْوَجْه لَا يدل على أَن الرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ لَيْسَ من شَرَائِط السُّجُود، لِأَن بعض الشَّيْء يذكر وَالْمرَاد بِهِ جملَته وَبَيَانه فِيمَا روينَا وَالله أعلم.
стр. 634
مَسْأَلَة (١٢٤) :
وَالْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَرِيضَة بمثابتها فِي الأوليتين وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيست بفريضة وَدَلِيلنَا، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رجلا دخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ َ - فِي نَاحيَة الْمَسْجِد فصلى، الحَدِيث " وَفِيه إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبع الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن، وَقَالَ فِي آخِره ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا " أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيح، وَفِي رِوَايَة عِنْدهمَا الحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره، " ثمَّ كَذَلِك فِي كل رَكْعَة وَسجْدَة "، وَحَدِيث أبي قَتَادَة أَنه سمع رَسُول الله ﷺ َ - يقْرَأ فِي الْأُخْرَيَيْنِ " بِفَاتِحَة الْكتاب وَقَوله ﷺ َ - فِي حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ". دَلِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
وروى عَاصِم بن أبي النجُود عَن ذكْوَان عَن عَائِشَة ﵂ " أَنَّهَا كَانَت تَأمر بِالْقِرَاءَةِ بِفَاتِحَة الْكتاب فِي الْأُخْرَيَيْنِ " وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ مثله رَوَاهُ وهب بن كيسَان أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: " من صلى رَكْعَة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن فَلم
стр. 635
يصل إِلَّا وَرَاء الإِمَام " وَقَوله وَرَاء الإِمَام يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ إِذا أدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع فَسقط عَنهُ الْقِرَاءَة كَمَا سقط عَنهُ الْقيام، احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ " أَنه كَانَ لَا يقْرَأ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَيَقُول هما التسبيحتان " وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ، وَإِنَّمَا يرويهِ الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق عَن الْحَارِث والْحَارث غير مُحْتَج بِهِ، قَالَ الشّعبِيّ حَدثنَا الْحَارِث، وَأشْهد بِاللَّه أَنه أحد الْكَذَّابين ويوضح مَا ذكرنَا من ضعفه، مَا روينَا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن أبي رَافع عَن عَليّ ﵁ " أَنه كَانَ يَأْمر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من الظّهْر وَالْعصر بِفَاتِحَة الْكتاب ".
مَسْأَلَة (١٢٥) :
وَالتَّشَهُّد الْأَخير فِي الصَّلَاة وَاجِب قَالَ أَبُو حنيفَة: غير وَاجِب، دليلنا: حَدِيث ابْن مَسْعُود كُنَّا إِذا صلينَا خلف رَسُول الله ﷺ َ - الحَدِيث فِي التَّشَهُّد وَقَالَ فِيهِ: فَالْتَفت إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ: الله هُوَ السَّلَام، فَإِذا صلى أحدكُم فَلْيقل: " التَّحِيَّات لله " الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي رِوَايَة فَقَالَ
следующие страницы →