← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم. (وإطعام الجائع ونحوُه) كسقي العطشان، وإكساء العاري، وفكِّ الأسير (واجب) على الكفاية إجماعًا (١) (مع أنَّه ليس في المال حق سوى الزكاة) وفاقًا. وعن ابن عباس مرفوعًا: "إن اللهَ لم يفْرِض الزكَاةَ إلَّا ليطيبَ ما بَقِي من أموَالِكُم" (٢)، وعن أبي هريرة (٣) مرفوعًا: "إذا أديتَ زكاةَ مَالِكَ، ققد قَضَيتَ ما عليكَ" رواه ابن ماجه والترمذي (٤). وقال:

стр. 2067

حسن غريب. وقال القاضي عياض (١): الجمهور: إن المراد بالحق في الآية الزكاة، وأنه ليس في المال حقٌّ سوى الزكاة، وما جاء غير ذلك، حُمِل على الندب ومكارم الأخلاق. انتهى. قلت: والمراد الراتب. وأما ما يَعرض لجائع وعارٍ وأسير ونحوه فيجب عند وجود سببه، فلا تعارض. (ومن أُبِيح له أَخْذُ شيء) قال ابن حمدان: من زكاة، وصدقة تطوَّع، وكفارة، ونذر وغير ذلك (أُبيح له سؤاله) لظاهر قوله ﷺ : "للسائِلِ حقٌّ وإنْ جَاءَ عَلى فَرَسٍ" (٢) ولأنه يطلب حقه الَّذي أُبيح له.

стр. 2068

ونَقَل الجماعة عن أحمد (١): في الرجل له الأخ من أبيه وأمه؛ ويرى عنده الشيءَ فيعجبه، فيقول: هَبْ هذا لي، وقد كان ذلك يجري بينهما، ولعلَّ المسؤول يحب أن يسأله أخوه ذلك، قال: أكره المسألةَ كلها، ولم يرخِّص فيها، إلا أنَّه بين الولد والأب أيسر،

стр. 2069

وذلك أن فاطمة: "أتَت النبيَّ ﷺ وسألَتْهُ" (١). وإن اشترى شيئًا، وقال: قد أخذتُه بكذا، فَهَبْ لي فيه كذا، فنقل محمد بن الحكم (٢) (٣): لا تعجبني هذه المسألة، قال رسول الله ﷺ : "لا تحِلُّ المسألَةُ إلَّا لثَلاثٍ" (٤). وسأله محمد بن موسى (٥): ربما اشتريتُ الشيءَ، فأقول: أرجِحْ لي؟ فقال: هذه مسألة، لا تعجبني (٦). ونقل ابن منصور: يُكره (٧).

стр. 2070

واختار المجد: لا يُكره؛ لأنه لا يلزم السائل إمضاء العقد بدونها، فتصير ثمنًا، لا هِبة. (ويَحرُم السؤال) أي: سؤال الزكاة (١) أو الكفَّارة (٢) (وله ما يُغنيه) أي: يكفيه؛ لأنه لا يَحِلُّ له أخذهما (٣) إذن، ووسائل المُحرَّم محرَّمة. (ولا بأس بمسألة شُرْبِ الماء) نص عليه (٤). واحتج بفعله ﷺ (٥)، وقال في العطشان لا يستسقي: يكون أحمق (٦). (و) لا بأس بمسألة (الاستعارة والاستقراض) نصَّ عليهما (٧). قال الآجري: يجب أن يعلم حِلَّ المسألة، ومتَى تحِلّ؟ وما قاله معنى قول أحمد في أن تَعلُّم ما يحتاج إليه لدينه فرض. (ولا) بأس (بسؤال الشيء اليسير، كَشِسعِ النعل) أي: سَيره: لأنه في معنى مسألة شُرب الماء. (وإن أعطي مالًا) طيبًا (من غير مسألة ولا استشراف نفس مما يجوز له أخذه) من زكاة أو كفارة أو صدقة تطوّع أو هِبة (وجب أخذه)

стр. 2071

نقله جماعة، منهم الأثرم والمرُّوذي (١)، وقطع به في "المستوعب" و"المنتهى" هنا، واختار ابن حمدان: أنه يُستحبُّ، وهو معنى ما قطع به المصنف، وصاحب "المنتهى" وغيرهما في الهبة: أنه يُسنُّ القَبول، ويُكره الردُّ، وقد رَدَّ أحمد، وقال: دعنا نكون أعزَّاء (٢). (وإن استشرفت نفسُه: بأن قال: سيبعث لي فلان، أو لعلَّه يبعث لي، فلا بأس بالردِّ) نص عليه في رواية الجماعة (٣) وزاد أبو داود (٤): وكأنه اختار الرد، ونقل المرُّوذي: ردَّها. وسأله جعفر: يحرم أخذه؟ قال: لا. (وإن سأل غيره لمحتاج غيره في صدقة، أو حج، أو غزو، أو حاجة، فلا بأس) لما فيه من كشف الكُرْبة عن المسلم (والتعريض أعجب إلى أحمد) من السؤال، قال (٥): لا أحبه لنفسه، فكيف لغيره؟ يعرِّض أحب إلي. (ولو سأله من ظاهره الفقر أن يعطيه شيئًا) وأطلق، فدفع إليه، ثم اختلفا: هل هو قرض أو صدقة؟ (قُبِلَ قول الدافع في كونه قرضًا) لأنه أدرى بنيته (كسؤاله مقدارًا) (٦)، كعشرة دراهم) لأن التقدير

стр. 2072

قرينة القرض. (وإن قال) السائل: (أعطني شيئًا، إني فقير، قُبِلَ قول الفقير في كونه صدقة) عملًا بقرينة قوله: إنه فقير. (وإن أُعطيَ مالًا ليفرقه، جاز) له (أخذه) لذلك (و) جاز له (عدمه) أي: عدم الأخذ (والأولى: العمل بما فيه المصلحة) من أخذ وعدمه، وحسَّن أحمد عدم الأخذ في رواية (١)، وكان لا يعدل بالسلامة شيئًا. (الثالث: العاملون عليها) للنص (كجابٍ) للزكاة (وكاتب) على الجابي (وقاسم) للزكاة بين مستحقيها (وحاشر) أي: جامع (المواشي، وعدَّادها، وكيَّال، ووزَّان، وساع) يبعثه الإمام لأخذها (وراع، وحمَّال، وجمَّال، وحاسب، وحافظ، ومن يُحتاجُ إليه فيها) أي: في الزكاة؛ لدخولهم في مُسمَّى العامل (غير قاضٍ ووالٍ، ويأتي) لاستغنائهما بمالهما في بيت المال. (وأُجرة كَيْلِها ووَزنها في أخذها) أي: حال تسليمها (ومؤنة دفعها على المالك) لأن تسليمها عليه، فكذلك مؤنته، وأما مؤنة ذلك حال الدفع إلى أهل الزكاة فمن سهم العمال. (ويُشترط كونه) أي: العامل (مسلمًا) لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (٢)، ولأنها ولاية، ولاشتراطِ الأمانةِ أشبه الشهادة.

стр. 2073

(أمينًا) قال في "الفروع": ومرادهم بها العدالة، قال في "المبدع": وفيه نظر. (مكلَّفًا) لأنها ولاية، وغير المكلَّف مولًّى عليه. (كافيًا) في ذلك؛ لأنها نوع من الولاية، فاشترط فيها ذلك كغيرها (من غير ذوي القُربى) لأن الفضل بن العباس والمطَّلب (١) بن ربيعة سألا النبي ﷺ العمالَةَ على الصدقَات، فقال: "إن الصدَقة لا تحِلُّ لمحمدٍ ولا لآلِ محمدٍ" (٢). وهو نصٌّ في التحريم، لا تجوز مخالفته، إلا أن تدفع إليه أجرته من غير الزكاة، قاله في "المغني" و"الشرح". (ويُشتَرط علمه) أي: العامل على الزكاة (بأحكام الزكاة، إن كان من عُمَّال التفويض) أي: الذين يفوض إليهم عموم الأمر؛ لأنه إِذا لم يكن عالمًا بذلك لم تكن فيه كفاية له. (وإن كان) العامل (منفِّذًا، وقد عيّن له الإمام ما يأخده، جاز أن لا يكون عالمًا) بأحكام الزكاة (قاله القاضي) في "الأحكام السلطانية" (٣)؛ لأنه ﷺ كانَ يبْعَثُ العمَّال ويكتبُ لهم ما يأخُذُونَ (٤).

стр. 2074

وكذلك كتب أبو بكر لعُمَّاله (١). (ولا يُشترط حُريته) لحديث أنس مرفوعًا: "اسْمعوا وأطِيعوا وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبشِيٌّ، كأنَّ رأسَهُ زبِيبَةٌ" رواه أحمد والبخاري (٢)؛ ولأن العبد يحصُل منه المقصود، أشبه الحُرَّ.

стр. 2075

(ولا) يُشترط (فقره) إجماعًا (١)، لحديث أبي سعيد يرفعه: "لا تحلُّ الصدقَةُ لِغنيٍّ، إلا لخمسةٍ: لعاملٍ، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل اللهِ، أو مسكينٍ تُصدق عليه منها، فأهدى منها لغني". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢).

стр. 2076

قال في "الفروع": وظاهره لا تُشترط ذكوريته، وهذا متوجه. قال في "المبدع" (١): وفيه نظر من جهة أنه لم يَرِد ما يدلُّ عليه، ومن تعليلهم بالولاية، فلهذا قال: (واشتراطُ ذكوريته أَولى) من القول بعدم اشتراطها، وكأنهم لم ينصوا على ذلك لوضوحه. (وما يأخذه العاملُ) من الزكاة، فهو (أُجرته) ولذلك جاز مع غناه. (ويجوز أن يكون الراعي والحمَّال) للزكاة (ونحوهما) كالسائق (كافرًا، أو عبدًا، أو غيرهما ممن مُنِعَ الزكاة) كذوي القُربى. قال في "الإنصاف": بغير خلاف نعلمه (لأن ما يأخذه أُجرة لعمله، لا لعِمالته) بخلاف الجابي لها ونحوه. (وإن وكَّل) مسلم (غيرَه في تفرفة زكاته، لم يدفع إليه من سهم العامل، ويأتي) لأنه ليس بعامل، بل وكيل. (وإن تَلِف المال) أي: الزكاة (بيده) أي: العامل (بلا تفريط، لم يضمَن) لأنه أمين (وأُعطي أُجرته من بيت المال) لأنه لمصالح المسلمين، وهذا منها (وإن لم تتلف) الزكاة (فـ) إنه يُعطى أجرته (منها، وإن كان) أجره (أكثر من ثمنها) لأن ما يأخذه العامل أجرة في المنصوص عنه (٢). (وإن رأى الإمام إعطاءه) أي: العامل (أُجرته من بيت المال) ويوفِّر الزكاة على باقي الأصناف، فَعَلَ (أو) رأى الإمام أن (يجعل له

стр. 2077

رزْقًا فيه) أي: في بيت المال نظير عمالته (ولا يعطيه منها شيئًا، فَعَل) الإمام ما أداه إليه اجتهاده، مع عدم المفسدة. (ويخيَّرُ الإمام في العامل، إن شاء أرسله) لقبض الزكاة (من غير عَقْدٍ ولا تسمية شيء، وإن شاء عَقَدَ له إجارة) بأجر معلوم، إما على عمل معلوم، أو مدة معلومة (ثم إن شاء) الإمام (جعل له) أي: للعامل (أَخذ الزكاة وتفريقَها) كما تقدم في قصة معاذ ﵁، حين بعثه النبي ﷺ لليمن (١) (أو) جعل له (أَخذها فقط) ويفرِّقها الإمام، وهذا واضح، إذا كان في البلد وما دون المسافة، وإلا، فقد تقدم (٢): يحرم نقل الزكاة إلى بلد تُقصر إليه الصلاة، حتى من الساعي. (وإن أذن) الإمام (له) أي: العامل (في تفريقها، أو أطلق) فلم يأمره بالتفريق، ولم ينهه عنه (فله ذلك) أي: تفريقها في مستحقيها؛ لما روى أبو داود: "أن زيادًا ولَّى عمرانَ بن حصَين الصدَقَةَ، فلما جاءَ قِيل لهُ: أينَ المالُ؟ قال: أو لك مالٌ؟ بَعَثْتني (٣)، أخَذْنَاها كما (٤) نأخُذُها على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ ، ووضَعنَاها حيثُ كنا نضعها على عهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (٥). (وإلا) بأن قال له: لا تفرقها، (فلا)

стр. 2078

يفرقها؛ لقصور ولايته. (وإذا تأخَّر العامل بعد وجوب الزكاة تشاغلًا بأخذها) أي: الزكاة (من ناحية أخرى، أو عُذر غيره، انتظره أرباب الأموال، ولم يخرجوا) زكاتهم لأنفسهم؛ لأنه لا يقدر على أخذها إلا من طائفة بعد طائفة، قاله في "الأحكام السلطانية" (١). ولعله إذا خشوا ضررًا بالإخراج، وإلا؛ فهو واجب على الفور، حيث لا عذر (وإلا) أي: وإن لم يكن تأخره لعذر (أخرجوا) أي: أرباب الأموال زكاتهم (بأنفسهم) لتعذُّر الدفع إليه (باجتهاد) إن كانوا من أهله (أو تقليد) مجتهد، إن لم يكونوا أهلًا للاجتهاد (ثم إذا حضر العامل، وقد أخرجوا) زكاتهم بأنفسهم (وكان اجتهادُه مؤدِّيًا إلى إيجاب ما أسقط ربُّ المال، أو) إلى (الزيادة على ما أخرجه ربُّ المال، نظر، فإن كان وقت مجيئه) أي: العامل (باقيًا) عادة (فاجتهاد العامل أمضى) من اجتهاد ربِّ المال؛ لئلا تكون مبادرته سببًا لإسقاط بعض الزكاة (وإن كان) وقت مجيء العامل عادة (فائتًا، فاجتهاد ربِّ المال أنفذ) فلا ينقضه العامل؛ لأنه فعل ما عليه بلا تهمة. (وإن أسقط العامل) عن ربِّ المال بعض الزكاة (أو أخذ) العامل (دون ما يعتقده المالك) واجبًا عليه (لزمه) أي: ربُّ المال (الإخراج)

стр. 2079

أي: إخراج ما بقي عليه من الواجب (فيما بينه وبين الله تعالى) لأنه معترف بوجوب ما عليه لأهل السُّهمان. (وإن ادَّعى المالك دَفْعَها) أي: الزكاة (إلى العامل، وأنكر) العامل قَبْضَها منه (صُدِّق المالك في الدفع) إليه؛ لأنه مؤتمن بلا يمين، كما تقدم (وحَلَفَ العاملُ) أنه لم يأخذها منه؛ لأنه منكر (وبرئ) العامل للفقراء، فلا يرجعون عليه بها. (وإن ادَّعى العامل دَفْعَها إلى الفقير) ونحوه (فأنكر) الفقير ونحوه (صُدِّق العامل في الدفع) إلى الفقير؛ لأنه أمين (و) صُدِّق (الفقير في عدمه) أي: عدم الأخذ؛ لأنه منكر. قال في "شرح المنتهى": وظاهره بلا يمين. (ويُقبل إقرارُه) أي: العامل (بقبضها) أي: الزكاة من ربِّها (ولو عُزِل) العامل، كحاكم أقرَّ بحكمه بعد عزله. (و إن عَمِل إمام أو نائبه على زكاة، لم يكن له أخذ شيء منها) أي: الزكاة (لأنه يأخذ رزقه من بيت المال. ويُقدَّم العامل بأُجرته على غيره من أهل الزكاة) لأنه يأخذ في مقابلة عمله، بخلافهم. ولهذا إذا عَجَزت الصدقة عن أجره، تُمِّم له من بيت المال، ثم يُعطى الأهم فالأهم، وأهمهم أشدهم حاجة. (و إن أُعطي) العامل من الزكاة (فله الأخذ، وإن تطوَّع بعمله ؛ لقصة عمر) ﵁، وهي أنه ﷺ أمرَ لهُ بعُمالة، فقال: إنما عمِلْتُ لله، فقال. "إذا أُعطيتَ شيئًا من غير أن تسألَ، فكلْ وتصَدَّقْ".

стр. 2080

متفق عليه (١). (وتُقبل شهادة أرباب الأموال عليه) أي: العامل (في وضعها غير موضعها) المشروع وضعها فيه؛ لأنهم لا يدفعون عنهم بها ضررًا، لبراءتهم بالدفع إليه مطلقًا. و (لا) تُقبل شهادتهم عليه (في أخذها منهم) لأنها شهادة لأنفسهم، لكنهم يُصَدَّقون بلا يمين، كما تقدم. (وإنْ شَهِدَ به) أي: بأخذ العامل الزكاة (بعضُهم) أي: بعض أرباب الأموال (لبعض قَبْلَ التناكر والتخاصم) بينهم وبين العامل (قُبِلَ) منهم ذلك؛ لعدم المانع (وغُرِّم العامل) للفقراء ما ثبت عليه أخذه (وإلا) بأن كان بعد التناكر والتخاصم (فلا) تُقبَل شهادة بعضهم لبعض، للعداوة. (وإن شَهِدَ أهل السُّهمان) -بضم السين- أي: جمع سهم كالسهام، وهم أهل الزكاة القابضون لها (له) أي: للعامل (أو عليه، لم يقبل) منهم ذلك؛ لما فيها من جَلْبِ النفع. (ولا يجوز له) أي: العامل (قَبول هديةٍ من أرباب الأموال) لحديث: "هَدَايَا العمّالِ غلولٌ" (٢).

стр. 2081

(ولا) يجوز له -أيضًا - (أَخْذُ رشوة) بتثليث الراء، وهي ما بعد طلب، والهدية قبله (ويأتي عند هدية القاضي) في باب أدب القاضي بأوضح من هذا. (وما خان) العامل (فيه أَخَذَه الإمام) ليرده إلى مستحقِّه، لقوله

стр. 2082

- ﷺ : "من استَعْمَلْنَاهُ على عملٍ (١) فَمَا أخَذ بعدَ ذَلك فهو غُلولٌ" رواه أبو داود (٢). و (لا) يأخذه (أرباب الأموال) لأنه زكاة، لكن إن أخذ منهم شيئًا ظلمًا بلا تأويل؛ فلهم أخذه. (قال الشيخ (٣): ويلزمه رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه) وقال ابن تميم: لا يلزمه، واقتصر عليه في "المبدع". (الرابع: المؤلَّفةُ قلوبهم) للنص (وحكمهم باقٍ) لأنه ﷺ : "أعطَى المؤلّفةَ من المسلِمينَ والمشركينَ" (٤) فيعطون عند الحاجة،

стр. 2083

ويُحْملَ تَرْك عمر وعثمان وعليٍّ (١) إعطاءهم على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر ما نزل، وأعطى أبو بكر عديَّ بن حاتم (٢)، والزبرقان بن بدر (٣). ومَنْعُ وجودِ

стр. 2084

الحاجة على ممرِّ الزمان، واختلافِ أحوال النفوس في القوة والضعف لا يخفى فساده. (وهم روساءُ قومهم) وكذا في "المقنع" وغيره، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، فمن لم يكن كذلك لا يُعطى من الزكاة للتأليف، وإن خُشي شرّه بانضمامه إلى ظالم لعدم تناول اسم المؤلَّف له (من كافر يُرجى إسلامه، أو كفُّ شره) لما روى أبو سعيد قال: "بعثَ عليٌّ -وهو باليمن- بذهيبة فقسمَهَا رسول الله ﷺ بين أربعةِ نفرٍ: الأقرع بنِ حابسٍ الحنظلي، وعُيينةَ بنِ بدرٍ الفزاريِّ، وعلقمةَ بنِ عُلاثَةَ العامريِّ، ثم أحد بني كلابٍ، وزيدِ الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان، فغضبتْ قريش، وقالوا: تعطي صناديدَ نجدٍ وتدعُنَا؟ فقال: "إنِّي إنما فعلتُ ذلك لأتَألفَهُمْ" متفق عليه (١). قال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢): وإنما الذي يؤخذ من أموال أهل اليمن الصدقة. (و) من (مسلم يُرجى بعطيته قوةُ إيمانه) لما روى أبو بكر (٣) في

стр. 2085

كتاب التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) قال: "همْ قومٌ كانُوا يأتُونَ رسولَ اللهِ ﷺ وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يرضَخُ لهمْ من الصدَقاتِ، فإذا أعطَاهُم من الصدَقَةِ قالُوا: هَذا دِينٌ صَالِحٌ، وإن كَان غَيرَ ذلِكَ عَابُوه". (أو يُرجى) بعطيته (إسلامُ نظيره) لأن أبا بكر أعطى عديَّ بن حاتم والزبرقان بن بدر (٢)، مع حسن نياتهما وإسلامهما، رجاء إسلام نظرائهما. (أو) يُرجى بعطيته (نُصحُه في الجهاد، أو) في (الدفع عن المسلمين) بأن يكونوا في طرف بلاد الإسلام، وإذا أعطوا من الزكاة دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين، وإلا فلا. (أو كَفُّ شرِّه كالخوارج ونحوهم، أو قوةٌ على جباية الزكاة ممن لا يعطيها) بأن يكونوا إذا أُعطوا من الزكاة جَبَوها ممن لا يعطيها (إلا أن يُخَوَّف ويهدد، كقوم في طرف بلاد الإسلام، إذأ أعطوا من الزكاة جَبَوها منه) أي: ممن لا يعطيها إلّا بالتخويف والتهديد. (ويُقبل قوله في ضعف إسلامه) لأنه لا يُعلم إلا من جهته، و (لا) يُقبل قوله (إنه مُطاعٌ في قومه إلا ببينة) لأنه لا يتعذر إقامة البينة عليه. (ولا يحلُّ للمؤلَّف المسلم ما يأخذه إن أعطي ليكفَّ شرَّه،

стр. 2086

كالهدية للعامل) والرشوة (وإلا) أي: وإن لم يكن أعطي ليكف شره، كأن أعطي ليقوى إيمانه أو إسلام نظيره، أو نصحه في الجهاد، أو الدفع عن المسلمين ونحوه (حلَّ) له ما أخذه، كباقي أهل الزكاة. (الخامس: الرقاب) للنص (وهم المُكاتَبون المسلمون الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب) نص عليه (١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢) قال في "المبدع": لا يختلف المذهب أنّهم، أي: المُكاتَبون من الرقاب، بدليل قوله: أعتقت رقابي، فإنه يشملهم، وفي قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية (٣) إشعار به، ولأنه يملك المال على سيده، ويصرف إليه أرش جنايته، فكان له الأخذ منها إن لم يجد وفاء، كالغريم. (ولا يدفع) من الزكاة (إلى من عُلِّق عتقه على مجيء المال) لأنه ليس كالمُكاتَب، إذ لا يملك كسبه (٤)، ولا يصرف إليه أرش جنايته، فالإعطاء له إعطاء لسيده، لا في الرقاب. (وللمُكاتَب الأخذ قبل حلول نجم) لئلا يؤدي إلى فسخها عند حلول النجم، ولا شيء معه. (ولو تلفت) الزكاة (بيده) أي: المُكاتَب (أجزأت) ربها، لوجود الإيتاء المأمور به (ولم يغرمها، سواء عتق أم لا) كالغارم، وابن

стр. 2087

السبيل. (ولو دُفع إليه) أي: المُكاتَب (ما يقضي به دينه، لم يجز له أن يصرفه في غيره) لأنه إنّما يأخذ أخذًا مراعى (ويأتي قريبًا. ولو عَتَق) المُكاتَب (تبرُّعًا من سيده أو غيره، فما معه منها) أي: الزكاة (له) أي: للمُكاتَب (في قول) قدَّمه في "الرعايتين" و"الحاويين"، وقيل: مع فقره. وقيل: بل للمعطي، اختاره أبو بكر والقاضي، قاله في "الحاويين"، وقدَّمه في "المحرر"، وقيل: بل هو للمكاتبين، قاله في "الإنصاف"، وصحَّح في "تصحيح الفروع": أنه يرد ما فضل إذا عتق بأداء أو إبراء. وقال: جزم به في "الكافي" و"المقنع"، و"الإفادات" و"الوجيز"، و"تذكرة ابن عبدوس"، و"إدراك الغاية" وغيرهم. انتهى. وهو معنى ما جزم به المصنف فيما يأتي من قوله: وما فضل مع غارم ومكاتب - إلى آخره. (ولو عَجَز) المكاتب (أو مات وبيده وفاء، أو اشترى بالزكاة شيئًا، ثم عَجَز والعِوض بيده، فهو لسيده) كسائر ماله. (ويجوز الدفع) أي: دفع الإمام أو المالك الزكاة (إلى سيده) أي: سيد المُكاتَب (بلا إذنه) أي: إذن المُكاتَب، كوفاء دين المدين بها (وهو) أي: دفع الزكاة إلى سيد المُكاتَب (الأَولى) من دفع الزكاة إلى المُكاتَب؛ لما ذكره بقوله: (فإن رَقَّ) المُكاتَب (لعجزه) عن الوفاء (أُخذت من سيده) بخلاف ما لو دفعت للمُكاتَب، ثم دفعها لسيده، كما تقدم.

стр. 2088

(ويجوز أن يَفدي بها) أي: الزكاة (أسيرًا مسلمًا في أيدي الكفار) نص عليه (١)؛ لأنه فكّ رقبةٍ منْ الأسر، فهو كفك رقبة العبد من الرق؛ ولأن فيه إعزاز الدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم؛ ولأنه يدفعه إلى الأسير لفكِّ رقبته من الأسر، أشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدَّين (قال أبو المعالي: ومثله لو دفع إلى فقير مسلم غَرَّمَه سلطان مالًا، ليدفع جَوْره. ويجوز أن يشتري منها) أي: الزكاة (رقبةً يعتقها) رُوي عن ابن عباس (٢)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٣) وهو متناول للقِنِّ، بل ظاهر فيه، فإن الرقبة تنصرف إليه إِذا أطلقت، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤).

стр. 2089

و (لا) يجوز أن يشتري من الزكاة (من يَعتق عليه بالشراء، كرَحِم محرَّم) كأخيه وعمه؛ لأن نفع زكاته عاد إلى رَحِمه المحرَّم، فلم يجز، كما لو دفعها إلى أبيه (ولا إعتاق عبده أو مكاتبه عنها) أي: عن الزكاة، ولو كان ماله عبيدًا للتجارة؛ لأن ذلك ليس إيتاء للزكاة، وهو بمنزلة إخراج العروض أو القيمة. (ومن أَعتق من الزكاة) رقيقًا (فما رجع من ولائه) إذا مات عن غير وارث يستغرق (رُدَّ في عِتقٍ مثله، في رواية) صححها في الإنصاف. وقيل: وفي الصدقات أيضًا. قدمه ابن تميم. انتهى. قلت: يأتي في العتق أنه إن كان المعتق ربَّ المال، فالولاء له: لحديث: "إنما الولاء لمن أعتق" (١). (وما أعتقه الساعي من الزكاة) أو الإمام منها (فولاؤه للمسلمين) لأنه نائب عنهم (وأما المُكاتَب) إذا عتق بأدائه مال الكتابة من الزكاة، (فولاؤه لسيده) للحديث؛ لأنه عتق بسبب كتابته.

стр. 2090

(ولا يُعطى المُكاتَب لجهة الققر؛ لأنه عبدٌ) ما بقي عليه درهم، والعبد لا يُعطى لفقره. (السادس: الغارمون) للنص (وهم المَدينون) كذا فسَّره الجوهري (١) (المسلمون، وهم ضربان: أحدهما: من غَرِمَ لإصلاح ذات البين، ولو) كان الإصلاح (بين أهل ذِمَّة، وهو) أي: من غَرِمَ لإصلاح ذات البين (من تحمَّل -بسبب إتلاف نفس، أو مال، أو نَهْبٍ- ديةً، أو مالًا؛ لتسكين فتنة وقعت بين طائفتين، ويتوقَّفُ صُلحهم على من يتحمَّل ذلك) فيتحمل إنسان، ثم يخرج في القبائل، فيسأل حتى يؤديه. فورد الشرع بإباحة المسألة فيه، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ﴾ (٢) أي: وصلكم، والبين: الوصل، والمعنى: كونوا مجتمعين على أمر الله تعالى. وعن قَبيصة بن المُخارق الهلالي قال: "تحمّلْتُ حمالةً، فأتيتُ النبي ﷺ ، وسألتهُ فِيهَا، فقال: أقم يا قَبيصَةُ، حتى تأتينا الصدقةُ، فنأمرَ لكَ بها، ثم قال: يا قَبيصَةُ إن المسْأَلَة لا تحِلُّ إلَّا لثلاثة: رجل تَحمَّل حَمَالةً، فيسألُ فيها حتى يؤدِّيهَا، ثم يمْسِكُ ورجلٍ أصابته جَائِحَةٌ فاجْتَاحَت مَالهُ، فحلَّت لهُ المسألَةُ حتىْ يُصِيبَ سَدادًا من عَيشٍ، أو قوامًا من عيشٍ؛ ورجلٍ أصابته فاقةٌ، حتى يشهد ثلاثة من ذَوي الحِجا من قومِهِ: لقد أصابت فلانًا فاقَةٌ، فحلَّت له المسألةُ حتى

стр. 2091

يصيبَ سَدادًا من عَيشٍ أو قوامًا من عيشٍ، وما سوى ذلك فهو سُحْتٌ يأكلُها صاحبُها سحْتًا يومَ القيامةِ" (١). والمعنى شاهد بذلك؛ لأنه إنما يلتزم في مثل ذلك المال العظيم الخطير، وقد أتى معروفًا عظيمًا، وابتغى صلاحًا عامًّا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، وتوفير ماله عليه؛ لئلا يجحف بمال المصلحين، أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن وكفّ المفاسد. (فيُدفع إليه ما يؤدِّي حَمالته) بفتح الحاء، أي: المال الذي تحمَّله لذلك، (وإنْ كان غنيًّا) لما تقدم من حديث قَبيصة (أو) كان (شريفًا) أي: من بني هاشم؛ لأن منعه من أخذها لفقره؛ صيانة له عن أكلها، لكونها أوساخ الناس؛ وإذا أخذها للغرم؛ صرفها إلى الغرماء، فلا يناله دناءة وسخها. (وإن كان قد أدَّى ذلك) أي: ما تحمَّله (لم يكن له أن يأخذ) بدله من الزكاة (لأنه قد سقط الغُرْم) فخرج عن كونه مدينًا. (وإن استدان) الحَمَالة (وأداها، جاز له الأخذ) من الزكاة؛ (لأن الغُرْم باق) فلم يخرج عن كونه مدينًا بسبب الحَمَالة. (ومن تحمَّل بضمان أو كفالة عن غيره مالًا، فحكمه حكم من غَرِم لنفسه) وظاهر "المنتهى": أنّه من قسم الغارم عن غيره (فإن كان الأصيل والحميل) أي: الضامن أو الكفيل (معسرين، جاز الدفع) أي: دفع قَدْر الدين من الزكاة (إلى كل منهما) لأن كلًّا منهما مدين

стр. 2092

(وإن كانا موسرين، أو) كان (أحدهما) موسرًا (لم يجز) الدفع إليهما، ولا إلى أحدهما. (ويجوز الأخذ) من الزكاة (لقضاء دين الله تعالى) من كفارة ونحوها، كدين الآدمي (ويأتي). الضرب (الثاني) من ضربي الغارم: (من غَرِم لإصلاح نفسه في مباح) كمن استدان في نفقة نفسه وعياله، أو كسوتهم، وخرج بالمباح ما استدانه وصرفه في معصية، كشرب الخمر والزنى (حتى في شراء نفسه من الكفَّار، فيأخذ) الغارم لنفسه (إن كان عاجزًا عن وفاء دينه. ويأخذ هو) أي: الغارم لنفسه (ومن غَرِمَ لإصلاح ذات البين، ولو قبل حلول دينهما) لظاهر خبر قَبيصة السابق، وقِيسَ عليه الغارم لنفسه. (وإذا دُفع إليه) أي: الغارم (ما يقضي به دينه، لم يجز) له (صَرْفه في غيره، وإن كان فقيرًا) لأنه إنما يأخذ أخذًا مراعى (وإن دُفع إلى الغارم) من الزكاة (لفقره، جاز أن يقضي به دينه) لملكه إياه ملكًا تامًّا. إذا تقرر ذلك؛ (فـ) قاعدة (المذهب) كما ذكره المجد وتبعه في "الفروع" وغيره (أن من أخذ بسببٍ يستقرُّ الأخذ به، وهو الفقر والمَسْكنة، والعمالة، والتألُّف، صَرَفه فيما شاء كسائر ماله) لأن الله تعالى أضاف إليهم الزكاة بلام الملك (وإن لم يستقرَّ) الأخذ بذلك السبب (صَرَفه) أي: المأخوذ (فيما أخذه له خاصة؛ لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه) وإنما يملكه مراعى، فإن صرفه في الجهة التي

стр. 2093

استحق الأخذ فيها، وإلا، استرجع منه، كالذي يأخذه المكاتب، والغارم، والغازي، وابن السبيل؛ لأن الله تعالى أضاف إليهم الزكاة بـ"في"، وهي للظرفية، ولأن الأربعة الأُول يأخذون لمعنى يحصُل بأخذهم، وهو غناء الفقراء والمساكين، وتأليف المؤلَّفة، وأداء أجرة العاملين، وغيرهم يأخذ لمعنى لم يحصُل بأخذه للزكاة، فافترقا (ولهذا يُستردُّ) المأخوذُ زكاةً (منه) أي: من المُكاتب، والغارم، والغازي، وابن السبيل (إذا برئ (١)) المكاتب، أو الغارم (أو لم يغز) الآخذ للغزو، أو فَضَل معه أو مع ابن السبيل شيء. (وإن وكَّل الغارم من عليه الزكاة) أي: رب المال (قبل قبضها منه بنفسه أو نائبه في دفعها إلى الغريم عن دينه، جاز) ذلك، وبرئ من الزكاة بدفعه إليه، وكذا المُكاتَب أو (٢) وكَّل رب المال في وفاته دبن كتابته. (وإن دفع المالك) زكاة (إلى الغريم) عن دين الغارم (بلا إذن الفقير) الغارم (صح) وبرئ؛ لأنه في دفع الزكاة في قضاء دين المدين، أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه. (كما أن للإمام قضاء الدين عن الحي من الزكاة بلا وكالة) لولايته عليه في إيفائه، ولهذا يجبره عليه إذا امتنع. (السابع: في سبيل الله) للنص (وهم الغزاة) لأن السبيل عند

стр. 2094

الإطلاق هو الغزو، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ (١) وقوله: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى غير ذلك، ولا خلاف في استحقاقهم، وبقاء حكمهم إذا كانوا متطوّعة، وهو المراد بقوله: (الذين لا حقَّ لهم) أي: لا شيء لهم مقدَّر (في الديوان) لأن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغنٍ به (فيُدفع إليهم كفاية غزوهم، وعودهم، ولو مع غناهم) لأنه مصلحة عامة (ومتى ادَّعى أنه يريد الغزو، قُبل قوله) لأن إرادته أمر خفي لا يعلم إلا منه (ويُدفع إليه دفعًا مراعى) فإن صرفه في الغزو، وإلا، ردَّه. (فيُعطى) الغازي (ثمن السلاح، و) ثمن (الفرس، إن كان فارسًا، وحُمُولته) أي: ما يحمله من بعير ونحوه (و) ثمن (درعه؛ وسائر ما يحتاج إليه) من آلات، ونفقة ذهاب وإقامة بأرض العدوِّ، ورجوع إلى بلده (ويُتمَّم لمن أخذ) من الغزاة (من الديوان دون كفايته من الزكاة) فيُعطى منها تمام كفايته. (ولا يجوز لربِّ المال أن يشتري ما يَحتاج إليه الغازي) من سلاح وخيل ونحوه (ثم يصرفه إليه) أي: إلى الغازي (لأنه قيمة) أي: إخراج قيمة، وقد تقدم أنه لا يجزئ. (ولا) يجوز لربِّ المال (شراؤه فرسًا منها) أي: الزكاة (يصير حبيسًا) أي: يُحَبِّسهُ على الغزاة (ولا) شراؤه (دارًا أو ضيعة للرباط أو

стр. 2095

يقفها على الغزاة، ولا غزوه على فرس أخرجه من زكاته) لأنه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفًا لزكاته، كما لا يجوز أن يقضي بها دينه. (فإن اشترى الإمام بزكاة رجل فرسًا، فله) أي: الإمام (دفعها إليه) أي: إلى ربِّ المال (يغزو عليها) وكذا لو اشترى بزكاته سلاحًا أو درعًا ونحوه؛ لحصول الإيتاء المأمور به، وأخذه لها بعد بسبب متجدد (كما لَه) أي: الإمام (أن يردَّ عليه زكاته لفقره أو غُرْمه) لأنه أخذ بسبب متجدد، كما لو عادت إليه بإرث أو هبة. (ولا يحج أحدٌ بزكاةِ ماله، ولا يغزو) بزكاة ماله (ولا يحجُّ بها عنه ولا يُغزَى) بها عنه؛ لعدم الإيتاء المأمور به، ويؤخذ منه صحة الاستنابة في الغزو، وفيه شيء. (و الحجُّ من السبيل نصًّا (١)) رُوي عن ابن عباس (٢) وابن عمر (٣)، لما روى أبو داود: أن رجلًا جعَلَ نَاقَةً في سَبِبل اللهِ، فأرادَت امرأتُهُ الحجَّ، فقال لها النبيُّ ﷺ : "اركبِيهَا، فإن الحجَّ منْ سَبِيلِ اللهِ" (٤).

стр. 2096

(فيأخذ إن كان فقيرًا) من الزكاة (ما يؤدي به فرض حج، أو) فرض (عُمْرة، أو يستعين به فيه) أي: في فَرْض الحج والعمرة؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض، وأما التطوُّع فله عنه مندوحة. وذكر القاضي جوازه في النقل كالفرض، وهو ظاهر كلام أحمد (١) والخرقي، وصحَّحه بعضهم؛ لأن كلًّا من سبيل الله، والفقير لا فرض عليه، فهو منه كالتطوع. (الثامن: ابن السبيل) للنص. والسبيل: الطريق، وسُمِّي المسافر ابنًا له، لملازمته له، كما يقال: ولد الليل، إذا كان يكثر الخروج فيه، وكما يقال لطير الماء: ابن الماء؛ لملازمته له (وهو المسافر المنقطع به) أي: بسفره (في سفر طاعة) كالسفر للحج، والعلم الشرعي وآلاته، وصِلَة الرحم (أو) سفر (مباح) كطلب رزق (دون

стр. 2097

المنشئ للسفر من بلده) لأن الاسم لا يتناوله حقيقة، وإنما يصير ابن سبيل في ثاني الحال (وليس معه) أي: المنقطع بغير بلده (ما يوصله إلى بلده، أو) يوصله إلى (منتهى قصده) بأن انقطع قبل البلد الذي قصده، وليس معه ما يوصله إليه (وعوده إلى بلده) لأن فيه إعانة على بلوغ الغرض الصحيح (ولو مع غناه ببلده) لأنه عاجز عن الوصول إلى ماله، وعن الانتفاع به، فأشبه من سقط متاعه في البحر أو ضاع (فيُعطى) ابن السبيل (لذلك) للنص (ولو وَجَد من يُقرِضه) ذكره الشارح وغيره، خلافًا للمجد؛ لما فيه من ضرر القرض. (فإن كان) ابن السبيل (فقيرًا في بلده، أُعطي لفقره) ما يكفيه سنة (و) أُعطي (لكونه ابن سبيل ما يوصِّله) إلى بلده، وكذا لو اجتمع في غيره سببان، ويأتي. (ولا يُقبل) قوله: (إنه ابنُ سبيل إِلا ببينة) لأن الأصل عدمه، (وإن ادَّعى) ابن السبيل (الحاجةَ، ولم يُعرف له مال في المكان الذي هو فيه) قُبِلَ قوله بغير بينة؛ لأن الأصل عدم المال (أو ادَّعى إرادة الرجوع إلى بلده، قُبِلَ قوله بغير بينة) لأن ذلك لا يُعلم إلا منه. (وإن عُرِفَ له) أي: لابن السبيل (مال في المكان الذي هو فيه، لم تُقبل دعوى الحاجة) لأنها خلاف الظاهر (إِلا ببينة) تشهد بحاجته. (ويُعطَى الفقير والمسكين تمام كفايتهما سَنة) لأن وجوب الزكاة يتكرر كل حول، فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله.

стр. 2098

(و) يُعطى (العاملُ قَدْر أُجرة مثله، ولو جاوزت الثُّمن) لأن الذي يأخذه (١) بسبب العمل، فوجب أنْ يكون بمقداره. (ويُعطى مُكاتَب وغارم ما يقضيان به دينهما) لأن حاجتهما إنما تندفع بذلك (ولو دينًا لله تعالى) كدين الآدمي؛ لأنه أحق بالوفاء (وليس لهما) أي: المُكاتَب والغارم (صَرْفه إلى غيره، كغاز) وابن سبيل (وتقدم) موضحًا قريبًا (٢). (و) يُعطى (المؤلَّف ما يحصُل به التأليف) لأنه المقصود. (و) يُعطى (الغازي ما يحتاج إليه لغزوه، وإن كَثُر) ذلك؛ لأن المقصود لا يحصُل إلا به. (ولا يُزاد أحدٌ منهم) أي: من أهل الزكاة عن ذلك؛ لأن الدفع للحاجة، فيتقيد بها (ولا ينقص) أحد منهم (عن ذلك) لعدم اندفاع حاجته إذن. (ومن كان) من الفقراء والمساكين (ذا عيال، أخذ ما يكفيهم) لأن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. (ولا يُعطى أحد منهم) أي: المذكورين من أصناف الزكاة (مع الغنى) لقوله ﷺ : "لا تحِلُّ الصدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولا ذِي مِرَّةٍ سَويٍّ". رواه

стр. 2099

أبو داود والترمذي (١) من حديث عمرو (٢) بن العاص. والمرّة: القوة والشدة. والسوي: المستوي الخلق، التام الأعضاء (إلا أربعة: العامل) قال في "الشرح" و"المبدع": بغير خلاف نعلمه (والمؤلَّف) لأن إعطاءهم لمعنى يعمُّ نفعه كالغازي (والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين، ما لم يكن دفعها) أي: الحَمَالة (من ماله، وتقدم) (٣) في الباب؛ لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلا لغازٍ في سبيلِ اللهِ، أو لعامِلٍ عليهَا، أو لِغارِمٍ". رواه أبو داود (٤). ولأنه تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين، وعدَّ بعدهما بقية الأصناف، ولم

стр. 2100

يشترط فيهم الفقر، فدلَّ على جواز الأخذ مع الغِنى. (وإن فَضَلَ مع غارم ومُكاتَب، حتى ولو سقط ما عليهما ببراءة أو غيرها، و) فضل مع (غاز وابن سبيل شيء بعد حاجتهم، لزمهم ردُّه، كما لو أخذ شيئًا لفكّ رقبته، وفَضَل منه) شيء، لزمه ردّه؛ لأنهم لا يملكون ذلك من كلِّ وجه، بل ملكًا مراعى؛ ولأن السبب زال، فيجب ردّ الفاضل لزوال الحاجة. (وإن فَضَلَ مع المُكاتَب شيء عن حاجته من صدقة التطوُّع، لم تُسترجع منه) لأن صدقة التطوع لا يعتبر فيها الحاجة، بخلاف الزكاة. وإن تلف في أيديهم بغير تفريط، فلا رجوع عليهم. (والباقون) وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلَّفة قلوبهم (يأخذون أخذًا مستقرًا، فلا يَردُّون شيئًا) لأنهم ملكوها ملكًا مستقرًا، وتقدم الفرق بينهم قريبًا (١). (ولو ادَّعى الفقر من عُرف بغنى، أو ادَّعى إنسان أنه مُكاتَبٌ، أو غارم لنفسه، لم يقبل إلا ببينة) لأن الأصل عدم ما يدعيه، وبراءة الذمة (بخلاف غاز) فإذا ادعى إرادة الغزو أعطي مراعى، وكذا لو ادعى ابن السبيل إرادة العود، وتقدم (٢). (ويكفي اشتهارُ الغرم لإصلاح ذات البين) أي: استفاضته، فتقوم مقام البينة به (فإنْ خفي) الغُرْم لإصلاح ذات البين (لم يُقبل إلا ببينة)

стр. 2101

لأن الأصل عدمه. (والبينة فيمن عُرف بغنى ثلاثة رجال) لما تقدم في حديث قَبيصة، من قوله ﷺ : "ولا تحلُّ (١) المسألَةُ إلَّا لأحدِ ثلاثَةٍ: رجلٍ أصابتْهُ فاقةٌ حتى يشهدَ له ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قَوْمِهِ: لقد أصابت فلانًا فَاقَةٌ، فحلَّت لهُ المسألَةُ حتى يُصِيبَ قوامًا من عيشٍ، أو سدَادًا (٢) من عيشٍ". رواه مسلم (٣). (وإن صدَّق المُكاتَب سيده) قُبِلَ وأُعطي؛ لأن الحق في العبد للسيد، فإذا أقر بانتقال حقه عنه قُبل (أو) صدق (الغارم غريمه، قُبِلَ، وأُعطي) لأنه في معنى المُكاتَب. وفيه وجه: لا يقبل؛ لجواز تواطئهما على أخذ المال. (وإن ادعى الفقر من لم يُعرف بالغنى قُبِلَ) قوله؛ لأن الأصل استصحاب الحال السابقة، والظاهر صدقه. (وإن كان جَلْدًا) بفتح الجيم وسكون اللام، أي: شديدًا قويًّا (وعُرِف له كسب) يكفيه (لم يجز إعطاؤه، ولو لم يملك شيئًا) لأنه غني بكسبه (فإن لم يُعرف) له مال (وذكر أنه لا كسب له، أعطاه من

стр. 2102

غير يمين) لأن النبي ﷺ لم يحلِّف على ذلك (١) (إذا لم يُعلَم كذبه) فإن علمه لم يعطه؛ لعدم أهليته لأخذها (بعد أن يُخبره، وجوبًا في ظاهر كلامهم) وقاله القاضي أي (٢) في "التعليق" قاله في "الفروع"، وجزم به في "المبدع" (أنه لا حظَّ فيها لغنى، ولا لقويٍّ مكتسب) لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين اللذين سألاه، ولم يحلِّفْهما، وفي بعض رواياته أنه قال: "أتينا النبيَّ ﷺ فسألنَاه من الصدقة، فصعَّد فِينَا النظَرَ، فرَآنَا جَلْدَيْنِ فقال: إن شئتما أعْطَيتُكُما، ولا حَظَّ فيهَا لِغَنِيٍّ، ولا لِقَويٍّ مُكْتسب" رواه أبو داود (٣).

стр. 2103

(وإن رآه متجملًا، قُبِل قوله -أيضًا-) إنه فقير؛ لأنه لا يلزم من ذلك الغنى، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (١) (لكن ينبغي أن يخبره أنها زكاة). وإنْ رآه ظاهر المسألة، أعطاه منها ولم يبين له. (والقُدرةُ على اكتساب المال بالبُضع ليس بغنى معتبر، فلا تُمنع المرأة) الفقيرة (من أخذ الزكاة؛ إذا كانت ممن يُرغب في نكاحها، وتقدر على تحصيل المَهر بالنكاح) لأن النكاح لا يقصد للمال، بل للسكن والإيواء، وقد لا يكون لها رغبة فيه (فلا تُجبر عليه) كرجل سُئل الخلع أو الطلاق على عِوض، أو الصلح عن دم عمد على مال. (وكذا لو أفلست) لا تجبر على النكاح لوفاء دينها (أو كان لها أقارب يحتاجون إلى النفقة) فلا تُجبر على التزوج لذلك. (وتقدم: إذا تفرغ القادر) على التكسُّب (لطلب العلم، وتعذَّر الجمع) بين طلب العلم والتكسُّب (أنه يُعطى) لا إن تفرَّغ للعبادة؛ لقصور نفعها. (فإن ادعى أن له عيالًا) ليأخذ لهم من الزكاة (قُلِّدَ) في ذلك (وأُعطي) كفايتهم؛ لأن الظاهر صدقه، وتشق إقامة البينة على ذلك لاسيما على الغريب، وكما يقلد في حاجة نفسه. (ومن غَرِم) في معصية كشرب خمر (أو سافر في معصية) كقطع

стр. 2104

طريق (لم يُدفع (١) إليه إلا أن يتوب) لأنه إعانة على معصية (وكذا لو سافر في مكروه، أو) سافر (نُزْهة) فلا يدفع إليه من الزكاة؛ لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر. (ولو أتلف ماله في المعاصي حتى افتقر، دُفع إليه من سهم الفقراء) أو المساكين؛ لصدق اسم الفقير والمسكين عليه حين الأخذ. (ويُستحبُّ صرفها) أي: الزكاة (في الأصناف الثمانية كلها، لكل صنف ثُمُنُها إن وجد) جميع الأصناف (حيث وجب الإخراج؛ لأن في ذلك خروجًا من الخلاف وتحصيلًا للإجزاء) يقينًا. (ولا يجب الاستيعاب، كما لو فرَّقها الساعي. ولا) يجب (التعداد من كل صنف) أي: لا يجب أن يعطي من كل صنف ثلاثة فأكثر (كالعامل) على الزكاة لا يجب تعدده (فلو اقتصر) ربُّ المال في دفع الزكاة (على صنف منها) أي: من الأصناف الثمانية (أو) اقتصر على (واحد منه، أجزأه) ذلك، نص عليه (٢)، وهو قول عمر (٣) وحذيفة (٤)، وابن

стр. 2105

عباس (١)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية (٢)، ولحديث معاذ حين بعثه ﷺ لليمن (٣)، ولقوله ﷺ لقَبيصة: "أقِمْ عندَنَا حتى تَأتيَنَا الصدَقةُ، فنأمُرَ لكَ بِهَا" (٤). وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر (٥)، ولو وجب الاستيعاب لم يجز صرفها إلى
следующие страницы →