← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

(ويحرم التخلي عليها) أي: القبور (وبينها) لحديث عقبة بن عامر، قال: قال النبي ﷺ : "لأن أطأ على جمرةٍ أو سيفٍ أحبُّ إليَّ من أن أطأ على قبرِ مسلمٍ، ولا أبالي أوسطَ القبورِ قضيتُ حاجتِي، أو وسطَ السوقِ". رواه الخلال وابن ماجه (١). (والدفن في صحراء أفضل) من الدفن بالعمران؛ لأنه أقل ضررًا على الأحياء من الورثة، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم تزل الصحابة والتابعون فمن بعدهم يقبرون في الصحراء (سوى النبي ﷺ ) فإنه قُبِرَ في بيته، قالت عائشة: "لئلا يُتَّخَذَ قبرُهُ مسجدًا" رواه البخاري (٢). ولأنه روى: "تدفنُ الأنبياءُ حيثُ

стр. 1717

يموتونَ" (١). مع أنه ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك؛ صيانة له عن كثرة الطرَّاق، وتمييزًا له عن غيره ﷺ (واختار صاحباه) أبو بكر وعمر

стр. 1718

- ﵄ (الدفن معه؛ تشرفًا وتبركًا، ولم يزد عليهما؛ لأن الخرق يتسع، والمكان ضيق، وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع) ذلك (١). (ذكره المجد وغيره. ويحرم إسراجها) أي: القبور؛ لقوله ﷺ : "لعن اللهُ زواراتِ القبورِ، والمتخذات (٢) عليها المساجدَ

стр. 1719

والسُّرُج" رواه أبو داود والنسائي بمعناه (١). ولو أبيح، لم يلعن النبيُّ ﷺ مَن فعله، ولأن في ذلك تضييعًا للمال من غير فائدة، ومغالاة في تعظيم الأموات، يشبه تعظيم الأصنام.

стр. 1720

(و) يحرم (اتخاذ المسجد عليها) أي: القبور (وبينها) لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لعنَ اللهُ اليهودَ اتخذُوا قبورَ أنبيائِهمْ مساجِدَ". متفق عليه (١) (وتتعين إزالتها) أي: المساجد، إذا وضعت على القبور، أو بينها (وفي كتاب "الهَدي) النبوي" (٢) لابن قيم الجوزية (لو وضع المسجد والقبر معًا، لم يجز، ولم يصح الوقف، ولا الصلاة) تغليبًا لجانب الحظر (وتقدم) ذلك (في) باب (اجتناب النجاسة (٣). ويكره المشي بالنعل فيها) أي: في المقبرة؛ لما روى بشير بن الخصاصية، قال: "بينَا أنا أماشي رسول الله ﷺ إذا رجلٌ يمشي في القبورِ، عليه نعلانِ، فقال له: يا صاحبَ السِّبْتيَّتين! ألقِ سِبْتيَّتَيْك فنظر الرجلُ، فلما عرفَ رسولَ الله ﷺ ، خلعهُما فرمَى بهمَا" رواه أبو داود (٤).

стр. 1721

وقال أحمد: إسناده جيد (١). ولأن خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين (حتى التُّمُشْك - بضم التاء والميم وسكون الشين) المعجمة (لأنه) أي: التمشك (نوع منها) أي: من النعال، فيتناوله ما سبق، وهو معروف ببغداد. و (لا) يكره المشي بين القبور (بخفٍّ) لأنه ليس بنعل ولا في معناه، ويشق نزعه، وروي عن أحمد (٢)، أنه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه (٣). وأما وطء القبر نفسه، فمكروه مطلقًا؛ لما سبق (٤). وفي عبارة "المنتهى" إبهام. (ويسن خلع النعل إذا دخلها) لما سبق (إلا خوف نجاسة أو شوك ونحوه) مما يتأذى به، كحرارة الأرض؛ لأنه عذر. (ومن سبق إلى) مقبرة (مُسبَّلة، قُدِّم) عند التزاحم وضيق المحلِّ، كما لو تنازعا في رحاب المساجد، ومقاعد الأسواق (ويقرع إن جاءا

стр. 1722

معًا) فيقدم من خرجت له القرعة؛ لأنها وضعت لتمييز ما أبهم. (ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر بعيد؛ لغرض صحيح، كبقعة شريفة، ومجاورة صالح مع أَمْنِ التغير) لما في "الموطأ" لمالك: أنه سمع غير واحد يقول: "إن سعدَ بن أبي وقَّاص وسعيدَ بن زيدٍ ماتا بالعقيقِ، فحملا إلى المدينة، ودفنا بها" (١). وقال سفيان بن عيينة: "مات ابنُ عمر هاهنا، وأوصى أن لا يدفنَ هاهنا، وأن يدفنَ بسرف". ذكره ابن المنذر، وتقدم بعضه (٢). (إلا الشهيد) إذا دفن بمصرعه فلا ينقل منه، ودفنه به سنة (حتى لو نقل) من مصرعه (رُدَّ إليه) قال أحمد (٣): أما القتلى فعلى حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "ادفنُوا القتلَى في مصارِعِهمْ" (٤).

стр. 1723

(ويجوز نبشه) أي: الميت (لغرض صحيح، كتحسين كفنه) لحديث جابر قال: "أتى النبيُّ ﷺ عبدَ الله بن أبيٍّ بعد ما دفِنَ، فأخرجَهُ فنفثَ فيه من ريقِه، وألبسَه قميصَه". أخرجه الشيخان (١). (و) يجوز نقله لـ (ــبقعة خير من بقعته، كـ) ــنبشه لـ (ــإفراده عمن دفن معه) لقول جابر: "دُفِنَ مع أبي رجلٌ، فلم تطِبْ نفسي حتى أخرجتهُ، فجعلتُه في قبرٍ على حدةٍ". وفي رواية: "كان أبي أولَ قتيلٍ - يعني: يوم أحد - فدفنَ معهُ آخرُ في قبرهِ، ثم لم تطِبْ نفسي أن أتركَهُ مع الآخر، فاستخرجتُه بعد ستةِ أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعتُه غير أذنِه" رواهما البخاري (٢) (وتقدم) ذلك أول الغسل. (ويستحب جَمْعُ الأقارب) الموتى في المقبرة الواحدة، ويقارب بين قبورهم؛ لأنه أسهل لزيارتهم، وأبعد لاندراس قبورهم، ويعضده قوله ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون وعلَّم قبره: "أدفنُ إليه مَنْ ماتَ من أهلي" (٣). ويستحب أيضًا الدفن (في البقاع الشريفة) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "أن موسى ﵇ لما حضرهُ الموتُ، سأل ربَّه أن يُدنيَه من الأرضِ المقدسةِ رميةَ حجرٍ. قال النبي ﷺ : لو كنتُ ثَمَّ،

стр. 1724

لأريتُكم قبرَه، عند الكثِيب الأحمَرِ" (١). وقال عمر: "اللهم، ارزقنِي شهادةً في سبيلكَ، واجعَلْ موتي في بلدِ رسولك". متفق عليهما (٢). (و) يستحب - أيضًا - الدفن فيـ (ــما كثر فيه الصالحون) لتناله بركتهم؛ ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه، وسأل عائشة حتى أذنت له (٣). (و يحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإتلاف ذاته، وإحراقه) لحديث: "كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِ عظمِ الحيِّ" (٤)، ولبقاء حرمته

стр. 1725

(ولو أوصى به) أي: بما ذكر من القطع والإتلاف والإحراق، فلا تتبع وصيته؛ لحق الله تعالى (ولا ضمان فيه) أي: الميت إذا قطع طرفه أو أتلف أو أحرق (ولوليه) أي: الميت (أن يحامي عنه) أي: يدفع عنه من أراد قطع طرفه ونحوه بالأسهل فالأسهل، كدفع الصائل (وإن آل ذلك إلى إتلاف الطالب، فلا ضمان) على الدافع، كما في دفع الصائل. (و من أمكن غسله فدفن قبله، لزم نبشه) تداركًا للواجب (و) لزم (تغسيله) وتكفينه والصلاة عليه (وتقدم) ذلك في الغسل (١). (ويحرم دفن اثنين فأكثر في قبر واحد) لأنه ﷺ كان يدفنُ كلَّ ميتٍ في قبرٍ (٢)، وعلى هذا استمر فعل الصحابة ومن بعدهم (إلا لضرورة أو حاجة) ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم؛ لقوله ﷺ يوم أُحد: "ادفنُوا الاثنين والثلاثةَ في قبرٍ واحدٍ" رواه النسائي (٣)، وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد فـ (ـإن شاء سوَّى بين رؤوسهم، وإن شاء حفر قبرًا طويلًا، وجعل رأس كل واحد) من

стр. 1726

الموتى (عند رِجْل (١) الآخر، أو) عند (وسطه، كالدَّرَج، ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل، ويسن حجزه بينهما بتراب) ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد. (والتقديم إلى القبلة كالتقديم إلى الإمام في الصلاة، فيسن) أن يقدم الأفضل فالأفضل إلى القبلة في القبر؛ لحديث هشام بن عامر قال: "شُكي إلى رسول الله ﷺ كثرةُ الجراحات يومَ أحدٍ، فقال: احفرُوا، ووسعُوا، وأحسنُوا، وادفنُوا الاثنين والثلاثَة في قبرٍ واحدٍ، وقدِّمُوا أكثرهُم قرآنًا". رواه الترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح. (وتقدم) ذلك في (صلاة الجماعة) عند بيان موقف الإمام والمأموم (٣). (ولا ينبش قبر ميت باقٍ لميت آخر) أي: يحرم ذلك؛ لما فيه من هتك حرمته (ومتى علم) أن الميت بلي وصار رميمًا (- ومرادهم) أي: الأصحاب (ظُنَّ - أنه بلي، وصار رميمًا، جاز نبشه، ودفن غيره فيه) أي: القبر مكانه، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والهواء، وهو في البلاد الحارة أسرع منه في الباردة (وإن شك في ذلك) أي: في أنه بلي وصار رميمًا (رجع إلى قول أهل الخبرة) أي: المعرفة بذلك (فإن حفر فوجد فيها) أي: الأرض (عظامًا، دفنها) أي: العظام، أي: أبقاها مكانها، وأعاد التراب كما كان، ولم يجز دفن ميت آخر عليه، نصًا (٤) (وحفر في مكان آخر) خالٍ من الأموات.

стр. 1727

(وإذا صار) الميت (رميمًا، جازت الزراعة وحرثه) أي: موضع الدفن (وغير ذلك) كالبناء، قاله أبو المعالي (وإلا) أي: وإن لم يصر رميمًا (فلا) يجوز ذلك، قال في "الفروع": (والمراد) أي: بقول أبي المعالي: تجوز الزراعة والحرث ونحوهما، إذا صار رميمًا (إذا لم يخالف شرط واقف؛ لتعيينه الجهة) بأن عيَّن الأرض للدفن، فلا يجوز حرثها ولا غرسها. و تحرم عمارة القبر إذا دثر الذي غلب على الظن بلاء صاحبه، وتسوية التراب عليه في المقبرة المسبلة؛ لئلا يتصور بصورة الجديد، فيمتنع الناس من الدفن فيه؛ قياسًا على تحريم الحفر فيها قبل الحاجة إليه. (ويجوز نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مسجد (١)) لأن موضع مسجد النبي ﷺ كان قبورًا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدًا (٢). (أو) أي: ويجوز نبش قبور المشركين (لمال فيها، كقبر أبي رِغال) لما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال: "هذا قبرُ أبي رغال، وآية ذلك: أن معه غصنًا من ذهبٍ، إن أنتم نبشتُم عنهُ، أصبتُمُوه معهُ، فابتدره الناسُ فاستخرجُوا الغصنَ" (٣).

стр. 1728

ونقل المرُّوذي (١) فيمن أوصى ببناء داره مسجدًا، فخرجت مقبرة، فإن كانوا مسلمين لم يخرجوا، وإلا أُخرجت عظامهم. "تنبيه" أبو رغال: يرجم قبره، وكان دليلًا للحبشة حيث توجهوا إلى مكة، فمات في الطريق. قاله في "الصحاح" (٢). (ولو وصَّى بدفنه في ملكه، دفن مع المسلمين؛ لأنه) أي: دفنه بملكه (يضر الورثة) لمنعهم في التصرف فيه، فيكون منفيًا؛ لحديث: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٣). (و لا بأس بشرائه موضع قبره، ويوصي بدفنه فيه) فعله عثمان (٤) وعائشة (٥). قال في "الفروع": فلهذا حمل صاحب "المحرر" الأول

стр. 1729

على أنه لم يخرج من ثلثه. وما قاله متَّجه، وبعَّده بعضهم. وفي "الوسيلة": فإن أذنوا، كره دفنه فيه. نص عليه (١). انتهى. ومراد صاحب "الفروع" بالأول: ما إذا أوصى بدفنه في ملكه. قلت: الأَولى حملُ الأول على ملك في العمران، كما يدل عليه كلامه في "الوسيلة" والتعليل السابق. وحمل الثاني على شرائه موضع قبره في مقبرة غير مسبَّلة، كما يدل عليه ما استدلوا به من فعل عثمان وعائشة، فإنهما في البقيع. (ويصح بيع ما دفن فيه من ملكه) لبقاء ماليته (ما لم يجعل) ما دفن فيه مقبرة، بأن وقف للدفن فيه (أو يَصرْ مقيرة) بأن تكثر فيه الموتى. وعبارة "المنتهى" مع "شرحه": ما لم يجعل، أي: يصير مقبرة، نص عليه (٢). ومنع ابن عقيل بيع موضع القبر مع بقاء رمَّته. قال في "الفنون": لأنها ما لم تَسْتَحِل ترابًا، فهي محترمة. قال: وإن نقلت العظام، وجب الرد؛ لتعينه لها. (ويحرم حفره في) مقبرة (مُسبَّلة قبل الحاجة) إلى الدفن (٣)، كمن يتخذ قبرًا؛ ليدفن فيه من سيموت. ذكره ابن الجوزي. وإن ثبت قول بجواز بناء بيت ونحوه، فهاهنا كذلك وأولى. ويتوجه هنا ما سبق في المصلى المفروش. قاله في "الفروع".

стр. 1730

(و) يحرم (دفنه في مسجد ونحوه (١)) كمدرسة، ورباط؛ لتعيين الواقف الجهة لغير ذلك (وبنبش) مَنْ دفن بمسجد ونحوه، ويخرج. نصًا (٢)؛ تداركًا للعمل بشرط الواقف. (و) يحرم دفن (في ملك غيره) بلا إذن ربه؛ للعدوان (وللمالك إلزام دافنه بنقله) ليفرغ له ملكه عما شغله به بغير حق (والأولى) للمالك (تركه) أي: الميت، حتى يبلى؛ لما فيه من هتك حرمته. وكرهه أبو المعالي لذلك. (ويحرم أن يدفن مع الميت حلي أو ثياب غير كفنه، كإحراق ثيابه وتكسير أوانيه ونحوها) لأنه إضاعة مال بلا فائدة. (وإن وقع في القبر ما لَهُ قيمة عرفًا، أو رماه ربه فيه، نُبش) القبر (وأخذ) ذلك منه؛ لما روي: "أن المغيرةَ بنَ شعبة وضع خاتمهُ في قبر النبيِّ ﷺ ، ثم قال: خاتَمِي، فدخلَ وأخذَه، وكان يقول: أنا أقربُكم عهدًا برسولِ الله ﷺ " (٣). وقال أحمد (٤): إذا نسي الحفار مسحاته في القبر، جاز أن ينبش. انتهى. ولتعلق حق ربه بعينه، مع عدم الضرر في أخذه.

стр. 1731

(وإن كفن بثوب غَصْبٍ) وطلبه ربه، لم ينبش، وغرم ذلك من تركته؛ لإمكان دفع الضرر مع عدم هتك حرمته. (أو بلع مال غيره بغير إذنه وتبقى ماليته، كخاتم، وطلبه ربه، لم ينبش، وغرم ذلك مِن تركته) صونًا لحرمته مع عدم الضرر (كمن غصب عبدًا فأبق، تجب قيمته) على الغاصب (لأجل الحيلولة) أي: حيلولته بين المال وربه. (فإن تعذر الغرم) أي: غرم الكفن المغصوب أو المال الذي بلعه الميت (لعدم تركة ونحوه، نُبش) القبر (وأخذ الكفن) الغصب، فدفع لربه (في) المسألة (الأولى، وشق جوفه في) المسألة (الثانية، وأخذ المال) فدفع لربه (إن لم يبذل له قيمته) أي: إن لم يتبرع وارث أو غيره ببذل قيمة الكفن أو المال لربه، وإلا، فلا ينبش؛ لما سبق. (وإن بلعه) أي: مال الغير (بإذن ربه، أُخذ إذا بلي) الميت؛ لأن مالكه هو المسلط له على ماله بالإذن له (ولا يعرض له) أي: للميت (قبله) أي: قبل أن يبلى؛ لما تقدم، (ولا يضمنه) أي: المال الذي بلعه بإذن ربه، فلا طلب لربه على تركته؛ لأنه الذي سلطه عليه. (وإن بلع مال نفسه، لم ينبش قبل أن يبلى) لأن ذلك استهلاك لمال نفسه في حياته، أشبه ما لو أتلفه (إلا أن يكون عليه دَيْن) فينبش، ويشق جوفه فيخرج ويوفى دينه؛ لما في ذلك من المبادرة إلى تبرئة ذمته من الدين. (ولو مات وله أنف ذهب، لم يقلع) لما فيه من المثلة (لكن إن كان بائعه لم يأخذ ثمنه، أخذه من تركته) كسائر الديون. (ومع عدم التركة يأخذه) ربه (إذا بلي) الميت؛ جمعًا بين المصلحتين. (وإن ماتت حامل بمن يرجى حياته، حرم شق بطنها) من أجل

стр. 1732

الحمل، مسلمة كانت أو ذمية؛ لما فيه من هتك حرمة متيقنة؛ لإبقاء حياة موهومة؛ لأن الغالب والظاهر أن الولد لا يعيش. واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود (١) بما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "كَسْر عظم الميتِ ككسرِ عظم الحيِّ" رواه أبو داود (٢) ورواه ابن ماجه من رواية أم سلمة (٣)، وزاد: "في الإثم". (وتسطو عليه القوابل) أو غيرهن من النساء فيدخلن أيديهن في فرجها (فيخرجنه) من بطنها. والذي تُرجى حياته: هو الذي تمَّ له ستة أشهر، وكان يتحرك حركة قوية، وانتفخت المخارج. (فإن لم يوجد نساء، لم يَسْطُ الرجال عليه) لما فيه من هتك حرمتها. (فإن تعذَّر) عليهن إخراجه (ترك حتى يموت) ولا يشق بطنها؛ لما تقدم (ولا تدفن قبله) أي: قبل موت حملها؛ لما يلزمه من دفنه معها (ولا يوضع عليه ما يموته) لعموم النواهي عن قتل النفس المحرمة. (ولو خرج بعضه) أي: الحمل (حيًّا، شق) بطنها (حتى يخرج) باقي الحمل؛ لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة (فلو مات) الحمل (قبل خروجه، أخرج وغسل) كغيره (وإن تعذر خروجه) أي: خروج باقي الحمل (ترك) بحاله (وغسل ما خرج منه) لأن له حكم السقط (وأجزأ) غسله (وما بقي) من الحمل في جوفها (ففي حكم الباطن،

стр. 1733

لا يحتاج إلى التيمم من أجله) لأنه في حكم الحمل (وصُلِّيَ عليه) أي: على مَنْ خرج بعضه (معها) أي: مع أمه، بأن ينوي الصلاة عليهما، حيث تمَّ له أربعة أشهر فأكثر. (وإن ماتت ذمية) أو كافرة غيرها (حامل بمسلم، دفنها مسلم وحدها) أي: في مكان غير مقابر المسلمين وغير مقابر الكفار. نص عليه (١)، وحكاه عن واثلة بن الأسقع (٢) (إن أمكن) دفنها وحدها (وإلا) بأن لم يمكن دفنها وحدها (فـ) ــإنها تدفن (مع المسلمين) لأن ذلك أولى من دفن المسلم الذي هو الجنين مع الكفار، وكما لو اشتبه مسلم بكافر (وجعل ظهرها) أي: الكافرة (إلى القبلة) وتدفن (على جنبها الأيسر) ليكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة؛ لأن ظهره لوجه أمه (ولا يصلى عليه) أي: جنين نحو الذمية (لأنه غير مولود ولا سقط) وكالمأكول ببطن الآكل. (و يصلى على مسلمة حامل. و) على (حملها بعد مضي زمن تصويره) وهو أربعة أشهر، فينويهما بالصلاة (وإلا) أي: وإن لم يمضِ زمن تصويره، صلى (عليها دونه) وإنما صحت الصلاة عليه معها بعد مضي زمن تصويره، تبعًا لها، بخلاف الكافرة. (ويلزم تمييز قبور أهل الذمة) عن مقابر المسلمين، كحال الحياة وأولى (ويأتي) في أحكام الذمة.

стр. 1734

(و لا تكره القراءة على القبر، و) لا (في المقبرة، بل تستحب) (١) لما روى أنس مرفوعًا قال: "من دخلَ المقابرَ فقرأ فيهَا يس، خفَّف اللهُ عنهُمْ يومئذٍ، وكان لهُ بعددِهمْ حسناتٌ" (٢)، وصح عن ابن عمر أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها (٣). ولهذا

стр. 1735

رجع أحمد عن الكراهة (١). قاله أبو بكر. لكن قال السامري: يستحب أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمتها (٢). (وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها أو بعضه كالنصف ونحوه) كالثلث أو الربع (لمسلم حي أو ميت، جاز) ذلك (ونفعه ذلك؛ لحصول الثواب له، حتى لرسول الله (٣) ﷺ ) ذكره المجد (من) بيان لكل قربة (تطوع وواجب، تدخله النيابة، كحج ونحوه) كصوم نذر (أو لا) تدخله النيابة (كصلاة، وكدعاء، واستغفار، وصدقة) وعتق (وأضحية، وأداء دين، وصوم، وكذا قراءة وغيرها) قال أحمد:

стр. 1736

الميت يَصلُ إليه كل شيء من الخير؛ للنصوص الواردة فيه (١). ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرؤون ويهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعًا. وقال الأكثر: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة، وأن ذلك لفاعله، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢)، و ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ (٣)، وبقوله ﷺ : "إذا مات ابنُ آدمَ، انقطَع عملهُ" الخبر (٤). وجوابه عن الآية الأولى: بأن ذلك في صحف إبراهيم وموسى. قال عكرمة (٥): هذا في حقهم خاصة، بخلاف شرعنا؛ بدليل حديث الخثعميَّة (٦)، أو بأنها منسوخة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (٧) أو أنها مختصة بالكافر، أي: ليس له من الخير إلا جزاء

стр. 1737

سعيه، يوفاه في الدنيا، وماله في الآخرة من نصيب، أو أن معناها: ليس للإنسان إلا ما سعى عدلًا، وله ما سعى غيرُه فضلًا، أو أن اللام بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (١). وعن الثانية: بأنها تدل بالمفهوم، ومنطوق السنة بخلافه. وعن الحديث: بأن الكلام في عمل غيره، لا عمله. ولا يضرُّ جهل الفاعل بالثواب؛ لأن الله يعلمه. وقول المصنف: "أو لا، كصلاة": هو معنى قول القاضي: إذا صلى فرضًا وأهدى ثوابه، صحت الهدية، وأجزأ ما عليه. قال في "المدع": وفيه بُعْدٌ. وعُلِم مما تقدم: أنه إذا جعلها لغير مسلم، لا ينفعه. وهو صحيح؛ لنصٍّ ورد فيه (٢). قاله في "المبدع" فعلى هذا، لا يفتقر أن ينويه حال القراءة. نص عليه (٣). (واعتبر بعضهم) في حصول الثواب للمجعول له (إذا نواه حال

стр. 1738

الفعل) أي: القراءة أو الاستغفار ونحوه (أو) نواه (قبله) أي: قبل الفعل دون ما نواه بعده. نقله في "الفروع" عن "مفردات" ابن عقيل، وردَّه. (ويُستحب إهداء ذلك، فيقول: اللهم اجعل ثواب كذا لفلان) وذكر القاضي أنه يقول: اللهم إن كنتَ أثبتني على هذا، فاجعله أو ما تشاء منه لفلان، و (قال ابن تميم: والأولى أن يسأل الأجر من الله تعالى، ثم يجعله له) أي: للمهدى له (فيقول: اللهم أثبني برحمتك على ذلك، واجعل ثوابه لفلان) وللمهدي ثواب الإهداء. وقال بعض العلماء (١): يثاب كل من المهدي والمهدى له، وفضل الله واسع. (ويسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم ثلاثًا) أي: ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : "اصنَعُوا لآلِ جعفرٍ طعامًا، فقد أتاهُم ما يشغَلُهم" رواه الشافعي، وأحمد، والترمذي وحسنه (٢). قال الزبير:

стр. 1739

"فعمدتْ سلمَى مولاةُ رسول الله ﷺ إلى شعير فطحنتهُ، وأدمتهُ بزيتٍ جعل عليهِ، وبعثتْ بهِ إليهم" (١)، ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: "فما زالت السنةُ فينا حتى تركها من تركهَا" (٢). وسواء كان الميت حاضرًا أو غائبًا وأتاهم نعيه، وينوى فعل ذلك لأهل الميت (لا لمن يجتمع عندهم، فيكره) لأنه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت. نقل المروذي عن أحمد (٣): هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا، ولأحمد وغيره: عن جرير، وإسناده ثقات، قال: "كنّا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميتِ وصنعةَ الطعامِ بعد دفنه من النياحةِ" (٤). (ويُكره فعلهم) أي: فعل أهل الميت (ذلك) أي: الطعام (للناس) الذين يجتمعون عندهم؛ لما تقدم (قال الموفق وغيره)

стр. 1740

كالشارح (إلا من حاجة) تدعو إلى فعلهم الطعام للناس (كأن يجيئهم من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم، فلا يمكنهم) عادة (إلا أن يطعموه) فيصنعون ما يطعمونه له. (ويُكره الأكل من طعامهم، قاله في "النظم". وإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه) أو من لم يأذن (حرم فعله، و) حرم (الأكل منه) لأنه تصرُّف في مال المحجور عليه، أو مال الغير بغير إذنه. (ويُكره الذبح عند القبر والأكل منه) لخبر أنس: "لا عقرَ في الإسلامِ" رواه أحمد، بإسناد صحيح (١). قال في "الفروع": رواه أحمد وأبو داود، وقال: قال عبد الرزاق: "وكانوا يعقرُون عند القبرِ بقرةً أو شاةً" (٢).

стр. 1741

وقال أحمد في رواية المروذي (١): كانوا إذا مات لهم الميت، نحروا جزورًا، فنهى ﷺ عن ذلك. وفسَّره غير واحد بغير هذا (٢). (قال الشيخ): يحرم الذبحُ (والتضحيةُ) عند القبر (٣) (ولو نذر ذلك ناذر، لم يكن له أن يوفي به) كما يأتي في نذر المكروه والمحرَّم (فلو شرطه واقف، لكان شرطًا فاسدًا، وأنكر) أي: أدخل في المنكر (من ذلك) أي: من الذبح عند القبر والأكل منه (أن يوضع على القبر الطعام والشراب، ليأخذه الناس وإخراج الصدقة مع الجنازة) كالتي يسمونها بمصر: كفارة (بدعة مكروهة) إن لم يكن في الورثة محجور عليه، أو غائب، وإلا فحرام (وفي معنى ذلك) أي: الذبح عند القبر (الصدقة عند القبر) فإن ذلك محدث، وفيه رياء.

стр. 1742

فصل (يسن لذكور زيارة قبر مسلم) نص عليه (١)، وحكاه النووي إجماعًا (٢)؛ لقوله ﷺ : "كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزوروها" رواه مسلم والترمذي (٣). وزاد: "فإنهَا تذكرُ الآخرةَ". وقال أبو هريرة: "زار النبيُّ ﷺ قبرَ أمِّه، فبكَى وأبكَى من حولَه، وقال: استأذنتُ ربِّي أن أستغفرَ لها فلم يُؤذنْ لي، واستأذنْتهُ أن أزورَ قبرَها فأذِن لي، فزوروا القبورَ، فإنها تذكركُم الموت" متفق عليه (٤). (بلا سفر) لحديث: "لا تشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ" (٥). (وتباح) الزيارة (لقبر كافر) والوقوف عند قبره كزيارته. قال في "شرح المنتهى" وغيره: لزيارته ﷺ قبر أمه، وكان بعد الفتح، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٦) فإنما نزل بسبب عبد الله بن أُبي (٧) في

стр. 1743

آخر التاسعة (١)، على أن المراد عند أكثر المفسرين (٢): القيام للدعاء والاستغفار. (ولا يسلم) من زار قبر كافر (عليه) كالحي (بل يقول) الزائر لكافر (له: أبشر بالنار) (٣) وفي استعمال البشارة تهكُّم به، على حدِّ قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤).

стр. 1744

(ولا يمنع كافر من زيارة قريبه المسلم) حيًّا كان أو ميتًا؛ لعدم المحظور. (وتُكره) زيارة القبور (للنساء) (١) لما روت أم عطية قالت: "نهينَا عن زيارةِ القبورِ ولم يعزم علينَا" متفق عليه (٢) (فإن علم أنه يقع منهن محرَّم، حرمت) زيارتهن القبور، وعليه يحمل قوله: "لعن اللهُ زوَّارات القبورِ" رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي (٣).

стр. 1745

(غير قبر النبيِّ ﷺ وقبرِ صاحبيه) أبي بكر وعمر ﵄ (فيسن) زيارتها للرجال والنساء؛ لعموم الأدلة في طلب زيارته ﷺ (١). (وإن اجتازت امرأة بقبر في طريقها) ولم تكن خرجت له (فسلمت عليه ودعت له، فحسن) لأنها لم تخرج لذلك. (ويقف الزائر أمام القبر) أي: قدامه (ويقرب منه) كعادة الحي (ولا بأس بلمسه) أي: القبر (باليد. وأما التمسح به، والصلاة عنده، أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدًا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له، أو نحو ذلك، قال الشيخ (٢): فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك) قال في "الاختيارات" (٣): اتفق السلف والأئمة على أن من سلَّم على النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه لا يتمسَّح بالقبر ولا يقبله، بل اتفقوا على أنه لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود، والركن اليماني يستلم ولا يقبَّل على الصحيح. قلت: بل قال إبراهيم الحربي: يستحب تقبيل حجرة النبي ﷺ (٤). (ويسن إذا زارها) أي: قبور المسلمين (أو مرَّ بها أن يقول

стр. 1746

معرِّفًا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) للأخبار الواردة بذلك، فمنها حديث مسلم عن أبي هريرة وهو: "السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنا إن شاء اللهُ بكمُ لاحِقُون" (١). قال في "الشرح": وفي حديث عائشة: "ويرحمُ اللهُ المستقدمين منكم والمستأخِرِين" (٢). وروى مسلم من حديث بريدة قال: "كان النبيُّ ﷺ يعلمهُم إذا خرجُوا إلى المقابر، أن يقولَ قائلهُم: السلام عليكمُ أهلَ الديارِ من المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لاحِقُون، نسألُ اللهَ لنا ولكمُ العافيةَ" (٣) وقد دل هذا الحديث على أن اسم الدار يقع على المقابر، وإطلاق الأهل على ساكن المكان، من حي وميت. وروى أحمد من حديث عائشة: "اللهمَّ لا تحرمْنَا أجرَهم ولا تفتِنا بعدَهم" (٤). وروى الترمذي من حديث ابن عباس قال: "مَرَّ رسول الله ﷺ

стр. 1747

بقبور المدينةِ، فأقبل عليهمْ بوجهِهِ، فقال: السلامُ عليكمْ يا أهل القبورِ، يغفرُ الله لنَا ولكُمْ، أنتم سلفُنا ونحن بالأَثرِ" (١). قال الترمذي: حديث غريب. وقوله: "إنا (٢) إن شاءَ اللهُ بكم لاحِقون" الاستثناء للتبرك، قاله العلماء، وفي "البغوي" (٣): أنه يرجع إلى اللحوق لا إلى الموت. وفي "الشافي": أنه يرجع إلى البقاع. (ونحوه) أي: أو يقول نحو ذلك مما ورد، ومنه: "اللهم ربَّ هذه الأجسادِ الباليةِ، والعظامِ النخرَةِ التي خرجتْ من دارِ الدنيا، وهي بك مؤمنةٌ، صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، وأنزل بهمْ روحًا منك وسلامًا منِّي" (٤) ذكره في "المستوعب". (ويخير بين تعريفه) أي: السلام (وتنكيره في سلامه على الحي) لأن النصوص صحت بالأمرين (٥). وقال ابن البناء: سلام التحية

стр. 1748

منكَّر، وسلام الوداع معرَّف. (وابتداؤه) أي: السلام (سنة، ومن جماعة سنةُ كفاية. والأفضل: السلام من جميعهم) لحديث: "أفشُوا السلامَ" (١)، وغيره (فلو سلَّم عليه جماعة فقال: وعليكم السلام، وقصد الرد عليهم) أي: على الذين سلموا عليه (جميعًا، جاز) ذلك (وسقط الفرض في حق الجميع) لحصول الرد المأمور به. (ورفع الصوت بابتداء السلام سنة؛ ليسمعه المسلَّم عليهمْ سماعًا محقَّقًا) لحديث: "أفشُوا السلامَ بينكم" (٢). (وإن سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، أو) سلَّم (على مَنْ لا يعلم هل هم أيقاظ أو نيام؟ خفض صوته، بحيث يسمع الأيقاظ، ولا يوقظ النِّيام) جمعًا بين الفرضين. (ولو سلَّم على إنسان، ثم لقيه على قرب، سُنَّ أن يسلِّم عليه ثانيًا وثالثًا وأكثر) من ذلك؛ لعموم حديث: "أفشوا السلام".

стр. 1749

(ويسن أن يبدأ بالسلام قبل كل كلام) للخبر (١). واختلف في معنى السلام، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله

стр. 1750

تعالى. وهو نص أحمد في رواية أبي داود (١). ومعناه: اسم الله عليك، أي: أنت في حفظه. كما يقال: الله يصحبك، الله معك. وقال بعضهم: السلام بمعنى: السلامة، أي: السلامة ملازمة لك. قاله في "الآداب الكبرى" (٢). (ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أن المسلَّم عليه لا يرد) السلام؛ لعموم: "أفشوا السلام" (٣). (وإن دخل على جماعة فيهم علماء، سلم على الكل، ثم سلم على العلماء سلامًا ثانيًا) تمييزًا لمرتبتهم، وكذا لو كان فيهم عالم واحد. (وردُّه فرض عين على) المسلَّم عليه (المنفرد) أي: الذي انفرد بالسلام عليه، بأن خصه المسلِّم بالسلام، وإن كان في جماعة. (و) فرض (كفاية على الجماعة) المسلَّم عليهم، فيسقط برد واحد منهم (فورًا) أي: يجب الرد فورًا بحيث يعد جوابًا للسلام، وإلا لم يكن ردًّا (ورفع الصوت به) أي: برد السلام (واجب، قدر الإبلاغ) أي: إبلاغ المسلِّم، (وتزاد الواو في رد السلام وجوبًا) قدمه المصنف في "شرح منظومة الآداب". وعزاه للشيخ وجيه الدين في "شرح الهداية". وقيل: لا تجب. وقدمه في "شرح المنتهى". قال في "الآداب الكبرى" (٤): وهو أشهر وأصح.

стр. 1751

"تتمة": لو قال: سلام، لم يجبه، قاله الشيخ عبد القادر؛ لأنه ليس بتحية الإسلام؛ لأنه ليس بكلام تام، ذكر في "الآداب الكبرى" (١)، والمصنف في "شرح المنظومة". قلت: وفيه نظر. وقالا: وإن قال: وعليك، أو: وعليكم، فقط وحذف المبتدأ، فظاهر كلام الناظم في "مجمع البحرين": أنه يجزئ. كذا الشيخ تقي الدين (٢). وقال: كما ردَّ النبيُّ ﷺ على الأعرابي (٣)، وهو ظاهر الكتاب؛ فإن المضمر كالمظهر. ومقتضى كلام ابن أبي موسى وابن عقيل: لا يجزئ. وكذا قال الشيخ عبد القادر قال: ويكره الانحناء في السلام. وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (٤): يحرم. (ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية) أي: غير زوجة له ولا محرم، (إلا أن تكون عجوزًا) أي: غير حسناء، كما يعلم مما تقدم (٥) في حضورها الجماعة. (أو) إلا أن تكون (بَرْزَة) أي: فلا يكره السلام عليها والمراد: لا تشتهى؛ لأمن الفتنة.

стр. 1752

(ويكره) السلام (في الحَمَّام) وتقدم في باب الغسل (١). وتقدم كلام "الشرح" فيه. (و) يكره السلام (على مَنْ يأكل أو يقاتل) لاشتغاله. (وفيمن يأكل نظر) قاله في "الآداب الكبرى" (٢). أي: في كراهة السلام عليه نظر. قال: وظاهر التخصيص أنه لا يكره على غيرهما، ومقتضى التعليل خلافه، أي: تعليلهم باشتغالهما. (و) يكره السلام (على تالٍ) للقرآن (و) على (ذاكر) لله تعالى (و) على (مُلَبٍّ ومُحَدِّث) أي: مُلْقٍ لحديث النبي ﷺ (وخطيب وواعظ، وعلى مَنْ يستمع لهم) أي: للمذكورين من التالي ومَنْ بعده. (و) يكره السلام على (مُكَرِّرِ فقه ومدرِّس) في أي علم كان. ولَعَلَّ المراد: إذا كان مشروعًا أو مباحًا. (وعلى مَنْ يبحثون في العلم، وعلى مَنْ يؤذن أو يقيم) وتقدم حكم المصلي (٣)، وأن المذهب: لا يكره السلام عليه (وعلى مَنْ هو على حاجته) ويكره أيضًا رده منه. نص عليه (٤)، وتقدم في باب الاستنجاء (٥). وقدم في "الرعاية الكبرى": لا يكره، ذكره في "الآداب" (٦) (أو يتمتع بأهله، أو مشتغل بالقضاء ونحوهم) أي: نحو المذكورين مع كل مَنْ له شغل عن رد السلام. (ومن سلَّم في حالة لا يُستحب فيها السلام) كالأحوال السابقة

стр. 1753

(لم يستحق جوابًا) لسلامه. (ويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم) أو دخل عليهم ونحوه (بالسلام) لأن فيه مخالفة للسنة في إفشاء السلام، وكسرًا لقلب مَنْ أعرض عنهم. (و) يكره (أن يقول: سلام الله عليكم) لمخالفته الصيغة الواردة. "تتمة": قال المصنف في "شرح منظومة الآداب": ويكره أن يقول: عليك سلام الله؛ لأن النبي ﷺ كرهه. انتهى. قال في "الفروع": وإنما قال ﷺ : "عليك السلام تحية الموتى" (١) على

стр. 1754

عادتهم في تحية الأموات، يقدمون اسم الميت في الدعاء. ذكره صاحب "المحرر". وفعلوا ذلك؛ لأن المسلِّم على قوم يتوقع جوابًا، والميت لا يتوقع منه، فجعلوا السلام عليه كالجواب. (والهجر المنهي عنه) وهو: هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام (١) (يزول بالسلام) لأنه سبب التحابب للخبر (٢)، فيقطع الهجر، وروي مرفوعًا: السلامُ يقطعُ الهجرانَ (٣).

стр. 1755

(و يُسن السلام عند الانصراف) عن القوم (١). (و) يُسن السلام (إذا دخل على أهله) للخبر (٢).
следующие страницы →