(ونحوها، وبزر الرياحين جميعها (١)، وأبازير القِدْر (٢)، كالكُزْبُرَة) بضم الباء وقد تفتح. وأظنه معرَّبًا، قاله في "الحاشية" (والكَمُّون، والكَرَاوْيَا، والشُّونيز) يقال له: الحبة السوداء. قاله في "الحاشية" (وكذا حب الرازَيانَج (٣)، وهو الشَّمَر، والأنيسون، والشَّهْدانَج) بفتح النون (وهو حب القِنَّب، والخردل، وبزر الكَتان) بفتح الكاف (و) بزر (القطن، واليقطين) وهو القرع (والقرطم) بكسر القاف والطاء، وضمهما لغة: حب العُصْفر. قاله في "الحاشية" (و) حب (القِثَّاء، والخِيار، والبطيخ) بأنواعه (و) حب (الرَّشاد، والفُجْل، وبزر البَقْلَة الحمقاء ونحوه) كبزر الباذنجان والخس والجزر ونحوهما.
(وتجب) الزكاة (في كل ثمر يكال ويدَّخر) نقل صالح (٤): ما كان يكال ويدخر ويقع فيه القفيز، ففيه العشر، وما كان مثل الخيار والقثاء والبصل والرياحين والرمان، فليس فيه زكاة إلّا أنْ يباع، ويحول على ثمنه حول (كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والبندق،
стр. 1892
والسُّمَّاق).
و (لا) تجب الزكاة (في عُنَّاب وزيتون) لأنّ العادة لم تجر بادّخاره، وهو شرط، ذكره في "المبدع". (وقطن، وكتان، وقِنَّب، وزعفران، ووَرْسٍ، ونِيل، وفُوَّة، وغُبَيراء) وبَقَّم (وحناء، ونأرَنجيل (١)) بالهمز، ويجوز تخفيفه، وهو جوز الهند، الواحدة نارجيلة (٢)؛ وشجرته شبيهة بالنخلة، لكنها تميل بصاحبها حتى تدنيه من الأرض لينًا، قاله في "الحاشية". (وجَوْز) نصّ عليه (٣) وعلل بأنّه معدود (وسائر الفواكه، كالتين، والمشمش) بكسر الميمين (والتوت، والأظهر وجوبها في العُنَّاب، والتين، والمشمش، والتوت) هذا معنى كلامه في "الفروع". وجزم في "الأحكام السلطانية" و"المستوعب" و"الكافي" بوجوب الزكاة في العنّاب، واختاره الشيخ تقي الدين (٤) في التين: لأنّه يدخر كالتمر.
(ولا تجب في التفاح، والإجّاص، والخوخ) ويسمى الفِرْسِك، (والكُمُّثرى) بضم الميم مثقلة في الأكثر، الواحدة كمثراة، ذكره في "الحاشية" (والسَّفَرْجَل، والرمان، والنَّبْق، والزُّعرور) يشبه النبق (والمَوْز) لأنّها ليست مكيلة. وقد روي أنّ عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفِرْسِك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافًا،
стр. 1893
فكتب إليه عمر: "ليسَ فيها عشرٌ، هِيَ من العِضَاه". رواه الأثرم (١).
(ولا في قصب السكر، والخضر: كبِطيخ، وقِثَّاء، وخيار، وباذنجان) بفتح الذال (ولفت) بكسر اللام (وهو السَّلْجم) بوزن جعفر (وسِلق، وكُرْنُب، وقُنَّبيط، وبصل، وثوم، وكُرَّاث، وجَزَر، وفُجل، ونحوه) لحديث علي أنّ النبيّ ﷺ قال: "ليسَ في الخضْرَاوَاتِ صدَقةٌ" (٢) وعن عائشة (٣) معناه، رواهما الدارقطني.
стр. 1894
(ولا في البقول كالهِنْدَبا) قال ابن السكيت (١): تفتح الدال فتقصر، وتكسر فتمد (والكرفس) قال في "البارع" و"التهذيب": بفتح الراء وسكون الفاء، وفي "الصحاح": بوزن جعفر (٢). (والنعناع،
стр. 1895
والرّشاد، وبقلة الحمقاء، والقَرَظ، والكُزْبُرَة، والجَرْجير ونحوه.
ولا في المسك، والزهر: كالورد، والبنفسج، والنَّرجِس، واللَّيْنَوْفَر، والخِيري وهو المَنْثُور، ونحوه) كالزنبق.
(ولا في طلع الفحّال - بضم أوله وتشديد ثانيه - وهو ذكر النخل، ولا في السَّعف، وهو أغصان النخل) أي: جريد النخل الذي لم يجرد عنه خُوصه، فإنْ جُرِّدَ خُوصه عنه فجريد (ولا في الخُوص وهو ورقه) أي: ورق السعف (ولا في قشور الحب، والتبن، والحطب، والخشب، وأغصان الخِلَاف، وورق التوت، والكلأ، والقصب الفارسي، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك) كالوبر والشعر (وكذا الحرير، ودود القز) لأنّ ذلك كله ليس منصوصًا عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فبقي على الأصل.
(وتجب الزكاة في صَعْتَر، وأُشنان، وحَبِّ ذلك، وكل) ورق (مقصود: كورق سِدْر، وخَطْمِيٍّ، وآسٍ، وهو المَرْسِين) لأنّه نبات مكيل مدّخر.
стр. 1896
فصل
(ويعتبر لوجوبها) أي: الزكاة فيما تقدم مما تجب فيه (شرطان أحدهما: أنْ يبلغ نصابًا قدره بعد التصفية في الحبوب، و) بعد (الجفاف في الثمار) والورق (خمسة أوسقٍ) فلا تجب في أقل من ذلك: لقوله ﷺ : "ليس فيمَا دونَ خمسةِ أوسقٍ من تمرٍ ولا حبٍّ صدَقةٌ" رواه أحمد ومسلم (١).
فتقديره بالكيل يدل على إناطة الحكم به، واعتبر كونُ النصاب بعد التصفية في الحبوب؛ لأنّه حال الكمال والادخار، والجفاف في الثمار والورق؛ لأنّ التوسيق لا يكون إلّا بعد التجفيف، فوجب اعتباره عنده. فلو كان عشرة أوسق عنبًا لا يجيء منه خمسة أوسق زبيبًا، لم يجب شيء، وتقدم أنه لا يعتبر الحول هنا؛ لتكامل النماء عند الوجوب، بخلاف غيره.
(والوسق) بكسر الواو وفتحها (ستون صاعًا) حكاه ابن المنذر (٢) بغير خلاف، وروى الأثرم (٣) بإسناده عن سلمة بن صخر عن النبي ﷺ قال: "الوسْقُ ستُّونَ صَاعًا" وعن أبي سعيد (٤)
стр. 1897
وجابر (١) نحوه، رواه ابن ماجه.
(والصاع خمسة أرطال وثلث) رطل (بالعراقي؛ فيكون النصاب في الكل) من الحبوب والثمار والأوراق (ألفًا وستمائة رطل عراقي،
стр. 1898
وهو) أي: النصاب (ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلًا وأربعة أسباع رطل مصري، وما وافقه) كالمكي والمدني.
(و) النصاب (ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلًا وستة أسباع رطل دمشقي، وما وافقه) في الزنة.
(و) النصاب (مائتان وخمسة وثمانون رطلًا وخمسة أسباع رطل حلبي، وما وافقه) في الزنة كالحمصي.
(ومائتان وسبعة وخمسون رطلًا وسبع رطل قدسي، وما وافقه) كالنابلسي.
(ومائتان وثمانية وعشرون رطلًا وأربعة أسباع رطل بَعْلي، وما وافقه) في وزنه.
"فائدة": الإردبّ، كيل معروف بمصر، وهو أربعة وستون مَنًّا، وذلك أربعة وعشرون صاعًا بصاع النبي ﷺ ، قاله الأزهري (١). والجمع الأرادب، قاله في "الحاشية"، ولعل هذا باعتبار ما كان أوّلًا، والآن الإردب أربعة وعشرون ربعًا، والربع أربعة أقداح، قال شيخ الإسلام زكريا في "شرح المنهج" (٢): والصاع قدحان. اهـ.
فالإردب ثمان (٣) وأربعون صاعًا، فيكون النِّصاب ستة أرادب
стр. 1899
وربع إردب تقريبًا. وقال الشمس العلقمي (١) في "حاشية الجامع الصغير": الصاع قدحان إلا سبعي مدّ، بالقدح المصري.
(والوسق والصاع والمد، مكاييل نقلت إلى الوزن) أي: قدرت بالوزن (لتحفظ) فلا يزاد، ولا ينقص منها (وتنقل) من الحجاز إلى غيره، وليست صنجًا (٢).
(والمكيل يختلف في الوزن، فمنه ثقيل) كتمر وأرز (و) منه (متوسط، كَبُرٍّ وعدس، و) منه (خفيف، كشعير وذرة) وأكثر التمر أخفّ من الحنطة على الوجه الذي يكال شرعًا؛ لأنّ ذلك على هيئة غير مكبوس (فالاعتبار في ذلك) المذكور من المكيلات (بالمتوسط نصًّا (٣)) قال في "الفروع": ونص أحمد (٤) وغيره من الأئمة: على أنّ الصاع خمسة أرطال وثلث بالحنطة، أي: بالرزين من الحنطة، وهو الذي يساوي العدس في وزنه (ومثلِ مكيله من غيره) أي: غير المتوسط، وهو الثقيل والخفيف (وإن لم يبلغ) المكيل غير المتوسط (الوزن) المذكور لخفته (نصًّا) (٥) فالمعتبر بلوغه نصابًا بالكيل، دون الوزن.
стр. 1900
(فمن اتخذ وعاء يسع خمسة أرطال وثلثًا عراقية من جيّد البر) أي: رزينه (ثم كال به ما شاء) من ثقيل، أو خفيف (عرف) به (ما بلغ حد الوجوب من غيره) الذي لم يبلغ نصابًا. (فإن شكّ في بلوغ قدر النصاب، ولم يجد ما يقدره) أي: المكيل (به، احتاط وأخرج) الزكاة ليخرج من عهدتها (ولا يجب) عليه الإخراج إذن؛ لأنّه الأصل، فلا يثبت بالشك.
(ونصاب علس (١)) بفتح العين المهملة وسكون اللام وفتحها، (وهو نوع من الحنطة، و) نصاب (أرز، يدّخران) أي: العلس والأرز (في قشريهما عادة لحفظهما) لأنّهما إذا خرجا من قشرهما لا يبقيان بقاء ما (٢) في القشر. (عشرةُ أوسق، إذا كان) العلس أو الأرز (في بلد قد خبره) أي: امتحنه وجرَّبه (أهله، وعرفوا أنّه يخرج منه مصفى النصفُ) عملًا بالعادة (لأنّه يختلف في الخفَّة والثقل، فيرجع إلى أهل الخبرة) بذلك (ويؤخذ بقدره) للحاجة. (وإن صفِّيًا، فنصاب كل منهما خمسة أوسق) كسائر الحبوب.
(فإن شكّ في بلوغهما نصابًا) وهما في قشرهما: لعدم انضباط العادة (خيِّر بين أنْ يحتاط ويخرج عشره قبل قشره، وبين قشره واعتباره بنفسه كمغشوش أثمان) حتى يخرج من العهدة.
(ولا يجوز تقدير غيره) أي: العلس (من الحنطة في قشره، ولا
стр. 1901
إخراجه (١) قبل تصفيته) لأنّ العادة لم تجرِ به، ولم تدعُ الحاجة إليه، ولا يعلم قدر ما تخرج منه.
(وتضم ثمرة العام الواحد) إذا اتحد الجنس، ولو اختلف النوع (و) يضم (زرعه) أي: زرع العام الواحد (بعضها) أي: الثمرة (إلى بعض) في تكميل النصاب، وبعض الزرع إلى بعض (في تكميل النصاب) إذا اتحد الجنس (ولو اختلف وقت إطْلاعه، و) وقت (إدراكه بالفصول) كما لو اتحد؛ لأنّه عام واحد (وسواء تعدّد البلد أو لا) نصّ عليه (٢). فيأخذ عامل البلد حصته من الواجب في محل ولايته.
(فإنْ كان له نخل تحمل في السنة حملين، ضم أحدهما إلى الآخر) لأنّها ثمرة عام واحد، فضم بعضها إلى بعض (كزرع العام الواحد) وكالذرة التي تنبت في السنة مرتين، ولأنّ الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد، كما لو لم يكن حمل أول، فكذلك إذا كان؛ لأنّ وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعًا، بدليل حمل الذرة، وبهذا يبطل ما ذكروه من انفصال الثاني عن الأول. وفي "المبدع": ليس المراد بالعام هنا اثني عشر شهرًا، بل وقت استغلال المغل من العام عرفًا، وأكثره ستة أشهر بقدر فصلين.
(ولا تضم ثمرة عام واحد ولا زرعه) أي: زرع عام (إلى) ثمرة عام (آخر) ولا إلى زرع عام آخر؛ لانفصال الثاني عن الأول.
стр. 1902
(وتضم أنواع الجنس) من حبوب أو ثمار من عام واحد (بعضها إلى بعض في تكميل النصاب) كأنواع الماشية والنقدين (فالسلت نوع من الشعير، فيضم إليه، والعلس نوع من الحنطة، فيضم إليها) وكذا سائر أنواع جنس.
(و لا يضم جنس إلى آخر) كبُرٍّ إلى شعير، أو دخن أو ذرة أو عدس ونحوه؛ لأنّها أجناس يجوز التفاضل فيها، فلم يضم بعضها إلى بعض (كأجناس الثمار، و) أجناس (الماشية) ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة؛ لأنّه نوع منها، وإذا انقطع القياس، لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم.
(ولا تضم الأثمان إلى شيء منها) أي: من الحبوب أو الثمار أو الماشية؛ لما تقدم (وإلّا إلى عروض التجارة)، فتضم الأثمان إلى قيمتها، (ويأتي) ذلك (في الباب بعده).
الشرط (الثاني) لوجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض من الحبوب والثمار (أن يكون النصاب مملوكًا له) أي: للحرّ المسلم (وقت وجوب الزكاة) فيه، وهو وقت اشتداد الحب وبدوّ صلاح الثمر، وإنْ لم يزرعه (فتجب) الزكاة (فيما نبت بنفسه مما يزرعه الآدمي، كمن سقط له حب في أرضه، أو أرض مباحة) فنبت؛ لأنّه يملكه وقت الوجوب، وفعل الزرع ليس شرطًا.
(ولا تجب) الزكاة (فيما يكتسبه اللقّاط، أو يوهب له) بعد بدوّ صلاحه، أو يشتريه ونحوه بعد ذلك (أو يأخذه) الحصَّاد ونحوه (أجرة
стр. 1903
لحصاده ودِياسه ونحوه) كأجرة تصفيته، أو نطارته (١).
(ولا فيما يملك من زرع وثمرة بعد بدوّ صلاحه بشراء أو إرث أو غيرهما) كصداق وعوض خلع وإجارة وعوض صلح؛ لأنّه لم يكن مالكًا له وقت الوجوب، بخلاف العسل؛ للأثر (٢).
(ولا) زكاة (فيما يجتنيه من مباح كبُطْم وَزعْبَل) بوزن جعفر (وهو شعير الجبل، وبزر قطونا، وكُزبرة، وعَفْص، وأُشنان، وسُمَّاق ونحوه) كبزر النمَّام، والحبة الحمقاء (سواء أخذه من موات أو نبت في أرضه؛ لأنّه لا يملك إلا بأخذه) فلم يكن وقت الوجوب في ملكه.
فصل
(ويجب العشر) وهو (واحد من عشرة) إجماعًا (٣) (فيما سقي بغير مؤنة) أي: كلفة (كالغيث، وهو المطر، و) كـ (السيوح) جمع سيح، وهو الماء الجاري على وجه الأرض (كالأنهار والسواقي) التي يجري فيها الماء من الأنهار بلا آلة (وما يشرب بعروقه، وهو البعل.
(ولا يؤثر (٤)) مؤنة (حفر الأنهار) وحفر (السواقي) في نقص الزكاة؛ لأنّه من جملة إحياء الأرض، ولا يتكرر كل عام.
стр. 1904
(و) لا تؤثر - أيضًا - مؤنة (تنقيتها) أي: الأنهار والسواقي (و) لا مؤنة (سقي) أي: من يسقي بماء الأنهار والسواقي (في نقص الزكاة؛ لقلة المؤنة، وكذا من يُحوِّل الماء في السواقي؛ لأنّه كحرث الأرض) ولأنّه لا بد منه حتى في السقي بكلفة.
(وإن اشترى ماء بركة أو حَفيرة، وسقى به سيحًا، فـ) الواجب (العشر، وكذا إن جمعه وسقى به) سيحًا فيجب العشر؛ لندرة هذه المؤنة، وهي في ملك الماء له، لا في السقي به، فإنْ كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض، ويستقر في مكان قريب من وجهها، إلّا أنّه يحتاج في ترقية الماء إلى الأرض إلى آلة من غَرْب (١) أو دولاب (٢)، فهو من الكلفة المسقطة لنصف العشر.
(ويجب نصف العشر فيما سقي بكلفة، كالدوالي، جمع دالية، وهي الدولاب تديره البقر) ويسمونها بمصر ساقية (والناعورة يديرها الماء، والسانية) بالنون (و) هي (النواضح واحدها ناضح وناضحة، وهما البعير يستقى عليه، وما يحتاج في ترقية الماء إلى الأرض) أي: رفعه إليها (إلى آلة من غرب أو غيره) فكل ذلك فيه نصف العشر؛ لما روى ابن عمر أنّ النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماءُ والعيونُ أو كان عَثَريًّا العشر، وما سُقِي بالنضْحِ نصف العشر" رواه البخاري (٣). سمي
стр. 1905
عثريًّا؛ لأنّهم يجعلون في مجرى الماء عاثورًا، فإذا صدمه الماء ترادَّ، فدخل تلك المجاري فتسقيه؛ ولأنّ للكلفة تأثيرًا في إسقاط الزكاة في المعلوفة، ففي تخفيفها أولى.
(وقال الشيخ (١): وما يديره الماء من النواعير ونحوها مما يصنع من العام إلى العام، أو) يصنع (في أثناء العام، ولا يحتاج إلى دولاب تديره الدواب، يجب فيه العشر؛ لأن مؤنته خفيفة، فهي كحرث الأرض وإصلاح طرق الماء) فلا يؤثر في نقص الزكاة.
"تتمة": إذا سقيت أرض العشر بماء الخراج، لم يؤخذ منها خراج، أو عكسه، لم يسقط خراجها، ولا يمنع من سقي كل واحدة بماء الأخرى، نص على ذلك (٢).
(فإن سقي بكلفة وبغير كلفة سواء) بأن سقي نصف الستة بهذا ونصفها بهذا (وجب ثلاثة أرباع العشر) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد في نصفه أوجب نصفه.
(فإن سقي بأحدهما أكثر) من الآخر (اعتبر أكثرهما) نصّ عليه (٣)؛ لأنّ اعتبار قدر ما يسقى (٤) به في كل وقت يشقّ، فاعتبر الأكثر كالسوم.
стр. 1906
(فإن جهل المقدار) أي: مقدار السقي، فلم يعلم هل سقي سيحًا أكثر؟ أو بكلفة أكثر؟ أو جهل أكثرهما نفعًا ونموًّا؟ (وجب العشر) نص عليه (١): لأنّ الأصل وجوبه كاملًا؛ ولأنّه خروج عن عهدة الواجب بيقين.
(والاعتبار بالأكثر) من السقي بكلفة أو بغيرها (نفعًا ونموًّا) نصًّا (١) و (لا) اعتبار (بالعدد والمدة) أي: عدد السقيات ومدّة السقي.
(ومن له حائطان) أي: بستانان (أو) له (أرضان، ضُمَّا) أي: الحائطان أو الأرضان، أي: ضمّت ثمارهما وزروعهما بعضها إلى بعض، مع اتحاد الجنس والعام، كما تقدم (في) تكميل (النصاب، ولكل منهما حكم نفسه في سقيه بمؤنة أو بغيرها) فيخرج مما يشرب بمؤنة نصف عشره، ومما يشرب بغيرها عشره. (ويصدَّق المالك فيما سقى به بلا يمين) لأنّ الناس لا يستحلفون على صدقاتهم؛ لأنّها حق لله فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد.
(وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة، فـ) ـــبدو الصلاح (في فستق وبندق ونحوه) كلوز (انعقاد لُبِّه، وفي غيره) أي: غير ما ذكر من الثمار كالتمر والعنب (كبيع) أي: ظهور نضجه وطيب أكله، على ما يأتي بيانه في بيع الأصول والثمار (وجبت الزكاة) لأنّه يقصد للأكل والاقتيات كاليابس، ولأنّه وقت خرص الثمرة، لحفظ الزكاة ومعرفة قدرها، بدليل أنّه لو أتلفه لزمته زكاته، ولو باعه أو وهبه قبل الخرص
стр. 1907
وبعده، فزكاته عليه، دون المشتري والموهوب له.
(فإن قطعها) أي: الثمرة (قبله) أي: قبل بدو صلاحها (لغرض صحيح، كأكل أو بيع أو تخفيف) أصلها (أو تحسين بقيتها: فلا زكاة فيه) أي: المقطوع قبل بدوّ صلاحه، كما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول (وإن فعله) أي: القطع قبل بدو الصلاح (فرارًا من الزكاة، أثم ولزمته) الزكاة؛ لتفويته الواجب بعد انعقاد سببه، أشبه القاتل والمطلِّق ثلاثًا في مرض موته.
(ولو باعه) بعد بدوّ صلاحه (أو وهبه، خرص أم لا، فزكاته عليه) أي: البائع أو الواهب، كما لو باع السائمة بعد الحول. و (لا) تجب زكاته (على المشتري، و) لا (الموهوب له) لعدم ملكه وقت الوجوب.
(ولو مات) مالك الزرع والثمر بعد الاشتداد وبدوّ الصلاح (وله ورثة لم تبلغ حصة واحد منهم نصابًا، لم يؤثر ذلك) في سقوط الزكاة، كموت رب الماشية بعد الحول. (ولو ورثه) أي: الحب المشتد أو الثمر بعد بدو صلاحه (من عليه دين، لم يمنع دينُه الزكاة) لأنّها وجبت على المورّث قبل موته، فتؤخذ من تركته، لا على الوارث المدين.
(ولو كان ذلك) المذكور من البيع أو الهبة أو موت المالك عمن لم تبلغ حصة واحد من ورثته نصابًا، أو عن مدين (قبل صلاح الثمر، و) قبل (اشتداد الحبّ، انعكست الأحكام) فتكون الزكاة في مسألتي البيع والهبة على المشتري والموهوب له، إن كان من أهل الوجوب،
стр. 1908
وتسقط في مسألتي الموت.
(ولو باعه) أي: الحب المشتد أو الثمر بعد بدوّ صلاحه (وشرط) البائع (الزكاة على المشتري، صحّ) البيع والشرط؛ للعلم بالزكاة، فكأنه استثنى قدرها، ووكله في إخراجه (١). (فإن لم يخرجها المشتري، وتعذر الرجوع عليه، أُلزم بها البائع) لوجوبها عليه. (ويفارق إذا استثنى زكاة نصاب ماشية) فإنّه لا يصح، بل يبطل البيع (للجهالة) بالمستثنى، واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولًا. (أو اشترى ما لم يبد صلاحه) من زرع وثمر (بأصله) الذي هو أرضه، أو شجره (فإنه لا يجوز شرط المشتري زكاته على البائع) لأنّه لا تعلق لها بالعوض الذي يصير إليه.
(ولا يستقر الوجوب إلّا بجعلها) أي: الحبوب والثمار (في جرين وبيدر ومسْطاح) قال في "الإنصاف": الجرين يكون بمصر والعراق، والبيدر بالشرق (٢) والشام، والمِرْبَد يكون بالحجاز، وهو الموضع الذي تجمع فيه الثمرة ليتكامل جفافها، والجَوْجان يكون بالبصرة، وهو موضع تشميسها وتيبيسها، ذكره في "الرعاية" وغيرها، ويسمى بلغة آخرين المسطاح، وبلغة آخرين الطبابة. انتهى. فدلّ أنّ مسمى الجميع واحد.
(فإن تلفت) الحبوب أو الثمار التي تجب الزكاة فيها (قبله) أي:
стр. 1909
قبل الوضع بالجرين ونحوه (بغير تعدّ منه، سقطت الزكاة، خرصت) الثمرة (أو لم تخرص) لأنّه في حكم ما لا (١) تثبت اليد عليه، بدليل أنّ من اشترى ثمرة فذهبت بعطش أصابها ونحوه، رجع على البائع بثمنها، والخرص لا يوجب، وإنّما يفعله الساعي؛ ليتمكن المالك من التصرّف، فوجب سقوط الزكاة مع وجوده، كعدمه.
(وإن تلف البعض) من الزرع أو الثمر قبل الاستقرار (زكّى) المالك (الباقي إن كان نصابًا) لوجود الشرط (وإلّا) أي: وإن لم يكن الباقي نصابًا (فلا) زكاة فيه، قدّمه في "الفروع". وقال في "شرح المنتهى": في الأصح؛ لقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ" (٢). وهذا يعمّ حالة الوجوب ولزوم الأداء. انتهى. وقال في "المبدع": قاله القاضي، والمذهب: إنْ كان التلف قبل الوجوب، فهو كما قال القاضي، وإن كان بعده، وجب في الباقي بقدره مطلقًا، وهو أحد وجهين، ذكرهما ابن تميم، وصححه الموفق.
(وإن تلفت) الزروع، أو (٣) الثمار (بعد الاستقرار) أي: الوضع في الجرين ونحوه (لم تسقط) زكاتها، كتلف النصاب بعد الحول، وكذا لو أتلفها أو تلفت بتفريطه بعد الوجوب، ولو قبل الاستقرار، فإنّه يضمن نصيب الفقراء، صرح به في "الكافي" و"الشرح"؛ لأنّه متعدّ أو مفرط. (وإن ادّعى) رب الزروع أو الثمار (تلفها) بغير تفريط
стр. 1910
(قُبل قوله بغير يمين) نصّ عليه (١)؛ لأنّه خالص حق الله، فلا يستحلف عليه، كالصلاة. (ولو اتُّهم) في دعواه التلف (إلّا أن يدعيه) أي: التلف (بجائحة ظاهرة تظهر عادة) كحريق وجراد (فلا بد من بينة) تشهد بوجود ذلك الظاهر (ثم يصدق) المالك (في قدر التالف) من المال المزكى بلا يمين.
(ويجب إخراج زكاة الحب مصفّى) من قشره وتبنه (والثمر يابسًا) لحديث عَتَّاب بن أَسِيْد أنّ النبي ﷺ "أمره (٢) أنْ يخرصَ العنَب زبيبًا، كما يخرص النخل، وتؤخذَ زكاتُه زبِيبًا، كما تؤخَذُ زكاةُ النخلِ تَمرًا" (٣).
стр. 1911
ولا يسمى زبيبًا وتمرًا حقيقة إلّا اليابس، وقيس عليهما الباقي؛ ولأنّ ذلك حالة كماله، ونهاية صفات ادخاره، ووقت لزوم الإخراج منه.
(فلو خالف وأخرج سنبلًا ورطبًا وعنبًا، لم يجزئه) إخراجه (ووقع نفلًا) إن كان الإخراج للفقراء (فلو كان الآخد) لذلك (الساعي، فإن جففه) أي: الرطب والعنب (وصفّاه) أي: السنبل (وجاء قدرَ الواجب) في الزكاة (أجزأ) المالك (وإلّا) بأن زاد على الواجب أو نقص عنه (ردّ) الساعي (الفضل) لمالكه؛ لبقائه في ملكه.
(وإن زاد) ما كان دفعه (وأخذ) الساعي من المالك (النقص) أي: ما بقي من الواجب (إن نقص) المخرج عنه (وإن كان) المخرج
стр. 1912
(بحاله) بيد الساعي لم يجففه ولم يُصَفِّه (ردّه) لمالكه؛ لفساد القبض، ويطالبه بالواجب (وإن تلف) بيد الساعي (ردّ بدله) لمالكه، فيكون مضمونًا على الساعي.
(وإن احتيج إلى قطع ثمر يجيء منه تمر وزبيب مثلًا، بعد بدوّ صلاحه، وقبل كماله) أي: الثمر، وقوله: (لضعف أصل ونحوه، كخوف عطش أو تحسين بقيته) علة لـ "احتيج" (جاز) قطعه؛ لما فيه من المصلحة. (وعليه زكاته يابسًا) إنْ بلغ نصابًا يابسًا (كما لو قطع لغرض البيع بعد خرصه) نصّ عليه (١)؛ لقوله ﷺ : "يخرص العنبُ فتؤخذُ زكاتهُ زبيبًا" (٢). ولأنّه حال الكمال فاعتبر.
(ويحرم قطعه مع حضور ساع)، قال في "المبدع": إنْ كان (إلّا بإذنه) لحق أهل الزكاة فيها، وكون الساعي كالوكيل عنهم.
قلت: قد تقدم أنّ تعلق الزكاة كتعلق أرش الجناية، لا كتعلق شركة، فلا يتم التعليل.
(وإنْ كان) الثمر (رطبًا لا يجيء منه تمر، أو) كان (عنبًا لا يجيء منه زبيب، وجب قطعه) رطبًا وعنبًا؛ لما في تركه من إضاعة المال المنهيّ عنها (وفيه الزكاة إنْ بلغ نصابًا يابسًا) بالخرص، فيخرج زكاته (من غيره تمرًا أو زبيبًا مقدرًا بغيره) مما يصير تمرًا أو زبيبًا (خرصًا) لما تقدم في المسألة قبلها (وإلّا) أي: وإنْ لم نقل بقطع الرطب والعنب الذي لا يجيء منه تمر ولا زبيب (فمستحيل) عادة (أنْ يُخرج
стр. 1913
من عينه تمرًا أو زبيبًا، إذا (١) لم يجئ منه تمر أو زبيب) بحسب العادة (أو يخرج منه) أي: مما قطعه للحاجة إلى قطعه أو لوجوبه (رطبًا وعنبًا، اختاره القاضي، وجماعة) منهم الموفق والمجد، وصاحب "الفروع"؛ لأنّ الزكاة وجبت مواساة، ولا مواساة بإلزامه ما ليس في ملكه، (و) على ما اختار القاضي وجماعة (له أنْ يخرج الواجب منه) أي: من الرطب أو العنب (مُشاعًا) بأنْ يسلّمه العشر مثلًا، سائعًا (أو مقسومًا بعد الجذاذ، أو قبله بالخرص، فيخيّر الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ، فيأخذ نصيب الفقراء شجرات مفردة، وبين مقاسمته بعد جذّها بالكيل) في الرطب والوزن في العنب.
(وله) أي: الساعي (بيعها) أي: الزكاة (منه) أي: من رب المال (أو من غيره) ويقسم ثمنها؛ لأنّ رب المال يبذل فيها عوض مثلها، أشبه الأجنبي.
لا يقال: الرطب والعنب الذي لا يجيء منه تمر ولا زبيب، لا يدّخر، فهو كالخضروات لا زكاة فيه؛ لأنّا نقول: بل يدّخر في الجملة، وإنّما لم يدخر هنا، لأنّ أخذه رطبًا أنفع، فلم تسقط زكاته بذلك.
(والمذهب) المنصوص (أنّه لا يخرج عنه إلّا يابسًا) لما تقدم. قال في "التنقيح": والمذهب لا يخرج إلّا يابسًا. (فإن أتلف النصاب ربّه، بقيت الزكاة في ذمته، تمرًا أو زبيبًا) لعدم سقوطها بإتلافه (وظاهره) أي: ظاهر القول بأنّه لا يخرج إلّا يابسًا أنه يلزمه زكاته إذا
стр. 1914
تلف (ولو لم يتلفه) أي: يتعد عليه أو يفرط فيه، فلا يتوقف الاستقرار فيه على الوضع بالمسطاح؛ لأنه لا يتأتى وضعه فيه، لكونه لا يتمر ولا يزبب، فيكون استقرارها بمجرد انتهاء نضجه.
(فإن لم يجدَّهما) أي: التمر والزبيب (بقيا في ذمته، فيخرجه) أي: ما بقي في ذمته (إذا قدر عليه) كباقي الواجبات التي لا بدل لها. (والمذهب أيضًا: أنه يحرم.
ولا يصح شراؤه زكاته، ولا صدقته) لما روي عن عمر قال: "حملتُ على فرس في سبيلِ اللهِ، فأضاعَه الذي كان عنده، وأردتُ أنْ أشتريهُ، وظننتُ أنه يَبيعه برخصٍ، فسألتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: لا تشترهِ، ولا تعدْ في صدقَتِكَ، وإنْ أعطَاكَهُ بِدرهمٍ، فإنَّ العائِدَ في صدَقَتِهِ كالعَائِدِ في قَيئِهِ" متفق عليه (١). ولأن شراءها وسيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأنَّه يستحيي أن يماكسه في ثمنها، وربما سامحه طمعًا منه بمثلها، أو خوفًا منه إذا لم يبعها أن لا يعود يعطيه في المستقبل، وكل هذه مفاسد، فوجب حسم المادة، و (سواء اشتراها ممن أخذها منه، أو من غيره) لظاهر الخبر. ونقله أبو داود في فرس حميل (٢).
وظاهر التعليل يقتضي الفرق، وظاهر كلامهم أنّ النهي يختص
стр. 1915
بعين الزكاة. ونقل حنبل (١): وما أراد أنْ يشتريه أو شيئًا من نتاجه، فلا.
(وإن رجعت إليه) زكاته أو صدقته (بإرث) طابت له بلا كراهة، لحديث بريدة "أنّ النبي ﷺ أتَتْهُ امرأةٌ فقالتْ: إنِّي تصدقْتُ على أمِّي بِجاريَةٍ، وإنهَا ماتَتْ. فقال رسول الله ﷺ : وجَبَ أجرُكِ، وردَّهَا عليْكِ المِيرَاثُ" رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي (٢) (أو) عادت إليه بـ (ــهبة أو وصية، أو أخذها من دينه) طابت له؛ لأن ذلك كالإرث (أو ردها) أي: الزكاة (له الإمام بعد قبضها منه، لكونه) أي المالك (من أهلها) اي: الزكاة، جاز له أخذها (كما يأتي) في الباب؛ لأنها عادت إليه بسبب آخر، فهو كما لو عادت إليه بميراث.
стр. 1916
فصل
(ويسنّ أنْ يبعث الإمام ساعيًا خارصًا) لحديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يبعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رواحةَ إلى يهود، ليخرصَ عليْهم النخلَ قبلَ أنْ يؤْكَلَ". متفق عليه (١). وفي رواية لأحمد وأبي داود: "لكَيْ يحصيَ الزكاةَ قبلَ أنْ تؤْكَلَ الثمارُ وتفرَّقَ" (٢).
стр. 1917
وعن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أن النبي ﷺ كانَ يبعثُ على الناسِ من يخرصُ عليهِمْ كرُومَهُمْ وثمارَهُمْ". رواه الترمذي وابن ماجه (١).
وصح عن النبي ﷺ : "أنهُ خرصَ عَلى امرأةٍ بوادِي القرَى حديقةً لهَا". وحديثُها في "مسند أحمد" (٢).
وقول المانع: إنه خطر وغرر، يرد بأنه اجتهاد في معرفة الحق بغالب الظن، وذلك جائز في تقويم المتلفات والمجتهدات في الشرعيات، وسائر الظواهر المعمول بها، وإن احتملت الخطأ.
(إذا بدا صلاح الثمر) لأنه وقت دعاء الحاجة إلى الخرص.
(ويعتبر أن يكون) الخارص (مسلمًا أمينًا خبيرًا، غير متهم) لأن
стр. 1918
من ليس كذلك لا يعول على قوله. والمتهم: هو من كان من عمودي نسب المالك (ولو) كان (عبدًا) كالفتوى ورؤية هلال رمضان، واعتبر أن يكون خبيرًا؛ لئلا تفوت الحكمة التي شرع لها الخرص.
(ويكفي خارص واحد) لحديث عائشة (١)؛ ولأنه ينفذ ما يؤدّي إليه اجتهاده، كقائف وحاكم.
(وأجرته) أي: الخارص (على رب النخل والكرم) وفي "المبدع": أجرته على بيت المال. انتهى.
قلت: لو قيل: من سهم العمال، لكان متجهًا.
(فيخرص ثمرهما) أي: النخل والكرم (على أربابه) لما تقدم.
(ولا تخرص الحبوب) بلا خلاف، ذكره في "شرح المنتهى". (ولا ثمرٌ غيرهما) أي: غير النخل والكرم، كالبندق واللوز؛ لأن النص إنما ورد بخرصهما، مع أن ثمرهما مجتمع في العذوق والعناقيد فيمكن أنْ يأتي الخرص عليه غالبًا، والحاجة إلى أكلهما رطبة أشد من غيرهما، فامتنع القياس، وذكر أبو المعالي بن المنجَّى أن نخل البصرة لا يخرص، وأنه أجمع عليه الصحابة وفقهاء الأمصار، وعلل بالمشقة وبغيرها. قال في "الفروع": كذا قال.
(والخرص) بفتح الخاء مصدر، ومعناه هنا (حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل والكرم وزنًا، بعد أن يطوف) الخارص (به) أي: بالنخل أو الكرم (ثم يقدره تمرًا) أو زبيبًا (ثم يعرِّف) الخارص
стр. 1919
(المالك قدر الزكاة) فيه (ويخيره بين أنْ ينصرف بما شاء) من بيع أو غيره (ويضمن قدرها) أي: الزكاة (وبين حفظها) أي: الثمار (إلى وقت الجفاف) ليؤدّي ما وجب فيها (فإن لم يضمن) المالك زكاتها (وتصرّف) فيها (صحّ تصرفه) لما تقدم أنْ تعلّق الزكاة كأرش الجناية لا يمنع التصرف (وكره) قاله في "الرعاية". أي: تصرفه من غير ضمان زكاتها؛ خروجًا من خلاف من منعه.
(وإنْ حفظها) أي: حفظ المالك الثمار (إلى وقت الجفاف، زكّى الموجود فقط، وافق قول الخارص أو لا، وسواء اختار حفظها ضمانًا بأنْ يتصرّف، أو أمانة) من غير تصرف؛ لأنّها أمانة، كالوديعة. وإنّما يعمل بالاجتهاد مع عدم تبيّن الخطأ؛ لأنّ الظاهر الإصابة.
(وإنْ أتلفها) أي: الثمرة (المالك، أو تلفت بتفريطه، ضمن زكاتها بخرصها تمرًا) أو زبيبًا؛ لأنّ الظاهر عدم الخطأ. قال في "الشرح": وإنْ أتلفها أجنبي، فعليه قيمة ما أتلف. والفرق أنّ رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب، بخلاف الأجنبي، انتهى. وقوله: قيمة ما أتلف. قواعد المذهب أنّ عليه مثله؛ لأنَّه مثلي، فيضمن بمثله.
(وإنْ ترك الساعي شيئًا من الواجب، أخرجه المالك) لأنّ الواجب لا يسقط بترك الخارص له.
(فإن لم يبعث) الإمام (ساعيًا، فعلى رَبِّ المال من الخرص ما يفعله الساعي، إنْ أراد) المالك (التصرف) في الثمرة (ليعرف قدر
стр. 1920
الواجب قبل تصرفه) فيها.
(ثم إنْ كان) المخروص (أنواعًا، لزم) الساعي (خرص كل نوع وحده؛ لاختلاف الأنواع وقت الجفاف) فمنها: ما يزيد رطبه على تمره، ومنها: ما يزيد تمره على رطبه. وتختلف الزيادة والنقصان بحسب اختلافهما في اللحم (١) والماوية (٢)، كثرة وقلة. (وإنْ كان) المخروص (نوعًا واحدًا فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة) لأنّ النوع الواحد لا يختلف غالبًا، ولما فيه من المشقّة بخرص كل شجرة على حدة.
(وإن ادّعى رب المال غلط الخارص غلطًا محتملًا) كالسدس (قُبل قوله بغير يمين، كما لو قال: لم يحصل في يدي غير كذا) فإنّه يقبل قوله؛ لأنَّه قد يتلف بعضه بآفة لا يعلمها. (وإنْ فحش) ما ادّعاه من الغلط كالنصف والثلث (لم يقبل) لأنّه لا يحتمل، فيعلم كذبه (وكذا إن ادّعى) رب المال (كذبه) أي: الخارص (عمدًا) فلا يقبل قوله؛ لأنّه خلاف الظاهر.
(ويجب) على الخارص (أنْ يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع، فيجتهد الساعي) في أيّهما يترك (بحسب المصلحة) لحديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خرصْتُمْ فخُذوا ودَعُوا الثُّلثَ، فإنْ لم تدَعُوا الثُلثَ، فدَعُوا الربعَ" رواه الخمسة إلّا ابن
стр. 1921
ماجه، ورواه ابن حبان والحاكم (١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وهذا توسعة على رب المال؛ لأنَّه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه وجيرانه وأهله، ويأكل منها المارة، وفيها الساقطة، فلو
стр. 1922
استوفى الكل أضرَّ بهم.
(ولا يكمل بهذا القدر المتروك النصاب إن أكله) نصّ عليه (١)؛ لاستهلاكه على وجه مأذون فيه، كما لو تلف بجائحة (وإنْ لم يأكله، كمل به) النصاب (ثم يأخذ) الساعي (زكاة الباقي سواء بالقسط) فلو كان ثمره كله خمسة: أوسق، ولم يأكل شيئًا، كمل النصاب بالربع الذي كان له أنْ يأكله، وأخذت منه زكاة ما سواه، وهو ثلاثة أوسق، وثلاثة أرباع وسق.
(وإن لم يترك الخارص شيئًا) من الثمرة (فلربّ المال الأكل هو وعياله بقدر ذلك) الذي كان يترك له. نص عليه (٢). (ولا يحتسب عليه) بما أكله إذن، فلا تؤخذ منه زكاته، كما لو تركه الخارص له.
(ويأكل هو) أي: المالك وعياله (من حبوب ما جرت به العادة: كفريك ونحوه، وما يحتاجه، ولا يحتسب به عليه) في نصاب ولا زكاة كالثمار. (ولا يهدي) من الحبوب قبل إخراج زكاتها شيئًا، وأمَّا الثمار فالثلث أو الربع الذي يترك له يتصرف فيه كيف شاء.
(ولا يأكل من زرع وثمر مشترك شيئًا إلّا بإذن شريكه) كسائر الأموال المشتركة.
(ويؤخذ العشر من كل نوع على حدته بحصته ولو شقّ) ذلك (لكثرة الأنواع واختلافها) لأنّ الفقراء بمنزلة الشركاء، فينبغي أن
стр. 1923
يتساووا في كل نوع، بخلاف السائمة، لما فيه من التشقيص، كما تقدم (١).
(و لا يجوز إخراج جنس عن جنس آخر) لقوله ﷺ : "خُذِ الحبَّ من الحبِّ، والإبلَ من الإبلِ، والبقرَ من البقرِ، والغنمَ من الغنمِ" رواه أبو داود وابن ماجه (٢).
(فإن أخرج الوسط عن جيد ورديء بقدر قيمتي الواجب منهما) لم يجزئه؛ لأنّه عدل عن الواجب إلى غيره، كما لو أخرج القيمة، وإنّما اغتفر ذلك في السائمة؛ دفعًا للتشقيص (أو أخرج الرديء عن الجيد بالقيمة) بأن زاد في الرديء بحيث يساوي (٣) قيمة الواجب من الجيد (لم يجزئه) بخلاف النقدين؛ لأنّ القصد من غير الأثمان النفع بعينها، فيفوت بعض المقصود، ومن الأثمان القيمة، وتقدم قول المجد: قياس المذهب جوازه في الماشية وغيرها. وإن تطوّع رب المال بإخراج الجيد عن الرديء، جاز، وله أجر ذلك، ولا يجوز أخذه عنه بغير رضاه.
(ويجب العشر) أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، ولو عبَّر بالزكاة، كـ "المنتهى" لشملها (على المستأجر والمستعير دون المالك) أي: إذا استأجر إنسان من أهل الزكاة، أو استعار أرضًا، فزرعها، أو غرسها ما أثمر مما تجب فيه الزكاة، فهي على المستأجر والمستعير، دون
стр. 1924
مالك الأرض، وهو معيرها أو مؤجرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) وقوله ﷺ : "فيما سقتِ السماءُ العشر. . ." (٢) الحديث. وكتاجر استأجر حانوتًا، أو استعارها لبيع عروضه، وفي إيجابه على المالك إجحاف ينافي المواساة، وهي من حقوق الزرع، بدليل أنها لا تجب أن لم تزرع، وتتقيد بقدره.
(والخراج عليه) أي: على مالك الأرض (دونهما) أي: دون المستأجر والمستعير؛ لأنّه من حقوق الأرض.
(و لا زكاة في قدر الخراج إذا لم يكن له مال يقابله ؛ لأنّه كدين آدمي، ولأنّه من مؤنة الأرض، كنفقة زرعه) كأجرة الحرث ونحوه، بخلاف مؤنة الحصاد والدياس؛ لأنّها بعد الوجوب.
(وإذا لم يكن له) أي: لمالك الأرض (سوى غلة الأرض، وفيها ما فيه زكاة) كتمر وزبيب وبر وشعير (و) فيها (ما لا زكاة فيه كالخضر) من بطيخ ويقطين وقثاء ونحوها (جعل الخراج في مقابلته) أي: ما لا زكاة فيه إن وفى به (لأنه أحوط للفقراء) وزكّى الباقي مما تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن له غلة إلّا ما تجب فيه الزكاة، أدى الخراج من غلتها، وزكّى ما بقي.
(ولا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد، و) مؤنة (الدياس وغيرهما) كالجذاذ والتصفية (منه) أي: من الزرع والثمر (لسبق الوجوب ذلك) أي: لأنها تجب بالاشتداد وبدو الصلاح، وذلك سابق للحصاد
стр. 1925
والدياس والجذاذ ونحوها. وتقدم في كتاب الزكاة التنبيه على ذلك (١).
(وتلزم الزكاة في المزارعة الفاسدة من حكم) بـ (أن الزرع له) لأن الزكاة على المالك (وإن كانت) المزارعة (صحيحة، فعلى من بلغت حصته منهما) أي: المالك والعامل (نصابًا) بنفسها، أو ضمّها إلى زرع له آخر (العشر) أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه، على ما سبق. وكذا الحكم في المساقاة، بخلاف المضاربة، فإنّه لا زكاة على العامل في حصته، ولو بَلغت نصابًا؛ لأنّ الربح وقاية لرأس المال.
(ومتى حصد غاصب الأرض زرعه، استقر ملكه) عليه، فلا يتملكه رب الأرض (وزكَّاه) لاستقرار ملكه عليه. (وإن تملّكه رب الأرض قبل اشتداد الحب، زكّاه) لثبوت ملكه عليه وقت وجوبها، وإنْ تملّكه بعد اشتداده، فقيل: يزكيه الغاصب؛ لأنه يملكه وقت الوجوب، وقطع به المصنّف في الغصب. وقدم في "الفروع" و"المبدع" وغيرهما: يزكيه ربّ الأرض؛ لأنّ ملكه استند إلى أول زرعه؛ لأنّه يتملكه بمثل بذره، وعوض لواحقه، فكأنّه أخذه إذن.
(وكره الإمام أحمد) ﵁ (الحصاد والجذاذ ليلًا (٢)) لحديث الحسين: "نهَى النبيُّ ﷺ عن الجذاذِ بالليلِ، والحصادِ بالليلِ". رواه البيهقي (٣).
стр. 1926
(ويجتمع العشر والخراج في كل أرض خراجية) نصّ عليه (١)؛ لعموم الأخبار (فالخراج في رقبتها) مطلقًا، والعشر (في غلتها إن كانت لمسلم) لأنّ سبب الخراج التمكين من النفع؛ لوجوبه وإنْ لم تزرع، وسبب العشر الزرع كأجرة المتجر، مع زكاة التجارة؛ ولأنّهما شيئان مختلفان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في
стр. 1927
الصيد المملوك. والحديث المروي: "لا يجتمِعُ العشرُ والخراجُ في أرضِ مسْلمٍ" (١) ضعيف جدًّا. قال ابن حبان (٢): ليس هذا الحديث من كلام النبوّة. ثم يحمل على الخراج الذي هو الجزية، ولو كان عقوبة، لما وجب على مسلم كالجزية.
(وهي) أي: الأرض الخراجية ثلاثة أضرب: إحداها: (ما فتحت عنوة، ولم تقسم) بين الغانمين.
(و) الثانية: (ما جلا عنها أهلها خوفًا منا.
(و) الثالثة: (ما صولحوا) أي: أهلها (عليها، على أنّها لنا، ونقرّها معهم بالخراج) الذي يضربه عليها الإمام، على ما يأتي بيانه في الأراضي المغنومة.
(والأرض العشرية لا خراج عليها) لأنّها ملك لأربابها (وهي)
стр. 1928
أي: الأرض العشرية (الأرض المملوكة) وهي خمسة أضرب:
الأولى: (التي أسلم أهلها عليها كالمدينة) المنوّرة (ونحوها) كجُواثَى من قرى البحرين.
(و) الثانية: (ما أحياه المسلمون واختطّوه، كالبصرة) بتثليث الباء، قال في "حاشيته": بنيت في خلافة عمر ﵁، في سنة ثمان عشرة، بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حدِّه، دون حكمه.
(و) الثالثة: (ما صالح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليها كاليمن).
(و) الرابعة: (ما أقطعها الخلفاء الراشدون) من السواد (إقطاع تمليك) قال أحمد (١) في رواية ابن منصور: والأرضون التي يملكها أربابها ليس فيها خراج، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد، وابن مسعود، وخباب (٢). قال القاضي: وهو محمول
стр. 1929
على أنّه أقطعهم منافعها وخراجها.
و للإمام إسقاط الخراج على وجه المصلحة (١). قال في "الفروع": ولعل ظاهر كلام القاضي هذا أنهم لم يملكوا الأرض بل أقطعوا المنفعة، وأسقط الخراج للمصلحة، ولم يذكر جماعة هذا القسم من أرض العشر. انتهى. وهو ظاهر على القول بأنّ السواد وقف، فلا يمكن تمليكه، لكن يأتي أنه يصح بيعه من الإمام، ووقفه له؛ فلذلك أبقى الأكثر كلام الإمام على ظاهره، وأنه تمليك.
(و) الخامسة: (ما فتح عنوة وقسم كنصف خيبر) بلدة معروفة على نحو أربع مراحل من المدينة إلى جهة الشام ذات نخيل، ومزارع، وحصون، وهي بلاد طيئ، فتحها رسول الله ﷺ في أوائل سنة سبع (٢)، قاله في "حاشيته".
(وللإمام إسقاط الخراج) عمن بيده أرض خراجية (على وجه المصلحة) يبذل لأجلها من مال الفيء؛ لأنه لا فائدة في أخذه منه، ثم رده أو مثله إليه (ويأتي) في إحياء الموات.
(ويجوز لأهل الذمة شراء أرض عشرية من مسلم) لأنها مال
стр. 1930
مسلم يجب الحق فيه لأهل الزكاة، فلم يمنع الذمي من شرائه (كـ) الأرض (الخراجية) فللذمي شراؤها من مسلم، إذا حكم به من يراه أو كان الشراء من الإمام (ولا عشر عليهم) أي: على أهل الذمة إذا اشتروا الأرض العشرية؛ لأنهم ليسوا من أهل الزكاة (كالسائمة وغيرها) من سائر ما تجب فيه الزكاة (فإنه لا زكاة فيها) على الذمي، لكن إن كان تغلبِيًّا فعليه فيما يزكى زكاتان، يصرفان مصرف الجزية لا مصرف الزكاة، وإذا أسلم سقط عنه إحداهما، وصرفت الأخرى مصرف الزكاة. (لكن يكره للمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها، نصًّا (١)) وكذا إعارتها منه (لإفضائه إلى إسقاط عشر الخارج منها؛ إلا لتغلبي، فلا يكره ذلك) لعدم إفضائه إلى ذلك؛ لأنه يؤخذ منه عشران يصرفان كما تقدم.
(ولا شيء) أي: زكاة (٢) (على ذميّ فيما اشتراه من أرض خراجية) على ما تقدم إذا زرعه أو غرسه (ولا) زكاة عليه أيضًا (فيما استأجره أو استعاره من مسلم إذا زرعه) أو غرسه، وخرج منه ما تجب فيه الزكاة (ولا فيما إذا جعل) الذمي (داره بستانًا أو مزرعة، ولا فيما إذا رضخ الإمام له أرضًا من الغنيمة، أو أحيا) الذمي (مواتًا) ثم زرعه أو غرسه، ويأتي في إحياء الموات: على ذمي خراج ما أحيا من موات عنوة.