Полный текст (2 058 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أقركم الله على أَن التَّمْر بَيْننَا وَبَيْنكُم قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يبْعَث عبد الله بن رَوَاحَة فيخرص عَلَيْهِم ثمَّ يَقُول إِن شِئْتُم فلكم، وَإِن شِئْتُم فلي، فَكَانُوا يأخذونه وَرُوِيَ عَن سهل بن أبي حثْمَة أَن عمر بن الْخطاب بَعثه على خرص التَّمْر وَقَالَ: " إِذا أتيت أَرضًا فاخرصها ودع لَهُم قدر مَا يَأْكُلُون " هَذَا إِسْنَاد مُتَّصِل وَرُوَاته ثِقَات وَأكْثر مَا يسْتَدلّ بِهِ فِي مسالة الْعَرَايَا. دَلِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ مخرج فِي كتاب الْبيُوع وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة الْمُسَاقَاة وَالله أعلم.
стр. 877
مَسْأَلَة (٢١٧) :
وَلَا شَيْء فِي الخضروات، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: فِيهَا الْعشْر وَنصف الْعشْر إِلَّا فِي الْقصب والحطب والتبن روى سُفْيَان عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن مُوسَى بن طَلْحَة قَالَ: عندنَا كتاب لِمعَاذ بن جبل ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه: " إِنَّمَا آخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر " قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: هَذَا حَدِيث قد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ بِجَمِيعِ رُوَاته ومُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير، لَا يُنكر لَهُ أَن يدْرك أَيَّام معَاذ بن جبل ﵁ وَرَوَاهُ الثَّوْريّ فِي الْجَامِع بِهَذَا الْإِسْنَاد وَزَاد فَقَالَ: بعث الْحجَّاج مُوسَى بن الْمُغيرَة على الْخضر والسواد فَقَالَ مُوسَى بن طَلْحَة فَذكر وَشَاهده مَا رُوِيَ عَن وَكِيع عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن مُوسَى بن طَلْحَة أَن معَاذ بن جبل ﵁ لما أَتَى الْيمن لم يَأْخُذ الصَّدَقَة إِلَّا من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب، وَرُوِيَ عَن عبد الله بن نَافِع عَن إِسْحَق بن يحيى بن طَلْحَة بن
стр. 878
عبيد الله عَن مُوسَى بن طَلْحَة / عَن معَاذ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " فِيمَا سقت السَّمَاء والبعل والسيل الْعشْر، وَفِيمَا سقِِي بالنضح نصف الْعشْر "، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي التَّمْر وَالْحِنْطَة والحبوب فَأَما القثاء والبطيخ وَالرُّمَّان والقصب فقد عَفا عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ - وَله شَاهد آخر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ومعاذ ﵄ حِين بعثهما رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى الْيمن يعلمَانِ النَّاس أَمر دينهم " لَا تَأْخُذ الصَّدَقَة إِلَّا من هَذِه الْأَرْبَعَة الشّعير وَالْحِنْطَة وَالزَّبِيب وَالتَّمْر " رُوَاته ثِقَات وَهُوَ مُتَّصِل فَإِن سَماع أبي بردة بن أبي مُوسَى صَحِيح من أَبِيه وَذكر أَخْبَارًا وآثارا عَن ابْن عمر وَعَائِشَة وَعلي وَطَلْحَة بن عبيد الله وَعمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم: استدلوا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح عِنْد مُسلم عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " فِيمَا سقت الْأَنْهَار
стр. 879
العشور وَفِيمَا سقت السانية نصف الْعشْر وَالْقَصْد من هَذَا الْخَبَر بَيَان مِقْدَار الْوَاجِب فَأَما الَّذِي يجب فِيهِ فمستفاد من خبرنَا وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢١٨) :
وَالْعشر وَاجِب فِيمَا يستنبت فِي أَرض الْخراج وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجب وَالدَّلِيل وَالْكَلَام فِيهِ من طَرِيقين أَحدهمَا أَن يدل على وجوب الْعشْر من طَرِيق الْخَبَر بِمَا عِنْد البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَن سَالم عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " فِيمَا سقت السَّمَاء والأنهار والعيون أَو كَانَ بعلا الْعشْر، وَفِيمَا سقِِي بالسواقي والنضح فَنصف
стр. 880
الْعشْر " وَالثَّانِي: أَن يدل على أَن لَا خراج على أَرض مُسلم خلاف مَا زعم أَبُو حنيفَة أَن مُسلم إِذا اشْترى أَرضًا خَرَاجِيَّة فِي دَار الْحَرْب بَقِي عَلَيْهَا خراجها وَأَن الرجل إِذا أسلم على أَرض خَرَاجِيَّة بَقِي عَلَيْهِ خراجها من طَرِيق الْخَبَر عِنْد أبي دَاوُد عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص عَطاء عَن حَرْب بن عبيد الله عَن جده أبي أمه عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " فِيمَا سقت السَّمَاء على الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ على الْمُسلمين عشور وَعِنْده عَن مُحَمَّد بن عبيد عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عَطاء بن السَّائِب عَن جرير بن عبيد الله عَن النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ: " إِخْرَاج " مَكَان " عشور "، وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ فِي أهل الذِّمَّة " لَهُم مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ من أَمْوَالهم وعبيدهم " أرضيهم وماشيتهم لَيْسَ عَلَيْهِم فِيهِ إِلَّا صَدَقَة " وَالَّذِي يُؤْخَذ من أَرَاضِي الْعرَاق فَإِنَّمَا هُوَ كرا أَو ثمن لَهَا على مَا نذكرهُ فِي تَفْصِيل الْمَذْهَب وَلَيْسَ بخراج، وأصل هَذَا أَن أَرض السوَاد فتحت عنْوَة ثمَّ وَقفهَا عمر ﵁ على الْمُسلمين، والمأخوذ عَنْهَا لجَمِيع
стр. 881
الْمُسلمين وَيجْرِي مجْرى الْأُجْرَة وَالثمن، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّهَا فتحت صلحا وَللْإِمَام أَن يضْرب عَلَيْهَا خراجا. روى الشَّافِعِي عَن الثِّقَة عَن ابْن خَالِد عَن قيس، عَن جرير قَالَ: كَانَت بجليه ربع النَّاس فقسم لَهُم ربع السوَاد واستعملوا ثَلَاث أَو أَربع سِنِين الشَّك من بعض الروَاة ثمَّ قدمنَا على عمر بن الْخطاب ﵁ وَمَعِي فُلَانَة بنت فُلَانَة امْرَأَة مِنْهُم سَمَّاهَا فَقَالَ عمر: " لَوْلَا أَنِّي قَاسم مسؤول، لتركتكم على مَا قسم لكم وَلَكِنِّي أرى أَن تردوا على النَّاس " استدلوا بِمَا روى يحيى بن عَنْبَسَة عَن أبي حنيفَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا يجْتَمع على الْمُسلم خراج وعشور " وَهَذَا بَاطِل وَصله وَرَفعه يحيى بن عَنْبَسَة مُتَّهم بِالْوَضْعِ قَالَ ابْن عدي الْحَافِظ: إِنَّمَا يرويهِ أَبُو حنيفَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم من قَوْله فَرَوَاهُ يحيى فأوصله إِلَى النَّبِي ﷺ َ - " وَيحيى، مَكْشُوف الْأَمر فِي ضعفه لرواياته عَن الثِّقَات بالموضوعات. استدلوا بِمَا عِنْد مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " منعت الْعرَاق قفيزها
стр. 882
ودرهمها، ومنعت الشَّام: مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها. ودينارها وعدتم من حَيْثُ بدأتم " قَالُوا أَرَادَ بِمَنْع القفيز وَالدِّينَار
стр. 883
وَالْخَرَاج وَكَأَنَّهُ ذمّ / [امتناعهم] من أَدَاء الْخراج بَعْدَمَا مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ وَفِي ذَلِك دلَالَة على أَن الرجل إِذا أسلم على خراج لم يسْقط عَنهُ الْخراج بِإِسْلَامِهِ وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن القفيز ظَاهره الْمِكْيَال وَإِن كَانَ يتَنَاوَل الدِّينَار والعدول عَن الظَّاهِر بِلَا حجَّة محَال وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ وَالله أعلم الْحُقُوق الَّتِي تجب فِي مَال الْمُسلم من الْعشْر وَسَائِر الزكوات وَتَفْسِير هَذَا الحَدِيث فِيمَا رُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: " يُوشك أهل الْعرَاق لَا يَجِيء إِلَيْهِم دِرْهَم وَلَا قفيز، فَقَالُوا بِمَ ذَاك يَا أَبَا عبد الله؟ قَالَ: من قبل الْعَجم يمْنَعُونَ ذَاك ثمَّ سكت هنيهة ثمَّ قَالَ يُوشك أهل الشَّام أَن لَا يَجِيء إِلَيْهِم دِينَار وَلَا مدى. قَالُوا: مِم ذَاك؟ قَالَ: من قبل الرّوم يمْنَعُونَ ذَاك، ثمَّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " يكون فِي أمتِي خَليفَة يحثي المَال لَا يعده " الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح قَالَ وَفِي كتاب الغريبين عَن أبي عُبَيْدَة
стр. 884
الْهَرَوِيّ ﵀ أَنه حمله على أَخْبَار النَّبِي ﷺ َ - مَا وظف على أهل الذِّمَّة فِي هَذِه الْبِلَاد فِي زمن عمر ﵁ من الْجِزْيَة وَأَنَّهُمْ إِذا أَسْلمُوا سَقَطت عَنْهُم تِلْكَ الْجِزْيَة وَقَوله منعت: مَعْنَاهُ ستمنع بِإِسْلَامِهِمْ مَا وظف عَلَيْهِم وَفِي هَذَا الْمَعْنى يصير الْخَبَر حجَّة لنا فِي سُقُوط الْخراج وَالَّذِي يكون على طَرِيق الْجِزْيَة عَن أَرَاضِي أهل الذِّمَّة إِذا أَسْلمُوا وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢١٩) :
وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير إِذا بلغت نِصَابا كَانَ فِيمَا زَاد على النّصاب بِحِسَابِهِ، قلت الزِّيَادَة أَو كثرت، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَا لم تبلغ الزِّيَادَة أَرْبَعِينَ درهما وَمن الذَّهَب أَربع مَثَاقِيل فَلَا شَيْء فِيهَا. لنا مَا فِي حَدِيث أنس عَن أبي بكر الصّديق فِي الصَّدقَات وَفِي آخِره: وَفِي الرقة ربع الْعشْر فَإِذا لم يكن المَال إِلَّا تسعين وَمِائَة فَلهم فِيهَا صَدَقَة
стр. 885
إِلَّا أَن يشار بهَا " وَعند مُسلم عَن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة ". قَالَ سُفْيَان: والوقية أَرْبَعُونَ درهما وَوجه الِاسْتِدْلَال من هَذَا أَنا لَو خليناه وَقَوله: " وَفِي الرقة ربع الْعشْر " لَكنا نوجبه فِي قليلها وكثيرها إِلَّا أَن الشَّرْع دلّ أَن لَيْسَ ذَلِك فِيمَا نقص عَن خمس أَوَاقٍ فَعلمنَا أَنه فِي خمس أَوَاقٍ من الْوَرق فَمَا زَاد فأوجبناه فِيهَا قلت الزِّيَادَة أَو كثرت لتناولها قَوْله، وَفِي الرقة ربع الْعشْر وروى ابْن إِسْحَق عَن أبي العطوف الْجراح بن منهال وقلب اسْمه خَبرا مَرْفُوعا عَن معَاذ قَالَ فِيهِ: " وَلَا يَأْخُذ مِمَّا زَاد شَيْئا حَتَّى يبلغ أَرْبَعِينَ فَيَأْخُذ مِنْهَا درهما " وَأَبُو العطوف مِمَّن أجمع أَئِمَّة الحَدِيث على ترك حَدِيثه: وَعبادَة بن نسيء لم يسمع من معَاذ وروى إِسْحَق بن بشر عَن الْمثنى بن صباح عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده عَن
стр. 886
النَّبِي ﷺ َ - فَذكر حَدِيثا فِي الزَّكَاة قَالَ فِيهِ: " من كل مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم. فَإِن زَاد على الْمِائَتَيْنِ فَفِي كل أَرْبَعِينَ درهما دِرْهَم " وَهَذَا لَو ثَبت لم يكن فِيهِ حجَّة فَكيف وَإِسْحَق بن بشر الْكَاهِلِي مَنْسُوب إِلَى الْوَضع والمثنى لَا يحْتَج بِهِ، وَرُوِيَ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ -: " مَا يكون فِي الْوَرق زَكَاة حَتَّى يبلغ خمس أَوَاقٍ. فَإِذا بلغت فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، ثمَّ فِي كل أَرْبَعِينَ دِرْهَم ". وَهُوَ مُرْسل وَلَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يقل لَيْسَ فِيمَا دون الْأَرْبَعين بعد الْمِائَتَيْنِ شَيْء وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٠) :
كل مَا تجب الزَّكَاة فِي عينه إِذا نقص عَن النّصاب فِي بعض الْحول انْقَطع حكم الْحول فَإِذا كمل نِصَابا استؤنف الْحول. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا وجد النّصاب كَامِلا فِي طرفِي الْحول لم يُؤثر نقصانه
стр. 887
فِي أَثْنَائِهِ. لنا فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ َ -: " لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول " وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مَسْأَلَة الزَّكَاة فِي الْمُسْتَفَاد فِي أثْنَاء الْحول وَالله أعلم .
مَسْأَلَة (٢٢١) :
وَلَا زَكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح على أحد الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: فِيهِ الزَّكَاة، وَهُوَ القَوْل الآخر، فَوجه قَوْلنَا: لَا زَكَاة فِيهِ من طَرِيق الْأَثر مَا روى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر " أَنه يحلي بَنَاته وجواريه الذَّهَب ثمَّ لَا يخرج مِنْهُ الزَّكَاة "، وَرُوِيَ عَنهُ قَالَ: " زَكَاة الْحلِيّ عاريته ". وَرُوِيَ نَحوه عَن ابْن الْمسيب وَالشعْبِيّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وروى الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن عَمْرو / قَالَ: " سَمِعت رجلا يسْأَل جَابر بن عبد الله عَن الْحلِيّ أفيه الزَّكَاة؟ فَقَالَ جَابر: لَا. فَقَالَ وَإِن كَانَ يبلغ ألف دِينَار فَقَالَ جَابر: كثير " وَكَذَلِكَ
стр. 888
رَوَاهُ الثَّوْريّ وَغَيره عَن عَمْرو وَرَوَاهُ عافيه بن أَيُّوب عَن اللَّيْث عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ َ -: " لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة ". وَهَذَا لَا أصل لَهُ مَرْفُوعا، وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف على جَابر وروى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂: " كَانَت بَنَات أَخِيهَا يتامى فِي حجرها لَهُنَّ الْحلِيّ فَلَا تخرج مِنْهُ الزَّكَاة ". وَرُوِيَ عَن أَسمَاء بَيت أبي بكر أَنَّهَا كَانَت تحلي بناتها بِالذَّهَب وَلَا تزكيه، وَعَن أنس سُئِلَ عَن الْحلِيّ فَقَالَ: " لَيْسَ فِيهِ زَكَاة " وَأما وَجه قَوْلنَا أَن فِيهِ الزَّكَاة مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة " دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ َ - فَرَأى فِي يَدي سخابا من ورق فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَة؟ فَقلت: صنعتهن أتزين لَك فِيهِنَّ يَا رَسُول الله. فَقَالَ أتؤدين زكاتهن؟ فَقلت: لَا أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك. قَالَ هِيَ حَسبك من الْبر " وَرَوَاهُ حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن عُرْوَة عَن
стр. 889
عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " لَا بَأْس بِلبْس الْحلِيّ إِذا أعطي زَكَاته " وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂: " أَنَّهَا كَانَت تحلي بَنَات أَخِيهَا وَكَانَت لَا تخرج زَكَاته " مَعَ مَا روينَا عَنْهَا فِيمَا تقدم مِمَّا يدل على وجوب الزَّكَاة فِي مَال الْيَتِيم وَفِي ذَلِك تَضْعِيف مَا رُوِيَ عَنْهَا مَرْفُوعا أَو مَوْقُوفا وَالله أعلم. فإسنادهما عَنْهَا فِي وجوب الزَّكَاة لَا يُقَاوم رِوَايَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد وروى أَبُو دَاوُد عَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: " أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله ﷺ َ - وَمَعَهَا ابْنة لَهَا وَفِي يَد ابْنَتهَا مسكتان غليظتان من ذهب فَقَالَ لَهَا: أتعطين زَكَاة هَذَا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: أَيَسُرُّك أَن يسورك الله بهما يَوْم الْقِيَامَة سِوَارَيْنِ من نَار " قَالَ فخلعتهما فألقتهما إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَت: " هما لله وَلِرَسُولِهِ " وَعِنْده أَيْضا عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت: " كنت ألبس أَوْضَاحًا من ذهب فَقلت: يَا رَسُول الله: أكنز هُوَ؟ فَقَالَ: مَا بلغ أَن تُؤدِّي زَكَاته فَزكِّي فَلَيْسَ بكنز ". وروى أَبُو بكر الْهُذلِيّ حَدِيثا عَن فَاطِمَة
стр. 890
بنت قيس أتيت النَّبِي ﷺ َ - بطوق فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالا من ذهب، فَقلت يَا رَسُول الله خُذ مِنْهُ الْفَرِيضَة فَأخذ مِثْقَالا وَثَلَاثَة أَربَاع مِثْقَال. قلت يَا رَسُول الله أَفِي المَال حق سوى الزَّكَاة؟ قَالَ: نعم ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى﴾ قَالَ عَليّ بن عمر: أَبُو بكر الْهُذلِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَلم يَأْتِ بِهِ غَيره، وَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر القصاب عَن الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " فِي الْحلِيّ زَكَاة " وَأَبُو حَمْزَة ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ، وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله " أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَت: إِن لي حليا وَأَن زَوجي خَفِيف ذَات الْيَد وَإِن لي بني أَخ أفيجزي عني أَن أجعَل زَكَاة الْحلِيّ فيهم؟ قَالَ: نعم " قَالَ عَليّ بن عمر هَذَا وهم وَالصَّوَاب عَن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله مُرْسل، مَوْقُوف، وَرُوِيَ عَن يحيى بن أبي أنيسَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله قَالَ: قلت للنَّبِي ﷺ َ -: " إِن لامرأتي حليا من عشْرين مِثْقَالا. قَالَ: فأد
стр. 891
زَكَاته نصف مِثْقَال " قَالَ عَليّ: يحيى مَتْرُوك وَهَذَا وهم وَالصَّوَاب مُرْسل مَوْقُوف وَالصَّحِيح من هَذِه الرِّوَايَات فِي قصَّة امْرَأَة عبد الله مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن زَيْنَب الثقفية: امْرَأَة عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: تصدقن وَلَو من حليكن، فَذكر الحَدِيث. وَفِيه أَنَّهَا قَالَت لِبلَال: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ َ - أتجزئ عني أَن أَضَع صدقتي فِي بني أخي أَيْتَام وَبني أُخْتِي أَيْتَام فِي حجري وَأَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: أخْبرهَا أَن لَهما أَجْرَيْنِ أجر الْقَرَابَة، وَأجر الصَّدَقَة وَمَا رُوِيَ عَن يعلى قَالَ: " دخلت على النَّبِي ﷺ َ - وَفِي يَدي خَاتم من ذهب فَقَالَ: أتزكي هَذَا؟ قلت وَهل فِيهِ الزَّكَاة؟ قَالَ: جَمْرَة عَظِيمَة فَإِنَّهُ مَحْظُور وَالزَّكَاة فِيهِ وَاجِبَة " قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي زَكَرِيَّا حَدثنَا أَبُو أُسَامَة حَدثنِي شُعَيْب بن يسَار أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كتب أَن تزكّى الحلى قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا
стр. 892
مُرْسل وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٢) :
مَا يُؤْخَذ من الْبَحْر فَلَا زَكَاة فِيهِ إِلَّا أَن يكون ذَهَبا أَو فضَّة فَيكون كَمَا لَو وجد فِي الْبر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا أَخذ العنبر من الْبَحْر فَفِيهِ الْخمس، روى الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أُذُنَيْهِ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر، فَإِن قيل مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن العنبر أفيه
стр. 893
زَكَاة؟ فَقَالَ إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس قُلْنَا علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِي الرِّوَايَة الأولى وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٣) :
اعْتِبَار النّصاب فِي أَمْوَال التِّجَارَة عِنْد تَمام الْحول وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يعْتَبر فِيهِ طرفا الْحول، روى الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الله بن أبي سَلمَة عَن أبي عَمْرو بن حماس أَن أَبَاهُ قَالَ: مَرَرْت بعمر بن الْخطاب وعَلى عنقِي أدمة أحملها فَقَالَ: أَلا تُؤدِّي زكاتك يَا حماس؟ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا لي غير هَذِه الَّتِي على ظَهْري وأهبة فِي الْقرظ.
стр. 894
قَالَ: ذَاك مَال فضع فَوَضَعتهَا بَين يَدَيْهِ فحسبتها فَوجدَ قد وَجَبت فِيهِ الزَّكَاة فَأخذ مِنْهَا الزَّكَاة وَعَن سُفْيَان عَن ابْن عجلَان عَن أبي الزِّنَاد عَن أبي عَمْرو عَن أَبِيه مثله وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٤) :
وَزَكَاة الْفطر وَاجِبَة فِي العَبْد وَإِن كَانَ للتِّجَارَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تجب فَيَقُول قد أجمعنا على وجوب زَكَاة التِّجَارَة فَيدل على وجوب زَكَاة الْفطر عِنْد مُسلم وَالْبُخَارِيّ، وَاللَّفْظ لَهُ، عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه فرض صَدَقَة الْفطر صَاعا من شعير أَو تمر عَن الصَّغِير وَالْكَبِير وَالْحر والمملوك وَعند مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَيْسَ فِي العَبْد صَدَقَة إِلَّا صَدَقَة الْفطر ". وَمَا رُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت حُسَيْن يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَا ثنيا
стр. 895
فِي الصَّدَقَة " فَإِنَّهُ مُرْسل والثنيا إِنَّمَا هِيَ الِاسْتِثْنَاء يَعْنِي وَالله أعلم أَنه لَا تتْرك بَعْضهَا وَلَا يُؤَخر بَعْضهَا عَن الْعَام الَّذِي وَجَبت فِيهِ ثمَّ زَكَاة التِّجَارَة تجب فِي قيمَة العَبْد لَا فِي عينه وَزَكَاة الْفطر إِنَّمَا تجب على السَّيِّد بِسَبَب العَبْد فَلَيْسَ هَهُنَا تَثْنِيَة الصَّدَقَة فِي مَال وَاحِد وَهَذَا كَمَا أَن المتاجر يخرج زَكَاة التِّجَارَة عَن قيمَة مَال التِّجَارَة وَزَكَاة الْفطر عَن نَفسه فَلَا يُقَال إِن الصَّدَقَة ثنيت عَلَيْهِ وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٥) :
وَالدّين لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة فِي أحد الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة أَنه يمْنَع وُجُوبهَا. فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي سعيد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لِمعَاذ بن جبل ﵁ حِين بَعثه إِلَى الْيمن: فَذكر الحَدِيث وَفِيه " فَإِن هم أطاعوك فَأخْبرهُم إِن الله قد فرض عَلَيْهِم صَدَقَة تُؤْخَذ من أغينائهم وَترد على فقرائهم " قَالُوا وَمن كَانَ فِي يَده مَال وَعَلِيهِ مَال مثله فَلَا
стр. 896
يُسمى غَنِيا فَلَا تُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة قُلْنَا هُوَ غَنِي بِمَا فِي يَده وَقد يسْقط عَنهُ الدّين بإبداء أَو مِيرَاث أَو غَيره وَقد يَقع اسْم الْغَنِيّ على غير المَال بِدَلِيل مَا عِنْد مُسلم فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ َ -: " لَيْسَ الْغَنِيّ عَن كَثْرَة الْعرض وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس " وَعند البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَن السَّائِب بن يزِيد " أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان خَطِيبًا على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " هَذَا شهر زَكَاتكُمْ فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليقض دينه حَتَّى تخلص أَمْوَالكُم فتؤدوا مِنْهَا الزَّكَاة ". قَالَ الشَّافِعِي ﵁ وَحَدِيث عُثْمَان يشبه وَالله أعلم أَن يكون إِنَّمَا أَمر بِقَضَاء الدّين قبل حُلُول الصَّدَقَة فِي المَال، وَقَوله " هَذَا شهر زَكَاتكُمْ " يجوز أَن يَقُول هَذَا الشَّهْر الَّذِي إِذا مضى حلت زَكَاتكُمْ كَمَا يُقَال شهر ذِي الْحجَّة وَإِنَّمَا الْحجَّة بعد مُضِيّ أَيَّام مِنْهُ وَهَذَا على
стр. 897
قَوْله أَن الدّين لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة وَبِه قَالَ ربيعَة وَحَمَّاد بن أبي سَلمَة وَابْن أبي ليلى، وَرُوِيَ عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر فِي الرجل يستقرض فينفق على ثَمَرَته وعَلى أَهله. قَالَ: قَالَ ابْن عمر " يبْدَأ بِمَا اسْتقْرض فيقضيه فيزكى مَا بَقِي وَقَالَ ابْن عَبَّاس: " يقْضِي مَا أنْفق على ثَمَرَته، ثمَّ يزكّى مَا بَقِي " وَمن قَالَ بقول الشَّافِعِي ﵀ أَن الدّين / لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة رغم أَنَّهُمَا محجوجان بالظواهر الَّتِي وَردت فِي وجوب الْعشْر فِي الثِّمَار والزروع وَوُجُوب الزَّكَاة فِي سَائِر الْأَمْوَال وَقد فرق الشَّافِعِي ﵀ فِي الْقَدِيم بَين الْأَمْوَال الظَّاهِرَة وَبَين الْأَمْوَال الْبَاطِنَة فَقَالَ: فِي الْمُصدق إِذا قدم أَخذ الصَّدَقَة مِمَّا ظهر من مَاله مثل الْحَرْث والمعدن والماشية وَلم يَتْرُكهَا لدين وَلكنه يَتْرُكهَا إِذا أحَاط الدّين بِمَالِه من الزَّكَاة وَالتِّجَارَة الَّتِي إِلَيْهِ أَن نؤديها، وَقد روينَا عَن ابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ فِي الْفرق بَين الثِّمَار والزروع وَبَين الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي ذَلِك وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٦) :
وَمن لَهُ دين على آخر إِلَّا أَنه جَحده ثمَّ أقرّ بِهِ لزمَه أَن يخرج عَنهُ زَكَاة مَا مضى حوله على جحوده إِذا أَخذه فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
стр. 898
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاة مَا مضى حوله على جحوده. قَالَ أَبُو عبيد فِي حَدِيث عَليّ ﵁ فِي الرجل يكون لَهُ الدّين المظنون. قَالَ يُزَكِّيه لما مضى إِذا قَبضه إِن كَانَ صَادِقا قَالَ أَبُو عبيد المظنون هُوَ الدّين لَا يدْرِي صَاحبه أيقضيه الَّذِي عَلَيْهِ الدّين أم لَا. كَأَنَّهُ الَّذِي لَا يرجوه، وَرُوِيَ عَن سُفْيَان عَن ابْن عون وَهِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن عَليّ ﵁ أَنه سُئِلَ عَن الرجل يكون لَهُ الدّين فَقَالَ مَا يمنعهُ أَن يُزَكِّيه؟ قَالُوا لَا يقدر عَلَيْهِ قَالَ فَإِن كَانَ صَادِقا فَإِذا أدّى إِلَيْهِ فليزكه لما غَابَ عَنهُ. وَبِه يَأْخُذ سُفْيَان وَرُوِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: " زكوا مَا كَانَ فِي أَيْدِيكُم، وَمَا كَانَ من دين فِي ثِقَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا فِي أَيْدِيكُم، وَمَا كَانَ من دين ظنون فَلَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يقبضهُ " وَرُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز بِخِلَافِهِ عَن مَالك عَن أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب فِي مَال قَبضه بعض الْوُلَاة ظلما يَأْمر برده إِلَى أَهله وَتُؤْخَذ زَكَاته لما مضى من السنين ثمَّ أعقب ذَلِك بِكِتَاب أَلا يُؤْخَذ مِنْهُ إِلَّا زَكَاة وَاحِدَة فَإِنَّهُ كَانَ ضمارا، قَالَ أَبُو عبيد: الضمار الْغَائِب الَّذِي لَا
стр. 899
يُرْجَى وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٧) :
وَلَا شَيْء فِيمَا يسْتَخْرج من الْمَعَادِن إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَقَالَ أَبُو حنيفَة كل مَا ينطبع فَفِيهِ الْخمس كالحديد والنحاس وَمَا أشبهه وأصل هَذَا أَن الْوَاجِب فِيمَا يسْتَخْرج مِنْهُ الزَّكَاة فِي أحد الْقَوْلَيْنِ ربع الْعشْر فَلَا يجب إِلَّا فِيمَا تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْوَاجِب فِيهِ الْخمس وَقد قَالَه الشَّافِعِي أَيْضا، وَفرق فِي مَوضِع آخر بَين مَا يسْتَخْرج مِنْهُ الْعَمَل وَمَا يُؤْخَذ مِنْهُ ندرة فَقَالَ فِي الأول: فِيهِ ربع الْعشْر وَفِي الندرة: الْخمس وروينا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه أَشَارَ إِلَى هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة، وَفِي حَدِيث أنس بن مَالك غير مَا كتب لَهُ أَبُو بكر فِي الصَّدقَات وَفِيه: " وَفِي الرقة ربع الْعشْر فَإِن لم يكن المَال إِلَّا تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إِلَّا أَن يَشَاء بهَا، وَعَن أبي دَاوُد عَن ربيعَة عَن غير وَاحِد " أَن النَّبِي ﷺ َ - أقطع بِلَال بن الْحَارِث
стр. 900
الْمُزنِيّ معادن الْقبلية هِيَ من نَاحيَة الْفَرْع فَتلك الْمَعَادِن لَا تُؤْخَذ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاة إِلَى الْيَوْم " وَقد رُوِيَ مَوْصُولا عَن ربيعَة عَن الْحَارِث بن بِلَال بن الْحَارِث عَن أَبِيه " أَن رَسُول الله ﷺ َ - أَخذ من الْمَعَادِن الْقبلية الصَّدَقَة ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " جرح العجماء جَبَّار والتبر جَبَّار والمعدن جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس " وَإِنَّمَا أخرجت هَذَا الحَدِيث لِأَن النَّبِي ﷺ َ - جمع فِي هَذَا الْخَبَر بَين ذكر الْمَعْدن والركازة وأضاف إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا حِكْمَة فَلَو كَانَ الْمَعْدن والركاز وَاحِد فِي وجوب الْخمس فِيهِ لجمع بَينهمَا فِي الحكم وأضاف إِلَيْهِمَا إِيجَاب الْخمس وَالله أعلم وَرَوَاهُ عبد الله بن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة وَزَاد
стр. 901
" فَقيل وَمَا الرِّكَاز يَا رَسُول الله؟ قَالَ الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّذِي خلقه الله فِي الأَرْض يَوْم خلقت " والمقبري هَذَا ضَعِيف قَالَ الشَّافِعِي ﵀: قد اتَّقى النَّاس حَدِيثه، قَالَ الشَّافِعِي وَقد روى ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري " أَن النَّبِي ﷺ َ - أَتَاهُ رجل بِخمْس أَوَاقٍ من مَعْدن فَلم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ موصلا عَن ابْن أبي ذِئْب عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة " أَن رجلا جَاءَ بِخمْس أَوَاقٍ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله: إِنِّي أصبت هَذَا من مَعْدن فَخذ مِنْهُ الزَّكَاة قَالَ: لَا شَيْء فِيهِ " وَذكره: هَذَا مَوْصُول وَشَاهده وَذكر / إِسْنَاده عَن ابْن أبي أُميَّة عَن المَقْبُري قَالَ: أَحْسبهُ عَن أبي هُرَيْرَة " أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ َ - بِقِطْعَة فضَّة فَقَالَ: خُذ مني زَكَاتهَا، فَقَالَ من أَيْن جِئْت بهَا؟ قَالَ: من مَعْدن. قَالَ: لَا بل نعطيك مثل مَا جِئْت بِهِ وَلَا ترجع إِلَيْهِ " لَيْسَ فِي هَذَا بَيَان مِقْدَار مَا جَاءَ بِهِ وَفِيه مَا دلّ على أَنه لم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا وَفِيه النَّهْي عَن الرُّجُوع إِلَيْهِ. وَكَأَنَّهُ أحب التَّنَزُّه عَنهُ لما روينَا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " سَتَكُون معادن وَيكون فِيهَا من شرار خلق الله " قَالَ
стр. 902
الشَّافِعِي ﵀ وَهَذَا خلاف رِوَايَة عبد الله بن سعيد عَن أَبِيه عَن جده وَذَاكَ أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا وَلَو كَانَ فِيهَا شَيْء لأَخذه وَهَذَا على قَوْله فِي رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن، والبويطي عَنهُ أَن الْحول شَرط فِي وجوب الزَّكَاة فِيهِ وَأجَاب الشَّافِعِي ﵀ عَن قَوْلهم تَقول الْعَرَب. قد أركز الْمَعْدن فَإِن قَالَ إِنَّمَا يُقَال أركز الْمَعْدن عِنْد الندرة تَأتي مِنْهُ بَائِنَة مِمَّا يَأْتِي مِنْهُ بِالْعَمَلِ وَهُوَ يَقُول فِي الندرة، تَأتي مِنْهُ وَفِي الْقَلِيل يَأْتِي مِنْهُ، بِخمْس مَعًا فَلَو كَانَ يَقُول لَا يُخَمّس إِلَّا قيل أركز الْمَعْدن كَانَ قد ذهب إِلَى ضَعِيف من القَوْل أَيْضا وَذَلِكَ أَنه قد يُقَال للرجل يُوهب لَهُ الشَّيْء وللرجل مَرْكَز أذرعه، وللرجل يَأْتِيهِ فِي تِجَارَته أَكثر مِمَّا كَانَ يَأْتِيهِ وَمن ثمره أَكثر مِمَّا كَانَ يَأْتِيهِ أركزت فَإِن كَانَ باسم الرِّكَاز، اعتل فَهَذَا كُله وَأكْثر مِنْهُ يَقع عَلَيْهِ اسْم الرِّكَاز وَإِن كَانَ بالْخبر فَالْخَبَر على دفن الْجَاهِلِيَّة، وَقد حكى البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة من كتاب الْجَامِع الصَّحِيح، مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله فِي الْمَعْدن وَحكى مَا احْتج بِهِ الشَّافِعِي
стр. 903
رَحمَه الله فِي أَن الْمَعْدن لَيْسَ بركاز وَإِنَّمَا أَخذه من قَول الشَّافِعِي ﵀. استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رجلا من مزينة أَتَى رَسُول الله ﷺ َ - فَذكر حَدِيثا فِيهِ طول فِي الضوال وَغَيرهَا وَفِيه وَمَا كَانَ فِي الطَّرِيق غير الميتاء والقرية غير المسكونة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس قَالُوا فَقَوله ﷺ َ - وَمَا كَانَ فِي الطَّرِيق غير الميتاء الْقرْيَة غير المسكونة قَالُوا أَرَادَ بِهِ الْمَعْدن ثمَّ قَالَ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس. دلّ على أَنَّهُمَا يستويان فِي وجوب الْخمس فيهمَا. قَالَ الشَّافِعِي ﵀: فَإِن كَانَ حَدِيث عمر وَيكون حجَّة فَالَّذِي روى الْحجَّة عَلَيْهِ فِي غير حكم، وَإِن كَانَ حَدِيث عَمْرو غير حجَّة فالحجة بِغَيْر حجَّة جهل. رُوِيَ فِي حَدِيث عَمْرو الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق. فَقَالَ غرامته وَمثله مَعَه، وَجلد أَو نكال فَإِذا أَواه الجرين فَفِيهِ الْقطع، وَهُوَ يَقُول: غرامته فَقَط وَلَيْسَ مثله مَعَه وَيَقُول: لَا يقطع فِيهِ إِذا أَواه الجرين رطبا والجرين يؤويه رطبا، وَرُوِيَ فِي ضَالَّة الْإِبِل غرامتها وَمثلهَا مَعهَا، وَيَقُول غرامتها وَحدهَا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فَشَأْنه بهَا وَهُوَ يَقُول: إِذا كَانَ مُوسِرًا: لم يكن لَهُ أَن
стр. 904
يأكلها ويتصرف بهَا. فَخَالف حَدِيث عَمْرو الَّذِي رَوَاهُ فِي أَحْكَام وَاحْتج مِنْهُ بِشَيْء وَاحِد إِنَّمَا هُوَ توهم فِي الحَدِيث فَإِن كَانَ حجَّة فِي شَيْء فَلْيقل فِيمَا تَركه فِيهِ " قَوْله ﵀ هُوَ توهم يشتبهه أَن يكون أَرَادَ بِهِ لَيْسَ بمنصوص عَلَيْهِ فِي مَوضِع النزاع وَقد يكون المُرَاد بِهِ مَا يُؤْخَذ من أَمْوَال الْجَاهِلِيَّة ظَاهرا فِي الأَرْض فِي الطَّرِيق غير المئتاء والقرية غير المسكونة، فَقَالَ فِيهِ: وَفِي الرِّكَاز الْخمس. قَالَ الشَّافِعِي: أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى عَليّ ﵁ فَقَالَ: إِنِّي وجدت ألفا وخمسماية دِرْهَم فِي خربة بِالسَّوَادِ. فَقَالَ عَليّ ﵁: " أما لأقضين فِيهَا قضاءا بَينا: إِن كنت وَجدتهَا فِي قَرْيَة تُؤدِّي خراجها قَرْيَة أُخْرَى فَهِيَ لأهل تِلْكَ الْقرْيَة وَإِن كنت وَجدتهَا فِي قَرْيَة لَيْسَ تُؤدِّي خراجها قَرْيَة أُخْرَى فلك أَرْبَعَة أخماسه وَلنَا الْخمس ثمَّ الْخمس لَك " وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ فَإِنَّهُ ورد فِي الرِّكَاز الَّذِي هُوَ دفن الْجَاهِلِيَّة وكلامنا وَقع فِي الْمَعْدن وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٢٨) :
والنصاب مُعْتَبر فِي الْمُسْتَخْرج من الْمَعْدن على أحد الْقَوْلَيْنِ،
стр. 905
قَالَ أَبُو حنيفَة يجب فِي الْقَلِيل وَالْكثير عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي سعيد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة "، زَاد فِي رِوَايَة عِنْد البُخَارِيّ: من الْوَرق، وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: كُنَّا / عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - إِذْ جَاءَهُ رجل بِمثل بَيْضَة من ذهب فَقَالَ: يَا رَسُول الله أصبت هَذِه من مَعْدن فَخذهَا فَهِيَ صَدَقَة، مَا أملك غَيرهَا فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ أَتَاهُ من قبل رُكْنه الْأَيْمن. فَقَالَ: مثل ذَلِك فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ أَتَاهُ من رُكْنه الْأَيْسَر فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ -، ثمَّ أَتَاهُ من خَلفه فَأَخذهَا رَسُول الله ﷺ َ - فَحَذفهُ بهَا فَلَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ أَو عقرته فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك فَيَقُول هَذِه صَدَقَة ثمَّ يقْعد
يستكفي النَّاس، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى " لَو لم يكن النّصاب مُعْتَبرا لأخذ مِنْهُ الْخمس مَعَ كَثْرَة إِعَادَته لَهُ وَعرضه عَلَيْهِ وَلكنه امْتنع عَن أَخذ الْوَاجِب مِنْهَا لكَونهَا نَاقِصَة عَن النّصاب وَالله أعلم، وَأَبُو حنيفَة كَانَ يزْعم للْفَقِير خمس حق مَا يجده على نَفسه فَإِذا بذله الإِمَام يَأْخُذ وَالله أعلم.
стр. 906
مَسْأَلَة (٢٢٩) :
الْحق الْوَاجِب فِي الْمَعْدن والركاز مصرفه مصرف الزَّكَاة وَيعْتَبر بِحَال الْوَاجِد وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مصرفه مصرف الْفَيْء وَالْغنيمَة وَلَا يعْتَبر حَال الْوَاجِد عِنْد أبي دَاوُد عَن ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب بن هَاشم قَالَت: ذهب الْمِقْدَاد لِحَاجَتِهِ ببقيع الخبجبة وَإِذا جرذ يخرج من حجر دِينَارا ثمَّ لم يزل يخرج دِينَارا دِينَارا حَتَّى أخرج سَبْعَة عشر دِينَارا ثمَّ أخرج خرقَة حَمْرَاء يَعْنِي فِيهَا دِينَار فَكَانَت ثَمَانِيَة عشر دِينَارا فَذهب بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَأخْبرهُ بهَا وَقَالَ لَهُ: خُذ صدقتها، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ -: " هَل هويت إِلَى الْحجر " قَالَ: لَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ -: " بَارك الله لَك فِيهَا " إِنَّمَا لم يَأْخُذ مِنْهُ ﷺ َ - لنُقْصَان ذَلِك عَن النّصاب، وَلم يقل لَيْسَ فِيهِ زَكَاة لما قَالَ خُذ صدقتها وَالله أعلم.
стр. 907
مَسْأَلَة (٢٣٠) :
وَتجب زَكَاة الْفطر على من عِنْده فضل من قوت يَوْمه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تجب إِلَّا على من ملك نِصَابا تجب فِيهِ الزَّكَاة. لنا حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ - " فرض زَكَاة الْفطر فِي رَمَضَان على كل نفس من الْمُسلمين حر أَو عبد، رجل أَو امْرَأَة صَغِيرا أَو كَبِيرا صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير ". أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح، وَعند أبي دَاوُد عَن ابْن أبي صعير عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " صَاعا من بر أَو قَمح على كل صَغِير أَو كَبِير حر أَو عبد ذكر وَأُنْثَى، غَنِي أَو فَقير. أما غنيكم فيزكيه الله وَأما فقيركم فَيرد الله عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا أعْطى " وروى معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " كَانَ زَكَاة الْفطر على كل حر وَعبد ذكر وَأُنْثَى صَغِير
стр. 908
وكبير فَقير وغني " وَذكر الْأَثر بِتَمَامِهِ وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٣١) :
وَلَا تجب على الْمُسلم صَدَقَة الْفطر عَن عَبده الْكَافِر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجب لنا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ -: " فرض زَكَاة الْفطر من رَمَضَان صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين " وَعند أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " فرض رَسُول الله ﷺ َ - زَكَاة الْفطر طهرة للصيام من اللَّغْو والرفث وطعمة للْمَسَاكِين من أَدَّاهَا قبل الصَّلَاة فَهِيَ زَكَاة مَقْبُولَة وَمن أَدَّاهَا بعد الصَّلَاة فَهِيَ صَدَقَة من الصَّدقَات " وَفِي حَدِيث ابْن عمر دَلِيل فِي مسَائِل أخر مِنْهَا أَن وَقت وجوب زَكَاة الْفطر مُنْتَهى رَمَضَان ومبتدأ هِلَال شَوَّال. لقَوْله فرض زَكَاة الْفطر من رَمَضَان خلاف مَا زعم أَبُو حنيفَة من أَن وقته طُلُوع الْفجْر
стр. 909
من أول يَوْم من شَوَّال، وَمِنْهَا أَن على الشَّرِيكَيْنِ فِي العَبْد زَكَاة الْفطر فِيهِ بِحِسَاب الشِّرَاء خلاف مَا زعم أَبُو حنيفَة أَن الشّركَة مسقطة لَهَا وَغير ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَمَا رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر: " أَنه كَانَ يخرج صَدَقَة الْفطر عَن كل حر وَعبد صَغِير وكبير ذكر وَأُنْثَى، كَافِر وَمُسلم حَتَّى إِن كَانَ يخرج عَن مكاتبيه فَهَذَا إِن صَحَّ فَهُوَ شَيْء تبرع بِهِ ابْن عمر أَلا ترى أَنه كَانَ يُخرجهَا عَن مكاتبيه وَذَلِكَ لَا يجب عَلَيْهِ وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٣٢) :
وَزَكَاة فطر الْمَرْأَة على زَوجهَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهَا دون زَوجهَا رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه قَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ َ - بِزَكَاة الْفطر تُؤَدّى قبل أَن يخرج النَّاس إِلَى الصَّلَاة، قَالَ فَكَانَ عبد الله يُؤَدِّيهَا قبل ذَلِك بِالْيَوْمِ وباليومين قَالَ وَكَانَ عبد الله يُؤَدِّيهَا عَن كل مَمْلُوك لَهُ فِي أرضه وَغير أرضه عَن كل إِنْسَان يعوله صَغِيرا أَو كَبِيرا وَعَن رَقِيق امْرَأَته وَكَانَ لَهُ مكَاتب بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ لَا يُؤَدِّي عَنهُ
стр. 910
إِسْنَاده صَحِيح وَعنهُ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُعْطي صَدَقَة الْفطر عَن جَمِيع أَهله صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ عَمَّن يعول وَعَن رَقِيقه وَعَن رَقِيق نِسَائِهِ " وَهَذَا أَيْضا صَحِيح وَعَلِيهِ اعتمادي من طَرِيق الْخَبَر وَلَا اعْتمد السَّنَد الَّذِي قدمت ذكره لِأَن إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَالله أعلم.
مَسْأَلَة (٢٣٣) :
وَلَا يُجزئ من الْبر إِلَّا صَاع وَقَالَ أَبُو حنيفَة يُجزئهُ نصف صَاع. لنا حَدِيث / أبي سعيد الصَّحِيح قَالَ كُنَّا نعطي زَكَاة الْفطر فِي زمن النَّبِي ﷺ َ - صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير أَو صَاعا من أقط وَالطَّعَام فِي هَذَا الحَدِيث المُرَاد بِهِ الْحِنْطَة بِدَلِيل تنَاولهَا من طَرِيق الْعَرَبيَّة وَبِمَا روى أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده عَن عِيَاض بن عبد بن أبي سرح قَالَ: قَالَ أَبُو سعيد وَذكر عِنْده صَدَقَة الْفطر فَقَالَ: لَا أخرج إِلَّا مَا كنت أخرجه فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ -: " صَاعا من تمر أَو صَاعا من حِنْطَة أَو صَاعا من شعير أَو صَاعا من أقط فَقَالَ لَهُ رجل من الْقَوْم أَو مد من قَمح فَقَالَ: لَا تِلْكَ قيمَة مُعَاوِيَة
стр. 911
لَا أقبلها وَلَا أعمل بهَا " وَقد رَوَاهُ غَيره فَلم يذكر الْحِنْطَة، وَقد ذكرهَا هُوَ وَالطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيح، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة فَكيف عَن إِمَام مثله ﵁ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عِيَاض بن عبد الله عَن أبي سعيد قَالَ: " كُنَّا نخرج إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول الله ﷺ َ - زَكَاة الْفطر على كل صَغِير وكبير حرا ومملوكا صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من أقط أَو صَاعا من شعير أَو صَاعا من تمر أَو صَاعا من زبيب فَلم نزل نخرجهُ حَتَّى قدم مُعَاوِيَة حَاجا أَو مُعْتَمِرًا يكلم النَّاس على الْمِنْبَر، فَكَانَ فِيمَا كلم بِهِ النَّاس، أَن قَالَ إِنِّي أرى مَدين من تمر الشَّام تعدل صَاعا من تمر فَأخذ بذلك النَّاس فَقَالَ أَبُو سعيد: فَأَما أَنا فَلَا أَزَال أخرجه أبدا مَا عِشْت وَعِنْده أَيْضا عَن أبي سعيد أَن مُعَاوِيَة لما جعل نصف الصَّاع من الْحِنْطَة عدل صَاع من تمر أنكر ذَلِك أَبُو سعيد وَقَالَ: لَا أخرج فِيهَا إِلَّا الَّذِي كنت أخرج فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - " صَاع من تمر أَو صَاع من زبيب أَو صَاع من شعير أَو صَاع من أقط ". وَزعم بعض من نصر قَول من قَالَ: يُجزئ نصف صَاع من بر أَن لَا حجَّة فِي حَدِيث أبي سعيد لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يُعْطوا من ذَلِك مَا عَلَيْهِم ويريدون فضلا لَيْسَ عَلَيْهِم وَاسْتشْهدَ بِرِوَايَة رَوَاهَا عَن الْحسن: " أَن مَرْوَان بعث إِلَى أبي سعيد أَن ابْعَثْ إِلَيّ زَكَاة رقيقك. فَقَالَ أَبُو سعيد: إِن مَرْوَان لَا يعلم أَن علينا أَن نعطي لكل رَأس عبد كل فطر صَاعا من تمر أَو نصف صَاع من بر وَهَذَا إِن صَحَّ فَلِأَن
стр. 912
مَرْوَان كَانَ يطالبهم عَن كل رَأس صَاع من تمر أَو نصف صَاع من بر على تَعْدِيل مُعَاوِيَة. فَقَالَ أَبُو سعيد: قد أَعْطَيْت ذَلِك فَلم يطالبني بِالزِّيَادَةِ وَقد أخبر فِي حَدِيث عِيَاض بِمَا كَانَ يُخرجهُ، وَأنكر تَعْدِيل مُعَاوِيَة فَكيف يَصح هَذَا عَنهُ إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا، وَلَو جَازَ لقَائِل أَن يَقُول فِي الطَّعَام كَانُوا يخرجُون بعضه فرضا وَبَعضه فضلا لجَاز لغيره أَن يَقُول مثله فِي سَائِر الْأَجْنَاس ولجاز لغيره أَن يَقُول فِي الْمَدِين إِنَّمَا قَالَه فِي من لم يجز أَكثر من ذَلِك وَلَكِن الْأَمر على مَا شَاءَ وَالله أعلم. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن نَافِع أَن ابْن عمر قَالَ: " إِن رَسُول الله ﷺ َ - أَمر بِزَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير " قَالَ عبد الله: فَجعل النَّاس عدله مَدين من حِنْطَة يَعْنِي مُعَاوِيَة وَمن تَابعه عَلَيْهِ بِدَلِيل حَدِيث أبي سعيد الصَّرِيح فِي ذَلِك، وبدليل مَا رُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله ﷺ َ - " فرض زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من بر على كل حر وَعبد ذكرا أَو أُنْثَى من الْمُسلمين " قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: " هَذَا حَدِيث صَحِيح فَإِن قيل قد رَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ " عبد الله فَلَمَّا كَانَ عمر ﵁ وَكَثُرت الْحِنْطَة جعل عمر نصف صَاع حِنْطَة مَكَان صَاع من تِلْكَ الْأَشْيَاء "، قيل عبد الْعَزِيز بن أبي رواد ضَعِيف الحَدِيث كثير الْوَهم يروي على التَّوَهُّم وَيحدث على الحسبان وَكَانَ يرى الإرجاء مَاتَ
стр. 913
وسُفْيَان الثَّوْريّ بِمَكَّة فَلم يصل عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَبُو حَمَّاد الْمفضل بن صدقه فِي هَذَا الحَدِيث وَذكر أَن عبد الله بن عمر هُوَ الَّذِي (عدل) الْمَدِين بالصاع وَأَبُو حَمَّاد هَذَا قد تكلمُوا فِيهِ وَقد خَالف رِوَايَة عبد الْعَزِيز أَيْضا وَالصَّحِيح مَا مضى أَن ابْن عمر قَالَ: فَجعل النَّاس عدله مَدين لم يعزه إِلَى أحد وَقد بَينه الحَدِيث الآخر الصَّحِيح عَن أبي سعيد وَالله أعلم. استدلوا بِحَدِيث عَن ابْن عمر أَنه قَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ َ - فِي زَكَاة الْفطر نصف صَاع من حِنْطَة أَو صَاعا من تمر وَذكر فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا ثمَّ قَالَ وَفِي الْجُمْلَة لَا يَصح هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد إِذْ لَو كَانَ عِنْد ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - فرض فِي زَكَاة الْفطر نصف صَاع من حِنْطَة لما كَانَ يَقُول فَجعل النَّاس عدله مَدين من حِنْطَة / وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر عَن ابْن عمر مَرْفُوعا " صَدَقَة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير أَو مَدين من حِنْطَة " إِسْنَاده مظلم، وَفِيه بَقِيَّة عَن دَاوُد بن الزبْرِقَان وَقد تكلمُوا فيهمَا وَالطَّرِيق إِلَيْهِمَا فيهمَا لَيْسَ بواضح وَالله أعلم ثمَّ يُعَارضهُ مثله وَذكر حديثين فِي أَحدهمَا " أَو صَاع من بر " وَفِي الآخر " أَو صَاعا من قَمح " وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا قَالَ فِيهِ " أَو نصف صَاع من بر " وَذكر فِيهِ اخْتِلَافا
стр. 914
كَبِيرا على الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاده وَمَتنه مِنْهَا مَا أخرجه الدراقطني فِي سنَنه وَقَالَ فِيهِ: " صَاعا من بر " وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي بِمَعْنى حَدِيث فِيهِ " أَو صَاع من قَمح " وَقَالَ هَكَذَا رِوَايَة بكر لم يقم هَذَا الحَدِيث غَيره قد أصَاب الْإِسْنَاد والمتن، وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن أبي صعير قَالَ " كُنَّا نخرج على عهد عمر ﵁ " نصف صَاع من تمر " قَالَ مُحَمَّد بن يحيى: لَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ هَذَا مُنكر الْإِسْنَاد والمتن وَهَذَا مِمَّا أرَاهُ لم يسمعهُ عَن الزُّهْرِيّ ثمَّ قَالَ: وَقد ذكرنَا مَا انْتهى إِلَيْنَا من الِاخْتِلَاف فِيهِ على الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاده وَمَتنه وبمثل ذَلِك لَا تقوم الْحجَّة، وَرُبمَا استدلوا بِحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن هُرْمُز عَن أبي هُرَيْرَة وَهُوَ مَوْقُوف، وَالَّذِي هُوَ مَرْفُوع مُرْسل، وَقد رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِخِلَافِهِ وَرُبمَا استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَهُوَ وهم وَالصَّوَاب عَن عَطاء من قَوْله كَذَا رَوَاهُ عبد الْوَهَّاب بن عَطاء وَغَيره عَن ابْن جريج، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن شُعَيْب وَهُوَ مخرج بعد هَذَا، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ عَن عبد الحميد عَن
стр. 915
أَبِيه عَن أبي سَلمَة عَن ابْن عَبَّاس والواقدي ضَعِيف الحَدِيث جدا. قَالَ الشَّافِعِي: كتب الْوَاقِدِيّ كذب، وَقَالَ ابْن معِين: الْوَاقِدِيّ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ الْوَاقِدِيّ: يضع الحَدِيث، وَرَوَاهُ سَلام الطَّوِيل عَن زيد الْعمي عَن عِكْرِمَة عَنهُ مَرْفُوعا، قَالَ عَليّ بن عمر: سَلام الطَّوِيل مَتْرُوك الحَدِيث، وَلم يسْندهُ غَيره وَالصَّوَاب من هَذِه الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس مُرْسل كَمَا عِنْد أبي دَاوُد عَن الْحسن: قَالَ خطب ابْن عَبَّاس فَذكر الحَدِيث مَرْفُوعا وَفِيه " أَو نصف صَاع قَمح "، وَقَالَ فَلَمَّا قدم عَليّ ﵁ وَرَأى رخص السّعر وَقَالَ: قد أوسع الله عَلَيْكُم لَو جعلتموه صَاعا من كل شَيْء. قَالَ حميد: وَكَانَ الْحسن يرى صَدَقَة رَمَضَان على من صَامَ، وَهَذَا مُرْسل الْحسن لم يسمع من ابْن عَبَّاس، قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْبَراء سَمِعت عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي زَكَاة الْفطر. فَقَالَ: حَدِيث بَصرِي وَإِسْنَاده مُرْسل رَوَاهُ الْحسن
следующие страницы →