لأن الأصل عدمه.
(والبينة فيمن عُرف بغنى ثلاثة رجال) لما تقدم في حديث قَبيصة، من قوله ﷺ : "ولا تحلُّ (١) المسألَةُ إلَّا لأحدِ ثلاثَةٍ: رجلٍ أصابتْهُ فاقةٌ حتى يشهدَ له ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قَوْمِهِ: لقد أصابت فلانًا فَاقَةٌ، فحلَّت لهُ المسألَةُ حتى يُصِيبَ قوامًا من عيشٍ، أو سدَادًا (٢) من عيشٍ". رواه مسلم (٣).
(وإن صدَّق المُكاتَب سيده) قُبِلَ وأُعطي؛ لأن الحق في العبد للسيد، فإذا أقر بانتقال حقه عنه قُبل (أو) صدق (الغارم غريمه، قُبِلَ، وأُعطي) لأنه في معنى المُكاتَب. وفيه وجه: لا يقبل؛ لجواز تواطئهما على أخذ المال.
(وإن ادعى الفقر من لم يُعرف بالغنى قُبِلَ) قوله؛ لأن الأصل استصحاب الحال السابقة، والظاهر صدقه.
(وإن كان جَلْدًا) بفتح الجيم وسكون اللام، أي: شديدًا قويًّا (وعُرِف له كسب) يكفيه (لم يجز إعطاؤه، ولو لم يملك شيئًا) لأنه غني بكسبه (فإن لم يُعرف) له مال (وذكر أنه لا كسب له، أعطاه من
стр. 2102
غير يمين) لأن النبي ﷺ لم يحلِّف على ذلك (١) (إذا لم يُعلَم كذبه) فإن علمه لم يعطه؛ لعدم أهليته لأخذها (بعد أن يُخبره، وجوبًا في ظاهر كلامهم) وقاله القاضي أي (٢) في "التعليق" قاله في "الفروع"، وجزم به في "المبدع" (أنه لا حظَّ فيها لغنى، ولا لقويٍّ مكتسب) لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين اللذين سألاه، ولم يحلِّفْهما، وفي بعض رواياته أنه قال: "أتينا النبيَّ ﷺ فسألنَاه من الصدقة، فصعَّد فِينَا النظَرَ، فرَآنَا جَلْدَيْنِ فقال: إن شئتما أعْطَيتُكُما، ولا حَظَّ فيهَا لِغَنِيٍّ، ولا لِقَويٍّ مُكْتسب" رواه أبو داود (٣).
стр. 2103
(وإن رآه متجملًا، قُبِل قوله -أيضًا-) إنه فقير؛ لأنه لا يلزم من ذلك الغنى، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (١) (لكن ينبغي أن يخبره أنها زكاة).
وإنْ رآه ظاهر المسألة، أعطاه منها ولم يبين له.
(والقُدرةُ على اكتساب المال بالبُضع ليس بغنى معتبر، فلا تُمنع المرأة) الفقيرة (من أخذ الزكاة؛ إذا كانت ممن يُرغب في نكاحها، وتقدر على تحصيل المَهر بالنكاح) لأن النكاح لا يقصد للمال، بل للسكن والإيواء، وقد لا يكون لها رغبة فيه (فلا تُجبر عليه) كرجل سُئل الخلع أو الطلاق على عِوض، أو الصلح عن دم عمد على مال.
(وكذا لو أفلست) لا تجبر على النكاح لوفاء دينها (أو كان لها أقارب يحتاجون إلى النفقة) فلا تُجبر على التزوج لذلك.
(وتقدم: إذا تفرغ القادر) على التكسُّب (لطلب العلم، وتعذَّر الجمع) بين طلب العلم والتكسُّب (أنه يُعطى) لا إن تفرَّغ للعبادة؛ لقصور نفعها.
(فإن ادعى أن له عيالًا) ليأخذ لهم من الزكاة (قُلِّدَ) في ذلك (وأُعطي) كفايتهم؛ لأن الظاهر صدقه، وتشق إقامة البينة على ذلك لاسيما على الغريب، وكما يقلد في حاجة نفسه.
(ومن غَرِم) في معصية كشرب خمر (أو سافر في معصية) كقطع
стр. 2104
طريق (لم يُدفع (١) إليه إلا أن يتوب) لأنه إعانة على معصية (وكذا لو سافر في مكروه، أو) سافر (نُزْهة) فلا يدفع إليه من الزكاة؛ لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر.
(ولو أتلف ماله في المعاصي حتى افتقر، دُفع إليه من سهم الفقراء) أو المساكين؛ لصدق اسم الفقير والمسكين عليه حين الأخذ.
(ويُستحبُّ صرفها) أي: الزكاة (في الأصناف الثمانية كلها، لكل صنف ثُمُنُها إن وجد) جميع الأصناف (حيث وجب الإخراج؛ لأن في ذلك خروجًا من الخلاف وتحصيلًا للإجزاء) يقينًا.
(ولا يجب الاستيعاب، كما لو فرَّقها الساعي.
ولا) يجب (التعداد من كل صنف) أي: لا يجب أن يعطي من كل صنف ثلاثة فأكثر (كالعامل) على الزكاة لا يجب تعدده (فلو اقتصر) ربُّ المال في دفع الزكاة (على صنف منها) أي: من الأصناف الثمانية (أو) اقتصر على (واحد منه، أجزأه) ذلك، نص عليه (٢)، وهو قول عمر (٣) وحذيفة (٤)، وابن
стр. 2105
عباس (١)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية (٢)، ولحديث معاذ حين بعثه ﷺ لليمن (٣)، ولقوله ﷺ لقَبيصة: "أقِمْ عندَنَا حتى تَأتيَنَا الصدَقةُ، فنأمُرَ لكَ بِهَا" (٤). وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر (٥)، ولو وجب الاستيعاب لم يجز صرفها إلى
стр. 2106
واحد، ولما فيه من العسر، وهو منفي شرعًا، والآية إنما سِيقت لبيان من تُصْرَف إليه، لا لتعميمهم، وكالوصية لجماعة لا يمكن حصرهم.
(وإن فرّقها ربُّها، أو دفعها إلى الإمام الأعظم، أو نائبِه على القُطْرِ) أي: الناحية التي هو فيها (نيابة شاملة لقبض الزكوات وغيرها، سقط سهم العامل؛ لأنهما يأخذان كفايتهما من بيت المال على الإمامة والنيابة) فلا يأخذان من الزكاة لاستغنائهما بأرزاقهما (وتقدم) في الباب (١).
(وليس لربِّ المال ولا لوكيله في تفرقَتها أَخْذُ نصيب العامل؛ لكونه فَعَل وظيفة العامل) على الزكاة؛ لأن أداءها واجب عليه، فلا يأخذ في مقابلته عوضًا؛ ولأنه لا يُسمَّى عاملًا.
(ومن فيه سببان، كغارم فقير، أخذ بهما) كالميراث (ولا يجوز أن يُعطى عن أحدهما لا بعينه؛ لاختلاف أحكامهما في الاستقرار وغيره).
стр. 2107
قلت: مفهومه إن لم تختلف أحكامهما، كفقير مؤلَّف، جاز أن يعطى بأحدهما لا بعينه، لعدم اختلاف أحكامهما.
(وإن أُعطي بهما) أي: بالسببين (وعُيِّن لكل سبب قَدْر) فعلى ما عُيِّن (وإلا) أي: وإن لم يعين لكل سبب قَدْر (كان بينهما نصفين) لأن مطلق الإضافة يقتضي التسوية (وتظهر فائدته) أي: فائدة ما ذكر من تعيينه لكل منهما قَدْرًا أو قسمه بينهما نصفين عند عدمه (لو وُجِد ما يوجب الرد) كما لو أبرئ الغارم في المثال، فيرد ما أخذه للغرم دون الفقر.
(ويُستحبُّ صرفها) أي: الزكاة (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم) لقوله ﷺ : "صدقَتُكَ على ذِي القَرَابَةِ صَدَقةٌ وَصِلَةٌ". رواه الترمذي والنسائي (١) (ويفرِّقها) أي: الزكاة (فيهم) أي: في أقاربه
стр. 2108
الذين لا تلزمه مؤنتهم (على قَدْر حاجتهم) لأنها مراعاة.
(ولو أحضر ربُّ المال إلى العامل من أهله من لا تلزمه نفقته؛ ليدفع إليهم زكاته دَفَعَها) العامل لهم (قبل خَلْطها بغيرها) لما تقَدم (و) إن جاءه بأهله (بعده) أي: بعد خَلْطها بغيرها فـ (ـهم كغيرهم، ولا يُخرجهم منها) لأن فيها ما هم به أخص، ذكره القاضي.
(و يُجزئ السيدَ دَفْعُ زكاته إلى مكاتبه) نص عليه (١)؛ لأنه معه كالأجنبي في جريان الربا بينهما؛ ولأن الدفع تمليك، وهو من أهله، فإذا ردَّها إلى سيده بحكم الوفاء، جاز كوفاء الغريم. وقيده في "الوجيز" وغيره بأن لا يكون حيلة.
(و) يجوز -أيضًا- دَفْعُ الزكاة (إلى غريمه) لأنه من جملة الغارمين (ليقضي) بها (دينه، سواء دَفَعَها إليه ابتداءً) قبل الاستيفاء (أو استوفى حقه، ثم دفعها إليه ليقضي دَينَ المقرِض، ما لم يكن
стр. 2109
حِيلة، نصًّا) قال أحمد (١): إن كان حيلة فلا يعجبني، ونقل عنه ابن القاسم (٢): إن أراد الحيلة، لم يصلح، ولا يجوز (وقال أيضًا: إن أراد إحياء ماله، لم يَجُز. وقال القاضي وغيره: معنى الحيلة، أن يُعطيه بشرط أن يردَّها عليه من دينه؛ لأن من شَرْطها تمليكًا صحيحًا، فإذا شرط الرُّجوعَ لم يوجد) وقال في "المغني" و"الشرح": إنه حصل من كلام أحمد: إذا قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه، لم يجز؛ لأن الزكاة حق الله فلا يجوز صرفها إلى نفعه (وإن (٣) ردَّ الغريم من نفسه ما قبضه وفاء عن دينه من غير شرط، ولا مواطأة، جاز) لربِّ المال (أخذه من دينه) لأنه بسبب متجدد، كالإرث والهبة.
(ويقدم الأقربُ) فالأقرب (والأحوج) فالأحوج، مراعاة للصلة والحاجة (وإن كان الأجنبي أحوج، فلا يُعطى القريب ويمنع البعيد) لأن الحاجة هي المعتبرة (بل يعطي الجميع) لوجود الحاجة فيهم (ولا يحابي) ربّ المال (بها) أي: الزكاة (قريبه، ولا يدفع بها مَذمة، ولا يستخدم بسببها قريبًا ولا غيره، ولا يقي ماله بها، كقوم عوَّدهم برًّا من ماله، فيعطيهم من الزكاة لدفع ما عوَّدهم) قال في "المستوعب": هذا إن (٤) كان المعطى غير مستحق للزكاة انتهى؛ لأن الزكاة حق لله فلا يصرفها إلى نفعه.
стр. 2110
(والجار أَولى من غيره) وينبغي أنْ يقدم منهم الأقرب بابًا، فالأقرب بابًا (والقريب أَولى منه) أي: من الجار؛ لقوة القرابة.
(ويقدَّم العالمُ والدَّيِّن على ضِدِّهما، وكذا ذو العائلة) يقدم على ضده للحاجة، ومن أعتق عبدًا لتجارة، قيمته نصاب بعد الحول، قبل إخراج ما فيه، فله دفعه إليه، ما لم يقم به مانع.
стр. 2111
فصل
(ولا يجوز دَفْعُها) أي: الزكاة (إلى كافر) قال في "المبدع": إجماعًا (١). وحديث معاذ نص فيه (٢)؛ ولأنها مواساة تجب على المسلم، فلم تجب للكافر كالنفقة (ما لم يكن مؤلَّفًا) فيعطى عند الحاجة إلى تأليفه؛ كما تقدم (ولو) كانت (زكاة فِطر) فلا تدفع إلى كافر، كزكاة المال، ورُوي عن عَمْرو بن ميمون (٣)، وعمرو بن شرحبيل (٤)، ومرة الهمداني (٥)، أنهم كانوا يعطون منها الرهبان.
(و لا) يجوز دفع الزكاة (إلى عبدٍ كامل الرِّق، ولو كان سيده فقيرًا) لأن نفقته واجبة على سيده، فهو غني بغناه، وما يدفع إليه لا يملكه، وإنما يملكه سيده، فكأنه دفع إليه (وأما من بعضُه حر، فيأخذ بقَدْر حريته بنسبته من كفايته) فمن نصفه حر يأخذ تمام نصف كفايته، وهكذا (ما لم يكن) العبد (عاملًا) لأن ما يأخذه أجرة يستحقها سيده، والمراد غير المكاتَب، كما تقدم.
(و لا) يجوز دفع الزكاة (إلى فقيرة لها زوج غني) تصل نفقته إليها
стр. 2112
لاستغنائها بذلك.
(ولا) يجوز دفعها (إلى عمودي نسبه في حال تجب نفقتهم فيه، أو لا تجب) نفقتهم فيه (وَرِثوا أو لم يرثوا، حتى ذوي الأرحام منهم) كأبي الأم وولد البنت. قال أحمد (١): لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد ولا ولد الولد، ولا الجد ولا الجدة، ولا ولد البنت، قال رسول الله ﷺ : "إنَّ ابْني هذا سَيِّدٌ" (٢) يعني الحسن، فجعله ابنه؛ لأنه من عمودي نسبه، ووجه ذلك اتصال نافع الملك بينهما عادة، فيكون صارفًا لنفسه، بدليل عدم قَبول شهادة أحدهما للآخر.
(ولو) كان أحد عمودي نسبه أخذ (في غُرْمٍ لنفسه) بأن تدين دينًا، ثم أخذ وفاءه من زكاة أبيه أو ابنه، وإن علا أو نزل.
(أو في كتابة، أو كان) أحد عمودي نسبه (ابن سبيل) لأن هؤلاء إنما يأخذون مع الفقر، فأشبه الأخذ للفقر (٣) (ما لم يكونوا عُمَّالًا) على الزكاة، فلهم الأخذ؛ لأنهم يأخذون أجرة عملهم، أشبه ما لو استعملوا على غير الزكاة.
(أو) يكونوا (مؤلَّفة) فيعطون للتأليف؛ لأنه مصلحة عامة، أشبهوا الأجانب.
стр. 2113
(أو) يكونوا (غُزاةً) لأن الغزاة لهم الأخذ مع عدم الحاجة، فأشبهوا العاملين.
(أو) يكونوا (غارمين لِـ) إصلاح (ذات البين) لجواز أخذهم مع غناهم، ولأنه مصلحة عامة.
(ولا) يجزئ المرأةَ دَفعُ زكاتها (إلى الزوج) لأنها تعود إليها بإنفاقه عليها. قال في "الفروع": وهل يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها؟ اختاره القاضي وأصحابه، والشيخ (١) وغيرهم وفاقًا للشافعي (٢)، أم لا؟ اختاره جماعة، منهم الخرقي وأبو بكر، وصاحب "المحرر"، وحكاه عن أبي الخطاب، وفاقًا لأبي حنيفة (٣)، ومالك (٤) فيه روايتان.
(ولا) يجوز للزوج دفع زكاته (إلى الزوجة) قال ابن المنذر (٥): أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة، ذلك (٦) لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة، فلم يجز دفعها إليها كما لو دفع إليها على سبيل الإنفاق عليها (ولو لم تكن) الزوجة (في مؤنته كناشز) وغير مدخول بها، لأنها تؤول إلى العود في مؤنته.
стр. 2114
(وكذا عبدُه المغصوب) فلا يجزئ الدفع إليه، كما في غير حال الغصب.
(ولا لبني هاشم كالنبي ﷺ ، وهم) أي: بنو هاشم (مَن كان مِن سُلالة هاشم، فدخل فيهم آل عباس) بن عبد المطلب (وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل) بني أبي طالب بن عبد المطلب (وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب) بن عبد المطلب. قال في "الشرح": لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحِلُّ لهم الصدقة المفروضة؛ لقول النبي ﷺ : "إن الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآل مُحَمّدٍ، إنما هِيَ أوسَاخُ الناسِ" أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة قال: "أخَذَ الحسَنُ تمرةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فقال النبي ﷺ : "كَخٍ كَخٍ، لِيَطْرَحَهَا وقال: أمَا شَعرْتَ أنّا لَا نأْكُلُ الصَّدَقةَ؟ " متفق عليه (٢). وسواء أعطوا من خُمس الخُمس أو لم يعطَوا؛ لعموم النصوص؛ ولأن منعهم من الزكاة لشرفهم، وشرفهم باق، فيبقى المنع.
(ما لم يكونوا) أي: بنو هاشم (غُزاة، أو مؤلَّفة، أو غارمين لذات البين) فلهم الأخذ لذلك لجواز الأخذ لذلك مع الغنى وعدم المِنَّة فيه (واختار الشيخ وجَمْعٌ) منهم: القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقاله أبو يوسف الإصطخري من الشافعية (٣) (جواز
стр. 2115
أخذهم إن منعوا الخمس) لأنه محل حاجة وضرورة. قال الشيخ تقي الدين -أيضًا-: ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين. ذكره في "الاختيارات" (١).
(ويجوز) دفع الزكاة (إلى ولد هاشمية من غير هاشمي في ظاهر كلامهم، وقاله القاضي اعتبارًا بالأب) وقال أبو بكر: لا يجوز، واحتج بحديث أنس: "ابن أختِ القومِ مِنهمْ" متفق عليه (٢).
(ولا) يجوز دفع الزكاة (لموالي بني هاشم) وهم الذين أعتقهم بنو هاشم، لما روى أبو رافع أن رسول الله ﷺ : بعثَ رجُلًا من بني مَخْزوم على الصدقَة، فقال لأبي رَافع: اصحبْني كيما تصيبَ مِنها، فقال: لَا؛ حتى آتيَ النبي ﷺ فأسألهُ، فانطلَق إلى النبي ﷺ فسألَهُ فقال: "إنّا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقَةُ، وإنَّ مولى القومِ منهم" أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي (٣)، وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 2116
(ويجوز) دفع الزكاة (لموالي مواليهم) لأنهم ليسوا من بني هاشم، ولا من مواليهم.
(ولهم) أي: لبني هاشم ومواليهم (الأخذ من صدقة التطوُّع) لأنهم إنما مُنعوا من الزكاة لكونها من أوساخ الناس كما سبق، وصدقة التطوُّع لِيست كذلك (إلا النبي ﷺ ) فإن الصدقة كانت محرَّمة عليه مطلقًا، فرضها ونفلها؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها، فلم يجز الإخلال به، فرُوي في حديث سلمان "أنَّ الذِي أخبَرَهُ عن النبي ﷺ ووصفَه له، قال: إنهُ يأكُلُ الهديَّةَ ولا يَأكُلُ الصَّدَقَةَ" (١). وروى أبو هريرة قال: "كان رسولُ الله ﷺ إذا أُتِيَ
стр. 2117
بطَعَامٍ سألَ عنْهُ: أهدية أم صدقَةٌ؟ فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ، قال لأصحَابِه: كُلُوا، ولَمْ يأكُلْ، وإن قِيلَ: هديةٌ، ضرَبَ بيَدِهِ؛ وأكَلَ مَعَهُمْ". متفق عليه (١).
ولأن آل محمد لما مُنعوا فرض الصدقة لشرفهم على غيرهم، وجب أن يُنزَّه النبي ﷺ عن نفلها وفرضها، لشرفه على الخلق كلهم، تمييزًا له بذلك، كما خُصَّ مع (٢) خُمس الخُمس بالصَّفي من المغنم، وبالإسهام له مع غيبته من المغانم.
стр. 2118
قال في "شرح الهداية": ولا خلاف نعلمه أن النبي ﷺ لا يَحرم عليه أن يَقترض، ولا أن يُهدي له، أو يُنظر بدينه، أو يوضع عنه، أو يشرب من سقاية موقوفة على المارة، أو يأوي إلى مكان جعل للمارة، ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة (١) فيها، والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع، وإن كان يطلق عليها اسم الصدقة، قال ﷺ : "كلُّ معرُوفٍ صدَقَةٌ" (٢).
(و) لبني هاشم غيره ﷺ الأخذ من (وصايا الفقراء) نص عليه (٣)، (ومن نَذْرٍ) لأنه لا يقع عليهما اسم الزكاة والطُّهرة، والوجوب من الآدمي، أشبه الهبة.
و (لا) يجوز لهم الأخذ من (كفارة) لوجوبها بالشرع كالزكاة.
(ولا يَحرم) أخذ الزكاة (على أزواجه ﷺ في ظاهر كلام أحمد (٤)) والأصحاب (كمواليهن) لدخولهم في عموم الآية والأخبار، وعدم المخصص.
وفي "المغني" و"الشرح" عن ابن أبي مليكة: "أن خالدَ بنَ سعيدِ بنِ العاصِ أرسلَ إلى عائِشَةَ بسفْرةٍ منَ الصدقَةِ فردَّتهَا وقالت:
стр. 2119
إنا آلَ محمدٍ لا تحلُّ لَنا الصدَقَةُ" رواه الخلال (١). فهذا يدل على تحريمها عليهن، ولم يذكرا ما يخالفه، مع أنهم لم يذكروا هذا في الوصية والوقف، وهذا يدل على أنهن من أهل بيته في تحريم الزكاة، وذكر الشيخ تقي الدين (٢): أنه يحرم عليهن الصدقة، وأنهن من أهل بيته في أصح الروايتين، وردَّه الجد (٣). قاله في "المبدع".
(ولا يجزئ دفعها) أي: الزكاة (إلى سائر من تلزمه مؤنته من أقاربه) أو مواليه (ممن يرثه بفرض أو تعصيب نسب (٤)، أو ولاء كأخ وابن عم) وعتيق، لغناه بوجوب النفقة؛ ولأن نفعها يعود إلى الدافع، لكونه يسقط النفقة عنه كعبده (ما لم يكونوا عُمَّالًا، أو غُزاة، أو مؤلَّفة، أو مكاتبين، أو أبناء سبيل، أو غارمين لذات البين) قال المجد: لا تختلف الرواية أنه يعطى لغير النفقة الواجبة نحو كونه غارمًا، أو مكاتبًا، أو ابن سبيل، بخلاف عمودي النسب، لقوة القرابة، انتهى. وأما إذا كانوا عمَّالًا أو غُزاة أو مؤلَّفة، فتقدم أن عمودي النسب يعطون لذلك، فهؤلاء أولى.
(فلو كان أحدهما يرث الآخر، والآخر لا يرثه، كعتيق ومعتقه) فإن المعتق يرث العتيق بخلاف عكسه (و) كـ (أخوين لأحدهما ابن ونحوه) كابن ابن، فذو الابن يرث الآخر دون عكسه، وكعمة مع ابن
стр. 2120
أخيها (فالوارث منهما تلزمه مؤنته، فلا يدفع زكاته إلى الآخر) لما تقدم (وغير الوارث يجوز) له أن يدفع زكاته إلى الآخر؛ لأنه لا ميراث بينهما، أشبه الأجنبي.
(ولا) يجوز دفع الزكاة (إلى فقير ومسكين مستغنيين بنفقة لازمة) لغناهما بما يجب لهما على وارثهما، كالزوجة (فإن تعذرت النفقة) على الزوجة الفقيرة أو الفقير أو المسكين (من زوج، أو قريب، بغيبة، أو امتناع، أو غيره، كمن غُصب ماله، أو تعطَّل منافع عقاره، جاز) لهم (الأخذ) لوجود المقتضي مع عدم المانع.
(و يجوز) دفع الزكاة (إلى بني المطلب) ومواليهم، لعموم آية الصدقات؛ خرج منه بنو هاشم بالنص، فيبقى من عداهم على الأصل؛ ولأن بني المطلب في درجة بني أمية، وهم لا تَحرم الزكاة عليهم، فكذا هُم، وقياسهم على بني هاشم لا يصح، لأنهم أشرف، وأقرب إلى النبي ﷺ ، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخُمس ما استحقوه بمجرد القرابة، بل بالنُّصرة، أو بهما جميعًا، كما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: "لم يُفارِقُوني في جَاهِليةٍ ولا إسلامٍ" (١) بدليل منع
стр. 2121
بني عبد شمس ونوفل من خُمس الخُمس مع مساواتهم في القرابة، والنُّصرة لا تقتضي حرمان الزكاة.
(وله) أي من وجبت عليه زكاة (الدفع) منها (إلى ذوي أرحامه، كعمته وبنت أخيه، غير عمودي نسبه) فقد تقدم أنه لا يجزئه الدفع إليهم، ويجوز إعطاء ذوي الرحم غيرهم (ولو ورثوا) المزكِّي (لضعف قرابتهم) لكونهم لا يرثون بها عصبة، ولا ذي فرض، غير أحد الزوجين.
(وإن تبرع) المزكِّي (بنفقة قريب) لا تلزمه نفقته (أو) بنفقة (يتيم أو غيره) من الأجانب (ضمَّه إلى عياله، جاز دفعها إليه) لوجود المقتضي.
(وكل من حَرُمت عليه الزكاة بما سبق) ككونه من بني هاشم، أو غنيًّا، أو من عمودي نسب المزكِّي ونحوه (فله قبولها هدية ممن أخذها من أهلها) لما تقدم من قوله ﷺ : "لا تحِلُّ الصدقةُ لِغني إلا لخمسةٍ: لعاملٍ، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكينٍ تُصدق عليه منها فأهدى منها لِغنيٍّ" رواه أبو داود وابن ماجه (١)؛ ولأن النبي ﷺ أكل مما تُصدق به على أم عطية، وقال:
стр. 2122
"إنها قد بلغت مَحلَّهَا" متفق عليه (١). وقيس الباقي على ذلك.
(والذكر والأنثى في) جواز (أخذ الزكاة) عند وجود المقتضي (و) في (عدمه) مع المانع (سواء) للعمومات مع عدم المخصص.
(والصغير) من أهل الزكاة: (ولو لم يأكل الطعام كالكبير) منهم، للعموم (فَيُصرف ذلك) أي: ما يُعطاه من الزكاة (في أُجرة رضاعه وكسوته وما لابدَّ منه) من مصالحه (ويقبل) له الزكاة والكفارة والنذر والهبة وصدقة التطوع وَليُّه (ويقبض له) أي: الصغير (٢) (منها) أي: من الزكاة (ولو مميزًا، ومن هبة وكفارة) ونذر وصدقة تطوُّع (من يلي ماله، وهو وليُّه) في ماله كسائر التصرفات المالية (أو وكيل وليه الأمين) لقيامه مقام وليه (وفي "المغني": يصح قبض المميز. انتهى. وعند عدم الولي يقبض له) أي: للصغير (من يليه، من أم وقريب وغيرهما نصًّا (٣)) نقل هارون الحمَّال (٤) في الصِّغار: يُعْطِي أولياءَهم، فقلت: ليس لهم ولي؟ قال: يعطي من يعني بأمرهم. ونقل مُهنَّا (٥) في الصبي والمجنون: يقبض له وليُّه، قلت: ليس له
стр. 2123
ولي؟ قال: الذي يقوم عليه، وذلك لأن حفظه عن الضياع والهلاك أولى من مراعاة الولاية.
(ولا يجوز دفع الزكاة إلا لمن يعلم) أنه من أهلها (أو يَظنه من أهلها) لأنه لا يبرأ بالدفع إلى من ليس من أهلها، فاحتاج إلى العلم به؛ لتحصل البراءة، والظن يقوم مقام العلم؛ لتعذُّر أو عُسر الوصول إليه (فلو لم يَظنه من أهلها، فدفعها إليه، ثم بان أهلها، لم يجزئه) الدفع إليه، كما لو هجم وصلَّى، فبان في الوقت.
(فإن دفعها) أي: الزكاة (إلى من لا يستحقُّها لكُفر، أو شرف) أي: لكونه هاشميًّا أو مولى له (أو كونه عبدًا) غير مكاتَب ولا عامل (أو) لكونه (قريبًا) من عمودي نسب المزكِّي، أو تلزمه مؤنته، لكونه يرثه بفرض أو تعصيب (وهو لا يعلم) عدم استحقاقه (ثم علم) ذلك (لم يجزئه) لأنه ليس بمستحق، ولا يخفى حاله غالبًا، فلم يعذر بجهالة (١)، كدين الآدمي (ويستردها ربُّها بزيادتها مطلقًا) أي: سواء كانت متصلة كالسمن، أو منفصلة كالولد؛ لأنه نماء ملكه.
(وإن تلفت) الزكاة (في يد القابض) لها مع عدم أهليته لما سبق (ضَمِنها؛ لعدم ملكه) لها (بهذا القبض، وهو قَبضٌ باطل، لا يجوز له قبضه) لعدم أهليته.
(وإن كان الدافعُ) للزكاة إلى من لا يستحقها (الإمامَ أو الساعي، ضمِن) لتفريطه (إلا إذا بان) المدفوع إليه (غنيًّا) فلا ضمان على الإمام
стр. 2124
ولا نائبه؛ لأن ذلك يخفى غالبًا، بخلاف الكفر ونحوه.
(والكفَّارة كالزكاة فيما تقدم) فلا يجوز دفعها إلا لمن يعلمه أو يظنه من أهلها، وإن دفعها إلى من لا يستحقها، لم تجزئه (١) إلا الغني إذا ظنه فقيرًا.
(ولو دفع صدقةَ التطوُّع إلى غنيٍّ وهو لا يعلم) غناه (لم يرجع) لأن المقصود الثواب، ولم يفت، بخلاف الزكاة إذا دفعها لكافر ونحوه؛ لأن المقصود إبراء الذمة بالزكاة، ولم يحصُل، فملك الرجوع (فإن دفع إليه من الزكاة يظنُّه فقيرًا، فبان غنيًّا، أجزأت) لأنه ﷺ أعطى الرجلين الجلدين، وقال: "ولا حَظَّ فيها لِغَنيٍّ ولا قَوي مُكتَسِبٍ" (٢)، ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغِنى لما اكتفى بقولهما؛ ولأن الغنى يخفى. وأخرج النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قال رجل: "لأتصدقَنَّ بصدقةٍ، فخرجَ بصدَقَتِهِ فوضعَها في يدِ غنيٍّ، فأصبَحوا يتحدَّثُون: تُصدِّقَ على غَنيٍّ، فأُتيَ فَقِيلَ لَهُ: أما صدَقَتُك فَقَد تُقُبِّلَت، فلعل الغني يَعتبر فينفقُ ممّا أعطَاهُ اللهُ تعَالى" (٣).
стр. 2125
فصل
(وصدقة التطوُّع مستحبَّة كل وقت) إجماعًا؛ لأنه تعالى أمر بها ورغَّب فيها، وحثَّ عليها، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (١) وقال ﷺ : "من تصَدقَ بعدلِ تَمرَةٍ من كَسبٍ طيِّبٍ، ولا يَصعد إليهِ إلا طيِّبٌ، فإن الله يقبلها (٢) بيمِينهِ، ثم يُرَبِّيها لصاحِبها (٣) حتى تكونَ مِثْلَ الجبلِ". متفق عليه (٤) من حديث أبي هريرة. وعن أنس مرفوعًا: "إن الصدَقَةَ لتطفئُ غضَبَ الرب، وتَدفعُ مِيتةَ السوء". رواه الترمذي (٥) وحسنه.
стр. 2126
(و) صدقة التطوُّع (سرًّا أفضل) منها جهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ (١) وعن أبي هريرة مرفوعًا: "سبْعَةٌ يظلهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ، ذكر منهم: رجلا تصدَّقَ بصدقةٍ فأخْفَاها حتى لا تعلم شِمَالُه ما تنفِقُ يمِينُهُ". متفق عليه (٢).
стр. 2127
و (بطيب نفس) أفضل منها بدونه، و (في الصحَّة) أفضل منها في غيرها؛ لقوله ﷺ : "وأنت صحِيحٌ شَحِيحٌ" (١).
(وفي رمضان) أفضل منها في غيره؛ لحديث ابن عباس قال: "كان رسولُ الله ﷺ أجودَ الناسِ، وكان أجود ما يكون في رمضانَ، حينَ يلقَاهُ جبرِيلُ، وكان جبريلُ يلقاهُ في كل ليلَةٍ من رمضانَ فيدَارِسُهُ القرآنَ، فلرسول الله ﷺ حين يلقَاهُ جبريلُ أجود بالخيرِ من الريح المرسلة". متفق عليه (٢)؛ ولأن في الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصوم.
(و) في (أوقات الحاجة) أفضل منها في غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ (٣).
(وكلِّ زمان أو مكان فاضل كالعَشر، والحرمين) حَرَم مكة والمدينة، وكذا المسجد الأقصى؛ لتضاعف الحسنات بالأمكنة والأزمنة الفاضلة.
(وهي) أي: الصدقة (على ذي الرَّحِم صدقة وصِلَة) لقوله ﷺ :
стр. 2128
"الصدقَةُ على المسْكِينِ صدقَةٌ، وعلى ذِي الرحمِ اثنتَانِ: صدقَة وصِلَةٌ" (١). قال في "الشرح"، و"شرح المنتهى": وهو حديث حسن (٢). (لا سيما مع العداوة) لقوله ﷺ : "تَصِلُ مَنْ عَادَاكَ" (٣). (فهي عليه)
стр. 2129
أي: القريب أفضل.
(ثم على جارٍ أفضل) لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (١) ولحديث: "ما زال جبرِيلُ يُوصِيني بالجَارِ حتْى ظَنَنْتُ أنهُ سيُوَرِّثُهُ" (٢).
ويُستحبُّ أن يخصَّ بالصدقة من اشتدت حاجته؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣).
(وتُستحبُّ) صدقة التطوُّع (بالفاضل عن كفايته، و) عن (كفاية من يَمونه دائمًا بـ) سبب (مَتْجر، أو غلَّة ملكٍ) من ضيعة أو عقار (أو وَقْفٍ، أو صنعة) أو عطاء من بيت المال.
(وإن تصدق بما ينقص مؤنه من تلزمه مؤقته، أو أضرَّ (٤) بنفسه، أو بغريمه، أو كفالته) أي: كفيله في مال أو بَدَن (أَثِمَ) لقوله ﷺ : "كفَى بالمرءِ إثمًا أن يضيعَ مَنْ يَقُوتُ" (٥) وعن أبي هريره قال: "أمرَ
стр. 2130
النبيُّ ﷺ بالصدقةِ، فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، عندي دينَارٌ، فقال: تصدَّق بِهِ على نَفْسِكَ، فقال: عندِي آخرُ، قال: تَصدَّق بِهِ عَلى وَلَدِكَ، قال: عنْدِي آخرُ، قال: تصدَّقْ بهِ على زَوْجِك، قال: عندِي آخرُ، قال: تصدَّقْ بهِ على خَادِمِكَ، قال: عندِي آخرُ، قال: أنْتَ أبْصَرُ" (١). رواهما أبو داود. وإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢).
стр. 2131
(ومن أراد الصدقةَ بماله كلِّه -وهو وحده-) أي: لا عيال له (ويعلم من نفسه حُسنَ التوكُّل) أي: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدى الناس (والصبرَ عن المسألة، فله ذلك، أي: يُستحبُّ) له ذلك (وإن لم يعلم) من نفسه (ذلك) أي: حسن التوكل والصبر (حَرُمَ) عليه ذلك (ويُمنعُ منه، ويُحجرُ عليه) لتبذيره.
روى جابر قال: "كنَّا عند رسول الله ﷺ إذ جاءَ رجلٌ بمثلِ بيضَةَ من ذهَب، فقال: يا رسولَ الله، أصبْتُ هذِهِ من معدِنٍ فخذْهَا، فهِيَ صدقَةٌ مَا أملِكُ غيرَهَا، فأعرضَ عنه رسول الله ﷺ ، فأتاهُ من قِبَلِ ركْنِه الأيمَنِ، فقال مثلَ ذلِكَ، فأعرضَ عنهُ، ثم أتاهُ من قِبَلِ ركنِهِ الأيسَرِ، فأعرضَ عنهُ، ثم أتاهُ من خَلْفِهِ، فأخذها رسولُ اللهِ فحذَفَهُ بهَا، فلو أصابَتهُ لأوْجَعَتْهُ، أو لَعَقرتهُ. فقال رسول الله ﷺ : "يَأتِي أحدُكُمْ بمَا يمْلِكُ فيقولُ: هذِهِ صدقةٌ، ثم يَقْعُدُ يسْتَكِفُّ (١) النَّاسَ، خيرُ الصدقَةِ ما كانَ عن ظَهْرِ (٢) غنى". رواه أبو داود (٣)، وفي رواية: "خذْ مَالكَ عنّا
стр. 2132
لا حاجَةَ لَنَا بِهِ" (١).
(وإن كان له عائلة، ولهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه (٢)، جاز لقصَّة الصدِّيق) أبي بكر ﵁، وهي: أنه جَاءَ بجمِيعِ ما عنْدَهُ، فقال لهُ النبيُّ ﷺ : "ما أبقيتَ لأهْلِكَ"؟ فقال: اللهَ ورسولَه (٣). وكان تاجرًا ذا مكْسَبٍ؛ فإنه قال حين ولي: "قد عَلمَ النَّاسُ أن مكْسَبي لمْ يكُنْ ليعجزَ عنْ مؤنَةِ عِيالي" (٤). وهذا يقتضي الاستحباب (وإلا) أي: وإن لم يكن لهم كفاية، ولم يكفهم بمكسبه (فلا) يجوز له
стр. 2133
ذلك؛ لما تقدم من قوله ﷺ : "كفى بالمرءِ إثْمًا أنْ يضيعَ مَنْ يَقُوتَ" (١).
(ويُكره لمَن لا صَبْر له على الضِّيق، أو لا عادة له به) أي: بالضيق (أن ينقص عن نفسه الكفاية التامة) نص عليه (٢)؛ لأن التقتير والتضييق مع القدرة شُحٌّ وبخلٌ، نهى اللهُ عنه، وتعوَّذ النبي ﷺ منه (٣)، وفيه سوء الظن بالله تعالى.
(و الفقير لا يقترض ويتصدق) لكن نص أحمد (٤) في فقير لقريبه وليمة يستقرض، ويهدي له. وهو محمول على ما إذا ظن وفاء.
(و وفاء الدَّين مقدَّم على الصدقة) لوجوبه.
(وتجوز صدقة التطوُّع على الكافر والغني وغيرهما) من بني هاشم وغيرهم ممن مُنع الزكاةَ (ولهم أخذها) لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٥) ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرًا. وكَسَا عمر أخًا له مشركًا حلةً كان النبي ﷺ
стр. 2134
كساه إياها (١). وقال النبي ﷺ لأسماء بنت أبي بكر "صِلِي أُمَّكِ" (٢) وكانَتْ قدمَتْ عليهَا مشرِكَةً.
(ويُستحبُّ التعفف، فلا يأخذ الغني صدقة، ولا يتعرَّض لها) لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم، فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (٣).
(فإن أخذها) الغني (مظهرًا للفاقة، حَرُم) عليه ذلك، وإن كانت تطوُّعًا؛ لما فيه من الكذب والتغرير، وروى أبو سعيد مرفوعًا: "فمن يَأْخُذْ مَالًا بِحقِّهِ يبَارك لَهُ فِيهِ، ومن يأخذْ مالًا بغيرِ حقِّه فمثَلهُ كَمَثلِ الّذِي يأكُلُ ولا يَشْبَعُ" (٤). وفي لفظ: "إن هَذا المَال خضِرَةٌ حُلْوةٌ، فمن أخذهُ بحقِّهِ ووضَعَهُ في حَقِّهِ فنعْمَ المعونَة هو، ومن أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ كانَ كالّذِي يأكُل ولا يَشْبَعُ". متفق عليه (٥).
(و يَحرم المَنُّ بالصدقة وغيرها، وهو كبيرة، ويَبطل الثوابُ
стр. 2135
بذلك): لقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (١) قال في "الفروع": ولأصحابنا خلاف فيه، وفي بطلان طاعة بمعصية، واختار شيخنا الإحباط بمعنى الموازنة، وذكر أنه قول أكثر السلف.
(ومن أخرج شيئًا يتصدّق به، أو وكَّل في ذلك) أي: الصدقة به (ثم بدا له) أن لا يتصدق به (استُحبَّ أنْ يمضيه) ولا يجب؛ لأنه لا يملكها المتصدق عليه إلا بقبضها. وقد صح عن عمرو بن العاص أنه كان إذا أخرج طعامًا لسائل فلم يجده، عزله حتى يجيء آخر (٢). وقاله الحسن (٣).
(ويتصدق بالجيد، ولا يقصد الخبيث فيتصدق به) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤).
(وأفضلُها) أي: الصدقة (جَهْدُ المُقِلِّ) لحديث: "أفضلُ الصَدَقَةِ جَهْدٌ من مقلٍّ إلى فقيرٍ في السِّرِّ" (٥). ولا يعارضه ما تقدم من قوله ﷺ :
стр. 2136
"خيْرُ الصدقَةِ ما كانَ عَنْ ظهْرِ غنى" (١) إذ المراد: جهد المقل بعد حاجته وحاجة عياله الضرورية (٢)، وما يلزمه، فهي جهده، وعن ظهر غنى منه، وهي أفضل من صدقة عن ظهر غنى ليست جهد مقل.
"تتمة": لا يُسنُّ إبدال ما أعطى سائلًا فسخطه. قال في "الفروع": ومن سأل فأُعطيَ، فقبضه، فسخطَه، لم يعطَ لغيره في ظاهر كلام العلماء، وعن علي بن الحسين أنه كان يفعله. رواه الخلال (٣). وفيه جابر الجعفي: ضعيف. فإن صح، فيحتمل أنه فعله عقوبة، ويحتمل أن سخطه دليل على أنه لا يختار تملكه، فيتوجه مثله على أصلنا، كبيع التلجئة، ويتوجَّه في الأظهر: أنَّ أخذ صدقة التطوُّع أَولى من الزكاة، وأن أخذها سرًّا أَولى.
стр. 2137
كتاب الصيام
стр. 2138
كتاب الصيام
مصدر صَام، كالصوم (وهو) لغة: الإمساك، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١)، وقول الشاعر:
خيلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة … تحت العَجاج وأخرى تَعلُكُ اللُّجُمَا (٢)
يُقال للفرس: صائم، إذا أمسك عن العَلَف مع القيام، أو عن الصَّهيل في موضعه. ويُقال: صامتِ الريحُ، إذا أمسكت عن الهُبوب.
و (شرعًا: إمساك عن أشياء مخصوصة) هي مفسداته الآتية في الباب بعده (٣) (بنيَّة في زمن معين) وهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (من شخص مخصوص) وهو المسلم العاقل، غير الحائض والنفساء.
(صومُ شهر رمضان) من كل عام (أحدُ أركان الإسلام وفروضه) المشار إليها في حديث ابن عمر المتفق عليه، بقوله ﷺ : "بُنِيَ الإسلامُ على خمس. . ." الحديث (٤).
стр. 2139
(فُرض في السَّنة الثانية من الهجرة) (١) إجماعًا (فصام رسول الله ﷺ تسعَ رمضانات) إجماعًا (٢).
(والمستحبُّ قول: شهر رمضان) كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٣).
(ولا يُكره قول: رمضان بإسقاط شهر) لظاهر حديث ابن عمر (٤). وذَكَر الموفق: أنه يُكره إلا مع قرينة الشهر. وذَكر الشيخ تقي الدين وجهًا: يُكره (٥). وفي "المنتخب": لا يجوز؛ لخبر أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُولُوا جاءَ رمَضانُ؛ فإن رمضانَ اسمٌ من أسمَاءِ الله تَعَالى" (٦). وقد ضُعِّفَ.
стр. 2140
وقال ابن الجوزي (١): هو موضوع.
وسُمِّي رمضان؛ لحرِّ جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحَرِّ.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة وافق شدة الحَرِّ.
وقيل: لأنه يَحرق الذنوب.
وقيل: موضوع لغير معنى، كبقية الشهور.
وجمعه: رمَضَانَاتٌ، وأرمِضةٌ، ورَمَاضين، وأرمُضٌ، ورَماض، ورَمَاضِي، وأرَاميض.
(ويجب صومه) أي: شهر رمضان (برؤية هلاله) لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) وقوله ﷺ : "صُومُوا لرؤيَتِهِ" (٣).