(أو خمس) ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية، عن أبي بن كعب قال: "انكسفت الشمس على عهد النَّبيِّ ﷺ ، وأنه صلى بهم فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعاتٍ، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها" رواه أبو داود، وعبد الله بن أحمد (١).
قال ابن المنذر: وروينا عن علي "أن الشمس انكسفت، فقام علي فركعَ خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثلَ ذلك، ثم سلم، ثم قال: ما صلاها بعد النَّبيِّ ﷺ غيري" (٢).
стр. 1472
ولا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة، لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه.
(وإن شاء فعلها) أي صلاة الكسوف (كنافلة) بركوع واحد؛ لأن ما زاد عليه سنة.
(والركوع الثاني وما بعده) إذا صلاها بثلاث ركوعات، فأكثر إلى خمس. (سنة لا تدرك به الركعة) للمسبوق، ولا تبطل الصلاة بتركه؛ لأنه قد روي في "السنن" عنه ﷺ من غير وجه أنه صلاها بركوع واحد (١).
(وإن اجتمع مع كسوف جنازة قدمت) الجنازة على الكسوف؛ إكرامًا للميت؛ ولأنه ربما تغير بالانتظار (فتقدم) الجنازة (على ما يقدم عليه) الكسوف بطريق الأولى (ولو مكتوبة) أمن فوقها (ونصه): تقدم (على فجر وعصر فقط.
стр. 1475
وتقدم) الجنازة (على جمعة إن أمن فوتها، ولم يشرع في خطبتها) لمشقة الانتظار.
(وكذا) تقدم صلاة الكسوف (على عيد، ومكتوبة، إن أمن الفوت) وذلك معلوم مما سبق، ووجهه أنه ربما حصل التجلي فتفوت صلاة الكسوف، بخلاف العيد والمكتوبة، مع أمن الفوت.
(و) يقدم كسوف (على وتر، ولو خيف فوته) أي الوتر؛ لأنه يمكن تداركه بالقضاء.
(و) إن اجتمع كسوف (مع تراويح وتعذر فعلهما، تقدم التراويح) لأنها تختص برمضان، وتفوت بفواته.
قيل: (ولا يمكن كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر، إذا اجتمع النيّران. قال بعضهم: في الثامن والعشرين، أو التاسع والعشرين.
ولا) يمكن (خسوف القمر إلا في الإبدار (١)، وهو إذا تقابلا.
قال الشيخ (١): أجرى الله العادة أن الشمس لا تنكسف إلا وقت الاستسرار، وإن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار.
وقال (٢): من قال من الفقهاء: إن الشمس تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط، وقال ما ليس له به علم. وخطأ الواقدي في قوله (٣): إن إبراهيم) ابن النَّبيِّ ﷺ (مات يوم العاشر، وهو الذي انكسفت فيه الشمس. وهو كما قال الشيخ (٤).
стр. 1476
فعلى هذا يستحيل كسوف الشمس بعرفة، ويوم العيد، ولا يمكن أن يغيب القمر ليلًا وهو خاسف، والله أعلم)
قال في "الفروع": ورُدَّ بوقوعه في غيره، فذكر أبو شامة الشافعي في "تاريخه" (١): أن القمر خسف ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكسفت الشمس في غده، والله على كل شيء قدير.
قال: واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد واستبعده أهل النجامة، هكذا كلامه.
وكسفت الشمس يوم موت إبراهيم عاشر شهر ربيع، قاله غير واحد، وذكره بعض أصحابنا اتفاقًا.
قال في "الفصول": لا يختلف النقل في ذلك، نقله الواقدي (٢) والزبيري (٣)، وأن الفقهاء فرعوا وبنوا على ذلك إذا اتفق عيد وكسوف.
وقال غيره: لا سيما إذا اقتربت الساعة، فتطلع من مغربها.
(ولا يصلى لشيء من سائر الآيات، كالصواعق، والريح الشديدة، والظلمة بالنهار، والضياء بالليل) لعدم نفل ذلك عنه ﷺ وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح، والصواعق. وعنه: يصلى لكل آية، وذكر الشيخ تقي الدين (٤) أنه قول محققي أصحاب أحمد وغيرهم (إلا الزلزلة الدائمة، فيصلى لها كصلاة الكسوف) نصًّا (٥)، لفعل ابن عباس،
стр. 1477
رواه سعيد، والبيهقي (١).
وروى الشافعي (٢) عن علي نحوه، وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به.
وصلاة الكسوف صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء.
стр. 1478
باب صلاة الاستسقاء
هو استفعال من السُّقيا، أي: باب الصلاة لأجل الاستسقاء.
(وهو الدعاء بطلب السُّقيا على صفة مخصوصة)، والسُّقيا بضم السين: الاسم من السَقْي.
(وهي) أي: صلاة الاستسقاء (سنة مؤكدة حضرًا وسفرًا)، لقول عبد الله بن زيد: خرج النَّبيُّ ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة. متفق عليه (١).
وتفعل جماعة وفرادى، والأفضل جماعة.
(فإذا أجدبت الأرض) أي: أصابها الجدب، (وهو ضد الخصب) - بالكسر -، أي النماء والبركة، من أخصب المكان، فهو مخصب، وفي لغة (٢): خصب يخصب من باب تعب، فهو خصيب. وأخصب الله الموضع: إذا أنبت به الغيث (٣) والكلأ - قاله في حاشيته - (وقحط المطر) أي احتبس، (وهو) أي القحط: (احتباسه) أي المطر (لا عن أرض غير مسكونة، ولا مسلوكة) لعدم الضرر، (فزع الناس إلى الصلاة)، لما تقدم. ويأتي، (حتى ولو كان القحط في غير أرضهم) لحصول الضرر به، (أو غار ماء عيون)، أي
стр. 1479
ذهب ماؤها في الأرض، (أو) غار ماء (أنهار) جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها - وهو مجرى الماء، (أو نقص) ماء العيون، والأنهار، (وضر ذلك) أي غور مائها، أو نقصانه، فتستحب صلاة الاستسقاء لذلك، كقحط المطر.
(ولو نذر الإمام) أو المطاع في قومه (الاستسقاء زمن الجدب وحده، أو هو والناس، لزمه) الاستسقاء (في نفسه)، لعموم قوله ﷺ : "من نذر أن يطيعَ الله فليطعه" (١). (و) لزمته (الصلاة) أي صلاة الاستسقاء، صوبه في "تصحيح الفروع"، وجعله ظاهر كلام كثير من الأصحاب، ولعله لأن الاستسقاء المعهود شرعًا يكون كذلك، فيحمل نذره عليه.
(وليس له) أي للإمام ونحوه إذا نذره (أن يلزم غيره بالخروج معه)؛ لأنه نافلة في حقهم، فلا يجبرهم عليه.
(وإن نذر) الاستسقاء (غير الإمام)، وغير المطاع في قومه، (انعقد) نذره (أيضًا)، لما سبق. وقباس ما تقدم: يلزمه والصلاة.
(وإن نذره) أي الاستسقاء (زمن الخصب، لم ينعقد)، صوبه في "تصحيح الفروع"؛ لأنه غير مشروع إذن، وقيل: بلى، لأنه قربة في الجملة فيصليها، ويسأل دوام الخصب وشموله.
(وصفتها) أي صلاة الاستسقاء (في موضعها، وأحكامها صفة صلاة العيد)؛ لأنها في معناها، قال ابن عباس: "سنة الاستسقاء سنة العيدين" (٢)،
стр. 1480
فعلى هذا تسن في الصحراء، وأن تصلى ركعتين، يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، من غير أذان ولا إقامة؛ لأنه ﷺ لم يقمها إلا في الصحراء، وهي أوسع عليهم من غيرها. وقال ابن عباس: "صلى ركعتين (١) كما يصلى العيد" (٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكر
стр. 1481
وعمر "أنهم كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعًا وخمسًا". رواه الشافعي (١) مرسلًا، وعن ابن عباس نحوه، وزاد: "وقرأ سبح وفي الثانية الغاشية". رواه الدارقطني (٢). ولا يعارضه قول عبد الله بن زيد فيما سبق: "ثم صلى ركعتين"، لأنها مطلقة، وهذه مقيدة.
(ويسن فعلها) أي صلاة الاستسقاء (أول النهار وقت صلاة العيد)، لحديث عائشة أن رسول الله ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس". رواه أبو داود (٣)، (ولا تتقيد بزوال الشمس)، فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل، قال
стр. 1482
في "الشرح": وليس لها وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف.
(ويقرأ فيها بما يقرأ به في صلاة العيد) لما تقدم عن ابن عباس. (وإن شاء) قرأ في الركعة الأولى بـ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (١) لمناسبتها الحال، (و) في الركعة الثانية (سورة أخرى) من غير تعيين. (وإذا أراد الإمام الخروج لها، وعظ الناس) أي خوفهم، وذكرهم بالخير، لترقّ به قلوبهم، وينصحهم، ويذكرهم بالعواقب، (وأمرهم بالتوبة من المعاصي، و) بـ (الخروج من المظالم، و) بـ (أداء الحقوق) وذلك واجب؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ .. الآية (٢). (والصيام، قال جماعة: ثلاثة أيام، يخرجون في آخرها صيامًا)، لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، وقد روي: "دعوة الصائم لا ترد" (٣)، ولما فيه من كسر الشهوة، وحضور القلب،
стр. 1483
والتذلل (١). (ولا يلزمهم الصيام بأمره) كالصدقة، مع أنهم صرحوا بوجوب طاعته في غير المعصية، وذكره بعضهم إجماعًا، قال في "الفروع": ولعل المراد: في السياسة والتدبير، والأمور المجتهد فيها، لا مطلقًا. ولهذا جزم بعضهم: تجب في الطاعة، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه.
(و) يأمرهم أيضًا بـ (الصدقة)، لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. (وترك التشاحن)، من الشحناء، وهي العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله ﷺ : "خرجت لأخبركم بليلةِ القدرِ، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت" (٢). (ويعدهم يومًا) أي يعينه لهم (يخرجون فيه) للاستسقاء، لحديث عائشة قالت: "ووعد الناس يومًا يخرجونَ فيهِ". رواه أبو داود (٣). (ويتنظف لها بالغسل، والسواك، وإزالة الرائحة)، وتقليم الأظفار، ونحوه؛ لئلا يؤذي الناس. وهو يوم يجتمعون له، أشبه الجمعة، (ولا يتطيب) وفاقًا، لأنه يوم استكانة وخضوع.
(ويخرج إلى المصلى متواضعًا في ثياب بذلة متخشعًا) أي خاضعًا، (متذللًا) من الذل، وهو الهوان، (متضرعًا) أي متمسكنًا (٤)، لحديث ابن عباس قال: "خرج النَّبيُّ ﷺ للاستسقاء متذللًا متواضعًا متخشعًا متضرعًا، حتى أتى المصلى" (٥) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 1484
(ويستحب أن يخرج معه أهل الدين والصلاح، والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس (١)، ومعاوية بيزيد بن الأسود (٢)، واستسقى به الضحاك (٣) بن قيس (٤) مرة أخرى، ذكره الموفق والشارح.
وقال السامري، وصاحب "التلخيص": لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين.
وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل: يستحب. قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنه يتوسل بالنَّبيِّ ﷺ في دعائه، وجزم به في "المستوعب" وغيره (٥).
стр. 1485
وقال أحمد وغيره (١)، في قوله ﷺ : "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق" (٢): الاستعاذة لا تكون بمخلوق. قال إبراهيم الحربي (٣): الدعاء عند قبر مَعْروف الترياق المُجَرّب (٤).
وقال شيخنا (٥): قصده للدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة، لا قربة باتفاق الأئمة، ذكره في "الفروع".
стр. 1486
(وكذا مميز الصبيان) يستحب إخراجه؛ لأنه يكتب له، ولا يكتب عليه، فترجى إجابة دعائه.
(و يباح خروج أطفال، وعجائز، وبهائم) لأن الرزق مشترك بين الكل. وروى البزار مرفوعًا: "لولا أطفال رضع، وعباد ركع، وبهائم رتّع، لصب عليكم العذاب صبًّا" (١). وروي أن سليمان ﵇ "خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلقٌ من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك. فقال سليمان: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم" (٢).
стр. 1487
(ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم) رجاء استجابة دعائهم، لانكسارهم بالرق.
(ويكره) أن يخرج (من النساء ذوات الهيئات) خوف الفتنة.
(ويكره لنا أن نخرج أهل الذمة، ومن يخالف دين الإسلام) لأنهم أعداء الله، فهم بعيدون من الإجابة، وإن أغيث المسلمون فربما ظنوه بدعائهم. (وإن خرجوا من تلقاء أنفسهم لم يكره، ولم يمنعوا) لأنه خروج لطلب الرزق، والله ضمن أرزاقهم، كما ضمن أرزاق المسلمين (وأمروا بالانفراد عن المسلمين فلا يختلطون بهم) لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١)، ولأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضر. (ولا ينفردون بيوم) لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن بهم غيرهم.
(وحكم نسائهم، ورقيقهم، وصبيانهم، وعجائزهم حكمهم)، في جواز الخروج منفردين لا بيوم (ولا تخرج منهم شابة كالمسلمين)، والمراد: حسناء، ولو عجوزًا، كما يُعلم مما تقدم.
(فيصلى بهم) ركعتين كالعيد، كما تقدم. (ثم يخطب خطبة واحدة)
стр. 1488
لأنه لم ينقل أن النَّبيَّ ﷺ خطب بأكثر منها، وهي بعد الصلاة. قال ابن عبد البر (١): وعليه جماعة الفقهاء، لقول أبي هريرة: "صلى بنا النَّبيُّ ﷺ ثم خطبنا" رواه أحمد (٢). وكالعيد.
وعنه: قبلها. روي عن عمر (٣)، وابن الزبير (٤): كالجمعة.
وعنه: يُخير.
(يجلس قبلها إذا صعد المنبر جلسة الاستراحة) ليترادّ إليه نفسه، كالعبد. (ثم يفتتحها بالتكبير (٥) تسعًا) نسقا كخطبة العبد، لقول ابن عباس: "صنع النَّبيُّ ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيد" (٦). (ويكثر فيها الصلاة على النَّبيِّ ﷺ ) لأنها معونة على الإجابة. وعن عمر قال: "الدعاء موقوف بين
стр. 1489
السماء والأرض، لا يصعدُ منه شيء حتى تُصلِّي على نبيك" رواه الترمذي (١) (و) يكثر فيها (الاستغفار) لأنه سبب لنزول الغيث. روى سعيد: "أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح (٢) السماء الذي يستنزل به المطر، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٣)(٤)، وعن علي نحوه (٥). (وقراءة الآيات التي فيها الأمر به)، أي بالاستغفار، (كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، ونحوه)، كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٦).
(ويسن رفع يديه وقت الدعاء)، لقول أنس: "كان النَّبيُّ ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه، إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه" متفق عليه (٧). (وتكون ظهورهما نحو السماء)، لحديث رواه مسلم (٨).
стр. 1490
(فيدعو قائمًا)، كسائر الخطبة. (ويكثر منه)، أي من الدعاء، لحديث: "إن الله يحب الملحّين في الدعاء" (١).
(ويؤمّن مأموم، ويرفع) المأموم (يديه)، كالإمام (جالسًا)، كما في استماع غيرها من الخطب.
(وأيّ شيء دعا به جاز)، لحصول المطلوب. (والأفضل) الدعاء (بالوارد من دعاء النَّبيِّ ﷺ )، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢).
(ومنه) أي من دعاء النَّبيِّ ﷺ : (اللهم) أي: يا الله (اسقنا) - بوصل الهمزة، وقطعها - (غيثًا) هو مصدر، المراد (٣) به المطر، ويسمى الكلأ غيثًا. (مغيثًا) هو المنقذ منع الشدة، يقال: غاثه، وأغاثه، وغِيْثَت الأرض، فهي مَغِيْثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ. (هنيئًا) بالمد والهمز، أي: حاصلًا بلا مشقة. (مريئًا): السهل النافع المحمود العاقبة، وهو ممدود مهموز. (مريعًا) - بفتح الميم وكسر الراء - أي: مخصبًا كثير النبات. يقال: أمْرَعَ المكان، ومُرع - بالضم -: إذا أخصب. (غدقًا) - بفتح الدال وكسرها -، والغدق: الكثير الماء والخير. (مجللًا): السحاب الذي يعم العباد والبلاد نفعه. (سحًّا): الصبّ، يقال: سحّ الماء يسحّ: إذا سال من فوق إلى أسفل. وساح يسيح: إذا جرى على وجه الأرض. (عامًا): شاملًا. (طبقًا) - بفتح الطاء، والباء -: الذي طبق البلاد مطره (دائمًا) أي: متصلًا، إلى أن يحصل الخصب. (نافعًا غير ضار، عاجلًا
стр. 1491
غير آجل)، روى ذلك أبو داود (١) من حديث جابر، قال: "أتت النَّبيَّ ﷺ بواكي، فقال: فذكره، قال: فأطبقتْ السماء عليهم".
(اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت)، رواه أبو داود (٢) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا استسقى قال: فذكره".
стр. 1492
(اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين) أي: الآيسين. قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١) أي: لا تيأسوا.
(اللهمَّ سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأوَاءِ) أي: الشدة. وقال الأزهري (٢): شدة المجاعة. (والجهد) -بفتح الجيم-: المشقة، -وضمها-: الطاقة، قاله الجوهري (٣)، وقال ابن المنجَّا: هما المشقة، ورُدَّ بما سبق، قاله في "المبدع". و (الضنك): الضيق. (ما لا نشكوه إلا إليك. اللهمَّ أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع) قال الجوهري (٤): الضرع لكل ذات ظلف أو خف. (واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهمَّ ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهمَّ أنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا) أي: دائمًا إلى وقت الحاجة. وهذا الدعاء رواه ابن عمر، عنه ﷺ (٥)، غير أن قوله: "اللهمَّ
стр. 1493
سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق" رواه الشَّافعيّ (١) في "مسنده" عن المطَّلب بن حنطب، وهو مرسل.
(ويُؤَمّنون) على دعاء الإمام.
(ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ثم يحوّل رداءه، فيجعل ما على الأيمن) من الرداء، (على الأيسر، وما على الأيسر، على الأيمن)، لأنه ﷺ "حوَّل إلى النَّاس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه" متفق عليه (٢). وفي حديث عبد الله أنَّه ﷺ "حول رداءه حين استقبل القبلة" رواه مسلم (٣). وروى أَحْمد وغيره من حديث أبي هريرة: "أن النبي ﷺ خطب، ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلةِ رافعًا يديه، ثم قلبَ رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسرَ على الأيمن" (٤)، وكان الشَّافعيّ يقول بهذا، ثم رجع، فقال (٥): يجعل أعلاه أسفله، لما روى عبد الله بن زيد: "أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصةٌ سوداءُ، فأراد أن يجعلَ أسفلها أعلاه، فثقلت عليه،
стр. 1494
فقلبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن" رواه أَحْمد، وأبو داود (١).
وأجيب عن هذه الرواية -على تقدير ثبوتها- بأنها ظن من الراوي. وقد نقل التحويل جماعة، لم ينقل أحد منهم أنَّه جعل أعلاها أسفله، ويبعد أنَّه ﷺ ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء.
"فائدة" قال النووي (٢): فيه استحباب استقبالها، أي: القبلة للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل، والتيمم، والقراءة، وسائر الطاعات؛ إلا ما خرج بدليل، كالخطبة، وسبق معناه عن صاحب "الفروع" في الوضوء.
(ويفعل النَّاس كذلك) أي يحوّلون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن؛ لأن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى، وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب، بل روي عن جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه: "أن النبي ﷺ حول رداءه، ليتحول القحط" رواه الدارقطني (٣).
стр. 1495
(ويتركونه) أي: الرداء محوَّلًا، (حتَّى ينزعوه مع ثيابهم)، لعدم نقل إعادته. وظاهر ما سبق: لا تحويل في كسوف، ولا حالة الأمطار والزلزلة، صرح به في "الفروع" وغيره.
(ويدعو سرًّا) لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع، وأسرع في الإجابة، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١). (حال استقبال القبلة، فيقول: اللهمَّ إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد) لأن في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله، حيث قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢). فإن دعا بغير ذلك، فلا بأس، قاله في "المبدع".
(فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر) من القرآن، (ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، وقد تمت الخطبة)، ذكره السامري.
(فإن سقوا)، فذلك من فضل الله ونعمته، (وإلا عادوا في اليوم الثاني، و) اليوم (الثالث، وألحّوا في الدعاء)، لأنه أبلغ في التضرع، وقد رُوي: "إن الله يحبُّ الملحّين في الدعاء" (٣)، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب
стр. 1496
كالأول. قال أصبغ (١): استسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين مرة متوالية، وحضره ابن القاسم، وابن وهب، وجمع.
(وإن سقوا قبل خروجهم، وكانوا قد تأهبوا للخروج، خرجوا وصلوا شكرًا) لله تعالى، وسألوه المزيد من فضله؛ لأن الصلاة شرعت لأجل العارض من الجدب، وذلك لا يحصل بمجرد النزول.
(وإلا)، أي: وإن لم يكونوا قد تأهبوا للخروج، (لم يخرجوا)، لحصول المقصود. (وشكروا لله، وسألوه المزيد من فضله)، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢).
(وإن سقوا بعد خروجهم، صلّوا)، قال في "المبدع": وجهًا واحدًا. فإن كان في الصلاة أتمها، وفي الخطبة وجهان.
(وينادى لها: الصلاة جامعة)، قياسًا على الكسوف.
(ولا يشترط لها إذن الإمام في الخروج، ولا في الصلاة، ولا في الخطبة)، لأنها نافلة، أشبهت سائر النوافل، فيفعلها المسافر وأهل القرى، ويخطب بهم أحدهم.
(ولا بأس بالتوسل بالصالحين، ونصه) في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنَّه يتوسل (بالنَّبيِّ ﷺ ) في دعائه (٣)، وجزم به في "المستوعب"، وغيره.
(وإن استقوا عقب صلواتهم، أو في خطبة الجمعة، أصابوا السنة)، ذكر القاضي وجمع: أن الاستسقاء ثلاثة أضرب:
أحدها: ما تقدم وصفه، وهو أكملها.
стр. 1497
الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها، كما فعل النَّبِيُّ ﷺ . متفق عليه (١) من حديث أنس.
الثالث: دعاؤهم عقب صلواتهم، وفي خلواتهم.
(ويستحب أن يقف في أول المطر، ويخرج رحله): هو في الأصل مسكن الرَّجل، وما يستصحبه من الأثاث. (و) يخرج (ثيابه، ليصيبها) المطر، (وهو الاستمطار) لقول أنس: "أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطرٌ، فحسر ثوبه حتَّى أصابه من المطر، فقلنا (٢): لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه". رواه مسلم (٣). ورُوي: "أنَّه ﵇: كان ينزع ثيابه في أول المطر، إلَّا الإزار يتزر به" (٤). وعن ابن عباس: أنَّه كان إذا مطرت الماء قال لغلامه: "أخرج رحلي وفراشي يصبه (٥) المطر" (٦).
(ويغتسل في الوادي إذا سال ويتوضأ)، واقتصر في "الشرح" على
стр. 1498
الوضوء فقط؛ لأنه رُوي "أنَّه ﵇ كان يقول -إذا سال الوادي: "اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهرًا (١)، فنتطهر به" (٢). (ويقول: اللهمَّ صيّبًا نافعًا)، لقول عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ إذا رأى المطرَ قال: "اللهمَّ صيبًا نافعًا". رواه أَحْمد، والبخاري (٣)، وعبارة "الآداب الكبرى" (٤) بالسين، قال: السيب: العطاء، وهو بفتح السين المهملة وبالياء المثناة تحت.
(وإذا زادت المياه لكثرة المطر، فخيف منها، استحب أن يقول: اللهمَّ حوالينا ولا علينا)، أي: أنزله حوالي المدينة مواضع النبات، ولا علينا في المدينة، ولا في غيرها من المباني. (اللهمَّ على الظراب)، أي: الروابي الصغار، جمع ظرب -بكسر الراء- ذكره الجوهري (٥). (والآكام) -بفتح الهمزة تليها مَدّة، على وزن آصال، وبكسر الهمزة بغير مدّ، على وزن جبال- فالأول: جمع أُكُم كَكُتُب، وأُكْم جمع إكَام، كجبال. وآكام جمع أَكَم، كجبل. وأَكَم، واحده أَكَمَة، فهو مفرد جمع أربع مرات. قال عياض (٦): هو ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله، كالتلول ونحوها. وقال مالك (٧): هي الجبال الصغار. وقال الخليل (٨): هي
стр. 1499
حجر واحد (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة. (ومنابت الشجر)، أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها، لما في "الصحيح" (١) "أنَّه ﵇ كان يقول ذلك".
وعلم منه: أنَّه لا يصلي لذلك، بل يدعو؛ لأنه أحد الضررين، فاستحب الدعاء، لانقطاعه. قال النووي (٢): ولا يشرع له الاجتماع (٣) في الصحراء. ويقرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى آخر (الآية) (٤)، لأنها لائقة بالحال، فاستحب قولها، كسائر الأقوال اللائقة بمحالّها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق، وقيل: هو حديث النفس والوسوسة، وعن مكحول (٥): هو الغلمة، وعن إبراهيم (٦): هو الحب، وعن مُحَمَّد بن عبد الوهَّاب (٧): هو العشق، وقيل: هو شماتة الأعداء، وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله منها. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾، أي: تجاوز عنا ذنوبنا. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾، أي: استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا. ﴿وَارْحَمْنَا﴾، فإننا لا ننال العمل بطاعتك، ولا ترك (٨)
стр. 1500
معاصيك، إلَّا برحمتك. ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: ناصرنا وحافظنا.
(وكذلك إذا زاد ماء النبع)، كماء العيون، (بحيث يضر، استحب لهم أن يدعوا الله تعالى أن يخففه عنهم، و) أن (يصرفه إلى أماكن)، بحيث (ينفع ولا يضر) لأنه في معنى زيادة الأمطار.
(و يستحب الدعاء عند نزول الغيث) لقوله ﷺ : "يستجاب الدعاء عند ثلاث: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" (١).
(و) يسن (أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته. ويحرم) قوله (٢): مطرنا (بنوء كذا)، لخبر زيد بن خالد، وهو في "الصحيحين" (٣). ولمسلم (٤) عن
стр. 1501
أبي هريرة مرفوعًا: "ألم تروا إلى ماذا قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلَّا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا" وفي رواية: "بكوكب كذا وكذا"، فهذا يدل على أن المراد: كفر النعمة.
(وإضافة المطر إلى النوء دون الله اعتقادًا، كفر إجماعًا)، قاله في "الفروع" وغيره؛ لاعتقاده خالقًا غير الله.
(ولا يكره) قول: مطرنا (في نوء كذا، ولو (١) لم يقل: برحمة الله)، خلافًا للآمدي.
والنوء: النجم مال للغروب، قاله في "القاموس" (٢). والأنواء ثمانية وعشرون منزلة، وهي منازل القمر.
(ومن رأى سحابًا، أو هبّت الريح (٣)، سأل الله خيره، وتعوذ من شره. ولا يسب الريح إذا عصفت)، لقوله ﷺ : "الريحُ من روح الله، يأتي (٤) بالرحمة، ويأتي بالعذاب. فإذا رأيتموها، فلا تسبوها، واسئلوا الله خيرَها واستعيذوا من شرها". رواه أبو داود، والنَّسائيّ، والحاكم، من حديث أبي هريرة (٥). "بل يقول: اللهمَّ إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما
стр. 1502
أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به)، لحديث مسلم (١): (اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا. اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا)، رواه الطبراني في "الكبير" (٢). قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ﴾ (٤). وروى الطبراني أيضًا: "اللهم اجعلها لقحًا، لا عقيمًا" (٥) وروى ابن السني، وأبو يعلى: "ويكبر" (٦).
стр. 1503
(ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك. سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته) رواه الترمذي (١)، فيما إذا سمع صوت الرعد مقدمًا: "سبحان من يسبح الرعد بحمده"، إلى آخره، على ما قبله -كما نقله الجلال السيوطي عنه في "الكلم الطيب"- (٢).
"فائدة": روى أبو نعيم في الحلية بسنده، عن ابن أبي زكريا (٣) قال: من قال: "سبحال الله وبحمده عند البرق، لم تصبه صاعقة" (٤).
стр. 1504
(ويقول إذا انقض الكوكب: ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، للخبر. رواه ابن السني، والطبراني في "الأوسط" (١).
(وإذا سمع نهيق حمار) استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، لخبر الشيخين (٢).
(أو) سمع (نباح) -بضم النون- أي: صوت (كلب، استعاذ)، وفي
стр. 1505
نسخة: استعيذ (بالله من الشيطان الرجيم)، لحديث أبي داود (١). (و إذا سمع صياح الديكة، سأل الله من فضله)، لخبر الشيخين (٢). قال في "الآداب" (٣): يستحب قطع القراءة لذلك. كما ذكروا أنه يقطعها للأذان. وظاهره: ولو تكرر ذلك. (وورد في الأثر: أن قوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق، وهو من آيات الله (٤).
стр. 1506
قال ابن حامد: ودعوى العامة (١): إن غلبت حمرته كانت الفتن والدماء، وإن غلبت خضرته كان رخاء وسرورًا - هذيان) واقتصر عليه في "الفروع" وغيره.
стр. 1507
كتاب الجنائز
بفتح الجيم: جمع جنازة، بكسرها، والفتح لغة، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر: للنعش عليه ميت، وقيل عكسه. فإن لم يكن عليه ميت، فلا يقال: نعش، ولا جنازة، وإنما يقال: سرير (١).
وهي مشتقة من جَنَزَ من باب ضرب: إذا ستر.
وكان من حقِّ هذا الكتاب أن يذكر بين الوصايا والفرائض، لكن لما كان أهم ما يُفعل بالميت الصلاة عليه، أعقبه للصلاة.
(ترك الدواء أفضل)، نص عليه (٢)؛ لأنه أقرب إلى التوكل. واختار القاضي، وأبو الوفاء، وابن الجوزي، وغيرهم فعله؛ لأكثر الأحاديث (٣)، (ولا يجب) التداوي (ولو ظن نفعه) لكن يجوز اتفاقًا، ولا ينافي التوكل؛ لخبر أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله أنزَل الداءَ والدواءَ، وجعل لكلِّ داءٍ دواءً، فتَدَاووا، ولا تَدَاووا بالحرام) (٤).
стр. 1508
(ويحرم) التداوي (بسمٍّ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١).
"تتمة": يكره قطع الباسور، ومع خوف تلف بقطعه يحرم، وبتركه يباح.
(فإن كان الدواء مسمومًا، وغلبت منه السلامة، ورُجي نفعه، أُبيح؛ لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الأدوية) غير المسمومة، ودفعًا لإحدى المفسدتين بأخفَّ منها.
(و لا بأس بالحمية) نقله حنبل (٢). قال في "الفروع": ويتوجه: أنها مسألة التداوي، وأنه يستحب؛ للخبر: "يا عليُّ، لا تأكلْ من هذا، وكُلْ من هذا؛ فإنه أوفَقُ لك". ولهذا لا يجوز تناول ما ظنَّ ضرره. انتهى. والذي نهاه عنه: الرطب، والذي أمره بالأكل منه: شعير وسِلْق (٣)، والحديث رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه،
стр. 1509
وغيرهم (١)، وقال الترمذي: حسن غريب.
(ويحرم) تداوٍ (بمحرَّم، أكلًا وشربًا، وكذا صوت مَلْهاة، وغيره) كسماع الغناء المحرَّم؛ لعموم قوله ﷺ : "ولا تَتَداووا بالحرامِ" (٢).
وأخرج ابن عساكر عن أبي عثمان، والربيع، وأبي حارثة، عن عمر، أنه كتب إلى خالد بن الوليد: "إنه بَلغَنى أنكَ تدلكُ بالخمرِ، وإن اللهَ قدْ حرمَ ظاهرَ الخمرِ وباطِنَهَا، وقد حرَّم مسَّ الخمرِ، كما حرَّم شربها، فلا تُمسُّوهَا أجسَادَكم؛ فإنهَا نجسٌ" (٣).
ويأتي في كلامه في الجهاد: أنه يجوز الادهان بدهن غير مأكول. وقال في "المنتهى": يحرم بمحرَّم، فتناول الكلَّ. وذكر أبو المعالي: يجوز اكتحاله بميل ذهب وفضة. وذكره الشيخ تقي الدين (٤)، قال:
стр. 1510
لأنها حاجة ويباحان لها.
(ولو أمره أبوه بشرب دواء بخمر، وقال: أمك طالق ثلاثًا إن لم تشربه، حَرُم شربه)، نقله هارون الحمال (١)؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(وتحرم التميمة، وهي عَوذة، أو خَرَزة، أو خيط ونحوه، يتعلقها) فنهى الشارع عنه، ودعا على فاعله، وقال: "لا تزيدك إلا وهنًا، انبِذْها عنْك، لو متَّ وهي عليكَ ما أفلحتَ أبدًا"، روى ذلك أحمد وغيره (٢)، والإسناد حسن. وقال القاضي: يجوز حمل الأخبار