← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

(وإن دخل حَلْقَه ذبابٌ أو غُبارُ طريق، أو) غبارُ (دقيق، أو دخان مِن غير قصد) لم يفطر؛ لعدم القصد، كالنائم. وعُلِمَ منه أن مَن ابتلع الدُّخان قصدًا، فَسَدَ صومه. (أو قَطَر (١) في إحليله) دُهنا أو غيره، لم يفطر (ولو وصل مثانته) لعدم المنفذ، وإنما يخرج البول رشحًا، كمداواة جُرح عميق، لم يصل إلى الجوف. والمثانة: العضو الذي يجتمع فيه البول، وإذا كان لا يستمسك بوله، قيل: مَثِنَ الرجلُ - بكسر الثاء - فهو أمثن، والمرأة مثنى. وقال الكسائي (٢): يقال: رجل مَثِنٌ ومثون. (أو فكَّر فأمنى، أو أمذى) لم يُفطر؛ لقوله ﷺ : "عُفِيَ لأمَّتِي مَا حدَّثت به أنفسهَا مَا لم تعمَل، أو تتكَلَّم بهِ" (٣). ولأنه لا نَصَّ فيه، ولا إجماع، وقياسه على تكرار النظر لا يصحُّ؛ لأنه دونه في استدعاء الشَّهوة، وإفضائه إلى الإنزال. (كما لو حصل) الإنزال (بفِكر غالب) أي: غير اختياري، بأن لم يتسبَّب فيه. (أو احتلم، أو أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المَني أو المَذي لمرض، أو) لـ (سَقطة) من موضع عال (أو خرجا منه لهيجان شهوة مِن غير أن يمسَّ ذَكَره) بيد أو غيرها منه، أو مِن غيره.

стр. 2207

(أو أمنى نهارًا مِن وطء ليل) لم يفطر؛ لأنه لم يتسبَّب إليه في النهار (أو) أمنى (ليلًا مِن مباشرته نهارًا) فلا فِطر بذلك كله. (أو ذرعه القيء) بالذال المعجمة، أي: غلبه وسَبَقَه، لم يفطر؛ للخبر (١) (ولو عاد) شيءٌ مِن قيئه (إلى جَوفه بغير اختياره) لأنه كالمُكره (لا إن عاد) القيء إلى جَوفه (باختياره) ولو لم يملأ الفم، أو ذَرعه القيء، ثم أعاده عمدًا، فإنه يفطر بذلك، كبلعه بعد انفصاله عن الفم. (أو أصبح) الصائمُ (وفي فِيهِ طعامٌ فَلَفَظَه) أي: رماه، لم يفطر؛ لعدم إمكان التحرُّز منه، ولا يخلو منه صائم غالبًا. (أو شقَّ) عليه (لفظه) أي: رمي الطعام الذي أصبح بفمه؛ لعدم تميزه عن ريقه (فَبَلعه مع ريقه بغير قَصد، أو جرى ريقه ببقية طعام تعذَّر رميه) لم يفطر بذلك؛ لما سبق. (أو بلع) الصائمُ (ريقه عادة) لم يفطر (لا إن أمكن لَفظُ (٢) بقية الطعام، بأن تميز عن رِيقه، فبلعه عمدًا، ولو) كان (دون حِمَّصَة) فإنه يُفطِر بذلك؛ لأنه لا مشقَّة في لَفظِه، والتحرُّز منه ممكن. (أو اغتسل) لم يفطر؛ لأنه ﷺ "كانَ يدرِكُه الفجرُ، وهو جُنبٌ مِن أهلِهِ ثم يغتسِلُ ويصومُ". متفق عليه (٣) من حديث عائشة وأم سلمة. ولأن الله تعالى أباح الجِماع وغيره إلى طلوع الفجر، فيلزم جواز

стр. 2208

الإصباح جُنبًا. احتجَّ به ربيعة والشافعي (١). (أو تمضمض، أو استنشق) في الوضوء (فدخل الماءُ حَلْقَه بلا قَصْد، أو بلع ما بقي مِن أجزاء الماء بعد المضمضة، لم يفطر) لأنه واصل بغير قَصد، أشبه الذباب. (وكذا إن زاد على الثلاث (٢) في أحدهما) أي: الفعلين، وهما المضمضة والاستنشاق. (أو بالغ فيه) أي: في أحدِهما، بأن بالغ في المضمضة أو الاستنشاق؛ لأنه واصلٌ بغير اختياره. (وإن فَعَلَهُما) أي: المضمضة والاستنشاق (لغير طهارة) أي: وضوء أو غُسل (فإن كان لنجاسة ونحوها، فكالوضوء، وإن كان عبثًا أو لِحَرٍّ، أو عَطَش، كُرِه) نَصَّ عليه (٣). سُئل أحمدُ عن الصائم يعطش، فيمضمض، ثم يمج الماء؟ قال: يرش على صدره أحبُّ إلي (٤). (وحُكمُه) في الفِطر (حُكم الزائد على الثلاث) فلا يُفطر به؛ على ما تقدم. (وكذا إن غاصَ في الماء في غُسل غير مشروع أو إسراف، أو كان عابثًا) فيُكره له ذلك، ولا يفطر بما يصل إلى جوفه بلا قَصد. (ولو أراد أن يأكل أو يشرب مَن وَجَبَ عليه الصَّوم في) نهار

стр. 2209

(رمضان، ناسيًا أو جاهلًا، وَجَب إعلامُه على مَن رآه) كإعلام نائم إذا ضاق وقت الصلاة. (ولا يُكره للصَّائم الاغتسال) نهارًا لجنابة ونحوها؛ لما تقدَّم مِن حديث عائشة وأم سلمة (١) (ولو) كان الاغتسال (للتبرُّدِ) لأن فيه إزالة الضجر مِن العبادة، كالجلوس في الظل البارد، قاله المجد (لكن يستحبُّ لمن لزمه الغسل ليلًا مِن جُنُب وحائض ونحوهما) كنُفساء انقطع دمُها، وكافر أسلم (أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني) خروجًا مِن الخلاف، واحتياطًا للصوم (فلو أخَّره) أي: الغسل (واغتسل بعده) أي: بعد طلوع الفجر الثاني (صَحَّ صومُه) لما تقدم من حديث عائشة وأم سلمة (١)، وكان أبو هريرة يقول: "لا صَوم لَهُ". ويَروِي ذلك عن النبي ﷺ ، ثم رجع عنه (٢). قال سعيد بن المسيب: رَجَعَ

стр. 2210

أبو هريرة عن فُتياه (١). قال الخطابي (٢): أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخٌ؛ لأنَّ الجِماع كان محرَّمًا على الصائم بعد النوم، فلما أباح الله الجِماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم. (وكذا إن أخَّره) أي: الغُسل (يومًا) فأكثر (لكن يأثم بترك الصلاة) أي: تأخيرها عن وقتها (وإن كَفَرَ بالترك) أي: تَرْك الصلاة (بَطَلَ صومُه) بالرِّدَّةِ (بأن يُدعى إليها) أي: يدعوه الإمام أو نائبه إلى صلاة (وهو صائم فيأبى) حتى يتضيق (٣) وقت التي بعدها (أو) كَفَرَ (بمجرد الترك) أي: ترك الصلاة (مِن غير دُعاء على قول الآجري، وهو ظاهر كلام جماعة) لظاهر الأخبار (٤)، فيبطل صومُه للرِّدة. (وإن بَصَقَ نخامة بلا قَصد مِن مخرج الحاء المهملة، لم يفطر) بذلك، ويأتي حُكمُ ما إذا بلعها في الباب بعده (٥). (ومَن أكل ونحوه) بأن شرب، أو جامع (شاكًّا في طلوع الفجر،

стр. 2211

ودام شكُّه، فلا قضاء عليه) لظاهر الآية؛ ولأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمان الشَّكِّ منه. (وإن أكل يظنُّ طلوعه) أي: الفجر، قال في "الفروع": كذا جزم به بعضهم، وما سبق من أن له الأكل حتى يتيقن طلوعه يدلُّ على أنه لا يمنع نية الصوم، وقَصده غير اليقين. والمراد - والله أعلم - اعتقاده طلوعه، ولهذا فرض (١) صاحب "المحرر" فيمن اعتقده نهارًا، فبان ليلًا؛ لأن الظانَّ شاكٌّ، ولهذا خَصُّوا المنع باليقين، واعتبروه بالشَّكِّ في نجاسة طاهر، ولا أثر للظنِّ فيه، وقد يحتمل أن الظن والاعتقاد واحد، وأنه يأكل مع الشكِّ والتردُّد، ما لم يظن أو يعتقد النهار (فَبَانَ ليلًا، ولم يجدد نية صومه الواجب، قضى) لأنه قَطَعَ نية الصوم بأكله يعتقده نهارًا، والصوم لا يصحُّ بغير نية. (وإن أكل، ونحوه، شاكًّا في غروب الشمس، ودام شكُّه) قضى؛ لأن الأصل بقاء النهار. و (لا) يقضي إن أكل ونحوه (ظانًّا) غروبَ الشمس، ولم يتبين له الحال؛ لأن الأصل براءته. (ولو شَكَّ) في غروب الشمس (بعده) أي: بعد الأكل ونحوه (ودام) شَكُّه، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يوجد يقين أزال (٢) ذلك الظنَّ الذي بنى عليه، فأشبه ما لو صَلَّى بالاجتهاد (٣)، ثم شَكَّ في الإصابة بعد صلاته.

стр. 2212

(أو أكلَ يظنُّ بقاءَ النهارِ، قَضى) ما لم يتحقَّق أنه كان بعد الغروب؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الصوم إلى الليل، ولم يُتمَّه. (وإن بَانَ) أنَّ أكله ونحوه كان (ليلًا، لم يقضِ) لأنه أتمَّ صومه (وإن أكل) ونحوه (يظنُّ - أو يعتقد - أنه ليل، فَبانَ نهارًا في أوله) بأن أكل يظنُّ الفجر لم يطلع، وقد طلع (أو آخره) بأن ظنَّ أن الشمس غربت، ولم تغب (فعليه القضاء) لأن الله تعالى أمر (١) بإتمام الصوم، ولم يُتمَّه، وقالت أسماء: "أفطَرنَا على عهدِ رسول الله ﷺ في يومِ غيم (٢)، ثم طلعَتِ الشَّمسُ" قيل لهشام بن عروة - وهو راوي الحديث -: أُمروا بالقضاء؟ قال: لا بدَّ من قضاء. رواه أحمد والبخاري (٣). ولأنه جَهِلَ وقتَ الصوم فلم يعذر، كالجهل بأول رمضان. "تتمة": لو أكل ونحوه ناسيًا، فظنَّ أنه قد أفطر فأكل ونحوه عمدًا، قضى. قال في "الإنصاف": ويشبه ذلك لو اعتقد البينونة في الخلع؛ لأجل عدم عود الصفة، ثم فَعَلَ ما حَلَفَ عليه.

стр. 2213

فصل فيما يوجب الكفَّارة (وإذا جامع في نهار شهر رمضان بلا عُذرِ شَبَق (١) ونحوه) كمَن به مرض ينتفع بالوطء فيه (بذَكَر أصلي في فَرْج أصلي، قُبُلًا كان) الفرج (أو دُبُرًا، مِن آدمي أو غيره) كبهيمة أو سمكة أو طير (حيٍّ أو ميت، أنزل أم لا، فعليه القضاء والكفَّارة، عامدًا كان، أو ساهيًا، أو جاهلًا، أو مخطئًا، مختارًا، أو مُكرَهًا، نصًّا (٢)، سواء أُكره حتى فَعَلَه) أي الجِماع (أو فُعل به، مِن نائم وغيره). أما وجوب الكفَّارة، فلحديث أبي هريرة قال: "بينا نحن جلوسٌ عند النبي ﷺ إذ جاءَهُ رجُلٌ، فقال: يا رسولَ الله، قال: ما لَكَ؟ قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائمٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : هل تَجِدُ رقبة تعتقُهَا؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصُومَ شهرَينِ متَتَابعَينِ؟ قال: لا، قال: فهل تجدُ إطعَامَ ستِّينَ مسكينًا؟ قال: لا، فمكث النبيُّ ﷺ ، فبينَا نحن على ذلك أُتِيَ النبيُّ ﷺ بعَرَق فيه تمرٌ - والعَرَقُ: المِكتَل - فقال: أين السائلُ؟ قال: أنا، قال: خُذ هذا فتَصَدَّق به، فقال (٣): على أفقرَ منِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتَيها أهلُ بيت

стр. 2214

أفقَرُ مِن أهلِ بيتي، فضَحكَ النبيُّ ﷺ حتى بَدَت أنيابُه، ثم قال: أَطعِمه أهلَكَ" متفق عليه (١). وأما وجوب القضاء؛ فلقوله ﷺ للمُجامِع: "وصُم (٢) يومًا مكانَهُ" رواه أبو داود (٣).

стр. 2215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2216

وأما كون السَّاهي كالعامد، والمُكره كالمختار، والنَّائم كالمستيقظ؛ فلأنه ﷺ لم يستفصلِ الأعرابيَّ، ولو اختلف الحُكم بذلك لاستفصله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والسؤال مُعادٌ في الجواب، كأنه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفِّر. ولأنه عبادة يحرم الوطء فيه، فاستوى عمدُه وغيره كالحجِّ. وأما كونه لا فَرقَ بين أن ينزل أو لا؛ فلأنه في مظنة الإنزال، أو لأنه باطن كالدُّبُر. (ولو أولج بفَرْجِ أصليٍّ) في فَرْج غير أصلي كفَرْجِ الخُنثى المشكل (أو) أولج بفرج (غير أصلي في) فَرْج (غير أصلي) كما لو جامع خُنثى مشكل خُنثى مشكلًا (فلا كفَّارة) على واحد منهما؛ لاحتمال الزيادة (ولم يفسد صوم واحد منهما إلا أن يُنزل) كالغسل،

стр. 2217

فإن أنزل، وَجَبَ عليه القضاء فقط. (وإن أولجَ بغير أصلي في أصلي، فَسَدَ صومها فقط) أي: دون صوم الخُنثى (لأن داخل فَرْجِها في حُكم الباطن، فيفسد) صومها (بإدخال غير) الفَرج (الأصلي كأصبعها وأصبع غيرها، وأَولى) أي: إفساد (١) صومها بإدخال الفَرج غير الأصلي أَولى من إفساده بإدخال أصبع في فَرجها (وكلامهم) أي: الأصحاب (هنا يخالفه) حيث قالوا: لا يَفسد صومُ واحد منهما إلا أن ينزل (إلا أن نقول: داخل الفَرج في حكم الظَّاهر، والله أعلم) وقد صَرَّح به في "المستوعب" وغيره، واستدلَّ بأنه يجب غَسله مِن النجاسات، كالفم. وإذا ظهر دَمُ حيضها إليه، ولم يخرج منه، فسد صومها، ولو كان في حكم الباطن، لم يفسد صومها، حتى يخرج منه (٢)، ولم يجب غسله، كالدُّبُر، وإذا ثبت أنه في حُكم الظاهر، فهو كفمِها وعُمقِ سُرَّتها، وطيِّ عُكَنها (٣)، وإنما فَسَدَ صومُها بإيلاج ذَكَرِ الرَّجُل فيه؛ لكونه جِماعًا، لا لكونه وصولًا إلى باطن، بدليل أنه لو أولج إصبعه في قُبُلها، فإنه لا يفسد صومها، والجِماع يفسد؛ لكونه (٤) مظنة الإنزال، فأقيم مقام الإنزال، كما أُقيم مقامه في وجوب الغسل، ولهذا يفسد به صوم الرَّجُل، وإن لم يُنزل، ولم يصل إلى جَوفه شيء. (والنَّزع جِماع، فلو طلع عليه الفجر) الثاني (وهو مجامِع، فَنَزَع

стр. 2218

في الحال مع أول طلوع الفجر) الثاني (فعليه القضاء والكفَّارة) لأنه يلتذُّ بالنَّزعِ، كما يلتذُّ بالإيلاج (كما لو استدام) الجِماع بعد طلوع الفجر، بخلاف مجامع حَلَفَ لا يُجامع، فَنَزَع، فإنه لا يَحنث؛ لتعلُّق اليمين بالمستقبل أول أوقات الإمكان. (ولو جامع يعتقده ليلًا، فَبَان نهارًا، وَجَبَ) عليه (القضاء والكفَّارة) لما تقدم: أنه لا فرقَ بين العامد وغيره. وعلى قياسه: لو جامع يوم الثلاثين مِن شعبان، ثم ثَبَتَ أنه مِن رمضان. (ولا يلزم المرأة كفَّارة مع العُذر، كنوم، وإكراه، ونسيان، وجَهل) لأنها مَعذورة (ويَفسد صومها بذلك) أي: بوطئها معذورة، فيلزمها القضاء. قال في "الشرح": بغير خِلاف نعلمه في المذهب؛ لأنه نوعٌ مِن المفطرات، فاستوى فيه الرَّجُل والمرأة، كالأكل. نصَّ عليه (١) في المُكرهة. (وتلزمها الكفَّارة) إذا جومعت (مع عدم العُذر) لأنها هتكت حُرمة صوم رمضان بالجِماع، فلزمتها الكفَّارة كالرَّجُل، وأما كون الشارع لم يأمرها بها؛ فلأن في لفظ الدارقطني: "هَلَكتُ وأهلَكتُ" (٢)، فدلَّ أنها كانت مُكرهة.

стр. 2219

(ولو طاوعته أَمَتُه) على الجِماع (كفَّرت بالصوم) لأنه لا مال لها، ومثلها أم الولد، والمُدبَّرة، والمُكاتبة. (ولو أَكره زوجته) أو أمَتَه (عليه) أي: على الوطء في نهار رمضان (دفعته بالأسهل فالأسهل، ولو أفضى ذلك إلى ذهاب نفسه، كالمارِّ بين يدي المصلي، ذَكَره) أبو الوفاء علي (بن عَقيل، واقتصر عليه في "الفروع". ولو استدخلت) صائمةٌ (ذَكَرَ نائم، أو) ذَكَرَ (صبي، أو مجنون، بطل صومها) للجِماع، فيجب عليها القضاء والكفَّارة إن كان في نهار رمضان. (ولا تجب الكفَّارة بقُبلة ولَمس ونحوهما (١)) كمفاخذة (إذا أنزل)

стр. 2220

لأنه فطر بغير جِماع. (وإن جامع في يوم رأى الهلالَ في ليلته، ورُدَّت شهادته) لفسقِه أو غيره (فعليه القضاء والكفَّارة) لأنه أفطر يومًا مِن رمضان بجِماع، فلزمته كما لو قُبِلت شهادته. (وإن جامع دون الفَرْج عامدًا، فأنزل ولو مَذيًا) فسَدَ الصومُ؛ لأنه إذا فَسَدَ باللمس مع الإنزال، ففيما ذُكر بطريق الأَولى، ولا كفَّارة؛ لأنه ليس بجِماع. وإن لم ينزل، لم يفسد صومُه كاللمس والقُبلة. (أو أنزل مجبوب أو امرأتان بمساحقة، فسَدَ الصومُ) لما سبق (ولا كفَّارة) صحَّحه في "المغني" و"الشرح" فيما إذا تساحقتا، ونقله في "الإنصاف" عن الأصحاب في مسألة المجبوب؛ لأنه لا نصَّ فيه، ولا يصح قياسه على الجِماع، وجعل في "المنتهى" - تبعًا "للتنقيح" - إنزال المجبوب والمرأتين بالمساحقة كالجِماع. (وإن جامع في يومين مِن رمضانَ واحد، ولم يكفِّر) لليوم الأول، (فـ) ــعليه (كفَّارتان) لأن كلَّ يوم عبادة، وكالحجتين (كما (١) لو كفَّر عن اليوم الأول) فإن يلزمه لليوم الثاني كفَّارة ثانية. ذَكَرَه ابن عبد البر إجماعًا (٢) (وكيومين مِن رمضانين). (وإن جامع، ثم جامع في يوم واحد قبل التكفير، فـ) ــعليه (كفَّارة واحدة) بغير خِلاف (٣)، قاله في "المغني" و"الشرح". فلو كفَّر بالعتق للوطء الأول ثم به للثاني، ثم استحقت الرقبة الأُولى، لم يلزمه بَدَلُها

стр. 2221

وأجزأته الثانية عنهما، ولو استحقت الثانية وحدها، لزمه بَدَلُها، ولو استحقتا جميعًا، أجزأته رقبة واحدة؛ لأن محل التداخل وجود السبب الثاني قبل أداء موجب (١) الأول، ونيَّة التعيين لا تعتبر، فَيُكفِّر، وتصير كنيَّة مطلقة. هذا معنى ما ذَكَره المجد قياس مذهبنا. (وإن جامع ثم كفَّر، ثم جامع في يومه، فـ) ــعليه (كفَّارة ثانية) نصَّ عليه في رواية حنبل والميموني (٢)؛ لأنه وطء محرَّم، وقد تكرَّر؛ فتتكرر هي كالحج، بخلاف الوطء ليلًا، فإنه مباح. لا يقال: الوطء الأول تضمن هتك الصوم، وهو مؤثِّرٌ في الإيجاب، فلا (٣) يصحُّ القياس؛ لأنه مُلغى بمن طلع عليه الفجر وهو يُجامع، فاستدام، فإنه يلزمه مع عدم الهتك. (وكذا كلُّ مَن لزمه الإمساك، يكفِّر لوطئه) كمَن لم يعلم برؤية الهِلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النيَّة، أو أكل عامدًا، ثم جامع فتجب عليه الكفَّارة؛ لهتكه حُرمة الزمن به، ولأنها تجب على المستديم للوَطء، ولا صوم هناك، فكذا هنا. (ولو جامع وهو صحيح، ثم جُنَّ، أو مرض، أو سافر، أو حاضت) المراة (أو نَفِست بعد وطئها، لم تسقط الكفَّارة) لأنه أفسد صومًا واجبًا مِن رمضان بجماع تام، فاستقرَّت عليه الكفَّارة، كما لو لم يطرأ العُذر. لا يُقال: تبيَّنا أن الصوم غير مستحقٍّ عند الجِماع؛ لأن الصادق

стр. 2222

لو أخبره أنه سيمرض أو يموت، لم يجز الفِطر. (ولو مات في أثناء النهار، بطل صومُه) لعدم استصحاب حكم النيَّة الذي هو شرط في العبادات غير الحج. (فإن كان) الصومُ (نَذرًا، وجب الإطعام مِن تَركَتِهِ) لذلك اليوم، فيطعم مسكينًا، وكذا باقي الأيام، إن كان في الذِّمَّة. (وإن كان صوم كفَّارة تخيير) كفِدية أذى (وجبت الكفَّارة في ماله) لتعذُّر الصوم؛ لأن ما وجب بأصل الشرع منه (١) لا تدخله النيابة، كما يأتي (٢). ويأتي حكم كفَّارة اليمين وغيرها في الباب بعده (٢). (ومَن نوى الصَّومَ في سفره) المبيح للفِطر (ثم جامع، فلا كفَّارة) عليه؛ لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه، ثم تجب، كالتطوُّع (وتقدم) في الباب قبله (٣). (ولا تجب) الكفَّارة (بغير الجِماع، كأكل وشُرب ونحوهما في صيام رمضان أداء) لأنه لم يَرِد به نصٌّ، وغير الجِماع لا يساويه. (ويختص وجوب الكفَّارة برمضان، لأن غيره لا يساويه، فلا تجب) الكفَّارة (في قضائه) لأنه لا يتعين بزمان بخلاف الأداء فإنه يتعين بزمان محترم، فالجِماع فيه هَتكٌ له. (والكفَّارة على الترتيب: فيجب عِتقُ رقبة) إن وجدها بشرطه - ويأتى مفصَّلا في الظِّهار - (فإن لم يجد) الرقبة ولا ثمنها (فصيام

стр. 2223

شهرين متتابعين، فلو قَدَرَ على الرقبة في الصوم، لم يلزمه الانتقال) عن الصوم إلى العِتق، نصَّ عليه (١)، إلا أن يشاء أن يعتق فيجزئه، ويكون قد فَعَلَ الأَولى، قاله في "الشرح" و"شرح المنتهى". و (لا) يجزئه الصوم (إن قَدَرَ) على العتق (قبله) أي: قبل الشروع في الصوم؛ لأن النبيَّ ﷺ سأل المواقع عما يقدِرُ عليه حين أخبره، ولم يسأله عمَّا كان يقدِرُ عليه حال المواقعة، وهي حال الوجوب؛ ولأنه وَجَدَ المُبدَل قبل التلبس بالبدل، فلزمه، كما لو وجده حال الوجوب، ذكره في "الشرح" و"شرح المنتهى" وفيه نظر، على ما يأتي في الظِّهار: أن الاعتبار بوقت الوجوب. (فإن لم يستطع) الصومَ (فإطعام ستين مسكينًا) لكلِّ مسكين مُدٌّ مِن بُرٍّ، أو نصف صاع مِن غيره. وهذا كله لخبر أبي هريرة السابق (٢). وهو ظاهر في الترتيب، ولم يأمره بالانتقال إلا عند العجز، وككفَّارة الظِّهار. (ولا يحرم الوطءُ هنا قبل التكفير، ولا في ليالي صوم الكفَّارة) ذكره في "الرعاية" و"التلخيص" ككفَّارة القتل، بخلاف كفَّارة الظِّهار. والفَرق واضح. (فإن لم يجد) ما يطعمه للمساكين حال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب (سقطت عنه، كصدقة فِطر) وكفَّارة الوطء في الحيض؛ لأنه ﷺ لم يأمر الأعرابي بها أخيرًا، ولم يذكر له بقاءها في ذِمَّته (بخلاف

стр. 2224

كفَّارة حَجٍّ وظِهار ويمين ونحوها) ككفَّارة قَتل؛ لعموم الأدلة، ولأنه القياس خُولِفَ في رمضان؛ للنصِّ. قال في "الفروع": كذا قالوا: للنصِّ، وفيه نظر، ولأنها لم تجب بسبب الصوم (١). قال القاضي وغيره: وليس الصوم سببًا، وإن لم تجب إلا بالصوم والجِماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما. وتسقط الكفَّارات كلها بتكفير غيره عنه بإذنه. (وإن كفَّر عنه غيره بإذنه، فله أكلها) إن كان أهلًا لها (وكذا لو ملَّكه) غيره (ما يكفِّرُ به) جاز له أكله مع أهليته؛ لخبر أبي هريرة السابق (٢). قال في "الإنصاف": لو ملَّكه ما يكفِّر به، وقلنا: له أخذه هناك، فله هنا أكله، وإلا أخرجه عن نفسه، وهذا الصحيح مِن المذهب. انتهى. وفي "المبدع": ويتوجَّه أنه ﷺ رخَّص للأعرابي لحاجته، ولم يكن كفَّارة. انتهى. قلت: ويؤيده استدلالهم به على سقوطها بالعجز، وإلا لم يكن ثَمَّ عَجزٌ، بل حصل الإخراج والإجزاء.

стр. 2225

باب (ما يُكره) في الصوم (وما يُستحبُّ في الصوم، وحُكم القضاء) أي: قضاء رمضان والنذور. (لا بأس بابتلاع الصائم رِيقه على جاري العادة) بغير خِلاف؛ لأنه لا يمكن التحرُّز منه، كغبار الطريق. (ويُكره) للصائم (أن يجمعه) أي: رِيقه (ويبتلعه) لأنه قد اختُلف في الفِطر به، وأقلُّ أحواله أن يكون مكروهًا (فإن فَعَله) أي: جَمَعَ رِيقه وبَلَعه (قصدًا، لم يفطر) لأنه يصل إلى جَوفه مِن معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه؛ ولأنه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدًا، لا يفطر إجماعًا (١)، فكذلك إذا جمعه (إن لم يخرجه) أي: رِيقه (إلى بين (٢) شفتيه، فإن فَعَلَ) أي: أخرجه إلى بين شفتيه (أو انفصل) رِيقه (عن فَمِهِ، ثم ابتلعه) أفطر؛ لأنه فارق معدنه مع إمكان التحرُّز منه في العادة، أشبه الأجنبي. (أو ابتلع رِيق غيره أفطر) لأنه واصل مِن خارج. (وإن أخرج مِن فِيهِ حصاة أو درهمًا أو خيطًا أو نحوه) كدينار (وعليه) شيء (مِن رِيقه، ثم أعاده) أي: ما ذكر مِن الحصاة والدرهم والخيط ونحوه (فإن كان ما عليه) مِن رِيقه (كثيرًا فبَلَعَه، أفطر) لأنه واصل مِن خارج، لا يشقُّ التحرُّز منه و (لا) يفطر (إن قلَّ) ما على الحصاة أو الخيط أو الدرهم أو نحوه (لعدم تحقُّق انفصاله) والأصل بقاء الصوم.

стр. 2226

(ولا إن أخرج لسانه ثم أعاده) وعليه رِيقه (وبَلَع ما عليه، ولو كان كثيرًا) لأن الريق الذي على لسانه لم يفارق محلَّه، بخلاف ما على غير اللسان. (وتُكره له المبالغة في المضمضة والاستنشاق) لقوله ﷺ للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: "وبالِغ في الاستنشاقِ إلا أن تكون صائمًا" (وتقدم) في الوضوء (١). (وإن تنجَّس فَمُهُ، ولو بخروج قيء ونحوه) كقَلَس (٢) (فَبَلَعه، أفطر) نصَّ عليه (٣) (وإن قَلَّ) لإمكان التحرُّز منه؛ ولأن الفم في حكم الظاهر، فيقتضي حصول الفِطر بكل ما يصل منه، لكن عفي عن الريق؛ للمشقَّة. (وإن بَصَقَ وبقي فَمُهُ نجسًا، فبلع ريقه، فإن تحقَّق أنه بلع شيئًا نجسًا، أفطر) لما سبق (وإلا) أي: وإن لم يتحقَّق أنه بلع شيئًا نجسًا (فلا) فِطر (٤)؛ إذ لا يفطر ببَلعِ رِيقه الذي لم تخالطه نجاسة. (ويحرم) على الصائم (بَلعُ نخامة) إذا حصلت في فِيهِ؛ للفِطر بها، (ويفطر) الصائم (بها) إذا بلعها (سواء كانت مِن جوفه، أو صدره، أو دماغه بعد أن تصل إلى فَمِهِ) لأنها من غير الفم، كالقيء.

стр. 2227

(ويُكره له) أي: الصائم (١) (ذَوْقُ الطعام) لأنه لا يأمن أن يصل إلى حَلْقِه، فيفطره. قال أحمد (٢): أحب أن يجتنب ذَوْقَ الطعام، فإن فَعَلَ فلا بأس، ذكره جماعةٌ وأطلقوا. وذكر المجد وغيره: أن المنصوص عنه (٣): لا بأس به؛ لحاجة ومصلحة، واختاره في "التنبيه" وابن عقيل، وحكاه أحمد والبخاري عن ابن عباس (٤)، فلهذا قال المصنف: (بلا حاجة) إلى ذَوْقِ الطعام. (وإن وَجَدَ طعمه) أي: المذوق (في حَلْقِه، أفطر) قال في "شرح المنتهى": فعلى الكراهة متى وجد طعمه في حَلْقِه، أفطر؛ لإطلاق الكراهة. انتهى. ومقتضاه: أنه لا فِطر إذا قلنا بعدم الكراهة؛ للحاجة. (ويُكره مَضغُ العلك الذي لا يتحلل (٥) منه أجزاء) لأنه يجمع الريق، ويحلب الفم، ويورث العطش (فإن وجد طعمه في حَلْقِه، أفطر) لأنه واصل أجنبي يمكن التحرُّز منه.

стр. 2228

(ويحرم مَضْغُ ما يتحلل منه أجزاء) مِن علك وغيره. قال في "المبدع": إجماعًا؛ لأنه يكون قاصدًا لإيصال شيء من خارج إلى جَوفه مع الصوم، وهو حرام (ولو لم يبتلع ريقه) إقامة للمظنَّة مقام المَئِنَّة (١). وفي "المقنع" و"المغني" و"الشرح": إلا أن لا يبتلع ريقه، وهو ظاهر "الوجيز"؛ لأن المحرَّم إيصال ذلك إلى جَوفه، ولم يوجد. (وتُكره القُبلة ممن تُحرِّك شهوتَه) فقط؛ لقول عائشة: "كان النبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وهوَ صائمٌ، ويُباشِرُ وهوَ صائمٌ، وكانَ أملَكَكُم لإرْبِهِ". متفق عليه (٢). ولفظه لمسلم. و"نهى النبي ﷺ عنهَا شابًّا، ورخَّصَ لشَيخ". حديث حسن رواه أبو داود (٣) من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد عن أبي هريرة (٤)، وأبي الدرداء (٥)، وكذا عن ابن

стр. 2229

عباس (١) بإسناد صحيح. (وإن ظنَّ الإنزال) مع القُبلة؛ لفرط شهوته (حَرُم) بغير خِلاف (٢). ذكره المجد (٣). (ولا تُكره) القُبلة (ممن لا تُحرِّك شهوته) لما سبق (وكذا دواعي الوَطء كلها) من اللمس وتكرار النظر، حكمها حكم القُبلة فيما تقدَّم. (ويُكره تَرْكه) أي: الصائم (بقية طعام بين أسنانه) خشية أن يجري ريقه بشيء منه إلى جَوفه. (و) يُكره للصائم (شَمُّ ما لا يأمن أن يجذبه نَفَسُه إلى حَلْقه، كسحيق مِسك، وكافور ودُهن ونحوها) كبخور عود وعنبر. (ويجب اجتناب كَذِب وغيبة ونميمة وشَتْم) أي: سَبٍّ (وفُحش)

стр. 2230

قال ابن الأثير (١): هو كل ما اشتد قبحه مِن الذنوب والمعاصي (ونحوه، كلَّ وقت) لعموم الأدلة (و) وجوب اجتناب ذلك (في رمضان، ومكان فاضل آكد) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "مَن لم يدَع قول الزُّور والعَملَ بهِ، فليس لله حاجَةٌ في أن يدَعَ طعَامَهُ وشَرَابَهُ". رواه البخاري (٢). ومعناه: الزجر والتحذير. ولأن الحسنات تتضاعف بالمكان والزمان الفاضلين، وكذا السيئات على ما يأتي. (قال) الإمام (أحمد (٣)): ينبغي للصائم أن يتعاهد صومَه مِن لسانه، ولا يماري) أي: يجادل (ويصونَ صومَه، ولا يغتَب أحدًا) أي: يذكره بما يَكره، بهذا فَسَّره النبيُّ ﷺ في حديث أبي هريرة، رواه مسلم (٤). وإن كان حاضرًا، فهو الغيبة في بُهت. قال في "الحاشية": والغيبة محرَّمة بالإجماع (٥)، وتُباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، كالتظلُّم، والاستفتاء، والاستعانة على تغيير المنكر، والتعريف، ونحو ذلك. (ولا يعمل عملًا يجرح (٦) به صومه) وكان السلف إذا صاموا

стр. 2231

جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظُ صومنا، ولا نغتاب أحدًا (١). (فيجبُ كَفُّ لسانه عما يحرم) كالكذب، والغيبة ونحوهما. (ويُسَنُّ) كفُّه (عما يُكره) قلت: وعن المباح أيضًا؛ لحديث: "من حُسن إسلامِ المرء تَركُه ما لا يعنيه" (٢).

стр. 2232

(ولا يُفطِر بغيبة ونحوها) قال أحمد (١): لو كانت الغيبة تُفطِر، ما كان لنا صوم. وذَكَره الموفَّق إجماعًا (٢). وذكر الشيخ تقي الدين (٣) وجهًا: يفطر بغيبة ونميمة ونحوهما. قال في "الفروع": فيتوجَّه منه احتمال: يُفطر بكلِّ محرَّم. وقال أنس: "إذا اغتاب الصائمُ أفطر" (٤)، وعن إبراهيم قال: "كانوا يقولون: الكذب يفطر

стр. 2233

الصائم" (١)، وعن الأوزاعي: "مَن شاتم، فَسَدَ صومه" (٢)؛ لظاهر النهي. وذكر بعضُ أصحابنا رواية (٣): يُفطِر بسماع الغيبة. وقال المجد: النهي عنه؛ ليسلم مِن نقص الأجر. قال في "الفروع": ومراده أنه قد يكثر، فيزيد على أجر الصوم، وقد يقل، وقد يتساويان. وأسقط أبو الفَرَج ثوابه بالغيبة ونحوها، ومراده ما سبق، وإلا فضعيف. (وإن شُتِم، سُنَّ قولُه جهرًا في رمضان) للأمن (٤) مِن الرياء، وفيه زَجْر مَن شاتمه؛ لأجل حُرمة الوقت (إنِّي صائم. وفي غيره) أي: غير رمضان يقوله (سرًّا؛ يزجر نفسه بذلك) خَوْفَ الرياء. وهذا اختيار صاحب "المحرر"، وفي "الرعاية": يقوله مع نفسه. واختار الشيخ تقي الدين (٥): يجهر به مطلقًا؛ لأن القول المطلق باللسان، وهذا (٦) ظاهر "المنتهى"؛ لظاهر حديث "الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يرفث ولا يَصخَب، فإن شاتمهُ أحدٌ أو قاتلَهُ فليقُل: إني امرؤٌ صائِمٌ" (٧).

стр. 2234

فصل (يُسَنُّ تَعجيل الإفطار إذا تحقَّق الغروب) لحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "لا يزالُ النَّاسُ بخير ما عَجَّلوا الفِطرَ" متفق عليه (١) (وله الفِطر بغلبة الظن) أن الشمس قد غربت؛ لأنهم أفطروا في عهده ﷺ ثم طلعت الشمس (٢). ولأن ما عليه أمارة يَدخله الاجتهاد، ويُقبَلُ فيه قول واحد كالقِبلة. (وفِطره قبل الصلاة أفضل) لفعله ﷺ ، رواه مسلم (٣) مِن حديث عائشة، وابن عبد البر (٤) عن أنس.

стр. 2235

(و) يُسَنُّ (تأخير السُّحور ما لم يخشَ طلوعَ الفجر الثاني) للأخبار، منها: ما روى زيد بن ثابت قال: "تسَحَّرنا مع النبي ﷺ ثم قمنا إلى الصلاةِ. قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: قَدْرُ خمسينَ آية". متفق عليه (١). ولأنه أقوى على الصوم، وللتحفُّظ مِن الخطأ، والخروج مِن الخلاف. (ويُكره تأخير الجِماع مع الشك في طلوعه) أي: الفجر الثاني؛ لما فيه مِن التعرُّض لوجوب الكفَّارة؛ ولأنه ليس مما يتقوَّى به، ولو أسقط: "تأخير" لكان أخصر، وأظهر. و (لا) يُكره (الأكل والشُّرب) مع الشك في طلوع الفجر الثاني (قال أحمد) في رواية أبي داود (٢): (إذا شَكَّ في) طلوع (الفجر، يأكل حتى يستيقن طلوعه) لأن الأصل بقاء الليل. (قال الآجري وغيره: ولو قال لعالِمَين: ارقُبا الفجر، فقال أحدهما: طَلَع، وقال الآخر: لم يطلع، أكَلَ حتى يتفقا) على أنه طلع، وقاله جَمْعٌ مِن الصحابة (٣) وغيرهم، ذكره

стр. 2236

في "المبدع"؛ لأن قولهما تعارض فتساقطا، والأصل عدم طلوعه. (وتحصُل فضيلة السُّحور بأكل أو شُرب، وإن قلَّ) لحديث أبي سعيد: "ولو أن يجرَعَ أحَدُكُم جرعَة مِن مَاء". رواه أحمد (١). وفيه

стр. 2237

ضَعفٌ. قال (١) في "المبدع": (و) يحصُل (تمامُ الفضيلة بالأكل) لحديث عمرِو بن العاص يرفعه: "بينَنَا وبينَهُم أكلَةُ السَّحُور". رواه مسلم (٢). وروى أبو داود عن النبي ﷺ : "نِعْمَ سَحُورُ المؤمنِ التَّمرُ" (٣). (ويُسَنُّ أن يُفطر على رُطب، فإن لم يجد) الرُّطب (فعلى التمر، فإن لم يجد) التمر (فعلى الماء) لحديث أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يفطرُ على رطبات قبلَ أن يصلِّيَ، فإن لم يكُن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمراتٌ حسَا حسَوات من ماء". رواه أبو داود والترمذي (٤)، وقال: حسن غريب.

стр. 2238

(و) يُسَنُّ (أن يدعو عند فِطره، فإنَّ له (١) دعوة لا تُردُّ) لما روى ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو: "للصَّائِم عندَ فطرِهِ دعوةٌ لا تُرَدُّ" (٢). (و) يُسنُّ أن (يقول) عند فِطره: (اللهمَّ لك صُمتُ، وعلى رِزقكَ أفطرتُ، سبحانك وبحمدك، اللهمَّ تقبَّل منِّي، إنك أنت السَّميعُ العليمُ) لما روى الدارقطني مِن حديث أنس (٣) وابن عباس (٤): "كان

стр. 2239

النبي ﷺ إذا أفطرَ قالَ: اللهُمَّ لكَ صمنَا، وعلى رزقِكَ أفطَرنَا، فتقبَّل منَّا، إنكَ أنتَ السمِيعُ العليمُ". وعن ابن عمر قال: "كان النبيُّ ﷺ إذا أفطَرَ؛ قال: ذهبَ الظمَأ، وابتَلَّت العُرُوقُ، ووَجَبَ الأجرُ إن شاءَ الله تعالى". رواه الدارقطني (١) أيضًا. (و إذا غابَ حاجبُ الشمس الأعلى، أفطرَ الصائمُ حُكمًا، وإن لم يَطعم) أي: يأكل أو يشرب (فلا يُثاب على الوِصال) قال في "المبدع": وفي الخبر (٢) ما يدلُّ على أنه يُفطِرُ شرعًا. (ومَن فطَّر صائمًا، فله مثلُ أجره) مِن غير أن ينقص مِن أجر الصائم شيء. رواه زيد بن خالد الجُهني مرفوعًا (٣).

стр. 2240

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال في "الفروع": (وظاهره) أي: كلامهم (أي شيء كان) كما هو ظاهر الخبر. وكذا رواه ابن خزيمة (١) من حديث سلمان الفارسي، وذكر فيه ثوابًا عظيمًا إن أشبعه

стр. 2241

(وقال الشيخ (١): المراد) بتفطيره (إشباعه). (و يُستحبُّ في رمضان الإكثار مِن قراءة القرآن والذِّكرِ والصدقة) لتضاعف الحسنات به. قال في "المبدع": وكان مالك يترك أصحاب الحديث في شهر رمضان، ويُقْبِلُ على تلاوة القرآن (٢). وكان الشافعي يقرأ ستين ختمة (٣). وقال إبراهيم: تسبيحة في رمضان خير مِن ألف تسبيحة فيما سواه (٤). (ويُستحبُّ التتابع فورًا في قضائه) أي: رمضان؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وفيه خروج مِن الخِلاف، وأنجى لبراءة الذِّمَّة. وظاهره: لا فَرقَ بين أن يكون أفطر بسبب مُحرَّم، أو لا (ولا يَجبان) أي: التتابع والفور في قضاء رمضان. قال البخاري: قال ابن عباس: "له أن يفرِّق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) " (٦). وعن

стр. 2242

ابن عمر مرفوعًا: "قضاء رمضان إن شاء فرَّق وإن شاء تابع". رواه الدارقطني (١)، ولم يسنده غير سفيان بن بشر. قال المجد: لا نعلم

стр. 2243

أحدًا طعن فيه. والزيادة مِن الثقة مقبولة، ولأنه لا يتعلَّق بزمان معيَّن، فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المُطلَق (إلا إذا لم يبقَ مِن شعبان إلا ما يتسع للقضاء فقط) فيتعيَّن التتابع؛ لضيق الوقت، كأداء رمضان في حَقِّ مَن لا عُذر له. (و لا يُكره القضاء في عشر ذي الحجَّة) لأنها أيام عبادة، فلم يُكره القضاءُ فيها، كعشر المُحرَّم. ورُويَ عن عمرَ أنه كان يَستحبُّ القضاء فيها (١). (و يجب العزمُ على القضاء) إذا لم يفعله فورًا (في) القضاء (الموسَّع، وكذا كلُّ عِبادة متراخية) يجب العزمُ عليها، كالصَّلاة إذا دخل وقتها المتسع. فصل (ومَن فاته) صومُ (رمضانَ كله، تامًّا كان) رمضانُ (أو ناقصًا، لعُذر أو غيره (٢)، كالأسير والمَطمور، وغيرهما، قضى عددَ أيامه) سواء (ابتدأه مِن أول الشَّهر، أو مِن أثنائه كأعداد الصلوات) الفائتة؛ لأن القضاء يجب أن يكون بعِدَّة ما فاته كالمريض والمسافر؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).

стр. 2244

(ويجوز أن يقضي يومَ شتاء عن يومِ صيف، وعكسُه) بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء؛ لعموم الآية. (وإن كان عليه معه) أي: مع قضاء رمضان (صوم نَذر لا يخاف فَوته) لاتساع وقته (بدأ بقضاء رمضان) وجوبًا، قاله في "شرح المنتهى". فإن خاف فَوتَ النَّذر لضيق وقته، قَدَّمه. قلت: إلا أن يضيق الوقت عن قضاء رمضان؛ بأن كان عليه مثلًا عشرة أيام مِن رمضان، ونَذَرَ أن يصوم عشرة أيام مِن شعبان، ولم يبقَ سوى العشرة فيصومها عن قضاء رمضان؛ لتعيُّن الوقت لها. (ويجوز تأخير قضائه) أي: رمضان (ما لم يفت وقته، وهو) أي: وقت القضاء (إلى أن يُهلَّ رمضان آخر) لقول عائشة: "كانَ يكونُ عليَّ الصومُ مِن رمضانَ فما أستَطيعُ أن أقضِيهُ إلا في شعبانَ؛ لمكانِ رسولِ الله ﷺ ". متفق عليه (١). وكما لا يؤخِّر الصلاة الأولى إلى الثانية (فلا يجوز تأخيره) أي: قضاء رمضان (إلى رمضانَ آخر مِن غير عُذر) نصَّ عليه (٢)، واحتجَّ بما تقدَّم عن عائشة. (ويحرم التطوُّع بالصوم قبلَه) أي: قبل قضاء رمضانَ (ولا يصحُّ) تطوُّعه بالصوم قبل قضاء ما عليه مِن رمضان، نصَّ عليه (٣). نقل حنبل أنه لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه، وإن كان عليه نَذرٌ،

стр. 2245

صامه، يعني بعد الفرض. وروى حنبل (١) بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَن صامَ تطوُّعًا وعليهِ مِن رمضان شيءٌ لم يقضِهِ، فإنَّهُ لم يُتَقبَّل منهُ حتَّى يصُومَهُ" (٢). وكالحجِّ، والحديث يرويه ابن لهيعة وهو ضعيف، وفي سياقه ما هو متروك؛ فإنه قال في آخره: "ومن أدركهُ رمضَانُ وعليهِ مِن رمضَانَ شيءٌ، لم يُتَقبل منهُ" قاله في "الشرح"، (ولو اتَّسع الوقت" أي: وقت القضاء، وعنه: بلى إن اتَّسع الوقت (٣). (فإن أخَّره) أي: قضاء رمضان (إلى رمضانَ آخر، أو) أخَّره إلى (رمضانات، فعليه القضاء وإطعام مسكين لكلِّ يوم، ما يجزئ في كفَّارة) رواه سعيد (٤) بإسناد جيد عن ابن عباس، فيما إذا أخَّره
следующие страницы →