"خيْرُ الصدقَةِ ما كانَ عَنْ ظهْرِ غنى" (١) إذ المراد: جهد المقل بعد حاجته وحاجة عياله الضرورية (٢)، وما يلزمه، فهي جهده، وعن ظهر غنى منه، وهي أفضل من صدقة عن ظهر غنى ليست جهد مقل.
"تتمة": لا يُسنُّ إبدال ما أعطى سائلًا فسخطه. قال في "الفروع": ومن سأل فأُعطيَ، فقبضه، فسخطَه، لم يعطَ لغيره في ظاهر كلام العلماء، وعن علي بن الحسين أنه كان يفعله. رواه الخلال (٣). وفيه جابر الجعفي: ضعيف. فإن صح، فيحتمل أنه فعله عقوبة، ويحتمل أن سخطه دليل على أنه لا يختار تملكه، فيتوجه مثله على أصلنا، كبيع التلجئة، ويتوجَّه في الأظهر: أنَّ أخذ صدقة التطوُّع أَولى من الزكاة، وأن أخذها سرًّا أَولى.
стр. 2137
كتاب الصيام
стр. 2138
كتاب الصيام
مصدر صَام، كالصوم (وهو) لغة: الإمساك، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١)، وقول الشاعر:
خيلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة … تحت العَجاج وأخرى تَعلُكُ اللُّجُمَا (٢)
يُقال للفرس: صائم، إذا أمسك عن العَلَف مع القيام، أو عن الصَّهيل في موضعه. ويُقال: صامتِ الريحُ، إذا أمسكت عن الهُبوب.
و (شرعًا: إمساك عن أشياء مخصوصة) هي مفسداته الآتية في الباب بعده (٣) (بنيَّة في زمن معين) وهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (من شخص مخصوص) وهو المسلم العاقل، غير الحائض والنفساء.
(صومُ شهر رمضان) من كل عام (أحدُ أركان الإسلام وفروضه) المشار إليها في حديث ابن عمر المتفق عليه، بقوله ﷺ : "بُنِيَ الإسلامُ على خمس. . ." الحديث (٤).
стр. 2139
(فُرض في السَّنة الثانية من الهجرة) (١) إجماعًا (فصام رسول الله ﷺ تسعَ رمضانات) إجماعًا (٢).
(والمستحبُّ قول: شهر رمضان) كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٣).
(ولا يُكره قول: رمضان بإسقاط شهر) لظاهر حديث ابن عمر (٤). وذَكَر الموفق: أنه يُكره إلا مع قرينة الشهر. وذَكر الشيخ تقي الدين وجهًا: يُكره (٥). وفي "المنتخب": لا يجوز؛ لخبر أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُولُوا جاءَ رمَضانُ؛ فإن رمضانَ اسمٌ من أسمَاءِ الله تَعَالى" (٦). وقد ضُعِّفَ.
стр. 2140
وقال ابن الجوزي (١): هو موضوع.
وسُمِّي رمضان؛ لحرِّ جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحَرِّ.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة وافق شدة الحَرِّ.
وقيل: لأنه يَحرق الذنوب.
وقيل: موضوع لغير معنى، كبقية الشهور.
وجمعه: رمَضَانَاتٌ، وأرمِضةٌ، ورَمَاضين، وأرمُضٌ، ورَماض، ورَمَاضِي، وأرَاميض.
(ويجب صومه) أي: شهر رمضان (برؤية هلاله) لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) وقوله ﷺ : "صُومُوا لرؤيَتِهِ" (٣).
стр. 2141
والإجماع منعقد على وجوبه إذن (١).
(فإن لم يُرَ) الهلال ليلة الثلاثين من شعبان (مع الصَّحوِ، كمَّلوا عِدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صاموا) بغير خلاف، وصلوا التراويح، كما لو رأو، قاله في "المبدع".
ويُستحبُّ ترائي الهلال احتياطًا للصوم، وحذارًا من الاختلاف. وعن عائشة قالت: "كانَ النبيُّ ﷺ يَتحفَّظُ في شعبَانَ ما لا يتحَفَّظُ في غيرِهِ، ثم يصومُ لرؤيةِ رمضانَ" رواه الدارقطني (٢) بإسناد صحيح.
стр. 2142
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "أحصُوا هلال شعبانَ لرمضان" رواه الترمذي (١).
وإذا رأى الهلالَ، كبَّر ثلاثًا، وقال: "اللَّهُمَّ أهِلَّهُ علينا باليُمنِ والإيمان، والأمنِ والإيمان (٢)، ربِّي وربُّكَ الله" (٣). ويقول ثلاث
стр. 2143
مرات: "هلال خير ورُشد"، ويقول: "آمنتُ بالذي خلَقكَ"، ثم يقول: "الحمدُ لله الذِي ذهب بشهرِ كذا، وجاءَ بشهرِ كذا" (١). قاله
стр. 2144
في "الآداب الكبرى" (١). وروى الأثرمُ عن ابن عُمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلالَ قال: "الله أكبرُ (٢)، اللهمَّ أهِلَّهُ علينا بالأمن والإيمانِ، والسلامةِ والإِسلامِ، والتَّوفِيقِ لمَا تُحِبُّ وترضى، ربِّي وربُّكَ الله" (٣).
стр. 2145
(وإن حال دون منظره) أي: مطلع الهلال (غَيمٌ أو قَتَرٌ أو غيرُهما) كالدُّخان. والقَتَر، والقَتَرة - محركتين - الغَبَرة (ليلة الثلاثين من شعبان، لم يجب صومُه قبل رؤية هِلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين) يومًا (نصًّا) (١).
(ولا تثبت بقية توابعه) كصلاة التراويح، ووجوب الإمساك على مَن أصبح مفطرًا (واختاره الشيخ (٢) وأصحابه، وجَمعٌ) منهم أبو الخطاب وابن عقيل، ذكره في "الفائق"، وصاحب "التبصرة"، وصحَّحه ابن رَزين في "شرحه".
قال الشيخ تقي الدين (٣): هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وقال: لا أصل للوجوب في كلام الإمام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة.
وردَّ صاحب "الفروع" جميعَ ما احتجَّ به الأصحاب للوجوب، وقال: لم أجد عن أحمد صريحًا بالوجوب، ولا أمر به، فلا يتوجَّه إضافتُه إليه. انتهى. لما روى أبو هريرة مرفوعًا: "صومُوا لرؤيتِهِ وأفطِرُوا لرؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلُوا عِدَّةَ شعبانَ ثَلاثينَ يَومًا"، متفق عليه (٤)، ولأنه يومُ شَكِّ وهو منهيٌّ عنه، والأصل بقاءُ الشهر، فلا ينتقل عنه بالشك.
(والمذهب: يجب صومه) أي. صوم يوم الثلاثين
стр. 2146
من شعبان إن حال دون مَطلَعه غيمٌ، أو قَتَرٌ، ونحوهما (بنيَّةِ رمضان حكما ظنيًّا بوجوبه، احتياطًا لا يقينًا) اختاره الخِرقي، وأكثر شيوخ أصحابنا، ونصوص أحمد (١) عليه، وهو مذهب عُمر (٢)، وابنه (٣)، وعَمرو بن العاص (٤)، وأبي هريرة (٥)،
стр. 2147
وأنس (١)، ومعاوية (٢)، وعائشة (٣) وأسماء (٤) بنتي أبي بكر. وقاله جَمْع من التابعين (٥)؛ لما روى ابن عمر مرفوعًا قال: "إذا رأيتموه فصُومُوا، وإذا رأيتموه فأفطِرُوا، فإن غُمَّ عليكم، فاقدُرُوا له". متفق عليه (٦).
ومعنى: "فاقدُرُوا له" أي: ضَيِّقوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٧) أي: ضُيِّقَ، وهو أن يجعل شعبان تسعًا وعشرين يومًا.
ويجوز أن يكون معناه: اقدروا زمانًا يطلع في مثله الهلال، وهذا الزمان يصح وجوده فيه.
стр. 2148
أو يكون معناه: فاعلموا من طريق الحكم أنه تحت الغيم، كقوله (١) تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٢) أي: عَلِمناها، مع أن بعض المحققين قالوا: الشهر أصله تسع وعشرون، يؤيده ما رواه أحمد عن إسماعيل، عن أيوب، عن نافع، قال "كانَ عبد الله بن عُمرَ إذا مَضَى من شعبانَ تسعٌ وعشرون يومًا، بعثَ من ينظرُ له، فإن رآه، فذاك، وإن لم يَرَهُ ولم يَحُل دونَ منظرِهِ سحابٌ ولا قَتَرٌ، أصبَحَ مُفطِرًا، وإن حال دون منظَرِه سحابٌ أو قَتَرٌ، أصبَحَ صَائِمًا" (٣). ولا شَكَّ أنه راوي الخبر، وأعلم بمعناه، فتعيَّن المصيرُ إليه؛ كما رُجِعَ إليه في تفسير خيار المتبايعين (٤). يؤكِّده: قول عليٍّ (٥) وأبي هريرة (٦) وعائشة (٧): "لأن أصومَ يومًا من شعبانَ أحبُّ إليَّ مِن أن أُفطِرَ يومًا مِن رمضانَ"، ولأنه يُحتاط له، ويجب بخبر الواحد.
стр. 2149
وأُجيب عن الأول: بأن خبر أبي هريرة يرويه محمد بن زياد (١)، وقد خالفه سعيدُ بن المسيب، فرواه عن أبي هريرة: "فإن غُمَّ عليكم، فَصُومُوا ثلاثينَ" (٢). وروايته أَولى؛ لإمامته واشتهار عدالته وثقته، وموافقته لرأي أبي هريرة. وقال الإسماعيلي (٣): ذِكرُ "شعبان" فيه من تفسير ابن أبي إياس، وليس هو بيوم شَكٍّ كما يأتي (٤).
(ويُجزئه) صوم يوم الثلاثين حينئذ (إن بَانَ منه) أي: مِن رمضان، بأن ثبتت رؤيته بمكان آخر؛ لأن صيامه وقع بنيَّة رمضان. قيل للقاضي: لا يصح إلا بنيَّة، ومع الشَّكِّ فيها لا يجزم بها؟ فقال: لا يمنع التردد فيها للحاجة، كالأسير، وصلاة من خمس.
(وتُصلَّى التراويحُ ليلته إذن، احتياطًا للسُّنَّة) قال أحمد: القيام قبل الصيام (٥).
(وتثبت بقية توابعه) أي: الصوم (من وجوب كفَّارة بوطء فيه ونحوه) كوجوب الإمساك على مَن لم يُبيِّتِ النية ونحوه؛ لتبعيتها للصوم (ما لم يتحقَّق أنه مِن شعبان) بأن لم يَرَ مع الصحو هِلالَ شوال
стр. 2150
بعد ثلاثين ليلة من الليلة التي غُمَّ فيها هِلالُ رمضان، فيتبين أنه لا كفَّارة بالوطء في ذلك اليوم.
(ولا تثبت بقيةُ الأحكام مِن حلول الآجال، ووقوع المعلَّقات) من طلاق أو عِتق (وغيرها (١)) كانقضاء العِدة، ومدَّة الإيلاء؛ عملًا بالأصل، خُولف للنص، واحتياطًا لعبادة عامة.
"تتمة": قال ابن عَقيل: البعدُ مانعٌ كالغيم، فيجب على كل حنبلي يصوم مع الغيم أن يصوم مع البعد لاحتماله. انتهى.
قال ابن قُندس (٢): المراد بالبُعد: البُعد الذي يحول بينه وبين رؤية الهلال، كالمَطمُور والمسجون، ومَن بينه وبين المَطلَع شيء يحول كالجبل ونحوه.
(وإن نواه) أي: صوم يوم الثلاثين من شعبان (بلا مستند شرعيٍّ) من رؤية هلاله، أو إكمال شعبان، أو حيلولة غَيم، أو قَتَر ونحوه (كـ) ــأن صامه لـ (ـحساب، ونجوم) ولو كَثُرت إصابتهما (أو مع صحو، فَبَانَ منه، لم يجزئه) صومه؛ لعدم استناده لما يعوَّل عليه شرعًا (ويأتي) ذلك (٣).
(وكذا لو صام) يوم الثلاثين (تطوعًا، فوافق الشهر، لم يجزئه؛ لعدم التعيين.
وإن رأى الهِلال نهارًا، فهو لليلة المقبلة، قبل الزوال) كانت
стр. 2151
رؤيته (أو بعده، أول الشهر أو آخره، فلا يجب به صوم) إن كان في أول الشهر، (ولا يُباح به فِطر) إن كان في آخره؛ لما روى أبو وائل قال: "جاءنا كتابُ عمرَ: إن الأهلَّة بعضُهَا أكبر مِن بعض، فإذا رأيتُم الهلالَ نهارًا، فلا تفطروا، حتى تُمسُوا أو يشهَدَ رجلانِ مسلِمان أنهما رَأياه بالأمسِ عَشِيَّة". رواه الدارقطني (١). ورؤيتُه نهارًا ممكنة لعارض يعرض في الجوِّ يقل به ضوء الشمس، أو يكون قويَّ النظر.
"تنبيه": قال شيخ الإسلام زكريا في "شرح البهجة" (٢): والمراد بما ذُكر، أي: من أنه للمستقبلة، دَفعُ ما قيل: إن رؤيته تكون لليلة الماضية. انتهى. فلا (٣) أثر لرؤية الهلال نهارًا، وإنما يعتدُّ بالرؤية بعد الغروب.
قلت: ولعله مراد أصحابنا؛ لظاهر الخبر السابق، ولما يأتي فيمن علَّق طلاق امرأته برؤية الهلال، حيث قالوا: فَرُئي وقد غربت، فعُلم منه: أن الرؤية قبل الغروب لا تأثير لها.
(وإذا ثبتت رؤية الهلال بمكان، قريبًا كان أو بعيدًا، لزم الناسَ
стр. 2152
كلَّهم الصومُ، وحُكمُ مَن لم يرَه حُكمُ مَن رآه) لقوله ﷺ : "صُومُوا لرؤيتِهِ" (١). وهو خطاب للأمة كافَّة؛ ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، فكذا الصَّوم. ولو فرض الخطاب في الخبر للذين رأوه، فالغرضُ حاصل؛ لأن من صُوَر المسألة وفوائدها: ما إذا رآه جماعة ببلد، ثم سافروا إلى بلد بعيد، فلم يُرَ الهلالُ به في آخر الشهر، مع غَيم أو صحو، فلا يحلُّ لهم الفِطر، ولا لأهل ذلك البلد عند المخالف.
ومِن صُوَرها: ما إذا رآه جماعة ببلد، ثم سارت بهم ريح في سفينة فوصلوا إلى بلد بعيد في آخر الليل، لم يلزمهم الصوم في أول الشهر، ولم يحل لهم الفِطر في آخره عندهم.
وهذا كله مصادمٌ لقوله ﷺ : "صُومُوا لرؤيتِهِ، وأفطِرُوا لرؤيتِه" (٢).
وأما خبر كُريب قال: "قدمتُ الشامَ، واستهلَّ عليَّ هلالُ رمضانَ وأنا بالشَّامِ، فرأيناهُ ليلةَ الجمعةِ، ثم قدمتُ المدينةَ في آخر الشهر، فسألني ابن عبَّاس، فأخبرتُه، فقال: لكِنَّا رأيناه ليلةَ السَّبت، فلا نزالُ نصوم، حتى نكملَ ثلاثين، أو نراه، فقلتُ: ألا تكتفي برؤيةِ معاويةَ وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرَنَا رسولُ الله ﷺ ". رواه مسلم (٣). فدلَّ على أنهم لا يفطرون بقول كُريب وحده، ونحن نقول به، وإنما الخِلاف في وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث.
стр. 2153
وأجاب القاضي عن قول المخالف: الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها، وقد ثبت أنَّ لكل بلد حكم نفسه، كذا الهلال: بأن الشمس تتكرر مراعاتها في كل يوم تلحق به المشقة، فيؤدي إلى قضاء العبادات، والهلال في السنة مرة، فليس كبير مشقة في قضاء يوم، ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية.
(ولو اختلفتِ المطالع نصًّا (١)) وذكر الشيخ تقي الدين: أنها تختلف باختلاف (٢) أهل المعرفة (٣). لكن قال أحمد: الزوال في الدنيا واحد (٤).
(ويُقبل فيه) أي: في هِلال رمضان (قولُ عَدْل واحد) نصَّ عليه (٥)، وحكاه الترمذي (٦) عن أكثر العلماء؛ لأنه ﷺ صوَّم الناس بقول ابن عُمر، رواه أبو داود والحاكم (٧) وقال: على شرط مسلم.
стр. 2154
ولقَبوله خبر الأعرابي، رواه أبو داود والترمذي (١) من حديث ابن
стр. 2155
عباس. ولأنه خبر ديني وهو أحوط، ولا تُهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولاختلاف حال الرائي والمرئي، ولهذا لو حكم حاكم بشهادة واحد، عُمل بها وجوبًا.
و (لا) يُقبل فيه قول (مستور، ولا مميز) لعدم الثقة بقوله (في الغيم والصَّحو) متعلق بـ "يقبل" والمصر وخارجه (ولو) كان الرائي (في جمع كثير) ولم يره منهم غيرُه؛ لما سبق (وهو خبر) لا شهادة (فيُصام بقوله): رأيتُ الهلالَ، ولو لم يقل: أشهد - أو شهدت - أني رأيته.
(وتُقبل فيه المرأة والعبد) كسائر الأخبار.
(و لا يُعتبر) لوجوب الصوم (لفظُ الشهادة، ولا يختص بحاكم، فيلزم الصوم مَن سمعه مِن عدل. قال بعضهم: ولو رَدَّ الحاكمُ قوله. والمراد: إذا لم يَرَ الحاكم الصيام بشهادة واحد، ونحوه) كما لو ردَّه لعدم علمه بحاله، وجهله عدالته، أما لو ردَّه لفسقه المعلوم له، لم يلزم الصوم مَن سمعه يخبر برؤية الهلال؛ لأن ردَّه له إذن حُكمٌ بفسقه، فلا يقبل خبره.
(وتثبت بقيةُ الأحكام) إذا ثبتت رؤية هِلال رمضان بواحد (مِن وقوع الطلاق) والعَتَاق المعلَّقَين بدخول رمضان (وحلول الآجالِ) للديون المؤجَّلة إليه (وغيرها) كانقضاء العِدَّة، والخيار المشروط، ومدَّة الإيلاء ونحوها (تبعًا) للصوم.
(ولا يقبل في بقية الشهور) كشوَّال وغيره (إلا رَجُلان عَدلان)
стр. 2156
بلفظ الشهادة؛ لأن ذلك مما يطَّلع عليه الرِّجَال غالبًا، وليس بمال، ولا يقصد به المال، أشبه القصاص، وإنما تُرك ذلك في رمضان؛ احتياطًا للعبادة، وإنما جاز الفِطر بخبر واحد بغروب الشمس؛ لما يقارنه من أمارات تشهد بصدقه، لتميز وقت الغروب بنفسه، وعليه أمارات تورث غلبة الظَّن، فإذا انضمَّ إليها إخبار الثقة قويَ الظنُّ، وربما أفاد العلم، بخلاف هِلال الفطر، فإنه لا أمارة عليه. و - أيضًا - وقت الفطر ملازم لوقت صلاة المغرب، فإذا ثبت دخول وقت الصلاة بإخبار الثقة، ثبت دخول وقت الإفطار تبعًا له، ذكره في القاعدة الخمسين بعد المائة (١).
(وإذا صَاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا، فلم يَروا الهِلال، أفطروا) في الغيم والصحو؛ لأن شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء، فتبعًا لثبوت الصوم أَولى؛ ولأن شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات إخبار به عن يقين ومشاهدة، فكيف يقابلها الإخبار بنفي وعدم، ولا يقين معه؛ وذلك أنَّ الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر، ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنَّ النبي ﷺ قال: "وإن شَهِدَ شَاهِدَان، فصُومُوا وأفطِرُوا". رواه النسائي (٢).
стр. 2157
و (لا) يفطر (إن صاموا) الثلاثين يومًا (بشهادة واحد) لأنه فِطرٌ، فلا يجوز أن يُسند إلى واحد، كما لو شَهِدَ بهِلال شوَّال.
(وإن صاموا ثمانية وعشرين يومًا ثم رأوا الهلال، قضوا يومًا فقط، نصًّا) نقله حنبل (١)، واحتجَّ بقول علي (٢). ولأنه يبعد الغلط بيومين.
(وإن صاموا لأجل غَيم ونحوه) كَقَتَر ودخان (لم يفطروا) وجهًا واحدًا. قاله في "الشرح"؛ لأن الصوم إنما كان احتياطًا، فمع موافقته للأصل - وهو بقاء رمضان - أَولى.
(فلو غُمَّ هِلال شعبان ورمضان، وجب أن يُقدَّر رجب وشعبان
стр. 2158
ناقصين) احتياطًا للصوم (ولا يفطروا حتى يروا الهلال) لشوَّال (أو يصوموا اثنين وثلاثين يومًا) لأن الصوم إنما كان احتياطًا (وكذا الزيادة) أي: زيادة صوم يومين على الصوم الواجب (إن غُمَّ هِلال رمضان وشوَّال، وأكملنا شعبان ورمضان، وكانا ناقصين) فقد صِيم يومان زائدان على المفروض. وفي "المستوعب": وعلى هذا فَقِس، إذا غُمَّ هِلال رجب وشعبان ورمضان. انتهى. أي: فلا يفطروا حتى يَروا الهلال، أو يصوموا ثلاثة وثلاثين يومًا.
(قال الشيخ (١): قد يتوالى شهران، وثلاثة، وأكثر، ثلاثين ثلاثين) أي: كاملة، (وقد يتوالى شهران، وثلاثة، وأكثر، تسعة وعشرين يومًا. وفي "شرح مسلم" للنواوي) (٢) عن العلماء: (لا يقع النقص متواليًا في أكثر من أربعة أشهر) فيكون معنى قول الشيخ: "وأكثر" أي: أربعة فقط. وفي "الصحيحين" من حديث أبي بكرة: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضانُ وذُو الحجَّة" (٣). نقل عبد الله والأثرم وغيرهما (٤): لا يجتمع نقصانهما في سنة واحدة، ولعل المراد: غالبًا. وقيل: لا ينقص أجر العمل فيهما بنقص عددهما. وأنكر أحمد (٥) تأويل من أوَّله على السنة التي قال النبيُّ ﷺ ذلك فيها. ونقل
стр. 2159
أبو داود: لا أدري ما هذا؟ قد رأيناهما ينقصان (١).
(وقال الشيخ (٢) أيضًا: قول مَن يقول: إن رُئيَ الهِلال صبيحة ثمان وعشرين، فالشَّهر تام، وإن لم يُرَ، فهو ناقص، هذا بناء على أنَّ الاستسرار) أي: تواري الهلال (لا يكون إلا ليلتين، وليس بصحيح) لوجود خِلافه (بل قد يَستتر) الهلالُ (ليلة تارة، وثلاث ليال) تارة (أخرى).
(ومن رأى هِلال شهر رمضان وحدَه، ورُدَّت شهادته) لفسق أو غيره (لزمه الصَّوم، وجميع أحكام الشهر مِن طَلاق، وعِتق، وغيرهما، معلَّقَين به) لعموم قوله ﷺ : "صُومُوا لرؤيَتِهِ" (٣). وكَعِلمِ فاسق بنجاسة ماء، أو دَين على مورثه. ولأنه يتيقَّن أنه مِن رمضان، فلزمه صومه وأحكامه، بخلاف غيره مِن الناس (ولا يفطر إلا مع الناس) لأنَّ الفِطر لا يُباح إلا بشهادة عدلين.
(وإن رأى هِلال شوَّال وحده، لم يفطر) نقله الجماعة (٤)؛ لحديث أبي هريرة يرفعه قال: "الفِطرُ يومَ تُفطِرُونَ، والأضحَى يومَ تُضحُّونَ". رواه أبو داود وابن ماجه (٥). وعن عائشة قالت: قال
стр. 2160
رسول الله ﷺ : "الفِطرُ يومَ يفطرُ النَّاسُ، والأضحى يومَ يضحِّي النَّاسُ". رواه الترمذي (١). وقال: حسن صحيح غريب. ولاحتمال خطئه وتُهمتِه، فوجب الاحتياط، وكما لا يُعَرِّفُ ولا يضحِّي وحده، قاله الشيخ تقي الدين (٢). قال: والنزاع مبنيٌّ على أصل، وهو أنَّ الهلال: هل هو اسم لما يطلع في السماء، وإن لم يشتهر ولم يظهر، أو أنه لا يُسمَّى هِلالًا إلا بالظهور والاشتهار؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد (٣).
(وقال ابنُ عقيل: يجب الفِطر سرًّا، وهو حسن) لأنه تيقَّنه يوم عيد، وهو منهيٌّ عن صومه.
وأُجيب: بأنه لا يثبت به اليقين في نفس الأمر؛ إذ يجوز أنه خُيِّل إليه، فينبغي أنه يُتَّهم في رؤيته؛ احتياطًا للصوم، وموافقة للجماعة.
(والمنفرد برؤيته) أي: هلال شوَّال (بمَفَازة ليس بقُربه بلد، يبني على يقين رؤيته) فيفطر (لأنه لا يتيقَّن مخالفة الجماعة، قاله المجد
стр. 2161
في "شرحه") على "الهداية".
(ويُنكر على مَن أكل في) نهار (رمضان ظاهرًا، وإن كان هناك عُذر، قاله القاضي) لئلا يُتَّهم (وقيل لابن عَقيل: يجب مَنْع مسافر ومريض وحائض مِن الفطر ظاهرًا؛ لئلا يُتَّهم؟ فقال: إن كانت أعذار خفية، مُنِعَ مِن إظهاره، كمريض لا أماره له، ومسافر لا علامة عليه) للتُّهمة، بخلاف الأعذار الظاهرة. وهذا كالتقييد لكلام القاضي.
(وإن رآه) أي: هلال شوَّال (عَدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، جاز لمن سمع شهادتهما الفِطر، إذا عَرف عدالتهما، و) جاز (لكلِّ واحد منهما أن يفطر بقولهما، إذا عَرف عدالة الآخر) ذكره في "المغني" و"الشرح"؛ لقوله ﷺ : "فإن شهِدَ شاهِدانِ، فصُومُوا وأفطِرُوا". رواه النسائي (١). وقدَّم في "المبدع" عدم الجواز، وأنه قياس المذهب.
(وإن شهدا عند الحاكم) برؤية هِلال شوَّال (فرَدَّ) الحاكمُ (شهادتهما؛ لجهله بحالهما، فلمَن علِمَ عدالتهما الفِطر؛ لأن ردَّه هاهنا ليس بحكم منه) بعدم قَبول شهادتهما (إنما هو توقُّف لعدم عِلمه) بحالهما (فهو كالوقوف عن الحكم انتظارًا للبيِّنةِ، ولهذا لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك) مِمَّن (٢) زكَّاهما (حكم بها) لوجود المقتضي، والخلاف في هذه كالتي قَبلها. وأما إذا ردَّ شهادتهما لفسقهما، فليس لهما ولا لغيرهما الفِطر بشهادتهما.
(وإن لم يعرف أحدُهما عدالة الآخر، لم يجز له الفِطر) لاحتمال
стр. 2162
فسقه (إلا أن يحكمَ بذلك حاكم) فيزول اللبس.
وكذا لو جهل غيرُهما عدالتهما أو عدالة أحدهما، فليس له الفِطر إلا أن يحكم بذلك الحاكم.
(وإذا اشتبهت الأشهر على أسير أو مطمور، أو مَن بمَفَازة ونحوهم) كمَن بدار حرب (تحرَّى) أي: اجتهد في معرفة شهر رمضان (وجوبًا) لأنه أمكنه تأدية فَرضه بالاجتهاد، فلزمه كاستقبال القِبلة (وصام) الذي ظهر له أنه رمضان (فإن وافق) ذلك (الشَّهر) أي: شهر رمضان (أجزأه، وكذا) إن وافق (ما بعده) أي: بعد رمضان كذي القعدة، أو محرَّم، ونحوه كالصلاة (إن لم يكن) الشهر الذي صامه (رمضان السَّنَة القابلة، فإن كان، فلا يجزئ عن واحد منهما) لاعتبار نيَّةِ التعيين.
(وإن تبيَّن أن الشهر الذي صامه) يظنُّه رمضان (ناقص، ورمضان) الذي فاته (تمام، لزمه قضاء النقص) لأن القضاء يجب أن يكون بعدد المتروك، بخلاف مَن نَذَرَ شهرًا وأطلق؛ لأنه يُحمل على ما تناوله الاسم (ويأتي) ذلك (في حكم القضاء).
(ويقضي يومَ عيد، وأيامَ التشريق) يعني: لو صام ذا الحجة باجتهاده أنه رمضان، لزمه قضاء يومِ العيد، وأيام التشريق؛ لعدم صحة صومها.
(وإن وافق) صومه شهرًا (قبله) أي: قبل رمضان كشعبان (لم يجزئه) نصَّ عليه (١)؛ لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، فلم يجزئه،
стр. 2163
كالصلاة. فلو وافق بعضُه رمضان، فما وافقه أو بعده أجزأه، دون ما قبله.
(وإن تحرَّى وشَكَّ: هل وقع) الشهر الذي صامه (قبلَه) أي: قبل رمضان (أو بعده؟ أجزأه) لتأدية فرضه بالاجتهاد، ولا يضرُّ التردُّد في النيَّة لمكان الضرورة.
(ولو صام شعبان ثلاث سنين متوالية، ثم عَلِمَ) أنَّ صومه كان بشعبان في الثلاث سنين (صام ثلاثة أشهر) بنيَّة قضاء ما فاته مِن الرمضانات (شهرًا على إثر شهر) أي: شهرًا بعد شهر، يرتبها بالنيَّة. (كالصلاة إذا فاتته) نَقَلَه مُهنَّا (١)، أي: فإنَّ الترتيب بين الصلوات واجب، فكذا بين الرمضانات إذا فاتت.
(وإن صام) مَنِ اشتبهت عليه الأشهر (بلا اجتهاد، فَكَمَن خفيت عليه القِبلة) لا يجزئه مع القدرة على الاجتهاد.
(وإن ظَنَّ الشهر لم يدخل، فصام، لم يجزئه ولو أصاب. وكذا لو شَكَّ في دخوله) أي: دخول شهر رمضان، ولم يغلب على ظَنِّه دخوله، كما لو تردَّد في دخول وقت الصلاة.
стр. 2164
فصل
(ولا يجب الصومُ) أي: صوم رمضان (إلا على مُسلِم، عاقل، بالغ، قادر عليه) أي: الصوم، لما يأتي (فلا يجب على كافر، ولو مرتدًّا) لأنه عبادة بدنية محضة، تفتقر إلى النيَّة، فكان مِن شَرطه الإسلام كالصلاة (والرِّدَّة تمنع صحَّة الصوم، فلو ارتدَّ في يوم) وهو صائم فيه، بَطلَ صومُه؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١) (ثم) إن (أسلم فيه، أو) أسلم (بعدَه، أو ارتدَّ في ليلته، ثم أسلم فيه، فعليه القضاء) أي: قضاء ذلك اليوم إن كان فرضًا؛ لأنه استقرَّ عليه بإدراك جزء منه مسلِمًا، كالصَّلاة يدرك جزءًا مِن وقتها.
(ولا يجب) الصوم (على مجنون) لحديث: "رُفِع القلمُ عن ثلاث" (٢) (ولا يصح منه) لعدم إمكان النيَّة منه.
(ولا) يجب (على صغير) ولو مراهقًا؛ للحديث السابق.
(ويصحُّ) الصومُ (من مميز) كصلاته (ويجب على وَليِّه) أي: المميز (أَمرُه به إذا أطاقه، وضَربُه حينئذ عليه) أي: الصوم (إذا تركه ليعتاده) كالصلاة، إلا أن الصوم أشقُّ، فاعتُبرت له الطاقة؛ لأنه قد يطيق الصلاة مَن لا يطيق الصيام.
(وإذا قامت البينةُ بالرؤية) أي: رؤية هِلال رمضان (في أثناء النهار) متعلِّق بـ "قامت" (لزمهم) أي: أهل وجوب الصوم (الإمساكُ،
стр. 2165
ولو بعد فِطرهم) لتعذُّر إمساك الجميع، فوجب أن يأتوا بما يقدرون عليه؛ لحديث: "إذا أمَرتكم بأمر، فائتُوا منه ما استطعتُم" (١)، وكذا (٢) لو تعمَّدوا الأكلَ في يوم آخر منه (و) لزمهم (القضاء) لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح، فلزمهم قضاؤه؛ للنصِّ.
(وإن أسلم كافرٌ، أو أفاق مجنونٌ، أو بَلَغ صغيرٌ) مفطِرًا (فكذلك) أي: مَن صار في أثناء يوم مِن رمضان أهلًا للوجوب، لزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه؛ لحرمة الوقت، ولقيام البيِّنة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءًا مِن وقته كالصلاة (و) كذا (كلُّ مَن أفطر، والصوم يجب عليه) فإنه يلزمه الإمساك والقضاء (كالفِطر لغير عُذر).
(ومن أفطر يظنُّ أنَّ الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو) يظنُّ (الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي للنية، أو طَهُرت حائضٌ أو نُفساء، أو تعمَّدت) مكلَّفة (الفِطر، ثم حاضت) أو نَفِسَت (أو تعمَّده) أي: الفِطر (مقيم ثم سافر) فكلهم يلزمهم الإمساكُ والقضاءُ؛ لما سبق.
(أو قدم مسافرٌ) أو أقام ما يمنع القصرَ (أو برئ مريض مفطرين، فعليهم القضاءُ والإمساكُ) لما سبق.
(وإن بَلَغ الصغير) ذكرًا كان أو أنثى في أثناء نهار رمضان (بِسِنٍّ) أي: تمام خمس عشرة سنة (أو احتلام) أي: إنزال مَني بسبب حُلم، (صائمًا، أتمَّ صومه) بغير خِلاف (ولا قضاء عليه، إن كان نوى مِن الليل) لأنه نواه من الليل فأجزأه كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أوَّله
стр. 2166
نفلًا وباقيه فرضًا (كنذر إتمام نَفل) وعند أبي الخطاب: عليه القضاء.
(ولا يلزم مَن أفطر في صوم واجب - غير رمضان - الإمساك) لعدم حُرمة الوقت.
(وإن عَلِمَ مسافر أنه يقدم غدًا، لزمه الصوم، نصًّا) نقله أبو طالب وأبو داود (١)، كمَن نَذَرَ صوم يوم يقدم فلان، وعَلِم قدومه في غد، فينويه مِن الليل (بخلاف صبي يعلم أنه يبلغ غدًا) فلا يلزمه الصَّوم (لعدم تكليفه) قبل دخول الغد، بخلاف المسافر.
(ومَن عجَز عن الصوم لِكِبَر) وهو الهِمُّ والهِمَّة (٢) (أو مرض لا يُرجى بُرؤه، أفطر) أي: له ذلك إجماعًا (٣) (لعدم وجوبه) أي: الصوم (عليه) لأنه عاجز عنه؛ فلا يكلِّف به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٤) (وأطعم عن كل يوم مسكينًا ما يجزئ في كفارة) مدًّا من بُرٍّ، أو نصف صاع مِن تمر أو زبيب أو شعير أو أَقط؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (٥): "ليست بمنسوخة في الشيخ الكبير (٦) والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان الصوم
стр. 2167
فيطعمان مكان كلِّ يوم مسكينا". رواه البخاري (١)، ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ، ولم يدركه، رواه أحمد (٢).
(ولا يجزئ أن يصوم عنه) أي: عن الكبير والمريض الذي لا يُرجى بُرؤه (غيرُه) رمضان ولا قضاؤه، ولا كفارة؛ لأنه عبادة بدنية محضة، وجبت بأصل الشرع، فلم تدخله النيابةُ كالصلاة.
(وإن سافر) الكبيرُ العاجز عن الصوم (أو مَرِضَ، فلا فِدية) عليه.
стр. 2168
(لأنه أفطر بعُذر معتاد، ولا قضاء) لعجزه عنه. ويُعايَا (١) بها (٢).
(وإن) أطعم ثم (قَدرَ على القضاء، فكمعضوب) بالعين المهملة ثم الضاد المعجمة، والمراد به العاجز عن الحج، ويأتي (أَحَجَّ (٣) عنه ثم عُوفي) ذكره المجد. وظاهره: أنه لا يجب القضاء، بل يتعيَّن الإطعام، قاله في "المبدع". ومفهومه: أنه لو عُوفي قيل الإطعام، تعيَّن القضاء، كالمعضوب إذا عُوفي قبل إحرام نائبه.
(ولا يَسقطُ الإطعامُ) عن العاجز عن الصوم لكِبَر أو مرض لا يُرجى بُرؤه (بالعجز) عنه، كفدية الحج، فمتى قَدرَ عليه، أطعم (ويأتي قريبًا) (٤).
(والمريض) غير المأيوس مِن بُرئه (إذا خاف) بصومه (ضررًا بزيادة مرضه، أو طوله) أي: المرض (ولو بقول مسلم ثقة، أو كان صحيحًا فَمَرِضَ في يومه، أو خاف مرضًا لأجل عطش أو غيره، سُنَّ فِطره، وكُرِه صومه وإتمامه) أي: الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) أي: فَليُفطر، وليقضِ عدد ما أفطر؛ ولأن فيه قَبول الرُّخصة مع التلبس بالأخف؛
стр. 2169
لقوله ﷺ : "ما خُيِّرتُ بينَ أمرينِ إلَّا اختَرتُ أيسَرَهمَا" (١). قال في "المبدع": فلو خاف تلفًا بصومه، كُرِه. وجزم جماعة بأنه يحرم، ولم يذكروا خِلافًا في الإجزاء.
(فإن صام) المريضُ مع ما سبق (أجزأه) صومُه، نقله الجماعة؛ لصدوره مِن أهله في محله، كما لو أتم المسافر.
(ولا يفطر مريضٌ لا يتضرَّرُ بالصوم، كمَن به جَرَبٌ أو وَجَعُ ضِرس أو أصبع، أو دُمَّلٌ (٢) ونحوه) قيل لأحمد: متى يُفطرُ المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأيُّ مرض أشدُّ مِن الحُمَّى (٣)؟! (وقال) أبو بكر (الآجري: مَن صنعته شاقةٌ، فإن خاف) بالصوم (تَلَفًا، أفطر وقضى) إن ضرَّه تَرك الصنعة (فإن لم يضرُّه تَرْكها، أَثِمَ) بالفِطر ويتركها (وإلا) أي: وإن لم ينتفِ التضرُّر بتركها (فلا) إثم عليه بالفِطر للعُذر.
(ومَن قاتل عدوًّا، أو أحاط العدو ببلده، والصومُ يضعِفُه) عن القتال (ساغ له الفِطر بدون سفر، نصًّا) (٤) لدعاء الحاجة إليه.
стр. 2170
(ومَن به شَبَقٌ (١) يخاف أن ينشقَّ ذَكَرُه) أو أنثياه أو مثانته (جامع وقضى، ولا يكفِّر، نصًّا (٢)) نقله إسماعيل بن سعيد الشالنجي. قال أحمد: يجامع ولا يكفِّر، ويقضي يومًا مكانه، وذلك أنه إذا أخذ الرجل هذا ولم يجامع خِيف عليه أن ينشقَّ فَرْجه.
(وإن اندفعت شهوته بغيره) أي: غير الجماع (كالاستمناء بيده، أو يد زوجته أو) يد (جاريته، ونحوه) كالمفاخذة (لم يجز) له الوطء، كالصائل يندفع بالأسهل، لا ينتقل إلى غيره.
(وكذا إن أمكنه أن لا يُفسد صومَ زوجته) أو أَمَته (المسلمة البالغة؛ بأن يطأ زوجتَه أو أَمَتَه الكتابيتين، أو) يطأ (زوجته أو) أَمَته الصغيرتين) أو المجنونتين (أو) اندفعت شهوتُه بالوطء (دون الفَرْج) فلا يُباح له إفساد صومها (٣)؛ لعدم الضرورة إليه.
قلت: ولعل قياس ذلك إذا أمكنه وطء مَن لزمها الإمساك، كمَن طَهُرت ونحوها في أثناء النهار؛ لأن الإمساك دون الصوم الشرعي خصوصًا فيما فيه خِلاف في وجوبه.
(وإلا) أي: وإن لم يمكنه عدم إفساد صوم الزوجة أو الأَمَة المسلمة البالغة (جاز) له إفساد صومها (للضَّرورة) كأكل الميتة للمضطر (ومع الضرورة إلى وطء حائض وصائمة بالغ) بأن لم يكن له
стр. 2171
غيرهما (فوطء الصائمة أَولَى) مِن وطء الحائض؛ لأن تحريم وطء الحائض بنصِّ القرآن.
(وإن لم تكن) الزوجة أو الأَمَة الصائمة (بالغًا، وجب اجتناب الحائض) للاستغناء عنه بلا محذور، فيطأ الصغيرة وكذا المجنونة.
(وإن تعذَّر قضاؤه) أي: ذي الشَّبَقِ (لدوام شَبَقِه، فكَكَبير عَجَز عن الصوم، على ما تقدم) فيطعم لكل يوم مسكينًا، ولا قضاء إلا مع عُذر معتاد كمرض أو سفر، فلا إطعام ولا قضاء، كما تقدَّم في الكبير، ولعل حكم زوجته أو أَمَته التي ليس له غيرها كذلك.
(وحكم المريض الذي ينتفع بالجِماع) في مرضه (حكم مَن خاف تشقُّقَ فَرجِه) في جواز الوطء مع الكفَّارة (١) وإفساد صوم زوجته، وأَمَته وعدمه.
(و المسافرُ سَفَرَ قَصر يُسنُّ له الفِطر، إذا فارق بيوت قريته) العامرة (كما تقدَّم (٢) في القَصر) موضحًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
(ويُكره صومه، ولو لم يجد مشقَّة) لقوله ﷺ : "ليسَ مِن البِرِّ الصَّومُ في السَّفَرِ" متفق عليه من حديث جابر (٤)، ورواه النسائي
стр. 2172
وزاد: "عليكُم برخصَةِ الله التي رخَّص لكم فاقبَلُوهَا" (١)، وصَحَّ عنه ﷺ أنه لما أفطر في السَّفر وبلغه أن قومًا صاموا قال: "أُولئِكَ العُصَاةُ" (٢).
قال المجد: وعندي لا يُكره لمن قَوِيَ، واختاره الآجري.
(ويجزئه) أي: يجزئ المسافر الصوم برمضان، نقله الجماعة (٣). ونقل حنبل (٤): لا يُعجبني، واحتجَّ بقوله ﷺ : "ليس من البِرِّ الصَّوم في السَّفَرِ". وعُمر (٥)
стр. 2173
وأبو هريرة (١) يأمرانه بالإعادة. وقاله الظاهرية (٢)، ويُروى عن عبد الرحمن بن عوف (٣) وابن عُمر (٤) وابن عبَّاس (٥). قال في "الفروع"
стр. 2174
و"المبدع": والسُّنَّة الصحيحة تردُّ هذا القول (١).
(لكن لو سافر ليفطر، حَرُمَا) أي: السَّفر والفِطر (عليه) حيث لا عِلَّة لسفره إلا الفِطر، أما حُرمة الفِطر، فلعدم العُذر المبيح له، وأما حُرمة السَّفر؛ فلأنه وسيلة إلى الفِطر المحرَّم.
(ولا يجوز لمريض ومسافر أُبيح لهما الفِطر أن يصوما في رمضان عن غيره) مِن قضاء ونذر وغيرهما (كمقيم صحيح) لأن الفِطر أُبيح تخفيفًا ورُخصة، فإذا لم يؤدِّه، لزمه الإتيان بالأصل، كالجمعة وكالمقيم الصحيح؛ ولأنه لو قبل صومًا من المعذور، لقبله من غيره، كسائر الزمان المتضيق للعبادة (فيلغو صومه) إذا صام في رمضان عن غيره، ولا يقع عن رمضان؛ لعدم تعيين النية له.
(ولو قلب صومَ رمضان إلى نَفْلٍ، لم يصحَّ له النفلُ) لما تقدَّم، (وبَطَلَ فرضه) لقطع نيَّته.
(ومَن نوى الصومَ في سفر، فله الفِطر بما شاء مِن جِماع وغيره) كأكل وشرب (لأن مَن) أُبيح (له الأكل) أُبيح (له الجِماع) كَمَن لم ينوِ (ولا كفَّارة) عليه بالوطء (لحصول الفِطر بالنية قبل الفعل) أي:
стр. 2175
الجماع، فيقع الجماع بعدَه (وكذا مريض يُباح له الفِطر) إذا نوى الصومَ، له الفِطر بما شاء مِن جماع وغيره؛ لما تقدم.
(وإن نوى الحاضرُ صومَ يوم، ثم سافر في أثنائه) سفرًا يبلغ المسافة (طوعًا أو كرهًا، فله الفِطر بعد خروجه) ومفارقته بيوت قريته العامرة؛ لظاهر الآية والأخبار الصريحة. منها: ما روى عُبيد بن جبير (١) قال: "ركبتُ مع أبي بَصرةَ الغِفَاري من الفُسطاطِ في شهرِ رمضانَ، ثم قَرَّبَ غَداءهُ، فقال: اقترب. قلت: ألستَ تَرى البيوت؟ قال: أترغَبُ عن سُنَّةِ رسول الله ﷺ ؟ فأكَلَ" رواه أبو داود (٢). ولأن