"فائدة" لو صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا؟ لزمته الإعادة. وله أن يؤم فيها من لم يصل، صححه الشارح وغيره؛ لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، ووجوب فعلها، أشبه ما لو شك هل صلى أو لا؟.
(ولا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما) كالعشاء (ولا عكسه) ومثله صلاة كل مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتًا واسمًا. لما تقدم من قوله: ﷺ "فلا تختلفوا عليه" (١) لأن الاختلاف في الصفة كالاختلاف في الوصف.
"تتمة" إذا صلى مريض بمِثله ظهرًا قبل إحرام صلاة الجمعة، ثم حضر الإمام الجمعة، لم تنقلب ظهره نفلًا في الأصح. ذكره في "المبدع".
стр. 1262
فصل في الموقف
(السنة وقوف المأمومين خلف الإمام) رجالًا كانوا أو نساء؛ لفعله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة، قام أصحابُه خلفه. وقد روي "أن جابرًا وجبارًا، وقف أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، فأخذ بأيديهما، حتى أقامهما خلفه" رواه مسلم، وأبو داود (١)، ولا ينقلهما إلا إلى الأكمل.
وما رُوي عن ابن مسعود أنه "صلى بين علقمة والأسود وقال: "هكذا رأيت النَّبيَّ ﷺ فعلَ" رواه أحمد (٢) ففيه هارون بن عنترة (٣) وقد وثقه جماعة. وقال ابن حبان (٤): لا يحتج به. وقال ابن عبد البر (٥): لا يصح رفعه. والصحيح أنه من قول ابن مسعود (٦). وأجيب: بأنه منسوخ، أو محمول على
стр. 1263
الجواز، وأجاب ابن سيرين بأن المسجد كان ضيقًا. رواه البيهقي (١).
(إلا إمام العراة، و) إلا (إمامة النساء، فوسطًا وجوبًا في الأولى) أي إمام العراة، لما تقدم في ستر العورة (واستحبابًا في الثانية) أي إمامة النساء. روي عن عائشة. ورواه سعيد عن أم سلمة (٢). ولأنه يستحب لها التستر، وهذا أستر لها.
(فإن وقفوا) أي المأمومون (قدامه) أي الإمام (ولو بـ) قدر تكبيرة (إحرام) ثم تأخروا (لم تصح صلاتهم) لقوله ﷺ : "إنما جعلَ الإمامُ ليؤتم به" (٣) والمخالفة في الأفعال مبطلة؛ لكونه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات خلفه؛ ولأنه لم ينقل عنه ﷺ ، ولا هو في معنى المنقول، فلم يصح، كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام. وهو عام في كل الصلوات.
(غير داخل الكعبة في نفل، إذا تقابلا) بأن كان وجه الإمام إلى وجه المأموم (أو) تدابرا بأن (جعل) المأموم (ظهره إلى ظهر إمامه) لأنه لا يعتقد خطأه، وإنما خصه بالنفل لما تقدم من أن الفرض لا يصح داخلها.
و (لا) تصح (إن جعل) المأموم (ظهره إلى وجهه) أي الإمام (لتقدمه) أي المأموم (عليه) أي على إمامه (و) إلا (فيما إذا استدار الصف حولها) أي الكعبة (فلا بأس بتقدم المأموم، إذا كان في الجهة المقابلة للإمام) يعني في غير جهة الإمام؛ لأنه لا يتحقق تقدمه عليه (فقط) أي دون جهة الإمام، فلا تصح إن تقدم عليه فيها. قال في "المبدع": فإن كان المأموم أقرب في جهته من الإمام في جهته جاز، فإن كانا في جهة واحدة بطلت. وهذا معنى كلامه في "المنتهى" وغيره.
стр. 1264
(و) إلا (في شدة الخوف إذا أمكن المتابعة) فلا يضر تقدم المأموم. نص عليه، لدعاء الحاجة إليه. فإن لم تمكن المتابعة، لم يصح الاقتداء.
(وإن وقفوا) أي المأمومون (معه) أي الإمام (عن يمينه، أو) وقفوا (عن جانبيه، صح) لما تقدم.
(وإن كان المأموم واحدًا وقف عن يمينه) أي الإمام، لإدارة النَّبي ﷺ ابن عباس، وجابرًا، إلى يمينه لما وقفا عن يساره، رواه مسلم (١). ويندب تخلفه قليلًا خوفًا من التقدم، ومراعاة للمرتبة. قاله في "المبدع".
(فإن بان عدم صحة مصافته، لم تصح) لأنه فذ. قال في "الفروع" و"المبدع": والمراد لمن لم يحضر معه أحد، فيجيء الوجه: تصح منفردًا، أو كصلاتهم قدامه، في صحة صلاته وجهان انتهيا.
قلت: ظاهر "المنتهى" صحة صلاة الإمام في الثانية، قال: فإن تقدمه مأموم، لم تصح له. قال في "الفروع": ونقل أبو طالب في رجل أم رجلًا قام عن يساره: يعيد، وإنما صلى الإمام وحده. فظاهره: تصح منفردًا دون المأموم، وإنما يستقيم على إلغائه الإمامة. ذكره صاحب "المحرر".
(فإن وقف) المأموم الرجل أو الخنثى (خلفه) أي الإمام (أو) وقف المأموم مطلقًا (عن يساره) مع خلو يمينه (وصلى ركعة كاملة بطلت) صلاته. نص عليه. لما تقدم من إدارة النَّبي ﷺ ابن عباس، وجابرًا. وعنه: تصح. اختاره أبو محمد التميمي، والموفق. قال في "الفروع": وهي أظهر. وفي "الشرح": هي القياس، كما لو كان عن يمينه، وكون النَّبي ﷺ رد جابرًا وابن عباس: لا يدل على عدم الصحة، بدليل رد جابر وجبار إلى ورائه، مع صحة صلاتهما عن جانبيه.
(وإذا وقف) المأموم (عن يساره) أي الإمام (أحرم، أو لا، سن للإمام
стр. 1265
أن يديره من ورائه إلى يمينه، ولم تبطل تحريمته) لما سبق من فعله ﷺ بابن عباس وجابر.
(وإن كبر) مأموم (وحده خلفه) أي الإمام (ثم تقدم عن يمينه، أو جاء) مأموم (آخر فوقف معه، أو تقدم إلى الصف بين يديه، أو كانا) أي المأمومان (اثنين، فكبر أحدهما) للإحرام (وتوسوس الآخر، ثم كبر قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، صحت صلاتهم) وكذا لو أحرم واحد عن يمين الإمام فأحسَّ بآخر، فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني ثم أحرم، أو أحرم عن يسار الإمام، فجاء آخر، فوقف عن يمينه قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، لأنه لم يصل فذًا ركعة ولا أكثرها.
(فإن وقف) مأموم (عن يمينه) أي الإمام (و) وقف (آخر عن يساره، أخرهما خلفه) لما تقدم من رده ﷺ جابرًا وجبارًا وراءه، (فإن شق) عليه تأخيرهما تقدم عنهما (أو لم يمكن تأخرهما، تقدم الإمام) عنهما ليصيرا وراءه وصلى بينهما (فإن تأخر الأيمن قبل إحرام الداخل ليصليا خلفه، جاز) ذلك. وفي "النهاية" و"الرعاية": بل أولى؛ لأنه لغرض صحيح، و (كتفاوت إحرام اثنين خلفه) لأنه يسير (ثم إن بطلت صلاة أحدهما) لسبقه الحدث ونحوه (تقدم الآخر إلى الصف) إن كان (أو) تقدم (إلى يمين الإمام) إن لم يكن صف (أو جاء آخر فوقف معه خلف الإمام) لئلا يصير فذًا (وإلا) بأن لم يمكن تقدمه إلى الصف، بأن لم يكن فيه فرجة واحتاج إلى عمل كثير، ولا إلى يمين الإمام، ولا جاء آخر فوقف معه (نوى المفارقة) للعذر (وإن أدركهما) أي أدرك مأموم الإمام والمأموم (جالسين أحرم، ثم جلس عن يمين صاحبه، أو عن يسار الإمام، ولا تأخر إذن للمشقة) قال في "المبدع": وظاهره أن الزمنى لا يتقدمون ولا يتأخرون للعلة.
стр. 1266
(و الاعتبار في التقدم والمساواة بمؤخر قدم، وهو العقب) كما تقدم في تسوية الصفوف.
(وإلا) أي وإن لم يكن التقدم بمؤخر القدم (لم يضر، كطول المأموم) عن إمامه (لأنه يتقدم برأسه في السجود.
فلو استويا) أي الإمام والمأموم (في العقب، وتقدمت أصابع المأموم لم يضر) أي لم يؤثر في صلاة المأموم، لعدم تقدم عقبه على عقب إمامه.
(وإن تقدم عقب المأموم عقب الإمام مع تأخر أصابعه) أي المأموم عن أصابع الإمام (لم تصح) صلاة المأموم، لتقدمه على إمامه، اعتبارًا بالعقب. ولو قدم رجله وهي مرتفعة عن الأرض، لم يضر لعدم اعتماده عليها (وكذا تأخر عقب المأموم) فإنه المعتبر، وإن تقدمت أصابعه. لكن لا يضر تأخر عقبه إلا إذا بان عدم مصافته لإمامه كما تقدم، بل تقدم عن "المبدع": أنه يندب تأخره قليلًا أي بحيث لا يخرج عن كونه مصافًا له.
(فإن صلى قاعدًا فالاعتبار بمحل القعود) لأنه محل استقراره (وهو الألية، حتى لو مد) المأموم (رجليه وقدمهما على الإمام، لم يضر) لعدم اعتماده عليهما.
قلت: فإن كان أحدهما قائمًا والآخر قاعدًا؛ فلكل حكمه، فلا يقدم القائم عقبه على مؤخر ألية الجالس.
(وإن أم) رجل (خنثى، وقف) الخنثى (عن يمينه) احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون رجلًا، فإن كان معهما رجل، وقف الرجل عن يمين الإمام، والخنثى عن يساره، أو عن يمين الرجل، ولا يقفان خلفه، لجواز أن يكون امرأة، وإن كان معهم رجل آخر، وقف الثلاثة خلفه صفًّا.
(وإن أم رجل) امرأة، وقفت خلفه، وسواء كان معه رجل أو رجال أو لا.
стр. 1267
(أو) أم (خنثى امرأة، وقفت خلفه) لقوله ﷺ : "أخروهنَّ من حيث أخرهن الله" (١) (فإن وقفت) المرأة (عن يمينه) أي يمين الرجل أو الخنثى الإمام، فكرجل، فتصح (أو) وقفت (عن يساره، فكرجل في ظاهر كلامهم) وجزم به في "المنتهى" وغيره. فإن كان مع خلو يمينه، لم تصح صلاتها يساره، وإلا صحت. وفي "التعليق": إذا كان الإمام رجلًا وهو عريان فإنها تقف عن يمينه (٢).
(ويكره لها الوقوف في صف الرجال) لما تقدم من أمره ﷺ بتأخيرهن (١) (فإن فعلت) أي وقفت في صف الرجال (لم تبطل صلاة من يليها، ولا) صلاة (من خلفها) فصف تام من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من رجال (ولا) صلاة (أمامها (٣)، ولا صلاتها) كما لو وقفت في غير صلاة. والأمر بتأخيرها لا يقتضي الفساد مع عدمه.
(وإن أم) رجل (رجلًا وصبيًا، استحب أن يقف الرجل عن يمينه) لكمال الرجل (والصبي عن يساره، أو) أم (رجلًا وامرأة، وقف الرجل عن يمينه والمرأه خلفه) لحديث مسلم عن أنس أن النَّبيَّ ﷺ : "صلى به وبأمه، فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" (٤).
(ولا بأس بقطع الصف عن يمينه) أي الإمام (أو خلفه. وكذا إن بعدَ الصف منه) أي من الإمام فلا بأس به (نصًّا).
(وقربه) أي الصف (منه) أي الإمام (أفضل) من بعده. وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض (وكذا توسطه) أي الإمام للصف أفضل؛ لحديث
стр. 1268
أبي هريرة قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "وسطوا الإمام، وسدُّوا الخللَ" رواه أبو داود (١).
(وإن انقطع) الصف (عن يساره) أي الإمام (فقال ابن حامد: إن كان) الانقطاع (بعد مقام ثلاثة رجال، بطلت صلاتهم) أي صلاة المنقطعين عن الصف يسار الإمام، وجزم بمعناه في "المنتهى".
(وإن اجتمع) في الصلاة (أنواع) من رجال وصبيان ونساء وخناثى (سن تقديم رجال) لما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري: "ألا أحدثكم بصلاة النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: فأقام الصف (٢)، فصف الرجالَ، وصف الغلمانَ خلفهم" (٣) ورواه أحمد بمعناه، وزاد فيه: "والنساءَ خلف الغلمانِ" (٤).
ويقدم من الرجال (أحرار) على أرقاء لمزيتهم بالحرية (ثم عبيد) بالغون (الأفضل، ثم الأفضل) منهما لحديث أبي مسعود الأنصاري قال: كان النَّبيُّ ﷺ يقول: "ليلني (٥) منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
стр. 1269
يلونهم" رواه أبو داود (١).
(ثم صبيان كذلك) أي أحرار، ثم عبيد، الأفضل فالأفضل. لما تقدم.
(ثم خناثى) هكذا في "المقنع" لاحتمال أن يكونوا رجالًا. وهذا إن قلنا: يصح وقوف الخناثى صفًا. وفي "المنتهى": وإن وقف الخناثى صفًا لم يصح، وذلك لأن الرجل مع المرأة فذ.
(ثم نساء) أحرار بالغات، ثم إماء بالغات، ثم أحرار غير بالغات، ثم إماء غير بالغات، الفضلى فالفضلى.
(ويقدم من الجنائز إلى الإمام) عند اجتماع موتى في المصلى (و) يقدم (إلى القبلة في قبر واحد، حيث جاز) دفن ميتين فأكثر في قبر واحد (رجل حر، ثم عبد بالغ، ثم صبي كذلك) أي حر، ثم عبد (ثم خنثى) حر، ثم عبد: البالغ، ثم الصبي فيهما (ثم امرأة حرة) بالغة (ثم أمة) بالغة، ثم صبية حرة، ثم صبية أمة (وتأتي تتمته) في الجنائز. وتقدم مع تعدد النوع الأفضل فالأفضل، كما في المصافة.
(ومن لم يقف معه إلا امرأة) وهو رجل، ففذ (أو) لم يقف معه إلا (كافر، أو مجنون أو خنثى، أو محدث، أو نجس، يعلم مصافه ذلك) أي أنه محدث أو نجس، وكذا لو علم المصاف حدث أو نجس نفسه (ففذ) لأنهم من غير أهل الوقوف معه؛ ولأن وجود الكافر، والمجنون، والمحدث، والنجس، كعدمه. وكذا إذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته، قاله في "الشرح". فدل على أن من صحت صلاته صحت مصافته.
(وكذا) من لم يقف معه إلا (صبي في فرض) وهو رجل، ففذ. لما تقدم. فإن كانت نفلًا، فليس بفذ، لقول أنس: "فقام ﷺ ، وصففت أنا
стр. 1270
واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" ﷺ متفق عليه (١) (و) كذا (امرأة مع نساء) إذا لم يقف معها إلا كافرة أو مجنونة، أو من تعلم حدثها، أو نجاستها، ففذ. أو وقف معها في فرض غير بالغة، ففذ.
(وإن لم يعلم المحدث حدث نفسه فيها) أي في الصلاة حتى انقضت (ولا علمه مصافه) كذلك (فليس بفذ) وكذا إن لم يعلم ما ببدنه، أو ثوبه، أو بقعته من نجاسة، ولا علمه مصافه حتى انقضت فليس بفذ؛ لأنه لو كان إمامًا له، إذن لم يعد، فأولى إذا كان مصافًا.
(ومن وقف معه متنفل، أو من لا يصح أن يؤمه كالأمي) يقف مع القارئ (والأخرس) يقف مع الناطق (والعاجز) عن ركن أو شرط يقف مع القادر عليه (وناقص الطهارة) العاجز عن إكمالها يقف مع تام الطهارة (والفاسق) يقف مع العدل (ونحوه) أي نحو ما ذكر (فصلاتهما صحيحة) لأنه لا يشترط لها صحة الإمامة.
(ومن جاء فوجد فرجة) - بضم الفاء - (٢) وهي الخلل (في الصف)، دخل فيه (٣) (أو وجده) أي الصف (غير مرصوص، دخل فيه) نص عليه؛ لقوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلونَ الصفَّ" (٤). قال ابن تميم: فإن كانت أي الفرجة بحذائه لزم أن يمشي إليها عرضًا (فإن مشى إلى
стр. 1271
الفرجة عرضًا بين يدي (١) المأمومين، كره) له ذلك، لما تقدم من حديث: "لو يعلم المار بين يدي المصلي" الحديث (٢). ولعل عدم التحريم هنا: إما لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو للحاجة.
(فإن لم يجد) موضعًا في الصف يقف فيه (وقف عن يمين الإمام إن أمكنه) ذلك؛ لأنه موقف الواحد (فإن لم يمكنه) الوقوف عن يمين الإمام (فله أن ينبه بكلام، أو بنحنحة، أو إشارة من يقوم معه) لما في ذلك من اجتناب الفذية (ويتبعه) من نبهه، وظاهره: وجوبًا؛ لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به.
(ويكره) تنبيهه (بجذبه، نصًا) (٣) لما فيه من التصرف فيه بغير إذنه (ولو كان عبده، أو ابنه) لأنه لا يملك التصرف فيه حال العبادة، كالأجنبي.
(فإن صلى فذًا ركعة - ولو امرأة خلف امرأة -) لم تصح؛ لما روى علي بن شيبان أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا صلاة لفردٍ خلف الصف" رواه أحمد، وابن ماجه (٤). وعن وابصة بن معبد أن النَّبيَّ ﷺ : "رأى رجلًا يصلي خلفَ الصفِّ،
стр. 1272
فأمره أن يعيد الصلاة" رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه (١)، وإسناده
стр. 1273
ثقات. قال ابن المنذر (١): ثبَّت أحمد وإسحاق هذا الحديث. ولأنه خالف الموقف، أشبه ما لو وقف قدام الإمام. ولا فرق بين العالم والعامد وضدهما.
(أو) وقف (عن يساره، ولو) كان المأموم (جماعة مع خلو يمينه، لم تصح) إذا صلى ركعة كذلك؛ لمخالفته موقفه. وتقدم ما فيه (ولو كان خلفه) أي الإمام (صف) فلا تصح صلاة من صلى عن يساره مع خلو يمينه.
(فإن كبر) فذًا (ثم دخل في الصف طمعًا في إدراك الركعة، أو وقف معه آخر قبل الركوع، فلا بأس) بذلك؛ لأنه يسير.
(وإن ركع فذًا ثم دخل في الصف، أو وقف معه) مأموم (آخر قبل رفع الإمام) من الركوع (صحت) صلاته؛ لأنه أدرك في الصف ما يدرك به الركعة (وكذا إن رفع الإمام) من الركوع فذا (ولم يسجد) حتى دخل الصف، أو جاء آخر فوقف معه صحت صلاته؛ لأن أبا بكرة - واسمه نفيع بن الحارث - ركع دونَ الصفِّ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "زادك الله حرصًا ولا تعد" رواه البخاري (٢). وفعل ذلك - أيضًا - زيد بن ثابت (٣)، وابن مسعود (٤)، وكما لو أدرك معه الركوع.
و (لا) تصح صلاته (إن سجد) إمامه قبل دخوله في الصف، ومجيء آخر يقف معه؛ لانفراده في معظم الركعة (وإن فعله) أي ركع ورفع فذًا، ثم
стр. 1274
دخل الصف، أو وقف معه آخر (لغير عذر، بأن لا يخاف فوت الركعة، لم يصح) لأن الرخصة وردت في المعذور، فلا يلحق به غيره.
(ولو زحم في الركعة الثانية من الجمعة، فأخرج من الصف، وبقي فذًا، فإنه ينوي مفارقة الإمام) للعذر (ويتمها جمعة) لأنه أدرك منها ركعة مع الإمام (وإن أقام على متابعة إمامه، فتممها معه) جمعة (فذًا، صحت جمعته) في وجه؛ لأن الجمعة لا تقضى، فاغتفر فيها ذلك. وصحح في "تصحيح الفروع" عدم الصحة، ذكره في الجمعة، وهو ظاهر "المنتهى" وغيره، لعموم ما تقدم.
стр. 1275
فصل في أحكام الاقتداء
(إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه، وكانا في المسجد صحت) صلاة المأموم (ولو لم تتصل الصفوف عرفًا) لأن المسجد بني للجماعة، فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، بخلاف خارج المسجد، فإنه ليس معدًا للاجتماع فيه، فلذلك اشترط الاتصال فيه (وكذا إن لم ير) المأموم (أحدهما) أي الإمام أو من وراءه (إن سمع التكبير) لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير، أشبه المشاهدة.
(وإلا) أي وإن لم يسمع التكبير ولم يره، ولا بعض من وراءه (فلا) تصح صلاة المأموم، لعدم تمكنه من الاقتداء بإمامه.
(وإن كانا) أي الإمام والمأموم (خارجين عنه) أي المسجد (أو) كان (المأموم وحده) خارجًا عن المسجد (وأمكن الاقتداء، صحت) صلاة المأموم (إن رأى) المأموم (أحدهما) أي الإمام أو بعض من وراءه، ولو كانت جمعة في دار أو دكان، لانتفاء المفسد، ووجود المقتضي للصحة، وهو الرؤية وإمكان الاقتداء (ولو) كانت الرؤية (مما لا يمكن الاستطراق منه كشباك ونحوه) كطاق صغيرة، فتصح صلاة المأموم.
(وإن لم ير) المأموم (أحدهما) أي الإمام أو بعض من وراءه (والحالة هذه) أي وهما خارجا المسجد أو المأموم وحده خارجه (لم يصح) اقتداؤه به (ولو سمع التكبير) لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها: "لا تصلينَ
стр. 1276
بصلاةِ الإمام، فإنكنَّ دونه في حجاب" (١). ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب.
قلت: والظاهر أن المراد إمكان الرؤية لولا المانع كان، فلو كان بالمأموم عمى، أو كان في ظلمة وكان بحيث يرى لولا ذلك، صح اقتداؤه حيث أمكنته المتابعة (٢)، ولو بسماع التكبير. وكذا إن كان المأموم وحده بالمسجد، أو كان كل منهما بمسجد غير الذي به الآخر، فلا يصح اقتداء المأموم إذن، إن لم ير الإمام أو بعض من وراءه.
(و تكفي الرؤية في بعض الصلاة) كحال القيام أو الركوع، لحديث عائشة قالت: "كان النَّبيُّ ﷺ يصلي من الليل وجدار الحجرةِ قصير، فرأى الناس شخصَ النَّبيِّ ﷺ ، فقام أناسٌ يصلون بصلاتِهِ - الحديث" رواه البخاري (٣). والظاهر أنهم إنما كانوا يرونه في حال قيامه.
(وسواء في ذلك الجمعة وغيرها) لعدم الفارق.
(ولا يشترط اتصال الصفوف) فيما إذا كان خارج المسجد (أيضًا) أي كما لا يشترط لو كانا في المسجد (إذا حصلت الرؤية المعتبرة (٤) وأمكن
стр. 1277
الاقتداء) أي المتابعة (ولو جاوز) ما بينهما (ثلاثمائة ذراع) خلافًا للشافعي (١).
(وإن كان بينهما نهر تجري فيه السفن) لم تصح (أو) كان بينهما (طريق، ولم تتصل فيه الصفوف عرفًا إن صحت) الصلاة (فيه) كصلاة الجمعة، والعيد، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة لضرورة، لم تصح. فإن اتصلت إذن صحت (أو اتصلت) الصفوف (فيه) أي الطريق (وقلنا: لا تصح) الصلاة (فيه) أي الطريق كالصلوات الخمس (أو انقطعت) الصفوف (فيه) أي الطريق (مطلقًا) سواء كانت تلك الصلاة مما تصح في الطريق أو لا، وبعضه داخل فيما تقدم (لم تصح) صلاة المأموم؛ لأن الطريق ليست محلًا للصلاة، أشبه ما يمنع الاتصال، والنهر المذكور في معناه.
واختار الموفق وغيره: أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص في ذلك والإجماع.
(ومثله من بسفينة وإمامه في أخرى غير مقرونة بها) لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة (في غير شدة خوف) فلا يمنع ذلك الاقتداء في شدة الخوف للحاجة.
(ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم) لما روى أبو داود، عن حذيفة، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا أمَّ الرجلُ القومَ، فلا يقومَن في مكان أرفع من مكانِهم" (٢).
стр. 1278
وروى الدارقطني (١) معناه بإسناد حسن. وقال ابن مسعود (٢) لحذيفة: "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى" رواه الشافعي (٣) بإسناد ثقات، وظاهره: لا فرق بين أن يقصد تعليمهم أم لا. ومحله إذا كان (كثيرًا، وهو ذراع فأكثر) من ذراع.
(ولا بأس بـ) ــعلو (يسير، كدرجة منبر ونحوها) مما دون ذراع، جمعًا بين ما تقدم وبين حديث سهل: "أنه ﷺ صلى على المنبرِ، ثم نزل القهقرى، فسجد وسجد معه الناسُ، ثم عاد حتى فرغ، ثم قال: إنما فعلت هذا لتأتموا بِي، ولتعلموا صلاتِي" متفق عليه (٤). والظاهر أنه كان على الدرجة السفلى، لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون ارتفاعًا يسيرًا.
(ولا بأس بعلو مأموم، ولو) كان علوه (كثيرًا، نصًا) ولا يعيد الجمعة من يصليها فوق سطح المسجد. روى الشافعي عن أبي هريرة "أنه صلى على
стр. 1279
ظهرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ" (١) ورواه سعيد عن أنس (٢)، ولأنه يمكنه الاقتداء، أشبه المتساويين.
(ويباح اتخاذ المحراب، نصًا) وقيل: يستحب، أومأ إليه أحمد (٣)، واختاره الآجري، وابن عقيل، ليستدل به الجاهل. لكن قال الحسن: "الطاق في المسجد أحدثه الناسُ" (٤) وكان أحمد يكره كل محدث (٥).
(ويكره للإمام الصلاة فيه) أي المحراب (إذا كان يمنع المأموم مشاهدته) روي عن ابن مسعود وغيره (٦)؛ لأنه يستتر به عن بعض المأمومين، أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب (إلا من حاجة، كضيق المسجد) وكثرة الجمع، فلا يكره لدعاء الحاجة إليه.
(لا) يكره (سجوده) أي الإمام (فيه) أي المحراب، إذا كان واقفًا خارجه، لأنه ليس محل مشاهدته (ويقف الإمام عن يمين المحراب إذا كان المسجد واسعًا، نصًا) لتميز جانب اليمين.
стр. 1280
(ويكره تطوعه) أي الإمام (في موضع المكتوبة بعدها) نض عليه (١)، وقال: كذا قال علي بن أبي طالب (٢). لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعًا قال: لا يصلينَّ الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحّى عنه" رواه أبو داود (٣) إلا أن أحمد (٤) قال: لا أعرف ذلك عن غير علي. ولأن في تحوله من مكانه إعلامًا لمن أتى المسجد أنه قد صلى، فلا ينتظره، ويطلب جماعة أخرى (بلا حاجة) كضيق المسجد، فإن احتاج إلى ذلك لم يكره.
(وترك مأموم له) أي للتطوع موضع المكتوبة (أولى) لما تقدم أنه يسن الفصل بين فرض وسنته بكلام أو قيام، بل النفل بالبيت أفضل.
(وتكره إطالة القعود للإمام بعد الصلاة مستقبل القبلة) لقول عائشة: "كان ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" رواه مسلم (٥). ولأنه إذا بقي على حاله
стр. 1281
ربما سها فظن أنه لم يسلم، أو ظن غيره أنه في الصلاة والمأموم والمنفرد على حالهما (إن لم يكن) هناك (نساء، ولا حاجة) تدعو إلى إطالة الجلوس مستقبلًا، كما إذا لم يجد منصرفًا، ولم يمكنه الانحراف.
(فإن أطال) الإمام الجلوس مستقبل القبلة (انصرف مأموم إذن) لمخالفة الإمام السنة (وإلا) أي وإن لم يطل الإمام الجلوس (استحب له) أي للمأموم (أن لا ينصرف قبله) لقوله ﷺ : "لا تسبقوني بالانصراف" رواه مسلم (١). ولأنه ربما يذكر سهوًا فيسجد له. وإن انحرف فلا بأس. ذكره في "المغني" و"الشرح".
(و يستحب للنساء قيامهن عقب سلام الإمام، وثبوت الرجال قليلًا) لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك. قال الزهري: "فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهنَّ الرجال" رواه البخاري (٢) من حديث أم سلمة. ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء (وتقدم في) باب (صفة الصلاة.
ويكره اتخاذ غير الإمام مكانًا بالمسجد، لا يصلي فرضه إلا فيه) لنهيه ﷺ "عن إيطانِ المكانِ كإيطانِ البعيرِ" (٣) وفي إسناده تميم بن محمود،
стр. 1282
وهو مجهول. وقال البخاري (١): في إسناد حديثه نظر. (ولا بأس به) أي باتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه (في النفل) للجمع بين الأخبار. وقال المروذي: كان أحمد لا يوطن الأماكن، ويكره إيطانها. قال في "الفروع": وظاهره: ولو كانت فاضلة، خلافًا للشافعي (٢). ويتوجه احتمال، وهو ظاهر ما سبق من تحري نقرة الإمام؛ لأن سلمة كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف. وقال: "إن النَّبيَّ ﷺ كان يتحرَّى الصلاةَ عندَها" متفق عليه (٣). قال: وظاهره أيضًا ولو كان لحاجة، كإسماع حديث وتدريس، وإفتاء ونحوه. ويتوجه: لا. وذكره بعضهم اتفاقًا.
(و يكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم عرفًا) رواه البيهقي عن ابن مسعود (٤)، وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: "كنا ننهى أن
стр. 1283
نصف بين السواري على عهد النَّبيِّ ﷺ ، ونطرد عنها طردًا" رواه ابن ماجه (١)، وفيه لين. وقال أنس: "كنا نتقي هذا على عهد النَّبيِّ ﷺ " رواه أحمد، وأبو داود (٢)، وإسناده ثقات. قال أحمد (٣): لأنه يقطع الصف. قال بعضهم: فتكون سارية عرضها مقام ثلاثة (بلا حاجة) فإن كان ثم حاجة، كضيق المسجد، وكثرة الجماعة لم يكره.
(ولا يكره للإمام) أن يقف بين السواري لأنه ليس ثم صف يقطع (ولو
стр. 1284
أمت امرأة امرأة واحدة، أو) أمت (أكثر) من امرأة، كاثنتين فأكثر (لم يصح وقوف امرأة واحدة منهن خلفها مفردة) كالرجل خلف الرجل. وكذا لو وقفت عن يسارها (وتقدم).
قال في "المستوعب" وغيره: (ومن الأدب وضع الإمام نعله عن يساره) في حال صلاته إكرامًا لجهة يمينه (و) وضع (مأموم) نعله (بين يديه) أي قدامه (لئلا يؤذي غيره).
وتقدم: يستحب تفقده عند دخول المسجد، والأولى تناوله بيساره.
стр. 1285
فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة
(ويعذر في ترك الجمعة والجماعة مريض) لأنه ﷺ لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: "مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناسِ" متفق عليه (١).
(و) يعذر في ذلك (خائف حدوثه) لما روى أبو داود، عن ابن عباس، أن النَّبيَّ ﷺ فسر العذر "بالخوف والمرضِ" (٢). (أو) خائف (زيادته) أي المرض. (أو تباطئه) لأنه مريض.
(فإن لم يتضرر) المريض (بإتيانه) أي المسجد (راكبًا أو محمولًا أو تبرع أحد به) أي بأن يركبه أو يحمله، أو بقود أعمى (لزمته الجمعة) لعدم تكررها (دون الجماعة) نقل المروذي في الجمعة: يكتري ويركب. وحمله القاضي على ضعف عقب المرض، فأما مع المرض، فلا يلزمه لبقاء العذر. ومحل سقوط الجمعة والجماعة عن المريض ونحوه (إن لم يكن في المسجد) فإن كان فيه، لزمته الجمعة والجماعة، لعدم المشقة.
(و) يعذر بترك الجمعة والجماعة (من هو ممنوع من فعلهما كالمحبوس) لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٣).
(و) يعذر في ترك الجمعة والجماعة (من يدافع الأخبثين) البول والغائط (أو) يدافع (أحدهما) لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
стр. 1286
(أو بحضرة طعام يحتاج إليه، وله الشبع) نص عليه (١). لخبر أنس في "الصحيحين": "ولا تعجلن حتى تفرغَ منْه" (٢).
(أو خائف من ضياع ماله، كغلة في بيادرها، ودواب أنعام لا حافظ لها غيره، ونحوه، أو) خائف (تلفه، كخبز في تنور، وطبيخ على نار، ونحوه).
(أو) خائف (فواته، كالضائع يدل به) أي عليه (في مكان، كمن ضاع له كبش، أو أبق له عبد، وهو يرجو وجوده. أو قدم به من سفر إن لم يقف لأخذه، ضاع. لكن قال المجد) عبد السلام بن تيمية: (الأفضل ترك ما يرجو وجوده ويصلي الجمعة والجماعة) لأن ما عند الله خير وأبقى، وربما لا ينفعه حذره.
(أو) خائف من (ضرر فيه) أي ماله (أو في معيشة يحتاجها، أو أطلق الماء على زرعه أو بستانه، يخاف إن تركه، فسد.
أو كان مستحفظًا على شيء يخاف عليه) الضياع (إن ذهب وتركه، كناطور بستان ونحوه) لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق. وقال ابن عقيل: خوف فوت المال عذر في ترك الجمعة إن لم يتعمد سببه، بل حصل اتفاقًا.
стр. 1287
"تنبيه" قال في "القاموس" (١): الناطر والناطور: حافظ الكرم والنخل، أعجمي، الجمع نطار ونطراء ونواطير ونطرة. والفعل النطر والنطارة بالكسر.
(أو كان عريانًا ولم يجد سترة، أو لم يجد إلا ما يستر عورته فقط، ونحوه في غير جماعة عراة) لما يلحقه من الخجل. فإن كانوا عراة كلهم صلوا جماعة وجوبًا، وتقدم.
(أو خائف موت رفيقه أو قريبه، ولا يحضره، أو لتمريضهما) يقال: مرضته تمريضًا، قمت بمداواته، قاله في "المصباح" (٢) (إن لم يكن عنده) أي المريض (من يقوم مقامه) لأن ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيد وهو يتجمر للجمعة، فأتاه بالعقيق، وترك الجمعة (٣). قال في "الشرح": ولا نعلم في ذلك خلافًا (أو خائف على حريمه أو نفسه من ضرر، أو سلطان ظالم، أو سبع أو لص، أو ملازمة غريم) ولا شيء معه يعطيه (أو حبسه يحق لا وفاء له) لأن حبس المعسر ظلم. وكذا إن كان الدين مؤجلًا وخشي أن يطالبه به قبل محله. وظاهره: أنه إذا قدر على أداء دينه فلا عذر للنص (٤).
стр. 1288
(أو) خاف (فوات رفقة مسافر سفرًا مباحًا منشئًا) للسفر (أو مستديمًا) له؛ لأن عليه في ذلك ضررًا.
(أو غلبه نعاس يخاف معه فوتها) أي الصلاة (في الوقت أو) يخاف فوتها (مع الإمام) لأن رجلًا صلى مع معاذ ثم انفرد، فصلى وحده عند تطويل معاذ، وخوف النعاس والمشقة، فلم ينكر عليه النَّبيُّ ﷺ حين أخبره (١). ذكره في "الشرح" و"المبدع".
وفي "المذهب" و"الوجيز": يعذر فيهما - أي الجمعة والجماعة - بخوفه نقض الوضوء بانتظارهما (والصبر والتجلد على دفع النعاس، ويصلي معهم) جماعة (أفضل) لما فيه من نيل فضل الجماعة (أو تطويل إمام) لما تقدم من فعل ذلك الرجل الذي انفرد عن معاذ لتطويله، ولم ينكر عليه النَّبيُّ ﷺ .
(أو من عليه قود إن رجا العفو) عنه. وظاهره: ولو على مال حتى يصالح. (ومثله) أي القود (حد قذف) لأنه حق آدمي، وهذا توجيه لصاحب "الفروع". ولهذا قال في "شرح المنتهى": وكذا لو كان لآدمي، كحد قذف على الصحيح. أي إنه لا يكون عذرًا. وقطع به في "الشرح" وغيره.
(ومن عليه حد لله) تعالى كحد الزنا، وشرب الخمر وقطع السرقة، (فلا
стр. 1289
يعذر به) في ترك الجمعة والجماعة؛ لأن الحدود لا يدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.
(أو متأذ بمطر، أو وحل) بتحريك الحاء والتسكين لغة رديئة (أو ثلج، أو جليد، أو ريح باردة في ليلة مظلمة) لقول ابن عمر: "كان النَّبيُّ ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر: صلوا في رحالكم" متفق عليه (١)، ورواه ابن ماجه (٢) بإسناد صحيح. ولم يقل: في السفر.
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير - زاد مسلم: في يوم جمعة -: "إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال ابن عباس: أتعجَبُونَ من ذلكَ؟ فقد فعل هذا من هو خير مني. يعني النَّبي ﷺ . إن الجمعة عزيمةٌ (٣)، وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحضِ" (٤). والثلج، والجليد، والبرد، كذلك.
إذا تقرر ذلك فالريح الباردة في الليلة المظلمة عذر؛ لأنها مظنة المطر (ولو لم تكن الريح شديدة) خلافًا لظاهر "المقنع". وذكر أبو المعالي: أن كل ما أذهب الخشوع كالحر المزعج عذر. ولهذا جعله الأصحاب كالبرد في المنع من الحكم والإفتاء.
(و الزلزلة عذر، قاله أبو المعالي) لأنها نوع خوف.
стр. 1290
(قال ابن عقيل: ومن له عروس تجلى عليه) أي على وجه مباح فهو عذر.
(والمنكر في طريقه) إلى المسجد (ليس عذرًا، نصًا) لأن المقصود الذي هو الجمعة والجماعة مقصود لنفسه لا قضاء حق لغيره. وكذا المنكر في المسجد، كدعاء البغاة ليس عذرًا، وينكره بحسبه.
(ولا العمى) فليس عذرًا (مع قدرته) لما تقدم أول الباب (فإن عجز) الأعمى عن قائد (فتبرع قائد) بقوده (لزمه) حضور الجمعة، لا الجماعة، كما في "المنتهى" وغيره، وأشرت إليه آنفًا.
(ولا الجهل بالطريق) أي ليس عذرًا (إن وجد من يهديه) أي يدله على المسجد.
"تتمة" قال في الخلاف وغيره: ويلزمه، أي الأعمى إن وجد ما يقوم مقام القائد، كمد الحبل إلى موضع الصلاة. واقتصر عليه في "الفروع".
(ويكره حضور مسجد) لمن أكل ثومًا، أو بصلًا، أو فجلًا، ونحوه، حتى يذهب ريحه (ولو خلا المسجد من آدمي، لتأذي الملائكة) بريحه، ولحديث: "من أكل من هذه الشجرةِ الخبيثة فلا يقربنَّ مصلانا" (١).
стр. 1291
(والمراد حضور الجماعة، حتى ولو في غير مسجد، أو غير صلاة) ذكر معناه في "المبدع". والحاصل، كما في "المنتهى": أنه يكره حضور مسجد وجماعة مطلقًا (لمن أكل ثومًا أو بصلًا) نيئين (أو فجلًا ونحوه) ككراث (حتى يذهب ريحه) لما فيه من الإيذاء. ويستحب إخراجه (وكذا جزار له رائحة منتنة، ومن له صنان).
قلت: وزيات، ونحوه من كل ذي رائحة منتنة؛ لأن العلة الأذى.
(وكذا من به برص، أو جذام يتأذى به) قياسًا على أكل الثوم ونحوه، بجامع الأذى. ويأتى في التعزير منع الجذمى من مخالطة الأصحاء.
"فائدة" يقطع الرائحة الكريهة مضغ السداب (١) أو السعد (٢)، قاله بعض الأطباء (٣).
стр. 1292
باب صلاة أهل الأعذار
وهم المريض، والمسافر، والخائف، ونحوهم. والأعذار: جمع عذر، كأقفال جمع قفل.
(يجب أن يصلي مريض قائمًا أجماعًا في فرض، ولو لم يقدر إلا كصفة ركوع كصحيح) لحديث عمران بن حصين مرفوعًا: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه البخاري (١) وغيره، زاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا" (٢). وحديث: "إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم" (٣) (ولو) كان في قيامه (معتمدًا على شيء) من نحو حائط (أو مستندًا إلى حائط) ونحوها (ولو) كان اعتماده أو استناده إلى شيء (بأجرة) مثله أو زائد يسيرًا (إن قدر عليها) كما تقدم في ماء الوضوء فإن لم يقدر على الأجرة، صلى على حسب ما يستطيع (سوى ما تقدم) في باب صفة الصلاة، عند عَدِّ القيام من الأركان.
(فإن لم يستطع) المريض القيام (أو شق عليه) القيام (مشقة شديدة، لضرر من زيادة مرض، أو تأخر برء ونحوه) كما لو كان القيام يوهنه (حيث جاز ترك القيام فـ) ــإنه يصلي (قاعدًا) لما تقدم من الخبر (متربعًا ندبًا)
стр. 1293
كمتنفل (وكيف قعد جاز) كالمتنفل (ويثني رجليه في ركوع وسجود كمتنفل) وأسقطه القاضي بضرر متوهم، وأنه لو تحمل الصيام والقيام حتى ازداد مرضه، أثم.
(فإن لم يستطع) القعود (أو شق عليه) القعود، كما تقدم في القيام (ولو) كان عجزه عن القيام والقعود (بتعديه بضرب ساقه ونحوه) كفخذه (كتعديها) أي الحامل (بضرب بطنها حتى نفست، كما سبق) في آخر باب الحيض (فـ) ــإنه يصلي (على جنب) لما تقدم في حديث عمران.
(و) الصلاة على الجنب (الأيمن أفضل) من الصلاة على الجنب الأيسر؛ لحديث علي مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد، أومأ، وجعل سجوده أخفضَ من ركوعِه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا، رجلاه مما يلي القبلة" رواه الدارقطني (١).
فإن صلى على الأيسر، فظاهر كلام جماعة جوازه؛ لظاهر خبر عمران (٢)؛ ولأن المقصود استقبال القبلة وهو حاصل. وقال الآمدي: يكره مع قدرته على الأيمن.
стр. 1294
(و يصح) أن يصلي (على ظهره، ورجلاه إلى القبلة مع القدرة) على الصلاة (على جنبه) لأنه نوع استقبال؛ ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت (مع الكراهة) للاختلاف في صحة صلاته إذن (فإن تعذر) عليه أن يصلي على جنبه (تعين الظهر) لما تقدم في حديث علي.
(و يلزمه الإيماء بركوعه وسجوده برأسه ما أمكنه) لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (١) (ويكون سجوده أخفض من ركوعه) وجوبًا لحديث علي، وتقدم، وليتميز أحدهما عن الآخر.
(فإن عجز) عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده (أومأ بطرفه) أي عينه (ونوى بقلبه) لما روى زكريا الساجي (٢) بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه ﷺ قال: "فإن لم يستطع أومأ بطرفه" ظاهر كلام جماعة لا يلزمه، وصوبه في "الفروع"، لعدم ثبوته (كأسير عاجز) عن الركوع والسجود والإيماء بهما برأسه (لخوفه) من عدوه بالاطلاع عليه إذن (٣) (ويأتي) حكم الأسير في آخر صلاة الخوف.
(فإن عجز) عن الإيماء بطرفه (فـ) ــإنه يصلي (بقلبه مستحضرًا القول) إن عجز عنه بلفظه (و) مستحضرًا (الفعل) بقلبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٥)، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (١).
стр. 1295
(ولا تسقط الصلاة حينئذ) عن المكلف (ما دام عقله ثابتًا) لقدرته على أن ينوي بقلبه مع الإيماء بطرفه، أو بدونه، ولعموم أدلة وجوب الصلاة، وحديث الدارمي وغيره عن ابن عمر مرفوعًا: "يصلي المريض قاعدًا، فإن لم يستطعْ فعلى جنبه، فإن لم يستطع فمستلقيًا، فإن لم يستطع فالله أولى بالعذر" (١) إسناده ضعيف.
(قال ابن عقيل: الأحدب يجدد للركوع) قلت: ومثله الرفع منه، والاعتدال (٢) (نية؛ لكونه لا يقدر عليه، كمريض لا يطيق الحركة، يجدد لكل فعل وركن قصدًا) لتتميز الأفعال والأركان (كفلك في) اللغة (العربية) فإنه يصلح (للواحد والجمع) ويتميز أحدهما عن الآخر (بالنية) فإذا أريد الواحد نوى المتكلم ذلك، وإذا أريد الجمع نواه. كذلك أفعال الصلاة إذا لم يمكن تميزها (٣) بالفعل فإنها تميز بالنية. قال في "الشرح": فإن عجز عن السجود وحده، ركع وأومأ بالسجود، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره، حنى رقبته، وإن تقوس ظهره فصار كالراكع، زاد في الانحناء قليلًا إذا ركع، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود، حسب الإمكان.
(وإن سجد) العاجز عن السجود (ما أمكنه بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه على شيء) من مخدة أو نحوها (رفعه) عن الأرض (كره) للخلاف في
стр. 1296
منعه، وكذا لو كان الرافع له غيره على ظاهر "المنتهى" وغيره (وأجزأ) لأنه أتى بما يمكنه من الانحطاط، أشبه ما لو أومأ.
(و لا بأس بسجوده على وسادة ونحوها) موضوعة بالأرض، لم ترفع عنه، واحتج أحمد (١) بفعل أم سلمة (٢)، وابن عباس (٣)، وغيرهما. قال: ونهى عنه ابن مسعود (٤)، وابن عمر (٥) (ولا يلزمه) السجود على وسادة ونحوها، ويومئ غاية ما يمكنه.
ولا ينقص أجر المريض المصلي على جنبه، أو مستلقيًا عن أجر
стр. 1297
الصحيح المصلي قائمًا؛ لحديث أبي موسى: "إذا مرض العبدُ، أو سافر، كتب له ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا" (١) وذكر في "شرح مسلم" (٢) في المتخلف عن الجهاد لعذر: له شيء من الأجر، لا كله، مع قوله (٣): من لم يصل قائمًا لعجزه، ثوابه كثوابه قائمًا لا ينقص باتفاق أصحابنا. ففرق بين من يفعل العبادة على قصور، وبين من لم يفعل شيئًا. قال ابن حزم (٤): وحديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور" (٥) يبين أن من فعل الخير، ليس كمن عجز عنه، وليس من حج كمن عجز عن الحج.
(فإن قدر) المريض (على القيام) في أثناء الصلاة، انتقل إليه، لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦) (أو) قدر على (القعود ونحوه مما عجز عنه من كل ركن أو واجب في أثناء الصلاة، انتقل إليه وأتمها) أي الصلاة؛ لأن المبيح العجز، وقد زال، وما صلاه قبل، كان العذر موجودًا فيه، وما بقي يجب أن يأتي بالواجب فيه (لكن إن كان) من قدر على القيام (لم يقرأ) الفاتحة (قام، فقرأ) بعد قيامه (وإن كان قد قرأ) قاعدًا حال العذر (قام، وركع بلا قراءة) لوقوعها موقعها، كما لو لم يطرأ صحة.
(ويبني) المريض (على إيماء) أي على ما صلاه بالإيماء، إذا قدر على الركوع أو السجود، لوقوعه صحيحًا، والحكم يدور مع علته (ويبني عاجز
стр. 1298
فيها) أي لو ابتدأ الصلاة قائمًا ثم عجز، أتمها على ما يستطيعه، ويبني على ما تقدم، وكذا لو كان يصلي قاعدًا، فعجز عنه لوجود العذر المبيح.
(ولو طرأ عجز) على القائم (فأتم الفاتحة في انحطاطه، أجزأ)؛ لأن فرضه القعود والانحطاط أعلى منه.
و (لا) تجزئ الفاتحة (من برئ فأتمها في ارتفاعه) أي نهوضه، كصحيح قرأها في نهوضه.
(ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، أومأ بالركوع قائمًا، وبالسجود قاعدًا) لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه، فوجب أن يومئ به في قيامه. والساجد كالجالس في جمع رجليه فوجب أن يومئ به جالسًا، وليحصل الفرق بين الإيماءين.
ومن قدر أن يحني رقبته دون ظهره، حناها، وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه.
(ولو قدر على القيام منفردًا، وفي جماعة) لا يقدر على القيام بل يقدر أن يصلي (جالسًا، لزمه القيام، قدمه أبو المعالي. قال في الإنصاف: قلت: وهو الصواب؛ لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة) عليه (وهذا قادر) عليه (والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها) حتى مع القدرة وتسقط للعذر (وقدم في التنقيح: أنه يخير) بين أن يصلي قائمًا منفردًا، وبين أن يصلي جالسًا في جماعة، وقطع به في "المنتهى" وغيره. قال في "الشرح": لأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا.
(ولو قال: إن أفطرت في رمضان قدرت على الصلاة قائمًا، وإن صمت صليت قاعدًا. أو قال: إن صليت قائمًا، لحقني سلس البول، أو امتنعت عليَّ القراءة، وإن صليت قاعدًا، امتنع السلس) أو أمكنت القراءة (فقال أبو المعالي: يصلي قاعدًا فيهما) لأن القيام له بدل وهو القعود،
стр. 1299
ويسقط في النفل، بخلاف الفطر وفوات الشرط أو القراءة. وتقدم في الحيض.
(وإن قدر أن يسجد على صدغيه، لم يلزمه) السجود عليهما؛ لأنهما ليسا من أعضاء السجود ويومئ ما يمكنه.
(وإذا قال طبيب) سمي بذلك لفطنته وحذقه (مسلم ثقة) أي عدل ضابط - فلا يقبل خبر كافر ولا فاسق؛ لأنه أمر ديني، فاشترط له ذلك كغيره من أمور الدين - (حاذق فطن لمريض: إن صليت مستلقيًا، أمكن مداواتك، فله) أي المريض (ذلك) أي الصلاة مستلقيًا (ولو مع قدرته على القيام) لأن النَّبيَّ ﷺ "صلى جالسًا حين جحش شقه" (١) والظاهر أنه لم يكن لعجزه عن القيام، بل فعله إما للمشقة، أو وجود الضرر، أشبه المرض، وتركه وسيلة إلى العافية، وهي مطلوبة شرعًا.
واكتفي بالواحد في ذلك؛ لأنه خبر ديني أشبه الرواية، ومن عبر بالجمع فمراده الجنس، إذ لم يقل باشتراط الجمع في ذلك أحد من الأصحاب فيما وقفت عليه، ذكره في "الإنصاف".
(ويكفي من الطبيب غلبة الظن) لتعذر اليقين (ونص) أحمد (أنه يفطر بقول) طبيب (واحد) أي مسلم ثقة (إن الصوم مما يمكن العلة) وقاس القاضي وغيره على ذلك المسألة المتقدمة.
(وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة، أو سائرة خشية تأذٍ بوحل، ومطر، ونحوه) كثلج، وبرد؛ لما روى يعلى بن أمية: "أن النَّبيَّ ﷺ انتهى إلى
стр. 1300
مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم النَّبيُّ ﷺ فصلى بهم، يومئ إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي (١)، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. وفعله أنس (٢)، ذكره أحمد (٣). ولم ينقل عن غيره خلافه.
(و) يجب (عليه) أي على من يصلي الفرض على راحلته لعذر مما سبق (الاستقبال) لعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) (و) عليه (ما يقدر عليه) من ركوع وغيره في الصلاة (و) عليه أيضًا ما يقدر عليه (في شدة خوف كما يأتي) في صلاة الخوف.
(فإن قدر على النزول) عن راحلته (ولا ضرر) عليه في النزول (لزمه) النزول (و) لزمه (القيام والركوع) كغير حالة المطر (وأومأ بالسجود) لما فيه من الضرر، إذا كان يلوث الثياب بخلاف اليسير، وعليه يحمل قول أبي سعيد: "أبصرت عيناي النَّبيَّ ﷺ قد انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين" متفق عليه (٥). وكان في مسجده في المدينة.
(ولا تصح) صلاة الفرض (عليها) أي الراحلة (لمرض) لأنه لا يزول