← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

ما يستحقه، وليكون على ثقة من إيصالها إلى مستحقِّها، ولا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة. (وله) أي: ربّ المال (دفعُها إلى الساعي وإلى الإمام، ولو فاسقًا يضعُها في مواضعها) لما روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: "أتيتُ سعدَ بنَ أبي وقَّاص، فقلت: لي مَالٌ، وأريدُ إخراجَ زَكاتِهِ، فَما تَأمرني؟ فقال: ادْفَعْهَا إليهِمْ، فأتيتُ ابنَ عمرَ، وأبَا هريرةَ، وأبَا سَعِيدٍ، فقالُوا مِثلَ ذلكَ". رواه سعيد (١). ولأنه نائب عن مستحقِّها، فجاز الدفع إليه، كولي اليتيم. (وإلا) أي: وإن لم يكن يضعها مواضعها (حَرُم) دفعها إليه. (ويجوز) وعبارة "الأحكام السلطانية"، وكثير من النسخ: "ويجب" وهي أنسب بما (٢) قبله (كَتْمُها إذن) وهذا قول القاضي في "الأحكام السلطانية" (٣). ونص الإمام على خلافه (٤)، قال في "الشرح": لا يختلف المذهب أنَّ دفعها للإمام جائز، سواء كان عدلًا أو غير عدل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة، أو الباطنة، ويبرأ بدفعها، سواء تلفت في يد الإمام أَوْ لا، أو صرفها في مصارفها أو لم

стр. 2032

يصرفها. انتهى. وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور؟ فقال: "ادْفَعْهَا إليهِمْ". حكاه عنه أحمد (١)، وفي لفظٍ عنه: "ادفَعُوهَا إلى مَن غَلَبَ" (٢). وفي لفظ آخر: "ادْفَعُوهَا إلى الأمَراء، وإن كَرعُوا بها لُحومَ الكِلابِ عَلى مَوَائِدِهمْ" (٣). رواهما عنه أبو عبيد. وقال أحمد (٤) في رواية حنبل: كانوا يدفعون الزكاة إلى الأمراء، وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ يأمرون بدفعها؛ وقد علموا فيما ينفقونها، فما أقول أنا؟. (ويبرأ) دافع الزكاة إلى الساعي أو الإمام (بدفعها إليه، ولو تلفت في يده، أو لم يصرفها في مصارفها) لما سبق. (ويجزئ دفعها إلى الخوارج والبُغْاة؛ نص عليه (٥) في الخوارج، إذا غلبوا على بلد، وأخذوا منه العُشْرَ وَقَع موقِعه) وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل. وقال في موضع آخر:

стр. 2033

إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إمامًا. (وكذلك مَن أخذها) أي: الزكاة (من السلاطين قهرًا أو أختيارًا عَدَلَ فيها أو جار. ويأتي في) باب (قتال أهل البغي). (وللإمام طلب النذر والكفَّارة) نص عليه (١) في كفَّارة الظِّهَار، وكالزكاة. (و) للإمام (طلب الزكاة من المال الظاهر) كالمواشي والحبوب والثمار (والباطن) كالأثمان وعروض التجارة (إن وضعها في أهلها، ولا يجب الدفع إليه إذا طلبها) بل لربها تفرقتها بنفسه، وهو أفضل، كما تقدم (٢). (وليس له) أي: الإمام (أن يقاتل على ذلك إذا لم يَمنع) مَن هي عليه (إخراجَها بالكلية) إذ الواجب الإخراج، لا الدفع إلى الإمام.

стр. 2034

فصل (ولا يجزئ إخراجُها إلا بنيِّة) لحديث: "إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نَوى" (١) (من مكلَّف) لا صغير ومجنون؛ لعدم أهليته لأداء الواجب (وغير المكلَّف ينوي عنه وَليُّه) لقيامه مقامه (فينوي الزكاةَ، أو الصدقة الواجبة، أو صدقة المال، أو) صدقة (الفِطر فلو لم ينوِ) لم يجزئه ما أخرجه ولو تصدَّق بجميع ماله؛ لأن صرف المال إلى الفقير له جهات: من زكاة، وكفَّارة، ونذر، وصدقة تطوع، ولا قرينة تعين، فاعتُبرت نية التمييز. (أو نوى صدقة مطلقة، لم يجز) ما أخرجه (عمَّا في ذمته، حتى ولو تصدق بجميع المال) كما لو نوى الصلاة وأطلق، و (كصدقته بغير النصاب من جنسه. والأَولى مقارنتها) أي: النية (للدفع) خروجًا من خلاف من أوجبه. (وتجوز) النية (قبلَه) أي: الإخراج بزمن يسير (كصلاة. ولا تُعتبر نية الفرض) اكتفاء بنية الزكاة؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا (ولا) يُعتبر (تعيين المال المزكَّى عنه) لعدم الفائدة فيه (فلو كان له مالان: غائب وحاضر، فنوى زكاة أحدهما لا بعينه) وأداها (أجزأ) ما دفعه عن (أيهما شاء، بدليل أن من له أربعون دينارًا، إذا أخرج نصف دينار عنها) أي: الأربعين (صحَّ، ووقع) الإخراج (عن عشرين

стр. 2035

دينارًا منها غير معينة) فيخرج نصف دينار عن العشرين الباقية. (ولو كان) له (خَمْس من الإبل، وأربعون من الغنم، فقال: هذه الشاة عن الإبل، أو الغنم، أجزأته عن أحدهما) ويخرج شاة أخرى عن الآخر. (ولو) أخرج قَدْر زكاة أحد ماليه، و (نوى زكاة ماله الغائب، فإن كان تالفًا، فعن الحاضر، أجزأ) المخرَج (عنه) أي: الحاضر (إن كان الغائب تالفًا) بخلاف الصلاة لاعتبار التعيين فيها، فإن كانا سالمين، أجزأه عن أحدهما؛ لأن التعيين ليس بشرط، قاله في "الشرح". (ولو نوى أن هذه زكاة مالي، إن كان سالمًا، وإلا فهو تطوُّع، مع شكٍّ (١) في سلامته، فبان سالمًا، أجزأت) وكذا إن (٢) نوى عن الغائب إن كان سالمًا؛ لأن هذا في حكم الإطلاق، فلا يضر تقييده به. (ولو نوى عن الغائب، فبان تالفًا، لم يكن له صَرْفُه إلى غيره) لقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرئ ما نوى" (٣). وهو لم ينو غير الغائب. (فإن قال: هذه (٤) زكاة مالي، أو تَفْلٌ) لم يجزئه؛ لأنه لم يخلص النية للزكاة. (أو قال: هذه زكاة إرثي من مورِّثي، إن كان مات، لم يجزئه)

стр. 2036

لأنه لم يَبْنِ على أصل. قال الموفق وغيره: كقوله ليلة الشك: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي. وقال صاحب "المحرر": كقوله: إن كان وقت الظهر دخل، فصلاتي هذه عنها. وقال أبو البقاء: التردد في العبادة يفسدها، ولهذا لو صلَّى ونوى: إن كان الوقت قد دخل فهي فريضة، وإن لم يكن قد دخل، فهي نافلة، لم تصح له فرضًا ولا نَفْلًا، وإن نوى عن الغائب: إن كان سالمًا وإلا، فأرجع، فله الرجوع إن بَان تالفًا، ذكره أبو المعالي على قول الرجوع في التلف. (وإن أخذها) أي: الزكاة (الإمام قهرًا لامتناعه) أي: ربّ المال، أو تغييبه ماله (كَفَتْ نيةُ الإمام) بـ (ـدون نية ربّ المال) فلا يعتبر (١) للإجزاء ظاهرًا (وأجزأته ظاهرًا) فلا يُطالب بها بعد، و (لا) تجزئه (باطنًا) لعدم النية (ومثل ذلك لو دفعها) أي: الزكاة (ربُّ المال إلى مستحقِّها كرهًا وقهرًا) -حالان من ربّ المال- فتجزئه. وتقدم أنه لو أُكره على عبادة وفعلها لداعي الشرع، صحت، لا لداعي الإكراه. (وإن أخذَها) أي: الزكاة (الإمام أو الساعي لغيبة ربِّ المال، أو تعذّر الوصول إليه بحبس ونحوه) كأسر (أجزأته ظاهرًا وباطنًا) لأن له ولاية على ربّ المال إذن، فقامت نيته مقام نيته، كولي الصَّغير والمجنون، ولا تقصير من ربِّ المال. (وإن دفعها) ربُّ المال (إلى الإمام طوعًا، ناويًا) أنها زكاة (ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء) مثلًا (جاز، وإن طال) الزمن (لأنه)

стр. 2037

أي: الإمام (وكيل الفقراء) لا ربّ المال. و (لا) تجزئ (إن نواها الإمام) زكاة (دونه) أي: دون ربّ المال (أو لم ينوياها) أي: لا الإمام ولا ربّ المال؛ لعدم النية المعتبرة (وتقع نَفْلًا) فلا رجوع بها على الفقير (ويُطالبُ) ربُّ المال (بها) أي: بالزكاة؛ لبقائها في ذمته، وعدم براءته بذلك الدفع. (ولا بأس بالتوكيل في إخراجها) أي: الزكاة؛ لأنها عبادة مالية محضة، كتفرقة النذر والكفارة وذبح الأضحية. (ويُعتبر كون الوكيل ثقةً مسلمًا) لأنها عبادة، والكافر ليس من أهلها، وغير الثقة لا يؤمن عليها. (فإن دفعها) الموكِّل (إلى وكيله، أجزأت النية من موكِّلٍ، مع قُرْب زمن الإخراج) من زمن التوكيل؛ لأن الوجوب متعلِّق بالموكِّل، وتأخر الأداء عن النية بالزمن اليسير جائز (ومع بُعْدِه) أي: بُعْدِ زمن الإخراج (لابُدَّ من نية الموكِّل حال الدفع إلى الوكيل) لتعلّق الفرض بالموكِّل، ووقوع الإجزاء عنه. (و) لابُدَّ من (نية الوكيل عند الدفع إلى المستحق) لئلا يخلو الدفع إليه عن نية مقارنة أو مقاربة (ولا تجزئ نية الوكيل وحده) أي: دون نية الموكِّل؛ لتعلق الوجوب بالموكِّل، كما سبق. (وإن أخرج) حُرٌّ مسلم مكلَّف (زكاة شخص أو كفَّارته من ماله) أي: مال المخرج (بإذنه، صح) إخراجه عنه كالوكيل (وله) أي: المخرِج (الرجوع عليه إن نواه) أي: نوى الرجوع؛ لا إن نوى التبرُّع،

стр. 2038

أو أطلق (وإن كان) إخراجه لزكاة غيره (بغير إذنه، لم يصح) لعدم النية من المُخرَج عنه المتعلِّق به الوجوب (كما لو أخرجها من مال المُخرَج عنه بلا إذنه) لعدم ولايته عليه، ووكالته عنه. (ولو وكَّله في إخراج زكاته ودفع إليه مالًا، وقال: تصدَّقْ به، ولم ينوِ الزكاة، فأخرجها الوكيل من) هذا (المال الذي دفعه إليه، ونواها زكاة، أجزأت) لأن الزكاة صدقة، هذا أحد الوجهين في المسألة. قال في "تصحيح الفروع": وهو ضعيف؛ لاشتراط نية الموكِّل في الإخراج، وهنا لم توجد، وفي التعليل نظر. والوجه الثاني: لا يجزئه؛ لأنه خصَّه بما يقتضي النفل. قال في "تصحيح الفروع": وهو الصواب؛ لأنه الظاهر من لفظ الصدقة، و-أيضًا- الزكاة واجبة عليه يقينًا، فلا تسقط بمحتمل، و-أيضًا- لابد من نية الموكل، وهذا لم ينو الزكاة. (ولو) وكَّله في إخراج زكاة ماله، ودفع إليه مالًا، و (قال: تَصدَّقْ به نَفْلًا، أو عن كفارتي، ثم نوى) الموكِّل (الزكاة قبل أن يتصدق) وكيله (أجزأ عنها؛ لأن دَفْعَ وكيله كدفعه) فكأنه نوى الزكاة ثم دفع بنفسه، قاله المجد في "شرحه"، وعلَّله بذلك، وجزم به في "الرعاية" و"مختصر ابن تميم"، وقدَّمه في "الفروع"، قال: وظاهر كلام غير المجد: لا يجزئ لاعتبارهم النية عند التوكيل. (ويصح توكيل المميز في دفع الزكاة) هذا أحد الوجهين. قال في "الإنصاف": الأَولى الصحة؛ لأنه أهل للعبادة. والثاني: عدم

стр. 2039

الصحة، قال في "تصحيح الفروع": وهو الصواب؛ لأنه ليس أهلًا للعبادة الواجبة. انتهى. و"تصحيح الفروع" متأخر عن "الإنصاف" في التأليف، فما فيه يخالف "الإنصاف". كالرجوع عنه. (ومن أخرج زكاته من مالٍ غَصْبٍ، لم يجزئه، ولو أجازها ربُّه) كبيعه وإجارته؛ لأن ما لا يصح ابتداءً لا ينقلب صحيحًا بالإجازة. (ويُستحبُّ أن يقول المخرج عند دفعها) أي: الزكاة: (اللهم اجعلها مغنمًا) أي: مثمرة (ولا تجعلها مَغْرمًا) منقصة للمال؛ لأن التثمير كالغنيمة، والتنقيص كالغرامة، لخبر أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أعْطَيتم الزكاةَ فلا تَنْسَوا ثَوَابها أنْ تقولُوا: اللهُمَّ اجعلْهَا مغنَمًا ولا تجعلْهَا مَغرمًا". رواه ابن ماجه (١) من رواية البَخْتري. (ويَحمد الله على توفيقه لأدائها) قاله الشارح وغيره. (و) يُستحبُّ (أن يقول الآخذ) للزكاة - (سواء كان) الآخذ (الفقيرَ، أو العامل، أو غيرهما، و) القول (في حق العامل آكدُ) منه في حق غيره-: (آجركَ الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيتَ، وجعله لك

стр. 2040

طَهورًا) للأمر بالدعاء في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (١) أي: ادعُ لهم. قال عبد الله بن أبي أوفى: "كان ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدَقتِهِمْ، قال: اللهمَّ صلِّ على آلِ فُلان، فأتاهُ أبي بصدقَتِهِ، فقال: اللهم صَلِّ على آلِ أبي أوْفَى". متفق عليه (٢). وهو محمول على الندب، ولهذا لم يأمر سعاته بالدعاء. (وإظهار إخراجها مُستحبٌّ، سواء كان) الإخراج (بموضع يخرج أهله الزكاة أم لا، وسواء نُفي عنه ظن السوء بإظهار إخراجها أم لا) لما فيه من نفي الريبة عنه، ولعله يقتدى به، وكصلاة الفرض. (وإنْ عَلِم) المخرِج (أن الآخذ) للزكاة (أهلٌ لأخذها، كُره إعلامه بأنها زكاة. قال) الإمام (أحمد (٣): لِمَ يبكِّته (٤)؟ يعطيه ويسكت) ما حاجته أن يقرعه؟! (وإن عَلِمه أهلًا) لأخذ الزكاة (والمراد ظنه) أهلًا لذلك؛ لقيام الظن مقام العلم في جواز الدفع إليه (ويعلم) المخرج (من عادته) أي: المدفوع (لأنه (٥) لا يأخذها) أي: الزكاة (فأعطاه ولم يعلِمْه) أنها زكاة (لم يجزئه) دفعها له؛ لأنه لا يقبل زكاة ظاهرًا.

стр. 2041

(وله) أي: المخرج (نَقْل زكاة إلى دون مسافة قَصْر) من بلد المال. نص عليه (١)؛ لأنه في حكم بلد واحد، بدليل الأحكام، ورخص السفر. (و) تفرقتها (في فقراء بلده أفضل) من نقلها إلى غيره، مما دون المسافة؛ لعموم حديث معاذ الآتي. (و لا يدفع الزكاة إلا لمن يظنه أهلًا) لأخذها ؛ لأن دفعها لغير أهلها لا يبرأ به، والعلم بذلك ربما يتعذَّر، فأُقيم الظنُّ مقامه (فلو لم يظنَّه من أهلها فدفع) زكاته (إليه ثم بان من أهلها، لم يجزئه) الدفع إليه؛ لاعتقاده حال الدفع أنه ليس بزكاة؛ لعدم أهلية الآخذ لها في ظنه. (ولا يجوز نَقْلُها) أي: الزكاة (عن بلدِها إلى ما تُقصرُ فيه الصلاة، ولو) كان النقل (لرَحِمٍ، وشدة حاجة، أو لاستيعاب الأصناف) والساعي وغيره سواء، نص على ذلك (٢)؛ لقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "أخبرهُم أن عليهمْ صدقةً تؤخذُ من أغنِيَائِهمْ فتُردُّ في فقرَائهم". متفق عليه (٣). وعن طاوُس قال:

стр. 2042

"في كتاب معاذٍ: من خرجَ من مِخلافٍ (١) إلى مِخلافٍ، فإن صدقَتَهُ وعُشْرَهُ في مِخلافِ عشِيرتِهِ". رواه الأثرم (٢). (فإن خالف وفعل) أي: نقل الزكاة إلى بلد تُقصر فيه الصلاة، (أجزأه) المنقول؛ للعمومات؛ ولأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ كالدَّين والفِطرة، كزكاة المال فيما تقدم. (وإن كان) المال الذي وجبت فيه الزكاة (ببادية، أو خلا بلده عن مستحقٍّ لها) أي: الزكاة (فرّقها) إن بقيت كلها (أو ما بقي منها بعدهم) أي: بعد مستحقي بلده (في أقرب البلاد إليه) لأنهم أولى. ولو عبَّر بموضع ونحوه، لكان أشمل. وبعث معاذ إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر ذلك عمر، وقال: "لم أبعثكَ جَابيًا، ولكنْ بعثْتُكَ لتأخذَ من أغنيَاءِ الناسِ فتردهَا في فُقَرائِهِم" فقال معاذ: "ما بَعَثْتُ إليكَ بِشَيءٍ، وأنا أجِدُ منْ يَأخذُهُ مِني" رواه أبو عبيد (٣).

стр. 2043

(والمسافر بالمال) المزكَّى (يُفرِّقها في موضعِ أكثرِ إقامةِ المال فيه) لتعلّق الأطماع به غالبًا. وقال القاضي: يفرق مكانه حيث حال حوله؛ لئلا يفضي إلى تأخيرها. (وله نقل كفَّارة ونَذْر، ووصية مطلقة، ولو) كان النقل (إلى مسافة قَصْر) بخلاف الزكاة؛ لأنها مواساة راتبة، فكانت لجيران المال، بخلاف هذه الأشياء. (لا) نقل وصية (مقيدة) بأن عينها الموصي (لفقراء مكان معين) فيجب صرفها لهم؛ لتعينهم مصرفًا لها. (وإن كان) المزكِّي (في بلد، ومالُه في بلد آخر، أو) في (أكثر) من بلد (أخرج زكاة كل مال في بلده، أي: بلد المال، متفرقًا كان أو مجتمعًا) لئلا تنقل الصدقة عن بلد المال؛ ولأن المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وُجِد السبب (إلا في نصاب سائمة في بلدين، فيجوز الإخرج في أحد البلدين؛ لئلا يُفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان) كما لو كان له عشرون مختلطة مع عشرين لآخر في بلد، وعشرون أخرى مختلطة مع عشرين لآخر في بلد آخر، بينهما مسافة القصر، فإن عليه في كل خلطة نصف شاة؛ فيُخرج شاة في أي البلدين شاء. (ويُخرج فِطرة نفسه) في بلد نفسه لا ماله؛ لأن سبب الفِطرة النفس لا المال. (و) يخرج (فِطرة من يَمونه في بلد نفسه (١)، وإن

стр. 2044

كانوا في غير) بلد (هـ) لأنها طُهرة له (وتقدم (١)) في الباب قبله. (وحيث جاز النقل) لما تقدم (فأجرته على ربِّ المال، كأجرة كيل ووزن) لأن عليه تسليمها لأهلها، فكان عليه مؤنته، كتسليم المبيع، فإن (٢) كان النقل مُحرَّمًا فقياس ما يأتي في الإجارة لا أجرة، كالأجير لحمل خمر ونحوه، لكن إن لم يعلم الناقل أنها زكاة يَحرم نقلها، فله الأجرة على ربها؛ لأنه غرَّه. (وإذا (٣) حصل عند الإمام ماشية) من زكاة أو جزية (استُحبّ له) أي: الإمام (وَسْمُ الإبل والبقر في أفخاذها، و) وَسْمُ (الغنم في آذانها) لحديث أنس قال: "غدوْتُ إلى النبيِّ ﷺ بعبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ ليحَنِّكَهُ، فرأيتهُ في يدِهِ الميسَمَ يسِمُ إبلَ الصَّدَقَةِ". متفق عليه (٤)، ولأحمد وابن ماجه: "وهو يسِمُ غَنَمًا في آذانها" (٥). وإسناده صحيح، ولأن الحاجة تدعو إليه؛ لتتميز عن الضَّوَالِّ، ولترد إلى مواضعها إذا شردت. وخُصَّ الموضعان؛ لخفة الشعر فيهما، ولقلة ألَمِ الوسم، ويأتي في النفقات: يحرم وَسم في الوجه.

стр. 2045

(فإن كانت) الموسومة (زكاة، كتب "الله" أو "زكاة" وإن كانت جزية كتب "صَغَارًا" أو "جِزية"؛ لتتميز) بذلك. وذكر أبو المعالي أن الوسم بحنَّاء أو قِير (١) أفضل. قال في "المبدع": وفيه شيء.

стр. 2046

فصل (ويجوز تعجيل الزكاة) لحديث علي: "أن العباس سألَ النبيَّ ﷺ في تعْجِيلِ صدَقَتِهِ قَبْلَ أن تحلَّ، فرخَّصَ له في ذلكَ". رواه أحمد وأبو داود (١)، وقد تكلم في إسناده. وذكر أبو داود أنه رُوي عن

стр. 2047

الحسن بن مسلم مرسلًا (١) وأنه أصح. ولأنه حق مال أُجِّل للرفق، فجاز تعجيله قبل أجله، كالدَّين. قال الأثرم: هو مثل الكفَّارة قبل الحنث، فيصير من تقديم الحكم بعد وجود سببه، وقبل وجود شرطه. (وتَرْكه) أي: التعجيل (أفضل) خروجًا من الخلاف، قال في "الفروع": ويتوجه احتمال: تُعتبر المصلحة. (للحولين (٢) فأقل فقط) اقتصارًا على ما ورد، أخرج أبو عبيد في "الأموال" بإسناده عن علي: "أن النبيَّ ﷺ تَعجَّلَ من العباسِ صدقةَ سنتينِ" (٣)، لقولهِ ﷺ : "أما العبَّاسُ فهِيَ عَليَّ ومثْلُهَا مَعَهَا". متفق عليه (٤). (بعد كمال النصاب، لا قبلَه) لأنه سببها، فلم يجز تقديمها

стр. 2048

عليه، كالتكفير قبل الحلف. قال في "المغني": بغير خلاف نعلمه. (و لا) يجوز تعجيل الزكاة (قبل السَّوْم) أي: الشروع فيه، إن قلنا: إنه شرط. قال في "الإنصاف" هنا: هذا المذهب. انتهى. والصحيح أن عدمه مانع، فيصح إن تعجَّل قبل الشروع فيه كما قطع (١) في "الشرح"، وتبعه في "المنتهى" في أول زكاة السائمة. وقدَّمه في "الفروع" وغيره، وقد منع ابن نصر الله تحقق هذا الخلاف، وردَّه في "تصحيح الفروع" بما يطول، فراجعه فهو مفيد (فلو ملك) حُرٌّ مسلم (بعض نصاب) من سائمة أو غيرها (فعجَّل زكاته) أي: زكاة ما ملكه (أو) عجَّل (زكاة نصاب، لم يجزئه) لعدم وجود سبب الزكاة. (ولو ظَنَّ ماله ألفًا، فعجَّل زكاته، فبان خمسمائة، أجزأه) المعجل (عن عامين) لتبين عدم وجوب زكاة الألف عليه، وأنه دفع زيادة عما وجب عليه، مع نية التعجيل. (وإن أخذ الساعي) من المزكي فوق حقِّه، حسَبه) ربُّ المال (من حول ثانٍ) نص عليه (٢). (قال) الإمام (أحمد (٣): يُحسبُ ما أهداه للعامل من الزكاة أيضًا) وعنه: لا يحتسب بالزيادة؛ لأن هذا غصب، اختاره أبو بكر، وجمع الموفق بن الروايتين، فقال: إن كان نوى المالك التعجيل، اعتد به، وإلا، فلا، وحملهما على ذلك، وحمل

стр. 2049

المجد رواية الجواز على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة، إذا نوى التعجيل، وإن علم أنها ليست عليه وأخذها، لم يعتدَّ بها على الأصح؛ لأنه أخذها غصبًا. وحمل القاضي المسألة أنه يحتسب بنية المالك وقت الأخذ، وإلّا، لَمْ يجزئه، وقال الشيخ تقي الدين (١): ما أخذه باسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل؛ اعتدَّ به، وإلا، فلا. (وليس لوليِّ ربِّ المال أن يُعجِّل زكاته) أي: زكاة المولَّى عليه؛ لأنه يجب عليه أن يعمل بما فيه الأحظ له في ماله، وهذا أحد وجهين في المسألة. والوجه الثاني: له ذلك، قدَّمه في "تجريد العناية"، وهو ظاهر كلام أحمد (٢) والأصحاب هنا، وهو كالصريح فيما نقله في "المستوعب" عن أبي بكر وابن حامد والقاضي. قال في "الإنصاف": وهو الأَولى. وفي "تصحيح الفروع": وهو الصواب. وصحَّحه ابن نصر الله في "حواشيه" (٣). (وإن عجَّل عن النِّصاب) الموجود (وما ينمى في حوله، أجزأ) التعجيل (عن النِّصاب) لما تقدم (دون النماء) لأنه عجَّل زكاة ما ليس في ملكه، فلم يوجد السبب، كما في النصاب الأول. (ويجوزُ تعجيل زكاة الثمر بعد ظُهوره، و) تعجيل زكاة التمر (بعد

стр. 2050

طلوع الطَّلْع قبل تشقُّقه) وهو من عطف الخاص على العام، (و) تعجيل زكاة (الزرع بعد نباته، إذ ظُهوره) أي: الثمر والزرع (كالنصاب) الذي هو السبب (وإدراكه) أي: الثمر والزرع (كَحَوَلانِ الحول) فلذلك صح التعجيل (فإن عجَّل) زكاته (قبل طلوع الطَّلْع، و) قبل طلوع (الحِصْرِم (١)، و) قبل (نبات الزرع، لم يجزئه) ذلك؛ لأنه تقديم لها قبل وجود سببها. (وإن عجَّل زكاة النصاب، فتمَّ الحول وهو) أي: النصاب (ناقص قَدْر ما عجَّله، أجزأ، إذ المُعجَّل في حكم الموجود) في ملكه حقيقة، أو تقديرًا؛ ولهذا يتم به النصاب. (وإن عجَّل عن أربعين شاة شاتين من غيرها) لحولين، أجزأ؛ لبقاء النصاب. (أو) عجَّل عن أربعين شاة (شاة منها، وأخرى من غيرها، أجزأ عن الحولين) لما تقدم من أن المُعجَّل في حكم الموجود. (و) إن عجَّل عن أربعين شاة (شاتين منها) لحولين (لا يجزئ عنهما وينقطع الحول) لما يأتي. (وكذا لو عجَّل) عن الأربعين شاة (شاة) منها (عن الحول الثاني وحده؛ لأن ما عجَّله منه) أي: من النصاب (للحول الثاني زال ملكه عنه، فينقص) النصاب (به) بخلاف ما عجَّله عن الأول؛ لأنه في حكم الموجود. (وإن مَلَك شاةً، استأنف الحول من الكمال) أي: كمال النصاب. وكذا لو قلنا: يرتجع ما عجَّله وارتجعه؛ لأنه تجديد ملك.

стр. 2051

(وإن عجَّل زكاةَ المائتين) من الغنم شاتين (فنُتجت عند الحلول سَخْلة، لزمته ثالثة) لأن المعجلتين في حكم الموجودتين؛ فكأن الحول تَمَّ على مائتين وواحدة، وفيها ثلاث شياه. (وإن عجَّل عن مائة وعشرين) شاة (واحدة، ثم نُتجت قبل الحول أخرى، لزمه إخراجُ) شاة (ثانية) لما مر. (ولو عجَّل عن خمسَ عشرةَ من الإبل، وعن نتاجها بنتَ مخاض، فنُتجت مثلها) خمس عشرة (لم تجزئه) المعجلة لشيء، أما النتاج؛ فلعدم صحة تعجيل زكاته قبل وجوده، وأما الأصل فلم يكن الواجب فيه إذ ذاك من جنسه (ويلزمه بنتُ مخاض) إذا تمَّ الحول. (ولو عجَّل مُسنَّةً عن ثلاثين من البقر ونِتاجها، فنُتجت عَشرًا، أجزأت) المعجَّلة (عن الثلاثين فقط) لعدم صحة التعجيل عن النتاج، (ويخرج للعَشر) النتاج (ربع مسنة) زكاتها. (وإن عجَّل عن أربعين شاةً شاةً، ثم أبدلها) أي: الأربعين (بمثلها، أو نُتجت أربعين سخلة ثم ماتت الأُمَّات، أجزأ المعجَّل عن البَدَل والسِّخال) لأنها تجزئ مع بقاء الأُمَّات عن الكل، فعن أحدهما أَولى. (ولو عجَّل شاةً عن مائة شاة، أو) عجَّل (تبيعًا عن ثلاثين بقرة، ثم نُتجت الأُمَّات مثلها، ثم ماتت) الأمات (أجزأ المعجَّل من النِّتاج) لما تقدم في التي قبلها. (ولو نُتج نصف الشياه مثلها) كأن نتجت عشرون من الأربعين أربعين (ثم ماتت أُمات الأولاد، أجزأ

стр. 2052

المعجَّل عنها) أي: عن الباقي من الشياه وعن النتاج. (ولو نُتج نصف البقر مثلها (١)) كثلاثين بقرة نتجت خمسة عشر، منها ثلاثين، (أجزأ المعجَّل) عن الباقي، وعن النتاج؛ لإجزائه مع عدم الموت، فأَولى معه. (ولو عجَّل عن أحد نصابيه) بعينه (وتَلِفَ، لم يصرفه إلى الآخر) لحديث: "وإنما لكلِّ امرئ مَا نَوى" (٢). (كما لو عجَّل شاة عن خمس من الإبل، فتلفت) الإبل (وله أربعون شاة، لم يجزئه) ما عجَّله (عنها) أي: عن الشياه؛ لعدم نيته إياها. (ولو كان له ألف درهم فعجَّل خمسين) درهمًا (وقال: إن ربحت ألفًا قبل الحول، فهي) أي: الخمسون (عنها) أي: عن الألف وربحها الألف الأخرى (٣) (وإلّا، كانت للحول الثاني، جاز) إن جاز تعجيل زكاة الربح قبله، كما في "الإنصاف". والمذهب: أنه لا يجزئ كما تقدم. (وإن عجَّلها) أي: الزكاة (فدفعها إلى مستحقها، فمات قابضها أو ارتد، أو استغنى منها، أو من غيرها، أجزأت عنه) كما لو عدمت عند الحول؛ لأنه يعتبر وقت القبض؛ لئلا يمتنع التعجيل. (وإن دفعها إلى غني أو كافر يعلم غناه) راجع إلى غني (أو) يعلم

стр. 2053

(كفره) أي: الكافر، وكذا لو لم يعلم؛ لأنه لا يخفى غالبًا، بخلاف الغنى (فافتقر) الغني (عند الوجوب، أو أسلم) عند الوجوب (لم يجزئه) لأنه لم يدفعها إلى مستحقها، أشبه ما لو لم يفتقر أو يسلم. (وإن عجَّلها) أي: الزكاة (ثم هلك المال، أو نقص النصاب، أو مات المالك أو ارتد) المالك (قبل الحول) فقد بان المخرَج غير زكاة؛ لانقطاع الوجوب بذلك، فإذا أراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله، لم يجز، و (لم يرجع) المعجَّل (على المسكين، سواء كان الدافع) له (ربُّ المال أو الساعي) وسواء (أعلمه أنها زكاة معجَّلة أو لا) لأنها دفعت إلى مستحقها، فلم يملك استرجاعها؛ لوقوعها نفلًا، بدليل ملك الفقير لها (فإن كانت) الزكاة المعجَّلة (بيد الساعي وقت التلف) أي: تلف النصاب (رجع) بها ربها؛ لتبين أنها ليست بزكاة، ومفهومه أنه لا يرجع إن كانت بيد الفقير، ولا فيما إذا مات المعجِّل أو ارتد مطلقًا. قال في "المنتهى": ولا رجوع إلا فيما بيد ساع عند تلف. (ولا يصح تعجيل زكاة معدن بحال، ولا) تعجيل (ما يجب في رِكاز) لأنه تعجيل لها قبل وجود سببها. (وللإمام ونائبه استسلاف زكاة برضى ربِّ المال) لقصة العباس (١). (لا إجبارُه على ذلك) لأنه لا يلزمه التعجيل (فإن استسلَفَها) أي: الزكاة الإمام أو نائبه (فتلفت بيده، لم يضمَنْها وكانت من ضمان الفقراء)

стр. 2054

فتفوت عليهم (سواء سأله ذلك) أي: الاستسلاف (الفقراء، أو ربُّ المال، أو لم يسأله أحد؛ لأن له) أي: الإمام أو نائبه (قبضها كوليِّ اليتيم) فقد فعل ما يجوز، فلم يضمن. (وإن تلفت) الزكاة (في يد الوكيل) أي: وكيل ربّ المال (قبل أدائها، فمن ضمان ربِّ المال) لعدم الإيتاء المأمور به؛ ولأن يد الوكيل كيد موكله. (ويُشترطُ لملك الفقير لها) أي: الزكاة (وإجزائها عن ربها قبضه لها، فلا يجزئُ غداء الفقراء ولا عشاؤهم) من الزكاة؛ لأنه ليس بإيتاء. (ولا يقضي منها دين ميت غَرِمَ لمصلحة نفسه أو غيره) حكاه أبو عبيد (١) وابن عبد البر (٢) إجماعًا (لعدم أهليته) أي: الميت (لقَبولها، كما لو كفنه) أي: ربّ المال (منها) أي: من الزكاة. (ولا يكفي إبراءُ المَدين من دينه بنيه الزكاة، سواء كان المخرَج عنه دينًا أو عينًا، ولا تكفي الحوالة بها) لأن ذلك ليس إيتاء لها. وكذا الحوالة عليها؛ لأنه لا دين له يحيل عليه، إلا أن تكون بمعنى الإذن في القبض. (وإن أخرج زكاته) أي: عَزَلَها (فتلفت قبل أن يقبضها الفقير، لزمه) أي: رب الحال (بدلُها) كما قبل العزل، لعدم تعيّنها؛ لأنه يجوز

стр. 2055

العود فيها إلى بدلها، ولم يملكها المستحق كمالٍ معزول لوفاء رب الدين، بخلاف الأمانة. (ولا يصحُّ تصرُّف الفقير) وباقي أهل الزكاة فيها (قبل قبضها) لأنه لا يملكها إلا به (ولو قال الفقير لرب المال: اشترِ لي بها) أي: الزكاة (ثوبًا) أو غيرَه من حوائجه (ولم يقبضها) الققير (منه، لم يجزئه) ذلك، (ولو اشتراه) أي: اشترى ربُّ المال الثوب (كان) الثوب (للمالك) دون الفقير (وإن تلف) الثوب كان من ضمانه) أي: المالك؛ لما سبق من أن الفقير لا يملكها إلا بالقبض. ولو وكَّل الفقير ربَّ المال في القبض من نفسه، وأن يشتري له بها بعد ذلك ثوبًا أو نحوه، صح ذلك. (ولا يجزئ إخراج قيمة زكاة المال، و) لا قيمة (الفِطرة طائعًا) كان المخرِج (أو مكرهًا، ولو للحاجة من تعذُّر الفرض ونحوه، أو لمصلحة) كأن تكون أنفع للفقراء، وتقدم بدليله، لكن ما هنا فيه زيادة، وتقدم أن أخذ الساعي للقيمة يجزئ (١)، وإن لم يره الدافع. (ويجب على الإمام أن يبعث السُّعاة قُرْب) زمن (الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر) وهو السائمة والزرع والثمار؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يفعلونه (٢). ومن الناس من لا يزكي ولا يعلم ما

стр. 2056

عليه، ففي إهمال ذلك ترك للزكاة. (ويجعل حولَ الماشية المحرَّمَ) لأنه أول السنة، وتوقف أحمد في ذلك، وميله إلى شهر رمضان (١). (وإن أخَّر السَّاعي قسمة زكاة عنده بلا عذر، كاجتماع الفقراء، أو) اجتماع (الزكاة، لم يجز) له ذلك (ويضمن ما تلف لتفريطه) بالتأخير (كوكيل في إخراجها يؤخِّره) بلا عذر. (وإن وَجَدَ الساعي مالًا) زكويًّا (لم يَحُلْ حوله، ولم يعجلها ربه، وَكَّل) الساعي (ثقةً في قبضها عند وجوبها، وصرَفها في مصرفها) لحصول المقصود بذلك بلا تأخير (ولا بأس بجعله) أي: جعل الساعي صرف الزكاة مصرفها عند الحول (إلى ربِّ المال، إن كان ثقة) لحصول الغرض به (فإن لم يجد) الساعي (ثقة، أخرجها ربها) للفقراء (إن لم يخف ضررًا) لوجوب الإخراج على الفور إذن (وإلا) بأن خاف ضررًا، كرجوع ساع، أو على نفسه أو ماله (أخَّرَها إلى العام الثاني) لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٢). (وإذا قبض الساعي الزكاة، فرَّقها في مكانه وما قاربه) لما تقدم من حديث معاذ (٣). (فإن فَضَلَ شيء، حَمَله) لما تقدم من فعل معاذ (٤)

стр. 2057

(وإلا) أي: وإن لم يفضل شيء (فلا) حمل معه. ويُستحبُّ أن يَعُدَّ الماشية على أهلها على الماء، أو في أفنيتهم؛ للخبر (١). وإن أخبره صاحب المال بعدده، قَبِلَ منه، ولا يُحلِّفه، كما سبق. (وله) أي: الساعي (بيع الزكاة من ماشية وغيرها لحاجةٍ، كخوف

стр. 2058

تَلَفٍ، ومؤنة، ومصلحة) لحديث قيس بن أبي حازم، ويأتي. (و) له (صرفه في الأحظِّ للفقراء، أو حاجتهم، حتى في أُجرة مسكن) لأنه دفع الزكاة في حاجتهم، أشبه ما لو دفعها إليهم. (وإن باع لغير حاجة ومصلحة) فقال القاضي: (لم يصح، لعدم الإذن) أي: لأنه لم يؤذن له في ذلك (ويضمن قيمة ما تعذَّر) رده، وقيل: يصح، قدَّمه بعضهم؛ لما روى أبو عبيد في "الأموال"، عن قيس بن أبي حازم، "أن النبي ﷺ رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء (١)، فسأل عنها المصدِّق؟ فقال: إني ارتجعتها بإبل، فسكت عنه" (٢) فلم

стр. 2059

يستفصله، ومعنى الرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها غيرها. (قال) الإمام (أحمد (١): إذا أخذ الساعي زكاته كتب له (٢) براءةٌ؛ لأنه ربما جاء ساع آخر فيطالبه، فيخرج تلك البراءةَ، فتكون حُجَّة له) قال القاضي: وإنما قال ذلك لتنتفي التهمة عنه. أي: وإلا، فيقبل قول ربِّ المال في إخراج زكاته.

стр. 2060

باب ذِكْر أهل الزكاة (وما يتعلَّق بذلك من بيان شروطهم وقَدْر ما يُعطاه كل واحد، وصدقة التطوع وهم) أي: أهل الزكاة الذين جعلهم الشرع محلًّا لدفعها إليهم (ثمانية أصناف، لا يجوز صَرْفها إلي غيرهم) كبناء المساجد، والقناطر، وسد البُثُوق (١)، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغير ذلك من جهات الخير؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢). وكلمة: "إنما" تفيد الحصر، أي: تثبت المذكورين وتنفي ما عداهم، وكذلك تعريف الصدقات بـ"أل"؛ فإنها تستغرقها، فلو جاز صَرْف شيء إلى غير الثمانية، لكان لهم بعضها لا كلها. ورُوي عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: "أتيتُ النبيَّ ﷺ فبايعْتُهُ، فأتاهُ رجلٌ، فقال: أعطِني من الصَّدَقَةِ، فقال: إنَّ اللهَ لمْ يرضَ بحكم نَبيٍّ ولَا غيرهِ في الصَّدقَاتِ، حتَّى حَكمَ فِيهَا هُوَ، فجزأها ثمانيةَ أجزاءٍ، فإنْ كنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطَيتُكَ" رواه أبو داود (٣).

стр. 2061

وقال أحمد (١): إنما هي لمن سمَّاه الله تعالى (وسُئل الشيخُ عمَّن ليس معه ما يشتري به كُتبًا يشتغل فيها؟ فقال: يجوز أخذُه ما يحتاج إليه من كُتُب العِلْم التي لابُدَّ لمصلحة دينه ودنياه منها) (٢). قلت: ولعل ذلك غير خارج عن الأصناف؛ لأن ذلك من جملة ما يحتاجه طالب العلم، فهو كنفقته، ويأتي: إذا تفرَّغ قادر على التكسُّب للعلم، أُعطى. (أحدهم) أي: الأصناف الثمانية (الفقراء) بدأ بهم اتباعًا للنص، ولشدة حاجتهم (وهم أسوأُ حالًا من المساكين) لبداءته تعالى بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٣) فأخبر أن لهم سفينة يعملون فيها. وقد سأل النبيُّ ﷺ المسْكنةَ، واستعاذ من الفقر، فقال: "اللَّهم أحْيِني مسْكينًا، وأمتَنِي مسْكينًا، واحشرْنِي في زُمْرَةِ المَسَاكِينِ". رواه الترمذي (٤). ولا

стр. 2062

يجوز أن يسأل شدة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها. ولأن الفقير مشتق من فِقَرِ الظَّهر، فعيل بمعنى مفعول، أي: مفقور، وهو الَّذي نُزعت فِقْرة ظهره، فانقطع صُلبه. وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (١) وهو المطروح على التراب؛ لشدَّة حاجته.

стр. 2063

فأُجيب عنه: بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقًا، وأن هذا النعت لا يستحقه بإطلاق اسم المسكنة. (والفقير: من لا يجد شيئًا البتةَ) أي: قطعًا (أو يجد شيئًا يسيرًا من الكفاية دون نصفها من كَسب أو غيره، مما لا يقع موقعًا من كفايته) كدرهمين من عشرة، ومثَّله الخرقي وتبعه في "الشرح": بالزَّمِن والأعمى؛ لأنهما في الغالب كذلك، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. (الثاني: المساكين، والمسكين: من يجد معظم الكفاية أو نصفَها) من كَسْب أو غيره، مفعيل، من السكون، وهو الَّذي أسكنته الحاجة. (ومن مَلَك نقدًا ولو خمسين درهمًا فأكثرَ، أي قيمتها من الذهب أو غيره) كالعُروض (ولو كَثُرت قيمته، لا يَقوم) ذلك (بكفايته، فليس بغني، فيأخذ تمام كفايته سَنَةً) من الزكاة. (فلو كان في ملكه عُرُوضٌ للتجارة قيمتها ألف دينار، أو أكثر) من ذلك (لا يَرُدُّ عليه ربحُها) أي: لا يحصل له منه (قَدْر كفايته) جاز له أخذ الزكاة (أو) كان (له مواشٍ تبلغ نصابًا، أو) له (زَرْعٌ يبلغ خسمة أوسق، لا يَقوم) ذلك (بجميع كفايته، جاز له أَخْذُ الزكاة) ولا يمنع ذلك وجوبها عليه. (قال) الإمام (أحمد (٢)) في رواية محمد بن الحكم: (إذا كان له

стр. 2064

عَقار أو ضَيعةٌ يستغلُّها عشرةُ آلاف، أو أكثرُ، لا تكفيه، يأخذ من الزكاة. وقيل له) أي: لأحمد (١): (يكون له الزَّرعُ القائمُ، وليس عنده ما يحصُدُه، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ (٢): وفي معناه ما يَحتاج إليه لإقامة مؤنته، وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة، وكذا من له كُتُب يحتاجها للحفظ والمطالعة، أو لها حَلْيٌ للبس، أو كراء تحتاج إليه) فلا يمنعها ذلك الأخذ من الزكاة. ف الغنى في باب الزكاة نوعان: نوع يوجبها (٣)، ونوع يمنعها (٤). والغنى هنا: ما تحصُل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا، حَرُمت عليه الزكاة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا، حلَّت له، ولو ملك نصابًا فأكثر؛ لقوله ﷺ في حديث قَبيصة: "فحلَّت لهُ المسألةُ حتَّى يُصِيبَ قوامًا منْ عيشٍ، أو سَدادًا من عَيشٍ" رواه مسلم (٥). والسداد: الكفاية. وذكر أحمد (٦) قول عمر: "أعطُوهُم، وإنْ راحَتْ عليهِمْ من الإبلِ كذا وكذا" (٧).

стр. 2065

وأما حديث ابن مسعود مرفوعًا: "منْ سألَ ولَه مَا يغنيه جاءَتْ مسأَلَتُه يَومَ القِيَامَةِ خدُوشًا، أو كدُوشًا (١) في وجْهِهِ". قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ، وَمَا غِنَاهُ؟ قال: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أو حسابُها من الذَّهَبِ" رواه الخمسة (٢). فأُجيب عنه: بضعف الخبر. وحَمَله المجد على أنَّه ﷺ قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه بخمسين درهمًا، ولذلك جاء التقدير عنه بأربعين، وبخمس أواق، وهي مائتا درهم. (وإن تفرَّغ قادرٌ على التكسُّب للعلم) الشرعي، وإن لم يكن لازمًا له (وتعذَّر الجمع) مِن العلم والتكسب (أُعطي) من الزكاة لحاجته. و (لا) يُعطى من الزكاة (إن تفرَّغ) قادر على التكسُّب (للعبادة)

стр. 2066

لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم. (وإطعام الجائع ونحوُه) كسقي العطشان، وإكساء العاري، وفكِّ الأسير (واجب) على الكفاية إجماعًا (١) (مع أنَّه ليس في المال حق سوى الزكاة) وفاقًا. وعن ابن عباس مرفوعًا: "إن اللهَ لم يفْرِض الزكَاةَ إلَّا ليطيبَ ما بَقِي من أموَالِكُم" (٢)، وعن أبي هريرة (٣) مرفوعًا: "إذا أديتَ زكاةَ مَالِكَ، ققد قَضَيتَ ما عليكَ" رواه ابن ماجه والترمذي (٤). وقال:

стр. 2067

حسن غريب. وقال القاضي عياض (١): الجمهور: إن المراد بالحق في الآية الزكاة، وأنه ليس في المال حقٌّ سوى الزكاة، وما جاء غير ذلك، حُمِل على الندب ومكارم الأخلاق. انتهى. قلت: والمراد الراتب. وأما ما يَعرض لجائع وعارٍ وأسير ونحوه فيجب عند وجود سببه، فلا تعارض. (ومن أُبِيح له أَخْذُ شيء) قال ابن حمدان: من زكاة، وصدقة تطوَّع، وكفارة، ونذر وغير ذلك (أُبيح له سؤاله) لظاهر قوله ﷺ : "للسائِلِ حقٌّ وإنْ جَاءَ عَلى فَرَسٍ" (٢) ولأنه يطلب حقه الَّذي أُبيح له.

стр. 2068

ونَقَل الجماعة عن أحمد (١): في الرجل له الأخ من أبيه وأمه؛ ويرى عنده الشيءَ فيعجبه، فيقول: هَبْ هذا لي، وقد كان ذلك يجري بينهما، ولعلَّ المسؤول يحب أن يسأله أخوه ذلك، قال: أكره المسألةَ كلها، ولم يرخِّص فيها، إلا أنَّه بين الولد والأب أيسر،

стр. 2069

وذلك أن فاطمة: "أتَت النبيَّ ﷺ وسألَتْهُ" (١). وإن اشترى شيئًا، وقال: قد أخذتُه بكذا، فَهَبْ لي فيه كذا، فنقل محمد بن الحكم (٢) (٣): لا تعجبني هذه المسألة، قال رسول الله ﷺ : "لا تحِلُّ المسألَةُ إلَّا لثَلاثٍ" (٤). وسأله محمد بن موسى (٥): ربما اشتريتُ الشيءَ، فأقول: أرجِحْ لي؟ فقال: هذه مسألة، لا تعجبني (٦). ونقل ابن منصور: يُكره (٧).

стр. 2070

واختار المجد: لا يُكره؛ لأنه لا يلزم السائل إمضاء العقد بدونها، فتصير ثمنًا، لا هِبة. (ويَحرُم السؤال) أي: سؤال الزكاة (١) أو الكفَّارة (٢) (وله ما يُغنيه) أي: يكفيه؛ لأنه لا يَحِلُّ له أخذهما (٣) إذن، ووسائل المُحرَّم محرَّمة. (ولا بأس بمسألة شُرْبِ الماء) نص عليه (٤). واحتج بفعله ﷺ (٥)، وقال في العطشان لا يستسقي: يكون أحمق (٦). (و) لا بأس بمسألة (الاستعارة والاستقراض) نصَّ عليهما (٧). قال الآجري: يجب أن يعلم حِلَّ المسألة، ومتَى تحِلّ؟ وما قاله معنى قول أحمد في أن تَعلُّم ما يحتاج إليه لدينه فرض. (ولا) بأس (بسؤال الشيء اليسير، كَشِسعِ النعل) أي: سَيره: لأنه في معنى مسألة شُرب الماء. (وإن أعطي مالًا) طيبًا (من غير مسألة ولا استشراف نفس مما يجوز له أخذه) من زكاة أو كفارة أو صدقة تطوّع أو هِبة (وجب أخذه)
следующие страницы →