(وإن أخرج بقدر الواجب من الأعلى، كان أفضل) لأنه أنفع للفقراء.
(وإن أخرج عن الأعلى مكسرًا، أو بهرجًا، وهو الرديء، زاد قَدْر ما بينهما من الفضل، وأجزأ) هـ ذلك؛ لأنه أدى الواجب عليه قَدْرًا وقيمة، أشبه ما لو أخرج من عينه.
(وإن أخرج من الأعلى بقَدْرِ القيمة) أي: قيمة الواجب في الرديء (دون الوزن) كما لو أخرج ثُلث دينار جيد عن نصف رديء بقيمته (لم يجزئه) ذلك؛ لمخالفة النص.
(ويجزئ) إخراج (قليل القيمة عن كثيرها مع الوزن) لتعلق الوجوب بالنوع، وفد أخرج منه.
(ويجزئ) إخراج (مغشوش عن جيد) مع الفضل بينهما (و) إخراج (مكسر عن صحيح) مع الفضل بينهما (و) إخراج (سود عن بيض مع الفضل بينهما) لأنه أدى الواجب قَدْرًا وقيمة، وكما لو أدى من عينه، والربا لا يجري بين العبد وربه، كما لا يجري بين العبد وسيده.
(ولا يلزم قَبول رديء عن جيد في عقد وغيره) كقيمة متلف، وأرش جناية؛ لانصراف الإطلاق إلى الجيد.
(ويثبت الفسخ) في البيع ونحوه إذا بان عوضه المعين معيبًا، كالمبيع.
(ويُضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب، ويخرج عنه)
стр. 1962
لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي الجنس الواحد، ولا فرق بين حاضر ودَيْنٍ (ويكون الضَّم بالأجزاء) كالنصف والربع، و (لا) يكون الضم (بالقيمة) لأن الضم بالأجزاء متيقن، بخلاف القيمة، فإنه ظنٌّ وتخمين (فعشَرَة مثاقيلَ ذهبًا نصفُ نصاب، ومائة درهم) فضة (نصف) نصاب (فإذا ضُمَّا) أي: النصفان (كَمَل النصاب) فتجب الزكاة، بخلاف عشرة مثاقيل وتسعين درهمًا تبلغ قيمتها عشرة مثاقيل، فلا ضمّ.
(وإن بلغ أحدهما نصابًا، ضُم إليه ما نقص عن الآخر) وإن اختار المالك الدفع من جنس الواجب، وأراد الفقير من غيره، ولو لضرر يلحقه، لم يلزم المالك إجابته؛ لأنه أدَّى ما فرض عليه، فلم يُكلَّف سواه.
(ولا يجزئ إخراج الفلوس عنهما) أي: عن الذهب والفضة؛ لأنها عروض.
(وتضم قيمة العروض) التي للتجارة (إلى كلٍّ منهما) قال الموفق: لا أعلم فيه خلافًا. كمن له عشرة مثاقيل ومتاع، قيمته عشرة أخرى، أو له مائة درهم ومتاع قيمته مثلها؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمة العروض، وهي تقوَّم بكلٍّ منهما، فكانا مع القيمة جنسًا واحدًا. (و) تُضمُّ قيمة العروض أيضًا (إليهما) فلو كان له ذهب وفضة وعروض، ضم الجميع في تكميل النصاب؛ لأن العَرْضَ مضموم إلى كل واحد منهما، فوجب ضمهما إليه.
стр. 1963
(ويُضمُّ جيدُ كلِّ جنس ومضروبه إلى رديئه وتِبْرِه) كالمواشي والحبوب والثمار، ولأنه إذا ضم أحد الجنسين هنا إلى الآخر، فضم أحد النوعين أَولى.
فصل
(ولا زكاة في حَلْي مباح لرجل وامرأة من ذهب وفضة، مُعدّ لاستعمال مباح أو إعارة، ولو لم يُعر أو يلبس) حيث أعد لذلك (أو ممن يحرم عليه، كرجل يتخذ حلي النساء لإعارتهن، وامرأة (١) تتخذ حَلْي الرجال لإعارتهم) لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "ليسَ في الحلي زكاةٌ" رواه الطبري (٢)(٣).
وعائشة (١) وأسماء (٢) بنتي أبي بكر، ولأنه مرصد للاستعمال المباح، فلم يجب فيه الزكاة، كالعوامل، وثياب القُنْية، وما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال لامرأة في يدِها سوارانِ منْ ذَهبٍ: "هل تُعْطِينَ زكاةَ هذا؟ قالت: لا. قال: أيَسُرُّكَ أَنْ يسوِّركِ اللَّهُ بسوَارَيْنِ منْ نارٍ" رواه أبو داود (٣)، فهو ضعيف. قاله
стр. 1966
أبو عبيد (١)، والترمذي (٢). وما صح من قوله ﷺ : "في الرِّقَةِ ربعُ العشْرِ" (٣) فجوابه: أنها الدراهم المضروبة. قال أبو عبيد (٤): لا يعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السِّكة السائرة بين المسلمين، وعلى تقدير الشمول يكون مخصوصًا بما ذكرنا.
و (لا) تسقط الزكاة عمن اتخذ حليًا (فارًّا منها) أي الزكاة، بل تلزمه.
(وإن كان) الحَلْي (ليتيم لا يلبسه) اليتيم (فلوليه إعارته، فإن
стр. 1967
فعل) أي: أعاره (فلا زكاة) فيه (وإلا ففيه الزكاة نصًا (١)) ذكره جماعة.
(فأما الحلي المحرَّم، كطَوق الرَّجُلِ، وسواره، وخاتمه الذهب، وحلية مراكب الحيوان، ولباس الخيل، كاللُّجُم والسُّروج، وقلائد الكلاب، وحلية الركاب، والمرآة، والمُشط، والمُكْحُلة، والمِيل، والمِسْرجة، والمِروحة، والمَشربة، والمُدْهُنة (٢)، والمُسعط، والمِجمرة، والمِلعقة، والقنديل، والآنية، وحلية كتب العلم) بخلاف المصحف فيكره تحليته (و) حلية (الدواة والمِقلمة، وما أُعد لكراء، كحلي المواشط نصًّا (٣) حل له) أي لمتخذه لكراء (لُبْسُه أَوْ لا) أي: أو لم يحل له (أو أُعد للتجارة، كحلي الصيارف، أو) أُعد لـ (قُنْية أو ادخار، أو نفقة إذا احتاج إليه، أو لم يقصد به شيئًا، ففيه الزكاة) إن بلغ نصابًا؛ لأنها إنما سقطت في المباح المعد للاستعمال لصرفه جهة النماء، فيبقى ما عداه مقتضى الأصل.
(و لا زكاة في الجوهر واللؤلؤ، وإن كثرت قيمته، أو كان في حلي) كسائر العروض (إلا أن يكون) الحلي (لتجارة، فيقوم جميعه) أي: ما فيه من جوهر ولؤلؤ وغيرهما (تبعًا لنقد) أي: لما فيه من نقد.
(و الفلوس كعروض التجارة، فيها زكاة القيمة) كباقي العروض،
стр. 1968
ولا يجزئ إخراج زكاتها منها (قال المجد: وإن كانت) الفلوس (للنفقة، فلا) زكاة فيها، كعرض القُنْيةِ.
(والاعتبار في نصاب الكل) أي: ما تقدم من مباح تجب فيه ومحرم (بوزنه) لعموم "ليسَ فيما دون خمسِ أواقٍ صدقةٌ" (١) (إلا) الحلي (المباح المعد للتجارة، ولو نقدًا، فالاعتبار بقيمته، نصًّا) (٢) كسائر أموال التجارة (فيقوَّم النقد) المُعدّ للتجارة (بنقد آخر، إن كان أحظ للفقراء، أو نقص عن نصاب؛ لأنه عرض) أي: مال تجارة.
(وإن انكسر الحلي، وأمكن لُبْسه، كانشقاقه ونحوه، فهو كالصحيح) إلا أن ينوي ترك لُبْسه (وإن لم يمكن لُبْسه، فإن لم يحتج في إصلاحه إلى سبك وتجديد صنعة ونوى إصلاحه، فلا زكاة فيه) كالصحيح. هذا قول القاضي، وجزم به المجد في "شرحه"، ولم يذكر نية إصلاح ولا غيرها، وذكره ابن تميم وجهًا، فقال: ما لم ينوِ كسره فيزكيه. قال في "الفروع": والظاهر أنه مراد غيره. وعند ابن عقيل أنه يزكيه، ولو نوى إصلاحه. وصحَّحه في "المستوعب"، وجزم به الموفق، ولم يذكر نية إصلاح ولا غيرها، قاله في "الإنصاف". قال في "الكافي" و"الشرح" و"شرح المنتهى": فإن انكسر الحلي كسرًا لا يمنع اللبس، فهو كالصحيح، إلا أن ينوي ترك لُبْسه، وإن كان كسرًا يمنع الاستعمال، ففيه الزكاة؛ لأنه صار كالنُّقْرة (٣).
стр. 1969
(وإن نوى كَسْره) أي: الحلي (أو لم ينوِ شيئًا، ففيه الزكاة) كالنقرة (وإن احتاج إلى تجديد صنعة، زكَّاه) إلى أن يجدد صنعته، كالسبيكة التي يريد جعلها حليًا.
(والاعتبار في الإخراج من الحلي المحرَّم بوزنه) ولو زادت قيمته؛ لأنها حصلت بواسطة صنعة مُحرَّمة يجب إتلافها شرعًا، فلم تُعتبر.
(وإن كان) الحلي (للتجارة) فالاعتبار في الإخراج بقيمته؛ لأنه مال تجارة (أو كان) الحلي (مباحَ الصناعة، ووجبت زكاته لعدم استعمال، أو لعدم إعارة ونحوه) كنيَّته به القُنْية (فالاعتبار في الإخراج) منه (بقيمته) لأنه لو أخرج ربع عشره وزنًا، لفاتت الصنعة المتقوِّمة شرعًا على الفقراء، وهو ممتنع.
(فإن أخرج منه مشاعًا) أجزأ؛ لأنه أخرج الواجب (أو) أخرج (مثله وزنًا مما يقابل جودتُه زيادةَ الصنعة، جاز) لأنه أخرج قَدْر الواجب وزنًا وقيمة (وإن أراد كَسْره) لإخراج زكاته (لم يجز؛ لأن كَسْره ينقص قيمته) ففيه إضاعة مال بلا مصلحة.
(و يباح للذَّكَر من الفضة خاتم) لأنه ﷺ : "اتخذ خاتمًا من ورِق" متفق عليه (١). قال أحمد (٢) في خاتم الفضة للرجل: ليس به بأس.
стр. 1970
واحتج بأن ابن عمر كان له خاتم، رواه أبو داود (١). وظاهر ما نقل عن أحمد (٢): أنه لا فضل فيه. وجزم به في "التلخيص" وغيره. وقيل: يُستحب. قدَّمه في "الرعاية". وقيل: يُكره لقصد الزينة، جزم به ابن تميم.
(ولُبْسه) أي: الخاتم (في خِنصر يسارٍ أفضل) من لُبْسه في خِنصر اليمين، نص عليه في رواية صالح والفضل (٣)، وأنه أقرُّ وأثبت. وضعَّف في رواية الأثرم وغيره التختم في اليمنى (٤).
قال الدارقطني وغيره (٥): المحفوظ أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره، وأنه إنّما كان في الخِنصر (٦)؛ لكونه طرفًا، فهو أبعد في
стр. 1971
الامتهان، فيما تتناوله اليد؛ ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله.
(و) الأفضل أن (يجعل فَصَّه مما يلي كفّه) لأن النبي ﷺ "كان يفعلُ ذَلكَ" (١). وكان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهر كفه (٢)، قاله في "الفروع".
(ولا بأس بجعله مثقالًا فأكثر) لأنه لم يرد فيه تحديد (ما لم يخرج عن العادة) وإلا؛ حَرُم؛ لأن الأصل التحريم، خرج المعتاد؛ لفعله ﷺ وفعل الصحابة.
(و) له (جَعْل فَصِّه منه، أو من غيره) لأن في البخاري من حديث أنس: "كان فَصُّه منهُ" (٣)، ولمسلم: "كان فَصُّهُ حبَشِيًّا" (٤).
(ولو) كان فَصُّه (من ذهب، إن كان يسيرًا) فيباح - وإن لم نقل
стр. 1972
بإباحة يسير الذهب - في اختيار أبي بكر عبد العزيز، والمجد والشيخ تقي الدين (١). وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في العَلَمِ (٢)، وإليه ميلُ ابن رجب (٣)، ذكره في "الإنصاف"، وقال: وهو الصواب، والمذهب على ما اصطلحناه. واختار القاضي وأبو الخطاب التحريم، وقطع به في "شرح المنتهى" في باب الآنية.
(ويُكره لُبْسه في سبابة ووسطى) للنهي الصحيح عن ذلك (٤) (وظاهره: لا يُكره) لبسه (في الإبهام والبِنصر) وإن كان الخنصر أفضل، اقتصارًا على النص، ذكره في "الفروع". والبِنصر: بكسر الباء والصاد، قاله في "حاشيته".
(ويُكره أن يكتب عليه) أي: الخاتم (ذِكْرَ الله من القرآن أو غيره) نصًّا (٥). قال إسحاق بن راهويه (٦): لما يدخل الخلاء فيه. قال في "الفروع": ولعل أحمد كرهه لذلك. قال: ولم أجد للكراهة دليلًا سوى هذا، وهي تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه.
(و يَحرم أن ينقش عليه صورةَ حيوان) لما تقدم في تحريم التصوير (٧).
стр. 1973
(ويَحرم لُبْسه) أي: الخاتم (وهي) أي: الصورة (عليه) كالثوب المصوَّر.
(ويُباح التَّختم بالعقيق) قال ابن رجب (١): ظاهر كلام أكثر الأصحاب: لا يُستحب. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية مُهنَّا، وقد سأله: ما السُّنة، يعني في التختم؟ قال: لم تكن خواتيم القوم إلا من الفضة. قال العقيلي (٢): لا يصح في التختم بالعقيق عن النبي ﷺ شيء. وقد ذكرها كلها ابن رجب في كتابه (٣)، وأعلَّها. واستحبه صاحب "المستوعب" و"التلخيص" وابن تميم، وقدَّمه في "الرعاية" و"الآداب" (٤)، وتبعهم في "المنتهى"، وحديث: "تختَّموا بالعقِيقِ، فإنهُ مبَاركٌ" ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (٥). قال في "الفروع": وهذا الخبر في إسناده يعقوب بن إبراهيم الزهري المدني
стр. 1974
الذي قال ابن عدي (١): ليس بالمعروف. وباقيه جيد، ومثل هذا لا يظهر كونه من الموضوع.
(ويُكره لرَجُل وامرأة خاتمُ حديد وصُفْر، ونحاس ورصاص) نص عليه في رواية الجماعة (٢). ونقل مُهنَّا (٣): أكره خاتم الحديد؛ لأنه حِلْية أهل النار (٤).
стр. 1975
(وكذا دُمْلُوج (١)) من حديد أو صُفْر أو نحاس أو رصاص؛ لأنه في معنى الخاتم، وجوَّزه أبو الخطاب.
(ويُباح له) أي: الذَّكَر (من الفضة: قَبيعة سيف) لقول أنس: "كانتْ قَبيعَةُ سيفِ رسول الله ﷺ فضَّةً". رواه الأثرم (٢). والقَبيعة:
стр. 1976
ما يجعل على طرف القبضة؛ ولأنها حِلْية معتادة للرجل، أشبهت الخاتم.
(و) يُباح له (حِلْية مِنْطَقَة) وهي ما شَدَدتَ به وَسطك قاله الخليل (١). وتسميها العامة: حياصة؛ لأن الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة، وهي كالخاتم. قال في "الاختيارات" (٢): وكتابة القرآن على الحياصة والدرهم والدينار مكروهة.
(و) يُباح له من الفضة حلية (جوشن وبيضة، وهي: الخوذة، و) حلية (خف، وحلية ران، وهي: شيء يلبس تحت الخف، وحمائل) واحدتها حمالة، قاله الخليل (٣) (ونحو ذلك، كالمغفر، والنعل، ورأس الرمح، وشعيرة السكين، والتَّركَاش (٤)، والكلاليب بِسَيْر، ونحو ذلك) لأنه يساوي المِنْطقة معنى، فوجب أن يساويها حكمًا.
стр. 1977
وعلَّل المجد بأنّه يسير فضة في لباسه، ولأنه يسير تابع، والتَّرْكاش والكلاليب ذكره الشيخ تقي الدين (١). قال: وغشاء القوس والنشاب والقوقل (٢)، وحلية المهماز الذي يحتاج إليه لركوب الخيل. وقال: لا حَدَّ للمباح من ذلك.
(ولو اتَّخذ لنفسه عدة خواتيم، أو) عدة (مناطق) ونحوها (فالأظهر جوازه) إن لم يخرج عن العادة (و) الأظهر (عدم) وجوب (زكاته) لأنه حلي أُعِد لاستعمال مباح.
(و) الأظهر (جواز لُبْس خاتمين فأكثر، جميعًا) إن لم يخرج عن العادة، كحلي المرأة.
(و تحرم حِلية مسجد ومِحراب بنَقْد) ذهب أو فضة؛ لأنه سرف، ويفضي إلى كسر قلوب الفقراء.
(ولو وَقَف على مسجد ونحوه) كمدرسة ورباط (قنديلًا من ذهب أو فضة، لم يصح) وقفه؛ لأنه لا يُنتفع به مع بقاء عينه (ويحرم) ذلك؛ لأنه من الآنية (وقال الموفق) والشارح: (هو) أي: وَقْفه (بمنزلة الصدقة) به على المسجد (فيُكسر، ويُصرف في مصلحة المسجد وعمارته) تصحيحًا لكلام المكلف، حيث أمكن.
(و يَحرم تَمويه سقف وحائط) ونحوه (بذهب أو فضة) لأنه
стр. 1978
سرف، ويفضي إلى الخيلاء وكَسْر قلوب الفقراء (وتجب إزالته) كسائر المنكرات (و) تجب (زكاته) إن بلغ نصابًا بنفسه، أو ضمَّه إلى غيره؛ لعموم ما سبق.
(وإن استُهلك) النقد فيما مُوِّه به (فلم يجتمع منه شيء) بالعرض على النار (فله استدامته، ولا زكاة فيه؛ لعدم المالية) فلا فائدة في إتلافه وإزالته. ولما وُلِّي عمر بن عبد العزيز الخلافة أراد جَمْع ما في مسجد دمشق مما مُوِّه به من الذهب، فقيل له: إنّه لا يجتمع منه شيء، فتركه (١).
(ولا يُباح من الفضة إلا ما استثناه الأصحاب على ما تقدم) بيانه (فلا يجوز لذكر وخُنثى لُبْس منسوج بذهب أو فضة، أو مموَّه بأحدهما، وتقدم في) باب (ستر العورة) مفصَّلًا (٢).
(ويُباح له) أي: الذَّكَر (من الذهب قَبيعةُ السيف) لأن عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب (٣)، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار
стр. 1979
من ذهب (١)، ذكرهما أحمد. (وذكر ابن عقيل: أن قبيعة سيف النبي ﷺ ثمانية مثاقيل) وحكاه في "المبدع" عن الإمام قال: فيحمل أنّها كانت ذهبًا وفضة، وقد رواه الترمذي (٢) كذلك.
(و) يُباح لذكر من ذهب (ما دعت إليه ضرورة كأنف) وإن أمكن اتخاذه من فضة؛ لأن عرفجةَ بنَ أسعدَ قُطعَ أنفُهُ يومَ الكُلابِ، فاتخذَ أنفًا من فضةٍ فأنتنَ عليهِ، فأمرهُ النبيُّ ﷺ فاتخذَ أنفًا منْ ذهَبٍ. رواه أبو داود وغيره (٣)،
стр. 1980
وصححه الحاكم (١). والحكمة في الذهب أنه لا يصدأ، بخلاف الفضة (وكربط سِنٍّ أو أسنان به) لما روى الأثرم عن موسى بن طلحة وأبي جمرة الضبعي، وأبي رافع، وثابت البناني، وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله "أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب" (٢)، وهي ضرورة فأُبيح كالأنف.
стр. 1981
(و يُباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتُهن بلُبْسه، كطوق وخَلْخَال، وسوار، ودُمْلُجٍ (١)، وقُرط) في أذن (وعِقْد) بكسر أوله (وهو - القلادة -، وتاج وخاتم، وما في المخانق (٢) والمقالد من حرائز وتعاويذ وأُكَر (٣)، وما أشبه ذلك (٤) قلَّ أو كَثُر، ولو زاد على ألف مثقال، حتى دراهم ودنانير معرَّاة). أي: ذات عُرى جمع عروة (أو في مرسلة) أي: قلادة طويلة تقع على الصدر؛ لقوله ﷺ : "أُحِلَّ الذهب والحرير للإناث من أُمَّتي، وحُرِّم على ذكُورِها" (٥) وهي محتاجة إلى التجمُّل والتزين لزوجها. وظاهره: أن ما لم تَجْرِ العادة بلبسه، كالنعال المذهَّبة، لا يباح لهن؛ لانتفاء التجمُّل، فلو اتخذته، حَرُم، وفيه الزكاة.
(و يُباح للرَّجُل والمرأة التحلِّي بالجوهر ونحوه) كاللؤلؤ والياقوت (ولو في حلي، ولا زكاة فيه) لأنه معدّ للاستعمال، كثياب البذلة (إلا أن يعدَّ) الجوهر ونحوه (فيه) أي: في الحَلْي (للكِراء أو للتجارة) فيقوَّم ما فيه من الجوهر ونحوه، تبعًا للنقد؛ لأنه مال تجارة (كما
стр. 1982
تقدم) في الباب (١).
(ويَحرُم تشبُّه رجل بامرأة، و) تشبُّه (امرأة برَجُل في لباس وغيره) ككلام، واحتج أحمد (٢) بلعن المتشبِّهات من النساء بالرجال (٣). وجزم جماعة بالكراهة (ويجب إنكاره) باليد، فإن عجز فباللسان مع أمْنِ العاقبة، فإن عَجَز فبقلبه كسائر المنكرات (وتقدم) في ستر العورة (٤) أنه يَحرم تشبُّه كل منهما بالآخر.
стр. 1983
باب زكاة عُروض التجارة
العُروض: جمع عَرْض - بإسكان الراء - وهو ما عدا الأثمان من الحيوان والثياب - وبفتحها - كثرة المال والمتاع.
وسُمِّي عَرْضًا؛ لأنه يعرض ثم يزول، ويفنى.
وقيل: لأنه يُعْرض ليباع ويشترى؛ تسمية للمفعول باسم المصدر، كتسمية المعلوم علمًا (١).
وفي اصطلاح المتكلمين: العَرَض - بفتحتين - ما لا يبقى زمانين (٢).
وبوَّب عليه في "المحرر" و"الفروع" تبعًا للخرقي بزكاة التجارة، وهي أشمل لدخول النقدين في ذلك، كما تقدم، لكن عدل المؤلف عنه: لأنه عَبَّر في أول كتاب الزكاة عند تعداد أموال الزكاة بالعروض، ولذلك قال:
(وهي ما يُعدُّ لبيعٍ وشراء، لأجل ربح غير النقدين غالبًا) فلا يَرِدُ أن النقدين قد يُعدَّان كذلك؛ لأنه من غير الغالب.
(تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نِصابًا) في قول الجماهير، وادَّعاه ابن المنذر إجماعَ أهل العلم (٣). وقال المجد: هو
стр. 1984
إجماع متقدم، لقوله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (١) وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) ومال التجارة أعمُّ الأموال، فكان أولى بالدخول، ولحديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: "وفي البَزِّ (٣) صدقَةٌ" رواه أحمد، ورواه الحاكم (٤) من طريقين، وصحَّح إسنادهما وقال: إنه
стр. 1985
على شرط الشيخين. واحتج أحمد (١) يقول عمر لحِماس -بكسر الحاء المهملة-: "أدِّ زكاةَ مَالِكَ، فقال: ما لي إلا جِعابٌ وأدُمٌ، فقال: قوِّمْهَا وأدِّ زكاتهَا". رواه أحمد، وسعيد، وأبو عبيد، وأبو بكر ابن أبي شيبة (٢) وغيرهم. وهو مشهور، ولأنه مال نامٍ، فوجبت فيه الزكاة، كالسائمة. وقوله ﷺ : "عفوتُ لكم عن صدقةِ الخيْلِ والرقيقِ" (٣) المراد به زكاة العين لا القيمة، على أن خبرنا خاص، وهو مقدَّم على العام. وقال داود (٤): لا زكاة في عُرُوض التجارة.
(ويؤخذ) الواجب (منها) أي: من القيمة (لأنها مَحلُّ الوجوب) رُبع العُشْر، وما زاد على النصاب فبحسابه، ويُعتبر الحول كما تقدم التنبيه عليه. و (لا) يؤخذ (من العروض) لأنها ليست مَحلَّ الوجوب، فإخراجها كالإخراج من غير الجنس.
(ولا تصير) العروض (للتجارة إلا) بشرطين:
أحدهما (أن يملِكَها بفعله) بخلاف الإرث ونحوه، مما يدخل قهرًا؛ لأنه ليس من جهات التجارة.
стр. 1986
الثاني المنبَّه عليه بقوله: (بنيَّة التجارة حال التملُّك، بأن يقصِدَ التكسُّب بها) لأن الأعمال بالنية، والتجارة عمل، فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال؛ ولأنها مخلوقة في الأصل للاستعمال، فلا تصير للتجارة إلا بالنية، كعكسه. وتعتبر النية في جميع الحول؛ لأنه شرط أمكن اعتباره في جميعه، فوجب، كالنصاب.
ثم أخذ يفصل ملكه إياها فقال: (إما بمُعاوضَةٍ محضة) أي: خالصة (كالبيع، والإجارة، والصُّلح عن المال بمال، والأخذ بالشُّفعة، والهِبة المقتضية للثواب) أي: المشروط فيها عِوض معلوم (أو استردَّ ما باعه) بإقالة أو إعسار المشتري بالثمن ونحوه، بنية التجارة (أو) بمعاوضة (غير محضة، كالنكاح، والخُلع، والصلح عن دم العمد) وعِوض الخُلْع (أو بغير معاوضة، كالهبة المطلقة) التي لم يشترط فيها ثواب (والغنيمة، والوصية، والاحتشاش، والاحتطاب والاصطياد) لعموم خبر سَمُرة قال: "أما بعدُ، فإن رسولَ اللهِ ﷺ كان يأمرُنا أن نخرِجَ الصدقة مما نعدُّهُ للبيعِ". رواه أبو داود (١)، وفي إسناده
стр. 1987
جعفر وخُبَيْب مجهولان، قال الحافظ عبد الغني: إسناد مقارب (١).
(فإن ملكها بإرثٍ) ومثله عودها إليه بطلاق قبل الدخول، وفسخ من قِبَلها قَبِلَه، ومُضي حولِ التعريف في اللُّقطة، لم تَصِرْ للتجارة؛ لأنه ملكه بغير فعله، فجرى مجرى الاستدامة (أو ملكها بفعله بغير نية) التجارة (ثم نوى التجارة بها، لم تَصِرْ للتجارة) لفقد الشرط الثاني (إلا أن يكون اشتراها بعَرْضِ تجارة، فلا يحتاج إِلى نية) التجارة، بل يكفيه استصحاب حكمها، بأن لا ينويها للقُنْية.
(وإن كان عنده عَرْض للتجارة، فنواه للقُنْية) -بضم القاف وكسرها-: الإمساك للانتفاع دون التجارة (ثم نواه للتجارة، لم يَصِرْ للتجارة) لأن القُنْية هي الأصل، فيكفي في الرد إليه مجرد النية، كما لو نوى المسافر الإقامة؛ ولأن نية التجارة شرط للوجوب فيها، فإذا نوى القُنْية زالت نية التجارة، ففات شَرْطُ الوجوب، بخلاف السائمة إذا نوى علفها؛ فإن الشرط السوم دون نيته (إلا حلي اللبس، إِذا نوى به التجارة، فيصير لها بمجرَّد النية لأن التجارة الأصل (٢) فيه) أي: في الحلي، فإذا نواه للتجارة، فقد ردَّه إلى الأصل.
стр. 1988
(وتقوَّم العروض) التي تجب الزكاة في قيمتها (عند) تمام (الحول) لأنه وقت الوجوب (بالأحظِّ لأهل الزكاة وجوبًا من عين) أي: ذهب (أو وَرِق) قال الجوهري (١): الورق: الدراهم المضروبة. وفيه أربع لغات: وَرِق كَوَتِد، وَوَرْق كَفَلْس، وَوَرَق كَقَلَم، وَرِقَة كعِدَة. (سواءٌ كان) الأحظ لأهل الزكاة (من نَقْدِ البلد، وهو الأَولى) لأنه أنفع للآخذ (أو لا) أي: أو من غير نَقْد البلد؛ لأن التقويم لحظ أهل الزكاة، فتقوّم بالأحظ لهم.
(وسواء بلغت قيمتها) أي: العروض (بكلِّ منهما) أي: العين والورق (نصابًا، أو) بلغت نصابًا (بأحدهما) دون الآخر (ولا يُعتبر ما اشتُريت به) من عين أو ورق، لا قَدْرًا ولا جنسًا، رُوي عن عمر (٢)؛ لأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالاً للتقويم بالأنفع، فإن بلغت قيمتها نصابًا بالدراهم فقط، قوِّمت بها، وإن كان اشتراها بالذهب وكذا عكسه.
(ولا عِبرةَ بنقصه) أي: ما قُوِّمت به (بعد تقويمه) إذا كان التقويم عند تمام الحول؛ لأن الزكاة قد استقرت كما لو تلف النصاب وأَوْلى.
(ولا) عِبرة (بزيادته) أي: زيادة ما قُوِّمت به بعد الحول بالنسبة لما قبل، لتجدده بعد الحول، بل يعتدُّ به في القابل (إلَّا المُغنِّيةَ، فتقوَّم ساذجة) لأن صفة معرفة الغناء لا قيمة لها، وكذا الزامرة
стр. 1989
والضاربة على آلة لَهْو، وكل ذي صناعة محرَّمة.
(ولا عِبرة بقيمة آنية ذهب أو فضة) لتحريمها، وكذا رِكاب وسرج ولجام ونحوه محلًّى.
(ويقوَّم الخصي) عبدًا أو غيره (بصفته) لأن المحرَّم الفعل -وقد انقطع- لاستدامته (١).
(وإن اشترى) أو باع (عرضًا) للتجارة (بنصاب من الأثمان، أو من العروض، بَنَى على حَوْله) أي: حول الأول وفاقًا؛ لأن الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة، وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض، ولأن وَضْعَ التجارة للتقلُّب والاستبدال بثمن وعَرْض، فلو لم يَبْنِ، بطلت زكاة التجارة. وإن لم يكن النقد نصابًا، فحوله من حين كَمُلت قيمته نصابًا، لا من حين اشتراه.
(وإن اشتراه) أي: عرض التجارة (بنصاب من السائمة أو باعه) أي: عَرْض التجارة (بنصاب منها) أي: السائمة (لم يَبْنِ على حوله) لاختلافهما في النصاب والواجب.
(وإن اشترى نصابَ سائمة لتجارة بنصابِ سائمة لقُنْية، بَنَى) على حوله؛ لأن السَّوم سببٌ للزكاة، قُدِّم عليه زكاة التجارة لقوَّته، فبزوال المعارض ثبت حكم السوم ولظهوره.
(وإن مَلَكَ نصاب سائمة لتجارة، فحال الحولُ) عليه (والسَّومُ
стр. 1990
ونية التجارة موجودان، فعليه زكاة تجارة، دون) زكاة (سوم) لأن وضع التجارة على التقليب، فهي تزيل سبب زكاة السوم، وهو الاقتناء لطلب النماء معه. واقتصر في "المغني" و"الشرح" على التعليل بالأحظ.
(ولو سبق حول سَوْم وقتَ وجوب زكاة التجارة، مثل إن ملك أربعين شاة قيمتها دون مائتي درهم، ثم صارت قيمتها في نصف الحول مائتي درهم، زكَّاها زكاةَ تجارة إذا تمَّ حولُها؛ لأنه أنفع للفقراء) من زكاة السوم (فإن لم تبلُغ قيمتها نصاب التجارة، فعليه زكاةُ السوم) قال في "المبدع": بلا خلاف؛ لوجود سبب الزكاة فيه، بلا معارض. فلو ملك أربعين شاة للتجارة، لا تبلغ قيمتها نصاب نقد، زكاها للسّوم عند تمام الحول.
(ولو ملك سائمةٌ للتجارة نصفَ حول، ثم قطع نية التجارة) فيها (استأنف) بها (حولًا) مِن قطْع النية؛ لأن حول التجارة انقطع بقطع النية، وحول السوم لا ينبني على حول التجارة.
(وإن اشترى أرضًا لتجارة بزَرْعِها) وبلغت قيمتها نصابًا، زكى الجميع زكاةَ قيمة (أو) اشترى أرضًا للتجارة، و (زَرعها ببذر تجارة) زكَّى الجميع زكاةَ قيِمة، إن بلغت قيمتها نصابًا (أو اشترى شجرًا لتجارة، تجب في ثمره الزكاة) كالنخل والكرم (فأثمر، واتفق حولاهما، بأن يكون بُدُوُّ الصلاح في الثمرة، واشتداد الحبِّ عند تمام الحول) أي: حول التجارة. وفي تسمية بُدُوِّ الصلاح واشتداد
стр. 1991
الحب حولًا تَسمُّحٌ. (وكانت قيمة الأصل) أي:) الشجر (تبلغ نصاب التجارة، زكَّى الجميع زكاة قيمة) لأنه مال تجارة، فوجبت زكاتها كالسائمة، ولا شك أن الثمر والزرع جزء الخارج منه، فوجب أن يقوَّم مع الأصل، كالسخال، والربح المتجدد، إذا كانت الأصول للتجارة.
(و) كذا (لو سبق وجوبُ العُشْر) بأن كان بُدُوُّ صلاح الثمرة واشتداد الحبِّ قبل تمام حول التجارة، فيزكَّى زكاة قيمة (ولا عُشْر عليه) لأنه لو وجب لاجتمع في مال واحد زكاتان، وفيه ضررٌ بالمالك، وهو منفيٌّ شرعًا (ما لم تكن قيمتُها) أي: الأرض بزرعها أو الشجر (دون نصاب، كما تقدَّم) في السائمة (فإن كانت) قيمتها (دون نصاب، فعليه العُشر) لوجود سببه من غير معارض وهو أحظُّ للفقراء.
(ولو زرع بَذْرَ القُنية في أرض التجارة، فواجب الزرع العُشر) لأنه للقُنْية، وجزم به في "المبدع" (وواجب الأرض زكاة القيمة) لأنها مال تجارة، ومقتضى "المنتهى" أن الكلَّ يُزكَّى زكاة قيمة؛ لأن الزرع تابع للأرض. (وإن زرع بَذْرَ التجارة في أرض القُنية، زَكَّى الزرع زكاةَ قيمة) لأنه مال تجارة.
(ولو كان الثمر مما لا زكاة فيه، كالسَّفَرْجل والتفاح، ونحوهما) كالمِشْمِش والزيتون والكُمَّثرى (أو كان الزرع لا زكاة فيه، كالخضراوات) من بطيخ وقثاء وخيار (أو كان لعقار التجارة
стр. 1992
وعبيدها) ودوابها (أجرة، ضمَّ قيمة الثمرة والخضروات والأُجرة إلى قيمة الأصل في الحول، كالربح) لأنه نماء.
(ولو أكثر من شراء عقارٍ فارًّا من الزكاة، زكَّى قيمته) قدَّمه في "الرعايتين" و"الفائق". قال في "تصحيح الفروع": وهو الصواب: معاملةً له بضدِّ مقصوده، كالفارِّ من الزكاة ببيع أو غيره، وظاهر كلام الأكثر، أو صريحه: لا زكاة فيه، قاله في "الفروع".
(و لا زكاة فيما أُعِدَّ للكراء من عقار وحيوان وغيرهما) لأنه ليس بمال تجارة.
(و لو اشترى شِقْصًا للتجارة بألف، فصار عند الحول بألفين، زكَّاهما) أي: الألفين؛ لأنهما قيمته عند تمام الحول (وأخَذَه الشفيعُ بألف) لأنه الذي وقع عليه العقد، والشفيع يأخذ به، وكذا لو ردّه المشتري لعيب فيه، ردّه بألف. (ولو اشتراه بألفين، فصار عند حوله بألف، زكَّى ألفًا) لأنه قيمته عند تمام الحول (وأخَذَه الشفيعُ بألفين) لأنه يأخذه بما وقع عليه العقد. وكذا لو ردَّه لعيبه، ردَّه بألفين.
(وإن اشترى صباغٌ ما يصبغ به، ويبقي) أثره (كزعفران ونِيْل وعُصفر ونحوه) كلُكٍّ (١) وبَقَّمٍ (٢) وَفُوَّةٍ (٣) (فهو عرض تجارة، يقوَّم
стр. 1993
عند) تمام (حَوْله؛ لاعتياضه) أي: الصباغ (عن صِبغٍ قائم بالثوب، ففيه معنى التجارة. ومثله ما يشتريه دبَّاغ ليدبغ به، كعَفص وقَرَظ، وما يدهن به، كسمن وملح) ذكره ابن البناء. وجزم في "منتهى الغاية" بأنه لا زكاة فيه، وعلل بأنه لا يبقى له أثر. ذكره في "الفروع".
(ولا زكاة فيما لا يبقى له أثرٌ، كما يشتريه قصَّار من حطب وقِلْي (١) ونُورَة وصابون وأشنان ونحوه) كنَطْرُون (٢)؛ لأنه لا يعتاض عن شيء يقوم بالثوب، وإنما يعتاض عن عمله.
(ولا زكاة في آلات الصُّنَّاع، وأمتعة التجارة، وقوارير العطار، والسَّمَّان، ونحوهم) كالزيات والعسال (إلا أن يريد بيعَها) أي: القوارير (بما فيها) فيزكَّى الكل؛ لأنه مال تجارة (وكذا آلات الدَّوابِّ إن كانت لحفظها) فلا زكاة فيها؛ لأنها للقُنْية (وإن كان يبيعها معها فهي مال تجارة) يزكِّيها.
(ولو لم يكن ما ملكه) للتجارة (عَيْنَ مال، بل منفعةَ عينٍ، وجبت الزكاة) في قيمتها، إن بلغت نصابًا بنفسها أو بضمّها إلى غيرها، كالأعيان؛ لأنها مال تجارة.
(ولو قتل عبدَ تجارة خطأ أو عمدًا، فصالح سيِّدَه على مال، صار) المال (للتجارة) باستصحاب نية التجارة، كما لو اعتاض عنه.
стр. 1994
(ولو اتَّخذ عصيرًا للتجارة فتخمَّر) العصير (ثم تخلَّل، عاد حكم التجارة) باستصحاب اليد، كالرهن.
(ولو اشترى عرض تجارة بعرض قُنية، فرُدَّ عليه بعيب) أو غيره (انقطع الحول) لقطعه نية التجارة، بخلاف ما لو استردَّه هو لعيب الثمن ونحوه بنية التجارة، وتقدم.
(وإذا أذِنَ كلُّ واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته) أي: الآذن (فأخرجاها معًا، أو جُهِلَ السَّبْقُ، ضَمِن كلُّ واحد منهما نصيب صاحبه؛ لأنه انعزل حكمًا، ولأنه لم يبق عليه زكاة) (١) والعزل حكمًا، العلم فيه وعدمه سواء، بدليل ما لو وكَّله في بيع عبد، فباعه الموكَّل، أو أعتقه، وحينئذ يقع الدفع إلى الفقير تطوعًا، ولا يجوز الرجوع عليه به، فيتحقق التفويت بفعل المخرج، وهذا التعليل لما إِذا أخرج كل منهما زكاة نفسه في آن واحد.
وأما إذا سبق أحدهما بالإخراج، وجهل أو نسي، فلأن الأصل أن إخراج المخرج عن نفسه وقع الموقع، بخلاف المخرج عن غيره.
وأيضًا: الأصل في القابض لمال غيره الضمان.
(وإن أخرج أحدُهما قبل الآخر) وعلم ولم يَنسَ (ضمن الثاني) أي: الذي أخرج ثانيًا (نصيبَ) المخرج (الأول، علم) الثانى بإخراج الأول (أو لم يعلم) به؛ لأنه انعزل بذلك بطريق (٢) الحكم والعزل،
стр. 1995
كذلك لا يختلف بذلك، كما لو مات المالك.
و (لا) يضمن (إن أدَّى دينًا بعد أداء موكله، ولم يَعلم) بأداء موكله؛ لأنه غرَّه (و) لأنه هنا لم يتحقق التفويت، بدليل أنه (يَرجع الموكِّلُ على القابض بما قبض من الوكيل) ونظير هذا في مسألة الزكاة: لو كان القابض منهما الساعي والزكاة بيده، فإن الموكل يأخذها منه مادامت بيده، ولا يضمن وكيله له شيئًا، لعدم التفويت.
(ولو أذِنَ غير شريكين، كلُّ واحد منهما) أذِنَ (للآخر في إخراج زكاته، فـ) هما (كالشريكين فيما سبق) من التفصيل للتساوي في المعنى المقتضي للضمان أو عدمه.
(و لا يجب) على الوكيل (إخراج زكاته أولًا) أي: قبل أن يخرج عن موكله، بخلاف حج النائب عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لأنّه عبادة بدنية، بخلاف الزكاة فإنها مالية، كقضاء دين غيره قبل دينه (بل يُستحبُّ) أن يبدأ بإخراج زكاته أوَّلًا مسارعة للخير، وهذا إذا لم يُخِلَّ بالفورية، مع عدم العُذر، وإلا، فيأتي أن إخراج الزكاة واجب فورًا.
(ويُقبَلُ قول الموكِّل أنه أخرج زكاته قبل دَفْعِ وكيله إلى الساعي): لأنه مؤتمن في أداء ما وجب عليه. (و) يقبل (قول من دَفَعَ زكاة ماله إليه) أي: إلى الساعي (ثم ادعي أنه كان أخرجها) قبل الدفع إلى الساعي (وتؤخذ من الساعي) في الصورتين (إن كانت بيده) لتبين أنها ليست بزكاة (فإن تلفت) بيد الساعي (أو كان) الساعي (دفعها إلى الفقير، أو كانا) أي: الوكيل في الصورة الأولى وربُّ المال في الثانية
стр. 1996
(دَفَعا إليه) أي: إلى الفقير (فلا) رجوع؛ لأنها انقلبت تطوُّعًا، كمن دفع زكاة يعتقدها عليه، فلم تكن.
(ومَن لزمه نَذْر وزكاة، قدَّم الزكاةَ) لوجوبها بأصل الشرع، (فإن قدَّم النذرَ، لم يصِرْ زكاةً) لحديث: "وإنمَا لكلِّ امرئٍ ما نوَى" (١) وإنما خُولف ذلك في الحج (٢)؛ لدليل خاص (٣).
(وله) أي: لمن وجبت عليه زكاة (الصدقة تطوعًا قبل إخراج زكاته) كالصدقة قبل قضاء دينه، إن لم يضرَّ بغريمه.
стр. 1997
باب زكاة الفطر
هو اسم مصدر من قولك: أفطر الصائم إفطارًا. وأضيفت إلى الفِطر؛ لأنه سبب وجوبها، فهو من إضافة الشيء إلى سببه. وقيل لها: فِطرة؛ لأن الفطرة الخلقة، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١) وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس، وهي -بضم الفاء (٢) - كلمة مولَّدة. وقد زعم بعضهم (٣): أنه مما يلحن فيه العامة، وليست كذلك لاستعمال الفقهاء لها، قاله في "المبدع".
(وهي صدقة تجب بالفطر من رمضان، طُهرةً للصائم من اللَّغو والرَّفَث) لما روى ابن عمر قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطرِ صاعًا من بُرٍّ (٤)، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، على العبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبير من المسلمينَ، وأمرَ بها أن تؤدى قبل خروج الناسِ إلى الصلاة". متفق عليه (٥)، ولفظه للبخاري.
стр. 1998
وعن ابن عباس قال: "فرضَ رسول الله ﷺ زكَاةَ الفِطرِ؛ طُهرةً للصائم من اللغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمسَاكين، فمن أدَّاها قبلَ الصلاةِ فهيَ زكاةٌ مقبُولةٌ، ومن أدَّاها بعدَ الصلاةِ فهيَ صدقةٌ من الصدَقاتِ". رواه أبو داود وابن ماجه (١).
ودعوى أن "فَرَض" بمعنى "قدَّر" مردود (٢) بأن كلام الراوي لا يُحمل إلا على الموضوع الشرعي؛ بدليل الأمر بها في الصحيح -أيضًا- من حديث ابن عمر (٣).
стр. 1999
وذهب الأصمُّ وابن عُليَّةَ وجماعة إلى أنها سُنة مؤكَّدة (١)، وقول سعيد بن المسيب (٢) وعمر بن عبد العزيز (٣) في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٤) إنها زكاة الفِطر، رُدَّ بقول ابن عباس: "إنها تُطهِّر من الشركِ" (٥) والسورة مكية، ولم يكن بها زكاة ولا عيد. قال في "المبدع": والظاهر أن فرضها مع رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وتقدم في أول الزكاة (٦) ما يُعلم منه ذلك.
(ومصرِفُها) أي: زكاة الفِطر (كزكاة) المال، لعموم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية (٧).
(وهي واجبة) لما تقدم (وتُسمى فرضًا) لقول (٨) جمهور الصحابة.
و-أيضًا- فالفرض إن كان بمعنى الواجب، فهي واجبة، وإن كان
стр. 2000
بمعنى المتأكد فهي متأكدة (على كل مسلم) لما تقدم من قوله ﷺ : "من المسلمين" (حُرٍّ، ولو من أهل البادية) لعموم ما سبق، خلافًا لعطاء (١) والزهري (٢)، وربيعة، والليث (٣) في قولهم: "لا تلزَمُ أهلَ البَوَادِي" (ومكاتَب) لوجوب نفقته في كسبه، فكذا فِطرته، (ذَكرٍ وأُنثى، كبيرٍ وصغير) لما سبق من الخبر (٤) (ولو يتيمًا) فتجب في ماله، نص عليه (٥)، كزكاة المال (ويُخرِج عنه) أي: اليتيم (من ماله وليُّه) كما ينفق عليه، وعلى من تلزمه نفقته.
(و) تجب زكاة الفطر على (سيِّدٍ مسلِمٍ عن عبده المسلِم، وإن كان) العبد (للتجارة) فلا يضرُّ اجتماع زكاتين فيه؛ لأنهما بسببين مختلفين، فإن زكاة الفِطر تجب على بدن المسلم طُهرةً له؛ وزكاة التجارة تجب عن قيمته شكرًا لنعمة الغنى، مواساة للفقراء، وإنما الممتنع إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد. ومتى كان عبيد التجارة بيد المضارب ففطرتهم في مال المضاربة؛ لأن مؤنتهم منها. قاله في "الشرح".
و (لا) تجب على السيد (الكافر) لو هَلَّ شوال وفي ملكه عبد مسلم؛ لفقد شرط وجوبها، وهو الإِسلام. وقال في "المبدع" في