غيرهما (فوطء الصائمة أَولَى) مِن وطء الحائض؛ لأن تحريم وطء الحائض بنصِّ القرآن.
(وإن لم تكن) الزوجة أو الأَمَة الصائمة (بالغًا، وجب اجتناب الحائض) للاستغناء عنه بلا محذور، فيطأ الصغيرة وكذا المجنونة.
(وإن تعذَّر قضاؤه) أي: ذي الشَّبَقِ (لدوام شَبَقِه، فكَكَبير عَجَز عن الصوم، على ما تقدم) فيطعم لكل يوم مسكينًا، ولا قضاء إلا مع عُذر معتاد كمرض أو سفر، فلا إطعام ولا قضاء، كما تقدَّم في الكبير، ولعل حكم زوجته أو أَمَته التي ليس له غيرها كذلك.
(وحكم المريض الذي ينتفع بالجِماع) في مرضه (حكم مَن خاف تشقُّقَ فَرجِه) في جواز الوطء مع الكفَّارة (١) وإفساد صوم زوجته، وأَمَته وعدمه.
(و المسافرُ سَفَرَ قَصر يُسنُّ له الفِطر، إذا فارق بيوت قريته) العامرة (كما تقدَّم (٢) في القَصر) موضحًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
(ويُكره صومه، ولو لم يجد مشقَّة) لقوله ﷺ : "ليسَ مِن البِرِّ الصَّومُ في السَّفَرِ" متفق عليه من حديث جابر (٤)، ورواه النسائي
стр. 2172
وزاد: "عليكُم برخصَةِ الله التي رخَّص لكم فاقبَلُوهَا" (١)، وصَحَّ عنه ﷺ أنه لما أفطر في السَّفر وبلغه أن قومًا صاموا قال: "أُولئِكَ العُصَاةُ" (٢).
قال المجد: وعندي لا يُكره لمن قَوِيَ، واختاره الآجري.
(ويجزئه) أي: يجزئ المسافر الصوم برمضان، نقله الجماعة (٣). ونقل حنبل (٤): لا يُعجبني، واحتجَّ بقوله ﷺ : "ليس من البِرِّ الصَّوم في السَّفَرِ". وعُمر (٥)
стр. 2173
وأبو هريرة (١) يأمرانه بالإعادة. وقاله الظاهرية (٢)، ويُروى عن عبد الرحمن بن عوف (٣) وابن عُمر (٤) وابن عبَّاس (٥). قال في "الفروع"
стр. 2174
و"المبدع": والسُّنَّة الصحيحة تردُّ هذا القول (١).
(لكن لو سافر ليفطر، حَرُمَا) أي: السَّفر والفِطر (عليه) حيث لا عِلَّة لسفره إلا الفِطر، أما حُرمة الفِطر، فلعدم العُذر المبيح له، وأما حُرمة السَّفر؛ فلأنه وسيلة إلى الفِطر المحرَّم.
(ولا يجوز لمريض ومسافر أُبيح لهما الفِطر أن يصوما في رمضان عن غيره) مِن قضاء ونذر وغيرهما (كمقيم صحيح) لأن الفِطر أُبيح تخفيفًا ورُخصة، فإذا لم يؤدِّه، لزمه الإتيان بالأصل، كالجمعة وكالمقيم الصحيح؛ ولأنه لو قبل صومًا من المعذور، لقبله من غيره، كسائر الزمان المتضيق للعبادة (فيلغو صومه) إذا صام في رمضان عن غيره، ولا يقع عن رمضان؛ لعدم تعيين النية له.
(ولو قلب صومَ رمضان إلى نَفْلٍ، لم يصحَّ له النفلُ) لما تقدَّم، (وبَطَلَ فرضه) لقطع نيَّته.
(ومَن نوى الصومَ في سفر، فله الفِطر بما شاء مِن جِماع وغيره) كأكل وشرب (لأن مَن) أُبيح (له الأكل) أُبيح (له الجِماع) كَمَن لم ينوِ (ولا كفَّارة) عليه بالوطء (لحصول الفِطر بالنية قبل الفعل) أي:
стр. 2175
الجماع، فيقع الجماع بعدَه (وكذا مريض يُباح له الفِطر) إذا نوى الصومَ، له الفِطر بما شاء مِن جماع وغيره؛ لما تقدم.
(وإن نوى الحاضرُ صومَ يوم، ثم سافر في أثنائه) سفرًا يبلغ المسافة (طوعًا أو كرهًا، فله الفِطر بعد خروجه) ومفارقته بيوت قريته العامرة؛ لظاهر الآية والأخبار الصريحة. منها: ما روى عُبيد بن جبير (١) قال: "ركبتُ مع أبي بَصرةَ الغِفَاري من الفُسطاطِ في شهرِ رمضانَ، ثم قَرَّبَ غَداءهُ، فقال: اقترب. قلت: ألستَ تَرى البيوت؟ قال: أترغَبُ عن سُنَّةِ رسول الله ﷺ ؟ فأكَلَ" رواه أبو داود (٢). ولأن
стр. 2176
السَّفر مُبيحٌ للفِطر، فأباحه في أثناء النهار كالمرض الطارئ، ولو بفعله. والصلاة لا يشقُّ إتمامها، وهي آكد؛ لأنه متى وجب إتمامها لم تُقصر بحال.
و (لا) يجوز له الفِطر (قبله) أي: قبل خروجه؛ لأنه مقيم (والأفضل له) أي: لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه (الصومُ) أي: إتمام صوم ذلك اليوم، خروجًا مِن خِلاف مَن لم يُبح له الفِطر، وهو قول أكثر العلماء (١)، تغليبًا لحكم الحضر، كالصلاة.
(والحامل والمرضِع إذا خافتا الضَّرر على أنفسهما) أُبيح لهما الفِطر، كالمريض (أو) خافتا الضَّرر على (ولديهما، أُبيح لهما الفِطر) لأن خوفهما خوف على آدمي، أشبه خوفهما على أنفسهما (وكُره صومهما) كالمريض.
(ويجزئ) صومهما (إن فعلتا) أي: صامتا كالمريض والمسافر.
(وإن أفطرتا، قضتا) ما أفطرتاه كالمريض (ولا إطعام) على أحد (إنْ خافتا على أنفسهما، كمريض) يضرُّه الصومُ؛ فإنه يقضي مِن غير إطعام (بل إن خافتا على ولديهما) فقط (أطعمتا مع القضاء) لأنه كالتكملة له (عن كلِّ يوم مسكينًا ما يجزئ في الكفَّارة) لقوله تعالى:
стр. 2177
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١)، قال ابن عباس: "كانت رخصة للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرة وهما يُطيقَانِ الصيامَ أن يفطِرَا ويطعمَا مكانَ كلِّ يوم مسكينًا، والحُبلى والمرضِع إذا خافَتا عَلى أولادِهِمَا أفطَرتا وأطعمتَا" رواه أبو داود (٢). ورُوي ذلك عن ابن عُمر (٣)، ولا مخالف لهما في الصحابة؛ ولأنه فِطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخِلقة، فوجب به الكفَّارة، كالشيخ الهَرِم.
стр. 2178
(وهو) أي: الإطعام (على مَن يَمون (١) الولدَ) لأن الإرفاق للولد. ويجب الإطعام (على الفَور) لأنه مقتضى الأمر، وكسائر الكفَّارات، وذكر المجدُ أنه إن أتى به مع القضاء، جاز؛ لأنه كالتكملة له. وهذا مقتضى كلام المصنف أولا.
(وأن قَبِلَ ولدُ المرضعة ثدي غيرها، وقدرت تستأجر له، أو له) من المال (ما يُستأجر منه، فَعَلت) أي: استأجرت له (ولم تفطر) لعدم الحاجة إليه.
(وله صَرْفُ الإطعام إلى مسكين واحد جملة واحدة) لظاهر الآية.
(وحُكمُ الظِّئرِ) أي: المرضعة لولد غيرها (كمرضع) لولدها (فيما تقدَّم) مِن الفِطر وعدمه، والفِدية وعدمها.
(فإن لم تفطر) الظِّئرُ (فتغيَّر لبنها) بالصوم (أو نقص، خُيِّر المستأجر) بين فَسْخِ الإجارة وإمضائها (وإن قصدت) الظِّئرُ (الإضرار) للرضيع بصومها (أثِمت، وكان للحاكمِ إِلزامُها بالفِطر بطلب المستأجر) ذكره ابن الزاغوني. وقال أبو الخطاب: إن تأذَّى الصبي بنقصه أو تغييره، لزمها الفِطر، فإن أبَت فلأهله الفسخُ. ويؤخذ مِن هذا: أنه يلزم الحاكم إلزامها بما يلزمها، وإن لم تقصد الضَّرر، بلا طلب قبل الفسخ، وهذا مُتجِهٌ، قاله في "الفروع"، وجزم بمعناه في "المنتهى".
(ولا يسقط الإطعام بالعجز) كالدَّين (وكذا) الإطعام (عن الكبير،
стр. 2179
و) المريض (المأيوس) منه، وتقدم (١).
(و لا) يسقط (إطعام مَن أخَّر قضاء رمضانَ) حتى أدركه رمضانُ آخر (و) لا إطعام (غيره) مما وجب بنذر أو كفَّارة بالعجز (غير كفَّارة الجِماع) في الحيض، وتقدم في بابه (٢)، وغير كفَّارة الجماع في نهار رمضان (ويأتي) في الباب بعده (٣).
(ولو وجد آدميًّا معصومًا في هلكة، كغريق، لزمه مع القدرة إنقاذُه) من الهلكة (وإن دخل الماء في حَلْقِهِ، لم بفطر) كمَن طار إلى حَلْقِهِ ذبابٌ أو غُبار بلا قصد (وإن حصل له) أي: للمُنقِذ (بسبب إنقاذه ضَعفٌ في نفسه، فأفطر، فلا فِدية) على المُنقِذ، ولا على المُنقَذ (كالمريض) وإنِ احتاج في إنقاذه إلى الفِطر، وجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(ومَن نوى الصومَ ليلًا، ثم جُنَّ أو أُغميَ عليه جميع النَّهار، لم يصحَّ صومه) لأنه عبارة عن الإمساك مع النيَّة، ولم يوجد الإمساك المضاف إليه كما دلَّ عليه قوله في الحديث القُدسي: "إنهُ ترَكَ طعامَهُ وشَرابَه مِن أجلي" (٤). فلم تُعتبر النيةُ منفردة عنه.
(وإن أفاق) المجنون أو المُغمى عليه (جزءًا منه) أي: من اليوم الذي بيَّت النية له (صَحَّ) صومه؛ لقصد الإمساك في جزء من النهار،
стр. 2180
كما لو نام بقية يومه. وظاهره: أنه لا يتعيَّن جزء للإدراك، ولا يُفسِدُ الإغماءُ (١) بعض اليوم الصومَ، وكذا الجنون.
وقيل: يُفسِد الصومَ كالحيض، وأَولى؛ لعدم تكليفه.
وأجيب: بأنه زوال عَقل في بعض اليوم، فلم يمنع صحته كالإغماء، ويُفارق الحيضَ، فإنه لا يمنع الوجوب، وإنما يمنع صحَّته، ويحرم فِعله. ذكره في "المبدع".
(ومَن جُنَّ في صومِ قضاءٍ وكفَّارةٍ، ونحوهما) كنذر (قضاه) إذا أفاق (بالوجوب السابق) كقضاء الصلاة، لا بأمر جديد.
(وإن نام) مَن نوى الصومَ (جميعَ النهار، صَحَّ صومه) لأنه معتاد، ولا يزيل الإحساس بالكلية.
(ولا يلزم المجنون قضاء زمن جنونه) سواء كان الشَّهرَ كلَّه أو بعضه؛ لعدم تكليفه.
(ويلزم) القضاء (المُغمى عليه) لأنه مَرَضٌ، وهو مُغَطٍّ على العقل، غيرُ رافع للتكليف، ولا تطول مدته، ولا تثبت الولاية على صاحبه، ويدخل على الأنبياء ﵈.
стр. 2181
فصل
(ولا يصحُّ صومٌ) إلا بنيَّة. ذكره الشارح إجماعًا (١)، كالصلاة والحجَّ؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢). ولا صوم (واجب إلا بنيَّة مِن الليل) لما روى ابنُ عُمر عن حفصة أنَّ النبي ﷺ قال: "مَن لم يُجمِع (٣) الصيامَ قبلَ الفجرِ، فلا صيامَ له" رواه الخمسة (٤).
قال الترمذيُّ والخطابيُّ (١): رَفَعَهُ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة، وهو مِن الثقات، ووافقه على رَفْعِهِ ابنُ جريج عن الزهري، رواه النسائيُّ (٢). ولم يُثبت أحمدُ رَفْعَه (٣)، وصحَّحَ الترمذيُّ أنه موقوف
стр. 2184
على ابن عُمر (١).
وعن عائشة مرفوعًا: "من لم يُبيِّت الصيامَ قبلَ طلوع الفجر، فلا صيامَ لهُ". رواه الدارقطني (٢) وقال: إسناده كلهم ثقات. وفي لفظ للزُّهري: "من لم يُبَيِّت الصيامَ من الليل، فلا صيامَ لهُ" (٣).
стр. 2185
لا يُقال في صيام عاشوراء: قد وَرَدَ بنيَّة مِن النهار، وقد كان واجبا؛ لأن وجوبه كان نهارًا كمن صام تطوعًا، ثم نذره، على أن جماعة ذكروا أنه ليس بواجب؛ ولأن النية عند ابتداء العبادة كالصلاة.
وفي أي وقت من الليل نوى، أجزأه؛ لإطلاق الخبر.
(لكلِّ يوم) مِن رمضان (نيَّةٌ مفردة ؛ لأنها) أي: أيام رمضان (عبادات) فكلُّ يوم عبادة مفردة، فيحتاج إلى نيَّة (١).
(و) الدليل على أنَّ كلَّ يوم عبادة مفردة أنه (لا يَفسدُ) صومُ (يوم بفساد) صوم يوم (آخر، وكالقضاء) أي: قضاء رمضان، وعنه (٢): يجزئ في أَول رمضان نيَّة واحدة لكلِّه.
(ولو نَوت حائضٌ) أو نُفَساء (صومَ غَدٍ، وقد عرفت أنها تطهر ليلًا، صَحَّ) لمشقَّة المقارنة.
(ولو نسي النيَّة، أو أُغمي عليه) من الغروب (حتى طلع الفجر) لم يصحَّ صومه؛ لعدم النيَّة.
(أو نوى نهارًا صومَ الغد، لم يصحَّ) صومه؛ لأنه لم يبيِّت النية، كما لو نوى من الليل صومَ بعد غد.
(ولو نوى) الصومَ (مِن الليل، ثم أتى بعد النيَّة فيه) أي: الليل (بما يبطل الصوم) كالأكل، والجِماع (لم تبطل) النيَّة. نصَّ عليه (٣)؛
стр. 2186
لظاهر الخبر، خِلافًا لابن حامد، ولأن الله أباح الأكل إلى آخر الليل، فلو بطلت به، فَاتَ محلُّها.
(ومَن خَطَر بباله أنه صائم غدًا، فقد نوى) لأن النيَّة محلُّها القلب.
(و الأكلُ والشُّرب بنيَّة الصوم نيَّةٌ) قاله في "الروضة"، ومعناه لغيره. قال الشيخ تقي الدين (١): هو حين يتعَشَّى، يتَعشَّى عشاء مَن يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد، وعشاء ليالي رمضان.
(ويجب تعيين النيَّة، بأن يعتقد أنه يصوم) غدًا (مِن رمضان، أو مِن قضائه، أو) مِن (نذره، أو كفَّارته) نصَّ عليه (٢)؛ لحديث: "إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئ مَا نَوى" (٣). ولأن التعيين مقصود في نفسه.
(ولا يجب معه) أي: التعيين (نية الفريضة) - وفي نسخة: الفرضية - (في فرضه، ولا الوجوب في واجبه) لأن التعيين يجزئ عن ذلك.
(فلو نوى: إن كان غدًا مِن رمضان فهو) أي: الصوم (عنه؛ وإلا فعن واجب غيره، وعيَّنه بنيَّته) كأنه ينويه عن نَذر أو كفَّارة (لم يجزئه عن واحد منهما) لعدم جزمه بالنيَّة لأحدهما.
стр. 2187
(وإن قال:) إن كان غدًا مِن رمضان فهو فرضي (وإلا فهو نَفْل، أو فأنا مفطر، لم يصحَّ) صومُه إن ظهر منه؛ لعدم جزمه بالنية.
(وإن قاله) أي: إن كان غدًا مِن رمضان ففرضي، وإلا فأنا مفطر (ليلة الثلاثين من رمضان، صحَّ) صومُه إن بانَ منه؛ لأنه بَنَى على أصل لم يثبت زواله، ولا يقدح تردُّده؛ لأنه حكم صومه مع الجزم. بخلاف ما إذا قال (١) ليلة الثلاثين من شعبان؛ لأنه لا أصل معه يبني عليه، بل الأصل بقاء شعبان.
(ومَن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله، فإن قَصَدَ بالمشيئة الشَّكَّ والتردُّد في العزم والقصد، فسدت نيَّتُه) لعدم الجزم بها (وإلا) أي: وإن لم يقصد بالمشيئة الشَّكَّ والتردُّد في الصوم وعدمه، بل نوى التبرك، أو لم ينوِ شيئًا (لم تفسد) نيَّته (إذ قصده أنَّ فِعله للصوم بمشيئة الله، وتوفيقه وتيسيره، كما لا يفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله، غير متردِّد في الحال) قال القاضي: (وكذا) نقول: (سائر العبادات) لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها. انتهى. وفي "نهاية المبتدئين" لابن حمدان: يحرم قوله: أنا مسلم إن شاء الله.
(وإن لم يردِّد نيَّته، بل نوى ليلة الثلاثين مِن شعبان أنه صائم غدًا مِن رمضان، بلا مستند شرعي) مِن رؤية الهلال، أو غيم ونحوه (أو بمستند غير شرعي، كحساب ونحوه) كتنجيم، ولو كثرت إصابته (لم يجزئه) صومه (وإن بانَ منه) أي: مِن رمضان؛ لأن النية قصد يتبع العلم، وما لا يعلمه ولا دليل على وجودِه، لا يصح قصده.
стр. 2188
(ولا أثر لشكٍّ مع غَيْم وقَتَر) ونحوهما. فإذا نوى صوم يوم الثلاثين لذلك، أجزأه إن بَانَ منه؛ لما تقدم (١).
(ولو نوى خارج رمضان قضاء ونَفْلًا، أو نوى الإفطار مِن القضاء، ثم نوى نَفْلًا، أو قَلَب نيَّة القضاء إلى النفل، بطل القضاء) لتردُّده في نيَّته، أو قطعها (ولم يصحَّ النفل؛ لعدم صحَّة نَفْلِ مَن عليه قضاء رمضان قبل القضاء) وفي "الفروع" و"التنقيح" و"المنتهى": يصحُّ نفلًا. وقد ذكرت كلام المصنف في "حاشية التنقيح" في ذلك في "الحاشية" (٢)، وما يمكن أن يُجاب به عنه.
(وإن نوى) خارج رمضان (قضاء وكفَّارة ظِهار ونحوه) ككفَّارة قتل، (لم يصحَّا) أي: لا الصوم الواجب؛ لعدم جزمه بالنية له، ولا النفل (لما تقدم) مِن عَدَمِ صحهَ نَفلِ مَن عليه قضاء رمضان قبل القضاء.
(ومَن نوى الإفطار أفطر) لأنه قَطَع نيَّة الصوم بنيَّة الإفطار، فكأنه لم يأتِ بها ابتداء (فصار كمَن لم ينوِ) الصومَ (لا كمَن أكل) ونحوه.
(فلو كان) نوى الإفطارَ (في نَفْل، ثم عاد نواه) نفلًا (صحَّ) نصَّ عليه (٣).
стр. 2189
(وكذا لو كان مِن نَذْرٍ أو كفَّارة فقطع نيَّته، ثم نوى نَفْلًا) بخلاف ما إذا كان مِن قضاء رمضان على طريقته.
(ولو قلَب نيَّة نَذْر) أو كفَّارة (إلي النفل، فكمَن انتقل مِن فَرْض صلاة إلى نَفْلها) فيصحُّ، ويُكره لغير غرض صحيح.
(ولو تردَّد في الفِطر، أو نوى أنه سيفطر ساعة أخرى، أو إن وجدتُ طعامًا أكلتُ، وإلا أتممتُ، ونحوه، بطل) صومه؛ لتردُّده في النيَّة (كصلاة) أي: كما تبطل الصلاة بتردُّده في فسخ نيتها؛ إذِ استصحاب حكم النية شرط في صحة الصلاة والصوم والوضوء، ونحوها.
(ويصحُّ صوم نَفْل بنيَّة مِن النهار قبل الزوال وبعده) نصَّ عليه (١)؛ لحديث عائشة قالت: "دخلَ عليَّ النبيُّ ﷺ ذاتَ يوم فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذَن صائمٌ". رواه مسلم (٢). ويدلُّ عليه حديث عاشوراء (٣)، ولأن الصلاة خُفِّف نَفْلها عن فرضها، فكذا الصوم، ولما فيه من تكثيره؛ لكونه يَعِنُّ (٤) له؛ فعُفي عنه، ويدلُّ
стр. 2190
لصحته بنيَّة (١) بعد الزوال: أنه قول معاذ (٢) وابن مسعود (٣) وحذيفة (٤)، ولم يُنقل عن أحد مِن الصحابة ما يخالفه صريحًا؛ ولأن النيَّة وُجِدت في جزء مِن النهار، فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة، وبه يبطل التعليل بالأكثر؛ لأن الأكثر قد خلا عن النيَّة في الأصل، فإنَّ ما بين طلوع الفجر والزوال يزيد على ما بين الزوال والغروب، بما بين طلوع الفجر والشمس.
وأيضًا: جميع الليل وقتٌ لنيَّة الفرض، فكذا النهار، وشرطه (٥): أن لا يكون فَعَل ما يفطِّره قبل النيَّة، فإن فَعَلَ، فلا
стр. 2191
يجزئه الصوم بغير خِلاف نعلمه. قاله في "الشرح"، لكن خالف فيه أبو زيد الشافعي (١)(٢).
(و يُحكم بالصَّوم الشرعي المثابِ عليه مِن وقت النيَّة) لأن ما قبله لم يوجد منه قصد القُربة، فلا يقع عبادة؛ لقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرئ ما نوى" (٣) (فيصحُّ تطوُّع حائض) أو نُفساء (طَهُرت) في يوم بصوم بقيته (و) تطوع (كافر أسلم في يوم، ولم يأكلا) أي: الحائض، والكافر. ولو قال "كالمنتهى": لم يأتيا فيه بمُفسِد، لكان أشمل (بصوم بقية اليوم) متعلّق بـ (تطوع). وفي "الفروع": يتوجَّه: يحتمل أن لا يصحَّ؛ لأنه لا يصحَّ منهما صومٌ.
стр. 2192
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
(ما يُفسدُ الصومَ) وهو كلُّ ما ينافيه من أكل وشُرب، ونحوهما (و) ما (يوجب الكفَّارة) كالوطء في نهار رمضان (وما يتعلّق بذلك).
(مَن أكلَ ولو ترابًا، أو ما لا يُغذِّي) - بالغين والذال المعجمتين - (ولا يماع في الجوف كالحصى، أو شرب) فَسَدَ صومه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) فأباحهما إلى غاية، وهي تبيُّن الفجر، ثم أمر بالإمساك عنهما إلى الليل؛ لأنَّ حُكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقوله ﷺ : "كلُّ عَمَل ابن آدَمَ لهُ إلا الصومَ، فإنه لِي وأنا أجزِي به، إنه تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ من أجلي". متفق عليه (٢). ولا فَرْقَ بين القليل والكثير.
(أوِ استَعَطَ) في أنفه (بدُهن أو غيره، فوصل إلى حَلْقه، أو دماغه) وفي "الكافي": أو خياشيمه، فسد صومه؛ لنهيه ﷺ الصَّائمَ عن المبالغة في الاستنشاق (٣). ولأنَّ الدماغَ جوفٌ، والواصل إليه يُغذِّيه، فيُفطر، كجوف البدن.
(أو احتقن) في دُبُره، فَسَد صومه؛ لأنه يصل إلى الجوف؛ ولأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل؛ ولأنه أبلغ وأَولى مِن الاستعاط.
стр. 2193
(أو داوى الجائفة (١) أو جرحًا، بما يَصِلُ إلى جَوفه) لأنه أوصلَ إلى جَوفه شيئًا باختياره، أشبه ما لو أكل.
(أو اكتحل بكُحل، أو صَبِر (٢)، أو قَطُور (٣)، أو ذَرُور (٤)، أو إثمد، ولو غير مطيب يتحقَّق معه وصوله إلى حَلْقِه) نصَّ عليه (٥)؛ لأن النبي ﷺ أمرَ بالإثمدِ المروَّح عندَ النوم، وقال: "لِيتَّقِه الصَّائمُ". رواه أبو داود والبخاري في "تاريخه" (٦)، من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن سعيد (٧) بن هَوذة، عن أبيه، عن جده. قال ابن معين (٨):
стр. 2194
حديث منكر، وعبد الرحمن ضعيف. وقال أبو حاتم (١): صدوق، ووثَّقه ابن حبان (٢). ولأن العين مَنفَذٌ، لكنه غير معتاد، وكالواصل مِن الأنف.
(وإلا) أي: وإن لم يتحقَّق وصوله إلى حَلْقه، (فلا) فِطر؛ لعدم تحقُّق ما ينافي الصوم.
(أو استقاء) أي: استدعى القيء (فقاء طعامًا، أو مُرارًا، أو بلغمًا، أو دمًا، أو غيره، ولو قَلَّ) لحديث أبي هريرة المرفوع: "مَن ذَرَعَهُ القيءُ، فليس عليه قضاءٌ، ومَن استَقاءَ عمدًا، فليقضِ" رواه الخمسة (٣). وقال الترمذي: حسن
стр. 2195
غريب. ورواه الدارقطني (١)، وقال: إسناده كلهم ثقات.
(أو أدخل إلى جَوفه، أو مجوَّف في جسده، كدماغه، وحَلْقه، وباطن فُرْجها - وتقدَّم في) باب (الاستطابة (٢): إذا أدخلت أصبعها - ونحو ذلك) أي: نحو الدِّماغ، والحَلق، وباطن فَرْجها كالدُّبُرِ (مما ينفذ إلى معدته شيئًا مِن أيِّ موضع كان، ولو خيطًا ابتلعه كله، أو) ابتلع (بعضه، أو رأس سكين، مِن فِعلِه أو فِعل غيره بإذنه) فغاب في جَوفه، فَسَدَ صومُه، ويُعتبر العلم بالواصل. وجزم في "منتهى الغاية": بأنه يكفي الظن. واختار الشيخ تقي الدين (٣): لا يفطر
стр. 2196
بمداواة جَائفة ومَأمومة (١) ولا بحُقنة.
(أو داوى المأمومة) فوصل إلى دِماغه (أو قَطَر في أذنه ما يَصِلُ إلى دِماغه) لأن الدِّماغ أحد الجَوفين، فالواصل إليه يُغذِّيه، فأفسدَ الصَّومَ كالآخر.
(أوِ استَمنى) أي: استدعى المنيَّ (فأمنى، أو أمذى) لأنه إذا فسد بالقُبلة المقترنة بالإنزال، فَلأَن يفسد به بطريق أَولى، فإن لم ينزل فقد أتى محرَّمًا، ولم يفسد صومُه، وإن أنزل لغير شهوة، فلا، كالبول.
(أو قَبَّل، أو لَمَسَ، أو باشر دون الفَرْج، فأمنى، أو أمذى) لما روى أبو داود عن عمر أنه قال: "هَشِشْتُ فقبَّلتُ وأنا صَائمٌ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إني فعلتُ أمرًا عظيمًا (٢)، قَبَّلتُ وأنا صَائمٌ، قال: أرأيتَ لو تمَضمَضتَ من إناء وأنت صَائمٌ؟ قلت: لا بأس به، قال: فمَه" (٣)، فشبَّه القُبلة بالمضمضة مِن حيث أنها مِن مقدِّمات الفِطر؛
стр. 2197
فإن القُبلة إذا كان معها نزول أفطر، وإلا، فلا، ذكره في "المغني" و"الشرح"، وفيه نظر؛ لأن غايته أنها قد تكون وسيلة وذريعة إلى الجِماع.
وعُلِمَ منه: أن لا فِطر بدون الإنزال؛ لقول عائشة: "كان النبي ﷺ يقبِّل وهو صائمٌ، وكان أملَكَكم لإربه". رواه البخاري (١). ورُوي بتحريك الراء وسكونها، ومعناه: حاجة النفس ووطَرُها، وقيل: بالتسكين: العضو، وبالتحريك: الحاجة.
(أو كرَّر النظر، فأمنى) لأنه إنزالٌ بفعل يلتذُّ به، ويمكن التحرُّز منه، أشبه الإنزال باللمس. و (لا) يفطر (إن أمذى) بتكرار النظر؛ لأنه لا نصَّ فيه، والقياسُ على إنزال المنيِّ لا يصح؛ لمخالفته إيَّاه في الأحكام (أو لم يكرِّر النظر، فأمنى) أي: لا فِطر لعدم إمكان التحرُّز مِن النظرة الأولى، وعُلِمَ منه: أنه لو كرَّر النظر فلم ينزل، فلا فِطر. قال في "الشرح" و"المبدع": بغير خلاف.
(أو حَجَمَ، أو احتَجَمَ) في القفا أو في السَّاق، نصَّ عليه (٢) (وظهر دَمٌ) نصَّ عليه (٣)؛ لقول رسول الله ﷺ :
стр. 2198
"أفطَرَ الحاجِمُ والمحجومُ". رواه أحمد والترمذيُّ من حديث رافع بن خَديج (١). ورواه أحمد - أيضًا - من حديث ثَوبان (٢)،
زيد (١)، وأبي هريرة (٢)، ومَعقِل بن سنان (٣). وهو لأبي داود من حديث ثوبان، ولابن ماجه من حديث شداد، وأبي هريرة. وهذا يزيد
стр. 2201
على رتبة المستفيض.
قال ابن خزيمة (١): ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك.
وقال أحمد: فيه غير حديث ثابت، وأصحُّها حديث رافع (٢).
قال ابن المديني: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان، وشداد، وصححهما أحمد والبخاري (٣).
стр. 2202
وهو قول علي (١)، وابن عباس (٢)، وأبي هريرة (٣)، وعائشة (٤).
ورخَّص فيها أبو سعيد الخدري (٥)، وابن مسعود (٦)، وقاله أكثر العلماء؛ لما روى ابنُ عباس: "أن النبيَّ ﷺ احتَجَمَ وهو صَائم". رواه البخاري (٧).
وجوابه: أن أحمد ضعَّفه في رواية الأثرم (٨)؛ لأن الأنصاريَّ (٩)
стр. 2203
ذهبت كُتُبُه في فِتنَة، فكان يحدِّث من كُتُب غلامه أبي حكيم (١).
ثم لو صَحَّ، فهو منسوخ، بدليل أن ابن عباس - وهو راويه - كان يُعِدُّ الحجَّام والمحاجم قبل مغيب الشمس، فإذا غابت، احتجم. كذلك رواه الجوزجاني (٢)(٣).
ويحتمل أن يكون لعُذر؛ لما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس
стр. 2204
قال: "احتجَمَ النبيُّ ﷺ من شيء كان وَجدَه" (١).
وأحاديثنا أكثر، واعتضدت بعمل الصحابة (٢)، وهي قول، وحديثهم فِعلٌ، والقول مقدَّم؛ لعدم عموم الفِعل، واحتمال أنه خاصٌّ به. ونَسْخُ حديثهم أَولى؛ لأنه موافق لحُكم الأصل، فَنَسْخُه يلزم منه مخالفة الأصل مرة واحدة، بخلاف نَسْخِ حديثنا؛ لأنه يلزم منه مخالفة الأصل مرتين.
فإن لم يظهر دم، فلا فِطر.
و (لا) فِطر (إن جَرَحَ) الصائم (نفسه، أو جَرَحه غيرُه بإذنه، ولم يصل إلى جَوفه) شيء من آلة الجرح (ولو) كان الجرح (بدل الحجامة).
(ولا) فِطر (بِفَصْد (٣) وشَرْطٍ (٤)، ولا بإخراج دمه برُعاف) لأنه لا نَصَّ فيه، والقياس لا يقتضيه.
(أيَّ ذلك) المذكور مِن الأكل والشُّرب، وما عُطف عليهما (فَعَلَ) الصائمُ (عامدًا) أي: قاصدًا للفعل (ذاكرًا لصومه، مختارًا) لفعله (فَسَدَ صومُه، ولو جهل التحريم) لعموم ما سبق (فلا يفطر غير قاصد الفعل، كمن طار إلى حَلْقه غبار ونحوه) كذُباب (أو ألقي في
стр. 2205
ماء فوصل إلى جَوفه، ونحوه) لأن غير القاصد غافل غير مكلَّف، وإلا، لزم تكليف ما لا يُطاق.
(ولا) يُفطِر (نَاسٍ) لفعل شيء مما تقدَّم؛ لقوله ﷺ : "عُفي لأمتي عنِ الخطأ والنسيانِ وما استُكرهُوا عليه" (١). ولحديث أبي هريرة يرفعه: "مَن نَسِي وهو صَائمٌ فأكلَ أو شَرِبَ، فَليُتِمَّ صومَهُ، فإنما أطعَمه الله وسقاهُ". متفق عليه (٢) (فَرضًا كان الصوم أو نَفلًا) لعموم الأدلة.
(ولا) يُفطر (مُكرهٌ، سواء أُكره على الفِعل) أي: الأكل ونحوه (حتى فَعَلَ) ما أُكره عليه (أو فُعل به، بأن صُبَّ في حَلْقه مُكرهًا أو نائمًا، كما لو أُوجِرَ المغمى عليه معالجة) لعموم قوله ﷺ : "وما استُكرِهُوا عليه".
(ويُفطر) الصائم (برِدَّة) مطلقًا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٤). وكذلك كلُّ عبادة حصلت الرِّدَّةُ في أثنائها؛ فإنها تُفسِدها.
(و) يُفطر بـ (مَوت، فيُطعَم مِن تَرِكته في نَذر وكفَّارة) مسكين؛ لفساد ذلك اليوم الذي مات فيه؛ لتعذر قضائه (ويأتي) ذلك مفصَّلًا في حُكم القضاء (٥).
стр. 2206
(وإن دخل حَلْقَه ذبابٌ أو غُبارُ طريق، أو) غبارُ (دقيق، أو دخان مِن غير قصد) لم يفطر؛ لعدم القصد، كالنائم. وعُلِمَ منه أن مَن ابتلع الدُّخان قصدًا، فَسَدَ صومه.
(أو قَطَر (١) في إحليله) دُهنا أو غيره، لم يفطر (ولو وصل مثانته) لعدم المنفذ، وإنما يخرج البول رشحًا، كمداواة جُرح عميق، لم يصل إلى الجوف.
والمثانة: العضو الذي يجتمع فيه البول، وإذا كان لا يستمسك بوله، قيل: مَثِنَ الرجلُ - بكسر الثاء - فهو أمثن، والمرأة مثنى. وقال الكسائي (٢): يقال: رجل مَثِنٌ ومثون.
(أو فكَّر فأمنى، أو أمذى) لم يُفطر؛ لقوله ﷺ : "عُفِيَ لأمَّتِي مَا حدَّثت به أنفسهَا مَا لم تعمَل، أو تتكَلَّم بهِ" (٣). ولأنه لا نَصَّ فيه، ولا إجماع، وقياسه على تكرار النظر لا يصحُّ؛ لأنه دونه في استدعاء الشَّهوة، وإفضائه إلى الإنزال. (كما لو حصل) الإنزال (بفِكر غالب) أي: غير اختياري، بأن لم يتسبَّب فيه.
(أو احتلم، أو أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المَني أو المَذي لمرض، أو) لـ (سَقطة) من موضع عال (أو خرجا منه لهيجان شهوة مِن غير أن يمسَّ ذَكَره) بيد أو غيرها منه، أو مِن غيره.
стр. 2207
(أو أمنى نهارًا مِن وطء ليل) لم يفطر؛ لأنه لم يتسبَّب إليه في النهار (أو) أمنى (ليلًا مِن مباشرته نهارًا) فلا فِطر بذلك كله.
(أو ذرعه القيء) بالذال المعجمة، أي: غلبه وسَبَقَه، لم يفطر؛ للخبر (١) (ولو عاد) شيءٌ مِن قيئه (إلى جَوفه بغير اختياره) لأنه كالمُكره (لا إن عاد) القيء إلى جَوفه (باختياره) ولو لم يملأ الفم، أو ذَرعه القيء، ثم أعاده عمدًا، فإنه يفطر بذلك، كبلعه بعد انفصاله عن الفم.
(أو أصبح) الصائمُ (وفي فِيهِ طعامٌ فَلَفَظَه) أي: رماه، لم يفطر؛ لعدم إمكان التحرُّز منه، ولا يخلو منه صائم غالبًا.
(أو شقَّ) عليه (لفظه) أي: رمي الطعام الذي أصبح بفمه؛ لعدم تميزه عن ريقه (فَبَلعه مع ريقه بغير قَصد، أو جرى ريقه ببقية طعام تعذَّر رميه) لم يفطر بذلك؛ لما سبق.
(أو بلع) الصائمُ (ريقه عادة) لم يفطر (لا إن أمكن لَفظُ (٢) بقية الطعام، بأن تميز عن رِيقه، فبلعه عمدًا، ولو) كان (دون حِمَّصَة) فإنه يُفطِر بذلك؛ لأنه لا مشقَّة في لَفظِه، والتحرُّز منه ممكن.
(أو اغتسل) لم يفطر؛ لأنه ﷺ "كانَ يدرِكُه الفجرُ، وهو جُنبٌ مِن أهلِهِ ثم يغتسِلُ ويصومُ". متفق عليه (٣) من حديث عائشة وأم سلمة. ولأن الله تعالى أباح الجِماع وغيره إلى طلوع الفجر، فيلزم جواز
стр. 2208
الإصباح جُنبًا. احتجَّ به ربيعة والشافعي (١).
(أو تمضمض، أو استنشق) في الوضوء (فدخل الماءُ حَلْقَه بلا قَصْد، أو بلع ما بقي مِن أجزاء الماء بعد المضمضة، لم يفطر) لأنه واصل بغير قَصد، أشبه الذباب.
(وكذا إن زاد على الثلاث (٢) في أحدهما) أي: الفعلين، وهما المضمضة والاستنشاق.
(أو بالغ فيه) أي: في أحدِهما، بأن بالغ في المضمضة أو الاستنشاق؛ لأنه واصلٌ بغير اختياره.
(وإن فَعَلَهُما) أي: المضمضة والاستنشاق (لغير طهارة) أي: وضوء أو غُسل (فإن كان لنجاسة ونحوها، فكالوضوء، وإن كان عبثًا أو لِحَرٍّ، أو عَطَش، كُرِه) نَصَّ عليه (٣). سُئل أحمدُ عن الصائم يعطش، فيمضمض، ثم يمج الماء؟ قال: يرش على صدره أحبُّ إلي (٤).
(وحُكمُه) في الفِطر (حُكم الزائد على الثلاث) فلا يُفطر به؛ على ما تقدم.
(وكذا إن غاصَ في الماء في غُسل غير مشروع أو إسراف، أو كان عابثًا) فيُكره له ذلك، ولا يفطر بما يصل إلى جوفه بلا قَصد.
(ولو أراد أن يأكل أو يشرب مَن وَجَبَ عليه الصَّوم في) نهار
стр. 2209
(رمضان، ناسيًا أو جاهلًا، وَجَب إعلامُه على مَن رآه) كإعلام نائم إذا ضاق وقت الصلاة.
(ولا يُكره للصَّائم الاغتسال) نهارًا لجنابة ونحوها؛ لما تقدَّم مِن حديث عائشة وأم سلمة (١) (ولو) كان الاغتسال (للتبرُّدِ) لأن فيه إزالة الضجر مِن العبادة، كالجلوس في الظل البارد، قاله المجد (لكن يستحبُّ لمن لزمه الغسل ليلًا مِن جُنُب وحائض ونحوهما) كنُفساء انقطع دمُها، وكافر أسلم (أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني) خروجًا مِن الخلاف، واحتياطًا للصوم (فلو أخَّره) أي: الغسل (واغتسل بعده) أي: بعد طلوع الفجر الثاني (صَحَّ صومُه) لما تقدم من حديث عائشة وأم سلمة (١)، وكان أبو هريرة يقول: "لا صَوم لَهُ". ويَروِي ذلك عن النبي ﷺ ، ثم رجع عنه (٢). قال سعيد بن المسيب: رَجَعَ
стр. 2210
أبو هريرة عن فُتياه (١).
قال الخطابي (٢): أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخٌ؛ لأنَّ الجِماع كان محرَّمًا على الصائم بعد النوم، فلما أباح الله الجِماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم.
(وكذا إن أخَّره) أي: الغُسل (يومًا) فأكثر (لكن يأثم بترك الصلاة) أي: تأخيرها عن وقتها (وإن كَفَرَ بالترك) أي: تَرْك الصلاة (بَطَلَ صومُه) بالرِّدَّةِ (بأن يُدعى إليها) أي: يدعوه الإمام أو نائبه إلى صلاة (وهو صائم فيأبى) حتى يتضيق (٣) وقت التي بعدها (أو) كَفَرَ (بمجرد الترك) أي: ترك الصلاة (مِن غير دُعاء على قول الآجري، وهو ظاهر كلام جماعة) لظاهر الأخبار (٤)، فيبطل صومُه للرِّدة.
(وإن بَصَقَ نخامة بلا قَصد مِن مخرج الحاء المهملة، لم يفطر) بذلك، ويأتي حُكمُ ما إذا بلعها في الباب بعده (٥).
(ومَن أكل ونحوه) بأن شرب، أو جامع (شاكًّا في طلوع الفجر،