(و) لا بأس (بالقرفصاء، وهي الجلوس على أليتيه، رافعًا ركبتيه إلى صدره، مفضيًا بأخمص قدميه إلى الأرض، وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة. ولا جلسة أخشع منها) قال محمد بن إبراهيم البوشنجي (١): ما رأيت أحمد جالسًا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في صلاة.
(و لا يشترط لصحة الجمعة إذن الإمام) لأن عليًّا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان. رواه البخاري (٢) بمعناه؛ ولأنها فرض الوقت، أشبهت الظهر. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون.
(فإذا فرغ من الخطبة، نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة) كما يقوم إليها من ليس بخطيب (٣) إذن.
(ويستحب أن يكون حال صعوده على تؤدة، وإذا نزل نزل مسرعًا، قاله ابن عقيل وغيره) مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة. ولعل المراد من غير عجلة تقبح.
стр. 1402
فصل (وصلاة الجمعة ركعتان)
إجماعًا، حكاه ابن المنذر (١). قال عمر: "صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، وقد خاب من افترى" رواه أحمد، وابن ماجه (٢).
(يسن جهره بالقراءة فيهما) لفعله ﷺ ، ونقله الخلف عن السلف. وقد روي عنه ﷺ : "صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين" (٣).
ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الأولى بالجمعة) بعد الفاتحة، (و) يقرأ (في الثانية بالمنافقين بعد الفاتحة)؛ لأنه ﷺ كان يقرأ بهما. رواه مسلم (٤) من حديث ابن عباس.
стр. 1403
(أو) يقرأ (بسبح) في الأولى (ثم بالغاشية) في الثانية (فقد صح الحديث بهما) رواه مسلم (١) من حديث النعمان بن بشير، ورواه أبو داود (٢) من حديث سمرة (٣).
(و) يسن (أن يقرأ في فجر يومها) أي يوم الجمعة في الركعة الأولى (بالم السجدة، وفي) الركعة (الثانية هل أتى) نص عليه (٤)؛ لأنه ﷺ "كان يقرأ بهما" متفق عليه (٥) من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ تقي الدين (٦): واستحب ذلك لتضمنهما ابتداء خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار.
(قال الشيخ (٧): ويكره تحريه سجدة غيرها) أي غير سجدة الم تنزيل.
стр. 1404
وقال ابن رجب (١): قد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا، أن تعمد قراءة سورة غير "الم تنزيل" في يوم الجمعة بدعة. قال: وقد ثبت أن الأمر بخلاف ذلك. قاله في "الإنصاف".
فإن سها عن السجدة، فنص أحمد يسجد للسهو، قاله القاضي، كدعاء القنوت. قال: وعلى هذا لا يلزم بقية سجود التلاوة في غير صلاة الفجر، في غير يوم الجمعة؛ لأنه يحتمل أن يقال فيه مثل ذلك، ويحتمل أن يفرق بينهما؛ لأن الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر، قاله في "المبدع".
(والسنة إكمالهما) أي السورتين في الركعتين، لما تقدم.
(وتكره مداومتها (٢) نصًّا) (٣) لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة، أو الوجوب.
(وتكره) القراءة (في عشاء ليلتها بسورة الجمعة، زاد في الرعاية: والمنافقين) ولعل وجهه: أنه بدعة.
(وتجوز إقامتها) أي الجمعة (في أكثر من موضع من البلد، لحاجة) إليه (كضيق) مسجد البلد عن أهله (وخوف فتنة) بأن يكون بين أهل البلد عداوة، فيخشى إثارة الفتنة باجتماعهم في مسجد واحد (وبعد) للجامع عن طائفة من البلد (ونحوه) كسعة البلد وتباعد أقطاره (فتصح) الجمعة (السابقة واللاحقة) لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا.
стр. 1405
قال الطحاوي (١): وهو الصحيح من مذهبنا. وأما كونه ﷺ لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة في أكثر من موضع، فلعدم الحاجة إليه؛ ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى.
(وكذا العيد) تجوز إقامتها في أكثر من موضع من البلد للحاجة؛ لما سبق.
(فإن حصل الغنى بـ) ــجمعتين (اثنتين، لم تجز) الجمعة (الثالثة) لعدم الحاجة إليها (وكذا ما زاد) أي إذا حصل الغنى بثلاث، لم تجز الرابعة، أو بأربع، لم تجز الخامسة، وهكذا.
(ويحرم) إقامة الجمعة، والعيد بأكثر من موضع من البلد (لغير حاجة) قال في "المبدع": لا نعلم فيه خلافًا إلا عن عطاء، وهو معنى كلامه في "الشرح".
(و) يحرم (إذن أمام فيها) أي في إقامة ما زاد على واحدة (إذًا) أي: عند عدم الحاجة إليه، وكذا الإذن فيما زاد على قدر الحاجة.
(فإن فعلوا) أي أقاموا الجمعة في موضعين فأكثر، مع عدم الحاجة، (فجمعة الإمام التي باشرها، أو أذن فيها، هي الصحيحة)؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتًا عليه، وتفويتًا لجمعته، وسواء قلنا: إذنه شرط أو لا (وإن) أي: ولو (كانت) جمعة الإمام (مسبوقة) لما تقدم.
стр. 1406
(فإن استويا في الإذن وعدمه) أي وعدم إذن الإمام فيهما (فالثانية باطلة، ولو كانت) المسبوقة (في المسجد الأعظم، والأخرى في مكان لا يسع الناس، أو لا يقدرون عليه، لاختصاص السلطان وجنده به، أو كانت المسبوقة في قصبة البلد، والأخرى في أقصاها) لأن الاستغناء حصل بالأولى، فأنيط الحكم بها، لكونها سابقة (والسبق يكون بتكبيرة الإحرام) لا بالشروع في الخطبة، ولا بالسلام.
(وإن وقعتا) أي الجمعتان في موضعين من البلد بلا حاجة (معًا بطلتا) حيث لم يباشر الإمام إحداهما، واستوتا في الإذن، أو عدمه؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تعيين إحداهما بالصحة، أشبه ما لو جمع بين أختين معًا (وصلوا جمعة) وجوبًا (إن أمكن) لأنه مصر لم تصل فيه جمعة صحيحة (وإن جهلت) الجمعة (الأولى) من جمعتين فأكثر ببلد لغير حاجة (أو جهل الحال) بأن لم يعلم كيف وقعتا أمعًا أم إحداهما بعد الأخرى؟ (أو علم) الحال (ثم أنسي، صلوا ظهرًا، ولو أمكن فعل الجمعة) للشك في شرط إقامة الجمعة. والظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت.
وإذا كان مصران متقاربان يسمع كل منهما نداء الأخرى، أو قريتان، أو قرية إلى جانب مصر كذلك، لم تبطل جمعة إحداهما بجمعة الأخرى؛ لأن لكل قوم منهم حكم أنفسهم.
(وإذا وقع عيد يوم جمعة، فصلوا العيد والظهر، جاز) ذلك (وسقطت الجمعة عمن حضر العيد) مع الإمام؛ لأنه ﷺ صلى العيد، وقال: "من شاء أن يجمع فليجمع" رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم (١). وحينئذ فتسقط
стр. 1407
الجمعة (إسقاط حضور، لا) إسقاط (وجوب) فيكون حكمه (كمريض ونحوه) ممن له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة، و (لا) يسقط عنه وجوبها فيكون (كمسافر وعبد) لأن الإسقاط للتخفيف، فتنعقد به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها.
(والأفضل: حضورهما) (١) خروجًا من الخلاف (إلا الإمام، فلا يسقط عنه) حضور الجمعة؛ لما روى أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون" (٢) ورواته ثقات، وهو من رواية بقية، وقد قال:
стр. 1408
حدثنا؛ ولأنه لو تركها لامتنع فعلها في حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن سقطت عنه.
(فـ) ــعلى هذا (إن اجتمع معه العدد المعتبر) للجمعة (أقامها، وإلا صلوا ظهرًا)، قال في القاعدة الثامنة عشرة (١): وعلى رواية عدم السقوط، أي عن الإمام، فيجب أن يحضر معه من تنعقد به تلك الصلاة، ذكره صاحب "التلخيص" وغيره، فتصير الجمعة ههنا فرض كفاية تسقط بحضور أربعين.
(وأما من لم يصل العيد) مع الإمام (فيلزمه السعي إلى الجمعة، بلغوا العدد المعتبر، أو لا) قال في "شرح المنتهى": قولًا واحدًا (ثم إن بلغوا) العدد المعتبر (بأنفسهم) بأن كانوا أربعين، (أو حضر معهم تمام العدد) إن كانوا دونه، (لزمتهم الجمعة) لتوفر شروط الوجوب، والصحة، (وإلا) بأن لم يبلغوا
стр. 1409
أربعين لا بأنفسهم، ولا بحضور غيرهم معهم (تحقق عذرهم) لفوات شرط الصحة.
(و يسقط العيد بالجمعة إن فعلت) الجمعة (قبل الزوال أو بعده) لفعل ابن الزبير، وقول ابن عباس: "أصاب السنة"، رواه أبو داود (١).
فعلى هذا: لا يلزمه شيء إلى العصر، روى أبو داود عن عطاء قال: "اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد، فجمعهم، وصلى ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر" (٢).
قال الخطابي (٣): وهذا لا يجوز إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة، فسقط العيد
стр. 1410
والظهر؛ ولأن الجمعة إذا سقطت بالعيد مع تأكيدها، فالعيد أولى أن يسقط بها.
(فإن فعلت) الجمعة (بعده) أي الزوال، (اعتبر العزم على الجمعة لترك صلاة العيد) قاله ابن تميم. وقال في "التنقيح" و"المنتهى": فيعتبر العزم عليها، ولو فعلت قبل الزوال، وهو ظاهر الفروع، وقدمه في "الإنصاف".
(وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان) نص عليه (١)، لأنه ﷺ "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين" متفق عليه (٢) من حديث ابن عمر.
(وأكثرها) أي السنة بعدها (ست) ركعات (نصًّا) (٣) لقول ابن عمر: "كان ﷺ يفعله" رواه أبو داود (٤).
واختار في "المغني" أربعًا، وروى عن ابن عمر، لفعله ﷺ وأمره، رواه مسلم (٥) من حديث أبي هريرة.
стр. 1411
(ويسن) أن يصليها (مكانه) نص عليه (١) (في المسجد) وتقدم (وأن يفصل بينهما) أي بين السنة (وبين الجمعة بكلام، أو انتقال) من موضعه للخبر (٢) (ونحوه) أي نحو ما ذكر.
(وليس لها) أي الجمعة (قبلها سنة راتبة، نصًّا (٣)، بل يستحب أربع ركعات) لما روى ابن ماجه أنه ﷺ : "كان يركع من قبل الجمعة أربعًا" (٤) وروى سعيد عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات (٥). قال عبد الله (٦): رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات (وتقدم) في باب صلاة التطوع.
стр. 1412
فصل (يسن أن يغتسل للجمعة)
في يومها، ويستحب أن يجامع ثم يغتسل، نص عليه (١). والأفضل فعله عند مضيه إليها؛ لأنه أبلغ في المقصود، وفي خروج من الخلاف (وتقدم) في الأغسال المستحبة من باب الغسل (٢).
(و) يسن أن (يتنظف) للجمعة (بقص شاربه) يعني حفه (وتقليم أظافره، وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره).
وأن (يتطيب بما يقدر عليه، ولو من طيب أهله) لما روى البخاري عن أبي سعيد (٣) مرفوعًا قال: "لا يغتسل رجل يومَ الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن، ويمس (٤) من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (٥).
стр. 1413
وقوله: "من طيب امرأته" أي ما خفي ريحه، وظهر لونه، لتأكد الطيب. قال في "المبدع": وظاهر كلام أحمد (١)، والأصحاب خلافه.
(و) يسن (أن يلبس أحسن ثيابه) لوروده في بعض ألفاظ الحديث (٢) (وأفضلها البياض) لما تقدم في آداب اللباس من ستر العورة، ويعتم ويرتدي.
стр. 1414
(و) أن (يبكر إليها) أي الجمعة، ولو كان مشتغلًا بالصلاة في بيته للخبر (١). (غير الإمام) فلا يسن له التبكير إليها. ومعنى تبكيره: إتيانه (بعد طلوع الفجر) لا بعد طلوع الشمس، ولا بعد الزوال، ويكون (ماشيًا) لقوله ﷺ : "ومشى ولم يركبْ" (٢) (إن لم يكن عذر، فإن كان) له عذر (فلا بأس بركوبه ذهابًا وإيابًا) لكن الإياب راكبًا لا بأس به، ولو لغير عذر.
(ويجب السعي) إلى الجمعة، سواء كان من يقيمها عدلًا أو فاسقًا، سنيًّا أو مبتدعًا، نص عليه (٣) (بالنداء الثاني بين يدي الخطيب) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية (٤) ولأنه الذي كان على عهده ﷺ .
стр. 1415
و (لا) يجب السعي (بـ) ــالنداء (الأول؛ لأنه مستحب) لأن عثمان سنه (١)، وعملت به الأمة، يعني: والثاني فرض كفاية.
(و الأفضل) أن يكون الأذان بين يدي الخطيب (من مؤذن واحد) لعدم الحاجة إلى الزيادة؛ لأنه لإعلام من في المسجد، وهم يسمعونه.
(ولا بأس بالزيادة) أي بأن يكون الأذان من أكثر من واحد.
(إلا من بَعُدَ منزله، فـ) ـــيجب عليه السعي (في وقت يدركها) فيه إن سعى إليها من منزله (إذا علم حضور العدد) المعتبر للجمعة. قال في "الفروع": أطلقه بعضهم. والمراد بعد طلوع الفجر، لا قبله، ذكره في "الخلاف" وغيره، وأنه ليس بوقت للسعي أيضًا.
ويسن أن يخرج إلى الجمعة (على أحسن هيئة بسكينة ووقار مع خشوع، ويدنو من الإمام) أي يقرب منه لقوله ﷺ : "من غسّلَ واغتسلَ، وبكّر وابتَكَرَ، ومشَى ولم يركبْ، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوةٍ يخطوها أجر سنة، عمل صيامها وقيامها" رواه أحمد، وأبو داود من حديث أوس بن أوس (٢)، وإسناده ثقات.
وقوله "غسل" بالتشديد أي جامع، واغتسل معلوم. و"بكر" أي خرج في بكرة النهار وهي أوله، و"ابتكر" أي بالغ في التبكير، أي جاء في أول البكرة.
(ويستقبل القبلة) لأنه خير المجالس، للخبر (٣) (ويشتغل بالصلاة إلى
стр. 1416
خروج الإمام) للخطبة؛ لما في ذلك من تحصيل الأجر (فإذا خرج) الإمام للخطبة وهو في نافلة (خففها، ولو) كان (نوى أربعًا صلى ركعتين) ليستمع الخطبة (ويحرم ابتداء نافلة إذن) أي بعد خروج الإمام للخطبة (غير تحية مسجد) روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر (١)، ولو كان قبل الشروع في الخطبة أو كان بعيدًا بحيث لا يسمعها.
(و) يشتغل أيضًا (بالذكر) لله تعالى، تحصيلًا للأجر (وأفضله قراءة القرآن) وتقدم.
(و) يسن أن يقرأ (سورة الكهف في يومها) اقتصر عليه الأكثر، لما روى البيهقي بإسناد حسن، عن أبي سعيد مرفوعًا: "من قرأ سورةَ الكهفِ يومَ الجمعةِ أضاء له من النورِ ما بيْنَ الجمعتَيْن" (٢) ورواه سعيد موقوفًا (٣). وقال:
стр. 1417
"ما بينَه وبينَ البيت العتيق" زاد أبو المعالي: (وليلتها) وقال في "الوجيز": يقرأ سورة الكهف في يومها أو ليلتها، قاله في "الإنصاف" وفي "المبدع" و"شرح المنتهى": زاد أبو المعالي والوجيز: أو ليلتها، لقوله ﷺ : "من قرأ سورةَ الكهفِ في يوم الجمعةِ، أو ليلتها وقي فتنةَ الدّجّالِ" (١).
стр. 1418
(ويكثر الدعاء في يومها) أي الجمعة (رجاء إصابة ساعة الإجابة) لقوله ﷺ : "إن في يومِ الجمعةِ ساعةً، لا يوافِقُها عبدٌ مسلم يسألُ الله تعالى شيئًا إلا أعطاهُ إياه، وأشارَ بيده يقللها" متفق عليه من حديث أبي هريرة (١).
(وأرجاها آخر ساعة من النهار) رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم، بإسناد حسن، عن أبي سلمة، عن جابر (٢) مرفوعًا، وفي أوله: "إن النهار اثنتا عشرة ساعة". رواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام (٣). لكن لم يحك في "الإنصاف" و"المبدع" هذا القول عن الإمام، ولا عن أحد من أصحابنا، بل ذكرا قول الإمام (٤): أكثر الأحاديث على أنها - أي
стр. 1419
الساعة التي ترجى فيها الإجابة - بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس. وقد ذكر دليل هذين القولين مع بقية الأقوال، وهي اثنان وأربعون قولًا في "فتح الباري شرح البخاري" (١).
وقال ابن عبد البر (٢) عن قول الإمام: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا فلم يختلفوا في أنها آخر ساعة من يوم الجمعة (٣)، ورجحه كثير من الأئمة كأحمد، وإسحاق (٤).
(يكون متطهرًا منتظرًا صلاة المغرب، فإن من انتظر الصلاة فهو في صلاة) للخبر (٥). وفي "الدعوات" للمستغفري (٦)، عن عراك بن مالك، أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف في الباب، فقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت لما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
стр. 1420
(ويكثر الصلاة على النَّبيِّ ﷺ ) في يوم الجمعة، لقوله ﷺ : "أكثرُوا مِنَ الصلاةِ عليَّ يومَ الجمعةِ" رواه أبو داود (١)، وغيره بإسناد حسن. قال الأصحاب: وليلتها، لقوله ﷺ : "أكثرُوا من الصلاةِ عليَّ ليلةَ الجمعةِ، ويوم الجمعة، فمن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللهُ عليهِ بها عشْرًا" رواه البيهقي (٢) بإسناد جيد.
وقد روي الحثُّ عليها مطلقًا، لحديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: "أولَى الناسِ بي يومَ القيامةِ أكثرُهم عليَّ صلاةً" رواه الترمذي (٣) بإسناد حسن.
(و يكره أن يتخطى رقاب الناس) لما روى أحمد: "أن النَّبيَّ ﷺ وهو
стр. 1421
على المنبرِ - رأى رجلًا يتخطّى رقابَ الناس فقال: اجلسْ، فقد آذيتَ" (١)؛ ولما فيه من سوء الأدب والأذى.
(إلا أن يكون إمامًا، فلا) يكره أن يتخطى رقاب الناس (لحاجة) (٢) لتعين مكانه، وألحق به في "الغنية" المؤذن.
(أو يرى) غير الإمام (فرجة لا يصل إليها إلا به) أي بالتخطي، فلا يكره؛ لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم.
(و يحرم أن يقيم غيره، فيجلس مكانه، ولو عبده) الكبير (أو ولده الكبير) لأنه ليس بمال، وإنما هو حق ديني، فاستوى فيه السيد وعبده، والوالد وولده (أو كانت عادته الصلاة فيه حتى المعلم ونحوه) كالمفتي، والمحدث، ومن يجلس للمذاكرة في الفقه، إذا جلس إنسان موضع حلقته، حرم عليه إقامته؛ لما روى ابن عمر أن النَّبيَّ ﷺ "نهَى أن يُقيمَ الرجلُ أخاهُ من مقعدِه ويجلِس فيهِ" متفق عليه (٣). ولكن يقول: افسحوا، قاله في "التلخيص"؛
стр. 1422
لحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: "لا يقيمُ أحدُكم أخاهُ يومَ الجمعة، ثم يخالِفُ إلى مقعدِه، ولكن ليقلْ: افسَحُوا" (١)؛ ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء.
(إلا الصغير) حرًّا، كان أو عبدًا، فيؤخر لما تقدم. قاله في "التنقيح" (وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة) أي صحة صلاة من أخر مكلفًا وجلس مكانه، لشبهه بالغاصب.
(إلا من جلس بموضع يحفظه له) أي لغيره (بإذنه، أو دونه) لأن النائب يقوم باختياره، قاله في "الشرح"؛ ولأنه قعد فيه لحفظه له، ولا يحصل ذلك إلا بإقامته، لكن إن جلس في مكان الإمام، أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق، أقيم، قاله أبو المعالي.
(ويكره إيثاره) غيره (بمكانه الأفضل) ويتحول إلى ما دونه (كالصف الأول ونحوه) وكيمين الإمام، لما في ذلك من الرغبة عن المكان الأفضل. وظاهره: ولو آثر به والده ونحوه.
و (لا) يكره للمؤثر (قبوله) المكان الأفضل، ولا رده. قال سندي (٢): رأيت الإمام أحمد قام له رجل من موضعه، فأبى أن يجلس فيه، وقال له: ارجع إلى موضعك فرجع إليه.
(فلو آثر) الجالس بمكان أفضل (زيدًا فسبقه إليه عمرو، حرم) على عمرو سبقه إليه؛ لأنه قام مقامه، أشبه ما لو تحجر مواتًا، ثم آثر به غيره. وهذا بخلاف ما لو وسع لرجل في طريق، فمر غيره؛ لأنها جعلت للمرور فيها، والمسجد جعل للإقامة فيه.
стр. 1423
(وإن وجد مصلى مفروشًا، فليس له رفعه) لأنه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه، والتصرف في ملكه بغير إذنه، والإفضاء إلى الخصومة، وقاسه في "الشرح" على رحبة المسجد، ومقاعد الأسواق (ما لم تحضر الصلاة) فله رفعه، والصلاة مكانه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، وإنما الحرمة لربه، ولم يحضر، (ولا الجلوس، ولا الصلاة عليه) وقدم في "الرعاية": يكره، وجزم جماعة بتحريمه. قال في "شرح المنتهى": وليس له أن يدعه مفروشًا، ويصلي عليه، فإن فعل فقال في "الفروع" في باب ستر العورة: ولو صلى على أرضه أو مصلاه بلا غصب، صح "في الأصح" انتهى. وتقدم هناك: جاز، وصحت، ولعل ما هناك إذا كان حاضرًا، وصلى معه على مصلاه فلا يعارضه ما هنا لغيبته، وفيه شيء (١). قال في "الفروع": ويتوجه إن حرم رفعه أي المصلى (فله فرشه) وإلا كره (ومنع منه) أي الفرش (الشيخ (٢)، لتحجره مكانًا عن المسجد) كحفره في التربة المسبلة قبل الحاجة إليه.
(ومن قام من موضعه) من المسجد (لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبًا، فهو أحق به) لما روى مسلم عن أبي أيوب (٣) مرفوعًا: "من قامَ من مجلسِه، ثم رجعَ إليه فهو أحقُّ به" (٤). وقيده في "الوجيز" بما إذا عاد، ولم يتشاغل بغيره
стр. 1424
(ما لم يكن صبيًّا قام في صف فاضل، أو في وسط الصف) ثم قام لعارض ثم عاد فيؤخر، كما لو لم يقم منه بالأولى.
(فإن لم يصل) العائد (إليه) أي إلى مكانه قريبًا بعد قيامه منه لعارض (إلا بالتخطي، جاز) له التخطي (كالفرجة) أي كمن رأى فرجة لا يصل إليها إلا به. ذكره في "الشرح" وابن تميم.
(وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى) للسلطان ولجنده (نصًّا) (١)؛ لأنه يمنع الناس من الصلاة فيها، فتصير كالمغصوبة.
(ومن دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتين موجزتين) أي خفيفتين (تحية المسجد، إن كان) يخطب (في مسجد) لقول النَّبيِّ ﷺ : "إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ وقد خرجَ الإمامُ فليصلِّ ركعتينِ" متفق عليه (٢). زاد مسلم: "وليتجوز فيهما"، وكذا قاله أحمد (٣) والأكثر.
(و) محل ذلك على ما في "المغني" و"التلخيص" و"المحرر" و"الشرح": إن (لم يخف فوت تكبيرة الإحرام مع الإمام) فإن خافه تركهما.
(ولا تجوز الزيادة عليهما) لمفهوم ما تقدم.
(وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لكل من دخله) أي المسجد (قصد الجلوس) به (أو لا) لعموم الأخبار (٤).
стр. 1425
(غير خطيب دخل لها) أي للخطبة، فلا يصلي التحية.
(و) غير (قيمه) أي المسجد، فلا تسن له التحية (لتكرار دخوله) فتشق عليه.
(و) غير (داخله) أي المسجد (لصلاة عيد) فلا يصلي التحية، لما يأتي في صلاة العيدين.
(أو) داخله (والإمام في مكتوبة.
أو بعد الشروع في الإقامة) لحديث: "إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ" (١).
(و) غير (داخل المسجد الحرام) لأن تحيته الطواف.
(وتجزئ راتبة وفريضة، ولو) كانتا (فائتتين عنها) أي عن تحية المسجد، لا عكسه. وتقدم في صلاة التطوع موضحًا.
(وإن نوى التحية والفرض؛ فظاهر كلامهم: حصولهما له)، كنظائرهما. قاله في "المبدع" وغيره، وقطع به في "المنتهى" وغيره.
(فإن جلس قبل فعلها) أي التحية (قام فأتى بها، إن لم يطل الفصل) لقول النَّبيِّ ﷺ : "قم فاركعْ ركعتينِ" متفق عليه من حديث جابر (٢)، فإن طال الفصل، فات محلها.
(ولا تحصل) التحية (بأقل من ركعتين) لمفهوم ما سبق.
(ولا) تحصل التحية (بصلاة جنازة) ولا سجود تلاوة، ولا شكر لما سبق
стр. 1426
(وتقدم: إذا دخل وهو يؤذن) فينتظر فراغه، ليجمع بين الإجابة والتحية.
(ويحرم الكلام في الخطبتين والإمام يخطب، ولو كان) الإمام (غير عدل) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١).
ولقوله ﷺ : "من قال: صَه، فقد لغَا، ومن لغَا، فلا جمعةَ لهُ" رواه أحمد، وأبو داود (٢).
ولقوله ﷺ في خبر ابن عباس: "والذي يقولُ: أنصتْ ليسَ له جمعةٌ" رواه أحمد (٣) من رواية مجالد.
стр. 1427
ومعنى قوله: "لا جمعة له" أي كاملة.
ولقوله ﷺ لأبي الدرداء: "إذا سمعتَ إمامك يتكلمُ فأنصِتْ حتَّى يفرغَ" رواه أحمد (١) (إن كان) المتكلم (منه) أي الإمام (بحيث يسمعه) بخلاف البعيد الذي لا يسمعه؛ لأن وجوب الإنصات للاستماع، وهذا ليس بمستمع (ولو) كان كلام المتكلم (في حال تنفسه) أي الإمام، فيحرم (لأنه في حكم الخطبة) لأنه يسير (إلا له) أي الكلام للخطيب (أو لمن كلمه لمصلحة) فلا يحرم عليهما؛ لأنه ﷺ "كلَّم سليكًا، وكلَّمه هُو" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة (٢).
وسأل عمر عثمان فأجابه (٣).
وسأل العباس بن مرداس النَّبيَّ ﷺ الاستسقاء (٤)؛ ولأنه حال كلامه الإمام
стр. 1428
وكلام الإمام إياه لا يشتغل عن سماع الخطبة.
(ولا بأس به) أي الكلام (قبلهما) أي الخطبتين (وبعدهما نصًّا) (١) لما روى مالك، والشافعي، بإسناد جيد عن ثعلبة بن مالك قال: "كانُوا يتحدَّثُونَ يومَ الجمعة وعمرُ جالسٌ على المنبرِ، فإذا سكتَ المؤذنُ قام عمرُ، فلم يتكلمْ أحدٌ حتى يقضي الخطبتيْن" (٢).
(و) لا بأس بالكلام (بين الخطبتين إذا سكت) لأنه لا خطبة حينئذ ينصت لها.
(وليس له تسكيت من تكلم بكلام) لما تقدم (بل) يسكته (بإشارة فيضع أصبعه) ولعل المراد السبابة (على فيه) إشارة له بالسكوت؛ لأن الإشارة تجوز في الصلاة للحاجة، ففي الخطبة أولى.
(ويجب) الكلام (لتحذير ضرير، وغافل عن بئر، و) عن (هلكة، ومن يخاف عليه نارًا، أو حية ونحوه) مما يقتله أو يضره؛ لإباحة قطع الصلاة لذلك.
(ويباح) الكلام (إذا شرع) الخطيب (في الدعاء) لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له (ولو في دعاء غير مشروع.
وتباح الصلاة على النَّبيِّ ﷺ إذا ذكر) فيصلي عليه (سرًّا، كالدعاء
стр. 1429
اتفاقًا، قاله الشيخ (١). وقال: رفع الصوت قدام بعض الخطباء مكروه، أو محرم اتفاقًا، فلا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها) وفي "التنقيح" و"المنتهى": وله الصلاة على النَّبيِّ ﷺ إذا سمعها، ويسن سرًّا.
(ولا يسلم من دخل) على الإمام ولا على غيره؛ لاشتغالهم بالخطبة واستماعها.
(ويجوز تأمينه) أي مستمع الخطبة (على الدعاء، وحمده خفية إذا عطس، نصًّا، وتشميت عاطس، ورد سلام نطقًا) لأنه مأمور به لحق آدمي، أشبه الضرير؛ فدل على أنه يجب. قاله في "المبدع".
(وإشارة أخرس مفهومة ككلام) لقيامها مقامه في البيع وغيره.
(ويجوز لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه، الاشتغال بالقراءة، والذكر، والصلاة على النَّبيِّ ﷺ خفية، وفعله أفضل) من سكوته (نصًّا) (٢) لتحصيل أجره (فيسجد للتلاوة) لعموم الأدلة.
(وليس له أن يرفع صوته، ولا إقراء القرآن، ولا المذاكرة في الفقه) لئلا يشغل غيره عن الاستماع. وفي "الفصول": إن بعد ولم يسمع همهمة الإمام جاز أن يقرأ، وأن يذاكر في الفقه اهـ. وهو محمول على ما إذا لم يشغل غيره عن الاستماع، وكلام المصنف على ما إذا أشغل.
(ولا أن يصلي) لما تقدم: من أنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمام.
(أو) أي ولا أن (يجلس في حلقة) قال في "الشرح": ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة؛ لأن النَّبيَّ ﷺ "نهَى عن التحَلّق (٣) يومَ الجمعةِ قبلَ
стр. 1430
الصلاةِ" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي (١).
(ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة، لأنه) أي السائل (فعل ما لا يجوز) له فعله، وهو الكلام حال الخطبة (فلا يعينه) على ما لا يجوز (قال) الإمام (أحمد (٢): وإن حصب السائل كان أعجب إلي) لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل والإمام يخطب يوم الجمعة (٣).
(ولا يناوله) أي السائل حال الخطبة الصدقة؛ لأنه إعانة على محرم (فإن سأل) الصدقة (قبلها) أي الخطبة (ثم جلس لها) أي للخطبة، أي استماعها (جازا) أي التصدق عليه ومناولته الصدقة، قال الإمام أحمد (٤): هذا لم يسأل والإمام يخطب.
(وله الصدقة) حال الخطبة (على من لم يسأل، وعلى من سألها) أي الصدقة (الإمام له) لما تقدم.
(والصدقة على باب المسجد عند دخوله أو خروجه أولى) من الصدقة حال الخطبة.
(و يكره العبث حال الخطبة) لقول النَّبيِّ ﷺ : "ومن مسَّ الحصى فقد
стр. 1431
لغَا" (١) قال الترمذي: حديث صحيح؛ ولأن العبث يمنع الخشوع.
(وكذا الشرب) يكره حال الخطبة إذا كان يسمع؛ لأنه فعل يشتغل به، أشبه مس الحصى (ما لم يشتد عطشه) فلا يكره شربه؛ لأنه يذهب بالخشوع. وجزم أبو المعالي بأنه إذن أولى. وفي "الفصول": ذكر جماعة شربه بعد الأذان يقطعه؛ لأنه بيع منهي عنه، وكذا شربه على أن يعطيه الثمن بعد الصلاة لأنه بيع، ويتخرج الجواز للحاجة دفعًا للضرر، وتحصيلًا لاستماع الخطبة. قاله في "المبدع".
(و من نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط) أحدًا في انتقاله؛ لقوله ﷺ : "إذا نعس أحدُكم في مجلسِهِ فليتحَوَّلْ إلى غيرِه" صححه الترمذي (٢).
стр. 1432
(ولا بأس بشراء ماء الطهارة بعد أذان الجمعة، أو)، شراء (سترة) لعريان للحاجة. ويأتي في البيع (وتأتي أحكام البيع بعد النداء) الثاني للجمعة في البيع مفصلة.
"فائدة" يستحب لمن صلى الجمعة أن ينتظر صلاة العصر، فيصليها في موضعه، ذكره في "الفصول" و"المستوعب" ولم يذكره الأكثر.
ويستحب انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ لقوله ﷺ : "إنكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرْتُموها" (١).
وكلامه في جلوسه بعد فجر، وعصر، إلى طلوع شمس وغروبها، قد سبق.
قال بعض الأصحاب: من البدع المنكرة: كتب كثير من الناس الأوراق التي يسمونها "حفائظ" في آخر جمعة من رمضان في حال الخطبة لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة، والاتعاظ بها، والذكر والدعاء، وهو من أشرف الأوقات. وكتابة ما لا يعرف معناه كعسهلون، ونحوه.
وقد يكون دالًّا على ما ليس بصحيح ولا مشروع، ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم.
стр. 1433
"خاتمة" روى ابن السني من حديث أنس مرفوعًا: "من قرأَ إذا سلَّم الإمامُ يومَ الجمعةِ قبل أن يثنَي رجليْه فاتحة الكتابِ، وقل هو الله أحد، والمعوذتيْن، سبعًا؛ غفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ، وأعطي من الأجرِ بعددِ منْ آمن باللهِ ورسوله" (١).
стр. 1434
باب صلاة العيدين أي صفتها، وأحكامها، وما يتعلق بذلك
سمي اليوم المعروف عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته. وقيل: لأنه يعود بالفرح والسرور. وقيل: تفاؤلًا ليعود ثانية، كالقافلة. وهو من عاد يعود، فهو الاسم منه، كالقيل من القول. وصار علمًا على اليوم المخصوص؛ لما تقدم. وجمع على أعياد - بالياء -، وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب.
(وهي) أي صلاة العيدين مشروعة إجماعًا (١)؛ - لما يأتي - و (فرض كفاية) لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) هي صلاة العيد في قول عكرمة، وعطاء، وقتادة (٣). قال في "الشرح": وهو المشهور في السير، وكان ﷺ والخلفاء بعده يداومون عليها؛ لأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة كالجهاد، بدليل قتل تاركها. ولم تجب على الأعيان لحديث الأعرابي، متفق عليه (٤).
وروي أن أول صلاة عيد صلاها النَّبيُّ ﷺ عيد الفطر، في السنة الثانية من الهجرة (٥)، وواظب على صلاة العيدين حتى مات.
стр. 1435
(إن تركها أهل بلد) يبلغون أربعين بلا عذر (قاتلهم الإمام) كالأذان؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
(وكره أن ينصرف من حضر) مصلى العيد (ويتركها) لتفويته حصول أجرها من غير عذر (١).
(ووقتها كصلاة الضحى) من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال؛ لأنه ﷺ ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، بدليل الإجماع على فعلها ذلك الوقت، ولم يكن يفعل إلا الأفضل. وروى الحسن أن النَّبيَّ ﷺ : "كان يغدُو إلى الفطرِ والأضحَى حينَ تطلع الشمسُ، فيتم طلوعُه، وكان يفتتحُ الصلاةَ إذا حضرَ" (٢).
و (لا) يدخل وقت العيد (بطلوع الشمس) قبل ارتفاعها قيد رمح؛ لأنه وقت نهي عن الصلاة فيه، فلم يكن وقتًا للعيد، كما قبل طلوعها.
стр. 1436
(فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال، أو أخروها) ولو (لغير عذر، خرج من الغد، فصلى بهم قضاء، ولو أمكن) قضاؤها (في يومها) لما روى أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار قال: "غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوُا الهلالَ بالأمسِ، فأمر النَّبيُّ ﷺ الناس أن يفطرُوا من يومِهم، وأن يخرجُوا غدًا لعيدِهم" رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني (١)، وحسنه.
وقال مالك (٢): لا تصلى في غير يوم العيد. قال أبو بكر الخطيب (٣): سنة النَّبيِّ ﷺ أولَى أن تتَّبعَ، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب. وكالفرائض.
(ويسن تقديم صلاة الأضحى، بحيث يوافق من بمنى في ذبحهم) نص عليه (وتأخير صلاة الفطر) لما روى الشافعي مرسلًا أن النَّبيَّ ﷺ كتبَ
стр. 1437
إلى عمرو بنِ حزم: "أن عجِّلْ الأضحى، وأخِّر الفطرَ، وذكِّر الناسَ" (١) ولأنه يتسع بذلك وقت الأضحى، ووقت صدقة الفطر.
(و) يسن (الأكل فيه) أي عيد الفطر (قبل الخروج إليها) أي الصلاة (تمرات وترًا) لقول بريدة: "كان النَّبيُّ ﷺ لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتى يفطرَ، ولا يطعم يومَ النحرِ حتى يصلِّي" رواه أحمد (٢).
وقول أنس: "كان النَّبيُّ ﷺ لا يغدو يومَ الفطرِ حتى يأكلَ تمراتٍ" رواه البخاري (٣)، وزاد في رواية منقطعة (٤): "ويأكلهنَّ وترًا" (٥).
стр. 1438
وفي "شرح الهداية" (وهو) أي الأكل فيه (آكد من الإمساك في الأضحى.
و) يسن (الإمساك في الأضحى حتى يصلي) لما تقدم (ليأكل من أضحيته، والأولى من كبدها) لأنه أسرع تناولًا وهضمًا (إن كان يضحي، وإلا خُيّر) بين أكله قبل الصلاة وبعدها، نص عليه (١). لحديث الدارقطني عن بريدة: "وكان لا يأكلُ يوم النحرِ حتى يرجعَ فيأكُل من أضحيتِه" (٢) وإذا لم يكن له ذبح، لم يبال أن يأكل.
(ويسن الغسل للعيد في يومها)، وهو للصلاة، فيفوت بفواتها، وتقدم.
(و) يسن (تبكير مأموم إليها بعد صلاة الصبح) ليحصل له الدنو من الإمام من غير تخط، وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه، ويكون (ماشيًا إن لم يكن عذر) لما روى الحارث عن عليٍّ قال: "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" رواه الترمذي (٣)، وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال
стр. 1439
أبو المعالي: إن كان البلد ثغرًا استحب الركوب، وإظهار السلاح.
(و) يسن (دنوه من الإمام) أي قربه منه كالجمعة.
(و) يسن (تأخر إمام إلى) وقت (الصلاة) لحديث أبي سعيد: "كان النَّبيُّ ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم (١).
(و لا بأس بالركوب في العود) لقول علي: "ثم تركبُ إذا رجعتَ" (٢).
و يسن أن يخرج (على أحسن هيئة، من لبس، وتطيب، ونحوه) كتنظف؛ لما روى جابر أن النَّبيَّ ﷺ "كان يعتمُّ، ويلبس بُرده الأحمرَ في العيدين والجمعة" رواه ابن عبد البر (٣).
стр. 1440
وعن جابر قال: "كانت للنَّبيِّ ﷺ حلة (١) يلبسُها في العيدين ويوم الجمعةِ" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢).
وكالجمعة (والإمام بذلك آكد) لأنه منظور إليه من بين سائر الناس (غير معتكف، فإنه يخرج في ثياب اعتكافه، ولو) كان (الإمام) لقوله ﷺ : "ما على أحدكم أن يكون لَهُ ثوبَانِ سوى ثوبي مهنتِه لجمعته وعيده" (٣) إلا