يبلغ عددهم ما يشترط في الجمعة) وهو أربعون (أو كان مقيمًا في خيام) جمع خيمة، وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر. قال ابن الأعرابي (١): لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب؛ بل من أربعة أعواد، وتسقف بالثمام، وخيمت بالمكان - بالتشديد -: أقمت فيه، ذكره في الحاشية (ونحوها) كبيوت الشعر. (أو) كان (مسافرًا دون مسافة قصر، وبينه) أي المذكور فيما تقدم وهو من في قرية لا يبلغون عدد الجمعة، أو في خيام ونحوها، أو مسافر دون المسافة (وبين موضعها) أي الجمعة (من المنارة نصًّا) (٢) وعنه من أطراف البلد (أكثر من فرسخ تقريبًا، لم تجب عليه) الجمعة؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ولا يسمعون نداءها (وإلا) بأن كان بينه وبين موضعها في هذه المسائل فرسخ تقريبًا فأقل (لزمته بغيره) لأنه من أهل الجمعة، يسمع النداء كأهل المصر، لقوله ﷺ : "الجمعةُ على من سمِعَ النداءَ" رواه أبو داود (٣) وقال: إنما
стр. 1367
أسنده قبيصة. قال البيهقي (١): هو من الثقات. قال في الشرح: الأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو، ورواه الدارقطني ولفظه: "إنما الجمعة على من سمعَ النداءَ".
والعبرة بسماعه من المنارة لا بين يدي الإمام، نص عليه (٢). لكن لما كان اعتبار سماع النداء غير ممكن؛ لأنه يكون فيهم الأصم، وثقيل السمع، وقد يكون بين يدي الإمام، فيختص بسماعه أهل المسجد، اعتبر بمظنته، والموضع الذي يسمع فيه النداء غالبًا - إذا كان المؤذن صيتًا والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية - هو فرسخ. فلو سمعته قرية من فوق فرسخ، لعلو مكانها، أو لم يسمعه من دونه لجبل حائل، أو انخفاض، لم تجب في الأولى، ووجبت في الثانية، اعتبارًا بالمظنة، وإقامتها مقام المئنة، ومحل لزومها حيث لزمت فيما تقدم (إن لم يكن عذر) مما تقدم في آخر باب الجماعة.
(و لا تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر) لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه، مع اجتماع الخلق
стр. 1368
الكثير. وكما لا تجب عليه بنفسه لا تلزمه بغيره. نص عليه (١).
(ما لم يكن سفره) سفر (معصية) فتلزمه؛ لئلا تكون المعصية سببًا للتخفيف عنه.
(فلو أقام) المسافر سفر طاعة يبلغ المسافة (ما يمنع القصر لشغل) كتاجر أقام لبيع متاعه فوق أربعة أيام (أو علم، ونحوه) كرباط في سبيل الله (ولم ينو استيطانًا، لزمته بغيره) لعموم الآية والأخبار.
(ولا يؤم فيها) أي الجمعة (من لزمته بغيره) لعدم الاستيطان، ولئلا يصير التابع متبوعًا.
(و لا جمعة بمنى، وعرفة نصًّا) (٢)؛ لأنه لم ينقل فعلها هناك، وللسفر.
(ولا) جمعة (على عبد، ولا معتق بعضه، ولو كان بينه وبين سيده مهايأة، وكانت الجمعة في نوبته) أي المبعض، فلا تجب عليه، لما تقدم.
(ولا على مكاتب، ومدبَّر، ومعلق عتقه بصفة)؛ لأنه عبد.
(وهي) أي الجمعة (أفضل في حقهم، و) في (حق المميز، و) في حق (من لا تجب عليه لمرض، أو سفر) وكل من اختلف في وجوبها عليه. وقوله: (من الظهر) متعلق بأفضل للاختلاف في وجوبها عليهم.
(ولا) جمعة (على امرأة) لما تقدم، ويباح لغير الحسناء حضورها، ويكره لحسناء كالجماعة، وبيتها خير لها. قال أبو عمرو الشيباني: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع، ويقول: "اخرجن إلى بيوتِكُن، خير لكن" (٣).
стр. 1369
(و) لا (خنثى)؛ لأنه لا يعلم كونه رجلًا.
(ومن حضرها منهم) أي ممن تقدم أنها لا تجب عليه (أجزأته)؛ لأن إسقاط الجمعة عنهم تخفيف، فإذا حضروها أجزأت، كالمريض (ولم تنعقد به) الجمعة (فلا يحسب من العدد المعتبر) لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما تصح منه الجمعة تبعًا لمن انعقدت به (١)، فلو انعقدت بهم معهم، لانعقدت بهم منفردين، كالأحرار المقيمين (ولا يؤم فيها) أي في الجمعة؛ لئلا يصير التابع متبوعًا.
(ومن سقطت عنه) الجمعة (لعذر كمرض، وخوف، ومطر، ونحوها) كخوف على نفسه أو ماله (غير سفر، إذا حضرها) أي الجمعة (وجبت عليه، وانعقدت به، وأم فيها) أي جاز أن يؤم في الجمعة؛ لأن سقوط حضورها لمشقة السعي، فإذا تحمل وحضرها، انتفت المشقة، ووجبت عليه، فانعقدت به كمن لا عذر له. (فلو حضرها) أي الجمعة (إلى آخرها، ولم يصلها، أو انصرف لشغل غير دفع ضرره كان عاصيًا) لتركه ما وجب عليه (أما لو اتصل ضرره بعد حضورها، فأراد الانصراف لدفع ضرره، جاز) انصرافه (عند الوجود) أي وجود العذر (المسقط) للجمعة (كالمسافر.
ومن صلى الظهر ممن يجب عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، أو قبل فراغها) أي فراغ ما تدرك به الجمعة (أو شك، هل صلى) الظهر (قبل الإمام أو بعده؟ لم تصح صلاته) لأنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر، وكشكه في دخول الوقت؛ لأنها فرض الوقت، فيعيدها ظهرًا، إذا تعذرت الجمعة، ثم إن ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها؛ لأنها المفروضة في حقه، وإلا انتظر حتى يتيقن أن الإمام صلى ثم يصلي الظهر. لكن لو أخر الإمام الجمعة تأخيرًا منكرًا، فللغير
стр. 1370
أن يصلي ظهرًا وتجزئه عن فرضه، جزم به المجد، وجعله ظاهر كلامه، لخبر تأخير الأمراء الصلاة عن وقتها (١).
(وكذا لو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء وقت الجمعة) لم تصح ظهرهم، لما تقدم، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة.
(والأفضل لمن لا تجب عليه) الجمعة كالعبد، والمريض (التأخير) للظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة؛ فإنه ربما زال عذره، فلزمته الجمعة. لكن يستثنى من ذلك من دام عذره كامرأة، وخنثى، فالتقديم في حقهما أفضل، ولعله مراد من أطلق. قاله في "المبدع". لكن الخنثى يتأتى زوال عذره لاحتمال أن تتضح ذكوريته، فهو كالعبد، والمسافر.
(فإن صلوا) أي الذين لا تجب عليهم الجمعة كالعبد، والمسافر، والمرأة ونحوهم الظهر (قبله) أي قبل تجميع الإمام (صحت) ظهرهم؛ لأنهم أدوا فرض الوقت (ولو زال عذرهم) بعد صلاتهم، كالمعضوب، إذا حج عنه، ثم عوفي.
(فإن حضروا الجمعة بعد ذلك) أي بعد أن صلوا الظهر للعذر (كانت نفلًا) لأن الأولى أسقطت الفرض (إلا الصبي إذا بلغ) بعد أن صلى الظهر، ولو بعد تجميع الإمام (فلا يسقط فرضه) وتجب عليه الظهر ببلوغه في وقتها، أو وقت العصر، كما تقدم؛ لأن صلاته الأولى وقعت نفلًا، فلا تسقط الفرض.
(ولا يكره لمن فاتته الجمعة) صلاة الظهر جماعة. وكذا لو تعددت الجمعة، وقلنا: يصلون الظهر، فلا بأس بالجماعة فيها، بل مقتضى ما سبق وجوبها. لكن إن خاف فتنة أخفاها على ما يأتي (أو لمن لم يكن من أهل
стр. 1371
وجوبها) كالعبيد والنساء (صلاة الظهر جماعة ما لم يخف فتنة) لحديث فضل الجماعة (١)، وفعل ابن مسعود (٢)، واحتج به أحمد (٣). زاد السامري: بأذان وإقامة. وفي كراهتها في مكانها وجهان، جزم في "الشرح" بالكراهة لخوف الفتنة والافتيات على الإمام (فإن خاف) فتنة، أو ضررًا (أخفاها) وصلى حيث يأمن ذلك.
ومن لزمته الجمعة، فتركها بلا عذر، تصدق بدينار أو نصفه، للخبر (٤)، ولا يجب. قاله في "الفروع".
стр. 1372
(ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال حتى يصليها) لتركها بعد الوجوب، كما لو تركها لتجارة، بخلاف غيرها (إلا أن يخاف فوت رفقته) بسفر مباح، فإن ذلك عذر يسقط وجوبها، كما تقدم.
(ويجوز) لمن تلزمه الجمعة السفر (قبله) أي قبل الزوال بعد طلوع الفجر؛ لما روى الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن عمر قال: "لا تحبس الجمعةُ عن سفرٍ" (١) وكما لو سافر من الليل (مع الكراهة) لحديث الدارقطني عن ابن عمر، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من سافر
стр. 1373
من دار إقامة يوم جمعة، دعت عليه الملائكة أن لا يصحبَ في سفره، وأن لا يعانَ على حاجتِه" (١) (إن لم يأت بها) أي بالجمعة (في طريقه فيهما) أي في مسألتي ما إذا سافر بعد الزوال أو قبله. أما إذا كان يأتي بها في طريقه، فلا كراهة لانتفاء الموجب.
стр. 1374
فصل
(يشترط لصحتها) أي الجمعة (أربعة شروط: أحدها الوقت) لأنها مفروضة فاشترط لها كبقية المفروضات (فلا تصح قبله) أي قبل الوقت (ولا بعده) إجماعًا. (وأوله) أي أول وقت الجمعة (أول وقت صلاة العيد نصًّا) (١) لقول عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانت خطبتُه وصلاتُه قبل نصفِ النهارِ، ثم شهدتها مع عمرَ، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهارُ، ثم شهدتها مع عثمانَ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زالَ النهارُ، فما رأيتُ أحدًا عاب ذلك ولا أنكره" رواه الدارقطني، وأحمد (٢)، واحتج به (٣).
стр. 1375
قال: وكذلك روي عن ابن مسعود (١)، وجابر (٢)، وسعيد (٣)، ومعاوية (٤) أنهم صلَّوا قبلَ الزوال، ولم ينكر، فكان كالإجماع؛ ولأنها صلاة عيد، أشبهت العيدين (وتفعل فيه) أي فيما قبل الزوال (جوازًا ورخصة.
وتجب بالزوال) ذكره القاضي وغيره المذهب (وفعلها بعده) أي الزوال (أفضل) لما روى سلمة بن الأكوع، قال: "كنا نصلِّي الجمعةَ مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس" متفق عليه (٥)، وللخروج من الخلاف، ويدل للأول حديث جابر أن النبي ﷺ "كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جِمالِنا، فنريحها حين تزولُ الشمسُ" رواه مسلم (٦).
(وآخره) أي آخر وقت الجمعة (آخر وقت صلاة الظهر) بغير خلاف؛ ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة.
стр. 1376
(فإن خرج وقتها قبل فعلها) أي الشروع فيها (امتنعت الجمعة، وصلوا ظهرًا) لفوات الشرط، قال في "الشرح": لا نعلم فيه خلافًا.
(وإن خرج) وقت الجمعة (وقد صلوا) منها (ركعة أتموا جمعة) لأن الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه، فسقط اعتباره في الاستدامة للعذر، وكالجماعة في حق المسبوق.
(وإن خرج قبل) أن يصلوا (ركعة بعد التحريمة، استأنفوا ظهرًا) لأنهما صلاتان مختلفتان، فلم تبن إحداهما على الأخرى، كالظهر والصبح. وعلم منه: أنهم لا يتمونها جمعة، وهو ظاهر الخرقي. قال ابن المنجا: وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأنه ﷺ خص إدراكها بالركعة (١) (والمذهب يتمونها جمعة) ذكره في "الرعاية" نصًّا (٢)، وقياسًا على بقية الصلوات.
(فلو بقي من الوقت قدر الخطبتين والتحريمة) لزمهم فعلها؛ لأنها فرض الوقت، وقد تمكنوا منها (أو شكوا في خروج الوقت، لزمهم فعلها) أي الجمعة؛ لأن الأصل بقاؤه.
(الثاني أن يكونوا (٣) بقرية مجتمعة البناء بما جرت العادة بالبناء به، من حجر، أو لبن، أو طين، أو قصب، أو شجر) لأنه ﷺ "كتبَ إلى قُرَى
стр. 1377
عرينة أن يصلُّوا الجمعةَ" (١) وقوله: مجتمعة البناء، قال في "المبدع": اعتبر أحمد في رواية ابن القاسم (٢) اجتماع المنازل في القرية، قاله القاضي. وقال أيضًا: معناه مقاربة (٣) الاجتماع. والصحيح أن التفريق إذا لم تجر به العادة لم تصح فيها الجمعة. زاد في "الشرح": إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون، فتجب بهم الجمعة، ويتبعهم الباقون. قال ابن تميم، والجد في "فروعه": وربض البلد له حكمه، وإن كان بينهما فرجة اهـ. فيحمل قوله: "مجتمعة البناء" على أن لا تكون متفرقة بما يخرج عن العادة، كما يعلم مما يأتي في كلامه.
(يستوطنها أربعون) فأكثر، ولو (بالإمام من أهل وجوبها) أي وجوب الجمعة؛ لما روى أبو داود، عن كعب بن مالك قال: "أول من صلَّى بنا الجمعةَ في نقيع الخضمات أسعدُ بن زرارة، وكنَّا أربعينَ" (٤)، صححه ابن
стр. 1378
حبان، والبيهقي، والحاكم وقال: على شرط مسلم. وقال جابر: "مضت السنةُ في كل أربعينَ فما فوق جمعةٌ، وأضحَى، وفطرٌ" رواه الدارقطني (١) وفيه ضعف (استيطان إقامة لا يظعنون) أي يرحلون (عنها صيفًا، ولا شتاء) لأن ذلك هو الاستيطان.
(فلا تجب) الجمعة (ولا تصح من مستوطن بغير بناء، كبيوت الشعر، والخيام، والخراكي (٢)، ونحوها) لأن ذلك لم يقصد للاستيطان غالبًا، ولذلك كانت قبائل العرب حوله ﷺ ولم يأمرهم بها (٣). زاد في "المستوعب" وغيره: ولو اتخذوها أوطانًا؛ لأن استيطانهم في غير بنيان.
(ولا) تجب ولا تصح (في بلد يسكنها أهلها بعض السَّنة دون بعض) لعدم الإقامة، قال ابن تميم: وكذا لو دخل قوم بلدًا لا ساكن به بنية الإقامة به سنة، فلا جمعة عليهم، ولو أقام ببلد ما يمنع القصر وأهله لا تجب عليهم، فلا جمعة أيضًا.
(أو بلد فيها دون العدد المعتبر) فلا جمعة عليهم، لعدم صحتها منهم.
(أو) بلد (متفرقة بما لم تجر العادة به) أي تفرقًا كثيرًا غير معتاد (ولو شملها اسم واحد) لعدم الاجتماع.
(وإن خربت القرية، أو بعضها، وأهلها مقيمون بها عازمون على إصلاحها، فحكمها باق في إقامة الجمعة بها) لعدم ارتحالهم، أشبهوا
стр. 1379
المستوطنين (وإن عزموا على النقلة عنها) أي عن القرية الخراب (لم تجب عليهم الجمعة لعدم الاستيطان.
و تصح) الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء، ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان؛ لقول كعب بن مالك: "أسعدُ بن زرارة أولُ من جَمَّعَ بنَا في هزم النبيت (١) من حرة بني بياضة في نقيع، يقال له، نقيع الخضمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا" رواه أبو داود، والدارقطني (٢). قال البيهقي (٣): حسن الإسناد صحيح. قال الخطابي (٤): حرة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسًا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة.
و (لا) تصح الجمعة (فيما بعد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين.
(و لا يتمم عدد من مكانين متقاربين) كقريتين في كل منهما عشرون، فلا تتمم الجمعة منهما، ولو قرب ما بينهما؛ لأنه لا يشملهما اسم واحد، أشبهتا المتباعدين.
(و لا يصح تجميع) عدد (كامل في) محل (ناقص) فيه العدد (مع القرب الموجب للسعي) ويلزم التجميع في الكامل؛ لئلا يصير التابع متبوعًا، وعدم الصحة مع البعد أولى (والأولى مع تتمة العدد فيهما) أي المكانين (تجميع كل قوم) في قريتهم؛ لأنه أبلغ في إظهار الشعار (وإن جمعوا في
стр. 1380
مكان واحد، فلا بأس) بذلك، لتأديتهم فرضهم.
(و لا يشترط للجمعة المصر) خلافًا لأبي حنيفة (١)، لما تقدم من كتابته ﷺ إلى قرى عرينة "أن يصلُّوا الجمعةَ" (٢)، ولما روى الأثرم عن أبي هريرة أنه كتبَ إلى عمرَ يسأله عن الجمعة بالبحْرين - وكان عامله عليها - فكتب إليه عمر: جمعوا حيثُ كنتُم (٣). إسناده (٤) جيد.
(الثالث: حضور أربعين فأكثر من أهل القرية بالإمام) لما تقدم من حديث كعب (٥).
وقال أحمد (٦): بعث النَّبيُّ ﷺ مصعبَ بنَ عمير إلى أهل المدينةِ، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعينَ وكانت أولَ جمعةٍ جمعت بالمدينةِ (ولو كان بعضهم) أي الأربعين (خرسًا، أو صمًّا) لأنهم من أهل الوجوب.
و (لا) تصح (إن كان الكل كذلك) أي خرسًا، أو صمًّا. أما إذا كانوا كلهم خرسًا مع الخطيب؛ فلفوات الخطبة صورة ومعنى، فيصلون ظهرًا، وإن
стр. 1381
كانوا كلهم صمًّا؛ فلفوات المقصود من سماع الخطبة. وعلم من ذلك أنهم لو كانوا خرسًا إلا الخطيب، أو كانوا صمًّا إلا واحدًا يسمع، صحت جمعتهم (١).
(ولا تنعقد) الجمعة (بأقل منهم) أي من أربعين، لما تقدم.
(وإن قرب الأصم) من الخطيب (وبعد من يسمع) بحيث لا يسمع (لم تصح) لفوات المقصود.
(ولو رأى) أي اعتقد (الإمام اشتراط عدد في المأمومين، فنقص عن ذلك) العدد (لم يجز أن يؤمهم) لتعاطيه عبادة يعتقد بطلانها (ولزمه) أي الإمام (استخلاف أحدهم) ليصلي بهم؛ ليؤدوا فرضهم.
(ولو رآه) أي العدد (المأمومون دون الإمام، لم يلزم واحدًا منهما) أما الإمام، فلعدم من يصلي معه، وأما المأمومون، فلاعتقادهم بطلان جمعتهم.
(فإن نقصوا) عن الأربعين (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا ظهرًا نصًّا) ولم يتموها جمعة؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها، كالطهارة، وإنما صحت من المسبوق تبعًا، كصحتها ممن لم يحضر الخطبة تبعًا لمن حضرها. وما ورد أنه "بقي معه ﷺ اثنا عشر رجلًا، وكانوا في الصلاة" رواه البخاري (٢)، المراد في انتظارها، كما روى مسلم (٣) الخطبة أو مكانها، لما في مراسيل أبي داود (٤) "أن خطبته ﷺ هذه كانت بعد صلاة الجمعة، وإنما انفضوا لظنهم جواز الانصراف".
قال في "الفروع": ويتوجه أنهم انفضوا لقدوم التجارة لشدة المجاعة، أو ظن خطبة واحدة، وقد فرغت.
стр. 1382
قال في "الشرح": ويحتمل أنهم عادوا فحضروا القدر الواجب، ويحتمل أنهم عادوا قبل طول الفصل.
(إن لم يمكن فعل الجمعة مرة أخرى) فإن أمكن فعلوها؛ لأنها فرض الوقت.
(وإن نقصوا وبقي العدد المعتبر، أتموا جمعة، سواء سمعوا الخطبة، أو لحقوهم قبل نقصهم) بلا خلاف، كبقائه من السامعين، قاله أبو المعالي، وكذا جزم به غير واحد، وظاهر كلام بعضهم: خلافه. قاله في "الفروع".
(وإن أدرك مسبوق مع الإمام منها) أي الجمعة (ركعة، أتمها جمعة) رواه البيهقي عن ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢). وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" رواه الأثرم (٣). ورواه ابن ماجه
стр. 1383
ولفظه: "فليصلِّ إليها أخرى" (١). قال ابن حبان (٢): هذا خطأ. قال ابن الجوزي (٣): لا يصح.
(وإن أدرك أقل من ركعة، أتمها ظهرًا) لمفهوم ما سبق، بخلاف إدراك المسافر صلاة المقيم؛ لأنه إدراك إلزام، وهذا إدراك إسقاط للعدد، وبخلاف جماعة باقي الصلوات؛ لأنه ليس من شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا.
ويصح دخوله مع الإمام، بشرط أن ينوي الظهر بإحرامه، فلهذا قال: (إذا كان قد نوى الظهر، ودخل وقتها) لأن الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء، فكذا استدامة كالظهر مع العصر (وإلا) بأن لم يكن نواها ظهرًا، أو لم يكن دخل وقتها (انعقدت نفلًا) كمن أحرم بفرض قبل وقته غير عالم (ولا يصح إتمامها جمعة) لعدم إدراكه لها بدون ركعة لما تقدم.
(وإن أحرم) بالجمعة (مع الإمام، ثم زحم عن السجود) بالأرض (أو نسيه) أي تأخر بالسجود نسيانًا له (ثم ذكر) بعد أن أخذ القوم مواضع سجودهم، واحتاج لما يسجد عليه (لزمه السجود على ظهر إنسان، أو رجله، أو متاعه) لقول عمر: "إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهرِ أخيه" رواه أبو داود الطيالسي، وسعيد (٤). وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم، ولم
стр. 1384
يظهر له مخالف؛ ولأنه يأتي بما يمكنه حال العجز، فوجب، وصح كالمريض.
(ولو احتاج إلى موضع يديه وركبتيه، لم يجز وضعها على ظهر إنسان، أو رجله) للإيذاء بخلاف الجبهة (فإن لم يمكنه) السجود على ظهر إنسان، أو رجله، ولم يمكنه سجود إلا بوضع يديه، أو ركبتيه على ظهر إنسان، أو رجله؛ انتظر زوال الزحام، و (سجد إذا زال الزحام) وتبع إمامه؛ لأنه ﷺ "أمر أصحابه بذلك في صلاةِ عسفان" (١) للعذر، وهو موجود هنا، والمفارقة وقعت صورة لا حكمًا، فلم تؤثر.
(وكذا لو تخلف) بالسجود (لمرض، أو نوم، أو نسيان، ونحوه) من الأعذار.
(فإن غلب على ظنه فوات) الركعة (الثانية) لو سجد لنفسه ثم لحق الإمام (تابع إمامه في ثانيته، وصارت أولاه، وأتمها جمعة) لقوله ﷺ : "وإذا ركعَ فاركعوا" (٢)؛ ولأنه مأموم خاف فوات الثانية، فلزمه المتابعة كالمسبوق.
(فإن لم يتابعه عالمًا بتحريم ذلك، بطلت صلاته) لتركه متابعة إمامه عمدًا، ومتابعته واجبة؛ لقوله ﷺ : "فلا تختلفوا عليه" (٣) وترك الواجب عمدًا يبطلها وفاقًا.
стр. 1385
(وإن جهله) أي تحريم عدم متابعة إمامه (وسجد) نفسه (ثم أدرك الإمام في التشهد، أتى بركعة أخرى بعد سلامه) أي إمامه (وصحت جمعته) لأنه أدرك مع الإمام منها ما تدرك به الجمعة، وهو ركعة، لإتيانه بسجود معتد به. ومن هذا يعلم أنه يكفي في إدراك الجمعة إدراك ما تدرك به الركعة، إذا أتى بباقي الركعة قبل أن يسلم الإمام، فلا تعتبر ركعة بسجدتيها معه (١).
(فإن لم يدركه) بعد أن سجد لنفسه (حتى سلم) الإمام (استأنف ظهرًا، سواء زحم عن سجودها، أو ركوعها أو عنهما) لأنه لم يدرك ركعة مع الإمام.
(وإن غلب على ظنه) أي المزحوم ونحوه (الفوات) (٢) أي فوات (٣) الثانية إن سجد لنفسه (فتابع إمامه فيها، ثم طول) الإمام بحيث لو كان سجد لنفسه للحقه (أو غلب على ظنه عدم الفوت، فسجد) لنفسه (فبادر الإمام فركع) فلم يدركه (لم يضره فيهما) لإجراء الظن مجرى اليقين فيما يتعذر فيه.
(ولو زال عذر من أدرك ركوع) الركعة (الأولى، وقد رفع إمامه من ركوع) الركعة (الثانية، تابعه في السجود، فتتم له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه يدرك بها الجمعة) وتقدم في صلاة الجماعة.
ولو أدرك مع الإمام ركعة، فلما قام ليقضي الأخرى، ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا واحدة، أو شك في ذلك، فإن لم يكن شرع في قراءة الثانية، رجع فسجد للأولى، فأتمها، وقضى الثانية، وتمت جمعته. نص عليه في رواية الأثرم (٤)، وإن كان شرع في قراءة الثانية، بطلت الأولى، وصارت الثانية أولاه،
стр. 1386
ويتمها جمعة، على ما نقله الأثرم. وقياس ما سبق في المزحوم، لا يدرك الجمعة. ولو قضى الركعة الثانية، ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من أيهما تركها؟ فالحكم واحد، ويجعلها من الأولى، ويأتي بركعة، وفي كونه مدركًا للجمعة وجهان. قاله في "الشرح" بمعناه.
(الرابع) من شروط الجمعة: (أن يتقدمها خطبتان) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) والذكر هو الخطبة، فأمر بالسعي إليه، فيكون واجبًا، إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبته ﷺ عليهما، لقول ابن عمر: "كان ﷺ يخطب خطبتينِ وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" متفق عليه (٢). وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣) وعن عمر، وعائشة: "قصرت الصلاةُ من أجل الخطبة" (٤) فهما بدل ركعتين؛ فالإخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين. واشترط تقديمهما على الصلاة؛ لفعله ﷺ وأصحابه، بخلاف غيرها؛ لأنهما شرط في صحة الجمعة، والشرط مقدم. أو لاشتغال الناس بمعايشهم؛ فقدما لأجل التدارك.
(بعد دخول الوقت) أي وقت الجمعة؛ لما تقدم من أنهما بدل من ركعتين، والصلاة لا تصح قبل دخول وقتها (من مكلف عدل) لما ذكر من أنهما بدل من ركعتين.
стр. 1387
(وهما) أي الخطبتان. (بدل ركعتين) لما تقدم عن عمر، وعائشة، و (لا) يقال: إنهما بدل ركعتين (من الظهر) لأن الجمعة ليست بدلًا عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت.
(ولا بأس بقراءتهما) أي الخطبتين (من صحيفة، ولو لمن يحسنهما، كقراءة) الفاتحة (من مصحف) ولحصول المقصود.
(ومن شرط صحة كل منهما) أي الخطبتين - والمراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة، أعم من أن يكون داخلًا أو خارجًا - (حمد الله بلفظ: الحمد لله) فلا يجزئ غيره؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" رواه أبو داود (١)، ورواه جماعة مرسلًا. وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا تشهد قال: الحمدُ لله" (٢).
(والصلاة على رسوله ﷺ بلفظ الصلاة) لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان. قال في "المبدع": ويتعين لفظ الصلاة، أو يشهد أنه عبد الله ورسوله. وأوجبه الشيخ تقي الدين (٣)، لدلالته عليه؛ ولأنه إيمان به، والصلاة دعاء له، وبينهما تفاوت.
وقيل: لا يشترط ذكره، لأنه ﷺ لم يذكر ذلك في خطبته، عملًا بالأصل.
(ولا يجب السلام عليه مع الصلاة) ﷺ عملًا بالأصل.
стр. 1388
(وقراءة آية) كاملة لقول جابر: "كان ﷺ يقرأ آيات، ويذكر الناس" رواه مسلم (١)؛ ولأنهما أقيما مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية قال أحمد: يقرأ ما شاء، ولا يجزئ بعض آية؛ لأنه لا يتعلق بما دونها حكم، بدليل عدم منع الجنب منه (ولو) كانت الخطبة (من جنب مع تحريمها) أي القراءة لما تقدم.
(ولا بأس بالزيادة عليها) أي الآية لما تقدم أن عمر قرأ سورة الحج في الخطبة (٢) (وقال) أسعد (أبو المعالي وغيره: لو قرأ آية لا تستقل بمعنى، أو حكم، كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٣)، أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (٤) لم يكف.
والوصية بتقوى الله تعالى) لأنه المقصود (قال في التلخيص: ولا يتعين لفظها) أي الوصية (وأقلها: اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه. انتهى) وذكر أبو المعالي، والشيخ تقي الدين (٥): لا يكفي ذكر الموت، وذم الدنيا، ولا بد أن يحرك القلوب، ويبعث بها إلى الخير، قلو اقتصر على أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه، فالأظهر لا يكفي، ولو كان في وصية؛ لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا، قاله في "المبدع".
стр. 1389
(وموالاة بينهما) أي بين الخطبتين (وبين أجزائهما، وبين الصلاة) فلا يفصل بين الخطبتين، ولا بين أجزائهما، ولا بينهما وبين الصلاة فصلًا طويلًا (ولهذا يستحب قرب المنبر من المحراب؛ لئلا يطول الفصل بينهما) أي الخطبتين (و) بين (الصلاة) فيبطلها (فتستحب البداءة بالحمد) لله، لما تقدم من حديث أبي هريرة: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" (١) (ثم بالثناء) على الله تعالى (وهو مستحب) وفي عطفه على "الحمد لله" مغايرة له، فإما أن يكون على مقتضى كلام ابن القيم (٢) في المغايرة بينهما، أو يراد الثناء بغير لفظ الحمد، أو يراد به التشهد، لحديث: "كل خطبة ليسَ فيها تشهدٌ، فهي كاليد الجذماء" (٣) أي قليلة البركة. وإن كان مقتضى كلام بعضهم تخصيصه بخطبة النكاح.
(ثم بالصلاة) على النَّبيِّ ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤) ثم بالقراءة.
(ثم بالموعظة) ولو قرأ ما تضمن الحمد، والموعظة، ثم صلى على النَّبيِّ ﷺ كفى على الصحيح. قال أبو المعالي: فيه نظر؛ لقول أحمد (٥): لا
стр. 1390
بد من خطبة. ونقل ابن الحكم (١): لا تكون خطبة إلا كما خطب النَّبي ﷺ ، أو خطبة تامة. قاله في "الإنصاف".
(فإن نكس) بأن قدم غير الحمد عليه (أجزأه) لحصول المقصود.
(و) من شرط الخطبتين (النية) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢).
(ورفع الصوت، بحيث يسمع العدد المعتبر إن لم يعرض مانع) من السماع، كنوم، أو غفلة، أو صمم بعضهم (فإن لم يسمعوا) الخطبة (لخفض صوته أو بعده) عنهم (لم تصح) الخطبة لعدم حصول المقصود بها (وإن كان) عدم السماع (لنوم، أو غفلة، أو مطر، ونحوه) كصمم بعضهم (صحت) لأنهم في قوة السامعين.
(وإن كانوا كلهم طرشًا) صحت. قال في "الفروع": وإن كانوا صمًّا، فذكر صاحب "المحرر": تصح. وذكر غيره: لا. انتهى. والثاني جزم به فيما تقدم؛ لعدم حصول مقصود الخطبة.
(أو) كانوا (عجمًا، وهو) أي الخطيب (سميع عربي لا يفهمون قوله، صحت) الخطبة والصلاة.
(وإن انفضوا) أي الأربعون أو بعضهم (عن الخطيب) ولم يبق معه العدد المعتبر (سكت) لفوات الشرط (فإن عادوا قريبًا بنى) على ما تقدم من الخطبة؛ لأن الفصل اليسير غير ضار.
(وإن كثر التفرق عرفًا، أو فات ركن منها) أي الخطبة (استأنف الخطبة) لفوات شرطها، وهو الموالاة. لكن لو فات ركن ولم يطل التفريق، كفاه إعادته.
стр. 1391
(ولا تصح الخطبة بغير العربية، مع القدرة) عليها بالعربية (كقراءة) فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتقدم.
(وتصح) الخطبة بغير العربية (مع العجز) عنها بالعربية؛ لأن المقصود بها الوعظ والتذكير، وحمد الله والصلاة على رسول الله ﷺ ، بخلاف لفظ القرآن، فإنه دليل النبوة، وعلامة الرسالة، ولا يحصل بالعجمية (غير القراءة) فلا تجزئ بغير العربية لما تقدم.
(فإن عجز عنها) أي عن القراءة (وجب بدلها ذكر) قياسًا على الصلاة.
(و) من شرط الخطبتين (حضور العدد) المعتبر للجمعة، وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام (وسائر) أي باقي (شروط الجمعة) ومن ذلك صلاحيته لأن يؤم في الجمعة، والاستيطان، فلو كان أربعون مسافرين في سفينة، فلما قربوا من قريتهم، خطبهم أحدهم في وقت الجمعة، ووصلوا القرية عند فراغ الخطبة، استأنفها بهم.
وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) وهو حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة الآية، والوصية بتقوى الله، دون ما سواه.
(وتبطل) الخطبة (بكلام محرم) في أثنائها (ولو يسيرًا) كالأذان، وأولى.
(ولا تشترط لهما الطهارتان) أي طهارة الحدث الأصغر والأكبر، فتجزئ خطبة محدث، وجنب؛ لأنه ذكر تقدم الصلاة أشبه الأذان. ونصه: تجزئ خطبة الجنب، وظاهره: ولو كان بالمسجد؛ لأن تحريم لبثه لا تعلق له بواجب العبادة، كمن صلى ومعه درهم غصب.
(ولا ستر عورة وإزالة نجاسة) لما تقدم (ولا أن يتولاهما) أي الخطبتين (من يتولى الصلاة) لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، أشبها الصلاتين (ولا
стр. 1392
حضور النائب) في الصلاة (الخطبة) كالمأموم لتعينها عليه (وهو) أي النائب (الذي صلى الصلاة) أي صلاة الجمعة (ولم يخطب) لصدور الخطبة من غيره.
(ولا أن يتولى الخطبتين) رجل (واحد) لأن كلا منهما منفصلة عن الأخرى قال في "النكت": فيعايى بها، فيقال: عبادة واحدة بدنية محضة تصح من اثنين.
(بل يستحب ذلك) أي الطهارتان، وستر العورة، وإزالة النجاسة، وأن يتولى الخطبتين والصلاة واحد، خروجًا من الخلاف.
стр. 1393
فصل (ويسن أن يخطب على منبر)
لما روى سهل بن سعد أن النَّبيَّ ﷺ أرسل إلى امرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليها إذا كلمتُ الناس - متفق عليه (١). وفي "الصحيح": "أنه عمل من أثل الغابة، فكان يرتقي عليه" (٢).
وكان اتخاذه في سنة سبع من الهجرة، وقيل: سنة ثمان. وكان ثلاث درج. وسمي منبرًا لارتفاعه، من النبر، وهو الارتفاع.
واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في "شرح مسلم" (٣).
ويكون صعوده فيه على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح، قاله في "التلخيص".
(أو) على (موضع عال) إن لم يكن منبر؛ لأنه في معناه، لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
(ويكون المنبر) أو الموضع العالي (عن يمين مستقبل القبلة) بالمحراب؛ لأن منبره ﷺ كذا كان (٤). وكان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي
стр. 1394
مكان الاستراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الأولى تأدبًا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم على موقف النَّبيِّ ﷺ ، ثم زمن معاوية قلعه مروان، وزاد فيه ست درج، فكان الخلفاء يرتقون ستًا، يقفون مكان عمر، أي على السابعة، ولا يتجاوزون ذلك تأدبًا.
(وإن وقف على الأرض وقف عن يسار مستقبل القبلة، بخلاف المنبر) قاله أبو المعالي.
(و) يسن (أن يسلم) الإمام (على المأمومين إذا خرج عليهم. و) يسن أيضًا أن يسلم عليهم (إذا أقبل عليهم) لما روى ابن ماجه عن جابر قال: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا صعدَ المنبرَ سلم" (١) ورواه الأثرم عن أبي بكر، وعمر (٢)،
стр. 1395
وابن مسعود (١)، وابن الزبير (٢). ورواه النجاد عن عثمان (٣). قال القاضي وجماعة: لأنه استقبال بعد استدبار، أشبه من فارق قومًا، ثم عاد إليهم. وعكسه المؤذن قاله المجد.
(ورد هذا السلام، و) رد (كل سلام مشروع فرض كفاية على المسلم عليهم.
وابتداؤه) أي السلام (سنة) ويأتي موضحًا في آخر الجنائز.
(ثم يجلس) على المنبر (إلى فراغ الأذان) لما روى ابن عمر قال: "كان النَّبيُّ ﷺ يجلس إذا صعدَ المنبرَ، حتى يفرغ المؤذنُ، ثم يقوم فيخطب، مختصرًا" رواه أبو داود (٤). وذكره ابن عقيل إجماع الصحابة. ولأنه يستريح بذلك من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام.
(و) يسن (أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة جدًّا) لما روى ابن عمر قال: "كان النَّبيُّ ﷺ يخطب خطبتين وهو قائمٌ، يفصلُ بينهما بجلوس" متفق عليه (٥) (قال جماعة) منهم صاحب التلخيص: (بقدر سورة الإخلاص.
فإن أبى) أن يجلس بينهما (أو خطب جالسًا) لعذر أو غيره (فصل بسكتة) ولا يجب الجلوس؛ لأن جماعة من الصحابة، منهم علي (٦)، سردوا الخطبتين من غير جلوس، ولأنه ليس في الجلسة ذكر مشروع.
стр. 1396
(و) يسن أن (يخطب قائمًا) لفعله ﷺ ولم يجب؛ لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام كالأذان.
(و) يسن أن (يعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا بإحدى يديه) قال في "الفروع": ويتوجه باليسرى (و) يعتمد (بالأخرى على حرف المنبر أو يرسلها) لما روى الحكم بن حزن قال: "وفدت على النَّبيِّ ﷺ فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئًا على سيف، أو قوس، أو عصًا". مختصر رواه أبو داود (١)؛ ولأنه أمكن له، وإشارة إلى أن هذا الدين فتح به (٢).
(وإن لم يعتمد على شيء، أمسك شماله بيمينه، أو أرسلهما عند جنبيه وسكنهما) فلا يحركهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة.
(ويقصد) الخطيب (تلقاء وجهه، فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا) لفعله ﷺ ؛ ولأن في التفاته عن أحد جانبيه إعراضًا عنه (٣). قال في "المبدع":
стр. 1397
وظاهره أنه إذا التفت، أو استدبر الناس أنه يجزئ مع الكراهة، صرحوا به في الاستدبار لحصول المقصود.
(و) يسن (أن يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: "إن طول صلاة الرجل وقصرَ خطبته من (١) فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصروا (٢) الخطبةَ" (٣).
(و) يسن كون الخطبة (الثانية أقصر من) الخطبة (الأولى) كالإقامة مع الأذان.
(و) يسن أن (يرفع صوته حسب طاقته) لأنه أبلغ في الإعلام (ويعربهما بلا تمطيط) كالأذان.
(ويكون متعظًا بما يعظ الناس به) ليحصل الانتفاع بوعظه، وروي عنه ﷺ أنه قال: "عُرض عليَّ قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نارٍ، فقيل لي: هؤلاء خطباءُ من أمتك يقولون ما لا يفعلون" (٤).
стр. 1398
(ويستقبلهم) استحبابًا، قال ابن المنذر (١): هو كالإجماع (وينحرفون إليه) أي إلى الخطيب (فيستقبلونه، ويتربعون فيها) أي في حال استماع الخطبة.
(وإن استدبرهم) الخطيب (فيها) أي الخطبة (كره) لما فيه من الإعراض عنهم، ومخالفة السنة، وصح لحصول السماع المقصود.
(و) يسن أن (يدعو للمسلمين) لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى، وهو يشمل المسلمات تغليبًا.
(ولا بأس به) أي بالدعاء (لمعين حتى السلطان، والدعاء له مستحب في الجملة) قال أحمد أو غيره (٢): لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ ولأن في صلاحه صلاح المسلمين؛ ولأن أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر (٣).
стр. 1399
وروى البزار: "أرفع الناس درجةً يوم القيامة إمام عادلٌ" (١) قال أحمد (٢): إني لأدعو له بالتسديد والتوفيق.
(و يكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة) قال المجد: هو بدعة، وفاقًا للمالكية والشافعية (٣)، وغيرهم (ولا بأس أن يشير بأصبعه فيه) أي في دعائه في الخطبة؛ لما روى أحمد، ومسلم "أن عمارة بن رويبة رأى بشر بن مروان رفعَ يديه في الخطبة، فقال: قبح الله هاتين اليدينِ، لقد رأيت النَّبيَّ ﷺ ما يزيد أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة" (٤).
(ودعاؤه عقب صعوده لا أصل له) وكذا ما يقوله من يقف بين يدي الخطيب من ذكر الحديث المشهور (٥).
(وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل) عن المنبر (فسجد،
стр. 1400
وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه) استحبابًا (وإن ترك السجود فلا حرج) لأنه سنة لا واجب. وتقدم فعل عمر ﵁ (١).
(و يكره أن يسند الإنسان ظهره إلى القبلة) نص عليه (٢). واقتصر الأصحاب على استحباب استقبالها. وفي معنى ذلك: مد الرِّجل إلى القبلة في النوم وغيره، ومد رجليه في المسجد، ذكره في "الآداب" (٣). قال: ولعل تركه أولى.
(و لا بأس بالحبوة نصًّا) مع ستر العورة، كما تقدم، وفعله جماعة من الصحابة (٤)، وكرهه الشيخان (٥)، لنهيه ﷺ عنه. رواه أبو داود، والترمذي (٦) وحسنه، وفيه ضعف. قاله في "المبدع".
стр. 1401
(و) لا بأس (بالقرفصاء، وهي الجلوس على أليتيه، رافعًا ركبتيه إلى صدره، مفضيًا بأخمص قدميه إلى الأرض، وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة. ولا جلسة أخشع منها) قال محمد بن إبراهيم البوشنجي (١): ما رأيت أحمد جالسًا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في صلاة.
(و لا يشترط لصحة الجمعة إذن الإمام) لأن عليًّا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان. رواه البخاري (٢) بمعناه؛ ولأنها فرض الوقت، أشبهت الظهر. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون.
(فإذا فرغ من الخطبة، نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة) كما يقوم إليها من ليس بخطيب (٣) إذن.
(ويستحب أن يكون حال صعوده على تؤدة، وإذا نزل نزل مسرعًا، قاله ابن عقيل وغيره) مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة. ولعل المراد من غير عجلة تقبح.
стр. 1402
فصل (وصلاة الجمعة ركعتان)
إجماعًا، حكاه ابن المنذر (١). قال عمر: "صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، وقد خاب من افترى" رواه أحمد، وابن ماجه (٢).
(يسن جهره بالقراءة فيهما) لفعله ﷺ ، ونقله الخلف عن السلف. وقد روي عنه ﷺ : "صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين" (٣).
ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الأولى بالجمعة) بعد الفاتحة، (و) يقرأ (في الثانية بالمنافقين بعد الفاتحة)؛ لأنه ﷺ كان يقرأ بهما. رواه مسلم (٤) من حديث ابن عباس.
стр. 1403
(أو) يقرأ (بسبح) في الأولى (ثم بالغاشية) في الثانية (فقد صح الحديث بهما) رواه مسلم (١) من حديث النعمان بن بشير، ورواه أبو داود (٢) من حديث سمرة (٣).
(و) يسن (أن يقرأ في فجر يومها) أي يوم الجمعة في الركعة الأولى (بالم السجدة، وفي) الركعة (الثانية هل أتى) نص عليه (٤)؛ لأنه ﷺ "كان يقرأ بهما" متفق عليه (٥) من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ تقي الدين (٦): واستحب ذلك لتضمنهما ابتداء خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار.
(قال الشيخ (٧): ويكره تحريه سجدة غيرها) أي غير سجدة الم تنزيل.
стр. 1404
وقال ابن رجب (١): قد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا، أن تعمد قراءة سورة غير "الم تنزيل" في يوم الجمعة بدعة. قال: وقد ثبت أن الأمر بخلاف ذلك. قاله في "الإنصاف".
فإن سها عن السجدة، فنص أحمد يسجد للسهو، قاله القاضي، كدعاء القنوت. قال: وعلى هذا لا يلزم بقية سجود التلاوة في غير صلاة الفجر، في غير يوم الجمعة؛ لأنه يحتمل أن يقال فيه مثل ذلك، ويحتمل أن يفرق بينهما؛ لأن الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر، قاله في "المبدع".
(والسنة إكمالهما) أي السورتين في الركعتين، لما تقدم.
(وتكره مداومتها (٢) نصًّا) (٣) لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة، أو الوجوب.
(وتكره) القراءة (في عشاء ليلتها بسورة الجمعة، زاد في الرعاية: والمنافقين) ولعل وجهه: أنه بدعة.
(وتجوز إقامتها) أي الجمعة (في أكثر من موضع من البلد، لحاجة) إليه (كضيق) مسجد البلد عن أهله (وخوف فتنة) بأن يكون بين أهل البلد عداوة، فيخشى إثارة الفتنة باجتماعهم في مسجد واحد (وبعد) للجامع عن طائفة من البلد (ونحوه) كسعة البلد وتباعد أقطاره (فتصح) الجمعة (السابقة واللاحقة) لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا.
стр. 1405
قال الطحاوي (١): وهو الصحيح من مذهبنا. وأما كونه ﷺ لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة في أكثر من موضع، فلعدم الحاجة إليه؛ ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى.
(وكذا العيد) تجوز إقامتها في أكثر من موضع من البلد للحاجة؛ لما سبق.
(فإن حصل الغنى بـ) ــجمعتين (اثنتين، لم تجز) الجمعة (الثالثة) لعدم الحاجة إليها (وكذا ما زاد) أي إذا حصل الغنى بثلاث، لم تجز الرابعة، أو بأربع، لم تجز الخامسة، وهكذا.
(ويحرم) إقامة الجمعة، والعيد بأكثر من موضع من البلد (لغير حاجة) قال في "المبدع": لا نعلم فيه خلافًا إلا عن عطاء، وهو معنى كلامه في "الشرح".
(و) يحرم (إذن أمام فيها) أي في إقامة ما زاد على واحدة (إذًا) أي: عند عدم الحاجة إليه، وكذا الإذن فيما زاد على قدر الحاجة.
(فإن فعلوا) أي أقاموا الجمعة في موضعين فأكثر، مع عدم الحاجة، (فجمعة الإمام التي باشرها، أو أذن فيها، هي الصحيحة)؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتًا عليه، وتفويتًا لجمعته، وسواء قلنا: إذنه شرط أو لا (وإن) أي: ولو (كانت) جمعة الإمام (مسبوقة) لما تقدم.